والرواية إذا ثبتت عنهم، لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها اهـ.
الثالث: موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا فقط، كما في الألفات المحذوفة.
وإلى هذا أشار ببقية الأبيات.
وهذه الشروط إنما هي في غير المتواتر، وأما المتواتر فلا يشترط فيه شيء.
قال الإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ في النشر في الكلام على شرط صحة الإسناد: نعني به أن يروي تلك القراءة، العدل الضابط عن مثله كذلك، حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين، غير معدودة عندهم من الغلط، أو مما شذ بها بعضهم.
وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد، لا يثبت به قرآن، وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين، من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ وجب قبوله، والقطع بكونه قرآنا، سواء وافق الرسم أم خالفه.
وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف، انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم، ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف اهـ.
والذي ظهر لي بعد التأمل، أن مقصود مشترط التواتر، والمكتفي بصحة الإسناد مختلف، فمقصود مشترط التواتر أصول الكلمات، كما هو ظاهر عبارة الصفاقسي، حيث قال ما معناه: لا يمكن أن يكون القرآن كغيره ـ يعني في الثبوت بأخبار الآحاد ـ.
وجواز القراءة بالأوجه الثابتة التي تقرأ عليها الكلمات معلوم عن الجميع، وعدم التواتر في ذلك معلوم أيضا.
ومقصود المكتفي بصحة الإسناد: الوجوه التي تقرأ عليها الكلمة، ولا يخالف في اشتراط
стр. 72
التواتر في أصول الكلمات، إلا أن هذا معلوم من شرط موافقة الخط، وذلك أن موافقة الخط على وجهين:
موافقة على وجه لا احتمال فيه، وموافقة على وجه محتمل، وهذه إنما تعتبر في الأوجه التي تقرأ عليها الكلمة، لا في أصل الكلمة، حتى حروف المعاني، كما صرح به ابن الجزري ﵀ سبخانه وتعالى ـ في النشر.
ولا يخفى أن ثبوت الكلمة بوجه لا احتمال فيه، في إحدى نسخ المصحف العثماني، يستلزم التواتر، والله أعلم.
ورجح النظر … تواترا لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا ..........................
معناه أن الراجح أن القراآت الثلاث، قراءة خلف، وأبي جعفر، ويعقوب ﵏ متواترة.
وقال التاج السبكي ﵀ في منع الموانع على سؤالات جمع الجوامع: إن القول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين.
وقال الإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ : وقد جرى بيني وبينه في ذلك كلام كثير، وقلت له: ينبغي أن تقول: والعشر متواترة ولا بد، فقال: أردنا التنبيه على الخلاف، فقلت: وأين الخلاف؟ وأين القائل به؟ ومن قال: إن قراءة أبي جعفر، ويعقوب، وخلف، غير متواترة؟
فقال: يفهم من قول ابن الحاجب: والسبع متواترة، فقلت: أي سبع؟ وعلى تقدير أن يكون هؤلاء السبعة، مع أن كلام ابن الحاجب لا يدل عليه، فقراءة خلف لا تخرج عن قراءة أحد منهم، بل ولا عن قراءة الكوفيين في حرف، فكيف يقول أحد بعدم تواترها مع ادعائه تواتر السبع؟!
وأيضا فلو قلنا إنه يعني هؤلاء السبعة، فمن أي رواية؟ ومن أي طريق؟ ومن أي كتاب؟ إذ التخصيص لم يدعه ابن الحاجب ﵀ ولو ادعاه لما سلم له
стр. 73
بقي الإطلاق، فيكون كلما جاء عن السبعة، فقراءة يعقوب جاءت عن عاصم، وأبي عمرو، وأبو جعفر هو شيخ نافع، ولا يخرج عن السبعة من طرق أخرى.
فقال: فمن أجل هذا قلت: والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ، وما يقابل الصحيح إلا فاسد.
وذكر أنه كتب له في جواب سؤال وجهه إليه بذلك، ما نصه:
الحمد لله، القراآت السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف، متواترة، معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة، معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ولو كان مع ذلك عاميا جلفا، لا يحفظ من القرآن حرفا.
ولهذا تقرير طويل، وبرهان عريض، لا يسع هذه الورقة شرحه، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر، معلوم باليقين، لا يتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه، والله أعلم كتبه عبد الوهاب بن السبكي الشافعي.
ولم يكن في الوحي حشو يقع
وما به يُعنى بلا دليل … غير الذي ظهر للعقول
معناه أنه يمتنع أن يقع في القرآن، أو في السنة، لفظ له معنى لا يمكن فهمه، خلافا للحشوية، حيث أجازوا أن يقع فيه ما لا يمكن فهمه، واحتجوا بالحروف المقطعة في أوائل السور.
وأجيب بأن لها معاني، وإن وقع الخلاف في تعيينها، فهي كغيرها مما اختلف في معناه، وهذا أمر مختلف فيه، وأورد على تخصيص الخلاف بهم، مذهب الجمهور في المتشابه.
стр. 74
وقيل: المختلف في جواز وقوعه ما لا معنى له أصلا.
قال البناني ﵀ : والحاصل أنهم اضطريت أقوالهم في محل النزاع في هذه المسألة، وتعارضت، والذي صوبه الأسنوي ما قاله المصنف ـ رحمهما الله من أن محل النزاع ورود ما لا معنى له أصلا اهـ.
وهو ظاهر عبارة البيضاوي ﵀ في المنهاج، حيث قال: لا يخاطب الله بمهمل اهـ
وهو أيضا ظاهر عبارة الشيخ الناظم ﵀ حيث قال: ولم يكن في الوحي حشو، وإن كان قد شرحها بغير ذلك.
وذكر العطار ﵀ أنه لا قائل بذلك، واستدل بمنافاة ذلك للفصاحة، لكن بطلان القول بالنظر، لا يرد روايته، فكم من قول بين البطلان، قد ثبتت نسبته لبعض الأعيان، فكيف بأهل الأهواء، ونقل عن الكوراني والزركشي ﵏ أجمعين ـ أنهما قالا: إن ذلك لم يقل به أحد، فإن ثبت أنهما أرادا الإطلاق، فنقلهما معارض بنقل غيرهما، والأصل أن المثبت مقدم على النافي، وإن أرادا أحدا ممن يعتد به، أو كان ذلك بعبارة محتملة فلا تعارض، والله أعلم.
ومنهم من بحث في منع ذلك في السنة، وهو بحث لين، فقد قال جل من قائل: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) والله أعلم.
ولا يجوز أن يقع فيهما لفظ يراد به غير ظاهره بلا دليل دال على ذلك، سواء بين المراد، أو لم يبينه، كما في حاشية العطار ﵀ .
وجوزت المرجئة وقوع ذلك، وذهبوا إلى أن آيات وأخبار الوعيد التي ظاهرها تعذيب العصاة، إنما يراد بها الترهيب، بناء على مذهبهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما لا تنفع الطاعة مع الكفر.
والنقل بالمنضم قد يفيد … للقطع، والعكس له بعيد
معناه أن الدليل النقلي، قد يكون قطعي الدلالة على المراد منه، فيحصل القطع به بما ينضم إليه من القرائن المانعة لتجويز إرادة غير ذلك المعنى، خلافا لمن قال تفيده مطلقا،
стр. 75
وخلافا لمن قال لا تفيده مطلقا، معللا ذلك بالتوقف على العلم بعدم المعارض.
قال السعد التفتازاني ﵀ في شرح المقاصد: الحق أنها تتوقف على عدم العلم بالمعارض، لا على العلم بعدمه، إذ كثيرا ما يحصل اليقين من الدليل، ولا يخطر المعارض بالبال، إثباتا أو نفيا، فضلا عن العلم بعدمه، فالمراد بقولهم: إن إفادتها اليقين تتوقف على العلم بعدمه، أنها تكون بحيث لو لاحظ العقل المعارض جزم بعدمه، نقله العطار ﵀ .
فصل في المنطوق والمفهوم
معنى له في القصد قل تأصل … وهو الذي اللفظ به يستعمل
أشار بهذا البيت إلى تعريف المنطوق، فذكر أنه المعنى الذي يراد من اللفظ في محل النطق، بحيث لا تتوقف استفادته من اللفظ، إلا على مجرد النطق به، بأن تكون دلالته عليه ناشئة من وضع اللفظ له، ولو وضعا نوعيا، كما في المجاز، حكما كان، أو لا، ذاتا كان، أو معنى.
أولها: كمجيء زيد، في قولك: جاء زيد.
والثاني: كزيد، والثالث: كالمجيء، خلافا لابن الحاجب ﵀ حيث خصه كالمفهوم بالحكم، لأنهما عنده الدلالة لا المدلول.
فقوله: معنى له في القصد قل تأصل، معناه أنه المعنى الذي يفهم من اللفظ ابتداء، بلا واسطة شيء، من لزوم أو غيره، بخلاف المفهوم، فإنه مفهوم بالنظر إلى المعنى، إما من جهة كونه مناط الحكم، كما في مفهوم الموافقة بنوعيه، وبعض مفاهيم المخالفة، وإما من جهة التقييد، كما في كثير من مفاهيم المخالفة، وبخلاف توابع المنطوق، فهي مفهومة من لازم خارج عن مدلول اللفظ، كما في المدلول عليه بالاقتضاء، أو الإشارة، أو من السياق، كما في الإيماء.
فالمنطوق هو المعنى الأصلي الذي يفهم من اللفظ ابتداء، والمعاني الأخرى متفرعة عنه، والله أعلم.
نص إذا أفاد ما لا يحتمل … غيرا، وظاهر إن الغير احتمل
стр. 76
معناه أن دلالة اللفظ على المعنى المنطوق على وجهين:
دلالة صريحة لا تحتمل، كالأعلام كزيد، وأسماء العدد، حيث لم تكن هناك قرينة صارفة كالتشبيه في أولهما، والمبالغة في الثاني.
ويسمى المنطوق في ذلك نصا.
ودلالة ظاهرة، محتملة غير المعنى الظاهر احتمالا مرجوحا، وذلك كقولك رأيت بحرا، فهو في البحر المعروف حقيقة، ويحتمل بمرجوحية: رجلا ـ مثلا ـ موصوفا بالكرم.
ويسمى المنطوق في ذلك ظاهرا.
قال إمام الحرمين ﵀ في البرهان: فمن الظواهر إذن مطلق صيغة الأمر، فالصيغة ظاهرة في الوجوب، مؤولة في الندب والإباحة، كما سبق في القول في محامل الصيغ.
ومنها صيغة النهي المطلقة، فهي ظاهرة في التحريم، مؤولة إذا حملت على التنزيه.
ومنها النفي الشرعي المطلق في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من اليل " (١) فهي ظاهرة في نفي الجواز، مؤولة في نفي الكمال.
ومنها حمل الصيغ المطلقة الموضوعة في اللغة للعموم، على وجه العموم ظاهر، مؤول حمله على وجه الخصوص.
ومنها تلقي المفهوم من التخصيص على الشرط الذي سيأتي، والاستمساك به تعلق بالظاهر، وتركه في حكم التأويل اهـ
وأما اللفظ المحتمل لمعنيين من غير راجحية، فهو المجمل، وسيأتي الكلام عليه ـ إن شاء الله .
والكل من ذين له تجلى … ويطلق النص على ما دلا
وفي كلام الوحي ........... ...........................
أشار بهذا إلى أن لفظ النص، يطلق بإزاء ثلاثة معان أخرى:
стр. 77
أحدها: ما يعم معناه المذكور ومعنى الظاهر المذكور أيضا.
فهو بهذا المعنى مرادف للمنطوق.
وإلى هذا أشار بقوله: والكل من ذين له تجلى، أي: والكل من معنى النص المذكور، ومعنى الظاهر، له تجلى أي: ظهر، يعني أنه يطلق على ما يعمهما، كما في النشر.
ونقله في البحر عن إلكيا الطبري عن الإمام الشافعي ﵏ وعبارته: كل خطاب علم ما أريد به من الحكم.
قال الزركشي ﵀ : ثم على هذا ينقسم النص إلى ما يحتمل وإلى ما لا يحتمل اهـ
ونسب إمام الحرمين هذا القول في البرهان، للقاضي أبي بكر الباقلاني ـ رحمهما الله .
والظاهر أن هذا هو مراد من قال: إن النص يستعمل في الظاهر، كشيخ الإسلام زكريا ﵀ في غاية الوصول، لا أنه يختص بالظاهر في هذا الاستعمال، عما لا يحتمل، كما هو مقتضى بعض شروح المراقي.
وظاهر الشيخ ﵀ في النشر، أنه فهم على ما ذكر عن الإمام الشافعي والقاضي أبي بكر، قول القرافي ﵏ أجمعين ـ في التنقيح: وقيل ما دل على معنى قطعا، وإن احتمل غيره، كصيغ الجموع في العموم، فإنها تدل على أقل الجمع قطعا، وتحتمل الاستغراق اهـ
وليس ببين فيه.
وقد حكى نحو ما للقرافي، التاج السبكي ـ رحمهما الله في الإبهاج.
ومقتضاه أن النص على الاستعمال السابق، لا يكون نصا حتى تكون دلالته على كل ما يدل عليه قطعية.
والمعروف في استعمال العلماء أن اللفظ يكون نصا باعتبار بعض ما يدل عليه، غير نص باعتبار بعض آخر.
نظير ما يأتي للشيخ في المحكم والمجمل.
стр. 78
الثاني: اللفظ الدال، سواء كانت دلالته قطعية، أو راجحة، سواء كانت بطريق المنطوق، أو المفهوم، أو الاقتضاء، أو الإشارة، أو الإيماء، أو غيره من الدلالات.
قال في التنقيح: وهو غالب استعمال الفقهاء اهـ
الثالث: إطلاقه في الكتاب والسنة خاصة، فيقابله القياس والإجماع.
فتحصل أنه يطلق بمعنى المنطوق الدال على وجه لا احتمال فيه، وبمعنى المنطوق عموما، وبمعنى اللفظ الدال كيف كانت دلالته، وبمعنى الكتاب والسنة.
وقد يستعمله الفقهاء في مقابل التخريج، والله أعلم.
والمنطوق هل … ما ليس بالصريح فيه قد دخل
معناه أن المدلول عليه بالاقتضاء، أو الإشارة، أو الإيماء، اختلف فيه، هل هو داخل في المنطوق، أو المفهوم؟
وعلى الأول، فالمنطوق نوعان:
منطوق صريح، وهو ما تقدم.
ومنطوق غير صريح، وهو الثلاثة المذكورة، هذا هو المراد.
وذكر الشربيني في تقريراته على حاشية البناني ـ رحمهما الله أن تنويع المنطوق إنما هو على طريقة ابن الحاجب ـ رحمهما الله التي ترى المنطوق والمفهوم أقساما للدلالة.
وأما على الطريقة التي سلك الشيخ ﵀ تبعا للأكثرين، فالمدلول عليه بالالتزام ونحوه ليس منطوقا، لأن الدلالة عليه ليست في محل النطق، قال: وإنما هو عند المصنف من توابع المنطوق.
فالمدلولات عنده ثلاثة: منطوق، وتوابعه، ومفهوم.
وقد صرح بتثليث الأقسام الآمدي ﵀ وبعض شروح المنهاج. ثم قال: فإن قلت: ما الفرق بين المفهوم وتوابع المنطوق؟
قلت: المفهوم يقصد التنبيه بالمنطوق عليه، إما تنبيه بالأعلى على الأدنى، أو بالعكس، أو التنبيه بالشيء على ما يساويه، وكل ذلك للمناسبة بينهما، بخلاف توابع المنطوق، كما
стр. 79
يعرفه الذكي المحقق اهـ
وهْو دلالة اقتضاء إن يدل … لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم، مثل ذات … إشارة، كذاك الايما آت
فأول إشارة اللفظ لما … لم يكن القصد له قد علما
دلالة الإيماء والتنبيه … في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن … لغير علة يعبْه من فطن
أشار بهذا، إلى تفسير دلالة الاقتضاء، والإشارة، والإيماء.
فذكر أن دلالة الاقتضاء، هي: دلالة اللفظ باللزوم على معنى لا يستقل الكلام دونه، لتوقف صدقه عليه، أو صحته شرعا، أو عقلا.
مثال توقف الصدق: قوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ في حديث ذي اليدين ـ رضي الله تعالى عنه ـ: " كل ذلك لم يكن " (١) يعني في ظني.
ومثال ما تتوقف عليه الصحة عقلا: قوله جل من قائل: (حرمت عليكم الميتة) فالعقل يقتضي أنه لا تكليف إلا بفعل، وذلك يقتضي تقديرا في الكلام.
ومثال توقف الصحة شرعا: الأمر بالصلاة، فهو مقتض للأمر بالطهارة.
وإلى هذا الإشارة بقوله: وهو دلالة اقتضاء إن يدل لفظ على ما دونه لا يستقل دلالة اللزوم.
ودلالة الإشارة: دلالة اللفظ باللزوم على معنى غير مقصود بالأصالة، لا يتوقف عليه صدق الكلام، ولا صحته، كدلالة قوله جل من قائل: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) على جواز إصباح الصائم جنبا، لأن ليلة الصيام التي هي ظرف للحل، تصدق بآخر جزء منها، الذي لا يمكن أن يقع بينه وبين الصبح غسل.
وإلى هذا الإشارة بقوله: إشارة اللفظ لما لم يكن القصد له قد علما.
ودلالة الإيماء والتنبيه هي: اقتران الحكم بوصف على وجه يقتضي عليته له، كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للأعرابي الذي قال: واقعت أهلي في نهار رمضان "
стр. 80
أعتق رقبة " (١) فالسياق مقتض علية الوقاع للإعتاق، وإلى هذا الإشارة ببقية الأبيات.
فتحصل أن اللفظ يدل على ثمانية أشياء، وهي:
المنطوق بنوعيه: النص والظاهر، والدلالة عليه من وضع اللفظ دون توقف على شيء. ومفهوم الموافقة بنوعيه: الأولى والمساوي، والدلالة عليهما بالنظر إلى المعنى المنوط به الحكم، كما تقدم بيانه.
ومفهوم المخالفة، وهو أنواع، سيأتي ذكرها قريبا ـ إن شاء الله والدلالة عليه من جهة اقتضاء التقييد، اختصاص المذكور بالحكم، وانتفاءه بانتفاء القيد ـ مثلا ـ أو اقتضاء العلية دوران الحكم مع المعنى وجودا وعدما.
وتوابع المنطوق الثلاثة: الاقتضاء، والإشارة، والإيماء.
ودلالة اللفظ على الأولين التزامية.
والفرق بينهما: توقف الصدق أو الصحة في الاقتضاء دون الإشارة.
وأما دلالة الإيماء فهي دلالة سياقية، والله أعلم.
وغير منطوق هو المفهوم .........................
أشار بهذا إلى أن المفهوم هو ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق.
وينقسم المفهوم إلى مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، وإلى الأول منهما أشار بقوله:
منه الموافقة قل معلوم
يُسْمى بتنبيه الخطاب، وورد … فحوى الخطاب اسما له في المعتمد
ومعنى البيت الثاني، أن مفهوم الموافقة يسمى بتنبيه الخطاب، وفحوى الخطاب، كما أشار له بالبيت، وأشار إلى تعريفه بقوله:
إعطاء ما للفظة المسكوتا … من باب أولى نفيا أو ثبوتا
ومعناه أن مفهوم الموافقة، هو ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه على وجه الأحروية، سواء كان ذلك في سياق النهي أو غيره، كان إثباتا، أونفيا.
стр. 81
مثال النهي: قوله جل من قائل: (فلا تقل لهما أف) فهو مقتض لحرمة ما هو أبلغ منه في الأذية، التي هي المعنى الموجب للنهي، كالضرب بالأولى والأحرى. ومثاله في النفي في سياق الخبر: قوله جل من قائل: (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) فانتفاء الأمانة في الدينار، يقتضي انتفاءها في القنطار بالأولى. ومثاله في سياق الإثبات: قوله جل من قائل: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) فثبوت الأمانة في القنطار، يقتضي ثبوتها في الدينار بالأولى، وعلى هذه الطريقة، فمفهوم الموافقة خاص بالأولى، وإن كان المساوي مثله في الاحتجاج، ويسمى مفهوم مساواة.
فالمفاهيم على هذا ثلاثة: موافقة، ومساواة، ومخالفة، وهذا معزو للأكثرين، وأشار إلى المشهور من تقسيم مفهوم الموافقة إلى أولى ومساو، بقوله:
وقيل ذا فحوى الخطاب، والذي … ساوى بلحنه دعاه المحتذي
ومعنى هذا أن منهم من ذهب إلى أن مفهوم الموافقة نوعان:
أولى، ويسمى فحوى الخطاب، وهو ما تقدم.
ومساو، ويسمى لحن الخطاب، وهو ما يكون حكم المسكوت فيه، مساويا لحكم المنطوق، مع الاستواء في المعنى الذي هو مناط الحكم.
وذلك كإتلاف مال اليتيم بغير الأكل، المفهوم تحريمه من تحريم أكله، المستفاد من الوعيد عليه، في قوله جل من قائل: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) لمساواته له في تفويته عليه.
دلالة الوفاق للقياس … وهْو الجلي تُعزى لدى أناس
وقيل للفظ مع المجاز … وعزوها للنقل ذو جواز
اختلف في الدلالة على مفهوم الموافقة، هل هي لفظية أو لا؟
فنقل عن الإمام الشافعي ﵀ وجماعة: أنها قياسية، فحرمة الضرب إنما فهمت بالقياس الجلي على حرمة التأفيف، بجامع الإيذاء، وليست مفهومة من اللفظ، وذلك لتوقفها على النظر إلى المعنى الذي هو مبنى الحكم في المنطوق.
стр. 82
فلو لا أنه عُلم أن موجب التحريم في التأفيف، أنه أذية، لم يقتض تحريمه تحريم الضرب، فقد ينهى عن السب، مع الإذن في الضرب لمعنى صحيح، كأن يقول الرجل لغلامه ـ مثلا ـ: لا تسب فلانا، ولكن اصفعه ـ مثلا ـ أو اضربه، فكانت دلالته قياسية.
وقيل: إنها لفظية، واختلف القائلون به، فمنهم من قال هي مجازية، حيث عبر بالأخص كالتأفيف، مرادا به الأعم، الذي هو الإيذاء.
فحرمة غير التأفيف إنما فهمت من القرينة، لما تقدم من صحة منع إيذاء، مع الإذن في ما هو أشد منه، فهي من المجاز المرسل.
ومنهم من قال: إن العرف اللغوي، نقل اللفظ من وضعه للدلالة على ثبوت الحكم به للمذكور خاصة، إلى ثبوته به للمذكور والمسكوت عنه معا، فهي حقيقة عرفية.
وغير ما مر هو المخالفه … ثمت تنبيه الخطاب حالفه
كذا دليل للخطاب انضافا ...........................
معناه أن غير ما سبق من المفهوم: هو مفهوم المخالفة.
والذي سبق ذكره من المفهوم هو ما كان المسكوت عنه فيه مساويا في الحكم للمنطوق به.
فمفهوم المخالفة هو ما كان المسكوت عنه فيه مخالفا في الحكم للمنطوق به.
ويسمى تنبيه الخطاب، ودليل الخطاب.
والثابت في المخالفة هو نقيض الثابت في المنطوق لا ضده.
ودع إذا الساكت عنه خافا
أشار بهذا إلى موانع اعتبار مفهوم المخالفة، وهي غير منحصرة في ما ذكره، فما ذكره أمثلة فقط.
وبيان ذلك: أن الأصل أن تخصيص المنطوق بالذكر، إنما يكون لاختصاصه بالحكم، فإذا ظهرت فائدة لتخصيصه بالذكر، غير اختصاصه بالحكم، امتنع اعتباره، لانعدام المعنى الذي هو مبنى اعتباره.
فإذا قامت القرينة على أنه إنما خصه بالذكر مخافة أمر إذا جاء بدله بما يعم المسكوت
стр. 83
عنه، لم يعتبر، وهذا هو المراد بهذا الشطر.
ومثلوا له بقول حديث عهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين: تصدق بهذا على المسلمين، يخص المسلمين بالذكر خوف التهمة بالنفاق.
ومن الأمثلة أن يخصه بالذكر لجهل حكم المسكوت عنه، كقوله: في الغنم إذا كانت ضأنا الزكاة، يخص الضأن بالزكاة لجهله حكم المعز.
ومن الأمثلة أيضا أن يكون ذكره له على الخصوص، واقعا في جواب سؤال عن خصوص المنطوق، دون المسكوت عنه، فيخص بالذكر في الجواب كذلك.
ومن الأمثلة أن يخصه بالذكر لغلبته وكثرته، وندور المسكوت عنه، فيكون التخصيص خارجا على الوجه الغالب، لا لاختصاص المذكور بالحكم.
ومثلوا له بقوله جل من قائل: (وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن) فالوصف بكونهن في الحجر خارج مخرج الغالب، فالغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها.
ومن أمثلته أيضا قوله جل من قائل: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) فالغالب أن الوالد لا يقتل ولده إلا خشية الإملاق، وإلى هذا أشار بقوله:
أو جَهِلَ الحكم، أو النطق انجلب … للسؤل أو جري على الذي غلب
ومن الأمثلة أيضا أن يخصه بالذكر لمزيد المنة فيه.
ومثلوا له بقوله جل من قائل: (لتأكلوا منه لحما طريا) فتخصيص الطري بالذكر، لأن المنة فيه أعظم، فلا يكون ذلك مقتضيا لعدم جواز المجفف مثلا.
ومن الأمثلة أيضا كون النص واردا على واقعة موضوعها المنطوق، فيخص بالذكر لموافقة الواقع، ومثلوا لذلك بقوله جل من قائل: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) فالأضعاف لا مفهوم لها، وإنما خَصتها الآية الكريمة بالذكر، لأنها جاءت للنهي عما كانوا عليه من ذلك، حيث يقول صاحب الحق لصاحبه عند حلوله: إما أن تقضي، وإما أن تربي.
ومن الأمثلة أيضا أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر خارجا على وجه التعليم لمن علم
стр. 84
أنه يجهل حكمه دون المسكوت عنه، كأن تعلم من شخص أنه يجهل وجوب الزكاة في المعز ويعلم وجوبها في الضأن، فتقول له: نوع الغنم المسمى بالمعز تجب فيه الزكاة، فلا يكون هذا مقتضيا لاختصاص الزكاة في الغنم بالمعز.
ومن الأمثلة أيضا خروج التنصيص على المنطوق، على وجه التأكيد والتهويل.
ومثلوا له بحديث " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " (١) فالوصف بالإيمان بالله واليوم الآخر، ليس لإخراج الكافرة، بل لتأكيد الحكم، بتشبيه التاركة له، بمن لا تؤمن بالله واليوم الآخر، وإلى هذا أشار بقوله:
أو امتنان أو وفاق الواقع … والجهل والتأكيد عند السامع
وأشار بقوله:
ومقتضِي التخصيص ليس يحظُل … قيسا، وما عُرض ليس يشمل
إلى أن ما ذكر مما يمنع اعتبار المفهوم، لا يمنع إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق، بطريق القياس، عند وجود وصف جامع يصح الإلحاق به، الذي سيأتي بيانه ـ إن شاء الله .
فالأمور المذكورة إنما تدل على أن لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير الاختصاص بالحكم، فيبقى المفهوم مسكوتا عنه معنى أيضا، إذ لم يتناوله الكلام.
وقيل: إن الأمور المذكورة تقتضي بطلان القيد المذكور، بحيث يكون كأن لم يذكر جملة، فيكون المقيد عاما في المذكور والمسكوت عنه، فكأن لفظ (التي في حجوركم) ـ مثلا ـ لم يذكر أصلا، فيكون لفظ ربائبكم من نسائكم، عاما في مكفولته وغيرها، ونقل الإجماع على خلافه أيضا، والله أعلم.
وقول الشيخ ﵀ : وما عرض، يعني به اللفظ، وذلك لعروض التقييد له، وعدل إلى ذلك عن الموصوف، دفعا لتوهم اختصاص ما ذكر بالصفة.
стр. 85
وهو ظرف علة وعدد … ومنه شرط غاية تعتمد
والحصر والصفة مثل ما علم … من غنم سامت وسائم الغنم
معناه أن مفهوم المخالفة ـ بمعنى محل الحكم ـ أنواع:
منها الظرف زمانيا كان أو مكانيا، أولهما كقوله جل من قائل: (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)
والثاني كقوله جل من قائل: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) ومنها العلة، قال الطاهر ابن عاشور في حاشيته على تنقيح القرافي ـ رحمهما الله : لا شك أن المراد من العلة في تعداد المفاهيم: العلة النحوية، وهي ما يدل على أن الفعل وقع لأجله، مثل لام التعليل، وكي، والمفعول لأجله، وغير ذلك، لا العلة التي هي أحد أركان القياس، وعليه فالفرق بينها وبين الصفة النحوية، لا يحتاج إلى بيان، ولا يرد عليه سؤال كما توهمه المصنف اهـ
وهذا بين، ولذلك عدوا الشرط، ومعلوم أن الشروط اللغوية أسباب، ولو أريد كل ما قد يؤذن بالعلية، لاحتيج إلى الفرق بين العلة والظرف، وبينها وبين العدد، وبينها وبين الغاية.
ومثال العلة: قوله جل من قائل: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)
ومن مفاهيم المخالفة: العدد، كقوله جل من قائل: (لو لا جاءو عليه بأربعة شهداء)
ومنها الشرط، كقوله جل من قائل: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن)
ومنها الغاية، كقوله جل من قائل: (حتى يضعن حملهن)
ومنها الحصر، وله أدوات، منها الاستثناء بعد النفي، كقوله جل من قائل: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)
ومنها إنما، كقوله جل من قائل: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا) الآية
стр. 86
ومنها تقديم المعمول، كقوله جل من قائل: (والظالمين أعد لهم عذابا أليما)
ومن مفاهيم المخالفة أيضا الصفة، كقوله جل من قائل: (أو دما مسفوحا)
والمراد بها الصفة النحوية كما تقدم في كلام ابن عاشور ﵀ .
وأشار بقوله: مثل ما علم من غنم سامت، وسائم الغنم، إلى أنه لا فرق بين أن تتقدم الصفة على الموصوف، فلا فرق بين قولك مثلا: سابق الأزمنة، وقولك: الأزمنة السابقة، فكلاهما مقتض لاختصاص الحكم بزمن سابق.
معلوفة الغنم أو ما يعلف … ألخلف في النفي لأي يصرف
أشار بهذا إلى أنه اختلف في المقيد بقيد كالصفة مثلا، هل يرجع النفي فيه في المفهوم إذا كان المنطوق مثبتا، والإثبات إذا كان المنطوق منفيا، إلى القيد في خصوص ذلك الموضوع المدلول عليه بالمقيد، فيكون مفهوم قولنا: في الغنم السائمة زكاة، أن المعلوفة من الغنم خاصة لا زكاة فيها، ولا يتناول المفهوم معلوفة غيرها، كما لم يتناول المنطوق سائمة غير الغنم، ويكون مفهوم قوله جل من قائل: (أو دما مسفوحا) إباحة الدم الذي ليس بمسفوح، ويكون مفهوم قوله جل من قائل: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) أن البائن التي ليست بحامل لا تجب النفقة عليها.
أو يرجع إليه مطلقا، فيكون مفهوم الأول، سقوط الزكاة في المعلوفة مطلقا، ومفهوم الثاني الإذن في كل ما ليس بمسفوح دما أو غيره، ومفهوم الثالث سقوط نفقة غير الحامل مطلقا، مطلقة أو لا، بائنا أو لا.
ولا يخفاك ما يترتب على هذا من الأمور الخارقة للإجماع.
ويبعد أن يقول بهذا أحد ممن يعتد بقوله على وجه مطلق، وغاية ما يمكن القول به في هذا أن ذلك - أعني رجوع النفي إلى القيد فقط - قد يقع، فقد تقوم القرينة على أن المقصود دوران الحكم مع القيد مطلقا، لا بشرط تحققه مع خصوص المقيد المذكور، كقولك: الرجل العابد لا يكون محروما، فهذا يفهم منه بالقرينة، سببية العبادة للرزق ولعدم
стр. 87
الحرمان مطلقا، لا في خصوص الرجل.
وكقولك: إذا لم تكن عالما، لم تكن عزيزا، فمثل هذا يفهم منه بالقرينة سببية العلم للعز، وعدمه لعدمه مطلقا، لا في خصوص المخاطب.
لكن ينبغي أن يلاحظ هنا، أن المقيد دلت القرينة على إلغائه في المنطوق أولا، فرجع النفي بسبب ذلك إلى القيد خاصة، والقرينة مخصصة للقواعد الأصولية كلها، فمتى قامت القرينة على إرادة معنى تعين المصير إليه، لأن ظاهر القصد مقدم على ظاهر اللفظ، لأن ظاهر اللفظ إنما ترجح لظهوره في القصد، والله أعلم.
أضعفها اللقب، وهْو ما أُبي … من دونه نظم الكلام العربي
معناه أن أضعف مفاهيم المخالفة، مفهوم اللقب، واللقب قال الطاهر بن عاشور ﵀ في حاشيته: هو الاسم الجامد الذي لا يؤذن بموصوف.
قال في النشر: سواء كان اللقب علما بأنواعه الثلاثة، من اسم، وكنية، ولقب، أو اسم جنس، جامدا كان أو مشتقا غلبت عليه الاسمية، أما ما لم تغلب عليه، فإن ذكر موصوفه فهو ما تقدم، أو لا نحو في السائمة زكاة، فالأظهر عند السبكي ﵀ أنه كاللقب، لاختلال الكلام بدونه، وقيل من الصفة، وكاسم الجنس اسم الجمع، كقوم ورهط اهـ
وإنما لم يراع اللقب لما تقدم من أن تخصيص المنطوق بالذكر إنما يدل على اختصاصه بالحكم إذا لم تظهر فائدة غير ذلك، واللقب محتاج إلى ذكره ليسند إليه، إذ لا يمكن إسناد خبري دون مسند إليه، وهذا هو ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: وهو ما أبي من دونه نظم الكلام العربي.
وذلك هو المراد بتعليل قول السبكي ﵀ في الكلام السابق على الموصوف نحو في السائمة زكاة، والأوجه أنه حجة، فترتيب الحكم على الموصوف موذن بتأثير صفته في الحكم، وقصد غير ذلك ممتنع بلاغة كما تقدم، وهذا هو المعنى الذي لأجله اعتبر مفهوم الصفة، بل مفاهيم المخالفة كلها، كما بينه القرافي ﵀ في
стр. 88
الفرق الحادي والستين، (١) وتفاريع أصحابنا صريحة في الأخذ به، والله أعلم.
أعلاه لا يرشد إلا العلما … فما لمنطوق بضعْف انتمى
فالشرط فالوصف الذي يناسب … فمطلق الوصف له يقارب
فعدد ثمت تقديم يلي … وهو حجة على النهج الجلي
أشار بهذا إلى ترتيب أنواع مفاهيم المخالفة في القوة، فذكر أن أقواها الحصر بإلا بعد النفي، لأن جماعة من أهل العلم قد ذهبوا إلى أنه منطوق صريح.
ويلي ذلك ما قيل فيه إنه منطوق بالإشارة على ضعف، كمفهوم إنما، ومفهوم الغاية.
ويلي ذلك مفهوم الشرط، وتأخر عن الغاية لأن نفاته يقولون بها.
ويلي ذلك مفهوم الصفة، وتأخرت عن الشرط لأن بعض القائلين به خالف فيها، وتقدم الصفة المناسبة نحو: في الغنم السائمة زكاة، على الصفة التي ليست مناسبة، نحو: إذا لقيت رجلا ثريا فتصدق عليه.
وما ذكر في نثر الورود هنا من اختصاص التعبد بالعبادات، سهو.
ويلي مفهوم الصفة: مفهوم العدد، وتأخر عن الصفة أيضا لأن بعض القائلين بها أنكروه.
ويلي ذلك: مفهوم الحصر بتقديم المعمول، وإنما تأخر للاختلاف في اقتضائه الحصر.
قوله: وهو حجة على النهج الجلي، معناه أن مفهوم المخالفة ـ ما عدا اللقب ـ حجة عند جماهير أهل العلم، وأنكر الإمام أبو حنيفة ﵀ الجميع، وحكي عن القفال الشاشي، وأبي حامد المروزي ـ رحمهما الله وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ من الحنفية أنه ليس بحجة في خطابات الشرع، وأما في مصطلح الناس وعرفهم فهو حجة، وعكس ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، قاله في
стр. 89
إرشاد الفحول.
فصل في اللغة
خلق الله الإنسان محتاجا إلى الاستعانة بغيره، غير قادر على الاستقلال في استيفاء مطلوبه، فكان لا بد مما يحصل به التفاهم بينه وبين غيره، حتى يعينه على تحصيل مقصوده، وتسهيل مراده، ويسترشد به في ما لا يعلم، ويستنصحه فيما يشكل عليه، وغير ذلك، فأنعم الله عليه بهذه الموضوعات اللغوية، ليتمكن من ذلك دون بذل جهد، ولا ضياع وقت.
قال التاج السبكي ﵀ في جمع الجوامع: من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية، ليعبر عما في الضمير، وهي أفيد من الإشارة والمثال، وأيسر اهـ
وإنما كانت أفيد، لإمكان التعبير بها عن الأشياء كلها، في كل الوقوت، في عموم الأحوال، مع وضوحها في مراد المتكلم، عند الصغير والكبير، والبليد والذكي، بخلاف الإشارة، فالتعبير بها عن كثير من الأمور على وجه ظاهر متعذر، ولا تأتى الإفادة بها في كل وقت، فالإفادة بها في اليل، والأماكن المظلمة، متعذرة أيضا، وكذلك يتعذر الإفهام بها إذا حال بينك وبين صاحبك ساتر ـ مثلا ـ وهي مع المقابلة والقرب لا يتمكن من فهم المراد بها كل الناس، إلا في بعض الأحوال، لكثرة ما يطرقها من الاحتمالات.
وإنما كانت الموضوعات أيسر، لأن التكلم أيسر من الأفعال، مع أنه لا يحتاج إلى وضع معين، فيحصل الإفهام به بمجرد أن يكون بحيث يسمعه، فلا يحتاج إلى تغيير وضع لترقب مواجهة، مع تعين ما يعبر به في الكلام، بخلاف الإشارة فإنها تحتاج إلى تأمل في الكيفية الدالة على المقصود، ومراقبة الطرف الآخر هل حصل له بها فهم المراد، وغير ذلك مما يوجب مشقة فادحة بتكرره عند إرادة الإخبار بأي شيء، ولو كان يسير الخطب، فانظر إلى اهتزاز النحلة أمام وخلف، وأعلى وأسفل، ويمينا ويسارا، لو تطلبه منك كل إفهام لصاحبك، فإنك ستكون في حرج بليغ، ومشقة فادحة.
وأما المثال فالمشقة فيه أفدح بكثير من الإشارة، مع ما يتطلبه من الوقت الكثير، وهذا ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله:
стр. 90
من لطف ربنا بنا تعالى … توسيعه في نطقنا المجالا
واللطف في اللغة: الرفق، والمراد هنا إيصال الإحسان، أو إرادته، والمجال: محل الجولان، وهو الطواف.
وما من الألفاظ للمعنى وضع … قل لغة بالنقل يدري من سمع
معناه أن اللغة هي: الألفاظ الموضوعة للمعاني.
فخرجت الدلالة العقلية، كدلالة اللفظ على لافظ.
والدلالة العادية، كدلالة الأنين على الوجع، والضحك على التعجب.
والألفاظ: جمع لفظ، والوضع هو جعل اللفظ اسما لمعنى، كالسماء لمعناها المعروف.
وإطلاق المتكلم اللفظ بإرادة المعنى كذا منه، يسمى استعمالا.
وفهم السامع إرادة المتكلم المعنى كذا باللفظ كذا، يسمى حملا.
فالوضع سابق، والحمل لاحق، والاستعمال متوسط.
والمعاني: جمع معنى، والمعنى مفعل من عَنى إذا قصد، فالمعنى هو المراد والمقصود من اللفظ.
وقول الشيخ ﵀ : بالنقل يدري من سمع، معناه أن اللغة إنما تثبت بالنقل عن العرب، تواترا في أكثرها، كالسماء والأرض لمعنييهما المعروفين، وآحادا في بعضها، كالغضنفر في الأسد.
وقيل: إنها متواترة كلها، لأن أئمة اللسان في كل عصر أعداد يستحيل تواترها ـ عادة ـ على الكذب، وهو غير بين، فإن الأئمة وإن كانوا كذلك، إلا أن كثيرا من الكلمات لم يتفق على معناه من يحصل بخبره العلم.
وتثبت اللغة أيضا باستنباط العقل من النقل، قال في النشر: الجمع المعرف بأل يصح الاستثناء منه، وكل ما يصح الاستثناء منه بإلا وأخواتها مما لا حصر فيه، عام، فيستنبط العقل أن الجمع المعرف عام، إلى أن قال: واحترز بما لا حصر فيه، عن العدد، فإنه يصح الاستثناء منه، نحو له علي ستة إلا ثلاثة، وليست عامة.
وسيأتي الخلاف في ثبوتها بالقياس.
стр. 91
مدلولها المعنى ولفظ مفرد … مستعملا ومهملا قد يوجد
وذو تركب ................. ...........................
معناه أن مدلول الألفاظ، إما معنى وإما لفظ.
والمعنى كلي وجزئي، والكلي: هو ما أفهم اشتراكا، كرجل، والجزئي خلافه كزيد، قال الأخضري ﵀ :
فمفهم اشتراك الكلي … كأسد، وعكسه الجزئي
واللفظ إما مفرد وإما مركب، وهو في كل من الوجهين يكون مستعملا، ويكون مهملا، فالمفرد المستعمل: كمدلول الكلمة، قال ابن مالك ﵀ :
واحده كلمة ................... ............................
فمدلولها لفظ مفرد مستعمل: اسم، أو فعل، أو حرف.
والمفرد المهمل: كأسماء الحروف، كالباء مثلا، فمدلولها الذي هو " بَهْ " مفرد مهمل. والمركب المستعمل: كمدلول الكلمة في مثل خبر " أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل (١) ...............................
والمركب المهمل: كمدلول الهذيان، والمراد بالمركب: ما تركب من كلمتين فأكثر، لا المركب بمعنى ما يدل جزؤه على جزء معناه، كشاة زيد، الذي أشار الأخضري ﵀ بقوله:
مستعمل الألفاظ حيث يوجد … إما مركب، وإما مفرد
فأول ما دل جزؤه على … جزُء معناه، بعكس ما تلا
وقوله ﵀ :
ووضْع النكره … لمطلق المعنى فريق نصره
وهي للذهن لدى ابن الحاجب … وكم إمام للخلاف ذاهب
معناه أنه اختلف في النكرة، هل هي موضوعة لمطلق المعنى، من غير تقييد بكونه ذهنيا أو خارجيا، لاستعماله فيهما، ودعوى وضعه لأحدهما بخصوصه، لا دليل عليها، فيكون
стр. 92
حقيقة في كل منهما، ونسب للفهري ﵀ .
أو هي موضوعة للمعنى الذهني خاصة، لأنها موضوعة لفرد شائع، والمشترك بين آحاده لا وجود له في الخارج، فالموجود في الخارج هو الأفراد، وكل واحد منها لا يشاركه غيره في حقيقته، وهذا القول للإمام الفخر ﵀ ونسبه الشيخ ﵀ لابن الحاجب ﵀ .
أو هي موضوعة للمعنى الخارجي خاصة، وهو مذهب الجمهور، وحجته أن الأحكام إنما وضعت للأمور الخارجية المتشخصة.
ومحل الخلاف ما له وجود ذهني، ووجود خارجي، وأما ما لا وجود له إلا في الذهن، كبحر زئبق، فلا خلاف أن الوضع فيه إنما هو للمعنى الذهني.
وليس للمعنى بلا احتياج … لفظ، كما لشارح المنهاج
معناه أن وضع لفظ خاص بإزاء المعنى، لا يتعين في كل معنى، وإنما يتعين في المعاني المحتاجة إلى ذلك احتياجا قويا، بل قال في المحصول إنه لا يجوز، وهو أبين، لعدم انحصار المعاني.
وهذا في المعاني المنضبطة، وأما غير المنضبطة، فلا يمكن الوضع لها، لعدم تميزها، فيقصدها المتكلم، ويعرفها السامع، وذلك كأنواع الطعوم، والروائح، واللذات، والآلام، والمسرات، والأحزان، ونحو ذلك.
واللغة الرب لها قد وضعا … وعزوها للاصطلاح سمعا
فبالإشارة، وبالتعين … كالطفل فهْم ذي الخفا والبين
يبنى عليه القلب، والطلاق … بكاسقني الشراب والعتاق
المعنى أنه اختلف في ابتداء اللغات، فقيل هي توقيفية، إما بالوحي إلى آدم ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ أو بخلق الأصوات، وإلهام معانيها، أو غير ذلك.
وقيل: هي اصطلاحية، وضعها البشر، وحصل التعارف بينهم بالتعيين بالإشارة، وانتصاب القرائن، كما يتعلم الطفل لسان أبويه.
وقيل: كان ابتدؤها بتوقيف، ثم كانت اصطلاحا في ما بعد.
стр. 93
وقيل: بالعكس، وقيل: بتجويز ذلك كله، وهو رأي الأكثرين.
وأشار ﵀ بقوله: يبنى عليه القلب، إلى أن الاختلاف المذكور ينبني عليه الاختلاف في جواز القلب، بأن يعبر بالشاة عن الدار، وبالرجل عن الحصان، فعلى أنها توقيفية، يكون ذلك ممنوعا، وعلى أنها اصطلاحية، يكون ذلك جائزا.
وهذا غير بين، فإن التوقيف لا يقتضي التحجير في الخروج عنه، وقد صرح بذلك التاج السبكي ﵀ كما في الحلي.
وهذا الخلاف إنما هو في القلب لذاته، ولا ينافي أنه قد يمتنع لعارض، كما إذا وقع في الألفاظ المتعبد بها، أو ترتب عليه تلبيس في المواطن التي لا يجوز فيها ذلك، كما قال جل من قائل ـ في من يشبهون نساءهم بأمهاتهم ـ: (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا)
فقد صرح أصحابنا بأن المنكر هنا الذي لا يعرف المراد منه، نحو قول سيدنا إبراهيم ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ: (قوم منكرون)
ومن ذلك النهي عن لفظ: راعنا، وإن أريد به معنى صحيح، تجنبا لاحتمال المشتق من الرعونة، الذي كانت اليهود تقصد.
وأشار ﵀ بقوله: والطلاق بكاسقني الشراب والعتاق، إلى أن الخلاف المذكور، ينبني عليه الاختلاف أيضا في لزوم الطلاق والعتق بالكناية الخفية، وهي كل لفظ أرادهما به، مما لا يدل عليه عرفا، فمن قال هي توقيفية، لم يقعا عنده بذلك، ومن قال هي اصطلاحية، ألزمهما بذلك.
ولا يتجه أيضا انبناء هذا عليه، إذ لا فرق في هذا المعنى بين الكناية الخفية والكناية الظاهرة، بل ولا بينها وبين اللفظ الصريح، فإنه قد يكون غير موضوع أولا للطلاق، أو العتق، فالحكم على اللفظ بكونه صريحا أو كناية مبني على العرف لا على الوضع الأول، ولو قيل إن المختلفين في هذا الفرع لم يخطر ببالهم هذا الأصل أصلا، لكان قريبا، وإعمال هذه الألفاظ في مثل هذه الأبواب مبني على معان ومدارك أخرى، متقررة في تلك المواطن، كالتشوف للحرية، والاحتياط للفروج، وكون الأصل براءة الذمة، وتبعية الأمور للمقاصد،
стр. 94
وغير ذلك، والله أعلم.
هل تثبت اللغة بالقياس … والثالث الفرق لدى أناس
اختلف في اللغة هل تثبت بالقياس، فقيل: تثبت به، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، وابن شريح، وأبي إسحاق الشيرازي، والرازي، وجماعة من الفقهاء ﵏ أجمعين ـ.
وقيل: لا تثبت به، وهو قول الجويني، والغزالي، والآمدي، والحنفية، وأكثر الشافعية، واختاره ابن الحاجب، وابن الهمام ﵏ أجمعين ـ.
وقيل: تثبت به الحقيقة دون المجاز.
فإذا سمي شيء باسم، وكان فيه معنى يناسب أن تكون تسميته بذلك الاسم لأجله، فوجد أمر آخر يساويه في الاتصاف بذلك الوصف، فهل يتعدى ذلك الاسم إليه، ومثلوا لذلك بالخمر، قالوا: العرب إنما وضعت هذا الاسم لخصوص المسكر من ماء العنب، وتسميته بهذا الاسم يتوقع أنها كانت لتخميره العقل، وتغطيته إياه، فهل يتعدى هذا الاسم لكل مسكر، أو يقتصر في إطلاقه على موضع وروده؟
وما في نثر الورود من التعقيب بثبوت تسمية كل مسكر خمرا في الصحيح، لا ينافي ذلك.
فالشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
والخلاف المذكور إنما هو في المشتق، وهو ما اشتمل محله على معنى يناسب اسمه، كما مثلنا، بخلاف الأعلام، وذلك هو المراد بقوله ﵀ :
محله عندهم المشتق … وما سواه جاء فيه الوفق
وفائدة الخلاف أن من أثبت الاسم للفرع بذلك، أثبت له حكم الأصل، لتناول الاسم الذي ورد عليه الحكم عنده له.
فآية الخمر ـ مثلا ـ متناولة لفظا لكل مسكر.
ومن لم يثبت الاسم للفرع، احتاح إلى تطلب دليل على حكمه، من نص آخر، أو قياس شرعي، بأن ينظر في المعنى الذي هو مناط الحكم في الخمر ـ مثلا ـ الذي هو مسكر ماء
стр. 95
العنب على الخصوص، وينظر في وجوده في الفرع، على الشروط والتفاصيل المعلومة في قياس التمثيل، وهذا هو المراد بقوله ﵀ :
وفرعه المبني خفة الكلف … في ما بجامع يقيسه السلف
والمعنى أن من يثبت اللغة بالقياس، تخف عليه الكلفة والمؤنة، إذا كان حكم المسمى الأول منصوصا، إذ يرى تناول نص المسمى الأول، للمسمى الثاني، ومن لا تثبت عنده بالقياس، يحتاج إلى تطلب دليل على حكم المسمى الثاني.
والجامع: العلة.
فصل في الاشتقاق
والاشتقاق ردك اللفظ إلى … لفظ ........................
معناه أن الاشتقاق هو رد لفظ إلى لفظ، والمراد برده إليه، الحكم بتفرعه عنه، لما بينهما من المناسبة في الحروف الأصلية والمعنى.
وذلك كاشتقاق الضحية من الضحى الذي هو الوقت المأمور بذبحها فيه.
وهذا تعريف له بحكم الناظر في ذلك به، وإلا فهو مجرد تفرعه عنه، نظر فيه أو لم ينظر، وهو كتعريف التخصيص، بأنه قصر العام على بعض أفراده لحجة، ونحوه كثير.
والاشتقاق ثلاثة أنواع: صغير، وكبير، وأكبر.
والأول هو المبوب له، وهو المقصود عند الإطلاق، وأما الآخران فإنما يذكران استطرادا وتتميما للفائدة.
وقد جاءت بالاشتقاق الأحاديث الصحيحة، من ذلك ما جاء من اشتقاق اسم الرحم الحديث المعروف، (١) وما جاء من أنهم سألوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن العقيقة، فكره ذلك وقال: " لا يحب الله العقوق، من وُلد له ولد فأحب أن
стр. 96
ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة " (١) ولا يختص الاشتقاق بالحقيقة، بل يجري في الحقيقة والمجاز معا، كما أشار إليه ﵀ بقوله:
وأطلق في الذي تأصلا
يعني أن الأصل المشتق منه كما يكون حقيقة، يكون مجازا، ومثلوا لذلك بقولك: الحال ناطقة بكذا، أي: دالة عليه، فهو مشتق من النطق بمعنى الدلالة، وهو مجاز، فالنطق حقيقة التكلم.
وفي المعاني والأصول اشترطا … تناسبا بينهما منضبطا
معناه أنه يشترط في الاشتقاق، التناسب بين المشتق والمشتق منه، في المعنى، والحروف الأصلية.
والمراد بالتناسب في الحروف الأصلية: أن تكون موجودة بتمامها في المشتق، بنفس الترتيب الذي هي عليه في المشتق منه.
والمحذوف لعارض يعتبر كالموجود، سواء حذف من المشتق منه الذي هو المصدر كعدة، أو من المشتق، كيعد، وعِدْ ـ بصيغة الأمر ـ كما أشار إليه ابن مالك ﵀ بقوله:
فا أمر أو مضارع من كوعد … إحذف، وفي كزنة ذاك اطرد
وذلك كالضارب والضرب.
فخرج بالتناسب في المعنى، ما اتفق معناه كعدة ووعد، ومقتل وقتل، على أن مقتلا مصدر لا اسم مصدر.
وجعل من هذا القبيل بعضهم العدل، كعمر وعامر.
وخرج ما اختلف معناه، كالفحم لمحروق الحطب، مع فحم صاحبه إذا أسكته.
وخرج بالتناسب في الحروف الأصلية، ما اتفق معناه واختلفت حروفه، كالمترادف،
стр. 97
كميت وهالك، وما اتفقت حروفه الأصلية مع اختلاف الترتيب فقط، كجبذ وجذب، أو مع اختلاف المعنى أيضا كمِلْح، ولَمْح، وحِلْم، ولَحْم، وحَمْل، ومَحْل.
وأشار بقوله:
لا بد في المشتق من تغيير … محقق، أو كان ذا تقدير
إلى أنه لا بد في القول باشتقاق الكلمة من غيرها، أن يكون بينهما اختلاف، ولو تقديرا، فلو اتفقتا لم يكن للاشتقاق معنى، لأنها عينها.
فالاختلاف الظاهر، كاختلاف الضارب والمضروب عن الضرب، والمقدر كطلبَ: فعل ماض، من طلبٍ مصدرا، قالوا: فتحة اللام في الفعل، غيرها في المصدر، وكضمة النون في جنب مفردا، فهي ـ كما قالوا ـ غيرها فيه جمعا.
وشرط الاختلاف في اللفظ، يقتضي أن المنقول ليس من قبيل المشتق، كجمرة علم رجل، وأسد، وأسامة، ونعمان، وهو خلاف ما يقع في عبارة بعض أهل العلم عند الكلام على الأسماء الشرعية، فيقولون في الصوم ـ مثلا ـ إنه مشتق من صوم النهار: سكون رياحه ونحو ذلك.
وإن يكن لمبهَم فقد عهد … مطردا، وغيره لا يطرد
معناه أن اشتمال المحل على معنى يناسب اسمه، لا يستلزم جواز إطلاقه في كل موضع وجد فيه ذلك المعنى، فقد تضع العرب ذلك لبعض المواضع المشتملة على المعنى، دون غيره على وجه الخصوص.
فإن علم من استعمالهم ذلك في لفظ لم يتعد به موضعه، وذلك كالقارورة: لوعاء المائع من الزجاج خاصة، وكالدبران: للنجوم المعروفة، وكعيوق: للنجم المعروف، وكالأدهم: للقيد، والأخيل: للطائر المعروف.
وإن علم عدم أخذ المحل قيدا، كان مطردا، كالضارب لكل من وجد منه وصف الضرب، وبهذا احتج من منع ثبوت اللغة بالقياس، لاحتمال أخذ المحل قيدا في الاسم، والله أعلم.
ونقل في الحلي هنا عن ولي الدين في النجم الوهاج، أنه قال: اشتقاق الألفاظ بعضها
стр. 98
من بعض اصطلاحي قطعا، ولا يجري فيه الخلاف في وضع اللغة هل هو اصطلاحي أو توقيفي، وقال: إنها مسألة حسنة انتهى
والأوجه أنه إن أراد أن ذلك هو الكثير فمشبه، وإن أراد العموم، فيرده ما جاء في الرحم، ونحوها، والله أعلم.
والجبذ والجذب كبير، ويرى … للاكبر الثلم وثلبا من درى
أشار بهذا إلى الاشتقاق الكبير، والاشتقاق الأكبر، واكتفى عن تعريفهما بالمثال، فمثل للكبير بالجبذ والجذب، فهو ما اتفقت فيه الحروف الأصلية مع الاختلاف في الترتيب، والتناسب في المعنى، في الجملة، كجذبه وجبذه.
ومثل للأكبر بالثلم والثلب، فهو ما حصل فيه توافق في بعض الحروف الأصلية، مع تناسب معنوي في الجملة، كالثلم والثلب، والرجم والرقم.
قال في الحلي: وينبغي أن يكون الأصل المشتق منه في الاشتقاق الكبير والأكبر، أكثر اللفظين استعمالا، وإن لم أر من تعرض لذلك اهـ.
وكأن هذا ما أراده في نثر الورود، حيث جعل الجبذ ـ بتأخير الذال ـ مشتقا من الجذب ـ بتقديم الذال ـ وجعل الثلم ـ بالميم ـ مشتقا من الثلب ـ بالباء ـ.
والمتجه أن المراد أن ما ذكر من التناسب لفظا ومعنى، قرينة على أن أحدهما متفرع عن الآخر، أو أنهما من مادة واحدة، وقد يظهر مع ذلك من القرائن ما يفيد أصلية أحدهما وفرعية الآخر، وقد لا يظهر ذلك، فلا يتأتى الحكم بأصلية أحدهما.
وأما كثرة الاستعمال فهذه قد تعرض للفظ في بعض الأزمنة، ثم ينعكس الحال في أزمنة أخرى، وقد يكون أحد اللفظين لغة جهة، بحيث لا يعرف فيها غيره، والآخر لغة جهة أخرى، والله أعلم.
نعم يقال إن المدلولات الحسية، سابقة على المدلولات المعنوية، فإن كان معنى أحدهما محسوسا دون الآخر، أشبه أن يقال: إنه أصل، والله أعلم.
هذا والمراد بالمناسبة في المعنى في الاشتقاق الصغير: الموافقة خاصة.
وفي غيره: ما يعم الموافقة والمشابهة.
стр. 99
فالموافقة في الكبير كمثال الناظم ﵀ والمشابهة فيه: ككنى وناك. والموافقة في الأكبر: كهدم وهذم، والمشابهة فيه: كمثال الناظم ﵀ والله أعلم.
والاعجمي فيه الاشتقاق … كجبراءيل قاله الحذاق
معناه أن الأسماء العجمية يقع فيها الاشتقاق، وعزاه في نشر البنود للأصفهاني ـ رحمهما الله وذكر أنه احتج به بما جاء أن اسم جبريل ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ مشتق من الجبروت.
وذكر في الحلي أن الذي ذكره الأصبهاني إنما هو منع ذلك، جاعلا الاشتقاق من خصائص العربية.
والخبر الذي ذكر لم أقف على ذكره في شيء من كتب التخريج.
والمعنى الذي ذكر الشيخ ﵀ صحيح، فوجود أصول عربية في بعض لغات العجم، أمر معلوم اليوم، كما أن وجود أصول أعجمية في العربية معلوم أيضا، واشتراك أسماء متعددة متقاربة في المعنى في حروف معينة، معروف أيضا في ألسنة العجم، والله أعلم.
كذا اشتقاق الجمع مما أفردا … ونفي شرط مصدر قد عهدا
معنى أول الشطرين، أن الجمع مشتق من المفرد، وكذلك المثنى، فرجلان مشتق من رجل، وكذلك رجال، وكذلك المنسوب كقرشي، والمصغر كفليس، وعلى هذا فالحرف يشتق منه، لجواز النسبة إليه، كما هو قول ابن مالك ﵀ :
وضاعف الثاني من ثنائي … ثانيه ذو لين، كلا ولائي
ومعنى الشطر الثاني، أن الاشتقاق لا يشترط فيه وجود مصدر بالفعل، ولا استعماله، فقد يشتق من مصدر مقدر.
قال في النشر: فالجمود لا ينافي الاشتقاق، وذكر أن نحو عسى، وليس، من الأفعال التي ليست متصرفة، مشتق، وظاهره قصد العموم، والمتجه أن ذلك يتوقف على استقراء. وأما اجتماع عدم التصرف مع الاشتقاق فبين جدا، ومن أمثلته قول ابن مالك ـ رحمه الله
стр. 100
سبحانه وتعالى ـ:
فعلان غير متصرفين … نعم وبئس رافعان اسمين
واشتقاق الفعل في الموضعين من الظهور بمكان، والله أعلم.
ومقتضى ما ذكروا هنا أنه لا بد في الاشتقاق من مصدر، وانظره مع ما تقدم في اشتقاق المفرد من الجمع، واشتقاق الحروف، والله أعلم.
وعند فقد الوصف لا يشتق … وأعوز المعتزليَّ الحقُّ
معنى أول شطري البيت، أنه يشترط في اشتقاق الاسم من الوصف، قيام ذلك الوصف بالمشتق له، فلا يجوز اشتقاق اسم العالم ـ مثلا ـ لمن لم يقم به وصف العلم.
واحترز الشيخ ﵀ بالوصف، عن الذوات، فاشتقاق الاسم منها، يكفي فيه الارتباط بها ارتباطا يصحح النسبة إليها، وذلك كبقال لصاحب البقول، وبزاز لصاحب البز، وتامر لصاحب التمر، ولابن لصاحب اللبن، قال ابن مالك ﵀ :
ومع فاعل وفَعَّال فَعِل … في نسب أغنى عن اليا فقبل
وقوله: وأعوز المعتزلي الحق، أشار به إلى مذهب المعتزلة في صفات المعاني، حيث قالوا إن الله قادر من غير قدرة قامت به، عالم من غير علم قام به، وهكذا، فأثبتوا الاسم مع نفي الصفة المشتق منها، وأعوزه الشيء احتاج إليه، قال في النشر: يعني أن المعتزلة خالفوا منهج الصواب، المحتاج إلى اتباعه.
وحيث ما ذو الاسم قام قد وجب .................................
المراد بذي الاسم: المعنى الذي وضعت له العرب اسما مطردا.
والمعنى أن الوصف الذي وضعت له العرب اسما باطراد، إذا قام بموضع ثبت له اسم منه، وذلك كوصف البياض، فكل موضع قام به هذا المعنى، ثبت له ـ لقيامه به ـ اسم أبيض، أو بيضاء في التأنيث.
واختلف هل يكفي في إطلاق الاسم عليه ـ على وجه الحقيقة ـ مجرد حصول اتصافه به، ولو زال، فالمتصف بالبياض، إذا فارقه وصف البياض، يبقى إطلاق الأبيض عليه
стр. 101
حقيقة، أو لا يكفي ذلك؟
فيشترط في كون إطلاقه عليه حقيقة، بقاء المعنى قائما به، فإذا خلا من المعنى، فإطلاق الاسم المشتق منه عليه مجاز، وهو قول الجمهور، والأول لابن سينا، وبعض المعتزلة.
وفرق قوم بين ما إذا طرأ على المحل وصف وجودي مناقض، فيمتنع الاشتقاق بإجماع المسلمين وأهل اللسان، كالقائم يجلس، فلا يجوز أن يشتق له اسم من القيام، إلا على وجه المجاز، باعتبار ما كان، كقوله جل من قائل: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)
ويحترز بالضد الوجودي، عن الضد العدمي، الذي هو عدم الوصف، وإلى هذا أشار الناظم ﵀ بقوله:
وفرعه إلى الحقيقة انتسب
لدى بقاء الاصل في المحل … بحسب الإمكان عند الجل
ثالثها الإجماع حيث ما طرا … على المحل ما مناقضا يرى
وقوله: بحسب الإمكان، أشار به إلى أن قيام الوصف بالمشتق له، المشترط في الاشتقاق، إنما هو بحسب الإمكان، فهو في المصادر السيالة، كالكلام على ما يقتضي العرف أن صاحبه لم ينزع عنه، لأنها لا تقوم بالمحل جملة، وإنما تقع على الترتيب، شيئا فشيئا.
عليه يُبنى من رمى المطلقه … فبعضهم نفى وبعض حققه
معناه أنه ينبني على الاختلاف المذكور: الاختلاف في من قذف مبانته، هل يلاعنها، كما لو قذفها قبل أن يطلقها، أو يحد حد القذف، ولا يمكن من اللعان، كما لو قذف من لم يتزوج بها أصلا، أو يفرق بين ما إذا تزوجت بعد طلاقه إياها زوجا آخر، فيحد كالأجنبي، وما إذا لم تتزوج بعده فيلاعن، كالزوجة التي لم تطلق؟
وبيان ذلك أن الله قضى في قذف الزوج باللعان، إذا لم يأت على ذلك بالبينة، وذلك حيث قال جل من قائل: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) الآية الكريمة، وأوجب في قذف الأجنبي الجلد، حيث لم يأت
стр. 102
على ذلك بالبينة، وذلك حيث قال جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) الآية الكريمة، فمن صدق عنده اسم الزوج حقيقة على المطلق طلاقا بائنا، قضى باللعان، ومن لم ير ذلك أوجب الحد، والله أعلم.
ونسب في النشر القول بالتفصيل لابن المواز، وذكر في الحلي أن المنسوب في كتب المذهب لابن المواز ﵀ هو القول بالحد مطلقا، والله أعلم.
والبحوث التي نقل بعض الشروح هنا عن القرافي وغيره في حديث " البيعان بالخيار " (١) لينة جدا.
فالنظر في الحديث بالقواعد التي ذكر، مفض إلى إبطال دلالة الحكم المنوط باسم الفاعل، فهذه البحوث واردة في مثل آية (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) الآية الكريمة.
فالنظر بهذه القواعد يقتضي اختصاص الأمر بالجلد بحالة الإيلاج، لأنه إذا نزع فقد انقطع صدق اسم الزاني عليه حقيقة، كما في القاعدة الأولى.
وصدق اسم الزاني عليه، هو علة الأمر بجلده، كما في القاعدة الثانية.
فيسقط عنه الحد للقاعدة الثالثة، وهو أن عدم العلة، علة لعدم المعلول.
وهكذا في السارق، والقاذف، وغيرهما.
وبطلان هذا، ومخالفته للإجماع من الظهور بمكان.
وسيأتي للقرافي ﵀ في المسألة الموالية نقل الإجماع على أن الإطلاق في ذلك حقيقة، لا مجاز.
وهي عين مسألة الحديث الشريف.
ولا يخفاك أيضا الإجماع على عدم توقف الحكم في ذلك على كون الإطلاق حقيقة،
стр. 103
فالجلد مأمور به إجماعا في من زنى، سواء قلنا إن استعمال الزاني فيه حقيقة أو مجاز. ومقتضى إطلاق القاعدة الأولى ـ وهو أيضا صريح إيرادها على الحديث الشريف المذكور ـ امتناع الحمل على المجاز، وإن قامت قرينة على إرادته، كما في الحديث الشريف " ما لم يتفرقا " ورد ذلك أظهر من أن يذكر، والله أعلم.
وأما ما نقل عن بعض أرباب الحواشي من انبناء الخلاف في الرجوع في السلعة إذا فلس المشتري أو مات على هذا الأصل، وأن المالكية خالفوا أصلهم هنا فهو غير بين، فاعتقاد المجازية في ذلك لا يمنع من الحمل عليه، خاصة مع انتصاب القرينة على إرادته، والتصريح به في بعض الروايات، فحمله على البائع لا يستلزم القول بكونه حقيقة فيه.
وأما مذهب المالكية فأصله ما رواه مالك ﵀ في موطئه عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ قال: " أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجده بعينه، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء "
فما كسارق لدى المؤسس … حقيقة في حالة التلبس
أو حالة النطق بما جا مسندا … وغيره العموم فيه قد بدا
أشار بهذا إلى ما أجيب به عن الاشكال الذي أورده القرافي ﵀ على استلزام ما تقدم من أن إطلاق المشتق إنما يكون حقيقة ما دام المعنى قائما بالمشتق له، كون إطلاق اسم السارق مثلا على من لم يقم به وصف السرقة حال الإطلاق، مجاز، فيكون تناول نحو آية (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) لمن تحصل منه السرقة مجازا، والإجماع على أنه حقيقة.
فمن ذلك ما أجاب به الإمام تقي الدين السبكي وابنه تاج الدين ـ رحمهما الله وهو الذي أشار إليه ﵀ بأول البيتين.
فالمراد بالمؤسس فيه: السبكيان.
ومعناه أن المراد بالحال في ما سبق: حال التلبس، لا حال النطق والكلام.
стр. 104
فإطلاق اسم الفاعل حقيقة في كل ذات قام بها معناه، سواء كان قيام المعنى بها حاصلا وقت النطق به أو لا، فالسارق في الآية الكريمة حقيقة في كل من حصلت منه السرقة وقت نزول الآية، وفي من تحصل منه بعد ذلك، لكن بعد حصولها منه.
وقال الطاهر ابن عاشور ﵀ في هذا إنه: يفضي إلى هدم قاعدة الزمان في الفعل الذي حمل عليه اسم الفاعل، إذ الزمان في الفعل هو زمان النطق بلا شك، وإلا لم يتصور ماض ومستقبل أبدا.
وأجاب القرافي ﵀ بأن محل التفصيل المذكور إذا كان الوصف محكوما به، كقولك: زيد سارق.
وهو المراد بقوله: أو حالة النطق بما جا مسندا.
فإن كان محكوما عليه، كان الإطلاق حقيقة مطلقا في من حصل منه الاتصاف بذلك المعنى، سواء كان اتصافه به واقعا حال النطق، أو سابقا عليه، ويكون حقيقة في من يتصف به بعد الإطلاق، بعد اتصافه به، لا مطلقا، كما توهمه ابن عبد السلام، كما بينه ابن عرفة ـ رحمهما الله في الجزء الثالث عشر من مختصره الفقهي في رد الاستدلال بآية (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) على وجوب التحمل، فلا يرد ما أشار إليه بعضهم، من أن هذا التفصيل يؤدي إلى أمور مخالفة للإجماع.
وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وغيره العموم فيه قد بدا.
وذكر بعضهم أن لاسم الفاعل واسم المفعول استعمالين:
أحدهما: إرادة ذات متصفة بالمشتق منه، من غير اعتبار زمان ولا حدوث، فيكون كاسم الجنس، لا دلالة له على الزمان، ويكون حقيقة في كل من اتصف به بعد اتصافه به، سواء كان اتصافه به سابقا على وقت التكلم، أو مصاحبا، أو متأخرا، وهذا هو معناه عند البيانيين.
والثاني: قصد الحدوث، وظاهر أنه لا يكون حقيقة في هذا الاستعمال إلا إذا كان الاتصاف به حاصلا وقت الكلام.
فإن أريد الحدوث، ولم يكن الاتصاف حاصلا وقت الكلام بذلك، كان مجازا باعتبار
стр. 105
حصوله قبل، أو توقع حصوله.
وإذا كان كذلك، فالمسألة على هذا مختلف فيها بين أهل اللسان.
وعليه فسؤال القرافي ﵀ إنما يتوجه على مذهب النحويين خاصة، ولا يتم جوابه إلا على هذه الطريقة خاصة.
وجواب السبكيين ـ رحمهما الله غير بين، فمذهب البلاغيين الذي اختارا ليس فيه نظر إلى الزمان أصلا، وتأويل الحال بحال التلبس لا يستقيم، والمقابلة بالماضي والاستقبال، مانعة منه، كما بينه ابن عاشور ﵀ وليس فيه انقسام إلى حقيقة ومجاز بالنسبة لمن حصل له اتصاف بالمعنى في وقت.
وهذا المنقول غير بين أيضا، فالانقسام للحقيقة والمجاز حاصل في الصفة المشبهة أيضا، فلا فرق بين قولك: زيد ضارب عمرا، وقولك: زيد حسن، فإذا لم يكن زيد متصفا بالضاربية أو الحسن في الوقت الذي وصفته فيه بذلك، بل أطلقت عليه الوصفين باعتبار اتصافه بهما سابقا مثلا، كان مجازا.
وما نُسب للنحاة، هو الفرق عندهم بين اسم الفاعل والصفة المشبهة.
فاسم الفاعل هو الدال على الحدوث، وإن جيء به من فعل لازم، ويؤتى به حينئذ على فاعل، كما أشار إليه ابن مالك ﵀ بقوله:
وفاعل صالح للكل إن قصد الـ … ــحدوث، نحو غدا ذا جاذل جذلا
وما قصد به الثبوت صفة مشبهة لا اسم فاعل، وإن صيغ من فعل متعد، عند من يجيز ذلك.
وأما الأصوليون فالمراد عندهم هنا الصفة عموما، والله أعلم.
والمتجه أن الجواب الأقعد بالقواعد الأصولية: أن الوصف العام ـ مثلا ـ لا نظر فيه للوقت، فهو حقيقة في أفراده في كل زمن، بل لا يتأتى فيه النظر إلى الوقت، إذ لم يحكم فيه لذات معينة، حتى ينظر هل هي متصفة بمعناه أو لا.
وسيأتي ـ إن شاء الله للشيخ ﵀ في العموم، استلزام العموم في الذوات، العموم في الأزمنة، حيث يقول:
стр. 106
ويلزم العموم في الزمان … والحال للأفراد والمكان
وأما الوصف الخاص فينظر فيه إلى الوقت على التفاصيل المتقدمة.
لأن معناه الإخبار عن فلان ـ مثلا ـ أنه متصف به، فإذا لم يكن متصفا به في الوقت الذي حكم له بالاتصاف به فيه، لم يكن حقيقة.
فإذا قلت: زيد صحيح، فإن لم يكن صحيحا في الوقت الذي حكمت له بالصحة فيه، وإنما حكمت له بذلك اعتبارا بالوقت السابق على ذلك، أو توقعا لذلك، بأن يكون قد قارب البرء ـ مثلا ـ فهو مجاز، وإن لم يتصف بذلك قبل، ولم يكن يتوقع اتصافه به بعد، أو كان قد اتصف به قبل، أو يتوقع اتصافه به، ووصفته بالصفة لا باعتبار ذلك، كان الكلام المذكور كذبا.
وهذا هو الذي يظهر أنه مراد القرافي ﵀ لكن لم يبين وجهه.
نعم الظاهر أن النظر في الوقت، إلى الوقت الذي حكمت بالاتصاف فيه، وقد يكون ذلك وقت الكلام، كما لو قلت: زيد صحيح، أو صحيح الآن، وقد يكون غير وقت الكلام، كما لو قلت ـ مثلا ـ: زيد صحيح أمس، أو كنت تخبر عن أزمان سالفة، فالنظر في مثل ذلك إلى حاله أمس، أو في الزمن السالف، لا إلى حاله الآن، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
فصل في الترادف
الترادف هو: توالي ألفاظ مفردة، على مسمى واحد، باعتبار معنى واحد، كالبر، والحنطة، والقمح، في الأسماء، وككاد، وأوشك، في الأفعال، ونعم، وأجل، في الحروف. فخرجت دلالة اللفظين ـ مثلا ـ على مسمى واحد، لا باعتبار واحد، بل باعتبار صفتين، كالصارم والمهند، أو باعتبار الصفة، وصفة الصفة، كالناطق والفصيح.
وذو الترادف له حصول … وقيل لا ثالثها التفصيل
стр. 107
معناه أن الترادف واقع في ما ذهب إليه الجمهور، ومن فوائده توسيع دائرة التعبير، وأن أحد اللفظين ـ مثلا ـ قد يكون موافقا للقافية، أو الوزن، أو السجعة دون الآخر، وكذلك في الجناس ونحوه من أنواع البديع.
وقد يكون النطق بأحدهما أسهل على شخص، من النطق بالآخر، لعقدة في لسانه. ونفى ثعلب وابن فارس والزجاج وقوعه، وقالوا: ما يظن مترادفا، كالإنسان والبشر، غير مترادف، بل متباين بالصفة، فالأول باعتبار النسيان، أو الأنس، والثاني باعتبار بدو البشرة، ورده ابن قاسم العبادي ﵀ بأنا نقطع أن العرب تطلق الإنسان حيث لا يخطر ببالها معنى بدو البشرة، وذلك يقتضي عدم اعتبار ذلك المعنى، وإلا لم يتصور إطلاقهم له واستعماله في معناه من غير ملاحظة ذلك المعنى، مع أنه جزء المعنى على هذا التقدير، ولا يمكن استعمال اللفظ في معناه من غير ملاحظة جزئه، نقله الشيخ ﵀ في النشر.
وفصل قوم فأجازوه في اللغة، ومنعوه في الأسماء الشرعية خاصة، معللين بأن علة جوازه الحاجة إليه، في النظم والسجع ونحو ذلك، وذلك منتف في كلام الشارع، وهذا توجيه لين جدا والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
وهل يفيد التالي للتأييد .............................
المراد بالتالي: التابع، وهو اللفظ المهمل الذي تذكره العرب بعد لفظ بزنته، تقوية له، كقولهم حسن بسن، وعطشان نطشان، والمراد بالتأييد: التأكيد.
والمعنى أنه اختلف في اللفظ التابع، هل يفيد توكيد متبوعه، وهو المعول، وهو الذي يدل له الاستعمال، أو لا يفيده، نظرا لكونه مهملا.
كالنفي للمجاز بالتوكيد
أشار به إلى الاختلاف في التوكيد هل يرتفع به احتمال قصد المجاز؟ فإذا قلت: جاء زيد نفسه، امتنع أن يكون القصد مجيءَ رسوله، أو كتابه مثلا، كما عند أهل البيان، أو لا يرتفع به ذلك، ولا يزال قصد المجاز محتملا، ونسبه في النشر للقرافي ـ رحمهما الله .
стр. 108
والمتجه أن منه ما هو نص في قصد الحقيقة، نحو جاء زيد نفسه، ومنه ما هو ظاهر في ذلك، ككل، ولذلك أكدت بأجمع، كقوله : (فسجد الملئكة كلهم أجمعون) والله أعلم.
وللرديفين تعاور بدا … إن لم يكن بواحد تُعبدا
وبعضهم نفي الوقوع أبدا … وبعضهم بلغتين قيدا
التعاور: التعاقب، والمراد بهذه المسألة، أنه إذا صح التعبير بأحد المترادفين في موضع، فهل يلزم أن يصح التعبير بمرادفه بدله، لأنهما مترادفان، فإذا صح التعبير في تركيب بكلمة، لزم أن يصح التعبير في موضعها بمرادفها.
فإذا صح مثلا أن تقول: إذا تكلم زيد بكذا، لزم أن يصح أن تقول: إذا نطق زيد بكذا، لأنهما مترادفان، لا زيادة لأحدهما على الآخر.
ولا فرق في هذا من جهة المعنى بين كونهما من لغة واحدة، أو من لغتين.
وقيل: لا يلزم من صحة التعبير بأحدهما في موضع، صحة التعبير بالآخر فيه.
وأما استثناء التعبد، فلا معنى له، لأن المراد لزوم صحة الإبدال، من جهة اتحاد المعنى الوضعي لا الإبدال بالفعل.
وفرق بعض، فأوجب ذلك في اللغة الواحدة، ومنعه في لغتين، كالعربية والفارسية. وما ذكرنا في تفسير المسألة من أن الاختلاف في اللزوم هو الظاهر في المعنى، وهو الذي عبر به طائفة كالفخر الرازي ﵀ وغيره، ونص الرازي في المحصول: المسألة الثالثة في أنه هل تجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر أم لا؟
الأظهر في أول النظر ذلك، لأن المترادفين لا بد وأن يفيد كل واحد منهما عين فائدة الآخر، فالمعنى لمَّا صح أن ينضم إلى معنى حين ما يكون مدلولا لأحد اللفظين، لا بد وأن يبقى بتلك الصفة، حال كونه مدلولا للفظ الثاني، لأن صحة الضم من عوارض المعاني، لا من عوارض الألفاظ.
والحق أن ذلك غير واجب، لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ، لأن المعنى الذي يعبر عنه في العربية بلفظ " من " يعبر عنه في الفارسية بلفظ آخر، فإذا قلت
стр. 109
خرجت من الدار استقام الكلام، ولو أبدلت صيغة " من " وحدها بمرادفها من الفارسية لم يجز، فهذا الامتناع ما جاء من قبل المعاني، بل من قبل الألفاظ.
وإذا عقل ذلك في لغتين، فلم لا يجوز مثله في لغة واحدة اهـ
وقد عبر طائفة بالجواز لكن الظاهر أن مرادهم ما ذكر من تعين الجواز، لا مطلق الجواز، ولذلك شرح في الإبهاج كلام صاحب المنهاج عليه.
ولفظ المنهاج: الثالثة: اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته، إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ.
ونص الإبهاج: هل يجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مكان الآخر، فيه ثلاث مذاهب:
أحدها: أنه غير واجب، قال الإمام ﵀ : وهو الحق.
والثاني: أنه واجب، بمعنى أنه يصح مطلقا، وهو اختيار ابن الحاجب ﵀ وقال الإمام: إنه الأظهر في أول النظر.
والثالث ـ وهو اختيار المصنف وصفي الدين الهندي رحمهما الله إن كانا من لغة واحدة صح، وإلا فلا.
أما صحته إذا كانا من لغة واحدة، فلأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى، دون اللفظ، فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين، وجب أن يصح مع الآخر، لاتحاد معناهما.
وأما عدم صحته إذا كانا من لغتين، فلأن اختلاط اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل، فإن إحدى اللغتين بالنسبة إلى اللغة الأخرى بمثابة المهمل اهـ
وقد أوقع تعبير بعض أئمة الفن بعبارة غير صريحة ـ اتكالا على وضوح المعنى بالتعين ـ في تصور المسألة على غير وجهها، حيث توهم أن المراد: أنه إذا عبر عن معنى بلفظ، امتنع أن يعبر عنه بمرادفه، وتطرقوا للرواية بالمعنى.
وهذا معنى لا يستقيم، فالرواية بالمعنى في كلام الناس ضرورية الجواز، والخلاف في الحديث الشريف لمعنى يختص به، وتكلم المرء بغير لسانه أيضا معلوم الجواز، لا فرق في ذلك بين الألسن المتفرعة عن لسان واحد، والألسن المختلفة والله أعلم.
стр. 110
دخول من عجز في الإحرام … بما به الدخول في الإسلام
أو نية، أو باللسان يقتدي ..........................
معناه أنه ينبني على الاختلاف المذكور: الاختلاف في العجمي العاجز عن النطق بالتكبير، كيف يدخل الصلاة؟
فقيل: يدخلها بما دخل به الإسلام، لتضمنه التكبير، وقيل: يدخلها بالنية فقط، وقيل يدخلها بما يرادف التكبير من لسانه.
وكثير من هذه الخلافات التي يبنون على هذه الأصول، يكتفون في بنائها عليها بمجرد القابلية، وهذا أمر قريب إن كان لبيان القاعدة وتوضيحها، وإلا فلا يخلو من إشكال.
ولا يخفى تعذر انبناء القول بدخوله بما دخل به في الإسلام، على مسألة المترادفين، وأيضا قد سبق استثناء الألفاظ التعبدية، وتكبيرة الإحرام منها، ولو كانت غير تعبدية لصح إبدالها بمرادفها من العربية، وقد قال سيدي خليل ﵀ : وإنما يجزئ ألله أكبر.
ونقل بعض الشروح عن الرجراجي، أنه بنى هذا الخلاف على خلاف آخر، وهو الاختلاف في اشتمال القرآن الكريم على ألفاظ أعجمية، فمن منع ذلك، منع الإحرام بالأعجمي، بل مقتضى ما ذكره منع تسمية الله بالعجمية مطلقا، وأغلظ في ذلك كثيرا، بما لا خفاء في غرابته.
ومقتضى ما ساق من علة المانع، جواز الإحرام بالمرادف من العربية، مع أنه بنى الخلاف على ذلك أيضا، وكل ذلك مشكل.
والخلف في التركيب لا في المفرد
تقدم في بيان المسألة، أن المراد، أن الترادف، اختلف هل يستلزم صحة إطلاق كل من الرديفين مكان الآخر، فمتى صح التعبير بأحدهما في موضع، صح التعبير بالآخر، فالترادف تطابق اللفظين على وجه تام، بحيث لا يمكن استعمال أحدهما في تركيب، إلا صح استعمال الآخر فيه، أو الترادف لا يستلزم ذلك، فقد يصح التعبير بأحدهما في موضع، لا يصح فيه التعبير بالآخر، بأن يكون في أحدهما إشعار في تركيب معين، بمعنى لا يشعر به