← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 939

فتح الباقي على منظومة المراقي

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (531 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تعدد الجناية، فهي كمن اقترض من شخص عشرة دراهم، ثم اقترض منه عشرة دراهم، فالعشرة الواحدة غير محصلة لمصلحة عشرتين، فلا تكفي في قضائهما، وهكذا. وإذا كان حصول المصلحة بالمسبب الواحد محتملا، إما للاحتمال في تعيين المصلحة، وإما للاحتمال في حصولها على وجه تام، فهاهنا يكون الخلاف، كقذف الجماعة. وينبغي أن يعلم أن الاكتفاء بالمسبب الواحد، إنما هو إذا كان تكرر السبب قبل حصول المسبب، وأما إذا حصل السبب ثانية بعد فعل المسبب، فلا بد من مسبب آخر، وإلا لم يكن سببا. وإذا علمت ذلك، فبناء مسألة تكرر الحكاية بتكرر الأذان على هذا غير بين، فالقائل بسقوط الحكاية إنما بنى ذلك على أصل التخفيف في مواطن المشقة، كما سقط سجود التلاوة عن المتعلم في تكراره حزب السجدة مثلا، والله أعلم. والامر لا يستلزم القضاء … بل هو بالأمر الجديد جاء لأنه في زمن معين … يجي لما عليه من نفع بُني وخالف الرازي إذ المركب … لكل جزء حكمه ينسحب اختلف في الأمر المقيد بوقت، كافعل في يوم كذا، هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل في ما بعد ذلك الوقت؟ لأنه أمر بمركب، هو الفعل، وكونه في وقت كذا، والأمر بالمركب أمر بأجزائه، فإذا تعذر البعض بقي الطلب متوجها بغيره، وهو مذهب الفخر الرازي ﵀ وجماعة من الحنفية، وجماعة من الحنابلة والمعتزلة. أو لا يقتضي ذلك، وهو مذهب الجمهور، فلا يلزم قضاؤه إلا بأمر جديد، لأن تقييده بالوقت لا يكون إلا لمعنى يختص به ذلك الوقت عن غيره من الأوقات، وإلا لصح قبل وقته. وأما ما ذكر من التركب فهو مبني على أن المطلق والمقيد شيئان في الخارج، وهو أمر مختلف فيه. والمعول أن الأمر بالفعل، لا يستلزم الأمر بقضائه، سواء قيد بوقت، أو لم يقيد به وقلنا إن الأمر يقتضي الفور، وهي المسألة المتقدمة في قوله:

стр. 142

وهل لدى الترك وجوب البدل ........................... فالقضاء إنما هو بأمر جديد، ولذلك سقط عن من لم يرد النص بوجوبه عليه من ذوي الأعذار، كالحائض، والنفساء، والمجنون، والمغمى عليه في الصلاة. وأما العامد فهو فحوى الناسي، (١) ولذلك قضى ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ الصلوات في الأحزاب، (٢) والله أعلم. وما في بعض الشروح هنا عن الدبوسي من أن وجوب القضاء بالقياس على العبادات الفائتة التي دل الدليل على وجوب قضائها، والجامع بينهما استدراك مصلحة الفائت. قال: وحاصله أن ما لم ينقل فيه أمر بالقضاء، يكون مأمورا به قياسا، لا بالأمر الأول، ولا بأمر جديد اهـ فهو مشكل، فإنه لا يمكن أن يكون إلا بالأمر السابق، أو بأمر جديد، والقياس كما هو معلوم ليس إلا تعميما لنص الأصل في الفرع، والله أعلم. وليس من أمر بالأمر أمر … لثالث إلا كما في ابن عمر والامر للصبيان ندبه نُمي … لما رووه من حديث خثعم اختلف في من أمر شخصا أن يأمر آخر، هل يكون ـ أعني الآمر أولا ـ آمرا للثالث، أو لا؟ وهذا ما لم تقم قرينة على أن المأمور أولا مأمور بالتبليغ، لا بالأمر. وكذلك ـ على ما يظهر ـ إذا قامت قرينة على أنه مأمور بالأمر، لا بالتبليغ. أولهما: كما في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ الذي أشار إليه

стр. 143

الشيخ ﵀ (١) وكحديث " مروا أبا بكر فليصل بالناس " (٢) وكحديث " مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم " (٣) بل نقل في النشر عن القرافي ـ رحمهما الله أنه قال في شرح التنقيح: علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ أن يأمر غيره فإنما هو على سبيل التبليغ، ومتى كان على سبيل التبليغ، صار الثالث مأمورا إجماعا اهـ وهو ظاهر كلام صاحب الإرشاد، وغير واحد، وهو بين عند التجرد من القرائن. والثاني كما في قوله جل من قائل: (وأمر أهلك بالصلاة) فالظاهر أن المراد أمر خاص، وهو التعاهد بالحث والحض. وكما في حديث " مري غلامك النجار " (٤) فكونها مالكة له ولكسبه، قرينة بينة على توجه الأمر إليها. ومن هذا أيضا حديث " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين " (٥) فإن المراد ليس الأمر مرة، حتى يكون بلاغا، فهو أمر للولي بتعاهد الولد بالأمر بالصلاة، وتربيته عليها. … ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب إلى الثاني جماعة. وأشار الشيخ ﵀ بقوله: والامر للصبيان البيت، إلى أن مدرك استحباب الصلاة في حق الصبي الذي هو مذهبنا كما تقدم، هو حديث التي أخذت بضبعي صبي لها وقالت: ألهذا حج يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ فقال: " نعم ولك أجر " (٦)

стр. 144

ولذلك فظاهر كلام أصحابنا أن الاستحباب المذكور لا يتوقف على بلوغ سبع سنين. هذا ونسبة المرأة المذكورة في هذا الحديث الشريف إلى خثعم، وقعت في كلام جماعة من أهل العلم، والذي يغلب على الظن أنها وهم، والله أعلم. تعليق أمرنا بالاختيار … جوازه روي باستظهار المقصود أن في جواز تعليق الأمر باختيار المأمور، نحو افعل كذا إن شئت، خلافا، واستظهر المحلي جوازه، والتخيير قرينة عدم الوجوب. وذلك كحديث البخاري ﵀ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: " صلوا قبل المغرب " قال في الثالثة: " لمن شاء " وكحديثه أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أصاب أرضا بخيبر فجاء إلى النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ يستأمره فيها، فقال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " وكحديثه أن امرأة قالت: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؟ فإن لي غلاما نجارا، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " إن شئت " فعملت المنبر. وآمر بلفظة تعم هل … دخل قصدا أو عن القصد اعتزل اختلف في من أمر غيره بلفظ يشمله، هل يكون داخلا في ذلك الأمر؟ لتناول الصيغة له، أو لا يكون داخلا فيه بقرينة كونه الآمر. وذلك كقول السيد لعبده: أحسن إلى من أحسن إليك، وقد أحسن هو إليه، وهذا ما لم تقم قرينة بينة أخص من القرينة المذكورة على عدم الدخول، وكذا لو قامت قرينة أيضا على دخوله على ما يظهر والله أعلم. أنب إذا ما سر حكم قد جرى … بها، كسد خلة للفقرا معناه أن إنابة المأمور غيره على فعل المأمور به، جائزة، إذا كانت المصلحة التي شرع لها، تحصل مع الإنابة، سواء كان ذلك لضرورة أو لا، سواء كان الحق المأمور به ماليا، كالزكاة، أو بدنيا، كالحج.

стр. 145

فإن كانت المصلحة لا تحصل إلا بالمباشرة، امتنعت الإنابة، وذلك كالصلاة، والطواف، وقالت المعتزلة: لا تجوز الإنابة في البدني إلا لضرورة. والامر ذو النفس بما تعينا … ووقته مضيق تضمنا نهيا عن الموجود من أضداد … أو هو نفس النهي عن أنداد وبتضمن الوجوب فرقا … بعض، وقيل لا يدل مطلقا ففاعل في كالصلاة ضدا … كسَرقة على الخلاف يبدى إلا إذا النصُّ الفسادَ أبدى … مثل الكلام في الصلاة عمدا اختلف في الأمر النفسي بشيء معين مضيق الوقت، هل يستلزم النهي عن أضداده الوجودية؟ وعليه أكثر أصحاب الإمام مالك ﵏ وصار إليه القاضي ﵀ في آخر مصنفاته. وحجته: امتناع تصور فعله إلا بترك أضداده، وامتناع غفلة الآمر عن ذلك، وإن كان لا يلزم استحضاره لآحاد الأضداد. أو هو عينه، وهو مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر ـ رحمهما الله والجمهور من المتكلمين، والأصوليين، والمحدثين، ومن الحنفية، والشافعية، لما سبق أيضا. وقيل: أمر الإيجاب نهي عن ضده، دون أمر الندب. وقيل: ليس نهيا عنه ولا يتضمنه عقلا، واختاره الجويني، والغزالي، وابن الحاجب ﵏ لجواز الذهول عنه، وفيه ما سبق. وقيل: نهي عن واحد من الأضداد غير معين، وهو مذهب جماعة من الحنفية، والشافعية، والمحدثين. واحترز بالنفسي عن اللفظي، فلا خلاف في تغاير صيغتي الأمر والنهي، كما لا خلاف في تغاير مفهوميهما. واحترز بوصف الضد بالوجودي، عن الضد العدمي، وهو عدم المأمور به، الذي هو

стр. 146

النقيض، فهو نهي عنه، أو يتضمنه اتفاقا على ما ذكره بعضهم. وإنما اتفق عليه لأنه أخص من جهة التلازم الذهني الذي هو مثار المسألة. واحترز بالمعين، عن الواجب المخير، وقوله: ففاعل في كالصلاة ضدا … كسرقة على الخلاف يبدى معناه أنه ينبني على الاختلاف المذكور: الاختلاف في بطلان صلاة من سرق أثناء صلاته، فمن أثبت هناك أبطل، ومن نفى لم يبطل، هكذا في الأصل تبعا لحلولو ـ رحمهما الله وليس ببين، فإن حجج القوم صريحة في أن المراد ضد خاص، وهو الضد المفوت للأمر، وقد صرح بذلك الشوكاني ﵀ في الإرشاد، والفعل الخفيف لا ينافي الصلاة، فمسألة السرقة في الصلاة، إنما تبنى على مسألة الواحد بالشخص له جهتان، وقد نبه على هذا في الحلي. وقوله: إلا إذا النص الفساد أبدى البيت، معناه أن محل الاختلاف ما لم يرد النص بالبطلان بفعل الضد، مثل الكلام في الصلاة عمدا، وهذا غير بين، فإن ترك الكلام في الصلاة شرط في صحتها، والشرط يلزم من عدمه العدم، كما تقدم في حده، فلا يمكن بناء ترك الشرط على الخلاف في تضمن الأمر النهي ـ على ما يظهر ـ وإن كان بعضهم قد صرح به، والله أعلم. ولا يقال: كيف مثل بالصلاة مع أنها من الواجب الموسع، لأن التوسيع إنما هو قبل الشروع، فإذا أحرم تعين عليه الإتمام كما تقدم. وذكر في الإرشاد أنه ينبني على المسألة: الخلاف في تارك الواجب هل يتعدد عليه الذنب، بترك الأمر، وفعل النهي، أو لا. ويلزم عليه مثل ذلك في فعل المأمور. وظواهر النصوص بينة في أن تارك المأمور عليه سيئة واحدة، وفاعل المنهي عليه سيئة واحدة، وفاعل المأمور به جاء بحسنة واحدة، وكذلك تارك المنهي امتثالا، والله أعلم. والنهي فيه غابر الخلاف … أو اَنه أمر على ائتلاف

стр. 147

وقيل لا قطعا كما في المختتصر … وهْو لدى السبكي رأي ما انتصر معناه أنه اختلف في النهي النفسي كذلك، فقيل: هو أمر بأحد أضداده الوجودية، فهو من الواجب المخير، نحو الخلاف السابق في الأمر. وقيل: هو أمر بأحدها اتفاقا، وهي طريقة القاضي ﵀ سبحاته وتعالى ـ إذ لا بد من حضور الضد فيه بالذهن. وذكر ابن الحاجب ﵀ حكاية الاتفاق أيضا على أنه ليس أمرا به، وذكر السبكي ﵀ أنه لم يقف على نقل ذلك لغيره، والله أعلم. الامران غير المتماثلين … عُدا كصم قم متغايرين وإن تماثلا وعطف قد نُفي … بلا تعاقب فتأسيس قفي وإن تعاقبا فذا هو الاصح … والضعف للتاكيد والوقف رجح إن لم يكن تأسس ذا منْع … من عادة ومن حِجا وشرع وإن يكن عطف فتأسيس بلا … منعٍ يرى لديهمُ معولا إذا تكرر الأمر، فإما أن يكون المأمور به ثانيا مماثلا لما قبله، أو لا. فإن كان غير مماثل له، فهما أمران، بلا خلاف، كصم يوما، صل ركعتين، سواء وقع الأمر بهما في فور، أو على التراخي، سواء كان بعطف، أو بدون عطف، سواء كانا خلافين، كالمثال المتقدم، والمثال الذي في البيت، أو كانا ضدين، نحو " اركعوا واسجدوا " إلا أنه يشرط في الضدين اختلاف الوقت، فإن اتحد حمل على التخيير، نحو أكرم زيدا وأهنه، ولا يحمل على النسخ لأن من شرطه تراخي الناسخ عن المنسوخ، هذا هو المراد بأول الأبيات. وأشار بالبيت الثاني إلى المتماثلين، فذكر أنهما إن كانا في فور، ولم يعطف الثاني منهما على السابق، نحو: صل ركعتين، صل ركعتين، فالأصح أنهما أمران، وذلك هو المراد بالتأسيس. وهذا إذا تكرر قبل امتثال السابق، وإلا فهما أمران بلا خلاف.

стр. 148

وأشار بقوله: وإن تعاقبا فذا هو الاصح، إلى أن المتماثلين إذا تعاقبا، بأن تراخى ورود الثاني منهما عن السابق ـ ولا يكون ذلك بعطف، لأن العطف إنما يعهد في الكلام الواحد ـ فالأصح أنهما أمران، لأن الأصل التأسيس لا التأكيد. وقيل: الثاني مؤكد للسابق، لأن الأصل براءة الذمة، والأصل في المكرر التأكيد. وقيل: بالوقف، وإلى هذين القولين أشار ﵀ بقوله: والضعف للتأكيد والوقف رجح. وهذا ما لم يمنع من التأكيد مانع عقليا كان، أو شرعيا، أو عاديا، كما أشار إليه ﵀ بقوله: إن لم يكن تأسس البيت. ومثال المانع العقلي أن يقول: اقتل زيدا، اقتل زيدا، فتكرر قتله ممتنع عقلا. ومثال المانع العادي أن يقول: اسقني ماء، اسقني ماء، أو أطعمني أطعمني، فالعادة الاكتفاء بالسقي مرة واحدة، والأكل مرة واحدة، وأن مثل ذلك إنما يراد به التأكيد، لا تعدد السقي أو الأكل. ومثال المانع الشرعي أن يقول: أعتق زيدا، أعتق زيدا، أو تصدق بشيئك كذا، تصدق بشيئك كذا، لعين السابق. وإن كان الأمر بمتماثلين مع العطف ـ ولا يكون ذلك إلا في فور ـ فالمعول أيضا أنهما أمران لأن العطف يغاير التأكيد، وقيل إن الثاني مؤكد للأول. وإلى هذا أشار ﵀ بالبيت الأخير. وحاصل معنى الأبيات: أن الأمر إذا تكرر قبل الامتثال، فإن كان الثاني غير مماثل للأول، فهما أمران بلا خلاف، سواء كان هناك عطف أو لا، سواء كانا خلافين أو ضدين، سواء كان ذلك في فور واحد، أو على التعاقب. وإن كان الثاني مماثلا للسابق، فإما أن يكون مع العطف أو لا، فإن كان مع العطف فهما أمران أيضا، لأن العطف ينافي التأكيد. وقيل: الثاني مؤكد، لأن الأصل براءة الذمة، فلا ينتقل عنه بمحتمل. وإن كان دون عطف، فالصحيح المنسوب للأكثرين أيضا أنهما أمران، سواء كانا في

стр. 149

فور واحد، أو كانا متعاقبين. وهذا ما لم تقم قرينة على خلاف ما ذكر، حالية كانت أو لفظية، كأل العهدية، واستغراق الأول الجنس. وما وقع في شرح التنقيح من التمثيل للخلافين بالركوع والسجود، سهو، كما نبه عليه في النشر، حتى في أحوال الإيماء، فهما في تلك الأحوال أيضا إما مثلان أو ضدان، وذلك أن الإيماء إما أن يتحد أو يختلف، فإن اتحد فهما مثلان، وإلا فضدان، هذا إذا اعتبرت الصورة، وليس ببين، والأمر في ذلك كله خفيف، والحمد لله رب العالمين. والامر للوجوب بعد الحظل … وبعد سؤل قد أتى للاصل معناه أن الأمر الوارد بعد التحريم، للوجوب عند أبي الوليد الباجي ومتقدمي أصحاب الإمام مالك، وأصحاب الإمام الشافعي، والإمام فخر الدين ﵏ أجمعين ـ كالأمر الوارد ابتداء. خلافا لبعض أصحابنا وأصحاب الإمام الشافعي، في قولهم: إن تقدم ذلك عليه قرينة دالة على كونه للإباحة، مع كثرة استعماله فيها في ذلك. وقيل: إنه لرفع التحريم والرجوع إلى ما كان عليه. ونقل في شرح التنقيح عن القاضي عبد الوهاب ـ رحمهما الله سبحامه ونعالى ـ في الملخص أن النهي نوعان: نهي معلق بغاية، أو شرط، أو علة، كقوله : (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) بعد قوله : (وذروا البيع). ونهي غير معلل بعلة عارضة، ولا معلق بشرط. فالأول يقتضي الإباحة عند الجمهور، كالثاني عند الإمام مالك ﵀ وأصحابه. وقال أكثر أهل الأصول إنه يقتضي الوجوب. وإلى هذا أشار بقوله: أو يقتضي إباحة للاغلب البيتين. وقوله: وبعد سؤل، أشار به إلى أن الأمر الوارد بعد السؤال والاستئذان، محمول على

стр. 150

الوجوب كالوارد ابتداء، خلافا لمن رأى ذلك أيضا قرينة على إرادة الإباحة، مع كثرة استعماله في ذلك لها، وهو أبين. وقوله: للأصل هو تعليل لما ذكره من كون الأمر في الموضعين للوجوب. بعد الوجوب النهي لامتناع … للجل، والبعض للاتساع وللكراهة برأي بانا … وقيل للإبقا على ما كانا معناه أن النهي الوارد بعد الوجوب، للتحريم عند الأكثرين على الأصل، وليس تقدم الوجوب عليه قرينة بمجرده صارفتة عن المعنى الموضوع له، خلافا لمن ذهب إلى ذلك. وقد اختلف القائلون بكون ذلك قرينة صارفة عن المعنى الموضوع له، فمنهم من جعل ذلك قرينة صارفة عن إرادة النهي أصلا، فيكون للإباحة. ومنهم من جعله قرينة صارفة عن إرادة الجزم في النهي، فجعله للكراهة. ومنهم من جعله قرينة دالة على إرادة رفع الوجوب، فيعود لما كان عليه قبل الوجوب. … ولم يتكلموا على النهي بعد الندب، ويحتمل أنهم إنما نصوا على الوجوب لأنه أغلب، ويحتمل اختصاص الحكم به، وأن القرينة في أمر الندب أضعف، والله أعلم. قال في النشر: وأما النهي بعد السؤال فيحمل على ما يفهم من السؤال من إيجاب، أو ندب، أو إرشاد، أو إباحة، أو على ما يفهم من دليل خارج. فمما ورد منه للتحريم، خبر مسلم والبخاري عن المقداد ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف، ثم قطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ بعد أن قالها؟ قال: " لا " وحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال رجل: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: " لا " (١) وحديث سعد ـ رضي الله تعالى عنه ـ في الوصية بجميع ماله، فقال صلى الله تعالى عليه

стр. 151

وعلى آله وسلم: " لا " (١) حمله على التحريم من فهم أن السؤال عن الإباحة، ويحتمل أن يكون السؤال عن الندب اهـ وقد يفهم من قوله: إنه يحمل على ما يفهم من السؤال، أن الأمر يحمل على الوجوب، وإن فهم من السؤال غيره، وليس ببين. كالنسخ للوجوب عند القاضي … وجلنا بذاك غير راض بل هو في القوي: رفع الحرج … وللإباحة لدى بعض يجي وقيل للندب كما في مبطل … أوجب الانتقال للتنفل نسخ الوجوب يقتضي عند القاضي أبي محمد عبد الوهاب ﵀ رجوع الأمر لما كان عليه قبل الوجوب، مما هو مقتضى الأدلة العامة. وذلك كأن يقال: نسخت وجوب الأمر كذا، أو رفعت وجوبه، أو وجوب الأمر كذا منسوخ، أو مرفوع. وأما نسخه بالنهي فهو المسألة السابقة. وأما نسخه بإيجاب ضده، فيرفع الطلب، على أصل عدم التكليف بالمحال، وأما اقتضاؤه المنع فليس للنسخ، بل لوجوب الضد، على أصل أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده الوجودية المتقدم. وكأن هذا ما أراده العبادي ﵀ في كلامه المسوق في النشر الذي اعترضه بعض شروح المراقي، والله أعلم. وإلى مذهب القاضي ﵀ المذكور أشار ﵀ بأول الشطرين، فالتشبيه في قوله: كالنسخ للوجوب، على معنى قوله قبل: وقيل للإبقا على ما كانا، وهذا مذهب بين جدا. وذهب الجمهور منا، ومن أهل العلم، إلى أنه لرفع الحرج، المتحقق في الإباحة خاصة، أو فيها أو في الندب، كما قال القرافي ﵀ أو في أحدهما، أو في

стр. 152

الكراهة، كما قال المحلي ﵀ وهو مشكل جدا. قال الشربيني ﵀ : قد تقرر أنه لا بد لكل واحد من هذه الثلاثة من دليل خاص، والفرض أنه لا دليل هنا، ولو فرض وجوده فليس الكلام في ما يؤخذ من الدليل بعد النسخ، بل في ما يؤخذ من نفس النسخ، فلعل المراد من بقاء ذلك: بقاء ما يتحقق به كل واحد منها، وهو المعنى العام الصالح لذلك على البدل، على فرض وجود دليله، فليتأمل اهـ وقيل: إن نسخ الوجوب يقتضي الاستحباب. وكأن مبنى هذا أن المطلق والمقيد شيئان، فإذا نسخ أحدهما بقي الآخر، والتحقيق أنهما شيء واحد، والله أعلم. وقول الشيخ ﵀ : كما في مبطل إلخ، يشير به إلى قول حلولو ﵀ : وقع في مذهبنا مسائل تشهد له، كقولهم في طرو ما يوجب قطع الصلاة: إنه يسلم عن نافلة، ولم يروا هذا إبطالا للعمل الأول، وأحسب أن بعض شيوخ المذهب وجهه بأن الواجب مندوب وزيادة، فإذا طرأ ما يسقط الواجب بقي المندوب اهـ وجوز التكليف بالمحال … في الكل من ثلاثة الأحوال وقيل بالمنع لما قد امتنع … لغير علم الله أن ليس يقع وليس واقعا إذا استحالا … لغير علم ربنا تعالى معناه أن التكليف بما لا يطاق، جائز خلافا للمعتزلة والغزالي، وإمام الحرمين، وأبي حامد الاسفرائيني، والتلمساني، وابن دقيق العيد ﵏ أجمعين ـ وإن كان لم يقع في الشرع، خلافا للإمام فخر الدين ﵀ سبحامه ونعالى ـ. قال في التنقيح: لنا قوله جل من قائل: (ربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به) فسؤال دفعه يدل على جوازه، وقوله جل من قائل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) قال: وهاهنا دقيقة، وهي أن ما لا يطاق قد يكون عاديا فقط، كالطيران في الهواء، أو عقليا فقط، كإيمان الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن، أو عاديا وعقليا

стр. 153

معا، كالجمع بين الضدين، والأول والثالث، هما المرادان ههنا، دون الثاني اهـ وإلى هذه الدقيقة أشار الناظم ﵀ بقوله: في الكل من ثلاثة الأحوال. وأشار إلى قول المعتزلة المذكور بقوله: وقيل بالمنع. وأشار ﵀ إلى اختصاص الاختلاف بالممتنع عقلا وعادة، أو عادة فقط، بمفهوم قوله: لما قد امتنع لغير البيت. وأشار إلى عدم وقوع المختلف في جوازهما، بقوله: وليس واقعا إذا استحالا لغير البيت. ومفهومه وقوع ما كانت الاستحالة فيه لعلم الله أنه لا يقع، وهو كذلك إجماعا، كإيمان من علم الله في سابق علمه أنه لا يؤمن. والمعروف في الاصطلاح كون هذا من قبيل الجائز عقلا، وإن علم أنه لا يقع، واصطلاح القرافي قال ابن عاشور ـ رحمهما الله : لم يسبقه إليه أحد ممن رأينا اهـ فالمستحيل العقلي في الاصطلاح المشهور هو ما يمتنع تصوره عقلا، وهو أخص من المستحيل عادة، والله أعلم. وما وجود واجب قدُ اُطلقا … به، وجوبه به تحققا والطوق شرط في الوجوب يعرف … إن كان بالمحال لايكلف كعلمنا الوضوء شرطا في أدا … فرض، فأمرنا به بعدُ بدا وبعض ذي الخلف نفاه مطلقا … والبعض ذو رأين قد تفرقا معناه أن الواجب الذي أطلق وجوبه، يجب بوجوبه عندنا وعند الجمهور ما لا يتحقق إلا به، مما هو مقدور للمكلف. إذ لو لم يجب، لجاز ترك الواجب، إذ الفرض أنه لا تحقق له بدونه، سواء كان سببا، أو شرطا، شرعيا كان، كالطهارة في الصلاة، أو عقليا، كترك ضد الواجب، أو عاديا، كالسفر إلى الحج. وقد اختلف في دلالة الواجب المطلق على سببه أو شرطه هل هي تضمنية، ونسبه في

стр. 154

الحلي لإمام الحرمين ﵀ أو التزامية، ونسبه لابن برهان ﵀ أو من دليل خارجي، وهو لابن الحاجب ﵏ أجمعين ـ؟ وأولها مشكل، لأن لفظ (أقيموا الصلاة) غير موضوع للأمر بمجموع الطهارة والصلاة، ولذلك قال الناظم ﵀ : كعلمنا الوضوء البيت. قال في التنقيح: فلو قال الله : صلوا ابتداء، صلينا بغير وضوء، حتى يدل دليل على اشتراط الطهارة. وقد تقدم في كلامهم في مبحث المنطوق التمثيل بهذا للاقتضاء، قال الشيخ ﵀ : وهْو دلالة اقتضاء إن يدل … لفظ على ما دونه لا يستقل دلالة اللزوم ................ ............................. فقول الشيخ ﵀ : وما وجود واجب، ما فيه: اسم موصول مبتدأ، خبره: وجوبه، والضمير في به الأولى: عائد على الموصول، والضمير في به الثانية: عائد إلى واجب، وقوله: قد أطلقا: صفة لواجب، يحترز به من المقيد الآتي في الأبيات بعد. والاختلاف المذكور في الوجوب بموجب الواجب، لا في أصل الوجوب. وأشار ﵀ بقوله: والطوق شرط في الوجوب البيت، إلى ما تقدم من اشتراط كون ما يتوقف عليه الواجب مقدورا للمكلف، يحترز بذلك عن تعلق علم الله وإرادته وقدرته بإيجاده. وأشار ﵀ بقوله: كعلمنا الوضوء البيت إلى مثال المسألة. وقال قوم: لا يجب بوجوبه مطلقا، وإنما يجب بدليل آخر، وإليه أشار ﵀ بقوله: وبعض ذي الخلف نفاه مطلقا. قال في النشر: والدليل الخارجي هو أنه لما لم يكن في وسع المكلف ترتيب المسبب على السبب، كان القصد بطلب المسببات الإتيان بأسبابها اهـ واحتج القائلون بعدم وجوب الوسيلة بوجوب المقصد، بأن المكلف إذا ترك المقصد

стр. 155

كصلاة الجمعة، والحج فإنه يعاقب عليهما، دون المشي إليهما، وإذا لم يستحق عقابا عليه، لم يكن واجبا، لأن استحقاق العقاب من خصائص الوجوب، قاله في النشر. والظاهر أن الجواب عن هذا، أن هذا شأن الوسائل، فالعقاب عند الترك إنما هو على المقاصد، وما ذكر من السعي إلى الجمعة، والمشي إلى الحج واجب بالنص، فعدم العقاب فيه لم يأت من جهة عدم الوجوب، بل من جهة عدم القصد الأصلي في الخطاب إلى ذلك، فلم يعاقب عليها فضلا من الله . ومثل ذلك ما يتوقف عليه العلم بترك المنهي عنه الآتي في قوله: فما به ترك المحرم يرى البيت. فلو أنه اقتحم هذه الأمور كلها، لم يعاقب إلا على المنهي عنه بالذات. وكذلك الثواب على الوسيلة أيضا إنما هو من حيث إنها جهد في سبيل الطاعة، كغيرها من الجهود التي ليست وسائل، فقد قال جل من قائل: (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) وقال جل من قائل : (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) الآية الكريمة، وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ وهم بالمدينة؟ قال: " وهم بالمدينة، حبسهم العذر " (١) والله أعلم. وفرق قوم فقالوا: يجب بوجوبه إن كان سببا، سواء كان شرعيا، كصيغة العتق في الكفارة ـ مثلا ـ أو عاديا كإمساس النار لما يجب إحراقه، لا إن كان شرطا، لأن ارتباط الشيء بسببه أقوى من ارتباطه بشرطه. وقال إمام الحرمين ﵀ : يجب بوجوبه إن كان شرطا شرعيا، كالوضوء، لا عقليا أو عاديا، لأن توقف صورة الواجب عليهما مغن عن قصدهما، وإلى هذين القولين أشار ﵀ بقوله: والبعض ذو رأين قد تفرقا والله أعلم.

стр. 156

ومقتضى أدلة المختلفين أن المستحب في ما ذكر كالواجب، فاستحباب الغسل يقتضي استحباب أخذ الماء ونحو ذلك، والله أعلم. وما وجوبه به لم يجب … في رأي مالك وكل مذهب معناه أن ما يتوقف عليه وجوب الواجب، لا يجب بوجوبه، كملك النصاب، فلا يجب تحصيله بإيجاب زكاته ـ إجماعا ـ لأن معنى سببيته له، وجوبه به، فلو وجب السبب أيضا بوجوب المسبب لزم الدور، ومثل الواجب في ذلك المستحب، كما هو ظاهر. واعلم أن الشيء قد يكون واجبا مطلقا بالنسبة إلى مقدمة، ومقيدا بالنسبة إلى أخرى، كوجوب الصلاة، فهو بالنسبة للعقل مثلا مقيد، وبالنسبة للطهارة مطلق. فما به ترْكُ المحرم يرى … وجوبَ تركه جميع من درى أشار ﵀ بهذا إلى أنه لا فرق بين توقف فعل الواجب على شيء، أو ترك المحرم عليه، وتوقف العلم بفعل أحدهما عليه، فإذا تعذر العلم بترك المحرم، إلا بترك جائزات، تعين تركها، كما لو طلق معينة من زوجاته ونسيها. وإذا تعذر العلم بفعل الواجب إلا بفعل أمر آخر غير واجب، أو أمور، تعين فعلها، وذلك كإمساك جزء من اليل، وغسل جزء من الرأس في غسل الوجه، ومسح جزء من الوجه في مسح الرأس، وصلاة الخمس لمن جهل منسية منها. وسوينَّ بين جهل لحقا … بعد التعيُّن، وما قد سبقا معناه أنه لا فرق في التباس المحرم بالجائز ـ مثلا ـ الموجب لتجنب الجميع، بين الطارئ بعد التعين، كما في مسألة نسيان المطلقة، وبين السابق، بأن لم يتقدم عليه تعين، كما في التباس ذات محرم بأجنبية، والله أعلم. هل يجب التنجيز في التمكن … أو مطلقُ التمكين ذو تعين عليه في التكليف بالشيء عُدِم … موجبُه شرعا خلاف قد عُلم فالخلف في الصحة والوقوع … لأمر من كفر بالفروع ثالثها الوقوع في النهي، يُرَدْ … بما افتقاره إلى القصد انفقد وقيل في المرتد، فالتعذيب … عليه والتيسير والترغيب

стр. 157

اختلف في التمكن المشترط في التكليف، هل يشترط أن يكون ناجزا، وذلك بناء على أن الأمر لا يتوجه إلا عند المباشرة، أو يكفي التمكن في الجملة، وهو الصحيح، وقد تقدم بيان فساد غيره. وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في جواز التكليف عقلا بالشيء من مسبب، أو مشروط، مع عدم موجبه شرعا، من سبب، أو شرط. فمن شرط كونه ناجزا، منع التكليف في ذلك، ومن لا فلا، وإلى هذا أشار بالبيتين الأولين. قال في الإرشاد: وهذه المسألة ليست على عمومها، إذ لا خلاف في أن مثل الجنب والمحدث مأموران بالصلاة، بل هي مفروضة في جزئي، وهو أن الكفار مخاطبون بالشرائع، أي: بفروع العبادات عملا اهـ وصرح بمثله آخرون والله أعلم. وإلى ذلك أشار الناظم ﵀ بقوله: فالخلف في الصحة والوقوع البيت. قال في النشر: قولان في كل منهما ـ يعني الجواز والوقوع ـ موجودان في المذهب من غير ترجيح. وقال في التنقيح: قال الباجي ـ رحمهما الله : وظاهر مذهب الإمام مالك ﵀ خطابهم بها، خلافا للحنفية، وأبي حامد الاسفرائيني ﵀ لقوله جل من قائل ـ حكاية عنهم: (قالوا لم نك من المصلين) وقوله جل من قائل: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) الآية الكريمة. وما قيل من احتمال كون ما في الآية من التعبير باللوازم عن الملزومات، كحديث " نهيت عن قتل المصلين " (١) فليس بالبين جدا، لأن مجرد الاحتمال، لا يمنع من الاستدلال،

стр. 158

وإلا لانحصرت الحجية في النص، ولا يخفى أن احتمال ذلك مرجوح، لمخالفته لظاهر اللفظ، وظاهر العطف، مع اعتضاد الظاهر بالظواهر الكثيرة، والله أعلم. وقيل: إنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، بل حكى عليه بعضهم الإجماع. ووجه هذا القول عدم توقف الخروج من عهدة النواهي على نية الامتثال. وأورد عليه أن من الأوامر ما لا يتوقف على نية، كأداء الدين والوديعة. وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: ثالثها الوقوع فى النهي البيت. ونقل عكسه أيضا، وهو مخاطبتهم بالأوامر دون النواهي. وقيل: يخاطب المرتد دون الكافر الأصلي، استصحابا للخطاب السابق. وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وقيل في المرتد. وقيل: يخاطبون بما عدا الجهاد، والله أعلم. وتوقف قوم في خطابهم. وقوله: فالتعذيب إلخ أشار به إلى قول القرافي ـ رحمهما الله في شرح التنقيح: وأذكر منها - يعني فوائد الخلاف في مخاطبته بالفروع - هاهنا نبذا: أحدها: تيسير الإسلام عليه، فإنه إذا كان مخاطبا، وهو خيِّر النفس بفعل الخيرات، من الصدقات، وأنواع البر وغيرها، كان ذلك سببا في تيسير إسلامه، استنباطا من قوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " إن المؤمن ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه " فيناسب أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة إحسانه وحسناته، وإن أجمعنا على أنه لا يثاب عليها في الآخرة، إلا أنه ورد الحديث الصحيح أنه يطعم بها في الدنيا، ولم يرد دليل على أنها لا تكون سببا لتيسير الإسلام فبقي استنباطه لا مانع منه. وثانيها: الترغيب في الإسلام، فإنه إذا كان كثير القتل، والفتك، والفساد، وقيل: إن الإسلام من شرفه أن يهدم جميع آثام هذه الأفعال، كان ذلك أوقع في نفسه، من قولنا: إن الإسلام لا ينهض إلا بالكفر وحده. ثالثها تخفيف العذاب في الدار الآخرة، فإن الدليل ما دل إلا على تخليد الكافر في العذاب، وأما مقداره في الكمية، فالتفاوت واقع فيه قطعا، ولذلك قال جل

стр. 159

من قائل ـ: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) واليهود أسفل من النصارى، كما جاء في الحديث الصحيح، من ترتيب طبقات النار ـ أجارنا الله منها فإذا قلنا هو مخاطب وفعل ذلك، كان سببا لتخفيف العذاب عنه من الخلود. فهذه فوائد تظهر من ثمرة الخلاف في كونهم مخاطبين اهـ وفي أكثر هذا الكلام ضعف بين، ولين لا خفاء فيه، ولا إساءة ولا ظلم أعظم من الكفر، وقد قال جل من قائل: (إن الشرك لظلم عظيم) وقال جل من قائل : (وكان الكافر على ربه ظهيرا) وفي تضاعيف فروع المذهب، اختلافات يصرحون بانبنائها على هذا الأصل، والله أعلم. وعلل المانع بالتعذر … وهو مشكل لدى المحرر في كافر آمن مطلقا وفي … من كفره فعل كإلقا مصحف والرأي عندي أن يكون المدرك … نفْي قبولها فذا مشترك أشار ﵀ بهذا إلى ما ذكره القرافي ﵀ في شرح التنقيح ونصه: وسبب الخلاف، يحتمل أن يكون عند من منع، أن التقرب بالفعل، فرع اعتقاد صدق المخبر بالتكليف به، ومن لم يصدق تعذر عليه أن يتقرب، فلا يكلف بالتقرب، وعلى هذا المدرك تكون هذه المسألة من مسألة منع التكليف بما لا يطاق. ويحتمل أن يكون المدرك، إنما هو أن الله لا يقبل الفروع منهم، لأجل كفرهم، فلا يكلفهم بها، لأن الله لا يقبلها. والاحتمال الأول هو الظاهر من احتجاجات العلماء في هذه المسألة، ومن أقوالهم. إلى أن قال: وإذا كان هذا هو المدرك فهو مشكل. إلى أن قال: فمن آمن بظاهره وباطنه منهم، أو بظاهره فقط، معتقد صدق التكليف، فالتعذر في حقه ساقط، وكذلك من كان كفره بالفعل، كإلقاء المصحف في القاذورات، أو باني كنيسة مريدا للكفر فيها، أو كان كفره بجحده آية من كتاب الله ـ

стр. 160

فقط، أو بجحد سليمان النبي فقط ـ على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ فإن هؤلاء كلهم يعتقدون صحة الفروع، فلا يتعذر منهم التقرب بالفروع، فلا يتجه التعليل بتعذر التقرب اهـ وهذا غير بين، فما ذكره من الإيمان غير رافع للتعذر، فالاعتداد بالعمل بحيث يترتب عليه الثواب - فعلا كان أو تركا - متوقف على الإيمان بمعنى الإسلام، وهو أخص مما ذكره، والمطلوب الشرعي إنما هو المعتد به شرعا، فالصواب هو الاحتمال الثاني كما اختار الشيخ ﵀ في قوله: والرأي عندي أن يكون المدرك البيت. والمدرك: اشتهر على الألسنة بفتح الميم، والصواب الضم، لأنه اسم مكان من أدرك، وفي ذلك يقول شيخنا محمد الحسن بن أحمد الخديم ـ حفظنا الله تعالى وإياه ـ: ومدرك بضم ميم: موضع … إدراكِه، والفتح فيه يمنع لأنه من اَدرك الرباعي … فليس للفتح به من داع والله أعلم. تكليف من أحدث بالصلاة … عليه مجمع لدى الثقات معناه أن المجتهدين أجمعوا على أن المحدث مخاطب بالصلاة، وهو حجة لمن لا يشترط كون التمكن المشترط في التكليف ناجزا، وما حكى بعضهم من الخلاف في ذلك، محمول على قصد تقدم الطهارة في الفعل، ولا خلاف فيه أيضا، والله أعلم. وربطه بالموجب العقلي … حتم بوفق قد أتى جلي معناه أن ربط التكليف وإناطته بالموجب العقلي، من سبب، أو شرط، كالحياة للعلم، وفهم الخطاب، أمر متفق عليه، وكذلك السبب الشرعي، نحو إن دخلت المسجد فصل ركعتين، وأما الشرط العادي كغسل جزء من الرأس في الوجه، فليس شرطا في صحة التكليف اتفاقا، وإنما الخلاف في الشرط الشرعي على ما سلف بيانه. دخول ذي كراهة في ما أُمر … به، بلا قيد وفصل قد حظر معناه أن مطلق الأمر بماهية بعض جزئياتها منهي عنه، لا يتناول المنهي عنه منها ـ مكروها كان أو محرما ـ خلافا للحنفية حيث قالوا بتناوله لذلك، عملا بعموم اللفظ.

стр. 161

وحجة الجمهور: أنه لو تناوله لكان الشيء الواحد مطلوبا منهيا عنه في وقت واحد، وهو تناقض. ومحل الخلاف: إذا لم يقيد الأمر بغير المنهي عنه، فإن قيد بذلك لم يتناوله اتفاقا، وذلك هو المراد بقوله: بلا قيد. ومحله أيضا: إذا لم تنفصل جهة النهي عن جهة الأمر، بأن لا تكون له إلا جهة واحدة، أو تكون له جهتان بينهما لزوم، وذلك هو المراد بقوله: وفصل، أي: وبلا فصل، فهو معطوف على قيد. وقوله: قد حظر: خبر قوله: دخول. فإن كانت له جهتان لا لزوم بينهما، صح أن يتعلق به الأمر من جهة، والنهي من جهة. فنفي صحة ونفي الاجر … في وقت كره للصلاة يجري معناه أنه ينبني على ما ذكر في البيت قبل: بطلان الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فالنهي وإن تعلق بخارج عن الصلاة إلا أنه ملازم لها، إذ لا يمكن فعل الصلاة حينه إلا فيه، فلا انفكاك عنه. ونقل الشيخ عن الزركشي ـ رحمهما الله الاتفاق على حرمة الإقدام على العبادة التي لا تصح، وانظر ذلك في المكروه المذكور. وأما المكان المنهي عن إيقاع الصلاة فيه، فالنهي فيه متعلق بخارج غير ملازم، فالملازم إنما هو مطلق المكان، لا مكان بعينه، لإمكان الإيقاع في غيره في ذلك الوقت، فجهة النهي منفكة عن جهة الأمر، فلم تقتض فسادا، عند الجمهور. نعم اختلف هل يؤجر عليها أو لا؟ وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وإن يك الأمر عن النهي انفصل … فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل وذا إلى الجمهور ذو انتساب … وقيل بالأجر مع العقاب ومعنى البيتين أن الصلاة المذكورة، صحيحة غير مثاب عليها، في ما نسبه إلى الجمهور من المالكية وغيرهم.

стр. 162

أما صحتها، فلاستجماعها ما يشترط في صحتها. وأما عدم الأجر، فلأن العصيان سبب لعدم القبول مع الانفصال، فكيف به وهو مقارن. وقيل: يؤجر عليها من جهة أنها صلاة مأمور بها، ويعاقب عليها من جهة ركوب النهي، كما لو فعل أمرا ونهيا منفصلين. ولعل مراد الجمهور بعدم الأجر: أن ذلك مظنة له، كما أن مراد غيرهم أنه فعل سبب ثواب في الجملة، والله أعلم. وقد رُوِي البطلانُ والقضاء … وقيل ذا فقط له انتفاء معناه أن الصلاة في الأماكن المكروهة، روى ابن العربي عن الإمام مالك ـ رحمهما الله أنها باطلة، يجب قضاؤها، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀ وأكثر المتكلمين كما في النشر. وقال القاضي والإمام الرازي ـ رحمهما الله إنها باطلة، ولكن لا تقضى، لأن السلف لم يأمروا بقضائها. مثل الصلاة بالحرير والذهب … وفي مكان الغصب والوضو انقلب ومعطن ومنهج ومقبره … كنيسة وذي حميم مجزره أشار بهذا إلى أمثلة من اجتماع الأمر والنهي مع تعدد الجهة، وعدم التلازم. فمن ذلك: صلاة الرجل بثوب حرير، أو بذهب، ولو خاتما، والصلاة في المكان المغصوب، والوضوء المنكس، والصلاة بمعاطن الإبل، والجدة، والمقبرة، والكنيسة، والحمام، والمجزرة، على التفاصيل المذكورة في ذلك كله في كتب الفقه. فالصلاة على هذه الأحوال كلها مأمور بها من جهة كونها صلاة، منهي عنها من جهة التلبس بالمنهي عنه بها، وجهة الأمر غير ملازمة لجهة النهي، فالصلاة إنما تستلزم مطلق المكان، ولذلك صح الأمر بها مع الذهول عن خصوصيات الأمكنة، والأمر بالشيء يستلزم الشعور به، وهكذا في بقية المذكورات. من تاب بعد أن تعاطى السببا … فقد أتى بما عليه وجبا

стр. 163

وإن بقي فساده كمن رجع … عن بث بدعة عليها يتبع أو تاب خارجا مكان الغصب … أو تاب بعد الرمي قبل الضرب وقال ذو البرهان إنه ارتبك … مع بقاء النهي للذي سلك مذهب الجمهور أن من توسط أرضا مغصوبة ـ مثلا ـ ثم تاب وتوجه للخروج واختار أقل الطرق ضررا، وأقربها، فخروجه واجب، لا تحريم فيه، وإن وجد فيه اعتباران: الشغل، والتفريغ، لأنه لا يمكن الإتيان بالتفريغ إلا بالشغل، قال القاضي ﵀ : هذا هو المختار، وكذلك القول في كف الزاني عن الزنى، قال ابن برهان ﵀ : وهذا مما أجمع عليه كافة الفقهاء والمتكلمين، وقال أبو هاشم: خروجه كلبثه، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وذلك قبيح لعينه. وقال إمام الحرمين ﵀ : هو مرتبك في المعصية بحكم الاستصحاب، مع انقطاع تكليف النهي. واسنبعد قوله، إذ ليس في الشرع معصية من غير نهي، قاله بمعناه في البحر. وقال ابن الحاجب ﵀ في مختصره: وأما من توسط أرضا مغصوبة، فحظ الأصولي فيه: بيان استحالة تعلق الأمر والنهي معا بالخروج اهـ قال التاج ﵀ : فإنه تكليف بالمحال، فيتعلق التكليف بواحد منهما يعينه الفقيه، والفقيه يقول: يؤمر بالخروج، كما يؤمر المولج في الفرج الحرام بالنزع، وإن كان به مماسا للفرج الحرام، ولكن يقال: انزع على قصد التوبة، لا على قصد الالتذاذ، فكذلك الخروج من الغصب، فإن أهون الضررين يصير واجبا بالإضافة إلى أعظمهما اهـ وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في موافقاته: متعاطي السبب قد يبقى عليه حكمه، وإن رجع عن ذلك السبب، أو تاب منه، فيظن أن المسبب يرتفع حكمه برجوعه عن السبب، ولا يكون كذلك. مثاله: من توسط أرضا مغصوبة، ثم تاب وأراد الخروج منها، فالظاهر الآن أنه لما أمر بالخروج، فأخذ في الامتثال، غير عاص، ولا مؤاخذ، لأنه لم يمكنه أن يكون ممتثلا عاصيا في حالة واحدة، ولا مأمورا منهيا من جهة واحدة، لأن ذلك تكليف ما لا يطاق.

стр. 164

فلا بد أن يكون في توسطه مكلفا بالخروج على وجه يمكنه، ولا يمكن مع بقاء حكم النهي في نفس الخروج، فلا بد أن يرتفع عنه حكم النهي في الخروج. وقال أبو هاشم: هو على حكم المعصية، ولا يخرج عن ذلك إلا بانفصاله، عن الأرض المغصوبة. ورد الناس عليه قديما وحديثا. والإمام ﵀ أشار في البرهان إلى تصور هذا وصحته، باعتبار أصل السبب الذي هو عصيان، فانسحب عليه حكم التسبب، وإن ارتفع بالتوبة، ونظر ذلك بمسائل. وهو صحيح باعتبار الأصل المتقدم، فإن أصل التسبب أنتج مسببات خارجة عن نظره، فلو نظر الجمهور إليها، لم يستبعدوا اجتماع الامتثال، مع استصحاب حكم المعصية إلى الانفصال عن الأرض المغصوبة. وهذا أيضا ينبني على الالتفات إلى أن المسبب خارج عن نظره، فإنه إذا رأى ذلك وجد نفس الخروج ذا وجهين: أحدهما: كون الخروج سببا في الخلوص عن التعدي بالدخول في الأرض، وهو من كسبه. والثاني: كونه نتيجة دخوله ابتداء، وليس من كسبه بهذا الاعتبار، إذ ليس له قدرة عن الكف عنه. ومن هذا، مسألة من تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس، وقبل وصوله إلى الرمية، ومن تاب من بدعة بعد ما بثها في الناس، وقبل أخذهم بها، أو بعد ذلك وقبل رجوعهم عنها، ومن رجع عن شهادته بعد الحكم بها، وقبل الاستيفاء. وبالجملة بعد تعاطي السبب على كماله، وقبل تأثيره، ووجود مفسدته، أو بعد وجودها وقبل ارتفاعها إن أمكن ارتفاعها، فقد اجتمع على المكلف هنا الامتثال مع بقاء العصيان. فإن اجتمعا في الفعل الواحد كما في المثال الأول، كان عاصيا ممتثلا، إلا أن الأمر

стр. 165

والنهي لا يتواردان عليه في هذا التصوير، لأنه من جهة العصيان غير مكلف به، لأنه مسبب غير داخل تحت قدرته، فلا نهي إذ ذاك، ومن جهة الامتثال مكلف، لأنه قادر عليه، فهو مأمور بالخروج، وممتثل به. وهذا معنى ما أراده الإمام ﵀ وما اعترض به عليه، وعلى أبي هاشم لا يرد مع هذه الطريقة إذا تأملتها والله سبحانه تعالى أعلم اهـ وارتكب الأخف من ضرين ............................. معناه أنه إذا تقابل ضرران، فلم يكن من ارتكاب أحدهما بد، تعين ارتكاب الأخف، دفعا للأشد، وذلك كخرق سيدنا الخضر ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ سفينة اليتامى دفعا لغصبها. قال في النشر: ومن ثم جبر المحتكر على البيع، عند احتياج الناس إليه، وجار المسجد إذا ضاق، وجار الطريق. إلى أن قال: ومثل الضررين، المكروهان والمحظوران. وجعل في الحلي الواجبين كذلك، وهو كذلك في ما يظهر. وكذلك ينبغي أن يكون القول في تقابل مستحبين، فكما يرتكب الضرر المرجوح، اتقاء للضرر الراجح، كذلك تترك المصلحة المرجوحة، في سبيل تحصيل المصلحة الراجحة، والله أعلم. وتسمية المطلوب تركه مطلوبا، والمطلوب فعله منهيا عنه، باعتبار ما قبل التقابل، والله أعلم. وخيرنْ لدى استوا هذين كمن على الجريح في الجرحى سقط … وضعَّف المكث عليه من ضبط معناه أنه إذا استوى الضرران، كان المكلف بالخيار، ومن أمثلة ذلك الساقط على جريح من جرحى، إن مكث فوقه قتله، وإن تحول عنه وقع على آخر يقتله، إذ لا يجد محلا يعتمد عليه إلا بدن جريح، فهو مخير بين المكث والانتقال. وقيل: يجب عليه المكث على من وقع عليه، لأن الانتقال فعل مستأنف.

стр. 166

وضعفه البعض بأن المكث الاختياري كالانتقال بلا فرق. ورجح زكريا ﵀ وجوب المكث لأنه دوام، ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. ولم يستبعد العبادي ﵀ ترجيحه في السقوط اختيارا، معللا بأن الانتقال استئناف قتل بغير حق، وتكميل القتل أهون من استئنافه اهـ وتوقف إمام الحرمين ﵀ في المسألة. ومحل ما ذكر إذا تكافأ الجريحان، فإن كانا غير كفؤين، تعين المكث، إذا وقع على الأدنى، والانتقال إذا وقع على الأعلى، ولا يبعد عند العبادي ﵀ أن يكون في معنى التفاوت في الكفاءة، ما إذا كان أحدهما إماما ـ مثلا ـ تترتب على هلاكه المفاسد، أو عالما يترتب على موته وهن في الدين، أو ضياع العلم، وهو بين. وهو من مفردات القاعدة التي قبل هذه القاعدة أعني قوله: وارتكب الأخف من ضرين. وظاهر كلام أصحابنا في الإكراه أنه إذا كان يمكنه الانتقال عنه إلى غير نفس، إلا أنه يخاف على نفسه الموت، كما لو أمكنه أن ينتقل عنه إلى نار أو بحر، أنه يجب عليه الانتقال، ولا يجوز له أن يؤثر نفسه بالبقاء، والله أعلم. ألأخذ بالأول لا بالآخر … مرجح في مقتضى الأوامر وما سواه ساقط، أو مستحب … لذاك الاطمئنان والدلك انجلب وذاك في الحكم على الكلي … مع حصول كثرة الجزئي أشار بهذا إلى قول القرافي ـ رحمهما الله في التنقيح: فرع اختار القاضي عبد الوهاب ﵀ أن الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله، والزائد على ذلك إما مندوب، أو ساقط اهـ مع قوله في شرحه: هذه المسألة مشهورة بالأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها، قولان للعلماء، وكثير من الفقهاء غلط في تصويرها، حتى خرج عليها ما ليس من فروعها، ظانا أنه

стр. 167

من فروعها، فقال أبو الطاهر (١) ﵀ وغيره، في قول الفقهاء: التيمم إلى الكوعين، أو إلى المرفقين، أو الإبطين، ثلاثة أقوال، أن ذلك يتخرج على هذه القاعدة، هل يؤخذ بأوائل الأسماء اقتصر على الكوع أو بأواخرها فيصل إلى الإبط؟ ويجعلون كل ما هو من هذا الباب مخرجا على هذه القاعدة. وهذا باطل إجماعا، ومنشأ الغلط إجراء أحكام الجزئيات على الأجزاء، والتسوية بينهما، ولا خلاف أن الحكم في الكل لا يقتصر به على جزئه، فلا تجزئ ركعة عن ركعتين في الصبح، ولا يوم عن شهر رمضان في الصوم، ونظائره كثيرة. إنما معنى هذه القاعدة إذا علق الحكم على معنى كلي، له محال كثيرة، وجزئيات متباينة في العلو والدناءة، والكثرة والقلة، هل يقتصر بذلك الحكم على أدنى المراتب، لتحقق المسمى بجملته فيه، أو يسلك طريق الاحتياط، فيقصد في ذلك المعنى أعلى المراتب؟ هذا موضع الخلاف. ومثاله إذا قال رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " إذا ركعتَ فاطمئن راكعا " (٢) فأمر بالطمأنينة، فهل يكتفى بأدنى رتبة تصدق فيه الطمأنينة، أو يقصد أعلاها؟ وكذلك قوله ﵊: " خللوا الشعر، وأنقوا البشرة " (٣) يقتضي التدليك، هل يقتصر على أدنى رتبة التدليك، أو أعلاها؟ فهذه صورة هذه القاعدة في الجزئيات في المحل، لا في الأجزاء، ثم الفرق أن الجزء لا يستلزم الكل، والجزئي يستلزم الكلي، فلذلك أجزأ الثاني، دون الأول، فأدنى رتب الموالاة موالاة، وليست الركعة ركعتين، ولا اليوم شهرا. إلى أن قال: وقوله: والزائد على ذلك إما مندوب، أو ساقط، فالمندوب كالطمأنينة، والساقط كزيادة التدلك، فإن الشرع لم يندب لزيادة التدلك، كما ندب لزيادة الطمأنينة، ووجب الاقتصار على أول الرتب، جمعا بين الدال على الوجوب، وأن الأصل براءة الذمة،

стр. 168

كما أنه لو وجب عتق رقبة، واقتصرنا على ما يسمى رقبة أجزأ، وإن كانت أدنى الرقاب، ولا يجب علينا أن نعتق رقبة بألف دينار، فهذه صورة القاعدة ومدركها من حيث النظر. وقال ابن عاشور ﵀ في حاشيته عليه: وليس قصر هاته المسألة على ما ذكره المصنف بمتعين، حتى يغلط من صورها من الفقهاء، في إجزاء اسم الكل، كالأوقات، عند القائل بأن أول الوقت متعين، في مسألة الواجب الموسع، ومن صورها في أحد معنيي الاسم المشترك، في معنيين متفاوتين، كاليد في التيمم كما قال أبو الطاهر، إذ لا مانع من شمول المسألة لصور متعددة، وجريان الخلاف في جميع صورها، وكيف يعمد إلى تغليط غير واحد من الفقهاء في ذلك مع صحة المراد اهـ وما قاله هو الأبين ـ إن شاء الله . وما ذكره القرافي ﵀ من الكل والجزء لا ورود له هنا، فاسم الكل لا يصدق على الجزء، فليس اسم الركعتين صادقا على الركعة، ولا اسم الشهر صادقا باليوم، وإنما الذي يصدق بذلك اسم الصوم، واسم الصلاة على الخلاف في التنفل بركعة. وما ذكره من حمل اليد في التيمم على اليد إلى الكوع، ليس من قبيل الحمل على البعض، بل ذلك هو كل معنى اليد في وضع آخر، فهو أحد حقائق لفظ اليد، فالاجتزاء به إنما هو لصدق الاسم حقيقة في أحد الأوضاع عليه، والأصل براءة الذمة، وهذا هو وجه الاكتفاء بأدنى جزئي في المطلق، كما تقدم، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وربما اجتماع أشياء انحظل … مما أتى الأمر به على البدل أو الترتب، وقد يُسَنُّ … وفيه قل إباحة تعنُّ معناه أن الأشياء المأمور بها على سبيل البدل أو الترتيب، قد يكون الجمع بينها ممتنعا، وقد يكون مسنونا، وقد يكون مباحا، فالأقسام إذا ستة، من ضرب ثلاثة - وهي الامتناع، والاستنان، والإباحة - في اثنين، وهما كون الأمر بها على سبيل البدل أو الترتب. … ومثلوا لمنع الجمع في البدلية، بتزويج المرأة من الأكفاء. ومثلوا لمنع الجمع في المرتبة بأكل المذكى والميتة.

стр. 169

ومثلوا لاستنان الجمع في البدلية، بالستر بأحد ثوبين كل منهما كاف في ستر العورة وحده، بالنسبة للمحرم، فالستر بأحدهما كاف في أداء الواجب، لكن الجمع بينهما بأن يتزر بأحدهما، ويرتدي بالآخر مسنون. ومثلوا لاستنان الجمع في المرتبة بخصال كفارة الظهار، قال في شرح التنقيح: لأنها مصالح وقربات، وانظره (١). ومثل ابن عاشور ﵀ لإباحة الجمع في المرتبة بالركوب في الطواف، إذا جاز له الركوب لعذر، فركب، ثم تكلف المشي في بعض الأطواف. وحاصله: أن الجمع بينهما مع العذر جائز، لكن ينظر في كون ذلك جمعا. ومثلوا لإباحة الجمع في البدلية بالثياب المتعددة بالنسبة لغير المحرم، إذا كان الواحد محصلا للمطلوب من الستر، والله أعلم. فصل في الواجب الموسع قال في النشر: وهو راجع إلى الواجب المخير قاله الفهري ـ رحمهما الله ولذا ذكرت بعده مسألة الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة. وبيان ذلك أن المكلف مخير في أجزاء الوقت، كتخييره في المفعول في خصال كفارة اليمين. ما وقته يسع منه أكثرا … وهو محدودا وغيره جرى معناه أن الواجب الموسع، هو الموقت بوقت يزيد على فعله ـ يعني من الواجبات ـ وكأنهم خصوا الواجب بالذكر لاختصاصه ببعض بحوثه. وسواء كان للوقت المذكور حد له ينتهي عنده، كما في أوقات الصلوات، أو لا، وذلك هو المقصود بقوله ﵀ : وهو محدودا وغيره جرى. وليس هذا الإطلاق ببين عندي جدا، فإن قولنا في حده: يسع وقته أكثر من فعله، يقتضي اختصاص القسمة بالموقت، ومطلق الوقت، لا يخلو عنه مأمور، فتوجه أن يكون

стр. 170

المراد الوقت المعين كالذي مر في قوله: والوقت ما قدره من شرعا … من زمن مضيقا موسعا وإذا كان كذلك اختص بما له حد ينتهي إليه، وإلا كان كل مطلوب على التراخي موسعا، وكل مطلوب على الفور مضيقا، وهو وإن صح من جهة المعنى، ووقع في عبارة البعض أحيانا، إلا أنه غير ما عليه الاصطلاح، على ظاهر عباراتهم وتمثيلهم، والله أعلم (١). وقد اختلف في ثبوت الوجوب الموسع، فنفاه قوم، لأن التوسعة تستلزم تجويز الترك، والوجوب يستلزم منعه، ومذهبنا ثبوته، وأن الأمر متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الوقت، ففي أي جزء منه أوقع المكلف الصلاة مثلا، كان ممتثلا مؤديا، ولا يأثم بالتأخير عن أوله، وإن لم يكن من ضرورة، لقوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " ما بين هذين وقت " (٢). وذهب القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر الباقلاني ـ رحمهما الله إلى وجوب التقديم أول الوقت المختار، أو العزم على الأداء فيه، ولا يجوز عندهما التأخير دون عزم على الأداء فيه، وهو مذهب بين، ونقل نحوه عن الغزالي ﵀ في حق الذاكر دون الغافل، والظاهر أنه مقصود القاضيين، إذ الغافل عن الفعل حتى خرج الوقت ليس بآثم، والله أعلم. ونسب أبو الوليد الباجي ﵀ لبعض المالكية، أن وقت الأداء هو ما يعينه المكلف للأداء من المختار، ولا يبعد رجوعه إلى القول المشهور، فظاهر كلام أبي الوليد الباجي ﵀ أن مراد قائله حصول أداء الواجب به، وذلك حيث قاسه مستحسنا له على الواجب المخير، وسيأتي أن الخروج من عهدة الوجوب فيه، بما يعينه المكلف، ليس لتعينه للوجوب، بل لتحقق القدر المشترك فيه، وكذلك الحال هنا،

стр. 171

والله أعلم. وإلى ما ذكر أشار الناظم ﵀ بقوله: فجوزوا الأدا بلا اضطرار … في كل حصة من المختار وقائل منا يقول العزم … على وقوع الفرض فيه حتم أو هو ما مكلف يعين ........................... فقوله: وقائل منا، يريد به القاضيين - رحمهما الله . ثم أشار ﵀ إلى أقوال نفاة الواجب الموسع، فقال: وخلف ذي الخلاف فيه بين فقيل الاخر وقيل الاول … وقيل ما به الأدا يتصل ذهب الحنفية على ما نسبه إليهم القرافي ﵀ إلى أن الوجوب متعلق بآخر الوقت، لعدم الإثم بالترك في ما قبل ذلك. وأورد عليه الإجماع على الإجزاء في أول الوقت. وقيل: يتعلق بأول الوقت، لأن الزوال مثلا سبب لوجوب الظهر، والأصل ترتب المسببات على أسبابها، ونسب لبعض الشافعية. وأورد عليه أن الإجماع منعقد على جواز التأخير في الصلوات ـ مثلا ـ فلو تعلق الوجوب بأوله خاصة، لكان المؤخر عنه آثما. وقيل: وقت الأداء منه هو الجزء منه الذي وقع فيه الفعل، فإن لم يفعل في الوقت، تعين آخره، وهذا هو المشهور عن الحنفية. وانظر ما الفرق بين هذا وبين القول الثالث؟ ونقل في النشر عن الكرخي ـ رحمهما الله من الحنفية أنه إن قدم الفعل على آخر الوقت، وقع واجبا بشرط بقائه مكلفا إلى آخر الوقت، فإن مات أو جن قبله، وقع ما قدمه نفلا. فصل في الواجب المخير والامر بالواحد من أشياء … يوجب واحدا على استواء

стр. 172

معناه أن الأمر بواحد مبهم، من أشياء معينة مختلفة، يقتضي وجوب واحد منها لا بعينه، للخروج به من عهدة الخطاب، لتحقق القدر المشترك بينها فيه، كالحال في الواجب الموسع بالنسبة للوقت، والكفائي بالنسبة للمكلفين. وذهب قوم إلى أن إيجاب واحد مبهم من أشياء معينة، يقتضي إيجاب جميعها. ورد بالإجماع على البراءة بفعل أي واحد منها، وعدم العقاب عند ترك الجميع، على ترك أكثر من واحد. وما قيل في إيجاب واحد مبهم من أشياء معينة، يقال ـ أيضا ـ في ندب واحد مبهم من أشياء معينة، فهو يقتضي ندب واحد منها لا بعينه. فصل في ذي الكفاية سمي بذي الكفاية أو الكفائي، لكفاية البعض فيه، وسمي غيره بالعيني، لتوجه الخطاب فيه لكل عين ـ أي: ذات من المكلفين ـ أو لعين معينة. ما طلب الشارع أن يحصلا … دون اعتبار ذات من قد فعلا معناه أن ذا الكفاية هو ما طلب الشرع مجرد حصوله، من غير نظر إلى ذات فاعله، إلا تبعا للفعل ضرورة أنه لا يحصل دون فاعل، سواء كان دينيا، كتجهيز الميت، أو دنيويا، كالحرف المهمة. وهْو مفضل على ذي العين … في زعم الاستاذ مع الجويني معناه أن القيام بالواجب الكفائي، أفضل من القيام بالواجب العيني، عند الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي محمد الجويني، وكذلك ابنه إمام الحرمين ﵏ بحجة أنه يصان عن القيام به جميع المكلفين به عن الإثم، بخلاف العيني، ولكن الذي يقتضيه اهتمام الشرع بالعيني حيث وجه الخطاب به لكل مكلف، أنه آكد من الكفائي، ولذلك أشار الناظم ﵀ تبعا للتاج السبكي ﵀ بعبارة الزعم. مزه من العيني بأن قد حظلا … تكرير مصلحته إن فعلا

стр. 173

أشار بهذا إلى قول القرافي ـ رحمهما الله في التنقيح: قاعدة: الفعل على قسمين: منه ما تتكرر مصلحته بتكرره، كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها الخضوع لذي الجلال، وهو متكرر بتكرر الصلاة. ومنه ما لا تتكرر مصلحته بتكرره، كإنقاذ الغريق، فإنه إذا شيل من البحر، فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئا من المصلحة، وكذلك إطعام الجائع، وكذلك كسوة العريان وقتل الكفار. فالقسم الأول، جعله الشرع على الأعيان، تكثيرا للمصلحة، والقسم الثاني على الكفاية، لعدم الفائدة في الأعيان اهـ مع قوله في شرحه: هذه القاعدة هي سر ما يشرع على الكفاية، وما يشرع على الأعيان، تكرار المصلحة، وعدم تكررها، فمن علم ذلك، علم ما هو الذي يكون على الكفاية، وما هو الذي يكون على الأعيان في الشريعة اهـ وما ذكره ﵀ غير بين، بل الوجه في ما ذكره، أن الأمر في الكفائي أمر واحد، والمطلوب فيه شيء واحد، فإذا حصل سقط الطلب، ولم يكن لفعله مرة أخرى معنى، بخلاف العيني، فإن الأمر فيه متعدد بتعدد المكلفين، والمطلوب فيه متعدد بتعدد المكلفين أيضا، كما نصوا في العام أنه في قوة قضايا بعدد أفراده، فلا يسقط الطلب جملة، حتى يقع من جميع المخاطبين. لكن هذا خاص بالعيني العام، كالصلوات ونحوها. وأما العيني الخاص، فالأمر فيه واحد أيضا، فيسقط الطلب بفعله مرة، كأداء الدين، والأروش، ورد الوديعة، والمظلمة، وتطهير النجس، وأداء الكفارة، ودواء المرض، ونحو ذلك. وما ذكره هو في القاعدة من إطعام الجائع وكسوة العريان، فإن ذلك قد يؤمر به عينا أيضا. وتمثيله لمتكرر المصلحة بالصلوات الخمس مشكل، لأنه إن أراد تكريرها من غير تكرر

стр. 174

سببها، فليس ببين، لما جاء في الحديث من النهي عن الصلاة في يوم واحد مرتين، (١) وإن أراد تكريرها لتكرر سببها، فكذلك الحال في الكفائي، فإذا تكرر الغرق، أو حلول الضيفان، توجه الطلب من جديد وهذا بين، والله أعلم. وما ذكره من سقوط الطلب في الكفائي بفعله مرة على الجملة، ليس على إطلاقه، فقد يبقى الطلب قائما، كما في الصلاة على الجنازة عند بعض أهل العلم، وكما في بعض أحوال الجهاد، وكما في طلب العلم، ونشره، والأذان ونحوه مما هو واجب بمطلقه، مندوب الجزئيات الآتي في البيت بعد ـ إن شاء الله وكالسلام ابتداء وردا (٢). وما ذكره في الجنازة من امتناع القطع بحصول المغفرة ـ مثلا ـ فلا يكون لتكرير الصلاة معنى، لحصول الظن، غير بين، فإن الظن درجات، وليس الظن في صلاتين مثل الظن في واحدة، ولا الظن في صلاة الكثير، مثل الظن في صلاة اليسير، ولا الظن في صلاة الفاضل، كالظن في صلاة المفضول، والله أعلم. وهْو على الجميع عند الاكثر … لإثمهم بالترك والتعذر وفعل من به يقوم مسقط … وقيل بالبعض فقط يرتبط معينا أو مبهما أو فاعلا … خلف عن المخالفين نقلا معناه أن الواجب على الكفاية، واجب على جميع المكلفين، أو من فيه أهلية القيام به، بدليل إثمهم جميعا، عند تركه، ولتعذر خطاب المجهول. وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، لتعلق الخطاب بالقدر المشترك بين المكلفين، المتحقق في كل فرد. هذا مذهبنا، ومذهب الأكثرين. وقيل: إن الوجوب فيه يتعلق بالبعض خاصة، واستدل له التاج السبكي ﵀ بقوله جل من قائل: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)

стр. 175

الآية الكريمة. وليس ببين جدا، لما تقدم من تعلق الطلب فيه بالقدر المشترك، ولذلك إذا ظهر المنكر فلم يغير، عم العقاب الجميع، وإذا غيره فرد برئ الجميع. وليس المراد بخطاب الجميع، أن الجميع مطالب بمباشرته، بل هذا قد يكون منهيا عنه، لما فيه من الإخلال بالنظام، وإضاعة المصالح، كما قد يتنسم من قوله جل من قائل: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) واختلف القائلون بتعلق الخطاب بالبعض خاصة، فقال بعضهم: إن البعض المذكور معين عند الله مبهم عندنا، يسقط الطلب بفعله وبفعل غيره، كأداء الدين. وقال بعضهم: هو مبهم إذ لا دليل على تعيينه، واختاره الإبياري ﵀ ويسقط بفعل من قام به. وقال بعضهم: هو من قام به لسقوطه بفعله. وهذه الأقوال في معنى الأقوال المتقدمة في الواجب المخير، يجري فيها من البحث ما سبق هناك، والله أعلم. ما كان بالجزئي ندبه عُلم … فذاك بالكلي كعيد منحتم أشار بهذا إلى ما ذكره الإمام أبو إسحاق الشاطبي ـ رحمهما الله في موافقاته، من أن المندوب بالنظر إلى آحاده، واجب بالنظر إلى مطلقه، كالأذان فهو واجب كفائيا في البلد، مسنون في كل مسجد، وكالصلاة في الجماعة، وليس هذا بمطرد في كل مستحب، بل هو خاص ببعض المستحبات لمعنى يخصها، ككونها من الشعائر، ونحو ذلك، والله أعلم. وهل يعين شروع الفاعل … في ذي الكفاية خلاف ينجلي فالخلف في الأجرة للتحمل … فرع على ذاك الخلاف قد بُلي أشار بهذا إلى ما سبق، من الاختلاف في تعين الكفائي ـ واجبا أو مندوبا ـ على من

стр. 176

شرع فيه، فيصير واجبا عليه خاصة، أو مستحبا في حقه خاصة، وعدم تعينه، وهو المعول، إلا في ما يتعين بالشروع، كالصلاة على الجنازة، أو لمعنى عارض، كما في الخروج من صف القتال. وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في الإجارة على تحمل الشهادة، فالمتعين لا تصح الإجارة عليه، بخلاف الكفائي. وتتعين عندنا فروض الكفاية، بتعيين الإمام إلا القضاء لخطره. وغالب الظن في الاسقاط كفى … وفي التوجه لدى من عرفا معناه أن غلبة الظن بقيام البعض بالكفائي، كافية في سقوط الطلب به، عند الإمام الرازي، وشهاب الدين القرافي ـ رحمهما الله وكذلك غلبة الظن بعدم قيام الغير به، فهي كافية أيضا في توجه الخطاب به. وفصل الفهري ﵀ بين ما يتصور العلم بحصوله، كميت خوطب بكفنه، ودفنه، فلا يسقطه إلا العلم بالامتثال، وما يتعذر العلم بحصوله، فيكفي فيه الظن. وجعله الشيخ ﵀ تفسيرا لقول القرافي ﵀ أخذا من التعليل. ومقتضى ما ذكر: عدم توجه الخطاب به في الشك في القيام به، وفيه خلاف، مبناه ما تقدم من الاختلاف في المخاطب به، هل هو الكل أو البعض؟ والله أعلم. فروضه القضا كنهي أمْر … رد السلام وجهاد الكفر فتوى وحفظ ما سوى المثاني … زيارة الحرم ذي الأركان إمامة منه ودفع الضرر … والاحتراف مع سد الثُّغَر حضانة توثق شهاده … تجهيز ميت وكذا العياده ضيافة حضور من في النزع … وحفظ سائر علوم الشرع وغيره المسنون كالإمامه … والبدء بالسلام والإقامه عدّد في هذه الأبيات ما يجب على الكفاية، فذكر من ذلك القضاء بين الناس،

стр. 177

لفصل الخصومات، وفض النزاعات، فهو فرض كفاية على المتأهلين، إذا كان السلطان يعينهم عليه. وذكر منها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على الشروط المقررة في الفروع. وذكر منها رد السلام، فإذا سلم واحد أو جمع على قوم، وجب عليهم الرد عليه، أو عليهم، كفاية، ويؤمر الباقون بالرد استحبابا. ومنها جهاد الكفار في أهم جهة كل سنة، ويستحب بث السرايا في أوقات الغرة. ومنها الفتوى، وهي الإخبار بالحكم لا على سبيل الإلزام. ومنها حفظ القرآن الكريم ما عدا سورة الفاتحة الشريفة، فإن حفظها واجب على كل مكلف. ومنها إقامة الموسم كل سنة. ومنها الإمامة العظمى، فيجب على أهل الحل والعقد نصب إمام. ومنها دفع الضرر عن المسلمين، كإنقاذ الغريق، وتأمين الخائف، ومداواة المريض، وإطعام الجائع، وكسوة العريان، ونصر المظلوم. ومنها الحرف المهمة، كالتجارة والخياطة والنجارة. ومنها سد الثغور، والثغور: جمع ثغر، وهو ما يلي دار الحرب، وموضع المخافة، والثغرة مثله، جمعها: ثغر، كزمرة وزمر، وهو الجاري على الوزن في البيت. ومنها حضانة اللقيط. ومنها التوثيق، أي كتابة الوثائق بالحقوق. ومنها تحمل الشهادة، وأداؤها. ومنها ما يجب في تجهيز الميت من كفن ودفن وغسل وصلاة على ما هو مبين في الفروع. ومنها عيادة المرضى. ومنها الضيافة، واستدلوا له بحديث " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه

стр. 178

جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك صدقة " (١) وانظر ذلك، فإن ظاهره العينية، وروى أبو داوود ﵀ بإسناد صحيح " أيما رجل أضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله ". قال في النشر: قال مالك ـ رحمهما الله : الضيافة إنما تتأكد على أهل القرى والبوادي، ولا ضيافة في الحضر لوجود الفنادق وغيرها، لأن القرى يقل الوارد إليها، فلا مشقة بخلاف الحضر. ومنها حضور المحتضر، وحفظ علوم الشرع، وآلاتها من نحو، وبيان، ولغة، وغيرها، وعلوم الشرع هي التفسير والحديث والفقه، وحفظها يكون بتعلمها، وتعليمها، والتأليف فيها وغير ذلك. وأشار بالبيت الأخير إلى أن غير ما ذكر من الكفائي، هو الكفائي المسنون، أي: المندوب، كإمامة الصلاة، والبدء بالسلام، والأذان والإقامة، وما يفعل بالميت من غير ما تقدم ذكره، وغير ذلك، والله أعلم. فصل في النهي أي: النفسي هو اقتضاء الكف عن فعل ودع … وما يضاهيه كذر قد امتنع وهو للدوام والفور متى … عدم تقييد بضد ثبتا واللفظ للتحريم شرعا، وافترق … للكرْه والشرْكةِ والقدرِ الفِرَق وهُو عن فرد وعن ما عُدِّدا … جمعا، وفرقا، وجميعا وُجدا وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يجي الدليل للسداد لعدم النفع وزيد الخلل … وملك ما بيع عليه ينجلي إذا تغير بسوق أو بدن … أو حقُّ غيره به قد اقترن وبث للصحة في المدارس … معللا بالنهي حبر فارس

стр. 179

والخلف في ما ينتمي للشرع … وليس في ما ينتمي للطبع الاجزاء والقبول حين نفيا … لصحة وضدها قد رويا أغلب مباحث هذا الباب، تقدم الكلام فيها، والمذكور هنا إنما هو تتمات فقط. فأول الأبيات أشار ﵀ به إلى تعريف النهي، فذكر أنه اقتضاء الكف عن فعل. قال في النشر: والمراد بالاقتضاء عندنا الجازم، لأنه حقيقة في التحريم. ومقتضاه أن النهي حقيقة في التحريم خاصة، والأمر في ذلك على ما تقدم في الأمر. … وتقدم هناك ـ أيضا ـ أن عدَّ "دع " أمر غير بين. وذكروا هنا أنه يقال في حد اللفظي: اللفظ الدال على ما ذكر، ويرد على تقييد النفسي بكونه بغير دع ونحوها نحو ما تقدم. وأشار ﵀ بالبيت الثاني إلى أن النهي النفسي يدل على طلب الكف على وجه الدوام، لأنه يقتضي انتفاء الماهية، وذلك لا يحصل إلا بانتفائها دواما، فمتى وجدت لم يكن ممتثلا، وذلك يقتضي الفور أيضا، قال في النشر: إجماعا أو على المشهور. وهذا ما لم يقيد بمرة، أو تراخ. وقد ذكروا أن النهي لا يخالف الأمر إلا في هذين الأمرين المذكورين في هذا البيت. وأشار ﵀ بالبيت الثالث، إلى أن صيغة النهي حقيقة في التحريم عندنا، لتبادره منها، ولحمل السلف لها عليه، وهو ظاهر حديث الصحيحين " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " وقيل: إنه حقيقة في الكراهة. وقيل: إنه مشترك بينهما. وقيل: إنه للقدر المشترك بينهما، وهو طلب الكف جازما أو غير جازم. وقيل غير ذلك. قال في التنقيح: وهو عندنا للتحريم وفيه من الخلاف ما سبق في الأمر.

стр. 180

وهذا كله عند عدم القرينة، فإن قامت قرينة عمل عليها اتفاقا، والله أعلم. وأشار ﵀ بالبيت الرابع إلى أن النهي يتعلق بفرد، كالنهي عن شرب الخمر، ويتعلق بمتعدد، وهو على وجوه: فتارة يكون عن الجمع خاصة، كشرب الخليطين. وتارة يكون عن التفريق خاصة، كما في لبس النعلين وخلعهما، لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا " (١) وتارة يكون عن آحاده كالنهي عن عقوق الوالدين. وأشار ﵀ بقوله: وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يجي الدليل للسداد لعدم النفع وزيد الخلل .......................... إلى أن النهي عن الشيء ـ تحريما أو تنزيها ـ يقتضي فساد المنهي عنه شرعا، لحديث الصحيح " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ولاستدلال العلماء على ممر العصور على الفساد بالنواهي، في أبواب العبادات والمعاملات. وقيل: يدل عليه لغة، لاستدلال العلماء به على الفساد. وأجيب بأنهم إنما استدلوا به على ذلك أخذا من الشرع، وفساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه، وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة. وقيل: يقتضي الفساد في العبادات، دون المعاملات. وقيل: لا يقتضي الفساد مطلقا. وقيل: يقتضي الفساد على وجه تثبت معه شبهة الملك، وهو مذهب مالك ﵀ قاله القرافي ﵀ في شرح التنقيح. وقال في التنقيح: ومعنى الفساد في العبادات: وقوعها على نوع من الخلل، يوجب بقاء
следующие страницы →