← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 939

فتح الباقي على منظومة المراقي

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (531 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الشيء الذي وقع، ووقوع ذلك إما أن يكون من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كأن يرى أنه سهى في الصلاة، فسجد، (١) فيعلم أن ذلك السجود لذلك السهو. وإما أن يكون من غيره، ويكون منه شيء آخر، كما روي أن ماعزا زنى فرجم (٢). قال القاضي ﵀ : إنما يجب مثل ذلك الحكم في غير ذلك المحكوم عليه، بعد نقله بالقياس، إذ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " حكمي على الواحد، حكمي على الجماعة " (٣) ونحوه مما يحل الفعل فيه محل القول العام، لأنا قد قلنا: إن قضاءه على المعين لعلة وصفية، لا يقتضي وجوب عموم ذلك الحكم، ولا يمتنع اختلاف الأحكام في ذلك، وإنما يتعدى لغيره بدليل يقترن به. قال: وكذلك اجتنابه الطيب، وما يجتنبه المحرمون عند إحرامهم، إذ عقل من ذلك شاهد الحال، أنه إنما اجتنبه لأجل الإحرام. ومن أمثاله المنبهة على علة الحكم، تخييره بريرة - رضي الله عنها - لما عتقت تحت زوجها (٤) اهـ وقد كنت قلت: فعل النبي المصطفى العدناني … صلى عليه خالق الأكوان ألزركشي بمسالك العلل … جعله مما على العلل دل وإن تشأ في البحر ذلك انظرِ … ما سامع بنبإ كالمبصر القوادح القوادح: جمع قادح، وهو ما يؤثر في الدليل من حيث العلة، أو غيرها، كما قال المحلي ﵀ . مبحث القدح بالنقض

стр. 422

منها وجود الوصف دون الحكم … سماه بالنقص وُعاة العلم الوعاة كقضاة، وهداة: جمع واع، وهو الحافظ. والمعنى أن من القوادح تخلف الحكم عن الوصف، بأن يوجد الوصف في محل، أو أكثر، دون الحكم، وسماه الإمام الشافعي ﵀ – بالنقض. وذلك لأن العلة تستلزم الحكم، فوجودها دونه، دليل على عدم عليتها. ولا يجري النقض بين قطعيين، بأن يكون دليل علة الأصل، قطعيا في ذلك، وفي عمومها في الأصل وغيره بلا مانع وشرط، ودليل صورة النقض قاطعا. ولا يجري النقض أيضا، في ما إذا كانت منصوصة بنص قاطع في خصوصية محل النقض، وإلا ثبت الحكم ضرورة بقوته عند ثبوت علته قطعا، ولا في ما إذا كانت منصوصة بقاطع في غيره خاصة، لأنه إنما دل على عليتها في غير محل النقض، ولا تعارض عند تغاير المحلين، ولا في ما إذا كان دليل العلية في غير محل النقض خاصة ظني، وإنما يكون التعارض في ما إذا ثبتت العلية فيهما جميعا بظاهر عام، فيدل بعمومه على العلية في محل النقض وغيره، ويعارضه عدم الحكم في محل النقض، نقله الشربيني عن السعد - رحمهما الله . والقدح بالنقض هو مذهب الإمام الشافعي ﵀ والقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب البغدادي، وأبي الحسين البصري، وجماهير المحققين، كما قال التاج السبكي ﵀ . وقال في توجيهه: العلة معرف الحكم، وتخصيصها يمنع من كونها معرفا في ذلك المخصَّص، وإذا لم تكن معرفا فيه، لم تكن علة له، وإذا لم تكن علة له، كان إطلاق القول بأنها علة على وجه التعميم في كل الصور غير سديد. فمن قال - مثلا -: علة تحريم بيع الذهب متفاضلا: الوزن، ثم جوز بيع الرصاص بالرصاص مع وجود الوزن، قيل له: أبنص قلت ذلك، أم بعلة هي أقوى من علة تحريم بيع الذهب بالذهب؟ فإن قال: بعلة، ثم بين وجه قياس الرصاص، على أصل مباح بيعه بعضه ببعض، فيقال:

стр. 423

ليس العلة حينئذ في الذهب مجرد الوزن، بل الوزن مع عدم ذلك الوصف المجعول علة للإباحة، إذ لو وجد في الذهب لما قلنا بالتحريم. فإن قال الخصم: أنا أشترط نفي ذلك الوصف، إلا أني لا أسميه جزءا من العلة، وإن كان التحريم لا يحصل بدونه. قلنا: هب أنك لا تسميه، إلا أن وجدانه مما لا بد للعلة منه. والتحقيق: أنه جزء، لأن انتفاء المانع، ووجدان الشرط، جزء من العلة التامة، والعلة المعرفة لا فرق بينها وبين التامة، إلا أنها لا توجد الحكم، وإنما يوجد عندها، وهو لا يوجد عندها، إلا بعد وجدان الشرائط، وانتفاء المانع. وإن قال: بنص، فيقال له: هل علمت علة إباحته؟ فإن قال: علمت، قلنا له كما قلنا أولا. وإن لم يعلم، فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا تتعداه، إذ لو تخطته، لنصب الله علما على ذلك، ليعلم ثبوت حكمها في ما عدا الرصاص. وإذا كان كذلك، لم يعلم تحريم الذهب بالذهب، إلا لأنه موزون وليس برصاص، فبطل كون العلة مجرد الوزن، فثبت أن التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة. وإن قال: الرصاص ورد مستثنى لا علة له. فيقال: العلة هي المعرف، وهي لم تعرف إلا في ما لم يرد مستثنى، فهي حينئذ في ما عدا الرصاص كونه موزون، لم يرد مستثنى، لا مطلق كونه موزونا، فقد لاح كالصباح أن النقض قادح، وأنه لا فرق بين ما ورد مستثنى، وما لم يرد، ولا بين المنصوصة، والمستنبطة. وقوله في الكتاب: العلة: الباعث. قلنا أولا: لا نسلم، وثانيا سلمناه، ولكن ليس الباعث مثلا مجرد الوزن، بل الوزن مع القيد الآخر، وهو واضح في ما تقدم. فقد لاح وظهر أن النقض قادح، سواء فسرت العلة بالمعرف، أم بالباعث، أم بالمؤثر اهـ واستدل بعد ذلك بأدلة كثيرة يطول جلبها.

стр. 424

وهذا المذهب مشكل جدا، لإفضائه إلى خلاف الإجماع في علل كثيرة، كالإسكار، فقد أجمعوا على عليته لحرمة الخمر، وهذا المذهب يقتضي أن الإسكار جزء العلة، وليس مستقلا بالتأثير، فالعلة على هذا مركبة منه، ومن عدم الإكراه، وعدم الضرورة لإساغة غصة، ونحو ذلك، وإفضائه إلى أن العلل كلها مركبة أو جلها، بل ربما تعذر حصر أجزائها، إذ وجود كل شرط جزء، وانتفاء كل مانع جزء، فليس ببين جدا، ويفضي إلى أن العلل لا شروط لها ولا موانع، والله أعلم. والاكثرون عندهم لا يقدح … بل هو تخصيص، وذا مصحح المذهب الثاني: أنه غير قادح مطلقا في علية الوصف في ما وراء محل النقض، ويتعين تقدير مانع، أو تخلف شرط، وعليه أكثر أصحاب أبي الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد - رحمهما الله ونسبه الشافعية لأصحابنا. وقال أبو الوليد الباجي ﵀ : لم أر أحدا من أصحابنا أقر به، ولا نصره. ووجه هذا القول أن العلة بالنسبة إلى محالها ومواردها، كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاته، فكما جاز تخصيص العموم اللفظي، وإخراج بعض ما تناوله، فكذلك الحال في العلة. وفرق المثبتون للقدح به، بينه وبين العام، بأن العلة مستلزمة للمعلول. وقد روي عن مالك تخصيص … إن يك الاستنباط لا التنصيص معناه أنه روي عن الإمام مالك والإمام أحمد - رحمهما الله وأكثر الحنفية كما في النشر، جواز تخصيص المستنبطة دون المنصوصة، وإن لم يوجد في صورة النقض مانع ولا عدم شرط. وذلك لأن دليل العلة المستنبطة اقتران الحكم بها، ولا وجود له في صورة التخلف، فلا يدل على العلية فيها. وأورد عليه أن اقتران الحكم بالوصف، يدل على عليته في جميع صوره، كدليل المنصوصة.

стр. 425

وعكس هذا قد رآه البعض .......................... معناه أن عكس المذهب المنسوب للإمام مالك ﵀ ذهب إليه قوم، وهو التخصيص به في المنصوصة، والقدح في المستنبطة، حكاه إمام الحرمين ﵀ عن معظم الأصوليين، والمراد بالمنصوصة أن يكون مسلكها النص أو الإجماع، سواء كان النص تصريحا أو إيماء. ووجه هذا القول أن مستند المستنبطة الظن، وعدم الجريان يؤثر فيه. ومنتقى ذي الاختصار النقض إن لم تكن منصوصة بظاهر … وليس في ما استنبطت بضائر إن جا لفقد الشرط أو لما منع … والوفق في مثل العرايا قد وقع المنتقى: المختار، والمراد بذي الاختصار ابن الحاجب ﵀ والمعنى أن المختار عند ابن الحاجب ﵀ القدح بالنقض في العلة المنصوصة بقطعي، وفي المستنبطة إذا كان التخلف لفقد شرط أو وجود مانع. وهذا القول ذكره التاج السبكي ﵀ في الجمع غير معزو، وجعله حلولو هو مختار ابن الحاجب - رحمهما الله وتبعه في النظم، قاله في النشر، وهو وهم، كما نقله الشيخ ﵀ أيضا بعد ذلك عن زكريا ﵀ وهو ظاهر. فالذي اختاره ابن الحاجب ﵀ القدح بها في المستنبطة، حيث كان التخلف لا لانتفاء شرط، أو وجود مانع، فإن كان لفقد شرط أو وجود مانع لم يقدح، وأما المنصوصة فيخصصها، ويجب تقدير المانع، ولا يقع ذلك إلا في المنصوصة بظاهر عام - كما تقدم -. قال الزركشي ﵀ في البحر: والسابع يجوز في المستنبطة في صورتين، ولا يقدح فيهما، وهما: ما إذا كان التخلف لمانع، أو انتفاء شرط. ولا يجوز في صورة واحدة، ويقدح فيها، وهي: ما إذا كان التخلف دونهما. وأما المنصوصة، فإن كان النص ظنيا، وقدر مانع أو فوات شرط، جاز، وإن كان قطعيا

стр. 426

لم يجز، أي: لم يمكن وقوعه، لأن الحكم لو تخلف، لتخلف الدليل، وهو لا يمكن أن يكون قطعيا، لاستحالة تعارض القطعيين، ثم قال: وهذا اختيار ابن الحاجب ﵀ – اهـ وأصله للتاج ﵀ في رفع الحاجب. ونص ابن الحاجب ﵀ : والمختار إن كانت مستنبطة لم يجز إلا بمانع، أو عدم شرط، لأنها لا تثبت عليتها إلا ببيان أحدهما، لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن ذلك، لعدم المقتضي، وإن كانت منصوصة فبظاهر عام، فيجب تخصيصه، كعام وخاص، ويجب تقدير المانع اهـ فمختار ابن الحاجب ﵀ وهو أبين الأقوال أنه لا يقدح في المنصوصة، وإنما يقدح في المستنبطة إذا لم يكن التخلف لفقد شرط أو وجود مانع. وقول الشيخ ﵀ : والوفق في مثل العرايا قد وقع، معناه أن تخلف الحكم عن الوصف، إذا ورد على سبيل الاستثناء، لا يقدح، ويعلم كونه واردا على سبيل الاستثناء بوروده على جميع المذاهب، قال البيضاوي ﵀ : لأن الإجماع أدل من النقض اهـ قال التاج ﵀ على المختار، خلافا لبعض المانعين، من جواز تخصيص العلة، سواء كانت العلة معلومة، كمسألة الصاع في المصراة، أو مظنونة، كمسألة العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، والعنب في الكرم بالزبيب، فإنها واردة نقضا على تحريم الربا، لأن العلة في تحريمه، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت، أو المال، وكل منها موجود في العرايا. وإنما لا يقدح ذلك في العلة، لأنه إنما يعلم كونه ورد على سبيل الاستثناء، إذا كان النقض لازما على جميع المذاهب، كما ذكرناه في مسألة العرايا، وحينئذ يكون معارضا للإجماع، فإنه منعقد على أن علة الربا أحد الأمور الأربعة، والإجماع أقوى في الدلالة منه، فيقدم عليه، ويعمل بمقتضاه اهـ. جوابه منع وجود الوصف أو … منع انتفاء الحكم في ما قد رأوا

стр. 427

معناه أن جواب النقض على أقوال وروده، بمنع تحققه، وذلك يكون ببيان أحد أمرين: منع وجود الوصف في صورة النقض، أو منع انتفاء الحكم فيها، لأن النقض هو ادعاء تخلف الحكم، ووجود الوصف. مثال الأول: أن يقول المعترض للمستدل: جعلك علة الربا في البر الكيل، منقوض بالجبس، فإنه مكيل، وليس بربوي، فيقول المستدل: لا نسلم أن الجبس مكيل، بل هو موزون. ومثال الثاني: أن يقول في المثال المذكور: لا نسلم أن الجبس غير ربوي، إذا لم يكن مذهبه أنه غير ربوي. ويصح جوابه أيضا ببيان وجود مانع، أو فقد شرط، في صورة النقض، عند من لا يرى التخلف لذلك قادحا. مبحث القدح بالكسر والكسر قادح ومنه ذكَرا … تخلفَ الحكمة عنه من درى ومنه إبطال لجزء، والحيل … ضاقت عليه في المجيء بالبدل الأكثرون من الأصوليين والجدليين يفسرون الكسر بإسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة، وإخراجه من الاعتبار، ببيان أنه لا أثر له، ويورد النقض على ما بقي. وهو نوعان: أحدهما: أن يبدل الوصف الخاص، بوصف عام، ثم ينقضه عليه. كقولنا في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل، فيجب أداؤها كصلاة الأمن، فيقول المعترض: كونها صلاة لا أثر له، لأن الصوم كذلك، فلم يبق إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة، ثم يَنقض ذلك بقوله: وليس كل عبادة يجب قضاؤها، يجب أداؤها، بدليل الصوم في حق الحائض. وظاهر غير واحد أن الإبدال من المعترض لا من المستدل، والله أعلم. النوع الثاني: أن لا يبدل خصوص الوصف الملغى، ويورد النقض على ما بقي، وهو في

стр. 428

المثال المذكور يجب أداؤها، فيقول: وليس كل ما يجب أداؤه يجب قضاؤه، بدليل صوم الحائض المذكور. قال التاج السبكي ﵀ : الكلام فيه، كالكلام في النقض سواء بسواء. واستدل الزركشي- ﵀ للكسر في البحر: بما رواه البيهقي ﵀ أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - دعي إلى دار، فأجاب، ودعي إلى أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: إن في دار فلان كلبا، فقيل: وفي هذه الدار سنور، فقال: " السِّنَّوْرُ سبع " (١) وجه الدلالة أنهم ظنوا أن الهرة تكسر المعنى، فأقرهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على اعتراضهم، وأجاب بالفرق وهو أن الهرة سبع اهـ بخ وهذا الكسر هو الذي أراد الشيخ ﵀ بقوله: ومنه إبطال لجزء. قال في النشر: والقدح به مقيد بأن يتعذر على المستدل الإتيان ببدل من المبطل، فإن ذكر بدلا يصلح أن يكون علة للحكم، ألغي الكسر، واستقام الدليل اهـ وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: والحيل ضاقت عليه في المجيء بالبدل. ولم أقف على هذا. وقال الزركشي ﵀ في البحر: جواب الكسر نحو ما سبق من الأجوبة في النقض، لأنه نقض في المعنى، والله أعلم. وعبر ابن الحاجب والآمدي - رحمهما الله عن هذا النوع بالنقض المكسور. والكسر عندهما: أن توجد حكمة العلة، دون العلة والحكم، قال في المختصر: كقول الحنفي في العاصي بسفره: مسافر، فيترخص، كغير العاصي، ثم يبين المناسبة بالمشقة،

стр. 429

فيعترض بصنعة شاقة في الحضر اهـ وهذا هو النقض بعينه، والفرق بين هذا وبين ما سبق، أن السابق في التعليل بالمظنة، وهذا في التعليل بالحكمة. وهذا النوع هو مراد الشيخ ﵀ بالبيت الأول، إلا أنه وقع في عبارته عنه قلب، فعبر عنه بتخلف الحكمة عن الوصف، ومراده تخلف الحكم عن الحكمة، وقد تقدم الكلام على تخلف الحكمة عن المظنة في قوله: وفي ثبوت الحكم عند الانتفا ................. ألبيت وقد بين ذلك في الحلي، وهو جد ظاهر. مبحث القدح بعدم العكس وعدم العكس مع اتحاد … يقدح دون النص بالتمادي من القوادح كذلك عدم العكس، وهو وجود الحكم بدون العلة، والقدح به إنما هو عند من يمنع تعدد العلة لحكم واحد بالنوع، وأما على جوازه وهو المعول - كما تقدم - فليس بقادح، لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضا. ومحل القدح به ما لم يكن ثبوت الحكم عند انتفاء العلة بتوقيف، كما قال إمام الحرمين ﵀ . قال الزركشي ﵀ في البحر: قال إمام الحرمين ﵀ : إذا قلنا إن اجتماع العلل على معلول واحد غير واقع، فالعكس لازم، ما لم يثبت الحكم عند انتفاء العلة بتوقيف، لكن لا يلزم المستدل بيانه، بخلاف ما ألزمناه مثله في النقض، لأن ذلك داع إلى الانتشار، وسببه أن إشعار النفي بالنفي، منحط عن إشعار الثبوت بالثبوت، ولهذا لو فرضنا عللا، لكان إشعار كل واحدة بنفي الحكم، كإشعار جزء العلة بالحكم، لا كإشعار العلة المستقلة به، وزوالها لزوال الترجيح، والذي أبطل العلة إذا امتنع الطرد بتوقيف، لا يبطلها إذا امتنع العكس بتوقيف، فليتلمح الطالب تفاوت المراتب اهـ

стр. 430

قال التاج السبكي ﵀ في الجمع: وشاهده قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " في جواب: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ مبحث القدح بعدم التأثير والوصف إن يعدم له تأثير … فذاك لانتقاضه يصير خص بذي العلة بائتلاف … وذات الاستنباط والخلاف يجيء في الطردي حيث عللا … به، وقد يجيء في ما أُصِّلا وذا بإبدا علة للحكم … ممن يرى تعددا ذا سُقْم وقد يجي في الحكم وهو أضرب … فمنه ما ليس لفيد يجلب وما لفيد عن ضرورة ذُكر … أو لا وفي العفو خلاف قد سطر معناه أن من القوادح أيضا، القادح المسمى بعدم التأثير، بمعنى عدم مناسبة الوصف للحكم، بدليل بقائه مع عدم الوصف. ويختص بقياس المعنى، وهو ما ثبتت فيه علية الوصف بالمناسبة، بخلاف غيره كالشبه، فلا يأتي فيه. ويختص بالعلة المستنبطة، المختلف فيها، فلا يأتي في المنصوصة ولا في المستنبطة المجمع عليها، لأنهما لا بد أن يكونا علة في الواقع، وهذا هو المراد بالبيتين الأولين. وأشار ﵀ . - ببقية الأبيات، إلى أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ما لا تأثير له مطلقا، وما لا تأثير في ذلك الأصل، وما اشتمل على قيد لا تأثير له. أشار ﵀ إلى أولها بقوله: يجيء في الطردي حيث عللا … به .................... والمعنى أن القدح بعدم التأثير، يقع في الوصف، ببيان أنه طردي، أو شبهي، كأن يقال في الخف: واجب مسح، فلا يطلب تكراره، قياسا على مسح الرأس، فيقال: وجوب المسح لا أثر له في عدم طلب التكرار، فمسح الأذنين لا يطلب فيه التكرار، وليس بواجب. ويرجع حاصله إلى سؤال المطالبة بالدلالة على كون العلة علة.

стр. 431

وأشار ﵀ إلى الثاني بقوله: وقد يجيء في ما أصلا وذا بإبدا علة للحكم … ممن يرى تعددا ذا سقم والمعنى أن القدح بعدم التأثير يكون أيضا في الأصل، وذلك ببيان أن المعنى الجامع بينه وبين الفرع في قياس المستدل، يوجد الحكم بدونه لوجود موجب آخر، كقول الشافعية في منع بيع الغائب: مبيع غير مرئي، فلا يجوز، قياسا على السمك في الماء، فيقال: عدم الرؤية مستغنى عنه في امتناع الأصل، بالعجز عن التسليم. وحاصله معارضة في الأصل بإبداء علة أخرى. والقدح به إنما يكون على القول بمنع تعدد العلة، وأما على القول بالجواز فلا يقدح، لصحة التعليل بكل من العلتين كما قال إمام الحرمين والبيضاوي - رحمهما الله . وأشار ﵀ إلى القسم الثالث بقوله: وقد يجي في الحكم وهو أضرب … فمنه ما ليس لفيد يجلب وما لفيد عن ضرورة ذكر … أو لا ................ والمعنى أن القدح بعدم التأثير، يكون أيضا في الحكم، بأن يبين أن بعض الأوصاف المعلل بها لا مدخل له في الحكم، لا في الأصل ولا في الفرع، وهذا الوصف إما أن لا يكون لذكره فائدة أو لا، والفائدة إما ضرورية أو لا. فأولها ـ وهو ما ليست لذكره فائدة ـ كقول الحنفية في نفي ضمان المرتد ما أتلفه وهو بدار الحرب: مشرك أتلف مالا في دار الحرب، فلا ضمان عليه كالحربي. فدار الحرب طردي عنده، ولا فائدة لذكره، لأن من أثبت ضمان المرتد، أثبته مطلقا، سواء كان في دار الحرب، أو في دار الإسلام، ومن نفاه نفاه مطلقا أيضا. وهذا هو قول الشيخ ﵀ : فمنه ما ليس لفيد يجلب. والثاني ـ وهو ما كان لذكر الوصف فيه فائدة ضرورية ـ كقول معتبر العدد في الاستجمار بالحجارة: عبادة متعلقة بالحجارة لم تتقدمها معصية، فيعتبر فيها العدد، كرمي الجمار.

стр. 432

فوصف العبادة بعدم تقدم معصية، لا أثر له لا في الأصل، ولا في الفرع، ولكن المستدل ذكره اضطرارا، إذ لو لم يذكره، لورد عليه النقض بالرجم، فهو عبادة متعلقة بالحجارة، ولا يعتبر فيها العدد. وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بقوله: وما لفيد عن ضرورة ذكر. والثالث ـ وهو ما كان ذكر الوصف فيه لحاجة غير ضرورية - ويسمى الحشو - مثاله: أن يقال: الجمعة تصح بغير إذن الإمام، لأنها صلاة مفروضة، فلم تفتقر في إقامتها لإذن كالظهر. فنقول: الوصف بكونها مفروضة حشو، ولو اقتصرت على قولك: صلاة لم ينتقض بشيء. فيقال: هذا قيد زائد لا لإثبات الحكم، بل لتقريب الفرع من الأصل، وتقوية الشبه بينهما، إذ الفرض بالفرض أشبه. وهذا هو المراد بقول الشيخ ﵀ : أو لا. واختلف في اغتفار الزيادة في هذين القسمين، لوقوعها لفائدة، فكانت مؤثرة في الجملة، وعدم اغتفارها، إذ لا يجوز أن يذكر في معرض التعليل ما ليس له أثر. وعلى الاغتفار اقتصر السيف الآمدي ﵀ في الإحكام ونصه: ومع ذلك كله فقد أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا، بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور النزاع، كما ذكر من مثال أخذ الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغنى عنه في إثبات الحكم، إما لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض اهـ وهذا هو مراد الشيخ ﵀ – بقوله: وفي العفو خلاف قد سطر. وعدم التأثير في الحكم، راجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم، كما قال السيف الآمدي ﵀ في الإحكام.

стр. 433

ثم قال: فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف، وعدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه جوابه، فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الأصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في الأصل، لا أنه غيره، وجوابه جوابه اهـ ولهذا اقتصر البيضاوي ﵀ في المنهاج على عدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في الوصف، قال الزركشي ﵀ : وهو من محاسنه اهـ مبحث القدح بالقلب والقلب إثبات الذي الحكم نقض … بالوصف والقدح به لا يعترض فمنه ما صحح رأي المعترض … معَ اَنَّ رأي الخصم فيه منتقض ومنه ما يبطل بالتزام … أو الطباق رأي ذي الخصام من القوادح القلب، وليس مختصا بالقياس، بل يرد على غيره من الأدلة، واقتصر الشيخ ﵀ على قلب القياس تبعا لشهاب الدين القرافي ﵀ في التنقيح، فقد عرف القلب، بقوله: وهو إثبات نقيض الحكم، بعين العلة، وهذا هو المراد بقول الشيخ ﵀ : والقلب إثبات الذي الحكم نقض … بالوصف ................... وعرفه التاج السبكي ﵀ في الجمع بقوله: دعوى أن ما استَدَلَّ به في المسألة على ذلك الوجه، عليه، لا له إن صح اهـ قال القرافي ﵀ في شرح التنقيح: القلب يبطل العلة، من جهة أنه معارضة في أنها موجبة لذلك الحكم، فإذا أثبت بها القالب نقيض ذلك الحكم في صورة النزاع، استحال إيجابها لذلك الحكم في صورة النزاع، وإلا اجتمع النقيضان في صورة النزاع، وهو محال اهـ وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بقوله: والقدح به لا يعترض.

стр. 434

وأشار ﵀ بالبيتين الأخيرين، إلى أن القلب ينقسم إلى ثلاثة أنواع، ويمكن القول بانقسامه إلى أربعة، لأن أول الثلاثة - وهو ما يذكره المعترض لتصحيح مذهبه - نوعان: لأن المستدل قد يصرح بمذهبه في دليله، وقد لا يصرح به. أما أولهما: فكقول الشافعية في بيع الفضولي: عقد في حق الغير، بلا ولاية، ولا استنابة، فلا يصح، كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه. فيقول المعترض: عقد في حق الغير بلا ولاية، فيصح، كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه، فإنه يصح بالإجماع في حق العاقد. وأما الثاني فكقول الحنفي: الاعتكاف: لبث في محل مخصوص، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكنه لم يتمكن من التصريح باشتراطه، إذ لو صرح به لم يجد أصلا، فيقول الشافعي: لبث في محل مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة. وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: فمنه ما صحح البيت. النوع الثاني من القلب ما كان لإبطال مذهب المستدل، من غير تعرض لإثبات مذهبه ـ أعني المعترض ـ ويكون الإبطال أحيانا مدلولا عليه بالالتزام، وهو المراد بقول الشيخ ﵀ : ومنه ما يبطل بالتزام. وأحيانا يصرح به، وهو المراد بقوله ﵀ : أو الطباق، أي: المطابقة. ومثال أولهما: قول مجيز بيع الغائب إذا اشترط فيه خيار الرؤية: عقد معاوضة، فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح، فإنه يصح مع الجهل بالزوجة، فيقول المعترض: فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح، ونفي الاشتراط يلزمه نفي الصحة، إذ القائل بها يقول بالاشتراط. ومثال ثانيهما: قول الحنفي الذي يرى كفاية مسح الربع في مسح الرأس، في الرد على الشافعي، الذي يكتفي بأقل ما يصدق عليه اسم المسح: عضو وضوء، فلا يكفي فيه أقل ما يصدق عليه الاسم، كالوجه. فيقول الشافعي: عضو وضوء، فلا يتقدر مسحه بالربع، كالوجه.

стр. 435

ومنه ما إلى المساواة نسب … ثبوت حكمين للاصل ينسلب حكم عن الفرع بالائتلاف … وواحد من ذين ذو اختلاف فيلحق الفرع بالاصل فيرد … كون التساوي واجبا من منتقد يعني أن من القلب لإبطال مذهب المستدل بالالتزام، قلب المساواة، أو التسوية، وهو أن يكون في الأصل حكمان، أحدهما منتف في الفرع اتفاقا من الخصمين، والآخر مختلف في ثبوته، فيثبته له المستدل قياسا على ذلك الأصل، فيوجب المعترض التسوية بينهما في الفرع، بالقياس على الأصل. وهذا هو المراد بقول الشيخ ﵀ : ثبوت حكمين للاصل ينسلب، أي: ينتفي حكم منهما عن الفرع بالائتلاف، أي: اتفاقا من الخصمين، وواحد، أي: والثاني من ذين، أي: الحكمين، ذو اختلاف، أي: مختلف فيه بين الخصمين في جهة الفرع، فيلحق المستدل الفرع بالأصل في الحكم المختلف فيه، فيرد عليه كون التساوي أي: تساوي الحكمين في الفرع واجبا، لاستوائهما في الأصل. وقوله: من منتقد، يتعلق بقوله: يرد. ومثاله: قول من يرى لزوم طلاق المكره: مكلف مالك للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار، فيقول المعترض: مكلف مالك للطلاق، فيسوى بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه كالمختار. وإقرار المكره بالطلاق لغو باتفاق، فيلزم من التسوية بينه وبين الإنشاء، عدم اللزوم في الإنشاء. والأكثرون على القدح بقلب المساواة، وذهب القاضي أبو بكر وابن السمعاني - رحمهما الله وطائفة ممن قبل أصل القلب إلى رده، لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، إذ الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات. وأجيب بأن القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها، إذ الاختلاف غير مناف لأصل الاستواء الذي جعل جامعا قاله في رفع الحاجب. وإلى الاختلاف في قبول قلب المساواة أشار الشيخ ﵀ بقوله:

стр. 436

قبوله فيه خلافا يحكي … بعض شروح الجمع لابن السبكي مبحث القدح بالقول بالموجَب ثم انتقل يتكلم على القول بالموجب، فقال: والقول بالموجَب قدحه جلا … وهو تسليم الدليل مسجلا من مانع أن الدليل استلزما … لما من الصور فيه اختصما من القوادح القول بالموجب - بفتح الجيم - وموجب القول مقتضاه ومفاده، والمراد بالقول: الدليل، قياسا أو غيره، فالقول بالموجب هو: تسليم الدليل، وبيان عدم استلزامه لموضع النزاع. قال التاج السبكي ﵀ في الجمع: وشاهده: (ولله العزة ولرسوله) في جواب (ليخرجن الأعز منها الأذل) قال في البحر: وهو من أحسن وجوه الاعتراضات. وأكثر الاعتراضات الواردة على النصوص ترجع إليه، لأن النص إذا ثبت فلا يمكن رده، فلا يرد عليه سؤال إلا وحاصله يرجع إلى تسليم النص، ومنع لزوم الحكم منه اهـ يجيء في النفي أو الثبوت … ولشمول اللفظ والسكوت عما من المقدمات قد خلا … من شهرة لخوفه أن تحظلا معناه أن القول بالموجب يقع على وجوه: منها النفي، وذلك بأن يستنتج المستدل إبطال ما يَتَوهم أنه مأخذ الخصم، والخصم يمنع ذلك، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه. قال السيف الآمدي ﵀ : وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات، من ورود النوع الأول - يعني مجيئه في الإثبات - من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام، لكثرة المدارك وتشعبها، وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها، بخلاف الأحكام، فإنه قل ما يتفق الذهول عنها، ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الإمام الخواص والعوام، دون معرفة المدارك، فكان احتمال الخطإ في اعتقاد كون المدرك المعين، هو مدرك الإمام، أقرب من احتمال الخطإ في ما ينسب إلى

стр. 437

الإمام من الحكم المدلول عليه اهـ ومثاله: أن يقول المستدل لوجوب القصاص في القتل بمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه وهو الجناية. فيقول المعترض: سلمنا، لكن لا يلزم من إبطال مانع، انتفاء جميع الموانع، ووجود جميع الشروط والمقتضي، والحكم إنما يثبت بارتفاع كل الموانع، ووجود كل الشرائط بعد قيام المقتضي. وهذا هو المراد بقول الشيخ ﵀ : يجيء في النفي. وأشار ﵀ إلى النوع الثاني بقوله: أو الثبوت. والمعنى أن القول بالموجب يرد على الثبوت، وذلك أن يستنتج المستدل مما استدل به ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه، سواء كان ذلك نفيا أو إثباتا، وليس كذلك، مثل أن يقول المستدل لوجوب القصاص في القتل بمثقل: قتل بما يقتل غالبا، فلا ينافي وجوب القصاص، كحرقه، فيقول المعترض: سلمنا، ولكن محل النزاع ليس منافاته للقتل، بل اقتضاؤه للقتل، ولا يلزم من عدم منافاته له، أن يكون مقتضيا له. والمراد بوروده على النفي، أن يكون دليل المستدل المورد عليه، مسوقا لنفي ما يعتقد أنه مدرك الخصم، سواء كان مذهب الخصم نفيا أو إثباتا، وبالثبوت أن يكون دليل المستدل المورد عليه، مسوقا لإثبات مذهبه، سواء كان مذهبه نفيا أو إثباتا. وأشار ﵀ : ولشمول اللفظ، إلى النوع الثالث. والمعنى أن القول بالموجب، يرد أيضا لشمول لفظ المستدل صورة متفقا عليها بينهما على خلاف مذهب المستدل في صورة النزاع، فيحمل المعترض كلام المستدل عليها، ويبقى النزاع في ما عداها. ومثاله قول القائل بزكاة الخيل: حيوان يسابق عليه كالإبل، فتجب فيه الزكاة. فيقول المعترض: نعم إذا كانت للتجارة، ولكن الخلاف إنما هو في وجوب زكاتها من حيث هي خيل. قال في النشر: قال الفهري - رحمهما الله : إن هذا هو أضعف أنواع

стр. 438

القول بالموجب، فإن حاصله مناقشة في اللفظ، فتندفع بمجرد العناية (١). وأشار ﵀ إلى النوع الرابع بقوله: والسكوت عما من المقدمات إلخ. والمعنى أن القول بالموجب يرد أيضا لسكوت المستدل عن صغرى القياس، وهي غير مشهورة، ومثاله: أن يقول موجب النية في الوضوء، مستدلا لذلك: القرب تشترط فيها النية، كالصلاة، ويسكت عن الصغرى التي هي: الوضوء قربة، مخافة المنع. فيقول المعترض: هذا مسلم، ومن أين اشتراط النية في الوضوء؟ ولو ذكر الصغرى لم يرد القول بالموجب، وإنما يرد المنع من الصغرى، فيقول: لا نسلم أن الوضوء قربة. وإنما اشترط في الصغرى أن تكون غير مشهورة، لأن المشهورة بمنزلة المذكورة، فلا يتوجه إلا المنع حيث كانت مختلفا فيها. مبحث القدح بالفرق بين الأصل والفرع والفرق بين الأصل والفرع قدح … إبداء مختص بالاصل قد صلح أو مانع في الفرع، والجمع يرى … إلا فلا فرق أناس كبرا من القوادح القادح المسمى بالفرق، ويسمى سؤال المعارضة، وسؤال المزاحمة، وهو إبداء معنى يختص به الأصل عن الفرع يجعل شرطا في الحكم، بأن يجعل من علته، أو إبداء معنى يختص به الفرع عن الأصل، يجعل مانعا من الحكم، إذ المانع من الشيء في قوة المقتضي لنقيضه، فيكون وصفا يقتضي نقيض الحكم، الذي أثبته المستدل. وقيل: لا بد من إبداء المعنيين معا، وذلك هو قول الشيخ ﵀ : والجمع يرى إلا فلا فرق أناس كبرا. يعني أن الجمع بين الأمرين مشترط عند أناس كبرا. قال في البحر: قال بعضهم: اختلف الجدليون في حده، فقال الجمهور - ومنهم الإمام

стр. 439

رحمه الله : إن حقيقة الفرق قطع الجمع بين الأصل والفرع، إذ اللفظ أشعر به، وهو الذي يقصد منه. وقال بعض الجدليين: حقيقته المنع من الإلحاق، بذكر وصف في الفرع، أو في الأصل. وينبني على هذا الخلاف: مسألة، وهي أن الفارق إذا ذكر فرقا في الأصل، هل يجب عليه أن يعكسه في الفرع، اختلفوا فيه. فما عليه الحذاق من أهل النظر أنه يشترط، لأنه عبارة عن قطع الجمع، وإنما ينقطع الجمع إذا عكسه، لأن المقصود الفرق، والافتراق له ركنان: أحدهما وجود الوصف في الأصل، والثاني انتفاؤه في الفرع، لأن المستدل يقول: وجود معنى آخر لا يضرني، لأنه يؤكد الحكم في الأصل، وذلك لا يمنع تعليلي. وصار غيرهم إلى أنه لا يلزم المعترض عكسه، لأنه ادعى أن العلة في الأصل وصف كذا، فإذا أبدى المعترض وصفا آخر، امتنع التعليل في الاصل به، وإذا امتنع التعليل امتنعت التعدية اهـ وذكر في قبوله أقوالا، ونقل عن إمام الحرمين - رحمهما الله أن المختار عنده فيه والذي ارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين أنه صحيح مقبول، وأنه وإن اشتمل على معنى معارضة الاصل، وعلى معارضة علة الفرع بعلة، فليس المقصود منه المعارضة، بل مناقضة الجمع، وذكر أن القاضي - رحمهما الله استدل على قبوله بأن السلف كانوا يجمعون، ويفرقون، ويتعلقون بالفرق، كما يتعلقون بالجمع، كما في قضية الجارية المرسية التي أجهضت الجنين، وقد أرسل إليها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يهددها، فإن عمر - رضي الله عنه - استشار في ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: إنما أنت مؤدب، ولا أرى عليك شيئا، وقال علي - رضي الله عنه -: أرى عليك الغرة. وكان عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - حاول تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضمانا، وجعل الجامع: أنه فعل ما له أن يفعله، فاعترضه علي -

стр. 440

رضي الله عنه - بالفرق، وأبان أن المباحات المضبوطة النهايات، ليست كالتعزيرات التي يجب الوقوف عليها دون ما يؤدي إلى الإتلاف. قال: ولو تتبعنا معظم ما يخوض فيه الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وجدناه كذلك، قال: وبالغ ابن السمعاني في الرد على الإمام ﵏ أجمعين ـ. تعدد الأصل لفرع معتمد … إذ يوجب القوة تكثير السند اختلف هل يجوز تعدد الأصل لفرع واحد، بأن يقاس على أكثر من أصل، لما في ذلك من تقوية الظن، وهو ما صححه ابن الحاجب ﵀ أو لا يجوز سواء قيل بجواز تعدد العلة أو لا، خوف حصول انتشار، وهو ما صححه التاج السبكي ﵀ في الجمع. قال في النشر: والمراد بتعدد الأصل، تعدد أمور يصلح كل منها بانفراده للقياس عليه، أعم من أن يقاس على كل منها بانفراده، أو يقاس على مجموعها اهـ وعلى ما صححه ابن الحاجب ﵀ إذا فرق المعترض بين الفرع وأصل من الأصول المتعددة، كفى ذلك في القدح، لأنه يبطل جمعها المقصود لإفادة قوة الظن، كما هو حجة الجواز. وقيل: لا يكفيه ذلك، بل حتى يفرق بينه وبين كل واحد من الأصول. وقيل: يكفيه إن قصد المستدل إلحاق الفرع بمجموع الأصول، لأن المجموع يبطل بإبطال جزئه، وإن قصد الإلحاق بكل واحد منها على انفراده لم يكف. وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: فالفرق بينه وأصل قد كفى … وقال: لا يكفيه بعض العرفا وقيل: إن ألحق بالمجموع … فواحد يكفيه لا الجميع واختلف إذا فرق بينه وبين الأصول كلها، هل يكفي المستدل أن يجيب عن الفرق بينه وبين أحدها، لحصول المقصود بصحة الجمع بينه وبين أحدها، أو لا يكفيه ذلك، لأنه التزم الجميع، فلزمه الدفع عنه، وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله:

стр. 441

وهل إذا اشتغل بالتبيان … يكفي جواب واحد قولان مبحث القدح بفساد الوضع ثم انتقل يتكلم على فساد الوضع، فقال: من القوادح فساد الوضع أن … يجي الدليل حائدا عن السنن كالاخذ للتوسيع والتسهيل … والنفي والإثبات من عديل والمعنى أن من القوادح فسادَ الوضع، ولا يختص بالقياس، وهو أن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، كأن يكون صالحا لضد ذلك الحكم أو نقيضه. وهذا هو مراد الشيخ ﵀ – بأول البيتين. والسنن - بفتح السين -: الطريق، وذلك كأن يستنتج المستدل التوسيع مما يقتضي التضييق، كقول الحنفية: الزكاة وجبت على وجه الارتفاق، لدفع الحاجة، فكانت على التراخي، كالدية على العاقلة، فدفع الحاجة إنما يقتضي التضييق بعدم التراخي. أو يستنتج التسهيل مما يقتضي التشديد، كقول الحنفي: القتل عمدا جناية عظيمة، فلا تجب له كفارة كالردة ـ نعوذ بالله تعالى من الشرور كلها ـ. فعظم الجناية، إنما يناسب التشديد بإيجاب الكفارة، لا التخفيف بإسقاطها. وكأن يستنتج النفي مما يقتضي الإثبات، كأن يقال في بيع المحقر: لم يوجد فيه إلا الرضا، فلا ينعقد، كغير المحقر. فوجود الرضا، إنما يناسب الانعقاد لا عدمه. أو يستنتج الإثبات مما يقتضي النفي، كأن يقال في معاطاة غير المحقر: لم توجد فيه صيغة، فينعقد كالمحقر. فعدم الصيغة إنما يناسب عدم الانعقاد، لا الانعقاد. وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: كالأخذ للتوسيع والتسهيل … والنفي والإثبات من عديل

стр. 442

والعديل المقابل، أي: كأخذ التوسيع مما يقابله، وهو التضييق، وأخذ التسهيل مما يقابله، وهو التشديد، وأخذ النفي مما يقابله، وهو الإثبات، وأخذ الإثبات مما يقابله، وهو النفي. منه اعتبار الوصف بالإجماع … والذكر أو حديثه المطاع في ناقض الحكم بذا القياس ........................ معناه أن من فساد الوضع كون الوصف في قياس المستدل قد ثبت اعتباره في نقيض الحكم في قياسه، بنص أو إجماع، إذ الوصف الواحد لا يثبت به نقيضان. أولهما: كقول الحنفية: الهرة سبع ذو ناب، فيكون سؤره نجسا، كالكلب. فيقال من قبل من يرى نجاسة الكلب: السبعية اعتبرها الشرع علة للطهارة، حيث دعي إلى دار فيها كلب، فلم يجب، وإلى أخرى فيها سنور، فأجاب، فقيل له في ذلك، فقال: " السنور سبع " (١) ومثال الثاني: قول الشافعية في مسح الرأس في الوضوء: يستحب تكراره كالاستجمار بالحجر، فيقال: المسح على الخف لا يستحب تكراره إجماعا. جوابه بصحة الأساس معناه أن جواب القدح بفساد الوضع، ببيان صحة الدليل، بإظهار جهة غير الجهة التي نظر إليها المعترض، يكون الدليل باعتبارها جاريا على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه. كأن يقول في مسألة الزكاة: إنه بنى التراخي على جهة الرفق بالمالك، لا جهة دفع الحاجة. أو يقول في مسألة الكفارة: إنه إنما نظر لجهة كونها دافعة للإثم، لا لجهة عظم الجرم. ويقرر كون الجامع معتبرا في ذلك الحكم في القسم الأخير، ويكون تخلفه عنه - بأن وجد مع نقيضه - لمانع، كما في مسح الخف، فإن تكراره يفسده كغسله. فيندفع فساد الاعتبار، ويرد النقض عند من يراه في التخلف ولو لمانع أو وجود شرط،

стр. 443

لا من لا يراه في التخلف لوجود مانع أو فوات شرط. مبحث القدح بفساد الاعتبار والخلف للنص أو اجماع دعا … فساد الاعتبار كل من وعى من القوادح فساد الاعتبار، وهو مخالفة القياس للنص أو الإجماع، إذ لا يجوز القياس في موضع النص أو الإجماع. وهذا إذا كان النص غير خبر الآحاد، فإن كان خبر آحاد، فعلى الخلاف المتقدم، كقول مجيز ما لم يسم عليه من الذبائح: ذبْح صدر من أهله في محله، فيحل، كذبح ناسي التسمية. فيقول المعترض: قياسك فاسد الاعتبار، لمخالفته لقوله جل من قائل: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الآية الكريمة. وكقول مانع رؤية الزوجة بعد موتها: لا يجوز للرجل تغسيل زوجته الميتة، لحرمة النظر إليها كالأجنبية. فيقول المعترض: هذا مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل علي - رضي الله عنه - فاطمة - رضي الله عنها. وجوابه بالطعن في سند النص، أو منع ظهوره في ما حمله عليه المعترض، أو تأويله، كأن يقول في الآية الكريمة المتلوة آنفا، إنها مؤولة بذبح عبدة الأصنام، تعبيرا عن الجنس باسم معنى يلازمه غالبا، فإن عدم الذكر عند ذبح أهل الشرك أمر غالب. وذاك من هذا أخص مطلقا … وكونه ذا الوجه مما ينتقى معناه أن فساد الاعتبار، أعم من فساد الوضع مطلقا، فالقياس المخالف للنص قد يكون على النظام المعتبر في قبوله، فينفرد فساد الاعتبار، وقد لا يكون عليها فيجتمعان، هذا هو ظاهر التاج السبكي ﵀ لكن قضية تعريفهما بما سبق، أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، ففساد الوضع ينفرد في ما إذا كان الدليل على غير الترتيب المقتضي لاستخراج مراد المستدل، من غير أن يخالف نصا ولا إجماعا.

стр. 444

قال شيخ الإسلام زكريا ﵀ : فما قيل من أن فساد الوضع أعم، ومن أنهما متباينان، ومن أنهما متحدان، سهو اهـ وجمعه بالمنع لا يضير … كان له التقديم والتاخير معناه أن للمعترض بفساد الوضع أن يجمعه مع المنع لمقدمة أو أكثر من مقدمات الدليل، قدم فساد الاعتبار، أو قدم المنع، وتقديم المنع أحسن، لما فيه من الترقي من الأدنى (١) إلى الأعلى (٢) وهو من المحسنات الكلامية. قال البناني ﵀ : ومثال ذلك ما لو قيل: لا يحرم الربا في البر، لأنه مكيل، كالجبس. فيقول له المعترض: لا نسلم أن الكيل علة لعدم حرمة الربا، لوجوده في الأرز مع أنه ربوي، ثم ما اقتضاه دليلك من عدم حرمة الربا في البر، مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " البر بالبر ربا " (٣) الحديث. أو يقول: ما اقتضاه دليلك من عدم حرمة الربا في البر، مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " البر بالبر ربا " ولا نسلم أن الكيل علة حرمة الربا اهـ مبحث القدح بمنع وجود علة الأصل من القوادح كما في النقل … منْع وجود علة للاصل قال في النشر: يعني أن من المنقول عن أهل الفن، القدح بمنع وجود علة الأصل، أي: المقيس عليه، في الفرع اهـ ومثلوا لذلك بقول من يرى أمان العبد: أمان صدر عن أهله، كالعبد المأذون له في القتال، فيقول المعترض: لا نسلم أن العبد أهل للأمان. وما وقع التمثيل به في النشر والحلي من قياس شهود الزور على المكره غيره، سهو، فما ذكراه مثال للقادح المسمى باختلاف الضابط في الأصل والفرع، كما هو صريح آخر

стр. 445

كلامهما. مبحث القدح بمنع علية الوصف ومنْع علية ما يعلل … به وقدحه هو المعول معناه أن من القوادح منعَ علية الوصف، ويسمى المطالبة بتصحيح العلة، ولو لم يكن قادحا، لتمسك المستدل بما شاء أن يتمسك به، لأمنه المنع. وقيل: لا يقبل لأدائه إلى الانتشار، بمنع كل ما يدعى عليته، فإن المستدل يحتاج - على قبوله - إلى الانتقال لتعليل عليته، فيمنع تعليل العلية، فيحتاج للانتقال لتعليل علة العلية، فيمنع، فيحتاج لتعليل علة علة العلية وهكذا، قاله الشربيني ﵀ . ومثاله أن يقول الحنفي: علة طعام الربا الكيل، فيقول المالكي: لا نسلم كونها الكيل، لوجود الربا في ما لا يكال، كالحفنة. وجوابه بإثبات عليته بمسلك من مسالك العلة. مبحث القدح بالتقسيم ويقدح التقسيم أن يحتملا … لفظ لأمرين ولكن حظلا وجود علة بأمر واحد … وليس عند بعضهم بالوارد جوابه بالوضع في المراد … أو الظهور فيه باستشهاد معناه أن من القوادح التقسيم، وهو كون لفظ واقع في دليل المستدل مترددا بين أمرين ـ مثلا ـ على السواء، أحدهما ممنوع، وهو غير مقصود المستدل. وأما إذا كان اللفظ ظاهرا في أحد الاحتمالين - مثلا - فيتعين حمله عليه، ولا ورود لسؤال التقسيم. واختلف في القدح بالتقسيم قال التاج السبكي ﵀ في الجمع: والمختار وروده. وجوابه: أن اللفظ موضوع لغة، أو عرفا، في مراده المستدل، أو ظاهر فيه، ولو بقرينة.

стр. 446

ومنهم من جعل التقسيم: تردد اللفظ بين أمرين ـ مثلا ـ أحدهما ممنوع، وهو مراد المتكلم، كابن الحاجب ﵀ في المختصر. وحاصله على هذا منع يتوجه بعد التقسيم، كقول مجيز التيمم للحاضر الصحيح: وجد السبب بتعذر الماء، فساغ التيمم. فيقول المعترض: السبب تعذر الماء، أو تعذر الماء في السفر أو المرض خاصة. أما أولهما فممنوع، وأما الثاني فمسلم، ولكن لا ينتج المقصود. وجوابه على هذا بصحة ما منع، لا ما ذكر الشيخ ﵀ في البيت الأخير. قال الشربيني ﵀ : أنت خبير بأن ذلك المراد إذا كان ممنوعا عند المعترض في نفسه، فما الفائدة في كونه مرادا؟ وهل يزيد ذلك، على ما لو صرح المستدل من أول الأمر بأن ذلك مراده، ثم منعه المعترض؟ وللمعارضة والمنع معا … أو الاخير الاعتراض رجعا جعل المتأخرون القوادح كلها راجعة إلى المعارضة، أو المنع. والمعارضة هي نصب المعترض دليلا على خلاف ما نصب عليه المستدل دليله. والمنع يراد به: منع مقدمة من الدليل. وذلك لأن غرض المستدل من إثبات مدعاه بدليله، يكون بصحة مقدماته، ليصلح للشهادة، وبسلامته عن المعارض لتنفذ شهادته، فيترتب عليه الحكم. وذهب السبكي ﵀ تبعا لبعض الجدليين إلى رجوعها إلى المنع خاصة، لأن المعارضة منع للعلة عن الجريان. والاعتراض يلحق الدليلا … دون الحكاية فلا سبيلا معناه أن الاعتراض - منعا أو معارضة - إنما يلحق الدليل، إما قبل تمامه لمقدمة منه، أو بعد تمامه. ولا يلحق حكاية المستدل للأقوال في المسألة المبحوث فيها، حتى يختار منها قولا،

стр. 447

ويستدل عليه. ولا يعترض على أدلة المسألة المحكية فيها، ما لم يختر منها، لأن الناقل ـ من حيث إنه ناقل ـ ليس بملتزم صحة ما نقله، بل هذا ليس بدليل بالنسبة إليه من تلك الحيثية، فإن التزم صحة الدليل الذي نقله، أو أقام دليلا برأيه، على ما نقله، صار حينئذ مستدلا، قاله في النشر. والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال معناه أن الشأن عند الأصوليين أن المثال لا يعترض عليه، لأنه إنما يساق لتوضيح المقصود، وإظهار المراد، فإذا كان كذلك، لم يلزم أن يكون واقعا، فيكفي فيه التقدير والفرض، بخلاف الشاهد فإنه مسوق للاحتجاج للقاعدة، فلا بد من ثبوته. قال في الحلي: نعم تكثر الاعتراضات على الأمثلة لشحذ ذهن الطالب، والمبالغة في تصحيح التصور، إذا كان في المسألة خفاء، فربما أفضى بالناظر إلى الغلط اهـ خاتمة وهو مفروض إذا لم يكن … للحكم من نص عليه ينبني معناه أن القياس حيث عدم ما سواه من الأدلة في النازلة، واجب وجوب كفاية على المجتهدين حيث تعددوا، فإن لم يوجد إلا واحد تعين عليه، كما هو الشأن في فروض الكفاية. وهذا بالنسبة لإيقاعه للمقلدين، ليخبروهم بحكم الله في الواقعة، وأما بالنسبة لإيقاعه لنفسه، فقال البناني ﵀ : ينبغي أن يكون فرض عين، على كل منهم، لامتناع تقليد بعضهم بعضا. ووجوب القياس على المجتهد للمقلد، محله إذا تعلق بواجب، أو تعلق بسنة، وأراد العمل كما قال العبادي ﵀ . لا ينتمي للغوث والجليل … إلا على ضرب من التأويل الغوث المراد به: النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - والجليل: اسم من أسمائه - جل

стр. 448

وعلا -. والمعنى أن الحكم المستخرج بالقياس، لا يجوز أن ينسب إلى الله أو إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يقال: قال الله أو قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأنه مستنبط لا منصوص، إلا أن يقصد قائل ذلك أنه دل عليه بحكم المقيس عليه ودليله. قال في النشر: فيجوز حينئذ، أن يقال مثلا قال الله كذا، لا إن قصد أن الله قال ذلك صريحا، بأن دل عليه بقول يخصه، وإن لم يقصد هذا ولا ذاك، فمحل نظر اهـ وهو معدود من الأصول … وشرعة الإله والرسول معنى أول الشطرين: أن القياس من أصول الفقه، كما علم من قوله ﵀ في تعريفه: أصوله دلائل الإجمال، خلافا لإمام الحرمين ﵀ فقد ذهب إلى أنه ليس منها، وإنما يبين في كتبه، لتوقف غرض الأصولي من إثبات حجيته، التي يتوقف عليها الفقه. قاله بمعناه المحلي. قوله: وشرعة الإله والرسول، معناه أن القياس من دين الله قال في النشر: وإنما كان من الدين لأنه مأمور به في قوله جل من قائل: (فاعتبروا يا أولي الابصار) وكل مأمور به من الدين، دليل صحة الكبرى أن الدين: ما يدان الله أي: يطاع به، فكل مأمور به، يدان الله به، لأنه بامتثال أمره به، يكون مطيعا له، ودليل صحة الصغرى الآية. قال في الآيات البينات: لكن في دليل الصغرى بحث، لجواز أن يكون المراد بالاعتبار الاتعاظ، فلا تدل على القياس اهـ وقيل: ليس من الدين، لأن اسم الدين إنما يقع على ما هو ثابت غير منقطع، والقياس قد لا يحتاج إليه. وقيل: إنه من الدين حيث تعين للاستدلال، بأن لم يكن للمسألة دليل غيره اهـ بخ القياس الجلي والقياس الخفي

стр. 449

ما فيه نفي فارق ـ ولو بِظَنْ ـ … جلي، وبالخفي عكسَه استبن كون الخفي بالشبه دأبا يستوي … وبين ذين واضح مما رُوِي قيل الجلي وواضح وذو الخفا … أولى مساو أدون قد عرفا معناه أن القياس ينقسم إلى جلي وخفي، والجلي هو ما قطع فيه بنفي الفارق، أو كان احتمال الفارق فيه ضعيفا. أولهما: كقياس الأمة على العبد في سراية العتق، وفي تشطر الحد. والثاني: كقياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية، الثابت بحديث: " أربع لا تجزئ في الأضاحي " (١) ووجه الفارق المحتمل أن يقال: العمياء تعلف، والعوراء توكل إلى نفسها في المرعى، وهي ناقصة البصر، فيكون العور مظنة الهزال دون العمى. والقياس الخفي: خلافه، وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويا، كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص. وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بأول الأبيات. وقيل: ينقسم القياس إلى جلي، وواضح، وخفي، والجلي هو: ما تقدم، والخفي: قياس الشبه، والواضح: ما بينهما. وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بالبيت الثاني. وقيل: الجلي: الأولى، والواضح: المساوي، والخفي: الأدون. وهو مراد الشيخ ﵀ بالبيت الثالث. قياس العلة وقياس الدلالة والقياس في معنى الأصل وما بذات علة قد جمعا … فيه، فقيس علة قد سمعا جامع ذي الدلالة الذي لزم … فأثر، فحكمها، كما رسم قياس معنى الأصل عنهم حقق … بما دعي الجمع بنفي الفارق

стр. 450

هذا تقسيم آخر للقياس، والمعنى أن القياس كما ينقسم باعتبار قوته وضعفه إلى جلي وغيره، ينقسم باعتبار علته إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل. أما أولها فهو ما صرح فيه بالعلة، كأن يقال: يحرم النبيذ كالخمر، للإسكار، وهذا هو مقصود الشيخ ﵀ بأول الأبيات. وأما الثاني فهو ما جمع فيه بلازمها، أو أثرها، أو حكمها. وهو مراد الشيخ ﵀ بالبيت الثاني. مثال الجمع بلازم العلة: أن يقال: النبيذ حرام كالخمر، بجامع الرائحة المشتدة، فهي لازمة للإسكار. ومثال الجمع بأثرها: أن يقال: القتل بمثقل، يوجب القصاص، كالقتل بمحدد بجامع الإثم. ومثال الجمع بحكمها: أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية قاله المحلي ﵀ . وهي مرتبة في القوة على هذا الترتيب، كما أشار إليه الشيخ ﵀ بالعطف بالفاء. وأما الثالث - وهو القياس في معنى الأصل - فهو الإلحاق بنفي الفارق، كقياس الأمة على العبد في سراية العتق، وقياسه عليها في تشطر الرق. قال الشربيني ﵀ : يؤخذ منه - يعني المحلي ﵀ أن معنى قولهم: قياس في معنى الأصل: قياس بسبب وجود مقصود الأصل، لعدم الفارق، ووجود المقصود يدل على وجود العلة، وحاصله: قياس بتلك العلة المحققة بنفي الفارق عن المقصود. كتاب الاستدلال قال التاج السبكي ﵀ : اعلم أن علماء الأمة أجمعوا على أن

стр. 451

ثم دليل شرعي غير ما تقدم، واختلفوا في تشخيصه، فقال قوم: هو الاستصحاب، وقوم: الاستحسان، وقوم: المصالح المرسلة، ونحو ذلك. والاستفعال يرد لمعان، وعندي أن المراد منها هاهنا: الاتخاذ. والمعنى أن هذا باب ما اتخذوه دليلا، والسر في جعله دون ما عداه متخذا، أن تلك الأدلة قام القاطع عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها، فقيامها أدلة لم ينشأ عن صنيعهم واجتهادهم. أما ما عقدوا له هذا الباب، فشيء قاله كل إمام بمقتضى أداء اجتهاده، فكأنه اتخذه دليلا، كما يقال الإمام الشافعي ﵀ يستدل بالاستصحاب، والإمام مالك ﵀ بالمصالح المرسلة، والإمام أبو حنيفة ﵀ بالاستحسان اهـ وقال ابن عاشور ﵀ : اصطلح الأصوليون على أن يسموا بالاستدلال: إيجاد دليل غير واضح من الأدلة الشرعية، وهو ينقسم إلى قسمين: أولهما: إيجاد دليل على حكم شيء، بالأخذ بلازم حكم آخر له، أو لغيره، كإشارة النص، وواضح كون هذا إيجادا، لأن الحكم المنصوص ـ مثلا ـ لم يتعرض للحكم المثبت، وإنما أخذ هذا الحكم الثاني باللازم. ثانيهما: أخذ دليل من تتبع مقاصد الشريعة، أو مواردها، كأخذ كون الأصل في المضار التحريم، ويدخل تحت القسمين طرق إثباتها، كالأقيسة المنطقية، والاستقراآت، والقواعد العقلية اهـ والاستدلال هو دليل ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس، كما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: ما ليس بالنص من الدليل … وليس بالإجماع والتمثيل والمراد بالتمثيل: القياس الشرعي المتقدم في قوله ﵀ : حمل لمعلوم على معلوم إلخ. وقال ابن الحاجب ﵀ في تعريف الاستدلال: فقيل: ما ليس

стр. 452

بنص ولا إجماع ولا قياس، وقيل: ولا قياس علة، فيدخل نفي الفارق، والتلازم اهـ منه قياس المنطقي والعكس .......................... المعنى أنه يدخل في الاستدلال القياس المنطقي، فهو دليل باعتبار التلازم، فوجود الملزوم كالسكر، يستلزم وجود اللازم وهو الحرمة، وانتفاؤه يستلزم انتفاءه. والقياس المنطقي هو: قول مركب من قضايا، متى سلمت، لزم عنه لذاته قول آخر، وهو نوعان: اقتراني واستثنائي. وذلك أن النتيجة إن ذكرت صورتها، أو ذكر نقيضها بالفعل، في القياس، بأن كان ذلك جزءا من إحدى القضيتين، فهو قياس استثنائي، نحو: إن كان النبيذ مسكرا، فهو حرام، لكنه مسكر، ينتج: فهو حرام، فقد جاءت فيه صورة النتيجة بالفعل. ونحو: إن كان النبيذ مباحا، فهو ليس بمسكر، لكنه مسكر، ينتج: فهو غير مباح، وقد جاء نقيض ذلك في القياس. وإن لم تذكر فيه النتيجة بالفعل، ولا نقيضها، فهو الاقتراني، نحو: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، ينتج: كل نبيذ حرام، ولم يقع هذا ـ أعني كل نبيذ حرام ـ في القياس بالفعل، ولا نقيضه، وإنما ذكر فيه بالقوة. وسمي اقترانيا، لاقتران الحدود فيه، حيث لم يفصل بينهما بحرف الاستثناء، وسمي السابق استثنائيا للفصل بحرف الاستثناء عند المناطقة. وإلى هذا يشير الأخضري في السلم بقوله: إن القياس من قضايا صورا … مستلزما بالذات قولا آخرا ثم القياس عندهم قسمان … فمنه ما يدعى بالاقتراني وهو الذي دل على النتيجة … بقوة، واختص بالحملية إلى أن قال: ومنه ما يدعى بالاستثنائي … يعرف بالشرطي بلا امتراء وهو الذي دل على النتيجة … أو ضدها بالفعل لا بالقوة ويدخل في الاستدلال أيضا قياس العكس، وهو إثبات عكس حكم شيء، لشيء

стр. 453

آخر، لتعاكسه معه في العلة. والمراد بالعكس ما يشمل الضد، كما صرح به العطار ﵀ وهو صريح الأمثلة التي مثلوا بها، قال الشربيني ﵀ : وحاصل قياس العكس: استدلال بنقيض العلة، على نقيض الحكم اهـ كحديث أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ (١) " قال أبو الوليد الباجي ﵀ في كتاب الإشارة: يصح الاستدلال بالعكس، وقال أبو حامد الاسفرائيني ﵀ : لا يجوز، والدليل على قولنا أن المعلل إذا قال: لا تحُل الشعرةَ الروحُ، لأنه لو حلته، لما جاز أخذه من الحيوان حال الحياة مع السلامة، ولَمَّا جاز أخذه منه حال الحياة، علمنا أن الروح لا تحله كالريش، هذا استدلال صحيح، لأنه لو حلت الحياة الشعر، وجاز أخذه من الحيوان حال الحياة، لانتفت العلة اهـ ونقل في البحر عن الشيخ أبي إسحاق ـ رحمهما الله أنه ذكر في الاستدلال به عن أصحابهم وجهين، أصحهما الإثبات، قال: ويدل عليه، أن الله دل على التوحيد بالعكس، فقال جل من قائل: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ودل على أن القرآن من عنده بالعكس، قال جل من قائل: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) اهـ ومنه فقد الشرط دون لبس ثم انتفا المدرك مما يرتضى … كذا وجود مانع أو ما اقتضى كأن البيت انقلب في التبييض، والمعنى أن من ما يدخل في الاستدلال وجود المقتضي، فهو دليل على وجود الحكم، ووجود المانع، فهو دليل على انتفاء الحكم، وفقد الشرط، فهو دليل على انتفاء الحكم، هكذا في شروح المراقي، والذي عد ابن الحاجب ﵀

стр. 454

سبحانه وتعالى - في مختصره في الاستدلال، والتاج ﵀ في الجمع: وُجد المقتضي أو المانع، أو فُقِد الشرط، بصيغة الفعل، أي: قول المستدل: وجد، لا وجود بالمصدر، ومذهب الأكثرين أنه دعوى، لا دليل. ويدخل في الاستدلال أيضا انتفاء الحكم لانتفاء مدركه. قال في المنهاج: السادس: فقد الدليل بعد التفحيص البليغ، يغلب ظن عدمه، وعدمه يستلزم عدم الحكم، لامتناع تكليف الغافل اهـ وقد تكلم الإمام ﵀ في المحصول عليه، وقال بعد بحث: وإذا عرفت هذا فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان اهـ ولا شك أن بين الاستدلال بهذا والاستدلال باستصحاب العدم الأصلي فرقا، وذلك لأمرين: أحدهما: أن كون الاستصحاب حجة، منهم من حكى عليه الاتفاق، (١) ومنهم من حكى فيه خلافا، وجعل مذهب الجمهور أنه حجة، وأما الاستدلال بفقد الدليل على عدم الحكم فمذهب الأكثرين أنه غير حجة. الثاني: ذكرهما معا في تعداد ما يدخل في الاستدلال، كما فعل الشيخ ﵀ تبعا للتاج في الجمع، والبيضاوي في المنهاج والسيف الآمدي في الإحكام ﵏ أجمعين ـ. وفرق بين الموضعين في الحلي بأن الاحتجاج بالأخير خاص بالمناظرة، وأنه إنما يقع في الاعتراض خاصة، وساق كلاما للإمام ﵀ – وغيره، ذكر أنه يقتضي ذلك، ولم يظهر لي ذلك جدا، والله أعلم بالصواب. كما ساق عليه كلاما لأبي الوليد الباجي ﵀ في الاستصحاب، وقد وقع فيه الاستدلال به على نفي دليل خاص، كما وقعت فيه نسبة القول به لجمهور

стр. 455

أهل العلم، مما يقتضي أنه يتكلم في الاستصحاب، فلينظر ذلك مع ما قيل من أن المراد في مسألة البيت انتفاء مدرك حكم خاص، وفي الاستصحاب انتفاء مدارك الأحكام الخمسة. وظاهر كلام أبي حامد الغزالي ﵀ أن حجية الاستصحاب خاصة بما علم فيه انتفاء الدليل، فعدم العلم بالدليل، ليس بدليل ملزم للخصم، وإنما الدليل الملزم، العلم بعدم الدليل، نعم ظن عدم الدليل حجة في العمل، لوجوب العمل على المجتهد بالراجح عنده، ونصه: الأصل الرابع: دليل العقل والاستصحاب: اعلم أن الأحكام السمعية، لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام ـ وتأييدهم بالمعجزات، وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل، قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع. فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات، فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة، لا بتصريح النبي بنفيها، لكن كان وجوبها منتفيا، إذ لا مثبت للوجوب، فبقي على النفي الأصلي، لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة، فبقي على النفي في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد. وكذلك إذا أوجب صوم رمضان، بقي صوم شوال على النفي الأصلي. وإذا أوجب عبادة في وقت، بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية. وإذا أوجب على القادر، بقي العاجز على ما كان عليه. فإذاً النظر في الأحكام، إما أن يكون في إثباتها، أو في نفيها. أما إثباتها، فالعقل قاصر عن الدلالة عليه. وأما النفي، فالعقل قد دل عليه، إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلا على أحد الشطرين، وهو النفي. فإن قيل: إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع، فبعد بعثة الرسل، ووضع الشرع، لا يعلم نفي السمع، فلا يكون انتفاء الحكم معلوما، ومنتهاكم عدم العلم بورود السمع، وعدم العلم لا يكون حجة.

стр. 456

قلنا: انتفاء الدليل السمعي قد يعلم، وقد يظن، فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا على وجوب صلاة سادسة، إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر، ولما خفي على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، وليس هو عدم العلم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة، والعلم بعدم الدليل حجة. أما الظن فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر، والأضحية، وأمثالهما، فرآها ضعيفة، ولم يظهر له دليل، مع شدة بحثه، وعنايته بالبحث، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل، لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهو غاية الواجب على المجتهد. فإن قيل: ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل؟ أو يكون عليه دليل لم يبلغنا؟ قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه، فمحال، لأنه تكليف بما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود السمع. وأما إن كان عليه دليل ولم يبلغنا، فليس دليلا في حقنا، إذ لا تكليف علينا إلا في ما بلغنا. فإن قيل: فيقدر كل عامي أن ينفي، مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل. قلنا: هذا إنما يجوز للباحث المجتهد المطلع على مدارك الأدلة، القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على التردد فى بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع، أو يدعي غلبة الظن. أما الأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يبصر ما فيه، فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت اهـ فلعل المراد بمسألة البيت: أن احتجاج أحد المتناظرين، بعدم وجدان الدليل، لا ينهض حجة على خصمه، فهو دعوى دليل، لا دليل، كقوله: وجد المقتضي، أو المانع، أو فقد الشرط، فهي دعاو لا أدلة، والله أعلم. وأما ما قيل من أن انتفاء المدرك دليل بنفسه هنا، جزء من الدليل في الاستصحاب،

стр. 457

فليس ببين، فقد قال الإمام ﵀ فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان، إلا إذا وجدت دلالة شرعية مغيرة اهـ وقال أيضا: المناظر تلو المجتهد، ومعلوم أن المجتهد لا يجوز له التمسك باستصحاب حكم الأصل، إلا إذا بحث، واجتهد في طلب الأدلة المغيرة، فإذا لم يجد في الواقعة شيئا منها، حل له في ما بينه وبين الله أن يحكم بمقتضى الاستصحاب، فأما قبل البحث عن وجود هذه الدلائل المغيرة، فلا يجوز له التمسك بالاستصحاب ـ أصلا ـ فلما ثبت أن الأمر في المجتهد كذلك، وجب أن يكون في حق المناظر كذلك، لأنه لا معنى للمناظرة المشروعة إلا بيان وجه الاجتهاد اهـ فانتفاء المدرك دليل في الموضعين على عدم الحكم، فيستصحب عند من يقول بالاستصحاب. وأما الحنفية فيخالفون في تسميته استصحابا، ولا يخالفون في الحكم، فهو ثابت عندهم أيضا، لكن بالعقل لا بالاستصحاب كما نص عليه الشربيني ﵀ . ومنه الاستقراء بالجزئي … على ثبوت الحكم للكلي فإن يعم غير ذي الشقاق … فهو حجة بالاتفاق وهو في البعض إلى الظن انتسب … يسمى لحوق الفرد بالذي غلب يدخل في الاستدلال كذلك الاستقراء، بأن تُتَتَبَّعَ جزئيات كلي، ليثبت حكمها له، وينقسم إلى تام، وناقص. أما التام فهو: ما استقرئت فيه جميع الجزئيات، ما عدا الجزئية التي هي صورة النزاع، أو محل البحث، وهو دليل قطعي على ثبوت الحكم فيها، عند الأكثرين، واحتمال مخالفة تلك الصورة لغيرها، لا يمنع من القطع العادي، إذ الاحتمالات البعيدة لا تنافيه، كما قالوه في إفادة التواتر العلم، من أن تجويز العقل التواطأ على الكذب، لا ينافي إفادته العلم الضروري. … وقيل: ليس بقطعي، وحكى البدخشي في شرح منهاج البيضاوي - رحمهما الله الاتفاق على أنه دليل يقيني، كما في حاشية العطار ﵀ سبحانه

стр. 458

وتعالى ـ. وأما الناقص فهو: ما استقرئ فيه أكثر الجزئيات، غير صورة النزاع، وهو دليل ظني، ويعرف عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب. قال في الإبهاج: ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كانت أكثر، كان الظن أغلب، وقد اختلف في هذا النوع، واختار المصنف - يعني البيضاوي رحمهما الله أنه حجة تبعا لتاج الدين صاحب الحاصل، وهو ما اختاره صفي الدين الهندي ﵀ وبه نقول. وقال الإمام ﵀ : الأظهر أنه لا يفيد الظن، إلا بدليل منفصل. ثم بتقدير الحصول يكون حجة، وهذا يعرفك أن الخلاف الواقع في أنه هل يفيد الظن، لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة اهـ والفرق بين القياس الأصولي، والمنطقي، والاستقرائي، أن الأصولي هو: الاستدلال بثبوت الحكم في جزئي، لإثباته في جزئي آخر مثله بجامع، والمنطقي هو الاستدلال بثبوت الحكم في كلي، لإثباته في جزئي، والاستقرائي عكس المنطقي قاله العطار ﵀ . والمقصود بالذات بالاستقراء عند المناطقة الحكم على الكلي، بخلافه عند الأصوليين، فإنه الحكم على الجزئي، لتعلق غرضهم بأحكام الجزئيات، ومن هنا يعلم أنه لا حاجة بهم إلى الاستقراء التام عند المناطقة، لأنه مبني على علم ثبوت الحكم في جميع الجزئيات، والاصوليون إنما يحتاجون للدليل لعلم حكم الجزئي، والفرض أنه معلوم، ولما كان وجه الدلالة عند المناطقة لا بد وأن يكون لزوما عقليا، كان الاستقراء سواء للجميع ما عدا واحدة أو للأكثر ما عداها، لا يفيد عندهم إلا الظن، لجواز المخالفة قاله الشربيني ﵀ . قال: واعلم أن التقييد بصورة النزاع في المحلين، يخرج ما لو كان النزاع في صورتين فأكثر، فلا يقال في الأول إنه حينئذ قطعي، ولا في الثاني إنه ظني، لكن لا يخلو عدم كون الثاني ـ

стр. 459

حينئذ ـ ظنيا، عن تأمل اهـ ورجحنَّ كون الاستصحاب … للعدم الأصلي من ذا الباب بعد قُصارى البحث عن نص فلم … يلف وهذا البحث وفقا منحتم وإن يعارض غالبا ذا الاصْلُ … ففي المقدم تنافى النقل وما على ثبوته للسبب … شرعٌ يدل مثل ذاك استصحب وما بماض مثبت للحال … فهو مقلوب وعكس الخالي كجري ما جهل فيه المصرف … على الذي الآن لذاك يعرف الاستصحاب أنواع: منها استصحاب العدم الأصلي، وهو المذكور هنا، وقد تقدم الكلام عليه قريبا بما يكفي. واختلف إذا عارضه غالب، فقيل: يقدم الأصل على الغالب، وقيل: يقدم الغالب عليه، كتنازع مشتري لحم - مثلا - وبائعه بعد بينونته به، في دفع الثمن. وربما قدم الغالب اتفاقا، وربما قدم الأصل اتفاقا، وربما ألغيا معا، وأخذ بالنادر الذي ليس بأصل، لمعنى يوجب ذلك، كما بينه ابن عاشور ﵀ . وإلى الاختلاف المذكور أشار الشيخ ﵀ بقوله: وإن يعارض غالبا البيت. ومن أنواع الاستصحاب: استصحاب الإجماع، وليس بحجة عندنا، قال أبو الوليد الباجي ﵀ – في الإشارة: وذلك مثل استدلال داود ﵀ على أن أم الولد يجوز بيعها، لأنهم قد أجمعوا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن ادعى المنع من ذلك بعد الحمل، فعليه الدليل. وهذا غير صحيح من الاستدلال، لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا، لم يجز الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله اهـ وقال به المزني والصيرفي وابن سريج والآمدي ﵏ .

стр. 460

ومنها استصحاب العموم والنص، إلى ورود المغير، من مخصص أو ناسخ. وعندنا أن الدليل في ذلك النص أو العموم، إذ الزمن لا أثر له، حتى يصار إلى الاستصحاب. قال في النشر: قال الرازي - رحمهما الله : وإن سمى هذا مسمِّ استصحابا، لم يناقش اهـ ومنها استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، كثبوت الملك، لثبوت الشراء، وثبوت النكاح، لثبوت التزوج. وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وما على ثبوته للسبب البيت. ومنه نوع يسمى بالاستصحاب المقلوب، وهو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر - مثلا - على ثبوته في الزمان الذي قبله. قال التاج السبكي ﵀ : وطريقك في المقلوب، أن تقول: لو لم يكن الثابت الآن، ثابتا أمس، لكان غير ثابت، إذ لا واسطة، وإذا كان غير ثابت، قضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت، يدل أنه كان ثابتا أيضا اهـ قال الشربيني ﵀ : وحاصله أن ثبوته الآن، علامة على ثبوته في الماضي، إذ لو لم يكن ثابتا فيه، لاختلف الحالان، والأصل توافقهما اهـ وإلى مقلوب الاستصحاب أشار الشيخ ﵀ بقوله: وما بماض مثبت للحال البيت. قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: كما إذا وقع النظر في هذا المكيال، هل كان على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ فيقال: نعم، إذ الأصل موافقة الماضي للحال اهـ ومن أمثلته ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: كجري ما جهل فيه المصرف البيت. قال في النشر: يعني أن من أمثلة الاستصحاب المقلوب: ما لبعض القرويين والأندلسيين من أهل مذهبنا، من أن الحبس إذا جهل أصل مصرفه، ووجد على حالة، فإنه
следующие страницы →