وقيل هما سواء.
قال في البحر: قيل: والفاء إذا امتنع كونها للعطف، تعين للسبب، والمانع للعطف أنها متى قدرت له الواو اختل الكلام، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من أحيا أرضا ميتة فهي له " (١) لأنها لو كانت عاطفة بمعنى الواو، لتضمنت الجملة معنى الشرط بلا جواب.
وهذا مبني على حصر الفاء في التعليل والعطف، وهو ممنوع، بل هي في هذه المواضع جواب، أي: رابطة بين الشرط وجوابه، ولا يلزم من كون الأول شرطا كونه علة اهـ
وقوله: يتبع بالشبيه، معناه أنه يلحق بذلك ما يشبهه في الظهور في العلية.
وذلك كإن ـ بالكسر والتشديد ـ كقوله جل من قائل: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (٢).
ومنهم من عدها من الإيماء، قال في التلويح: وأما كلمة إن بدون الفاء، مثل " إنها من الطوافبن " (٣) فالمذكور في أكثر الكتب، أنها من قبيل الصريح، لما ذكره الشيخ عبد القاهر ﵀ أنها في مثل هذه المواقع تقع موقع الفاء، وتغني غناءها، وجعلها بعضهم من قبيل الإيماء، نظرا إلى أنها لم توضع للتعليل، وإنما وقعت في هذه المواقع، لتقوية الجملة التي يطلبها المخاطب، ويتردد فيها، ويسأل عنها، ودلالة الجواب على العلية إيماء لا صريح، وبالجملة كلمة إن مع الفاء، أو بدونها، قد تورد في أمثلة الصريح، وقد تورد في أمثلة الإيماء، ويعتذر عنه بأنه صريح باعتبار أن والفاء، وإيماء باعتبار ترتب الحكم على الوصف اهـ
ومراده بالصريح الظاهر.
ومن الظاهر أيضا إذ، كقوله جل من قائل: (وإذ لم يهتدوا به
стр. 387
فسيقولون هذا إفك قديم).
وكقوله جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبئاء وجعلكم ملوكا).
وكقوله جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها).
مسلك الإيماء
والثالث الإيما اقتران الوصف … بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير … قرانه لغيرها يضير
المسلك الثالث من مسالك العلة: مسلك الإيماء، وهو اقتران الوصف، أو نظيره بالحكم، اقترانا يستبعد كونه لغير علية الوصف للحكم، أو نظيره، في نظير الحكم.
مثال أولهما: قوله جل من قائل: (فاقتلوا المشركين) فترتيب القتل على وصف الشرك، مقتض عليته له.
ومثال الثاني: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للتي قالت إن أمها ماتت وعليها نذر حج، أفأحج عنها؟: " أرأيت إن كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال: " فحجي عن أمك، فالله أحق بالقضاء " (١).
فقد سألت عن دين الله على الميت، وجواز قضائه عنه، فذكر لها دين الآدمي على الميت، وقررها على جواز قضائه، فلو لم يكن جواز القضاء فيهما، لكون الدين علة له، لكان بعيدا.
ولا فرق في ذلك بين أن يكونا ملفوظين، أو مقدرين، أو يكون أحدهما ملفوظا، والآخر مقدرا.
مثال ذكرهما: ما تقدم.
ومثال تقديرهما: قوله جل من قائل: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) أي:
стр. 388
فإذا طهرن فلا جناح عليكم في قربانهن.
ومثال النطق بالوصف، وتقدير الحكم: قوله جل من قائل: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) أي: فلا شيء لهن في الأولى، وفي الثانية عند الإمام مالك ﵀ ولهن الصداق كاملا في الثانية عند الإمام الشافعي ﵀ .
ومثال عكسه: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للأعرابي: " أعتق رقبة " (١) قال ابن الحاجب ﵀ : كأنه قال: إذا واقعت فكفر.
وقوله: ﵀ : ملفوظين، يحترز به من المستنبطين، وذلك على ثلاثة أوجه، لأنهما إما أن يستنبطا معا، أو يذكر أحدهما ويستنبط الآخر.
فإن كانا مستنبطين معا، فليس بإيماء اتفاقا.
وإن استنبط أحدهما ونص الآخر، فإن كان المنصوص الوصفَ، وكان الحكم مستنبطا، كاستنباط صحة البيع من حليته في قوله جل من قائل: (وأحل الله البيع) فقد اختلف في كون ذلك إيماء، ورجح الهندي ﵀ أنه إيماء، لأن الصحة لازمة للحل، إذ لولا الصحة لم يكن للإحلال فائدة.
وظاهر التاج ﵀ تضعيفه.
وإن كان المنصوص الحكمَ، وكان الوصف مستنبطا، كاستنباط علية الاقتيات والادخار في تحريم الربا المنصوص، فليس بإيماء، قيل: اتفاقا، وقيل على الخلاف الآنف الذكر في عكسه، واستبعده الهندي ﵀ واستبعاده إياه وجيه.
وقوله ﵀ : دون خلف، يعني في كونه إيماء.
كذا إذا سمع وصفا فحكم .........................
معناه أن من صور الإيماء أيضا، أن يحكم صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم عند سماع وصف، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد قول الأعرابي: واقعت أهلي في نهار رمضان -: " أعتق رقبة ".
стр. 389
قال في رفع الحاجب: فإن قلت: يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أو جواب سؤال، أو زجرا للسائل عن الكلام، كقول السيد لعبده - إذا سأله عن شيء -: اشتغل بشأنك.
قلت: غلبة الظن بالتعليل قائمة، من غير التفات إلى هذه الاحتمالات، وأيضا فكان يلزم خلو السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن الغالب أن السائل إنما سأل عن حاجته اهـ
وذكره في الحكم وصفا قدَ اَلم
إن لم يكن علته لم يفد .............................
معناه أن من الإيماء أيضا: أن يذكر الشارع في الحكم وصفا، لو لم يكن لكونه علة في الحكم، لكان ذكره لغوا، كحديث النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، (١) فذكر مدافعة الأخبثين، لو قدر أن المدافعة غير علة للنهي عن ملابسة الصلاة، غير مفيد.
ومنه سؤاله عن وصف للمستفتى عنه، فإذا أخبر عنه، حكم بحكم، كسؤالهم عن شراء الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم، فنهى عنه، (٢) فكأنه قال: لا يجوز، لأنه ينقص إذا جف.
ومنه أن يسأل عن حكم، فيتعرض لنظيره، وينبه على وجه الشبه بينه، وبين المسؤول عنه، فيفيد أن وجه الشبه هو العلة، كحديث الخثعمية - رضي الله عنها -.
ومنعَه مما يفيت ...........
معناه أن من الإيماء أيضا: منع المكلف من الاشتغال بفعل، يفيت عليه أمرا تقدم وجوبه، فهو إيماء إلى أن علة ذلك النهي، كونه مانعا من الإتيان بذلك الواجب، كقوله جل من قائل: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع).
استفد
стр. 390
ترتيبه الحكم عليه ......... ..........................
معناه أن من صور الإيماء أيضا: ترتيب الحكم على الوصف، نحو: " القاتل لا يرث " (١).
واتضح … تفريق حكمين بوصف المصطلح
أو غاية، شرط، أو استثناء ................................
معناه أن من الإيماء أيضا: التفريق بين حكمين بوصف، أو غاية، أو شرط، أو استثناء.
مثال الوصف: التفريق بين المحصنات وغير المحصنات في الحد، فهو يقتضي علية عدم الحرية في التشطر، ولولا ذلك لم يكن لذكر الوصف فائدة.
وكذا التفريق بين الرجل والمرأة في الشهادة.
والتفريق بين الحر والعبد في الإرث.
ومثال التفريق بالغاية: قوله جل من قائل: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فتفريقه بين وجوب قتالهم، والكف عنه، بإعطاء الجزية، لو لم يكن لعلية بذل الجزية للكف، لكان بعيدا.
ومثال التفريق بالشرط: حديث مسلم " فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " فالتفريق في منع الفضل بين اختلاف الأجناس واتحادها، لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز، لكان بعيدا.
ومثال الاستثناء: قوله جل من قائل: (ولا تقولن لشايء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فالتفريق بين الإذن في قوله: فاعل ذلك غدا، والنهي عنه، بالتقييد بالمشيئة، لو لم يكن لعلية التقييد بالمشيئة للجواز، لكان بعيدا.
وصور الإيماء لا تدخل تحت الحصر.
تناسب الوصف على البناء
стр. 391
اختلف في اشتراط ظهور مناسبة الوصف المومى إليه، للحكم، والأكثرون على عدم اشتراط ذلك، بناء على أن العلة بمعنى المعرف.
وحكاه في البرهان عن إطلاق الأصوليين، واختاره إلكيا ﵀ .
واشترط ذلك إمام الحرمين والغزالي - رحمهما الله .
والثالث الفرق، واختاره ابن الحاجب ﵀ قال في مختصره: وفي اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء، ثالثها المختار: إن كان التعليل فُهم من المناسبة اشترطت اهـ
قال في رفع الحاجب - عند قوله: رحمهما الله : ثالثها المختار إلخ -: مثل " لا يقضي القاضي وهو غضبان " (١) لأن حقيقته ذكر وصف مناسب، فلو قلنا: لا يشترط فيه المناسبة، مع أنه لا يتحقق إلا بها، لكان تناقضا، وأما سواه من الأقسام فلا اهـ وهو مشكل.
مسلك السبر والتقسيم
والسبر والتقسيم: قسم رابع … أن يحصر الأوصاف فيه جامع
ويبطل الذي لها لا يصلح … فما بقِي تعيينه متضح
معناه أن المسلك الرابع من مسالك العلة: مسلك السبر والتقسيم، والسبر - بفتح السين -: الاختبار، ومنه سمي المسبار، وهو الميل الذي تختبر به الجراح.
والتقسيم: التجزئة، وذلك أن الناظر يقسم أوصاف المحل إلى ما يصلح للعلية ببادئ النظر، وما لا يصلح لها، ثم يختبر كل وصف.
قال في البحر: وقد أشير إليه في قوله جل من قائل: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) وقوله جل من قائل: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) فإن هذا تقسيم حاصر، لأنه ممتنع خلقهم من غير خالق خلَقَهم، وكونهم يخلقون
стр. 392
أنفسهم أشد امتناعا، فعلم أن لهم خالقا خلقهم، وهو ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه الصيغة المستدل بها بطريقة بديهية، لا يمكن إنكارها اهـ
وقد يسمى هذا المسلك بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبالافتراق.
وأشار الشيخ ﵀ إلى تفسيره بقوله: أن يحصر الأوصاف إلخ، والمعنى أن السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل، واختبارها، وإبطال ما لا يصلح منها للعلية، فيتعين الباقي لذلك.
وذلك كحصر أوصاف البر الصالحة لعلية امتناع جريان الربا فيه، عند إرادة قياس الذرة عليه ـ مثلا ـ فيقال: يشتمل على الطعمية، والاقتيات، والادخار، والكيل، ثم يبطل بعض هذه الأوصاف، بأن يظهر عدم صلاحيتها للتعليل.
فيقول - مثلا -: الطعم لا يصلح علة بمجرده، بقرينة اشتمال هذه الأطعمة المذكورة في الحديث كلها عليه، فلو كان علة بمجرده، لاكتفي بواحد منها.
والكيل بمجرده لا يصلح أيضا، لحصوله في ما لا يجري فيه الربا اتفاقا، ولما تقدم أيضا، فيبقى الاقتيات والادخار.
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
وإنما اعتبر هذا طريقا للعلية، لأن الحكم مهمى أمكن أن يكون معللا، فلا يجعل تعبدا، وإذا أمكن إضافته للمناسب، فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسبا إلا ما بقي بعد السبر، فوجب كونه حجة وعلة بهذه القواعد قاله القرافي ﵀ .
ومنع جماعة حجيته، كالإبياري في شرح البرهان، وقال ابن المنير - رحمهما الله : ومن الأسئلة القاصمة لمسلك السبر والتقسيم، أن المنفي لا يخلو في نفس الأمر من أن يكون مناسبا، أو شبها، أو طردا، لأنه إما أن يشتمل على مصلحة، أو لا.
فإن اشتمل على مصلحة، فإما أن تكون منضبطة للفهم، أو كلية لا تنضبط، فالأول المناسبة، والثاني الشبه.
وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا، فهو الطرد المردود.
فإن كان ثم مناسبة، أو شبه، لغا السبر والتقسيم، فإن كان عريا عن المناسبة قطعا، لم
стр. 393
ينفع السبر والتقسيم أيضا اهـ
معترض الحصر في دفعه يرد … : بحثت، ثم بعد بحثي لم أجد
أو انفقاد ما سواها الأصل … وليس في الحصر لظن حظْلُ
معناه أن المستدل إذا اعترض عليه بعدم الحصر، بأن قال السائل: يمكن أن يكون في الأصل وصف آخر، كفاه في دفع الاعتراض، أن يقول: بحثت فلم أجد غير هذه الأوصاف.
وذلك لعدالته وأهليته، لأن القياس الحقيقي لا يكون إلا من مجتهد.
أو يقول: الأصل عدم ما سواها.
وقيل: لا يكفي ذلك.
قال الصفي الهندي ﵀ : سبره لا يصلح دليلا، لأن الدليل ما يعلم به المدلول، ومحال أن يعلم طالب الحصر الانحصار ببحثه ونظره، وجهله لا يوجب على خصمه أمرا.
وهذا الخلاف بالنسبة للمناظر، وأما المجتهد الناظر لنفسه، فيعمل على ما يظن، وذلك هو المراد بقوله ﵀ : وليس في الحصر لظن حظل، على ما يقتضيه النشر.
وهو قطعي إذا ما نميا … للقطع، والظني سواه وعيا
معناه أن السبر إذا كان كل من الحصر والإبطال قطعيا، يفيد القطع، أما قطعية الإبطال فظاهرة، وأما قطعية الحصر، فبأن يكون مرددا بين النفي والإثبات، كأن يقول: علة الربا في البر، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت، أو غيرها، وجميع الأقسام باطلة، ما عدا الطعم، ثم يستدل على الإبطال بدليل قطعي، قاله الشربيني ﵀ . قيل: ولا بد مع ذلك من القطع بكون الأصل معللا، قال الهندي ﵀ : وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا اهـ
فإن كان منتشرا، بأن كان الحصر ظنيا فقط، أو كان الإبطال ظنيا فقط، فهو ظني، وقد اختلف في الاحتجاج به على أقوال:
стр. 394
قيل: حجة، وهو مذهب الأكثرين، لوجوب العمل بالظن.
وقيل: ليس بحجة مطلقا، لجواز بطلان ما أبقاه ـ أيضا ـ.
وقيل: حجة إن أجمع على كون ذلك الحكم معللا، حذرا من أداء إبطال الباقي، إلى خطإ المجمعين.
ورد بجواز كون العلة أمرا لم يذكره، أو أمرا مما أبطل، فلا يلزم خطأ المجمعين.
وقيل: حجة للناظر لنفسه، دون المناظر غيره.
وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ ﵀ بقوله:
حجية الظني رأي الاكثر … في حق ناظر وفي المناظر
وأشار ﵀ بقوله:
إن يبد وصفا زائدا معترض … وفى به دون البيان الغرض
وقطع ذي السبر إذا منحتم … والامر في إبطاله منبهم
معناه أن المعترض إذا أبدى وصفا زائدا غير ما ذكر المستدل، توجه الاعتراض بذلك، ولا يكلف بيان صلاحيته للتعليل، وعلى المستدل دفعه بإطال عليته، كأن يبين بقاء الحكم، مع عدم الوصف المذكور في بعض الصور.
ولا ينقطع المستدل بمجرد إبداء المعترض وصفا زائدا، فغاية إبدائه منع لمقدمة من الدليل، وهي قوله: حصرت الصالح، فلم أجد إلا كذا وكذا، والمستدل لا ينقطع بالمنع، ولكن يلزمه دفعه ليتم دليله.
وقول الشيخ ﵀ : وقطع ذي السبر البيت، معناه أن المستدل إذا عجز عن إبطال علية الوصف الذي أبداه المعترض، انقطع.
فالواو في قوله ﵀ : والامر في إبطاله منبهم، للحال.
أبطِلْ لما طردا يرى، ويبطل … غير مناسب له المنخزل
كذاك بالإلغا وإن قد ناسبا … وبتعدي وصفه الذي اجتبى
أشار ﵀ بهذا إلى طرق الإبطال بعد الحصر، فذكر منها بيان كون الوصف طرديا، أي: أنه من أفراد ما علم من الشرع بالاستقراء إلغاؤه، وعدم
стр. 395
تأثيره، مطلقا كالطول والقصر، والبياض والسواد، فإنها لم تعتبر في باب من الأبواب، أو في ذلك الحكم خاصة، كالأنوثة والذكورة في العتق، فلا أثر لهما فيه، لا في المعتق بالكسر، ولا في المعتق بالفتح، وإن اعتبرا في الشهادة، والولاية، والإرث.
ومنها بيان عدم مناسبة الوصف في تعليل الحكم، لانتفاء مثبت العلية من ظهور المناسبة، ويكفي أن يقول: بحثت فلم تظهر لي فيه مناسبة، واستشكل.
ومنها بيان كون الوصف ملغى - وإن كان مناسبا للحكم المذكور - بوجود الحكم في صورة متفق عليها، خالية من ذلك الوصف.
ومثاله: استقلال الطعم بالحكم الذي هو حرمة ربا الفضل، في ملء كف من القمح، دون الكيل وغيره، فإن ذلك لا يكال، وليس فيه اقتيات في الغالب، والشأن لا يعترض المثال.
ومنها كون ما سوى وصفه الذي استبقى قاصرا، ووصفه متعديا، لأن تعدية الحكم محله أكثر فائدة.
لكن هذا إنما يأتي في الترجيح، فإذا ادعى السائل أن المستبقى لا مناسبة فيه كالمحذوف، لم يكن للمستدل أن يبين مناسبته، لأن ذلك انتقال عن السبر إلى المناسبة، لكن له أن يرجح سبره بتعدي وصفه، كذا ذكر ابن الحاجب في المختصر، والسبكي في الجمع - رحمهما الله .
مسلك المناسبة
ثم المناسبة والإخاله … من المسالك بلا استحاله
ثم بتخريج المناط يشتهر … تخريجها، وبعضهم لا يعتبر
المسلك الخامس من مسالك العلة: مسلك المناسبة، ويعبر عنها بالإخالة، وبالمصلحة، وبالاستدلال، وبرعاية المقاصد.
ويسمى استخراجها تخريج المناط، لأنها إبداء مناط الحكم.
والمناط بفتح الميم: اسم مكان من النوط، وهو التعليق.
стр. 396
والمناسبة لغة: الملاءمة، سمي به لمناسبة الوصف لترتيب الحكم عليه.
والإخالة من خال إذا ظن، لأنه بالنظر إليه يخال أنه علة.
وأشار ﵀ بقوله: وبعضهم لا يعتبر، إلى أن من أهل العلم من أنكر مسلكية المناسبة كالظاهرية.
وهو أن يعين المجتهد … لعلة بذكر ما سيرد
من التناسب الذي معْه اتضح … تقارن، والامن مما قد قدح
معناه أن المناسبة هي: تعيين المجتهد العلة، بإبداء مناسبة الوصف للعلية في الحكم، مع الاقتران بينهما، والسلامة من القوادح.
وقد عقد الشيخ ﵀ بهذا قول التاج السبكي ﵀ في الجمع: الخامس المناسبة والإخالة، ويسمى استخراجها: تخريج المناط، وهو تعيين العلة بإبداء مناسبة، مع الاقتران، والسلامة عن القوادح، كالإسكار اهـ
وقد جعل شراحه قوله ﵏ أجمعين -: والسلامة من القوادح، قيدا، واستشكل، لأن شرط السلامة من القوادح، لا يختص بالمناسبة، وقال زكريا ﵀ : إنه لم يذكر ذلك في حد المسلك، بل في استخراجه.
وشرط الاقتران زاده التاج السبكي على ابن الحاجب - رحمهما الله ولفظ ابن الحاجب: وهو تعيين العلة، بمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص، ولا غيره، كالإسكار في التحريم، والقتل العمد العدوان في القصاص اهـ
والاقتران المراد به: تلازم الحكم والوصف، لا اقترانهما في النص ـ كما قاله جمع من شروح المراقي ـ ولا وجودهما في محل ـ كما قاله في الحلي ـ إذ لا معنى لاشتراط لذلك، إذ لا يتصور دون ذلك ـ في ما يظهر والله أعلم ـ.
والاقتران في النص هو الإيماء المتقدم.
وقد ذكر التاج ﵀ في رفع الحاجب، الاقتران في تعليل ربوية البر بالطعم، وقد علم أنه لا اقتران بين الحكم بالربا، ووصف الطعم في النص.
وقد فسر في رفع الحاجب الاقتران بما ذكر من تلازم الحكم والوصف في الوجود، في
стр. 397
الكلام على القدح بالنقض.
وواجب تحقيق الاستقلال … بنفي غيره من الأحوال
الظاهر أنه عقد بهذا قول التاج السبكي ﵀ في الجمع: ويتحقق الاستقلال، بعدم ما سواه بالسبر اهـ
وهو في بيان جواب المستدل، إذا اعترض عليه المعترض، بإبداء ما يكون جزء علة، أو علة أخرى، بناء على تعددها، كما بينه الشربيني ﵀ .
والحاصل أن المناسبة هي ما تقدم في كلام ابن الحاجب ﵀ : تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص ولا غيره اهـ
وقوله ﵀ : ولا غيره، شامل للسبر، وزاد في الجمع الاقتران، هذا ما يظهر والله أعلم.
ثم المناسب الذي تضمنا … ترتب الحكم عليه ما اعتنى
به الذي شرع من إبعاد … مفسدة، أو جلب ذي سداد
معناه أن الوصف المناسب هو الذي يتضمن ترتيب الحكم عليه، ما علم من الشارع الاعتناء به، من جلب المصالح، ودرء المفاسد.
والمصالح: المنافع، وما هو من ناحيتها.
والمفاسد: المضار، وما هو من ناحيتها، كحفظ العقل، في تعليل حرمة الخمر بالإسكار.
وينقسم المناسب باعتبارات:
اعتبار إفضائه إلى المقصود.
واعتبار نفس المقصود.
واعتبار نظر الشارع إليه.
وأشار الشيخ ﵀ إلى أولها بقوله:
ويحصل القصد بشرع الحكم … شكا وظنا وكذا بالجزم
وقد يكون النفي فيه أرجحا … كآيس لقصد نسل نكحا
стр. 398
معناه أن المقصود من شرع الحكم، قد يكون حصوله متيقنا، كالبيع، فالمقصود من شرعه الملك، وهو حاصل به يقينا.
وقد يكون مظنونا، كما في القصاص، فالمعنى الذي شرع له، وهو الانزجار عن جناية القتل مظنون الحصول.
وقد يكون مشكوكا، كما في الحدود، فالمقصود من شرعها، وهو الانزجار عن موجباتها، مساو في الحصول لعدمه.
وقد يكون مرجوحا، كنكاح الآيسة لتحصيل التناسل، فحصول النسل مرجوح.
بالطرفين في الأصح عللوا … فقصر مترف عليه ينقل
معناه أن التعليل بهذه الأقسام الأربعة جائز، اتفاقا في الثاني والثالث، وعلى الأصح في الأول والرابع، وهما المراد بالطرفين.
وقيل: لا يجوز التعليل بهما، لأن حصول المقصود منهما غير ظاهر، للمساواة في الأول، والمرجوحية في الرابع.
وقال الهندي ﵀ : يجوز إن كان في آحاد الصور الشاذة، وكان ذلك في أغلب الصور من الجنس مفضيا إلى المقصود، نقله عنه الزركشي ﵀ .
والظاهر - والله أعلم - أنه لا يقع إلا كذلك.
ومقتضى هذا أنه إذا حصل القطع بانتفاء المقصود، لم يصح التعليل به، وهو كذلك، خلافا للحنفية.
وقوله ﵀ : فقصر مترف عليه ينقل، كأن أصله قول التاج السبكي ﵀ في الجمع: والأصح جواز التعليل بالثالث والرابع، كجواز القصر للمترفه اهـ
وذكر الشهاب أن مقتضاه أن المقصود من شرع الترخص المشقة، وهو في الحقيقة انتفاؤها اهـ
ولا أستبعد أن يكون المقصود التشبيه بما سبق من الاختلاف في ثبوت الحكم، عند
стр. 399
عروض تحقق خلو المظنة من الحكمة، خاصة وأنهم يمثلون بهذا لما قطع فيه بانتفاء المعنى، والمذكور هنا الشك والمرجوحية، والله أعلم.
وأما قوله في الحلي: وإن قطع بنفي الحكمة، فقد تقدم عند قوله: وفي ثبوت الحكم عند الانتفا إلخ، فهو غير ملائم لما سبق له هناك، من التمثيل بمشقة السفر.
ثم أشار ﵀ إلى التقسيم بالاعتبار الثاني، فقال:
ثم المناسب عنيت الحكمه … منه ضروري، وجا تتمه
بينهما ما ينتمي للحاجي … وقدم القوي في الرواج
دين فنفس ثم عقل نسب … مال إلى ضرورة تنتسب
ورتبنْ ولتعطفنْ مساويا … عرضا على المال تكنْ موافيا
يعني أن المناسب الذي شرع الحكم لأجله، ينقسم إلى ضروري، وحاجي، ويسمى بالمصلحي، وتتميمي، ويسمى بالتحسيني، وهي في الآكدية على هذا الترتيب، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وقدم القوي في الرواج.
أما الضروري فهو المتضمن حفظ مقصود من المقاصد الستة التي اتفقت عليها ـ على ما قيل ـ الشرائع المقدسة (١) وهي الدين، الذي شرع لأجله قتال الكفار، وعليه نبه قوله جل من قائل: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) الآية الكريمة، وشرع له أيضا قتل المرتد والزنديق.
وحفظ النفس، الذي شرع لأجله القصاص، كما قال جل من قائل: (ولكم في القصاص حياة) الآية الكريمة.
وحفظ العقل، الذي شرع لأجله حد السكر، وعليه نبه قوله جل من قائل: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) الآية الكريمة.
وحفظ النسب، الذي شرع لأجله حد الزنى.
стр. 400
وحفظ المال، الذي شرع لأجله حد السرقة.
وحفظ العرض الذي شرع لأجله حد القذف.
وأشار الشيخ ﵀ بقوله: ورتبن، إلى أن هذه المذكورات مرتبة في الآكدية على الترتيب المذكور في النظم.
فحفظ الأديان، مقدم على حفظ النفوس، ولذلك شرع الجهاد المتضمن لتعريض النفوس، من أجل حفظ الدين.
وحفظ النفوس مقدم على حفظ العقول، ولذلك جازت الخمر لتخليص النفس في إساغة الغصة.
وحفظ العقول مقدم على حفظ الأموال، والأعراض، إذ بها صلاحهما.
وأما المال والعرض، فلا ترتيب بينهما، وإليه أشار ﵀ بقوله: ولتعطفن مساويا إلخ.
فحفظها حتم على الإنسان … في كل شرعة من الأديان
معناه أن حفظ هذه المقاصد واجب على المكلف في سائر الملل والديانات.
ألحق به ما كان ذا تكميل … كالحد في ما يسكر القليل
معناه أنه يلحق بكل واحد من هذه المذكورات، ما كان مكملا له، كتحريم البدعة، والمبالغة في عقوبة المبتدع، وكتحريم شرب قليل المسكر، ووجوب الحد فيه، وكتحريم الخلوة بالأجنبية، والنظرإليها، واللمس، وترتيب التعزير على ذلك.
وهو حلال في شرائع الرسل … غير الذي نسخ شرعُه السبل
معناه أن شرب القليل الذي لا يسكر مما هو مسكر، كان مباحا في الشرائع المقدسة، السابقة على شرعنا المقدس، وأما القدر المسكر فحرام في جميع الشرائع كذا قال القرافي ﵀ في شرح التنقيح، والله أعلم.
أباحها في أول الإسلام … براءة ليست من الأحكام
معناه أن عدم حرمة الشرب في صدر الإسلام، لم يكن عن إباحة شرعية، وإنما كان إباحة عقلية، واستبعده جماعة، والذي يقتضيه التدرج في التحريم أن تحريمها كان نسخا، والله
стр. 401
سبحانه وتعالى أعلم.
والبيع فالإجارة الحاجي … خيار بيع لاحق جلي
معناه أن الحاجي هو ما تعظم الحاجة إليه، مما لا يبلغ حد الضرورة، ومثل له بعضهم كالتاج السبكي ﵀ في الجمع بالبيع.
ويلحق به مكمله، كالخيار لدفع الغبن في البيع، ومثلوا له أيضا بالإجارة، فهي مبنية على مسيس الحاجة إلى الانتفاع بما هو مملوك للغير، مع القصور عن تملكه، وحاجة المالك إلى أن يأخذ عنه عوضا.
وفي معنى الإجارة المساقاة، والقراض.
وجعل إمام الحرمين ﵀ في البرهان البيع من قبيل الضروري.
وقال: فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم، لجر ذلك ضرورة ظاهرة، فمستند البيع إذا آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة اهـ
وحكى في النشر خلافا في النكاح، هل هو من الضروري، أو الحاجي، والأوجه أنه من الضروري، إذ لا بقاء لنوع الإنسان إلا به، ولا غنى لأغلب الناس عنه.
هذا وقد يكون الحاجي بحسب الأصل، ضروريا في بعض الصور، كالإجارة لحفظ الطفل.
وقول الشيخ ﵀ : فالإجارة، عطَفه بالفاء، ليدل على أنه دون البيع، على أنه حاجي، وليدل على أن الحاجي متفاوت أيضا، كتفاوت الضروري.
وما يتمم لدى الحذاق … حثٌّ على مكارم الأخلاق
منه موافق أصول المذهب … كسلب الاعبد شريفَ المنصب
وحرمة القذر والإنفاق … على الأقارب ذوي الإملاق
وما يعارض كتابة سلم … ونحوه، وأكل ما صيد يؤم
التتميمي عرفه إمام الحرمين ﵀ في البرهان بقوله: ما لا يتعلق بضرورة حاقة، ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض، في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها اهـ
стр. 402
وينقسم إلى موافق لمقتضى القياس والقواعد العامة، ومخالف لها على وجه الاستثناء والترخيص.
ومثلوا لأولهما، بسلب العبد أهلية الشهادة، لأنها منصب شريف، والعبد نازل القدر، والجمع بينهما غير ملائم.
واستشكل ابن دقيق العيد ﵀ هذا المثال، بأن الحكم بالحق بعد ظهور الشاهد، واتصاله إلى مستحقه، ودفع اليد الظالمة عنه، من مراتب الضرورة، واعتبار نقصان العبد في الرتبة والمنصب، من مراتب التحسين، وترك مرتبة الضرورة، رعاية لمرتبة التحسين، بعيد جدا، نعم لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته، ويعلل هذا التعليل لكان له وجه، نقله عنه في البحر.
ومثلوا له أيضا بتحريم بيع النجاسات، لاستلزامه ماليتها وتقومها، مما يستدعي حفظها، والعناية بها، ومسها، وغير ذلك مما هو ظاهر في تنكب المناهج الحميدة، والسير الحسنة.
ومثلوا له أيضا بالنفقة على الأقارب الفقراء، فهو مواساة تتأكد رعايتها في مكارم الأخلاق.
ومثلوا للثاني بالكتابة، قال في الإبهاج: فإنها من حيث كونها مكرمة في العوائد مستحسنة، احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة، وهي امتناع معاملة السيد عبده، وامتناع مقابلة الملك بالملك، على سبيل المعاوضة اهـ
ومنها السلم، فإن الأصل أن لا يبيع الإنسان إلا ما هو في ملكه.
ومنها إباحة أكل الصيد الذي قتله الجارح، لعدم تسهيل الموت، وبقاء الفضلات. وفائدة مراعاة هذا الترتيب، أنه إذا تعارض مصلحتان، وجب إعمال الضرورة المهمة، وإلغاء التتمة، قاله في البحر.
ثم أشار ﵀ إلى التقسيم الثالث، فقال:
من المناسب مؤثر ذكر … بالنص والإجماع نوعه اعتبر
في النوع للحكم، وإن لم يعتبر … بذين، بل ترتب الحكم ظهر
على وفاقه، فذا الملائم … أقواه ما ذَكَر قبلُ القاسم
стр. 403
من اعتبار النوع في الجنس ومن … عكس، ومن جنس بآخر زكن
والمعنى أن المناسب باعتبار مراعاة الشرع له، ينقسم إلى مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل.
وذلك أنه إما أن يعلم من الشرع اعتباره، أو يعلم منه عدم اعتباره، أو لا يعلم منه اعتباره، ولا عدم اعتباره.
وإذا علم منه اعتباره، فإما أن تعلم منه بالنص أو الإجماع علية نوع الوصف في نوع الحكم، أو لا.
فالأول يسمى مؤثرا، وهو المشار إليه بقوله ﵀ :
من المناسب مؤثر ذُكِر … بالنص والإجماع نوعه اعتبر
في النوع للحكم ..... ...........................
والثاني إن علم من الشرع اعتباره بإيراد الحكم على وفقه فقط، من غير تعرض لكونه علة، ولو باعتبار جنسه في جنسه، فهو الملائم، وهو المشار إليه بقوله ﵀ :
وإن لم يعتبر … بذين بل ترتب الحكم ظهر
على وفاقه فذا الملائم ...........................
مثال المؤثر الذي علمت فيه علية الوصف بالنص: تحريم المسكر، فقد جاء في بعض الأحاديث الإيماء إلى تعليلها بالإسكار، بترتيب التحريم عليه.
ومثال الذي علمت فيه علية المناسب بالإجماع: الولاية على الصغير.
ومثال الملائم الذي اعتبر فيه نوع الوصف في جنس الحكم، بإيراد الحكم على وفقه: تعليل الولاية على الصغيرة في النكاح بالصغر، فقد دل الشرع على علية عين الوصف ـ الذي هو الصغر ـ في جنس الحكم الذي هو الولاية، للإجماع على عليته لولاية المال.
ومثال اعتبار جنس الوصف في نوع الحكم: تعليل جواز الجمع في الحضر ليلة المطر، بالحرج، فقد اعتبر جنس الوصف الذي هو الحرج، في نوع الحكم الذي هو الجمع، حيث جاز الجمع في السفر للحرج.
стр. 404
ومثال اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم: تعليل حد الشرب في إلحاقه بحد القذف، بأنه مظنة القذف، فقد اعتبر جنس الوصف الذي هو مطلق القذف، حيث اعتبر في الصاحي، في جنس الحكم الذي هو الحد.
ومنهم من جعل اسم الملائم خاصا بهذا النوع، وهو ما اعتبر فيه جنس الوصف في جنس الحكم، وسمى ما سواه مؤثرا، كالآمدي ﵀ .
وقد اختلفت عبارات الأئمة هنا كما قال التاج السبكي ﵀ في الإبهاج (١).
وما ذكر من تقسيم المناسب إلى مؤثر بالمعنى المذكور، تبع فيه الشيخ ﵀ التاج في الجمع، وابن الحاجب في المختصر، والغزالي في المستصفى وغيرهم ﵏ أجمعين ـ.
وقسمه جماعة إلى مؤثر بمعنى ما اعتبر الشرع الكريم نوع الوصف فيه في نوع الحكم، بمجرد إيراد الحكم على وفقه، دون نص على عليته له، أو إجماع على ذلك.
وتفسيره بالمعنى الأول إنما يتجه في تقسيم المناسب الآتي من المناسبة من حيث هي، ولا نظر في مسلكيته للمناسبة، لا المناسب الآتي من المناسبة التي هي مسلك غير النص والإجماع، ولذلك فسره جماعة هنا بالمعنى الأخير، كالتاج السبكي في شرح المنهاج، والزركشي في البحر - رحمهما الله وغيرهما، والمؤثر يستعمل عند الأصوليين في كل من المعنيين، كما نص عليه السيف الآمدي ﵀ في الإحكام، (٢) والتاج في الإبهاج (٣) إلا أنه لا يختص بالمناسب كما بينه ﵀ .
стр. 405
وأشار الشيخ ﵀ – بقوله: أقواه ما ذكر قبل القاسم، إلى أن الملائم مرتب على الترتيب المذكور في البيت بعد، فاعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، مقدم على اعتبار جنس الوصف، في نوع الحكم أو جنسه، واعتبار جنس الوصف في نوع الحكم، مقدم على اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، والمراد بالقاسم، الذي يَعُد أقسام الملائم، والله أعلم.
أخص حكم مثل منع الخمر … أو الوجوب لمضاهي العصر
فمطلق الحكمين بعده الطلب … وهو بالتخيير في الوضع اصطحب
فكونه حكما، كما في الوصف … مناسب خصصه ذو العرف
مصلحة وضدها بعدُ فما … كون محلها من الذْ عُلما
تكلم بعض أئمة الأصول على أجناس الحكم، وأجناس الوصف، كالتاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب، والمناسبة ما تقدم من أن اعتبار الوصف في الحكم، قد يكون باعتبار جنس الوصف، في جنس الحكم، وبغير ذلك.
والمعنى أن الحكم أجناس، أخصها أي: أقربها نحو حرمة الخمر، ووجوب العصر، من كل ما عُيِّن فيه الحكم، وعُيِّن متعلقه.
وفوق ذلك نحو الحرمة والوجوب، مما عيِّن فيه الحكم، من غير تعلق.
وفوق ذلك نحو الطلب، لأن الطلب أعم من الأمر والنهي، وفي رتبته التخيير، لتقابله معه، وإلى ذلك أشار ﵀ بقوله: وهو بالتخيير في الوضع اصطحب.
وفوق ذلك كونه حكما، لأنه أعم من الطلب والتخيير.
وكذلك الحال في الوصف أيضا، فهو أجناس.
وأبعدها كونه وصفا تناط به الأحكام.
ويلي ذلك كون الوصف مناسبا، فهو أخص من مطلق الوصف.
يلي ذلك كونه مصلحة، أو كونه مفسدة، فهو أخص من مطلق كونه مناسبا.
ويلي ذلك كونه ضروريا، أو حاجيا، أو تتميميا، فهو أخص مما قبله.
стр. 406
وقول الشيخ ﵀ : كما في الوصف، هو تشبيه على الأبعدية في قوله: فكونه حكما، والمعنى أن كونه وصفا هو أبعد أجناس الوصف، كما أن كونه حكما هو أبعد أجناس الحكم.
وقوله ﵀ : مناسب خصصه ذو العرف، معناه أن الأصولي، وهو المراد بذي العرف، أي: الاصطلاح، جَعَل كونه مناسبا، أخص من كونه وصفا.
فقدم الأخص ............ .........................
أشار به إلى أن فائدة ذكر هذه الأجناس المذكورة: تقديم الأخص - حكما كان أو وصفا - عند التعارض، وعلى ذلك يُبنى الترتيب المتقدم في قوله ﵀ : أقواه ما ذكر قبل القاسم.
ووجه تقديم اعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، على اعتبار جنس الوصف في نوع الحكم، أن التعيين آكد في الوصف منه في الحكم.
وعلى ذلك ترتيب العصبة في الإرث، والولايات، ولأجله قدمت الصلاة في الحرير، على الصلاة بالمتنجس، لأن حرمة النجس خاصة بالصلاة، بخلاف حرمة الحرير.
ولذلك أيضا يُقدِّم المحرمُ المضطرُّ، الميتةَ على الصيد، لأن حرمة الصيد خاصة بالإحرام، نقله في النشر عن القرافي - رحمهما الله .
والغريب … ألغى اعتباره العلي الرقيب
تقدم أن المناسب لا يخلو من أن يدل الشرع على اعتباره، وهو ما تقدم، أو على عدم اعتباره، أو لا يدل على اعتباره، ولا على عدم اعتباره، والثاني هو المراد هنا، والثالث هو المرسل الآتي بعدُ - إن شاء الله .
والمعنى أن المناسب الذي علم من الشرع عدم اعتباره، يسمى بالغريب، لبعده عن الاعتبار، قال المحلي ﵀ : كما في مواقعة الملك، فإن حاله يناسب التكفير ابتداء بالصوم ليرتدع، دون الإعتاق، إذ يسهل عليه بذل المال في شهوة الفرج، وقد أفتى يحيى بن يحيى المغربي ﵀ ملكا جامع في نهار رمضان، بصوم شهرين متتابعين، نظرا إلى ذلك، لكن الشارع ألغاه، بإيجابه الإعتاق ابتداء، من غير تفرقة
стр. 407
بين ملك وغيره اهـ
وقال ابن عرفة ﵀ في مختصره الفروعي: وبادر يحيى بن يحيى الأمير عبد الرحمن ـ رحمهما الله حين سأل الفقهاء عن وطء جارية له في رمضان، بكفارته بصومه، فسكت حاضروه، ثم سألوه: لم لا تخيره في أحد الثلاثة؟
فقال: لو خيرته وطئ كل يوم، وأعتق.
فلم ينكروا.
عياض ﵀ : وحكاه فخر الدين ﵀ عن بعضهم، وتعقبه بأنه مما ظهر من الشرع إلغاؤه، واتفق العلماء على إبطاله.
قال ابن عرفة ﵏ أجمعين -: وتأول بعضهم أن المفتي بذلك رأى الأمير فقيرا، ما بيده إنما هو للمسلمين.
قال: ولا يرد هذا، بتعليل المفتي بما ذكر، لأنه لا ينافيه، والتصريح به موحش اهـ
ومنهم من فسر الغريب بغير ما ذكر.
والغريب بالمعنى المذكور، هو مدرك أهل البدع غالبا في بدعهم، كما نص عليه بعض أئمة المذهب، وقد كنت قلت:
وغالبا مستمسك المبتدع … ما في الأصول بالغريب قد دعي
والله أعلم.
والوصف حيث الاعتبار يجهل … فهو الاستصلاح قل والمرسل
نقبله لعمل الصحابه … كالنقط للمصحف والكتابه
تولية الصديق للفاروق … وهدم جار مسجد للضيق
وعمل السكة، تجديد الندا … والسجن تدوين الدواوين بدا
أشار بهذا إلى المرسل، وهو الوصف المناسب الذي لم يدل دليل خاص على اعتباره، ولا على عدم اعتباره، وهو حجة عندنا يلزم المصير إليها حيث لا معارض.
وقيل: لا يجوز التعليل به مطلقا، ونسب للأكثرين.
وقال القرافي ﵀ : إن الأخذ به حاصل في جميع المذاهب،
стр. 408
لأنهم إذا جمعوا أو فرقوا بين مسألتين، لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى، الذي جمعوا به أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذه هي المصلحة المرسلة اهـ
ومذهب الإمام مالك ﵀ على أصلية هذا المعنى فيه، والشهرة بالتوسع فيه، هو أعظم المذاهب صدودا عنه في العبادات، وأشدهم تعلقا بالنص، فالتحقيق كما قال ابن عاشور ﵀ اختصاص النظر إلى هذا الأصل في مذهبه بما سوى العبادات، فهو مقتضى تفاريع المذهب، كما قال الإبياري ﵀ .
وأشار الشيخ ﵀ بقوله: نقبله لعمل الصحابه، إلى أن وجه اعتباره عندنا، ما هو معلوم بالقطع من عمل الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - من التمسك بالمصلحة عند عدم النص، من غير توقف على شاهد خاص.
وأشار الشيخ ﵀ ببقية الأبيات إلى أمثلة من التعلق بالمناسب المرسل، في عهد السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - رضي الله عنهم أجمعين -.
فذكر من ذلك ما ألحقه التابعون - رضي الله عنهم أجمعين – بالمصحف الشريف، من النقط والشكل.
ومنه أصل كتابة المصحف الذي فعله سيدنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ومن بعده سيدنا عثمان - رضي الله عنه - وحرق ما سوى مصحفه.
ومنها تولية سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لسيدنا عمر - رضي الله عنه -.
ومنها توسيع المساجد إذا ضاقت بما جاورها من الدور ونحوها، كما فعل عمر وعثمان - رضي الله عنهما -.
ومنها ضرب سكة يتعامل بها، ذكر في النشر أنها من عمل عمر - رضي الله عنه - والمشهور أنها من عمل عبد الملك بن مروان.
стр. 409
ومنها الأذان الأول للجمعة، عمله عثمان - رضي الله عنه - لما اتسعت المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومنها اتخاذ السجون، فقد جاء أن عمر - رضي الله عنه - اشترى دارا وجعلها سجنا.
ومنها اتخاذ الدواوين، فقد عمله سيدنا عمر - رضي الله سبحانه عنه -.
أخرم مناسبا بمفسد لزم … للحكم وهو غير مرجوح علم
معناه أن المناسبة تبطل بمفسدة لازمة، أرجح من مصلحة المناسب، أو مساوية لها، إذ لا مصلحة مع المفسدة المساوية، فضلا عن الراجحة، خلافا للإمام الرازي ﵀ حيث قال بعدم بطلان المناسبة، مع موافقته على عدم الأخذ بهذا المناسب، لكن عدم الأخذ به عنده للمانع، لا لانتفاء العلة.
قال في النشر: ومن فروع هذه المسألة: فك الأسارى من أيدي الكفار بالسلاح ونحوه.
ثم قال ﵀ : مما يجب أن ينتبه له في هذه المسألة، النظر في مآلات الأمور، فلا يحكم المجتهد عل فعل من أفعال المكلفين، بالإقدام عليه أو الإحجام، إلا بعد نظره في ما يؤول إليه، فربما ظهر في فعل أنه مشروع لمصلحة تستجلب، أو منهي عنه لمفسدة تنشأ عنه، لكن مآله على خلاف ذلك، وقال ابن العربي ﵀ : إن العلماء متفقون على ذلك اهـ
مسلك الشبه
لفظ الشبه يستعمل في المسلك، وهو اسم مصدر، من أشبه، ولا بد له من وصفين يكون بينهما التشابه.
ويستعمل في الوصف، وهو وصف بمعنى المشبه، وهو أحد الوصفين المذكورين.
وأشار ﵀ إلى تعريف الثاني، فقال:
والشبه المستلزم المناسبا … مثل الوضو يستلزم التقربا
مع اعتبار جنسه القريب … في مثله للحكم لا الغريب
стр. 410
الظاهر أنه عقد ﵀ بهذا قول القرافي ﵀ في التنقيح: الشبه قال القاضي أبو بكر ﵀ : هو الوصف الذي لا يناسب لذاته، ويستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب، في جنس الحكم القريب اهـ
ونسب البيضاوي في المنهاج للقاضي - رحمهما الله تعريفه بكونه مناسبا بالتبع، من دون زيادة شهادة الشرع لتأثير جنسه القريب، في جنس الحكم القريب.
وذكر ذلك تعريفا آخر ولم يعزه.
وقال التاج السبكي ﵀ : والذي رأيته في مختصر التقريب والإرشاد من كلامه، أن قياس الشبه: إلحاق فرع بأصل، لكثرة أشباهه للأصل في الأوصاف، من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه الفرع فيها الأصل، علة حكم الأصل اهـ
وبهذا عرفه ابن السمعاني ﵀ .
وقد ذكر التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب أنه منزلة بين المناسبة والطرد، قال: وهذا ما لا خلاف فيه، وإن تكاثر التشاجر في تعريف هذه المنزلة، ومع هذا لم أجد لأحد تعريفا صحيحا، وقد اعترف إمام الحرمين ﵀ بأنه لم تتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود.
وما أحسن قول ابن السمعاني ﵀ : قياس المعنى تحقيق، والشبه تقريب، والطرد تحكم اهـ
ونقل الزركشي في البحر، عن الإبياري - رحمهما الله أنه قال: لست أرى في مسائل الأصول، مسألة أغمض من هذه اهـ
ومثال التعليل بمستلزم المناسب: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية، بجامع أن كلا طهارة، فالطهارة لا مناسبة بينها وبين وجوب النية بالذات، لكنها تستلزم وصفا يناسب، وهو كونها عبادة، وإلى ذلك أشار الشيخ ﵀ بقوله: مثل الوضو يستلزم التقربا.
стр. 411
وقوله: الوضوء، سهو، كما نبه عليه في نثر الورود.
واستشكل تعريف الشبه بهذا، بأنه إما أن يراد أن التعليل باللازم، وحينئذ فالتعليل بالمناسب، أو يراد أن المعلل به الملزوم، وقد علم الإجماع على أن الشبه لا يصار إليه مع إمكان قياس العلة.
ومثل التاج السبكي ﵀ في الإبهاج لاعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، بإيجاب المهر بالخلوة، فالخلوة لا تناسب وجوب المهر، لأن وجوبه في مقابلة الوطء، إلا أن جنس هذا الوصف - وهو كون الخلوة مظنة للوطء - معتبر في جنس الوجوب، وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية.
صلاحه لم يدر دون الشرع … ولم ينط مناسب بالسمع
معناه أن الشبه يخالف المناسب في أن صلاحيته، لا تدرك بالعقل وحده، بخلاف المناسب، فاشتراط النية في الوضوء، إنما علم من ورود الشرع بوجوبها في التيمم، بخلاف مناسبة السكر لتحريم الخمر، فإن العقل يدركها ابتداء.
وحيث ما أمكن قيس العلة … فتركَه بالاتفاق أثبت
معناه أن قياس الشبه لا يصار إليه إجماعا، مع إمكان قياس العلة، قال في النشر: والمراد بقياس العلة هنا: ما قابل قياس الشبه، وإنما اختلف في الأخذ به عند تعذر قياس العلة، كما أشار إليه بقوله ﵀ :
إلا ففي قبوله تردد … غلبة الأشباه هو الأجود
في الحكم والصفة، ثم الحكم … فصفة فقط لدى ذي العلم
والمعنى أنه اختلف في حجية قياس الشبه إذا تعذر ما سواه، فنسب للإمام الشافعي ﵀ الأخذ به، وذكر في رفع الحاجب أن الذي يدل عليه نصه الأخذ به في قياس غلبة الأشباه خاصة.
ونقل الشيخ أبو حامد الغزالي عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك ﵏ أجمعين - أنهما قالا بالشبه بطريق تمسكهما به، ونسب بعضهم الأخذ به للأكثرين.
стр. 412
وقيل: ليس بحجة، ونسب للقاضي أبي بكر، وأبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي الطيب، والشيرازي، وأبي إسحاق المروزي، وأكثر الحنفية، لكنه مرجح عند القاضي أبي بكر، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق ﵏ أجمعين ـ.
وقيل: يعتبر في الأشباه الراجعة إلى الصورة.
وقيل: يعتبر في ما يغلب على الظن أنه مناط الحكم، بأن يظن أنه مستلزم لعلة الحكم، سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى، وإليه ذهب الفخر الرازي ﵀ .
وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: إلا ففي قبوله تردد.
قال التاج السبكي ﵀ : ولقد أكثر الأصحاب في الاحتجاج لقياس الشبه، وأصح ما ذكروه مسلكان:
أحدهما: أن قياس المعنى، إنما صير إليه، لإفادته الظن، فكل ما أثار ظنا يلحق به، وقياس الشبه يفيد الظن، وقضوا على من أنكر ذلك بالعناد.
واعترض ابن الأنباري أولا: بأنه قياس في الاصول، فلا يسمع.
وثانيا: بمنع إثارة الظن، ودعوى العناد لا تنهض حجة.
والثاني - يعني المسلك الثاني -: أنه لا تخلو واقعة عن حكم، وكثير من أصول الشرع لا تخلو عن المعاني، خصوصا في العبادات وهيئاتها، والسياسات ومقاديرها، وشرائط المناكحات والمعاملات اهـ باختصار
وزاد الزركشي ﵀ في البحر مسلكا ثالثا، وهو أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نبه عليه في قوله: " لعل عرقا نزعه " ووجهه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شبه حال هذا السائل في نزع العرق من أصوله، بنزع العرق من أصول الفحل اهـ
وقوله: غلبة الأشباه هو الأجود، في الحكم والصورة، معناه أن أقوى أنواع قياس الشبه على القول به، قياس غلبة الأشباه، وهو أن يجتذب الفرع أصلان، فيلحق بأكثرهما شبها به في الحكم والصورة.
стр. 413
وذلك كإلحاق الوضوء بالتيمم في وجوب النية، الغالب شبهه به حكما وصفة، على شبهه بطهارة الخبث، أما في الحكم فلوجوبهما بإجماع، مع الذكر والنسيان، واتحاد أسبابهما، وأما في الصفة فلتعلق كل منهما بأعضاء مخصوصة.
فإن غلب شبهه بأحدهما في الحكم فقط، وغلب شبهه بالآخر بالوصف فقط، كتكرار مسح الرأس، فهو أشبه بمسح الخف من حيث الصفة، وبغسل الوجه من حيث الحكم، لأن كلا منهما عزيمة، يجب فيه الاستيعاب التام، بخلاف الخف فإنه ينهى عن تتبع غضونه، فقيل: تقدم غلبة الشبه في الحكم.
وإليه أشار الشيخ ﵀ بقوله: ثم الحكم فصفة.
قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: ومنهم من يسوي بينهما.
وابن علية يرى للصوري … كالقيس للخيل على الحمير
الصوري: نسبة إلى الصورة، والمعنى أن قياس غلبة الأشباه يليه القياس الصوري، وقد قال به إسماعيل بن علية ﵀ .
وقد تقدم مذهب الإمام الرازي ﵀ بنحوه، حيث جعل المدار على ظن العلية بلا فرق بين الصورة والحكم.
قال في النشر: والصوري: ما كان الشبه فيه بالخلقة - بالكسر - كقياس الخيل على البغال والحمير، في عدم وجوب الزكاة، وفي حرمة الأكل، للشبة الصوري بينهما اهـ
وقد اعتبر الشرع الصورة في جزاء الصيد، وفي قضاء القرض.
السابع الدوران الوجودي والعدمي
ويسمى بالدوران فقط، ويعبر عنه الاقدمون بالجريان، وبالطرد والعكس.
قال في البحر: ومن أمثلته قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث ابن اللُّتْبية حين استعمله وقال: " ما بالنا نستعمل أقواما، فيجيء أحدهم، فيقول: هذا لكم، وهذا لي
стр. 414
؟ ألا جلس في بيت أبيه وأمه، حتى تأتيه هديته إن كان صادقا " (١) وهو عبارة عن تلازم الحكم مع الوصف وجودا وعدما، بأن يثبت كل ما ثبت الوصف، وينتفي كل ما انتفى، كالتحريم مع السكر في العصير، فإنه لما لم يكن مسكرا، لم يكن حراما، فلما أسكر حرم، فلما تخلل جاز، فاقتضى ذلك أن السكر هو علة تحريمه، للمساوقة، وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله:
أن يوجد الحكم لدى وجود … وصف وينتفي لدى الفقود
وأما ما ذكره من اشتراط ظهور المناسبة، أو احتمالها، في قوله:
والوصف ذو تناسب أو احتمل … له وإلا فعن القصد اعتزل
فلم أقف عليه، وظواهرهم كالصريحة في نفيه، وما سيذكر في توجيه اشتراط عدم المناسبة الأصلية والتبعية في الطرد، جار هنا بلا فرق.
نعم ذكر التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب قولا باشتراط المناسبة في قياس العلل مطلقا، والله أعلم.
وهو عند الاكثرين سند .......................
معناه أن الدوران حجة عند الأكثرين من مذهبنا وغيره، لإفادته الظن، بشرط عدم المزاحم.
وقال إمام الحرمين ﵀ : ذهب كل من يعزى إلى الجدل، إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل، وذهب قوم إلى أنه يفيد القطع، وربما قال بعضهم: لا دليل أقوى منه، وهو منسوب لبعض المعتزلة.
قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: وأنا أقول: لعل من ادعى القطع فيه، ممن يشترط ظهور المناسبة في قياس العلل مطلقا، ولا يكتفي بالسبر ولا الدوران بمجرده، وعلى ذلك جمهور أصحابنا، فإذا انضم الدوران إلى المناسبة رقى بهذه الزيادة إلى اليقين، وإلا فأي وجه لتخيل القطع في مجرد الدوران؟ اهـ
وذهب قوم إلى أنه لا يفيد لا قطعا ولا ظنا، وهو اختيار الأستاذ أبي منصور، وابن
стр. 415
السمعاني، والغزالي، والشيخ أبي إسحاق، والسيف الآمدي، وابن الحاجب ﵏ أجمعين - لوجوده مع عدم العلية، كما في المتضايفين.
في صورة أو صورتين يوجد
معناه أن الدوران نوعان:
دوران في صورة واحدة، وهو ما تقدم.
ودوران في صورتين، بأن يكون محل الثبوت غير محل النفي.
قال القرافي ﵀ في شرح التنقيح: مثاله: أن يدعى وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، فنقول: الموجب لوجوب الزكاة في النقدين، كونهما أحد الحجرين، لأن وجوب الزكاة دار مع كونه أحد الحجرين وجودا وعدما.
أما وجودا ففي المسكوك، هو أحد الحجرين، والزكاة واجبة فيه.
وأما عدما، فالعقار ليس أحد الحجرين، ولا تجب الزكاة فيه اهـ
ولم يظهر لي فرق بين هذا وبين الطرد الآتي، فعدم التلازم في الانتفاء فيه، إنما هو بسبب قصر النظر على المحل الواحد، والله أعلم.
أصل كبير في أمور الآخره … والنافعات عاجلا والضائره
الظاهر والله أعلم أنه عقد بهذا قول القرافي ﵀ في شرح التنقيح:
حجة أن الدوران دليل العلية: أن اقتران الوجود بالوجود، والعدم بالعدم، يغلب على الظن أن المدار علة الدائر، بل قد يحصل القطع بذلك، لأن من ناديناه باسم فغضب، ثم سكتنا عنه، فزال غضبه، ثم ناديناه به فغضب كذلك، مرارا كثيرة، حصل الظن الغالب بأن علة غضبه، إنما هي ذلك الاسم الذي ناديناه به.
ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والقابضة، وجميع ما يعطونه من المبردات وغيرها، بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير، وعدمها عند عدمها، فالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والاخرة اهـ
стр. 416
الدوران الوجودي، وهو الطرد
وجود حكم حيث ما الوصف وجد … والاقتران في انتفا الوصف انحظل
ولم يكن تناسب بالذات … وتبع فيه لدى الثقات
المعنى أن الدوران هو التلازم في الوجود فقط، بأن يوجد الحكم كلما وجد الوصف، من غير أن ينتفي كلما انتفى، كقولك: من صح طلاقه صح ظهاره.
وذلك هو قوله ﵀ : والاقتران في انتفا الوصف انحظل، مع عدم المناسبة لا بالذات، ولا بالتبع، لأنه إن ناسب بذاته كان قياس علة، وإن ناسب بالتبع كان شبها، ولم يذكروا هذا في حده لظهوره.
ورده النقل عن الصحابه … ومن رأى بالأصل قد أجابه
معناه أن الطرد المذكور مردود، لأن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - إنما نقل عنهم العمل بالمناسب، ورعاية المصالح.
وقوله ﵀ : ومن رأى بالاصل قد أجابه، معناه أن من رأى مسلكية الطرد، أجاب بأن الأصل في مقارنة للوصف للحكم، عليته له، وذلك يوجب ظن عليته، والعمل بالظن واجب.
وجماهير أهل العلم على بطلانه.
أما القائلون بعدم حجية الدوران، فالطرد أولى بعدم الحجية على رأيهم.
وإنما اختلف فيه القائلون بحجية الدوان.
قال في البحر: والمعتبرون من النظار على أن التمسك به باطل، لأنه من باب الهذيان اهـ
ونقل عن أبي زيد ﵀ أنه سمى الذين يجعلون الطرد حجة، والاطراد دليلا على صحة العلية، حشوية أهل القياس، قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء، قال: وذكر القاضي أبو الطيب ﵀ أن الاطراد زيادة دعوى على دعوى، والدعوى لا تثبت بزيادة دعوى.
стр. 417
ونقل عن الغزالي ﵀ أن الطرد قد قال به كافة العلماء كالإمام مالك، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، وأن أبا زيد وإمام الحرمين من جملة القائلين به ﵏ أجمعين ـ إلا أن الإمام يعبر عن الطرد الذي لا يناسب بالشبه.
ويقول: الطرد باطل، والشبه صحيح.
وأبو زيد يعبر عن الطرد بالمخيل، وعن الشبه بالمؤثر.
ويقول: المخيل باطل، والمؤثر صحيح اهـ
وأطال في بيان ذلك.
الدوران العدمي وهو العكس
والعكس وهو الدوران العدمي … ليس بمسلك لتلك فاعلم
أن ينتفي الحكم متى الوصف انتفى … وما لدى الوجود إِثرَه اقتفي
معناه أن الدوران العدمي، وهو عكس الدوران الوجودي، فهو التلازم في الانتفاء فقط، بحيث ينتفي الحكم كلما انتفى الوصف، من غير أن يوجد كل ما وجد، ليس من مسالك العلة.
تنقيح المناط
التنقيح لغة: التصفية والتهذيب، والتخليص، يقال: نقحت العظم، إذا استخرجت مخه، وكلام منقح أي: لا حشو فيه.
والمناط ـ بفتح الميم ـ: اسم مكان من النوط، وهو التعليق، ومن ذلك قول الشاعر:
بلاد بها نيطت علي تمائمي … وأول أرض مس جلدي ترابها
قال ابن دقيق العيد ﵀ : وتعبيرهم بالمناط عن العلة، من باب المجاز اللغوي، لأن الحكم لما علق بها، كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره، فهو مجاز من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الإطلاق غيره اهـ
стр. 418
وذلك لأن العلة هي موضع تعلق الحكم بالمحل، فموضع تعلق الحرمة في الخمر ـ مثلا ـ وصف الإسكار، فهو مناط الحكم، أي: مثاره ومنبعه.
وهو أن يجي على التعليل … بالوصف ظاهر من التنزيل
أو الحديث، فالخصوص يطرد … عن اعتبار الشارع المجتهد
معناه أن تنقيح المناط هو: بيان المجتهد أن علة الحكم، أعم من الوصف الذي يوهم ظاهر النص أنه العلة.
قال الإبياري ﵀ : هو خارج عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر اهـ
مثاله في القرآن الكريم: قوله جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) الآية الكريمة، ألغوا خصوص الإناث، وأناطوا بالإحصان.
ومثاله في الحديث الشريف: النهي عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، فيقول المجتهد: العلة الشاغلية، ولا خصوصية للأخبثين بالحكم.
ويستدل على ذلك، بطردية الفارق بين المنطوق به، والمسكوت عنه، وببيان أن الأوصاف المتعددة المذكورة في النص، طردية إلا واحدا منها مثلا.
وإلى الأول أشار ﵀ بقوله:
فمنه ما كان بإلغا الفارق … وما بغير من دليل رائق
بأن يقال: لا فرق بين الموضع كذا، وبين موضع النص، إلا كذا، وهذا أمر لا أثر له في الحكم، فيجب استواؤهما، في الحكم، لاستوائهما في السبب.
كأن يقال في قوله جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات) الآية الكريمة، لا فرق بين المحصن والمحصنة، إلا الأنوثة، وليس لها مدخل في العلية، فيجب أن يساويها في وجوب الحد له على قاذفه.
وإلغاء الفارق قد يكون بنوع من السبر، كأن يقال: العلة إما الأمر المشترك بين العبد والأمة، وهي الرق، أو المميز للأمة عن العبد، وهو الأنوثة، والثاني باطل، فثبت الأول،
стр. 419
فيستوي العبد مع الأمة.
قال التاج السبكي ﵀ في الإبهاج: فإن قلت هذه الطريقة بعينها هي طريقة السبر والتقسيم، قلت: كذا قال الإمام ﵀ ولكن يمكن أن يفرق بينهما، بأن السبر والتقسيم لا بد فيه من تعيين الجامع، والاستدلال على العلية.
وأما هذا، فلا يجب فيه تعيين العلة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة، بل يتعرض للفارق، ويعلم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير اهـ
وأشار ﵀ إلى الثاني بقوله:
من المناط أن تجي أوصاف … فبعضها يأتي له انحذاف
عن اعتباره، وما قد بقيا … ترتب الحكم عليه اقتفيا
وقوله ﵀ : من المناط، هو على حذف مضاف، أي: من تنقيح المناط: أن ترد مع الحكم أوصاف، فيحذف المجتهد بعضها، لعدم تأثيره، وينيط الحكم بالباقي.
وذلك كحديث الصحيحين في المواقعة في نهار رمضان، فقد ذكر فيه أن الواطئ أعرابي، وأن الموطوءة زوجة، وأنه جاء يضرب رأسه، وينتف شعره، فيقول المجتهد: هذه الأمور كلها لا أثر لها في الحكم، وإنما العلة انتهاك الحرمة وتعمد الفطر.
وظاهر الزركشي ﵀ في البحر أن هذا أيضا من إلغاء الفارق، وهو ظاهر.
وقول الشيخ ﵀ : وما بغير من دليل رائق، ظاهره في النشر أنه عقد به كلاما للمحشي نحو منه، ومراده به عدم انحصار تنقيح المناط في إلغاء بعض الأوصاف ببيان طرديتها، وأنه يتناول إلغاء الفارق، ولم أقف على من ذكر غير هذين الأمرين، وقد علمت أيضا أنهما يرجعان إلى معنى واحد، والله أعلم.
تحقيق علة عليها ائتلفا … في الفرع تحقيق مناط ألفا
معناه أن بيان وجود علة حكم الأصل المتفق على عليتها له في الفرع، يسمى تحقيق
стр. 420
المناط، فهو بيان لكون صورة معينة من أفراد الصور المتضمنة للوصف كذا، الذي علمت عليته للحكم.
كبيان أن نبش القبور لأخذ الأكفان، فرد من أفراد السرقة التي علمت عليتها لقطع اليد.
وأن اللواط ـ مثلا ـ فرد من أفراد الزنى الذي علمت عليته للحد.
قال في النشر: لا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة، وإليه تضطر كل شريعة، قال أبو إسحاق الشاطبي ﵀ : لا بد من الاجتهاد فيه في كل زمن، ولا ينقطع، إذ لا يمكن التكليف إلا به اهـ
قال الشيخ ﵀ : وإنما ذكرته هنا، جريا على عادة أهل الجدل في قرانهم بين الثلاثة: تنقيح المناط، وتحقيق المناط، ولم أذكر تخريج المناط، لتقدمه.
والعجز عن إبطال وصف لم يفد … علية له على الذي اعتمد
معناه أن عجز الخصم عن إبطال علية الوصف الذي يدعي المستدل عليته، لا يقتضي أنه علة، فعجز الخصم ليس بمسلك من مسالك العلة، خلافا للأستاذ، حيث جعله دالا على العلية قياسا على المعجزة.
وأجيب بأن العجز في المعجزة من الخلق، وهنا من الخصم.
كذا إذا ما أمكن القياس … به على الذي ارتضاه الناس
معناه أن تأتي القياس على تقدير علية الوصف، لا يقتضي عليته، عند الجمهور. وقيل: يقتضيه، لأن القياس مأمور به، ورد بأن المأمور به قياس خاص، وأيضا تأتي القياس متوقف على كون الوصف علة، فإذا توقف كونه علة على تأتي القياس حصل الدور.
تنبيه
عد الزركشي ﵀ في البحر من مسالك العلة فعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: وهذا مما أهمله أكثر الأصوليين، وقد ذكره القاضي ﵀ في التقريب.
وصورته أن يفعل فعلا، بعد وقوع شيء، فيعلم أن ذلك الفعل، إنما كان لأجل ذلك
стр. 421
الشيء الذي وقع، ووقوع ذلك إما أن يكون من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كأن يرى أنه سهى في الصلاة، فسجد، (١) فيعلم أن ذلك السجود لذلك السهو.
وإما أن يكون من غيره، ويكون منه شيء آخر، كما روي أن ماعزا زنى فرجم (٢).
قال القاضي ﵀ : إنما يجب مثل ذلك الحكم في غير ذلك المحكوم عليه، بعد نقله بالقياس، إذ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " حكمي على الواحد، حكمي على الجماعة " (٣) ونحوه مما يحل الفعل فيه محل القول العام، لأنا قد قلنا: إن قضاءه على المعين لعلة وصفية، لا يقتضي وجوب عموم ذلك الحكم، ولا يمتنع اختلاف الأحكام في ذلك، وإنما يتعدى لغيره بدليل يقترن به.
قال: وكذلك اجتنابه الطيب، وما يجتنبه المحرمون عند إحرامهم، إذ عقل من ذلك شاهد الحال، أنه إنما اجتنبه لأجل الإحرام.
ومن أمثاله المنبهة على علة الحكم، تخييره بريرة - رضي الله عنها - لما عتقت تحت زوجها (٤) اهـ
وقد كنت قلت:
فعل النبي المصطفى العدناني … صلى عليه خالق الأكوان
ألزركشي بمسالك العلل … جعله مما على العلل دل
وإن تشأ في البحر ذلك انظرِ … ما سامع بنبإ كالمبصر
القوادح
القوادح: جمع قادح، وهو ما يؤثر في الدليل من حيث العلة، أو غيرها، كما قال المحلي ﵀ .
مبحث القدح بالنقض
стр. 422
منها وجود الوصف دون الحكم … سماه بالنقص وُعاة العلم
الوعاة كقضاة، وهداة: جمع واع، وهو الحافظ.
والمعنى أن من القوادح تخلف الحكم عن الوصف، بأن يوجد الوصف في محل، أو أكثر، دون الحكم، وسماه الإمام الشافعي ﵀ – بالنقض.
وذلك لأن العلة تستلزم الحكم، فوجودها دونه، دليل على عدم عليتها.
ولا يجري النقض بين قطعيين، بأن يكون دليل علة الأصل، قطعيا في ذلك، وفي عمومها في الأصل وغيره بلا مانع وشرط، ودليل صورة النقض قاطعا.
ولا يجري النقض أيضا، في ما إذا كانت منصوصة بنص قاطع في خصوصية محل النقض، وإلا ثبت الحكم ضرورة بقوته عند ثبوت علته قطعا، ولا في ما إذا كانت منصوصة بقاطع في غيره خاصة، لأنه إنما دل على عليتها في غير محل النقض، ولا تعارض عند تغاير المحلين، ولا في ما إذا كان دليل العلية في غير محل النقض خاصة ظني، وإنما يكون التعارض في ما إذا ثبتت العلية فيهما جميعا بظاهر عام، فيدل بعمومه على العلية في محل النقض وغيره، ويعارضه عدم الحكم في محل النقض، نقله الشربيني عن السعد - رحمهما الله .
والقدح بالنقض هو مذهب الإمام الشافعي ﵀ والقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب البغدادي، وأبي الحسين البصري، وجماهير المحققين، كما قال التاج السبكي ﵀ .
وقال في توجيهه: العلة معرف الحكم، وتخصيصها يمنع من كونها معرفا في ذلك المخصَّص، وإذا لم تكن معرفا فيه، لم تكن علة له، وإذا لم تكن علة له، كان إطلاق القول بأنها علة على وجه التعميم في كل الصور غير سديد.
فمن قال - مثلا -: علة تحريم بيع الذهب متفاضلا: الوزن، ثم جوز بيع الرصاص بالرصاص مع وجود الوزن، قيل له: أبنص قلت ذلك، أم بعلة هي أقوى من علة تحريم بيع الذهب بالذهب؟
فإن قال: بعلة، ثم بين وجه قياس الرصاص، على أصل مباح بيعه بعضه ببعض، فيقال:
стр. 423
ليس العلة حينئذ في الذهب مجرد الوزن، بل الوزن مع عدم ذلك الوصف المجعول علة للإباحة، إذ لو وجد في الذهب لما قلنا بالتحريم.
فإن قال الخصم: أنا أشترط نفي ذلك الوصف، إلا أني لا أسميه جزءا من العلة، وإن كان التحريم لا يحصل بدونه.
قلنا: هب أنك لا تسميه، إلا أن وجدانه مما لا بد للعلة منه.
والتحقيق: أنه جزء، لأن انتفاء المانع، ووجدان الشرط، جزء من العلة التامة، والعلة المعرفة لا فرق بينها وبين التامة، إلا أنها لا توجد الحكم، وإنما يوجد عندها، وهو لا يوجد عندها، إلا بعد وجدان الشرائط، وانتفاء المانع.
وإن قال: بنص، فيقال له: هل علمت علة إباحته؟
فإن قال: علمت، قلنا له كما قلنا أولا.
وإن لم يعلم، فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا تتعداه، إذ لو تخطته، لنصب الله علما على ذلك، ليعلم ثبوت حكمها في ما عدا الرصاص.
وإذا كان كذلك، لم يعلم تحريم الذهب بالذهب، إلا لأنه موزون وليس برصاص، فبطل كون العلة مجرد الوزن، فثبت أن التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة.
وإن قال: الرصاص ورد مستثنى لا علة له.
فيقال: العلة هي المعرف، وهي لم تعرف إلا في ما لم يرد مستثنى، فهي حينئذ في ما عدا الرصاص كونه موزون، لم يرد مستثنى، لا مطلق كونه موزونا، فقد لاح كالصباح أن النقض قادح، وأنه لا فرق بين ما ورد مستثنى، وما لم يرد، ولا بين المنصوصة، والمستنبطة.
وقوله في الكتاب: العلة: الباعث.
قلنا أولا: لا نسلم، وثانيا سلمناه، ولكن ليس الباعث مثلا مجرد الوزن، بل الوزن مع القيد الآخر، وهو واضح في ما تقدم.
فقد لاح وظهر أن النقض قادح، سواء فسرت العلة بالمعرف، أم بالباعث، أم بالمؤثر اهـ
واستدل بعد ذلك بأدلة كثيرة يطول جلبها.
стр. 424
وهذا المذهب مشكل جدا، لإفضائه إلى خلاف الإجماع في علل كثيرة، كالإسكار، فقد أجمعوا على عليته لحرمة الخمر، وهذا المذهب يقتضي أن الإسكار جزء العلة، وليس مستقلا بالتأثير، فالعلة على هذا مركبة منه، ومن عدم الإكراه، وعدم الضرورة لإساغة غصة، ونحو ذلك، وإفضائه إلى أن العلل كلها مركبة أو جلها، بل ربما تعذر حصر أجزائها، إذ وجود كل شرط جزء، وانتفاء كل مانع جزء، فليس ببين جدا، ويفضي إلى أن العلل لا شروط لها ولا موانع، والله أعلم.
والاكثرون عندهم لا يقدح … بل هو تخصيص، وذا مصحح
المذهب الثاني: أنه غير قادح مطلقا في علية الوصف في ما وراء محل النقض، ويتعين تقدير مانع، أو تخلف شرط، وعليه أكثر أصحاب أبي الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد - رحمهما الله ونسبه الشافعية لأصحابنا.
وقال أبو الوليد الباجي ﵀ : لم أر أحدا من أصحابنا أقر به، ولا نصره.
ووجه هذا القول أن العلة بالنسبة إلى محالها ومواردها، كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاته، فكما جاز تخصيص العموم اللفظي، وإخراج بعض ما تناوله، فكذلك الحال في العلة.
وفرق المثبتون للقدح به، بينه وبين العام، بأن العلة مستلزمة للمعلول.
وقد روي عن مالك تخصيص … إن يك الاستنباط لا التنصيص
معناه أنه روي عن الإمام مالك والإمام أحمد - رحمهما الله وأكثر الحنفية كما في النشر، جواز تخصيص المستنبطة دون المنصوصة، وإن لم يوجد في صورة النقض مانع ولا عدم شرط.
وذلك لأن دليل العلة المستنبطة اقتران الحكم بها، ولا وجود له في صورة التخلف، فلا يدل على العلية فيها.
وأورد عليه أن اقتران الحكم بالوصف، يدل على عليته في جميع صوره، كدليل المنصوصة.
стр. 425
وعكس هذا قد رآه البعض ..........................
معناه أن عكس المذهب المنسوب للإمام مالك ﵀ ذهب إليه قوم، وهو التخصيص به في المنصوصة، والقدح في المستنبطة، حكاه إمام الحرمين ﵀ عن معظم الأصوليين، والمراد بالمنصوصة أن يكون مسلكها النص أو الإجماع، سواء كان النص تصريحا أو إيماء.
ووجه هذا القول أن مستند المستنبطة الظن، وعدم الجريان يؤثر فيه.
ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر … وليس في ما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع … والوفق في مثل العرايا قد وقع
المنتقى: المختار، والمراد بذي الاختصار ابن الحاجب ﵀ والمعنى أن المختار عند ابن الحاجب ﵀ القدح بالنقض في العلة المنصوصة بقطعي، وفي المستنبطة إذا كان التخلف لفقد شرط أو وجود مانع.
وهذا القول ذكره التاج السبكي ﵀ في الجمع غير معزو، وجعله حلولو هو مختار ابن الحاجب - رحمهما الله وتبعه في النظم، قاله في النشر، وهو وهم، كما نقله الشيخ ﵀ أيضا بعد ذلك عن زكريا ﵀ وهو ظاهر.
فالذي اختاره ابن الحاجب ﵀ القدح بها في المستنبطة، حيث كان التخلف لا لانتفاء شرط، أو وجود مانع، فإن كان لفقد شرط أو وجود مانع لم يقدح، وأما المنصوصة فيخصصها، ويجب تقدير المانع، ولا يقع ذلك إلا في المنصوصة بظاهر عام - كما تقدم -.
قال الزركشي ﵀ في البحر: والسابع يجوز في المستنبطة في صورتين، ولا يقدح فيهما، وهما: ما إذا كان التخلف لمانع، أو انتفاء شرط.
ولا يجوز في صورة واحدة، ويقدح فيها، وهي: ما إذا كان التخلف دونهما.
وأما المنصوصة، فإن كان النص ظنيا، وقدر مانع أو فوات شرط، جاز، وإن كان قطعيا