← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 939

فتح الباقي على منظومة المراقي

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (531 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شرع فيه، فيصير واجبا عليه خاصة، أو مستحبا في حقه خاصة، وعدم تعينه، وهو المعول، إلا في ما يتعين بالشروع، كالصلاة على الجنازة، أو لمعنى عارض، كما في الخروج من صف القتال. وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في الإجارة على تحمل الشهادة، فالمتعين لا تصح الإجارة عليه، بخلاف الكفائي. وتتعين عندنا فروض الكفاية، بتعيين الإمام إلا القضاء لخطره. وغالب الظن في الاسقاط كفى … وفي التوجه لدى من عرفا معناه أن غلبة الظن بقيام البعض بالكفائي، كافية في سقوط الطلب به، عند الإمام الرازي، وشهاب الدين القرافي ـ رحمهما الله وكذلك غلبة الظن بعدم قيام الغير به، فهي كافية أيضا في توجه الخطاب به. وفصل الفهري ﵀ بين ما يتصور العلم بحصوله، كميت خوطب بكفنه، ودفنه، فلا يسقطه إلا العلم بالامتثال، وما يتعذر العلم بحصوله، فيكفي فيه الظن. وجعله الشيخ ﵀ تفسيرا لقول القرافي ﵀ أخذا من التعليل. ومقتضى ما ذكر: عدم توجه الخطاب به في الشك في القيام به، وفيه خلاف، مبناه ما تقدم من الاختلاف في المخاطب به، هل هو الكل أو البعض؟ والله أعلم. فروضه القضا كنهي أمْر … رد السلام وجهاد الكفر فتوى وحفظ ما سوى المثاني … زيارة الحرم ذي الأركان إمامة منه ودفع الضرر … والاحتراف مع سد الثُّغَر حضانة توثق شهاده … تجهيز ميت وكذا العياده ضيافة حضور من في النزع … وحفظ سائر علوم الشرع وغيره المسنون كالإمامه … والبدء بالسلام والإقامه عدّد في هذه الأبيات ما يجب على الكفاية، فذكر من ذلك القضاء بين الناس،

стр. 177

لفصل الخصومات، وفض النزاعات، فهو فرض كفاية على المتأهلين، إذا كان السلطان يعينهم عليه. وذكر منها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على الشروط المقررة في الفروع. وذكر منها رد السلام، فإذا سلم واحد أو جمع على قوم، وجب عليهم الرد عليه، أو عليهم، كفاية، ويؤمر الباقون بالرد استحبابا. ومنها جهاد الكفار في أهم جهة كل سنة، ويستحب بث السرايا في أوقات الغرة. ومنها الفتوى، وهي الإخبار بالحكم لا على سبيل الإلزام. ومنها حفظ القرآن الكريم ما عدا سورة الفاتحة الشريفة، فإن حفظها واجب على كل مكلف. ومنها إقامة الموسم كل سنة. ومنها الإمامة العظمى، فيجب على أهل الحل والعقد نصب إمام. ومنها دفع الضرر عن المسلمين، كإنقاذ الغريق، وتأمين الخائف، ومداواة المريض، وإطعام الجائع، وكسوة العريان، ونصر المظلوم. ومنها الحرف المهمة، كالتجارة والخياطة والنجارة. ومنها سد الثغور، والثغور: جمع ثغر، وهو ما يلي دار الحرب، وموضع المخافة، والثغرة مثله، جمعها: ثغر، كزمرة وزمر، وهو الجاري على الوزن في البيت. ومنها حضانة اللقيط. ومنها التوثيق، أي كتابة الوثائق بالحقوق. ومنها تحمل الشهادة، وأداؤها. ومنها ما يجب في تجهيز الميت من كفن ودفن وغسل وصلاة على ما هو مبين في الفروع. ومنها عيادة المرضى. ومنها الضيافة، واستدلوا له بحديث " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه

стр. 178

جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك صدقة " (١) وانظر ذلك، فإن ظاهره العينية، وروى أبو داوود ﵀ بإسناد صحيح " أيما رجل أضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله ". قال في النشر: قال مالك ـ رحمهما الله : الضيافة إنما تتأكد على أهل القرى والبوادي، ولا ضيافة في الحضر لوجود الفنادق وغيرها، لأن القرى يقل الوارد إليها، فلا مشقة بخلاف الحضر. ومنها حضور المحتضر، وحفظ علوم الشرع، وآلاتها من نحو، وبيان، ولغة، وغيرها، وعلوم الشرع هي التفسير والحديث والفقه، وحفظها يكون بتعلمها، وتعليمها، والتأليف فيها وغير ذلك. وأشار بالبيت الأخير إلى أن غير ما ذكر من الكفائي، هو الكفائي المسنون، أي: المندوب، كإمامة الصلاة، والبدء بالسلام، والأذان والإقامة، وما يفعل بالميت من غير ما تقدم ذكره، وغير ذلك، والله أعلم. فصل في النهي أي: النفسي هو اقتضاء الكف عن فعل ودع … وما يضاهيه كذر قد امتنع وهو للدوام والفور متى … عدم تقييد بضد ثبتا واللفظ للتحريم شرعا، وافترق … للكرْه والشرْكةِ والقدرِ الفِرَق وهُو عن فرد وعن ما عُدِّدا … جمعا، وفرقا، وجميعا وُجدا وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يجي الدليل للسداد لعدم النفع وزيد الخلل … وملك ما بيع عليه ينجلي إذا تغير بسوق أو بدن … أو حقُّ غيره به قد اقترن وبث للصحة في المدارس … معللا بالنهي حبر فارس

стр. 179

والخلف في ما ينتمي للشرع … وليس في ما ينتمي للطبع الاجزاء والقبول حين نفيا … لصحة وضدها قد رويا أغلب مباحث هذا الباب، تقدم الكلام فيها، والمذكور هنا إنما هو تتمات فقط. فأول الأبيات أشار ﵀ به إلى تعريف النهي، فذكر أنه اقتضاء الكف عن فعل. قال في النشر: والمراد بالاقتضاء عندنا الجازم، لأنه حقيقة في التحريم. ومقتضاه أن النهي حقيقة في التحريم خاصة، والأمر في ذلك على ما تقدم في الأمر. … وتقدم هناك ـ أيضا ـ أن عدَّ "دع " أمر غير بين. وذكروا هنا أنه يقال في حد اللفظي: اللفظ الدال على ما ذكر، ويرد على تقييد النفسي بكونه بغير دع ونحوها نحو ما تقدم. وأشار ﵀ بالبيت الثاني إلى أن النهي النفسي يدل على طلب الكف على وجه الدوام، لأنه يقتضي انتفاء الماهية، وذلك لا يحصل إلا بانتفائها دواما، فمتى وجدت لم يكن ممتثلا، وذلك يقتضي الفور أيضا، قال في النشر: إجماعا أو على المشهور. وهذا ما لم يقيد بمرة، أو تراخ. وقد ذكروا أن النهي لا يخالف الأمر إلا في هذين الأمرين المذكورين في هذا البيت. وأشار ﵀ بالبيت الثالث، إلى أن صيغة النهي حقيقة في التحريم عندنا، لتبادره منها، ولحمل السلف لها عليه، وهو ظاهر حديث الصحيحين " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " وقيل: إنه حقيقة في الكراهة. وقيل: إنه مشترك بينهما. وقيل: إنه للقدر المشترك بينهما، وهو طلب الكف جازما أو غير جازم. وقيل غير ذلك. قال في التنقيح: وهو عندنا للتحريم وفيه من الخلاف ما سبق في الأمر.

стр. 180

وهذا كله عند عدم القرينة، فإن قامت قرينة عمل عليها اتفاقا، والله أعلم. وأشار ﵀ بالبيت الرابع إلى أن النهي يتعلق بفرد، كالنهي عن شرب الخمر، ويتعلق بمتعدد، وهو على وجوه: فتارة يكون عن الجمع خاصة، كشرب الخليطين. وتارة يكون عن التفريق خاصة، كما في لبس النعلين وخلعهما، لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا " (١) وتارة يكون عن آحاده كالنهي عن عقوق الوالدين. وأشار ﵀ بقوله: وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يجي الدليل للسداد لعدم النفع وزيد الخلل .......................... إلى أن النهي عن الشيء ـ تحريما أو تنزيها ـ يقتضي فساد المنهي عنه شرعا، لحديث الصحيح " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ولاستدلال العلماء على ممر العصور على الفساد بالنواهي، في أبواب العبادات والمعاملات. وقيل: يدل عليه لغة، لاستدلال العلماء به على الفساد. وأجيب بأنهم إنما استدلوا به على ذلك أخذا من الشرع، وفساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه، وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة. وقيل: يقتضي الفساد في العبادات، دون المعاملات. وقيل: لا يقتضي الفساد مطلقا. وقيل: يقتضي الفساد على وجه تثبت معه شبهة الملك، وهو مذهب مالك ﵀ قاله القرافي ﵀ في شرح التنقيح. وقال في التنقيح: ومعنى الفساد في العبادات: وقوعها على نوع من الخلل، يوجب بقاء

стр. 181

الذمة مشغولة بها، وفي المعاملات: عدم ترتب آثارها عليها، إلا أن يتصل بها ما يقرر آثارها على أصولنا في البيع وغيره. قال في النشر: وإنما يدل على الفساد، إذا كان النهي لأمر داخل في الذات، أو لازم لها، لا إن كان لأمر منفصل كما تقدم، ودلالته على الفساد مع إثباته شبهة الملك هو الصحيح من مذهبنا. وقوله: لعدم النفع وزيد الخلل: تعليل لاقتضاءالنهي الفساد، أي: إنما كان النهي يقتضي الفساد، لأن النهي إنما يكون لدرء المفسدة الكائنة في المنهي عنه، وإمضاؤه تقرير للمفسدة وتتميم لها. وقوله: إن لم يجي الدليل للسداد، معناه أن محل ما ذكر من اقتضاء النهي الفساد ما لم يدل الدليل على الصحة، كالطلاق في الحيض، لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " مره فليراجعها " (١) فالمراجعة فرع عن الطلاق. وأشار ﵀ بقوله: وملك ما بيع عليه ينجلي إذا تغير بسوق أو بدن … أو حق غيره به قد اقترن إلى أنه ينبني على ما ذكر من اقتضاء النهي الفساد وشبهة الصحة: ملك المشتري ما اشتراه بعقد منهي عنه، إذا حصل مفوت من هذه المفوتات المذكورة، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما يغني عن التطويل فيها، وأشار ﵀ بقوله: وبث للصحة في المدارس … معللا بالنهي حبر فارس إلى أن الإمام أبا حنيفة ﵀ ذهب إلى أن النهي عن الشيء يقتضي إمكان وجوده شرعا، وإلا لم يتأت النهي عنه، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما يكفي. وأشار ﵀ بقوله: والخلف في ما ينتمي للشرع … وليس في ما ينتمي للطبع

стр. 182

إلى أن الخلاف المذكور في اقتضاء النهي الفساد أو الصحة، المراد بالصحة فيه: الصحة الشرعية، لا الصحة العادية، كأنه يشير بهذا إلى قول القرافي ـ رحمهما الله في شرح التنقيح: قاعدة: الصحة ثلاثة أقسام: صحة عقلية، وهي إمكان الشيء، وقبوله للوجود والعدم في نظر العقل، كإمكان العالم والأجسام والأعراض. وصحة عادية، كالمشي أماما ويمينا وشمالا، دون الصعود في الهواء. وصحة شرعية، وهي الإذن الشرعي في جواز الإقدام على الفعل، وهو يشمل الأحكام الشرعية إلا التحريم، فلا إذن فيه، والأربعة الباقية فيها الإذن. إذا تقررت هذه القاعدة، فالنزاع مع الحنفية إنما هو في الصحة الشرعية، وهي الإذن في جواز الإقدام على الفعل، واستدلوا بحديث الأعمى والمقعد، وذلك إنما يوجب اشتراط الصحة العادية، وهي مجمع عليها، اتفق الناس على أنه ليس في الشريعة منهي عنه، ولا مأمور به، ولا مشروع على الإطلاق، إلا وفيه الصحة العادية، وكذلك حصل الاتفاق أيضا على أن اللغة لم يقع فيها طلب وجود ولا عدم، إلا في ما يصح عادة، وإن جوزنا تكليف ما لا يطاق، فذلك بحسب ما يجوز على الله لا بحسب ما يجوز في اللغة، فاللغات موضع إجماع، فعلى هذا دليلهم لا يمس صورة النزاع. قال الإمام فخر الدين ﵀ : سلمنا أن دليلكم يدل على الصحة الشرعية، لكن تلك الصحة متقدمة على النهي لا متأخرة عنه، وتقرير ذلك أن الموكل إذا عزل وكيله بقوله: لا تبع هذه السلعة التي وكلتك على بيعها، فيكون هذا النهي عزلا له، ونسخا لتلك الصحة السابقة، وكذلك الخلائق وكلاء الله في أرضه، لقوله جل من قائل: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) وقوله جل من قائل: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) وإذا ورد النهي بعد ذلك عليهم كان ناسخا لتلك الصحة السابقة، وأنتم تطلقون على أنه يدل على صحة لاحقة، حتى تثبتون الملك في عقود الربا، بناء على النهي اهـ

стр. 183

قال في النشر: قوله: إنها أي: الصحة: الإذن، لعل مراده أنها موافقة الإذن اهـ ومما يشكل في كلامه أيضا إخراج المكروه عن الفاسد. وأشار ﵀ بالبيت الأخير، إلى الاختلاف في نفي الإجزاء عن الشيء، أو نفي القبول، هل يستلزم عدم صحته، أو لا؟ بمعنى أنه إذا قيل في عبادة ـ مثلا ـ: إنها غير مجزئة، أو غير مقبولة، فهل ذلك مقتض لفسادها، أو يجوز أن تكون صحيحة. وقد تقدم ذكر الاختلاف في القبول في قوله: والصحة القبول فيها يدخل … وبعضهم للاستواء ينقل ومنشأ الخلاف: ورود ما يشهد لكل من الأمرين، ولذلك قال البرماوي ﵀ : إنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر. وتقدم ذكر ترادف إجزاء العبادة وصحتها، وهو الأبين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين فصل في العام قال الشربيني ﵀ : العموم يقع تارة في كلامهم بمعنى التناول، وإفادة اللفظ للشيء، وهذا أمر سببه الوضع، فالذي يوصف به على الحقيقة هو اللفظ. وتارة يقع بمعنى الكلية، وهي: كون الشيء إذا حصل في العقل، لم يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، والموصوف بهذا هو المعنى. والمراد بالعموم هنا: الأول، وإلا لخرج الجمع المعرف، إذ لا شيء فيه شركة، وكذلك اسم الجمع، لأن آحادهما أجزاء، لعدم صدق كل منهما على كل واحد، كيف ولولا اعتبار الوضع في العموم، لما أفادته النكرة المنفية، إذ معناها واحد لا بعينه، وهي مع النافي موضوعة بالوضع النوعي للاستغراق الشمولي، الذي معناه كل فرد بشرط الاجتماع، لأن التركيب

стр. 184

لانتفاء فرد مبهم، وانتفاؤه بانتفاء كل فرد. وتارة يقع بمعنى الشمول، وحينئذ يتصف به اللفظ والمعنى جميعا اهـ ما استغرق الصالح دفعة بلا … حصر من اللفظ كعشر مثلا معناه أن العام هو اللفظ الذي يستغرق ما يصلح له دفعة من غير حصر. فخرج بقولنا: اللفظ: ما ليس بلفظ، وسواء قلنا إن العموم من عوارض الألفاظ خاصة، أو من عوارض الألفاظ والمعاني جميعا، لما تقدم قريبا. وقولنا: الذي يستغرق، أي: يتناول على وجه الإحاطة والاستيعاب. وقولنا: ما يصلح له، يعني جميع أفراد معنى اللفظ الموضوع له، سواء كان حقيقة فيه أو مجازا، وجدت في الخارج أو لا. ويحترز بالصالح، عن غير ما يصلح له، كمن في غير العقلاء ـ مثلا ـ فعدم تناوله له لا ينافي أنه عام، وعدم تناول " ما " للعقلاء، لا ينافي أنها عامة. وقوله: دفعة، هو بفتح الدال: اسم للمرة، يحترز به عن النكرة في سياق الإثبات لا من حيث الآحاد، فإنها تستغرق ما تصلح له، لكن على سبيل البدل، فالنكرة المفردة تتناول كل فرد فرد على سبيل البدل، ولا تتناول أكثر من واحد في مرة، وكذلك المثناة مع كل اثنين اثنين، والمجموعة مع كل جمع جمع على الصحيح من الخلاف فيها. وكذلك اسم العدد كعشرة ـ مثلا ـ فهي تتناول كل عشرة عشرة على سبيل البدل لا الاستغراق. وخرج بقولنا: من غير حصر: النكرة المثناة من حيث الآحاد كرجلين، فهي دالة على أكثر من واحد دفعة، لكنه محصور من جهة دلالة اللفظ، وكذلك اسم العدد من حيث الآحاد أيضا، فعشرة ـ مثلا ـ مستغرقة لآحادها دفعة، لكن آحادها محصورة. وبحث شهاب الدين عميرة ﵀ في خروج اسم العدد من جهة الآحاد، بأن اللفظ لا يصلح لكل جزء من مدلوله، فهو خارج بالصالح، قال: وإن أراد ـ أي: التاج السبكي ﵀ أنه يصلح للمجموع، فهذا لا يسمى استغراقا، فيخرج بالاستغراق.

стр. 185

وأجاب عن ذلك السعد بأن المراد بالصلاحية ما يعم صلوح الكلي لجزئياته، كعشرة في العشرات، والكل لأجزائه، كعشرة في آحادها، إذ لو أريد الأول فقط، لم يصدق على الجمع المعرف، نحو المسلمين، وإن أريد الثاني فقط، لم يصدق على المفرد المعرف ـ مثلا ـ كالرجل اهـ وانظر هذا، مع ما هو مقرر من بطلان معنى الجمع في العموم، لما هو معلوم في خطابات العرب، واستدلالات أهل العلم على مر العصور دون مخالف، ولذلك جاز تخصيصه حتى لا يبقى إلا فرد. وقوله: بلا حصر، يعني من جهة دلالة اللفظ، وإن كان في الواقع منحصرا كالسموات والأرضين، وعبيد زيد. وهو من عوارض المباني … وقيل للألفاظ والمعاني معناه أن العموم من صفات الألفاظ خاصة، يقال: لفظ عام، ولا يقال: معنى عام، سواء كان المعنى ذهنيا أو خارجيا، كما ذهب إليه السبكي ﵀ وغيره. وذهب ابن الحاجب ﵀ إلى أنه من صفات الألفاظ والمعاني معا، سواء كان المعنى ذهنيا أو خارجيا، فكما يصدق لفظ عام، يصدق معنى عام. وقيل: هو من صفات الألفاظ والمعاني الذهنية خاصة، دون الخارجية، لوجود معنى مشترك في الأولى، وذلك ككل ما يتصوره الإنسان من المعاني الكلية، فإنها شاملة لجزئياتها المتعددة الداخلة تحتها، دون الثانية، كعموم المطر، إذ الموجود في مكان غير الموجود في المكان الآخر. ولا يخفى عليك أن العموم المراد هنا غير العموم المبوب له الذي هو التناول كما تقدم في كلام الإمام الشربيني ﵀ وهذه المسألة قليلة الأهمية. هل نادر في ذي العموم يدخل … ومطلق أو لا؟ خلاف ينقل فما لغير لذة، والفيلُ … ومشبهٌ فيه تنافى القيلُ وما من القصد خلا فيه اختلِفْ .............................

стр. 186

معناه أن في تناول العام والمطلق للصورة النادرة، وعدم تناولهما لها خلافا في المذهب. ومثلوا لذلك في العموم بحديث " إنما الماء من الماء " (١) بالنسبة للمني دون لذة، أو بلذة غير معتادة، فقد اختلف هل يجب به الغسل أو لا؟ فمن يعول على مقتضى الصيغة، ولا ينظر إلى ندور ولا غيره، أوجب الغسل في ذلك. ومن نظر إلى ندور ذلك، ولم ير العموم متناولا له، لم يوجب بذلك غسلا. ومثلوا لذلك في الإطلاق بالفيل في حديث " لا سبق إلا في خف أو في حافر أو نصل " (٢) فالفيل ذو خف، لكن المسابقة عليه نادرة، فهل يتناوله الحديث اعتبارا بالصيغة، أو لا يتناوله، مراعاة لندور وقوعه، فيكون الظن أنه غير مراد. واختلف كذلك في تناولهما للصورة التي دلت القرينة على عدم إرادتها. ومثلوا لذلك، بما لو وكل رجل رجلا على شراء عبيد فلان، وفيهم من يعتق عليه. والأوجه عدم دخولهما، وقد أوضح ذلك الشاطبي ﵀ في موافقاته بما لا مزيد عليه، ونصه: للعموم الذي تدل عليه الصيغ بحسب الوضع نظران: أحدهما: باعتبار ما تدل عليه الصيغة في أصل وضعها على الإطلاق، وإلى هذا النظر قصْد الأصوليين، فلذلك يقع التخصيص عندهم بالعقل، والحس، وسائر المخصصات المنفصلة. والثاني: بحسب المقاصد الاستعمالية التي تقضي العوائد بالقصد إليها، وإن كان أصل الوضع على خلاف ذلك. وهذا الاعتبار استعمالي، والأول قياسي، والقاعدة في الأصول العربية أن الأصل

стр. 187

الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي، كان الحكم للاستعمالي. ثم قال بعد بيان ذلك بالأمثلة: ومن الدليل على هذا أنه لا يصح استثناء هذه الأشياء بحسب اللسان، فلا يقال: من دخل داري أكرمته إلا نفسي، أو أكرمت الناس إلا نفسي، ولا قاتلت الكفار إلا من لم ألق منهم، ولا ما كان نحو ذلك. وإنما يصح الاستثناء من غير المتكلم ممن دخل الدار، أو ممن لقيت من الكفار، وهو الذي يتوهم دخوله لو لم يستثن. هذا كلام العرب في التعميم، فهو إذا الجاري في عمومات الشرع. وأيضا فطائفة من أهل الأصول نبهوا على هذا المعنى، وأنما لا يخطر ببال المتكلم عند قصده التعميم إلا بالإخطار، لا يحمل لفظه عليه، إلا مع الجمود على مجرد اللفظ، وأما المعنى فبعيد أن يكون مقصودا للمتكلم، كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " (١) قال الغزالي ﵀ : خروج الكلب عن ذهن المتكلم والمستمع عند التعرض للدباغ ليس ببعيد، بل هو الغالب الواقع، ونقيضه هو الغريب المستبعد، وكذا قال غيره أيضا، وهو موافق لقاعدة العرب، وعليه يحمل كلام الشارع بلا بد اهـ ومحل الخلاف في هذه، وفي النادرة، حيث قامت القرينة على عدم قصدهما، فإن قامت قرينة على قصد النادرة دخلت اتفاقا، أو قامت قرينة على قصد انتفاء صورة، لم تدخل اتفاقا، وعدم قصدها لا يستلزم قصد انتفائها، فيلزم إخراجها عن الحكم. والصورة النادرة أخص من غير المقصودة، فالندور أحد قرائن عدم القصد. وقد يجيء بالمجاز متصف معناه أن العموم كما يكون في الحقيقة، يكون في المجاز، فإذا اقترنت به أداة عموم، كان عاما، قال في النشر: نحو جاءني الأسود الرماة إلا زيدا، خلافا لبعض الحنفية الزاعم أن المجاز لا يكون عاما، لأنه خلاف الأصل، فيقتصر به على محل الضرورة، وهي تندفع بإرادة

стр. 188

بعض الأفراد، ورد بأنه ليس خاصا بمحل الضرورة. مدلوله كلية إن حكما … عليه في التركيب من تكلما معناه أن العام إذا كان موضوع قضية، فهي كلية، فالحكم ثابت لكل فرد من أفراد معناه، سواء كان ذلك في سياق الإثبات، كالامر والخبر المثبت، أو في سياق السلب، كالنهي والخبر المنفي. فإذا قال: جاء الرجال، فمعناه إثبات المجيء لكل فرد من أفرادهم. وكذلك إذا قال: ليقم الرجال، فهو أمر لكل فرد من أفرادهم بالقيام. وإذا قال: لم يقم الرجال، فمعناه نفي المجيء عن كل فرد من أفرادهم. وإذا قال: لا يقم الرجال، فمعناه نهي كل فرد من أفرادهم عن القيام. فهو في قوة قضايا متعددة بعدد أفراده. وبهذا أجاب الأصفهاني عن الاستشكال الذي أورده القرافي ـ رحمهما الله على دلالة العام على أفراده، قائلا: إنها ليست مطابقة، ولا تضمنا، ولا التزاما. فدلالة لفظ " المشركين " في قوله جل من قائل: (فاقتلوا المشركين) على زيد منهم، ليست مطابقة، لأن لفظ المشركين لم يوضع لزيد وحده. ولا تضمنا، لأن الجزء لا يصدق إلا إذا كان المسمى كلا، ومدلول لفظ العام كلية لا كل، إذ لو كان كلا، لخرج الناس من عهدته في النهي بكف واحد منهم، وبطلانه معلوم شرعا ولغة. ولا التزاما، لأنه ليس بخارج. فإما أن يبطل انحصار الدلالة في الثلاثة، أو لا يدل العام على شيء من أفراده. وقد ألف الشيخ أحمد بن مبارك بن علي بن مبارك السجلماسي المتوفى سنة ست وخمسين من القرن الثاني عشر رسالة في رد هذا الاستشكال، سماها: إنارة الأفهام، بسماع ما قيل في دلالة العام، بين فيها أن دلالته تضمنية، وأن الكلية وصف خاص بالحكم، وليس هو العام الذي البحث فيه، والعام المبحوث فيه كل، لثبوته لأفراده من غير استقلال، وكل ما كان كذلك كان كلا، ونقل التصريح بكونه كلا عن الفخر في المحصول وغيره، وقد نقل

стр. 189

مضمون هذه الرسالة في حلي التراقي، والله أعلم. وقول الشيخ ﵀ : مدلوله، الضمير فيه للعام، والمراد صيغته، لا مفهومه، والمدلول: المعنى، والكلية: هي ما كان الحكم فيه لكل فرد فرد. وقوله: في التركيب، قال في النشر: احترازا عنه قبل التركيب، إذ لا يتصور كونه كلية حينئذ اهـ فمدلوله قبل التركيب كل الأفراد، والكلية إنما هي مدلول القضية، والله أعلم وهْو على فرد يدل حتما … وفهْم الاستغراق ليس جزما بل هو عند الجل بالرجحان … والقطع فيه مذهب النعمان معناه أن دلالة العام على أصل معناه، من الواحد في المفرد، والاثنين في المثنى، وأقل معنى الجمع في صيغة الجمع، قطعية، لوجوب بقاء ذلك في التخصيص، ودلالته على ما زاد على ذلك ظنية، لأنه ظاهر فيها، وليس نصا. قال في النشر: فلا تدل على القطع إلا بالقرائن، كما أنها لا تسقط دلالتها إلا بالقرائن، وهذا هو المختار عند المالكية، قاله الإبياري ﵀ . وذهب أكثر الحنفية إلى كون دلالته على ثبوت الحكم لجميع الأفراد قطعيا، ووافق بعضهم الجمهور. وذهب إمام الحرمين ﵀ إلى أن أدوات الشرط تدل على استغراق جميع الأفراد دلالة قطعية، بخلاف غيرها. وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد والقياس. ويلزم العموم في الزمان … والحال للأفراد والمكان إطلاقه في تلك للقرافي … وعمم التقي إذا ينافي معناه أن استغراق العام للأفراد، يستلزم عموم الأزمنة، والأحوال، والأمكنة، إذ الأفراد لا يجمعها زمن واحد، ولا حال واحد، ولا مكان واحد، فالسارق في قوله سبحانه وتعالى

стр. 190

جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) يعم كل سارق، في أي زمان ومكان كان، وعلى أي حال كان، إذ لو خرج بعض هذه الأمور لخرج بعض الأفراد، وهذا بالنسبة لعموم الأفراد، وأما بالنسبة للواحد فهو مطلق. وذهب القرافي والآمدي والأصبهاني ﵏ إلى أنه مطلق في هذه الأمور بالنسبة لجميع الأفراد، لعدم الصيغة فيها. وأجيب بأن المدعَى مجيء العموم من الاستلزام، لا من الصيغة. واستشكل القرافي ﵀ على ما ذهب إليه أن المطلق تكفي في الخروج من عهدته المرة، فيلزم أنما عمل به من العمومات في زمن، ينقطع الخطاب به. وأجاب عن ذلك تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ في كتابه إحكام الأحكام على عمدة الأحكام في الكلام على حديث أبي أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ " لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها " (١) بعموم الأفراد في المتعلقات، إذا كان ما يلزم على الإطلاق من الاكتفاء بالمرة ينافي مقتضى صيغة العموم، فيكون عاما محافظة على مقتضى صيغة العموم، لا من حيث إن المطلق يعم. ونقل عنه في رفع الحاجب، وعن أبي الحسن الباجي ﵏ أنهما أجابا بأن المقصود بكون العام في الأشخاص مطلقا في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، أنه إذا عمل به في الأشخاص في حالة ما، في مكان ما، لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة أخرى، أما في أشخاص أخر فيعمل به، وإلا يلزم التخصيص في الأشخاص، فالتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر ذلك الحكم، فكل زان يحد، وإذا جلدناه لا نجلده ثانيا إلا لزنى آخر، لأن تكرر جلده لا دليل عليه، والفعل مطلق. قال: وقد أشار الإمام ﵀ في المحصول إلى هذا، حيث قال في دليل القياس: لما كان أمرا بجميع الأقيسة كان متناولا لا محالة لجميع الأوقات، وإلا قدح في كونه متناولا لجميع الأقيسة.

стр. 191

وكذلك اقتضاه كلام ابن السمعاني ﵀ في مسأة الاستصحاب. قال: واعترض أبي ﵀ في كتاب " أحكام كل " هذا الجواب، بأن عدم تكرار الجلد ـ مثلا ـ معلوم من كون الأمر لا يقتضي التكرار، وبأن المطلق هو الحكم، والعام فيه هو المحكوم عليه، وهما غيران، فلا يصح أن يكون ذلك تأويلا لقولهم: العام مطلق. ثم قال: ينبغي أن يهذب هذا الجواب، ويجعل العموم والإطلاق في لفظ واحد، بأن يقال: المحكوم عليه، وهو الزاني ـ مثلا ـ أو المشرك فيه أمران: أحدهما: الشخص. والثاني: الصفة كالزنى. وأداة العموم لما دخلت عليه، أفادت عموم الشخص، لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، وهذا معنى قولهم: العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، أي: كل شخص حصل منه مطلق زنى حد، وكل شخص حصل منه مطلق شرك، قتل بشرطه، ورجع العموم والإطلاق إلى لفظة واحدة باعتبار مدلوليها، من الصفة، والشخص المتصف بها، فافهم ذلك. ثم إنه مع هذا لا يقول: كون الصفة مطلقة تحمل على بعض مسماها، لأنه يلزم منه إخراج بعض الأشخاص. نعم لو حصل استغراق الأشخاص لم يحافظ مع ذلك على عموم الصفة، لإطلاقها اهـ صِيَغُه كل أو الجميع … وقد تلا الذي التي الفروع أشار بهذا إلى صيغ العموم، وقد اختلف في العموم، هل له صيغة تخصه أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أن له صيغة موضوعة له، لأن الحاجة ماسة إلى الألفاظ العامة، لتعذر جمع الآحاد على المتكلم، فوجب أن يكون لها ألفاظ موضوعة حقيقة، لأن الغرض من وضع اللغة الإعلام والإفهام. وذهب قوم إلى أنه لا صيغة له بالخصوص، وأن ما ذكره الأكثرون موضوع في

стр. 192

الخصوص، ولا يقتضي العموم إلا بقرينة، وعزي لمحمد بن منتاب من المالكية ومحمد بن شجاع البلخي من الحنفية ـ رحمهما الله . وقال جماعة من المرجئة: إن شيئا من الصيغ لا يقتضي العموم، لا بذاته، ولا مع القرائن، وإنما يكون العموم عند إرادة المتكلم. وقال قوم بالوقف، ونقله القاضي في التقريب عن الإمام أبي الحسن الأشعري ـ رحمهما الله ومعظم المحققين، وذهب إليه، والحق مذهب الجمهور. ومن صيغه: كل، وهي أصرحها أو من أصرحها في العموم، تدل على استغراق ما تضاف إليه. قال في الإرشاد: وقد ذكر علماء النحو والبيان الفرق بين أن يتقدم النفي على كل، وبين أن تتقدم هي عليه، فإذا تقدمت على حرف النفي نحو: كل القوم لم يقم، أفادت التنصيص على انتفاء قيام كل فرد فرد، وإن تقدم النفي عليها، مثل لم يقم كل القوم، لم تدل إلا على نفي المجموع، وذلك يصدق بانتفاء القيام عن بعضهم. ويسمى الأول عموم السلب، والثاني سلب العموم، من جهة أن الأول يحكم فيه بالسلب عن كل فرد، والثاني لم يفد العموم في حق كل أحد، إنما أفاد نفي الحكم عن بعضهم. قال الفراء (١): وهذا شيء اختصت به كل من بين سائر صيغ العموم. قال: وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان، وأصلها قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " كل ذلك لم يكن " (٢) لما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت اهـ ونحوه في البحر قال: وقد ذكروا في سبب ذلك طرقا، منه أن النفي مع تأخر " كل " متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل، بخلاف ما إذا تقدمت، فإن النفي حينئذ، يتوجه إلى أصل الفعل.

стр. 193

قال الجرجاني ﵀ : من حكم النفي إذا دخل على كلام وكان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه النفي إلى ذلك التقييد، دون أصل الفعل، فإذا قيل: لم يأت القوم مجتمعين، كان النفي متوجها إلى الاجتماع الذي هو قيد في الإتيان دون أصل الإتيان. ولو قال قائل: لم يأت القوم مجتمعين، وكان لم يأته أحد منهم، لقيل له: لم يأتك أحد أصلا، فما معنى قولك: مجتمعين؟ فهذا مما لا يشك فيه عاقل، والتأكيد ضرب من التقييد اهـ ونبه على أن محل ما ذكر في ما إذا تقدم النفي، إذا لم ينتقض النفي، فإن انتقض كقوله جل من قائل: (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) فالاستغراق باق، ويكون لعموم السلب. قال: وسببه أن النفي للمجهول، وما بعد إلا، لا تسلط للنفي عليه، لأنه مثبت، وهو في المفرغ مستند لما قبلها، وهو كل فرد، كما كان قبل دخول النفي والاستثناء اهـ واستظهر خلاف ما تقدم من اختصاص " كل " بما ذكر، قال: بل ما دل على متعدد، أو مفرد ذي أجزاء كذلك. فإذا قلت: ما رأيت رجالا، أو ما رأيت رجلين، أو ما أكلت رغيفا، أو ما رأيت رجلا وعمرا، كل ذلك سلب المجموع، لا لكل واحد، بخلاف ما لو تقدم السلب اهـ ومنها: جميع، قال في الإرشاد بعد كلامه على كل: وإذا عرفت هذا في معنى كل، فقد تقرر أن لفظ جميع هو بمعنى كل الأفراد، وهو معنى قولهم: إنها للعموم الإحاطي. وقيل: يفترقان من جهة كون دلالة كل على فرد بطريق النصوصية، بخلاف جميع، وفرقت الحنفية بينهما بأن " كلا " تعم الأشياء على سبيل الانفراد، و" جميع " تعمها على سبيل الاجتماع، وقد روي أن الزجاج حكى هذا الفرق عن المبرد. قال في الإبهاج: ولا أدري كيف يستفاد العموم من لفظة " جميع " فإنها لا تضاف إلا إلى معرفة، تقول: جميع القوم، وجميع قومك، ولا تقول: جميع قوم، ومع التعريف بالألف واللام، أو الإضافة، يكون العموم مستفادا منها لا من لفظة " جميع " اهـ

стр. 194

قال في البحر: وقد يقال: إن العموم مستفاد من " جميع " والألف واللام لبيان الحقيقة، أو هو مستفاد من الألف واللام، وجميع للتأكيد اهـ وعد من صيغ العموم: معشر، ومعاشر، وعامة، وكافة، وقاطبة. قال: ولكن " معشر " لا يستعمل إلا مضافا، و" قاطبة " لا يضاف، و" عامة " و"كافة " يستعملان مضافين وخاليين اهـ ومن صيغ العموم: الأسماء الموصولة كلها، فهي عامة في كل متصف بصلتها، وذلك حيث لم تكن الصلة للعهد، وإلا فلا عموم. أين وحيثما ومن أيٌّ وما … شرطا ووصلا وسؤالا أفهما معناه أن من صيغ العموم كذلك أين، كقوله جل من قائل: (أينما تكونوا يدرككم الموت) وحيثما، كقوله جل من قائل: (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) قال في النشر: وهما للمكان شرطيتين، نحو أين وحيثما كنت آتيك، وتزيد أين بالاستفهام، نحو أين كنت؟ اهـ ومنها كذلك من وأي وما، سواء كان كل من الثلاثة شرطيا أو موصوليا أو استفهاميا، والاستفهام هو المراد بقوله: سؤالا. مثال من الشرطية قوله جل من قائل: (من يعمل سوءا يجز به) ومثال الموصولة، قوله جل من قائل: (ولله يسجد من في السماوات ومن في الأرض) ومثال الاستفهامية، قوله جل من قائل: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) ومثال أي الشرطية، قوله جل من قائل: (أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى) ومثال الموصولة قوله جل من قائل: (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا)

стр. 195

ومثال الاستفهامية، قوله جل من قائل: (فبأي حديث بعده يؤمنون) ومثال ما الشرطية، قوله جل من قائل: (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) ومثال الموصولة، قوله جل من قائل: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) ومثال الاستفهامية، قوله جل من قائل: (وما تلك بيمينك يا موسى) متى وقيل: لا، وبعض قيَّدا … وما معرفا بأل قد وُجدا أو بإضافة إلى المعرَّف … إذا تحقق الخصوص قد نُفي معناه أن من صيغ العموم كذلك: متى للزمان، استفهامية، كقوله جل من قائل: (متى هذا الوعد) وشرطية، نحو متى دخلتِ دار زيد فأنت طالق. وقيل: إنها لا تقتضي عموما، وقيل: إن ذكرت معها ما اقتضت العموم، وإلا لم تعم، وذلك هو المراد بقوله ﵀ : وبعض قيدا. ومن صيغه كذلك: المعرف بأل، أو الإضافة، مفردا كان أو مثنى، أو اسم جمع، أو جمعا ـ سالما أو مكسرا ـ سواء كان جمع قلة أو كثرة. لأن المعرفة لا تحصل عند إطلاقه إلا بالحمل على الكل، ولاستدلال أهل العلم من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فمن بعدهم به على العموم. وهذا ما لم يثبت عهد، وإلا اختص بالمعهود. قال في النشر: وقد احتج الإمام مالك ﵀ على من قال إن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد بني، بقوله جل من قائل: (وأنتم عاكفون في المساجد) إلى أن قال: ومثاله في المضاف أيضا قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في قول المصلي: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فإنه إذا قال ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماوات والأرض" (١). وقال أبو هاشم في المعرف المذكور: إنه للجنس عند عدم العهد حتى يثبت العموم، وقال إمام الحرمين ﵀ : إذا احتمل عهدا حمل عليه.

стр. 196

وخالف الرازي ﵀ في المفرد المحلى، وجعله للجنس الصادق ببعض الأفراد. وخالف فيه إمام الحرمين والغزالي ـ رحمهما الله إذا لم يكن واحده بالتاء، كالماء، زاد الغزالي ﵀ : أو تميز واحده بالوحدة كالرجل، إذ يقال رجل واحد، فهو في ذلك للجنس الصادق بالبعض، نحو شربت الماء ورأيت الرجل، ما لم تقم قرينة على العموم. وقد اختلف في أفراد الجمع المعرف، هل هي آحاد، وهو رأي الأكثرين، أو جموع؟ ومحله ما لم تقم قرينة على إرادة المجموع، فإن قامت قرينة على ذلك فليست أفراده آحادا، وقد يكون مع ذلك عاما نحو رجال كل بلد لا تسعهم هذه الدار، وقد يكون غير عام، نحو هذه الدار لا تسع الرجال انظر تقريرات الشربيني ﵀ . وقول النشر: في مسجد بني، هو كذلك بتقديم الباء على النون في بعض الأصول، وهو محرف، والأصل نبي بتقديم النون ـ على نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ وقد وقع في بعض الأصول بتقديم النون على الصواب، كالتمهيد والاستذكار في صدر باب الاعتكاف، وبعض شروح الحديث، وقد نبه على ذلك في الحلي. وفي سياق النفي منها يُذكر … إذا بُني أو زِيد " مِنْ " منكَّر أو كان صيغة لها النفي لزم … وغير ذا لدى القرافي لا يعم وقيل بالظهور في العموم ............................. معناه أن من صيغ العموم كذلك: النكرة في سياق النفي، وهي نص في العموم في مواضع: أحدها: إذا بنيت مع " لا " النافية للجنس. وأورد البناني ﵀ عليه ما إذا كان اسم لا منصوبا، نحو لا صاحب بر ممقوت، قال: فلو قال - يعني التاج السبكي رحمهما الله : نصا إن وقعت بعد لا العاملة عمل إن، كان أولى اهـ والثاني: إذا زيدت قبلها " من " كقوله جل من قائل: (ما جاءنا من

стр. 197

بشير ولا نذير) فهي بزيادة من قبلها تكون نصا في العموم. وقد ذهب المبرد إلى أن العموم مستفاد من لفظ " من " وذهب سيبويه إلى أن العموم مستفاد من النفي، قبل دخول " من " و" من " تفيد النصوصية. قال أبو حيان: مذهب سيبويه ـ رحمهما الله أن ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل: " من " في الموضعين، لتأكيد استغراق الجنس، وهذا هو الصحيح نقله في الإرشاد. والثالث: أن تكون ملازمة للنفي. وقد نظم سيدي مولاي المختار بن بونا ﵀ النكرات الملازمة للنفي ـ أو ما شاء الله منها، بقوله: وعظموا بأحد الآحاد … وأحد في النفي ذو انفراد بعاقل، ومثله عريب … كما هنا من أحد غريب ديار كراب كتيع دعوى … داري دوري وطاو طؤوى طوري نمي أرمي وأرم … دبي آبن وتامور علم كذاك دبيج وتؤمور يرد … ووابر والنفي في شفر فقد وما سوى هذه المواضع الثلاثة، أنكر القرافي ﵀ عمومها فيه، واحتج بمسائل غير بينة. منها: قول من قال بقول المبرد السابق الذكر، كالزمخشري والجرجاني. ومنها: نفي سيبويه العموم عن اسم لا أخت ليس. وقد تقدم تصريح أبي حيان بأن مذهب سيبويه ـ رحمهما الله أنها تعم، وإن لم تدخل عليها " من " وأن مذهب سيبويه في ذلك هو الصحيح. ولا يخفى أن مثل قوله جل من قائل: (لا يعزب عنه مثقال ذرة) الآية الكريمة. وقوله جل من قائل: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) (لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا)

стр. 198

(لا يكلف الله نفسا الا وسعها) (لا يمسهم فيها نصب) (لا تسمع فيها لاغية) (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا) (ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل) (فإن لم يكن له ولد) (لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياإلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) وغيرها من عشرات، بل مئات الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، دال على العموم لا يمكن أن يخالف في ذلك، ولا موجب للعموم فيها سوى وقوع النكرة في حيز النفي. وأما قول سيبويه في اسم لا أخت ليس، وفي غيرها أيضا من النكرات، فهو في نفي النصوصية في العموم، وبيان لجواز قصد الخصوص، كما هو صريح النقل السابق عنه في مسألة زيادة " من ". وعدم النصوصية، لا ينافي الظهور في العموم، وذلك كالحال في المعرف، فقد يراد به العهد. قال إمام الحرمين ﵀ في البرهان: إذا قال القائل: ما رأيت رجلا، فهذا ظاهر في نفي الرؤية عن جنس الرجال، والتأويل يتطرق إليه، قال سيبويه ﵀ : يجوز أن يقول القائل ما رأيت رجلا، وإنما رأيت رجالا، وإذا كان ينتظم الكلام على هذا الوجه، فليس التنكير مع النفي نصا في اقتضاء العموم، غير قابل للتأويل، ووجه تطرق الاحتمال إليه الذي نبهنا عليه. فإذا قال القائل: ما جاءني من رجل، لم يتجه فيه غير التعميم، فإن من وإن جرت زائدة فهي مؤكدة للتعميم، قاطعة للاحتمال الذي نبهت عليه اهـ

стр. 199

ولو توقفت حجية ألفاظ الشرع على نصوصيتها وقطعيتها في معناها، لتعطل أكثر الأحكام، وهو بين الفساد والبطلان، فمجرد الراجحية كاف. واستدل القرافي كذلك، بما تقدم ذكره في معنى " كل " إذا تقدم عليها النفي، من اقتضائها سلب العموم، وجوابه ما سبق هناك عن الزركشي ﵀ . قال ابن عاشور ﵀ : والجواب أن كلا نكرة تدل على معنى الكلية، فإذا نفيت انتفى ذلك المعنى كله على وجه العموم، فإذا قلت: ما كل عدد زوج، فإنما نفيت الزوجية عن العدد بوصف الكلية، فبقيت بعضيته لم تتعرض لها، لأن النفي وإن كان يتوجه إلى المحمول، إلا أن كلا تشبة المحمول، لما فيها من الحكم، فكأن المحمول معها تنوسي، وصارت هي المقصود، ولذلك إذا قلت: ما كل بيضاء درة، فهم أن بعض البيضاء درة، لأن النفي توجه لكل، وهذا حكمها حيث ما وقعت في حيز النفي، فالذي لم يعم في قولهم: ما كل عدد زوج، هو عدد، وليس هو الواقع في حيز النفي، لأنه جيء به لتخصيص كل، وبيان نوعها، بل الواقع في حيز النفي هو كل، وقد رأيت أنها منفية على وجه العموم، أما لو وقعت قبل النفي، فتعتبر هي داخلة عليه، وحاكمة بعمومه اهـ وكما تعم النكرة في النفي، تعم كذلك في النهي، والاستفهام الإنكاري، كقوله جل من قائل: (هل من خالق غير الله) والشرط كقوله جل من قائل: (من يعمل سوءا يجز به) والامتنان، ونص في البرهان أنها في الشرط نص كالمنفية مع زيادة من. وهْو مفاد الوضع لا اللزوم بالقصد خصص التزاما قد أبى … تخصيصه إياه بعض النجبا قوله: وهو مفاد الوضع لا اللزوم، أشار به إلى الاختلاف في دلالة النكرة المنفية على العموم، هل هي بوضع اللفظ أو بالالتزام؟ وذلك أنها موضوعة وضعا نوعيا لعموم النفي عن الأفراد، بقرينة العقل، لأنها إما أن تجرد عن الوحدة لتأكيد العموم، فيبقى الجنس المطلق، ولا ينتفي إلا بانتفاء جميع الأفراد، وإما أن لا تجرد بل تبقى الوحدة، لكنها مبهمة، وانتفاء فرد مبهم لا يكون إلا بانتفاء جميع

стр. 200

الأفراد، فمن نظر للوضع النوعي، جعل الإفادة بطريق المطابقة، ومن نظر إلى كون الاستفادة بطريق العقل، جعلها بطريق اللزوم، قاله الشربيني ﵀ قال: والأول هو الحق، إذ العموم المستفاد من اللفظ قد يكون بقرينة العقل اهـ والأول منسوب إلى المالكية والشافعية، والثاني منسوب لبعض الحنفية وتقي الدين السبكي ﵀ . قال البناني ﵀ : يؤيده قول النحاة إن لا، في نحو لا رجل في الدار، لنفي الجنس، فإن قضيته أن العموم بطريق اللزوم، دون الوضع اهـ واختار التاج السبكي ﵀ التفصيل بين المبنية مع لا النافية للجنس، وغيرها، فالأولى لا تدل عليه عنده، إلا باللزوم، والثانية تدل عليه بالوضع. وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في تخصيصها بالنية. فمن قال: إن دلالتها على العموم وضعية، قبلت عنده التخصيص بالنية. ومن قال: إنها لزومية، لم تقبل عنده التخصيص بالنية، لعدم وجود الأفراد لفظا، بل هي لازم عقلي فقط، وليس ببين، فقد وقع في كلامهم الاستثناء من اسم لا النافية للجنس بكثرة، كما في كلمة الشهادة، والحوقلة، وكما في حديث " لا حسد إلا في اثنتين " (١) وحديث " لا سبق إلا في خف " (٢) ونحوه كثير، والله أعلم. ونحو لا شربت أو إن شربا … واتفقوا إن مصدر قد جلبا أشار بهذا إلى أن الفعل المتعدي إذا وقع في سياق النفي، نحو والله لا شربت، أو سياق الشرط، نحو إن شربت فهند طالق، يعم مفاعيله إذا لم يقيد بشيء، فإذا شرب شرابا ما، حنث في الموضعين، هذا مذهب الشافعية والمالكية، وأبي يوسف ﵏ سيحانه وتعالى ـ وغيرهم. وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى عدم عمومه، واختاره

стр. 201

القرطبي والرازي ـ رحمهما الله كما في الإرشاد. واحتج عليهم القرافي ﵀ بمسألة المصدر المشار إليها بقوله: واتفقوا إن مصدر قد جلبا، فذكر المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل، والتأكيد لا ينشئ حكما، بل ما هو ثابت معه، ثابت قبله. واختلف في الفعل اللازم هل يدل نفيه على نفي المصدر، فيكون عاما، ونسبه القرافي ﵀ للمالكية والشافعية، أو لا؟ ومنهم من حكى فيه ما في المتعدي، وجعل القول فيهما سواء كالأصفهاني ﵀ . ومنهم من ظاهره اختصاص الخلاف بالمتعدي، وأن اللازم لا يعم، كإمام الحرمين والغزالي والآمدي والصفي الهندي ﵏ كما في الإرشاد. واختار القرافي ﵀ أنهما مسألتان، ونصه: والذي يظهر لي أنهما مسألتان متباينتان، الفعل في سياق النفي يعم، نحو (لا يموت فيها ولا يحيى) أي: لا موت له ولا حياة، والفعل المتعدي إذا كانت له مفاعيل لا يعم مفاعيله اهـ قال في الإرشاد: والذي ينبغي التعويل عليه، أنه لا فرق بينهما في نفس مصدريهما، فيكون النفي لهما نفيا لهما، ولا فرق بينهما، وبين وقوع النكرة في سياق النفي، وأما في ما عدا المصدر فالفعل المتعدي لا بد له من مفعول به، فحذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم المعاني اهـ. ومسألة إشعار حذف المفعول بالعموم، لا تختص بالفعل المنفي. إلا أن العموم فيه إنما هو حيث انتصبت قرينة على إرادة التعميم كقوله جل من قائل: (والله يدعو إلى دار السلام) كما استظهره الزركشي ﵀ . وقوله: واتفقوا إن مصدر قد جلبا، قال في النشر: يعني أن القرافي والرهوني وغيرهما نقلوا اتفاق الحنفية وغيرهم على العموم إذا ذكر المصدر، وقبول التخصيص بالنية، نحو والله

стр. 202

الكريم لا أكلت أكلا، ونوى به شيئا معينا، فلا خلاف بين الحنفية وغيرهم أنه لا يحنث بغيره اهـ. ونزلنَّ ترْكَ الاستفصال … منزلةَ العموم في الأقوال معناه أن ترك الشارع الاستفصال في حكاية الأحوال، مع قيام الاحتمال، في قوة العموم بالصيغة، فيكون الحكم عاما في تلك الاحتمالات، وذلك كقوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ للذي أسلم على عشر نسوة: " أمسك منهن أربعا، وفارق سائرهن " (١) من غير أن يستفصله هل تزجهن معا، أو على الترتيب، فلو لا أن الحكم في الوجهين سواء، لاستفصله، لامتناع الإطلاق في موضع التفصيل، ووجوب البيان عند الحاجة. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ إن ذلك لا يقتضي عموم الحكم، بل يكون الكلام مجملا، كمسألة الاحتمال في الفعل الذي لا قول معه، التي أشار ﵀ بقوله: قيام الاحتمال في الأفعال … قل مجمل، مسقط الاستدلال وذلك كصلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم داخل الكعبة، (٢) فلا يصح الاستدلال بها على جواز الصلاة كيف كانت في جوف الكعبة، لأن الفعل لا عموم له، ولا يمكن أن يقع إلا على وجه واحد، فكان مجملا باحتماله في أنواع ذلك الفعل. قال في النشر: ومحل العموم في الأولى - يعني مسألة ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال- والإجمال في الثانية، حيث تساوت الاحتمالات، فإن ترجح بعضها، فالعمل بالراجح واجب إجماعا. وما أتى للمدح أو للذم … يعم عند جل أهل العلم معناه أن العام المسوق لغرض خاص، من مدح، أو ذم، أو غيرهما، محمول على عمومه عند جمهور أهل العلم، نظرا لصيغته، وعدم منافات ذلك المعنى للعموم، وذلك كقوله

стр. 203

سبحانه وتعالى جل من قائل: (والذين هم لفروجهم حافظون) وذهب الإمام الشافعي ﵀ وبعض أصحابه إلى أنه لا يقتضي العموم، لأنه مسوق للمبالغة في الحث والزجر، وصححه إلكيا الهراس، وجزم به القفال الشاشي ـ رحمهما الله وقال لا يحتج بقوله جل من قائل: (والذين يكنزون الذهب والفضة) على وجوب الزكاة في قليل الذهب والفضة وكثيرهما، بل مقصود الآية الوعيد لتارك الزكاة، نقله في الإرشاد. وقيل: يعم إلا أن يعارضه عام لم يسق لمثل ذلك، فيقدم عليه، وصححه التاج السبكي ﵀ في الجمع، والمعول مذهب الجمهور. وما به قد خوطب النبي … تعميمه في المذهب السني معناه أن ما خوطب به النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ يتناول الأمة من جهة الحكم، على المشهور عندنا، حيث لم يدل دليل على الخصوصية، للأمر باتباعه، واقتداء الصحابة بأفعاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دون بحث عن الخصوصية معلوم، ومما هو بين من النصوص في أن الاصل عدم الخصوصية قوله جل من قائل: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) وقال الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة - رحمهما الله إن ذلك يعم الأمة ظاهرا، لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا، فيحمل على العموم إلا بدليل خارجي، واختاره إمام الحرمين وابن السمعاني، ـ رحمهما الله سبحامه وتعالى ـ كما في الإرشاد. وقالت الشافعية إنه لا يتناول الأمة من جهة الحكم، لاختصاص الصيغة به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ونسبه في الإرشاد للجمهور. ومحل الخلاف ما تمكن إرادة الأمة فيه معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ولم تدل قرينة على إرادتهم، بخلاف ما لا تمكن إرادتهم فيه معه، ومثلوا له بقوله جل من قائل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) وبخلاف ما قامت القرينة فيه على إرادتهم به معه، كقوله جل من

стр. 204

قائل: (يا أيها النبيء إذا طلقتم النساء) الآية الكريمة. ومحله أيضا ما تمكن فيه إرادته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، بخلاف نحو قوله جل من قائل: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف). وما يعم يشمل الرسولا … وقيل لا ولنذكر التفصيلا معناه أن خطاب الأمة بلفظ يشمل النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ نحو يا أيها الناس، يا أيها الذين آمنوا، يعمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند الأكثرين من جهة الحكم، كما عمه من جهة الصيغة. وقيل: لا يشمله من جهة الحكم، لأن علو منصبه يأبى ذلك. ومنهم من فصل فقال: إن اقترن بنحو بلغ، وقل، فلا يشمله، لظهوره في التبليغ، وإلا فلا. وأجيب بأن الخطابات كلها على تقدير ذلك. والعبد والموجود والذي كفر … مشمولة له لدى ذوي النظر معناه أن خطاب الشرع بصيغة عامة، نحو يا أيها الناس، يعم العبيد شرعا، ويعم الموجودين زمن الخطاب خاصة دون من يأتي بعدهم، ويعم الكافر. أما العبيد فتناول تلك العمومات لهم، هو مذهب أكثر المالكية، والشافعية، والحنفية، كما في النشر، بل عزاه في الإرشاد لأتباع الأئمة الأربعة. وذلك لتناول الصيغة لهم، وخروجهم من بعض العمومات كالحج، والجهاد، والزكاة، إنما هو بدليل منفصل، كخروج غيرهم من أصناف المكلفين من بعض العمومات، كالمرضى والمسافرين والغارمين والعميان. وذهب قوم إلى أنه لا يعمهم شرعا. وقال أبو بكر الرازي إن كان الخطاب في حقوق الله عمهم، وإن كان في حقوق الآدميين لم يعمهم. وهذا الخلاف خاص بالفروع، كالخلاف في تناول الكافر.

стр. 205

وأما اختصاص العموم في خطاب المواجهة بالموجودين، (١) فالخلاف فيه منسوب للحنابلة، فتناوله للمعدوم وقت الخطاب عندهم بالصيغة، ولا خلاف في شمول الحكم لهم، والخلاف في ذلك لا ينبني عليه شيء. وهو خاص بما اشتمل على علامات الخطاب، كالنداء وضمير الخطاب، وأما نحو (لينفق ذو سعة من سعته) مما تجرد عن ذلك، فلا خلاف في شموله لغير الموجود زمن الخطاب، كما في حاشية ابن عاشور ﵀ . وأما تناوله للكفار، فهو مذهب القائلين بخطابهم بالفروع، وقد تقدم الكلام على ذلك، والحمد لله رب العالمين. واختلف في جريانه في الخطاب الخاص بالمسلمين، والمومنين، ونحو ذلك مما لا يتناولهم، فاختار ابن السمعاني ﵀ التعميم في مثل ذلك أيضا، ونظر فيه الزركشي ﵀ لأن الكلام في التناول بالصيغة، والله أعلم. وما شمول مَنْ لأنثى جَنَفُ ........................... قال في النشر: قوله: جنف ـ بالتحريك ـ يعني أنه ليس ميلا عن الصواب. والمعنى أن لفظ " من " الذي تقدم أنه من صيغ العموم، يعم الأنثى عند الجمهور، وحكي خلافه عن بعض الحنفية، ولذلك لم يروا قتل المرتدة، لعدم تناول حديث " من بدل دينه فاقتلوه " (٢) لها على هذا. قال في الإرشاد: لكن الموجود في كتبهم أنها تعم الجميع، وصرح به البزدوي وشراح كتابه وابن الساعتي وغيرهم، إذ نقل الرازي في المحصول الإجماع، على أنه لو قال: من دخل داري من أرقائي فهو حر، دخل فيه الإماء، وكذا لو علق بهذا اللفظ وصية، أو توكيلا، أو إذنا في أمر لم يختص بالذكور. وحجة تناولها لهن:

стр. 206

أنها تستعمل فيهن دون الرجال، كقوله جل من قائل: (يا نساء النبيء من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما) وما جاء من بيانها بالذكر والأنثى، كقوله جل من قائل: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى) وكقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه " فقالت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ: فما تصنع النساء بذيولهن (١). ومثل من في ما ذكر ما. وفي شبيه المسلمين اختلفوا معناه أنه اختلف كذلك في عموم المسلمين ونحوه مما يستعمل من الجموع بعلامة التأنيث في المؤنث، وبحذفها في المذكر، هل يتناول الإناث؟ قال في النشر: قال في التنقيح: والصحيح عندنا اندراج النساء في خطاب التذكير، قاله القاضي عبد الوهاب اهـ قال: وكذا الحنابلة، وصححه بعض الشافعية اهـ وعزى في الإرشاد عدم دخولهن للجمهور. وحجة القائل بالتناول: عادة العرب في تغليب المذكر على المؤنث إذا قصدت ذكرهما معا، استثقالا لإفراد كل بالذكر. وقال في الإرشاد: قال ابن الأنباري: لا خلاف بين الأصوليين والنحاة في أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال، وإنما ذهب بعض الاصوليين إلى تناوله الجنسين، لأنه لما كثر اشتراك الذكور والإناث في الأحكام لم تقصر الأحكام على الذكور، قال الزركشي ﵀ في البحر: وحاصله الإجماع على عدم الدخول حقيقة، وإنما النزاع في ظهوره، لاشتهاره عرفا.

стр. 207

قال الصفي الهندي: وكلام إمام الحرمين ـ رحمهما الله يشعر بتخصيص الخلاف بالخطابات الواردة من الشرع لقرينة عليه، وهي المشاركات في الأحكام الشرعية. قال في النشر: ومن المتنازع فيه نحو صوام وقوام، من جموع التكسير، بخلاف صوم وقوم، فإنه لا يخص المذكر اهـ ولا خلاف في عدم تناول ما يختص بالذكور بحسب المادة للنساء، كلفظ " الرجال " كما لا خلاف في تناول ما هو موضوع لمجموع الجنسين كلفظ " الناس ". وعمم المجموع للأنواع … إذا بمن جُرَّ على نزاع كمن علوم ألْقِ بالتفصيل … للفقه والتفسير والأصول معناه أنه اختلف في الجمع المعرف وما في معناه، إذا اقترن بما يدل على التبعيض، هل يحمل على جميع أنواعه، وهو مذهب الجمهور، لما تقدم من كلية قضية العام. وذلك كقوله جل من قائل: (خذ من أموالهم صدقة) فمعنى أموالهم كل نوع من أموالهم كما تقدم، فالمعنى خذ من جميع أموالهم، فيقتضي الأخذ من كل نوع، قال الشافعي ﵀ : لولا دلالة السنة، لكان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها، لا في بعضها دون بعض، وهذا هو مذهب الجمهور. أو يحمل على المجموع؟ فيكفي الأخذ من نوع واحد منها في المثال المذكور، لبطلان العموم بصيغة التبعيض، فهي مقتضية لتبعيض مدخولها، واختاره القرافي وابن الحاجب ـ رحمهما الله ونسب للكرخي من الحنفية، وبعض أهل الأصول. وتوقف في ذلك الآمدي ﵀ فقال: وبالجملة فالمسألة محتملة، ومأخذ الكرخي دقيق اهـ وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف إذا اشترط على المدرس أن يلقي كل يوم، ما تيسر، من علوم التفسير والفقه والأصول، هل يلزمه أن يلقي كل يوم، من كل واحد من هذه العلوم، أو يكفي أن يلقي كل يوم، من واحد منها، وإلى ذلك أشار ﵀ بقوله: كمن علوم ألق ألبيت.

стр. 208

والمقتضى أعم جل السلف .............................. معناه أن مذهب الجمهور تعميم المقتضى ـ بفتح الضاد ـ وهو المدلول عليه بالاقتضاء، فإذا توقف صدق الكلام، أوصحته على تقدير أحد أمور، من غير رجحان لبعضها على بعض، قدرت جميعا، حذرا من الإجمال. وذهب ابن الحاجب والغزالي ـ رحمهما الله إلى أنه لا يعمها، لأن الضرورة تندفع بتقدير واحد منها، فإن تعين بالقرينة فذلك، وإلا كان مجملا، ونسبه في الإرشاد للجمهور. فإن ترجح أحد تلك الأمور فلا خلاف في الحمل عليه خاصة. وأما لو توقف صدقه أو صحته على المجموع لا على سبيل البدل، فيقدر المجموع قطعا. كذاك مفهوم بلا مختلف معناه أن المفهوم عام أيضا عند الجمهور، سواء كان مفهوم موافقة، أو مفهوم مخالفة. وذهب القاضي أبو بكر وأبو حامد الغزالي ـ رحمهما الله وجماعة من الشافعية إلى أنه لا عموم له. ورده في المحصول قائلا: إن كنت لا تسميه عموما، لأنك لا تطلق لفظ العام إلا على الألفاظ، فالنزاع لفظي، وإن كنت تعني به أنه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع ما عداه، فهو باطل، لأن البحث على أن المفهوم هل له عموم أم لا؟ ومتى ثبت كون المفهوم حجة، لزم القطع بانتفائه عما عداه، لأنه لو ثبت الحكم في غير المذكور، لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة. فصل في ما اختلف في عمومه وعدم العموم فيه أصح منه منكر الجموع عُرفا … وكان، والذي عليه انعطفا وسائر، حكاية الفعل بما … منه العموم ظاهرا قد علما

стр. 209

خطاب واحد لغير الحنبلي … من غير رعي النص والقيس الجلي أشار في هذه الأبيات إلى ما اختلف في عمومه، والأصح فيه عدم العموم. فذكر من ذلك الجمع المنكر، وهو على نوعين: جمع قلة، وجمع كثرة. أما جمع القلة، فقال في الإرشاد: إن جمهور الأصوليين على أنه ليس بعام، لظهوره في العشرة فما دونها. وأما جمع الكثرة، فذكر أن جمهور المحققين على أنه ليس بعام، وذلك لعدم صحة الاستثناء منه ما لم يتخصص. وذهب الجبائي، وبعض الحنفية، وابن حزم، إلى عمومه، ما لم يمنع من ذلك مانع، نحو جاء رجال. وحكاه ابن برهان ﵀ عن المعتزلة. واختاره البزدوي، وابن الساعاتي ـ رحمهما الله وهو أحد وجهي الشافعية، كما في الإرشاد. واحتجوا بثبوت إطلاقه في كل مرتبة من مراتب الجموع، فكان حمله على الجميع حملا له على جميع حقائقه. وأجيب بمنع إطلاقه في كل مرتبة حقيقة، بل هو للقدر المشترك بينها، لصحة نعته بأي جمع، فيقال رجال ثلاثة، وأربعة، وخمسة، فمفهوم رجال يمكن أن يجعل مورد التقسيم لهذه الأقسام، فلا يكون دالا عليها، وأما الثلاثة فهي مما لا بد فيه، فيثبت أنه يفيد الثلاثة فقط قاله في الإرشاد. وذكر أيضا منه فعل كان، فالأصح أنها لا تقتضي العموم. وقد اختلف في دلالة كان مع المضارع على التكرار، وعدم دلالتها عليه. وعلى أنها تدل عليه، فهل تدل عليه لغة، كما للقاضي ﵀ أو عرفا، كما لعبد الجبار لأن ذلك لا يقال في صدور الفعل مرة. واختلف في التكرار قال في النشر: والتحقيق عند الكمال بن الهمام، وفاقا لسعد

стр. 210

الدين التفتازاني ـ رحمهما الله أن المفيد للاستمرار لفظ المضارع، وكان للدلالة على مضي ذلك المعنى، والتكرار غير العموم، لأن العموم في الأنواع، وغاية ما يفيد التكرار العموم في الأزمان، وليس الكلام فيه، بل في عموم الفعل لأقسامه وجهاته، قاله في الآيات البينات عن العضد ـ رحمهما الله . وذكر منها كذلك المعطوف على العام، فالأصح أن عطفه عليه لا يقتضي عمومه، والاصح كذلك أن خصوص المعطوف، لا يقتضي خصوص المعطوف عليه، وهو مذهب الجمهور. وذهبت الحنفية إلى اقتضاء ذلك العموم، وقيل بالوقف. ومثلوا له بحديث " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " (١) قيل يعني بكافر، وخص منه غير الحربي بالإجماع. وأجيب بأنه لا حاجة إلى ذلك، بل يقدر بحربي من أول الأمر، هذا على المسألة الأولى. وعلى المسألة الثانية، يختلف في عموم كافر في قوله " لا يقتل مؤمن بكافر " فهو على مذهب الجمهور عام في الذمي وغيره. وعلى مذهب الحنفية يختص بالحربي، للإجماع على اختصاص الثاني به. وأما تمثيل القرافي ﵀ بآية (وبعولتهن) فسهو، كما نبه عليه ابن عاشور ﵀ لأن الضمير الذي هو محل الشاهد ليس معطوفا، بل المعطوف البعولة وهو عام. وذكر منها لفظ سائر، وقد اختلف أهل اللسان في معناه، فمنهم من قال: معناه: بقية الشيء، ومنهم من قال: معناه: جميعه، والمختلف فيه العموم الإحاطي، لا أصل العموم. وذكر منها كذلك: حكاية الفعل بما ظاهره العموم، نحو نهى عن بيع الغرر، وقضى

стр. 211

بالشاهد واليمين، وعدم عموم ذلك هو مذهب الأكثر، لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، والمحكي يحتمل أن يكون غير عام، هذا مذهب الأكثر، فلا يعم ذلك كل غرر، وكل شاهد. واختار ابن الحاجب والآمدي ـ رحمهما الله عمومه لكل غرر، وكل شاهد. قال في الإرشاد: وهو الحق، لأن مثل هذا ليس بحكاية للفعل الذي فعله، بل حكاية لصدور النهي منه، إلى أن قال: لأن عبارة الصحابي ـ رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين ـ يجب أن تكون مطابقة للمقول، لمعرفته باللغة، وعدالته، ووجوب مطابقة الرواية للمسموع، إلى أن قال: وحكي عن بعض أهل الأصول التفصيل بين أن يقترن الفعل بحرف أن، فيكون للعموم، كقوله: قضى أن الخراج بالضمان، وبين أن لا يقترن، فيكون خاصا نحو قضى بالشفعة للجار، وقد حكى هذا القول القاضي في التقريب، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق، والقاضي عبد الوهاب، وصححه، وحكاه عن أبي بكر القفال ﵏ أجمعين ـ اهـ قال في النشر: ولا يقال: نحو قضى بالشفعة للجار، ليس من حكاية الفعل، ولا من حكاية القول، لأنا نقول: مثل هذا القول ملحق عندنا بالفعل، قاله في الآيات البينات، ولهذا قال إمام الحرمين ﵀ في الورقات: ولا يجوز دعوى العموم في الفعل، وما يجري مجراه اهـ ومثلوا الثاني بالقضاء بالشفعة اهـ وفرق في التوضيح بين حكاية الفعل، نحو صلى ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ في الكعبة، وبين نحو قضى بالشفعة للجار، فجعل هذا من قبيل الرواية بالمعنى، ونصه: مسألة حكاية الفعل لا تعم، لأن الفعل المحكي عنه واقع على صفة معينة، نحو صلى النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ في الكعبة، فيكون هذا في معنى المشترك، فيتأمل، فإن ترجح بعض المعاني بالرأي، فذاك، وإن ثبت التساوي، فالحكم في البعض يثبت

стр. 212

بفعله ﵊ وفي البعض الآخر بالقياس. (١) وأما نحو قضى بالشفعة للجار، فليس من هذا القبيل، وهو عام لأنه نقل الحديث بالمعنى، ولأن الجار عام. وقال في التلويح: فهو حكاية عن قول النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ الشفعة ثابتة للجار، ولئن سلمنا أنه حكاية الفعل، لكن الجار عام، لأن اللام لاستغراق الجنس، لعدم المعهود، فصار كأنه قال: قضى صلى الله تعالى عليه وسلم بالشفعة لكل جار اهـ وقوله: إن نحو قضى بالشفعة للجار من قبيل الرواية بالمعنى غير بين، فالرواية بالمعنى خاصة بالألفاظ، والمعلوم في مثل هذا التركيب أن المراد به الإخبار عن الواقعة، لا رواية قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإن كنا نعلم أن هذه الواقعة لا تخلو غالبا عن قول، لكن حكاية الواقعة بمثل هذا القول لا يقتضي أن القائل شهد الأمر، ولا أنه سمع لفظ النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ولا تكرر الحادثة، وحينئذ فليس في خبره ما يقتضي العموم. أما قوله: قضى فمطلق، وأما قوله: بالشاهد، فلا معنى لقصد العموم فيه، مع عدم راجحية إرادة تكرر الأمر، فالوجه أن تكون الألف واللام فيه للجنس. لكن لا ينبغي أن يختلف في عموم الحكم، في مثل هذا التركيب إذ الأصل عدم الخصوصية، فأقل أحواله أن يكون الخطاب فيه خطاب واحد، وهو عام من حيث الحكم اتفاقا، وموطأ الإمام ﵀ وكتب أصحابه وغيرهم، مليئة بالاحتجاج بمثل هذه التراكيب في ذلك والله أعلم. وذكر منها أيضا خطاب الواحد، ومحل الخلاف فيه، إذا لم يقترن بما يدل على

стр. 213

اختصاصه به، نحو حديث " تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك " (١) وعدم العموم مذهب الجمهور. ونسب لبعض الحنابلة، وبعض الشافعية أنه عام. وقال إمام الحرمين ﵀ : لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف، إذ لا شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي. وقال الزركشي ﵀ : والحق أن التعميم منتف لغة، ثابت شرعا، والخلاف في أن العادة هل تقضي بالاشتراك، بحيث يتبادر فهم أهل العرف إليها، أو لا، فأصحابنا ـ يعني الشافعية ـ يقولون: لا قضاء للعادة في ذلك، كما لا قضاء للغة، والخصم يقول: إنها تقضي بذلك اهـ نقله في الإرشاد. وأشار ﵀ بقوله: من غير رعي النص، والقيس الجلي، إلى ما ذكر من الاتفاق على عموم الحكم شرعا، فما نسبه ابن القصار لمالك - رحمهما الله محل اتفاق، والله أعلم. فصل في التخصيص قال في النشر: وهو لغة الإفراد، قاله الإبياري ـ رحمهما الله قال: وهو مصدر خصص بمعنى خص، فالتضعيف هنا بمعنى أصل الفعل، دون دلالة على التكثير الذي تفيده هذه الصيغة غالبا. قصْر الذي عم مع اعتماد … غير على بعض من الأفراد معناه أن التخصيص اصطلاحا: هو قصر العام على بعض أفراده، بأن لا يراد منه البعض الآخر حكما ـ وهو العام المخصوص ـ أو لا يراد حكما ولا لفظا ـ وهو العام المراد به الخصوص ـ بدليل يقتضي ذلك، وهو المراد بقوله: مع اعتماد غير. وهذا تعريف للتخصيص الذي هو قول المجتهد بكون العام كذا مخصوصا.

стр. 214

قال في جمع الجوامع: والقابل له حكم ثبت لمتعدد، يعني سواء كان ثبوته لفظيا، وهو المتقدم التعريف، أو معنويا، كالمفهوم. جوازه لواحد في الجمع … أتت به أدلة في الشرع وموجب أقله القفال … والمنع مطلقا له اعتلال معناه أن العام يجوز تخصيصه حتى لا يبقى من أفراده إلا واحد، سواء كان لفظه جمعا كالرجال، أو لا، كمن، والرجل. أما المفرد فحكى الشيخ أبو إسحاق الاسفرائيني ﵀ الاتفاق فيه، وحكى غيره فيه خلافا. وأما الجمع، فنسب ذلك فيه القاضي عبد الوهاب ﵀ للجمهور، وذلك لبطلان الجمع، وصيرورة آحاده أفرادا، وجاء أن المراد بالناس الأولى في قوله جل من قائل: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) نعيم ابن مسعود وبالثانية أبو سفيان - رضي الله عنهما -. وذهب القفال الشاشي وابن الصباغ ـ رحمهما الله إلى أنه لا بد من بقاء أقل معنى الجمع، وإلا كان نسخا. وقيل: يجب بقاء أقل معنى الجمع مطلقا، حكاه ابن برهان ﵀ . وأشار الشيخ ﵀ إلى تضعيفه بقوله: والمنع مطلقا له اعتلال، وهو لأبي الحسين المعتزلي. وقيل: يجب بقاء عدد غير محصور. وقيل: إذا كان التخصيص بالاستثناء و البدل، جاز إلى الواحد، وإلا فلا. أقل معنى الجمع في المشتهر … الاثنان في رأي الامام الحميري ذا كثرة أم لا وإن منكرا … والفرق في انتهاء ما قد نكرا معناه أن أقل معنى الجمع اثنان عند الإمام مالك ﵀ ونقله أبو الوليد الباجي عن القاضي أبي بكر بن العربي ـ رحمهما الله واختاره،

стр. 215

ونقل عن الإمام أبي الحسن الاشعري، وأبي يوسف، وجمهور أهل الظاهر، والخليل ابن أحمد، ونفطويه، واختاره الغزالي ﵏ أجمعين ـ. وذهب الأكثرون إلى أن أقله: ثلاثة وحكاه ابن الدهان النحوي عن جمهور النحاة. وذكر الآمدي ﵀ أدلة الفريقين، ولم يرها مقنعة، ونحى نحو الوقف. وحكى بعض أهل الأصول قولا بأن أقله: واحد. وذكر المازري أن القاضي أبا بكر ـ رحمهما الله حكى الاتفاق على أنه - يعني الاستعمال في الواحد - مجاز. ولا فرق في ما ذكر بين جمع القلة وجمع الكثرة، فالفرق بينهما إنما هو في منتهى ما يدلان عليه. فمنتهى جمع القلة: العشرة، وجمع الكثرة لا حد لمنتهاه. والفرق بينهما أيضا في المنتهى، محله إذا لم تقترن بهما أداة معممة، وإلا فهما سواء، إذ لا حصر في العام، وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بقوله: ذا كثرة أم لا البيت. وقد استشكل قوم اجتماع العموم مع جمع القلة، إذ الأول يقتضي عدم الحصر، والثاني يقتضي الحصر، وهو سهو، فإن العموم يبطل الحصر، ولذلك عم المفرد والمثنى، وآحاد الجمع العام أفراد، كما هو مقتضى الاستعمال. وذو الخصوص هو ما يستعمل … في كل الافراد لدى من يعقل وما به الخصوص قد يراد … جعله في بعضها النقاد والثاني اعز للمجاز جزما … وذاك للأصل وفرع ينمى أشار بهذه الأبيات إلى الفرق بين العام المخصوص، والعام المراد به الخصوص. فقوله: وذو الخصوص البيت، المراد به: العام المخصوص. ومعناه أن العام المخصوص عمومه مراد تناولا، ليصح الإخراج، لا حكما، للمخصص. بخلاف العام المراد به الخصوص، فليس عمومه مرادا، لا تناولا ولا حكما، فهو العام
следующие страницы →