← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 939

فتح الباقي على منظومة المراقي

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (531 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قلنا: انتفاء الدليل السمعي قد يعلم، وقد يظن، فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا على وجوب صلاة سادسة، إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر، ولما خفي على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، وليس هو عدم العلم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة، والعلم بعدم الدليل حجة. أما الظن فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر، والأضحية، وأمثالهما، فرآها ضعيفة، ولم يظهر له دليل، مع شدة بحثه، وعنايته بالبحث، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل، لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهو غاية الواجب على المجتهد. فإن قيل: ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل؟ أو يكون عليه دليل لم يبلغنا؟ قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه، فمحال، لأنه تكليف بما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود السمع. وأما إن كان عليه دليل ولم يبلغنا، فليس دليلا في حقنا، إذ لا تكليف علينا إلا في ما بلغنا. فإن قيل: فيقدر كل عامي أن ينفي، مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل. قلنا: هذا إنما يجوز للباحث المجتهد المطلع على مدارك الأدلة، القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على التردد فى بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع، أو يدعي غلبة الظن. أما الأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يبصر ما فيه، فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت اهـ فلعل المراد بمسألة البيت: أن احتجاج أحد المتناظرين، بعدم وجدان الدليل، لا ينهض حجة على خصمه، فهو دعوى دليل، لا دليل، كقوله: وجد المقتضي، أو المانع، أو فقد الشرط، فهي دعاو لا أدلة، والله أعلم. وأما ما قيل من أن انتفاء المدرك دليل بنفسه هنا، جزء من الدليل في الاستصحاب،

стр. 457

فليس ببين، فقد قال الإمام ﵀ فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان، إلا إذا وجدت دلالة شرعية مغيرة اهـ وقال أيضا: المناظر تلو المجتهد، ومعلوم أن المجتهد لا يجوز له التمسك باستصحاب حكم الأصل، إلا إذا بحث، واجتهد في طلب الأدلة المغيرة، فإذا لم يجد في الواقعة شيئا منها، حل له في ما بينه وبين الله أن يحكم بمقتضى الاستصحاب، فأما قبل البحث عن وجود هذه الدلائل المغيرة، فلا يجوز له التمسك بالاستصحاب ـ أصلا ـ فلما ثبت أن الأمر في المجتهد كذلك، وجب أن يكون في حق المناظر كذلك، لأنه لا معنى للمناظرة المشروعة إلا بيان وجه الاجتهاد اهـ فانتفاء المدرك دليل في الموضعين على عدم الحكم، فيستصحب عند من يقول بالاستصحاب. وأما الحنفية فيخالفون في تسميته استصحابا، ولا يخالفون في الحكم، فهو ثابت عندهم أيضا، لكن بالعقل لا بالاستصحاب كما نص عليه الشربيني ﵀ . ومنه الاستقراء بالجزئي … على ثبوت الحكم للكلي فإن يعم غير ذي الشقاق … فهو حجة بالاتفاق وهو في البعض إلى الظن انتسب … يسمى لحوق الفرد بالذي غلب يدخل في الاستدلال كذلك الاستقراء، بأن تُتَتَبَّعَ جزئيات كلي، ليثبت حكمها له، وينقسم إلى تام، وناقص. أما التام فهو: ما استقرئت فيه جميع الجزئيات، ما عدا الجزئية التي هي صورة النزاع، أو محل البحث، وهو دليل قطعي على ثبوت الحكم فيها، عند الأكثرين، واحتمال مخالفة تلك الصورة لغيرها، لا يمنع من القطع العادي، إذ الاحتمالات البعيدة لا تنافيه، كما قالوه في إفادة التواتر العلم، من أن تجويز العقل التواطأ على الكذب، لا ينافي إفادته العلم الضروري. … وقيل: ليس بقطعي، وحكى البدخشي في شرح منهاج البيضاوي - رحمهما الله الاتفاق على أنه دليل يقيني، كما في حاشية العطار ﵀ سبحانه

стр. 458

وتعالى ـ. وأما الناقص فهو: ما استقرئ فيه أكثر الجزئيات، غير صورة النزاع، وهو دليل ظني، ويعرف عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب. قال في الإبهاج: ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كانت أكثر، كان الظن أغلب، وقد اختلف في هذا النوع، واختار المصنف - يعني البيضاوي رحمهما الله أنه حجة تبعا لتاج الدين صاحب الحاصل، وهو ما اختاره صفي الدين الهندي ﵀ وبه نقول. وقال الإمام ﵀ : الأظهر أنه لا يفيد الظن، إلا بدليل منفصل. ثم بتقدير الحصول يكون حجة، وهذا يعرفك أن الخلاف الواقع في أنه هل يفيد الظن، لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة اهـ والفرق بين القياس الأصولي، والمنطقي، والاستقرائي، أن الأصولي هو: الاستدلال بثبوت الحكم في جزئي، لإثباته في جزئي آخر مثله بجامع، والمنطقي هو الاستدلال بثبوت الحكم في كلي، لإثباته في جزئي، والاستقرائي عكس المنطقي قاله العطار ﵀ . والمقصود بالذات بالاستقراء عند المناطقة الحكم على الكلي، بخلافه عند الأصوليين، فإنه الحكم على الجزئي، لتعلق غرضهم بأحكام الجزئيات، ومن هنا يعلم أنه لا حاجة بهم إلى الاستقراء التام عند المناطقة، لأنه مبني على علم ثبوت الحكم في جميع الجزئيات، والاصوليون إنما يحتاجون للدليل لعلم حكم الجزئي، والفرض أنه معلوم، ولما كان وجه الدلالة عند المناطقة لا بد وأن يكون لزوما عقليا، كان الاستقراء سواء للجميع ما عدا واحدة أو للأكثر ما عداها، لا يفيد عندهم إلا الظن، لجواز المخالفة قاله الشربيني ﵀ . قال: واعلم أن التقييد بصورة النزاع في المحلين، يخرج ما لو كان النزاع في صورتين فأكثر، فلا يقال في الأول إنه حينئذ قطعي، ولا في الثاني إنه ظني، لكن لا يخلو عدم كون الثاني ـ

стр. 459

حينئذ ـ ظنيا، عن تأمل اهـ ورجحنَّ كون الاستصحاب … للعدم الأصلي من ذا الباب بعد قُصارى البحث عن نص فلم … يلف وهذا البحث وفقا منحتم وإن يعارض غالبا ذا الاصْلُ … ففي المقدم تنافى النقل وما على ثبوته للسبب … شرعٌ يدل مثل ذاك استصحب وما بماض مثبت للحال … فهو مقلوب وعكس الخالي كجري ما جهل فيه المصرف … على الذي الآن لذاك يعرف الاستصحاب أنواع: منها استصحاب العدم الأصلي، وهو المذكور هنا، وقد تقدم الكلام عليه قريبا بما يكفي. واختلف إذا عارضه غالب، فقيل: يقدم الأصل على الغالب، وقيل: يقدم الغالب عليه، كتنازع مشتري لحم - مثلا - وبائعه بعد بينونته به، في دفع الثمن. وربما قدم الغالب اتفاقا، وربما قدم الأصل اتفاقا، وربما ألغيا معا، وأخذ بالنادر الذي ليس بأصل، لمعنى يوجب ذلك، كما بينه ابن عاشور ﵀ . وإلى الاختلاف المذكور أشار الشيخ ﵀ بقوله: وإن يعارض غالبا البيت. ومن أنواع الاستصحاب: استصحاب الإجماع، وليس بحجة عندنا، قال أبو الوليد الباجي ﵀ – في الإشارة: وذلك مثل استدلال داود ﵀ على أن أم الولد يجوز بيعها، لأنهم قد أجمعوا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن ادعى المنع من ذلك بعد الحمل، فعليه الدليل. وهذا غير صحيح من الاستدلال، لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا، لم يجز الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله اهـ وقال به المزني والصيرفي وابن سريج والآمدي ﵏ .

стр. 460

ومنها استصحاب العموم والنص، إلى ورود المغير، من مخصص أو ناسخ. وعندنا أن الدليل في ذلك النص أو العموم، إذ الزمن لا أثر له، حتى يصار إلى الاستصحاب. قال في النشر: قال الرازي - رحمهما الله : وإن سمى هذا مسمِّ استصحابا، لم يناقش اهـ ومنها استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، كثبوت الملك، لثبوت الشراء، وثبوت النكاح، لثبوت التزوج. وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وما على ثبوته للسبب البيت. ومنه نوع يسمى بالاستصحاب المقلوب، وهو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر - مثلا - على ثبوته في الزمان الذي قبله. قال التاج السبكي ﵀ : وطريقك في المقلوب، أن تقول: لو لم يكن الثابت الآن، ثابتا أمس، لكان غير ثابت، إذ لا واسطة، وإذا كان غير ثابت، قضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت، يدل أنه كان ثابتا أيضا اهـ قال الشربيني ﵀ : وحاصله أن ثبوته الآن، علامة على ثبوته في الماضي، إذ لو لم يكن ثابتا فيه، لاختلف الحالان، والأصل توافقهما اهـ وإلى مقلوب الاستصحاب أشار الشيخ ﵀ بقوله: وما بماض مثبت للحال البيت. قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: كما إذا وقع النظر في هذا المكيال، هل كان على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ فيقال: نعم، إذ الأصل موافقة الماضي للحال اهـ ومن أمثلته ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: كجري ما جهل فيه المصرف البيت. قال في النشر: يعني أن من أمثلة الاستصحاب المقلوب: ما لبعض القرويين والأندلسيين من أهل مذهبنا، من أن الحبس إذا جهل أصل مصرفه، ووجد على حالة، فإنه

стр. 461

يجرى عليها، ورأوا أن إجراءه على هذه الحالة، دليل على أنه كان كذلك في الأصل، فهذا دليل على أنه حجة عندهم، وظاهر كلام السبكي ﵀ أنه حجة. والاخذ بالذي له رجحان … من الادلة هو استحسان أو هو تخصيص بعرف ما يعم … ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم ورد كونه دليلا ينقدح … ويقصر التعبير عنه متضح يدخل في الاستدلال أيضا، الاستحسان، وقد اختلف في تفسيره، ونقل أبو الوليد االباحي في الإشارة عن ابن خويز منداد ـ رحمهما الله أنه القول بأقوى الدليلين، وهذا المعنى لا خلاف في المصير إليه بين أهل العلم، لوجوب العمل بالراجح. وجاء عن الإمام أشهب ﵀ أنه تخصيص الدليل العام، بالعادة، لمصلحة الناس، كاستحسان جواز دخول الحمام من غير تعيين زمن المكث فيه، وقدر الماء، فإنه معتاد على خلاف الدليل. وأجيب بأن العادة إن انتصب عليها دليل، كتقريره صلى الله تعالى عليه وسلم، أو إجماع أهل العلم، فلا خلاف في الأخذ بها لقيام دليلها، وإلا فلا حجة فيها. واستظهر الإبياري ﵀ أنه استعمال مصلحة جزئية، في مقابلة قياس كلي، فهو كتقديم الاستدلال المرسل على القياس، كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار، الرد، وبعضهم الإمضاء، فالقياس رد الجميع إن رد بعضهم، لأن من ورثوا عنه الخيار، لو رد البعض، رد الجميع، لما في التبعيض من إدخال الضرر على البائع، والاستحسان أخذ المجيز الجميع، ارتكابا لأخف الضررين. فالاستحسان على هذا القول: الأخذ بمصلحة جزئية، في مقابلة دليل كلي، ويشهد له الرخص الواقعة في الشريعة قاله في النشر. وقيل: إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، يعسر عليه التعبير عنه، قال السيف الآمدي ﵀ : والوجه في الكلام عليه، أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا، ووهما فاسدا، فلا خلاف في امتناع التمسك به، وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية، فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع في

стр. 462

تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه، دون حالة إمكان التعبير عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي اهـ وقال في المنخول: وهذا أيضا هوس، فإن معاني الشارع إذا لاحت في العقول، انطلقت الألسن بالتعبير عنها، فما لا عبارة عنه لا يعقل اهـ وقيل في تفسيره غير ذلك. قال التاج السبكي ﵀ في الإبهاج بعد ما ذكر في تفسيره أقوالا: وقد ذكر للاستحسان تفاسير أخر مزيفة، لا نرى التطويل بذكرها، وحاصلها يرجع إلى أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه اهـ وقال في التلويح: قد كثر فيه المدافعة، والرد على المدافعين، ومنشؤهما عدم تحقيق مقصود الفريقين، إلى أن قال: فإن القائلين بالاستحسان، يريدون به ما هو أحد الأدلة الأربعة، والقائلين بأن من استحسن فقد شرع، يريدون أن من أثبت حكما بأنه مستحسن من غير دليل عن الشارع، فهو الشارع لذلك الحكم، حيث لم يأخذه من الشارع اهـ رأي الصحابي على الأصحاب لا … يكون حجة بوفق من خلا معناه أن مذهب الصحابي المجتهد، ليس بحجة على صحابي آخر مجتهد اتفاقا، لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - على جواز مخالفة بعضهم بعضا. قال في النشر: قولا كان - يعني مذهب الصحابي - أو فعلا، إماما كان أو حاكما، أو مفتيا. أما قول الصحابي غير المجتهد، فغير حجة على الصحابي وغيره اتفاقا، فلا يعمل بما جاء عنه، إلا ما كان رواية صريحة، أو كالصريحة، بأن كان لا مجال للاجتهاد فيه اهـ واختلف في حجية قول الصحابي المجتهد، على المجتهد الذي ليس بصحابي، فقيل: حجة مطلقا، وجعله في النشر المشهور عن الإمام مالك ﵀ وهو قول الإمام الشافعي ﵀ في القديم. وقيل: ليس بحجة مطلقا، وهو قول الإمام الشافعي ﵀ في الجديد، ونسب للإمام مالك ﵀ أيضا، وهو اختيار المتأخرين من المالكية، كما في حاشية ابن عاشور ﵀ .

стр. 463

وقيل: حجة إن انتشر، ولم يعلم له مخالف. وأورد عليه أنه إن اجتمعت شروط الإجماع السكوتي، فهو الحجة، وإلا فلا. وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: في غيره ثالثها إن انتشر … وما مخالف له قط ظهر وقيل: حجة إن خالف القياس، ونسب للإمام الشافعي ﵀ ونسب له عكسه أيضا. وعلى القول بالحجية فإذا اختلف صحابيان، كان كتعارض دليلين، فيصار إلى الترجيح. وقال التاج السبكي ﵀ في شرح المختصر: فيه نظر، فإن التعارض بين الدليلين، إنما يقع في ظن المجتهد، لا في نفس الأمر، وهنا إذا كان قول الصحابي حجة، ونحن نشاهدهم مختلفين، يلزم وقوع التعارض في نفس الأمر، ولا قائل به اهـ قال الشربيني ﵀ : ولعله وجه ضعف هذا القول، مع ما مر من أن قوله في نفسه ليس بحجة، إذ ليس بكتاب ولا سنة ولا قياس ولا إجماع اهـ ويقتدي من عم بالمجتهد … منهم لدى تحقق المعتمد اختلف في تقليد غير المجتهد للصحابي المجتهد، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز لارتفاع الثقة بما ينقل عنهم من ذلك، لعدم تدوين مذاهبهم، فالعامل بما يُنقل عنهم ليس على ثقة من قصدهم، لما يكتنف النقل عنهم غالبا من الإجمال، وقيام الاحتمال، الموجب للشك في المقصود، والتردد في حقيقة المراد، فمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - لم تثبت حق الثبوت، لأنها نقلت فتاوى مجردة، فلعل لها مقيدا، أو مخصصا، أو مكملا، لو انضبط كلام قائله لظهر، قاله في النشر. وهذا القول نسبه إمام الحرمين ﵀ للمحققين، وعليه فإذا اتفق تحقق مذهب واحد منهم على وجه لا لبس فيه، جاز تقليده اتفاقا. والتابعي في الرأي لا يقلد … له منَ اَهل الاجتهاد أحد

стр. 464

معناه أن المجتهد لا يجوز له تقليد التابعي المجتهد، فليس فيه الخلاف الذي في الصحابي المجتهد. من لم يكن مجتهدا فالعمل … منه بمعنى النص مما يحظل معناه أن القاصر عن رتبة الاجتهاد، لا يجوز له تلقي الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، لعدم الأهلية الكافية لذلك، التي تقتضي الثقة برأي صاحبها، لاستلزامها القصد في النظر غالبا، ولزوم الجادة في الاجتهاد، وتسني الاهتداء إلى مثار الحكم، وتفهم دقائق الإشارات، والسلامة من تنكب نهج الصواب غالبا، فالنظر في الأدلة مع الخلو من ذلك، تخمين ومجازفة، وقول على الله على غير بصيرة. وسيأتي ذكر الاختلاف في تجزئ الاجتهاد، ولقد أحسن الشيخ محمد عبد الله بن الإمام الجكني (١) ﵀ حيث يقول: من لم يكن مجتهدا فليستند … في قفوه النص لفهم مجتهد ليقفو النص على بصيره … وحجة ظاهرة منيره والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. سد الذرائع إلى المحرم … حتم، كفتحها إلى المنحتم وبالكراهة وندب وردا .......................... مما يدخل في الاستدلال أيضا، سد الذرائع، والذرائع: جمع ذريعة، وهي لغة: الوسيلة والوصلة.

стр. 465

قال أبو الوليد الباجي ﵀ في الإشارة: وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل محظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل، ثم يشتريها بخمسين نقدا، ليتوصل بذلك إلى بيع خمسين مثقالا نقدا، بمائة إلى أجل، وأباح الذرائع الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي - رحمهما الله . والدليل على ما نقوله: قوله جل من قائل: (وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تاتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم) فوجه الدليل من هذه الآية الكريمة، أنه حرم الاصطياد يوم السبت، وأباحه سائر الأيام، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم، وتغيب عنهم في سائر الأيام، فكانوا يحضرون عليها إذا جاءت يوم السبت، ويسدون عليها المسالك، ويقولون: إنما منعنا من الاصطياد يوم السبت فقط، وإنما نفعل الاصطياد في سائر الأيام، وهذه صورة الذرائع. ويدل على ذلك قوله جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) فمنع جميع المؤمنين أن يقولوا: راعنا، لما كان اليهود يتوصلون بذلك إلى ما لا يجوز، فمنع من ذلك المؤمنين، وإن كانوا لا يقصدون به ما منع من أجله. ويدل على ذلك أيضا ما روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " ثم قال: " احتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبهه بعتبة (١). وأيضا فإن ذلك إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - وذلك أن عمر - رضي الله عنه - قال: يا أيها الناس إن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبض ولم يفسر لنا الربا، فاتركوا الريبه. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - لما سئل عن بيع الطعام قبل أن يستوفى: دراهم بدراهم، والطعام مرجى اهـ بخ

стр. 466

واستدل أيضا في ما نقله عنه الزركشي في البحر - رحمهما الله بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها وأكلوا أثمانها " (١) وقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (٢) وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات " (٣) اهـ قال في البحر: قال القرطبي - رحمهما الله : وسد الذرائع ذهب إليه الإمام مالك وأصحابه ﵏ أجمعين - وخالفه أكثر الناس تأصيلا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلا. قال الزركشي ﵀ : ثم حرر موضع الخلاف، فقال: اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع قطعا، أو لا. والأول ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه، ففعله حرام، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والذي لا يلزم إما أن يفضي إلى المحظور غالبا، أو ينفك عنه غالبا، أو يتساوى الامران، وهو المسمى بالذرائع عندنا. فالاول لا بد من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه، وربما يسميه التهمة البعيدة، والذرائع الضعيفة اهـ وقول الشيخ ﵀ : كفتحها إلى المنحتم وبالكراهة وندب وردا، كأنه عقد به قول شهاب الدين القرافي ﵀ في التنقيح: واعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج اهـ وهذا منه مبني على ترادف الوسيلة والذريعة، وهو وإن كان كذلك لغة، (٤) إلا أن الوسيلة

стр. 467

لها حكم المقصد اتفاقا كما تقدم في مباحث الأمر (١). والمراد بها: ما لا يتأتى فعل المطلوب إلا به، سواء كان المطلوب فعلا أو تركا، كان الطلب جازما أو لا، سواء كان ما يتوقف عليه الإتيان بالمطلوب فعلا أيضا أو تركا. وأما الذريعة فإنما اشتهر استعمالها في ذريعة المحرم، وقد تقدم تعريفها في قول أبي الوليد الباجي ﵀ : وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل محظور اهـ وقد تقدم في كلام القرطبي ﵀ ما هو صريح في الفرق بين الذريعة والوسيلة، والله أعلم. ولم أتمكن من الوقوف على التعبير بفتح الذريعة لأحد قبل شهاب الدين القرافي ﵀ – وليست عبارة: فتح الذريعة بينة في وجوب وسيلة الواجب، إذ المتبادر من الفتح، رفع الحظر. هذا ولم أقف على سد ذريعة المكروه أيضا لغير شهاب الدين القرافي ﵀ أيضا، وظاهر عبارة من تسنى لي الوقوف على كلامهم في هذا الأصل، اختصاصه بالمحرم، وهو بين، فإن المكروه غير ممنوع الفعل، فلا يتهم في التحيل إليه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وألغ إن يك الفساد أبعدا أو رجح الإصلاح كالأسارى … تفدى بما يدفع للنصارى وانظر تدلي دوال العنب … في كل مشرق وكل معرب لا خلاف بين العلماء في أنه ليس كل ما يمكن التوصل به إلى الممنوع ممنوعا، ولا يكاد شيء من الأشياء يخلو من ذلك. قال في النشر: يعني أنه يجب إجماعا إلغاء الذريعة إذا كان الفساد أبعد جدا من المصلحة، وأشرت إلى دليل ذلك بقولي: وانظر إلخ، يعني أن مما يدل على إلغاء الذريعة التي

стр. 468

الفساد فيها بعيد جدا، ما تشاهده في مشارق الدنيا ومغاربها، من دوالي العنب المغروسة، المتدلية العناقيد، ولم يمنع أحد من غرسها، خوف شرب الخمر التي تكون من عنبها، وكذا لم يمنع أحد من الشركة في الدور خشية الوقوع في الزنى اهـ وقوله: أو رجح الإصلاح البيت، معناه أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة أرجح منها، سقط اعتبارها، والظاهر أن هذا هو عين ما تقدم، من تعين ارتكاب الضرر الأخف، حيث اجتمع ضرران ليس من أحدهما بد، وقد تقدم الكلام عليها في مباحث الأمر، ففوات المصلحة الراجحة، مفسدة أعظم من المفسدة المقابلة للمصلحة، والله أعلم. قال سيدي خليل ﵀ : وجاز بالأسرى المقاتلة اهـ قال المواق ﵀ : ابن عرفة عن سحنون والأخوين ﵏ أجمعين -: يفدى الأسرى، بأسرى الكفار القادرين على القتال، لما لم يرضوا إلا به، اللخمي عن أصبغ - رحمهما الله : ما لم يخش بفدائه ظهورهم على المسلمين اهـ والدوالي: جمع دالية، وهي شجرة العنب. وينبذ الإلهام بالعراء … أعني به إلهام الاولياء وقد رآه بعض من تصوفا … وعصمة النبي توجب اقتفا يظهر أنه عقد بأول البيتين وشطر الثاني، قول التاج السبكي ﵀ في الجمع: الإلهام إيقاع شيء في القلب يثلُج له الصدر، يخص به الله بعض أصفيائه، وليس بحجة، لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره، خلافا لبعض الصوفية اهـ يعني في قولهم: إنه حجة في حقه خاصة كما قال جلال الدين المحلي ﵀ . وقال في رفع الحاجب: والذي عليه جمهور العلماء أنه خيار لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها، في ما أبيح عمله بغير علم اهـ وأشار ﵀ بالشطر الأخير إلى قول جلال الدين المحلي - رحمه

стр. 469

الله : أما المعصوم كالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو حجة في حقه، وحق غيره إذا تعلق بهم، كالوحي اهـ وقد تقدم ذلك في السنة. لا يحكم الولي بلا دليل … من النصوص ومن التأويل في غيره الظن وفيه القطع … لأجل كشف ما عليه نقْعُ أول الأبيات بيان لنبذ الإلهام كما قال في النشر. وكأنه أعاد ذلك، ليبين أن عدم اعتبار قول الولي، إنما هو بالنسبة للأحكام، وأما ما يقع له من الإلهام في غير الأحكام، فقد يحصل به القطع له بالكشف عنه حتى يعاينه، وقد يحصل له به الظن. فقوله ﵀ : ما عليه نقع، معناه لأجل انكشاف للأمر حتى يراه على وجه لا خفاء معه، والنقع: الغبار. قال في النشر: ومن يخبره الولي بشيء، فقد يحصل له القطع به، لموجب من موجبات اليقين، ككونه تكرر منه ألا يخبر بشيء إلا رآه كما أخبر به، فمثل ذلك يحصل اليقين من غير الولي فضلا عنه اهـ ولا يخفى أن القطع الذي قد يحصل بخبر الولي عادي، لا عقلي، بخلاف القطع الحاصل بخبر النبي - صلى الله وسلم على نبينا وعلى سائر الانبياء والمرسلين - فهو بالوجوب العقلي، الذي يستحيل معه التخلف، وهو موضوع كلام مولاي شيخ الشيوخ الراسخين وناصر الملة والدين مولاي: المختار ابن بونا ـ رحمهما الله إذ القطع العادي لا يكفي في أخبار الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ. والظن يختص بخمس الغيب … لنفي علمها بدون ريب قال في النشر: يعني أن الظن يختص بالخمس التي هي مفاتح الغيب، لنفي العلم بها في الحديث الصحيح، ونفي العلم لا يستلزم نفي الظن، وقال بعضهم إن نفي العلم بها إنما يكون قبل تكلم الملائكة بوقوع الأمر، أما بعده، فقد يعلمه الولي. وقال القرافي ﵀ إن الذي اختص الله – به

стр. 470

علم الخمس بلا سبب، أما به كالمنام، فقد يحصل لغيره كقصة سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في حمل بنت خارجة حين أخبر بأنه أنثى اهـ والأبين في العبارة أن يقال: إن اختصاصه بعلم ذلك لا يمنع أن يُطلع عليه من شاء. وقد صرح الآلوسي في روح المعاني بامتناع إطلاق علم الغيب في غير الله وإنما يقال أُطلع، أو أُظهر - بالبناء للمفعول - على الغيب، ونحو ذلك مما يفهم الواسطة في ثبوت العلم، تجنبا لما يوهم. قال: ويؤيد ما ذكر، أنه لم يجئ في القرآن الكريم نسبة علم الغيب إلى غيره أصلا، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى من رسول اهـ صلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ـ قدُ اُسس الفقه على رفع الضرر … وأن ما يشق يجلب الوطر ونفي رفع القطع بالشك وأن … يحكم العرف وزاد من فطن كون الامور تبع المقاصد … مع تكلف ببعض وارد قال التاج السبكي ﵀ في الجمع: قال القاضي الحسين ﵀ : مبنى الفقه على أن اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، قيل: والأمور بمقاصدها اهـ وذكر عز الدين كما في حاشية العطار - رحمهما الله رجوع الفقه كله إلى قاعدتين: اعتبار المصالح ودرء المفاسد. قال في النشر: ويشهد لهذه القاعدة - يعني قاعدة: الضرر يزال - قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار " (١) واستدل لقاعدة: المشقة تجلب التيسير، بقوله جل من قائل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وأصل قاعدة: اليقين لا يرفع بالشك، الاستصحاب، فالمعنى أن ما تيقن حصوله، يستصحب وجوده حتى

стр. 471

يستيقن ارتفاعه، أو يظن، والظاهر أن المراد بقاعدة: العادة محكمة، أن الناس محمولون في قصودهم عند احتمال الألفاظ في العقود ونحوها، على ما جرت العادة به، ويرجح به في الدعوى، مثل القرائن كلها. وقول الشيخ ﵀ : وزاد من فطن كون الأمور تبع المقاصد، يعني به أن منهم من زاد على القواعد الأربعة المذكورة قاعدة خامسة، وهي أن الأمور بمقاصدها، ومعناه كما قال البناني ﵀ أن الأمور لا تحصل إلا بقصدها، قال: فمقاصدها: جمع مقصد، بمعنى قصد اهـ وأصل هذا نحو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " وإنما لامرئ ما نوى " (١) وقوله ﵀ : مع تكلف ببعض وارد، معناه أن رجوع كثير من الفروع إلى هذه القواعد إنما يكون بتكلف، وهو ظاهر، والله أعلم. كتاب التعادل والتراجيح التعادل: التساوي، والتراجيح: جمع ترجيح، جُمع - وإن كان مصدرا - لاختلاف أنواعه، فأشبه المعاني المختلفة، كما جمعوا البيع والنكاح، وسيأتي تعريف الترجيح في قول الشيخ ﵀ : تقوية الشق من الخلاف، وأفرد التعادل لأنه واحد. قال الزركشي ﵀ : اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين، ليلا ينحصروا في مذهب واحد، لقيام الدليل عليه، وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية، فقد تعارض بمعارض في الظاهر، بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح بينها، والعمل بالأقوى. والدليل على تعين الأقوى، أنه إذا تعارض دليلان، أو أمارتان، فإما أن يعملا جميعا، أو يلغيا جميعا، أو يعمل بالمرجوح، أو الراجح، وهذا متعين اهـ والتعارض: تفاعل من العرض - بضم العين - وهو الناحية، والجهة، وكأن الكلام

стр. 472

المتعارض يقف بعضه في عرض بعض، أي: ناحيته، وجهته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه، وفي الاصطلاح: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، قاله في البحر. ولا يجي تعارض إلا لما … من الدليلين إلى الظن انتمى معناه أن التعارض، إنما يكون في الأدلة الظنية خاصة، وأما الدليلان القطعيان فلا يمكن تعارضهما، لا في نفس الأمر، ولا في اعتقاد المجتهد، سواء كانا عقليين، أو نقليين، حيث لا نسخ أو مختلفين، لأن القاطع لا بد من وقوع مدلوله، فيلزم اجتماع المتنافيين. قال الشربيني ﵀ : فإن قيل: لا يلزم حصول المدلول هنا، لوجود المعارض، فيحمل على التخيير - مثلا -. قلنا: حينئذ لا يكون قاطعا، لأنه لا بد في كونه قاطعا من انتفاء الاحتمال، والتعارض قرينة دالة على عدم إرادة المدلول اهـ والاعتدال جائز في الواقع .......................... معناه أن تعادل الأمارتين بحسب المراد والمقصود في نفس الأمر، جائز عند الأكثرين، ومنعه طائفة منهم الإمام أحمد والكرخي - رحمهما الله حذرا من التعارض في كلام الشارع. قال في الإبهاج: واحتج من جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر، بالقياس على التعادل في الذهن، وبأنه لو امتنع لم يكن امتناعه لذاته، فلا يلزم من فرض وقوعه محال، أو الدليل والأصل عدمه. وأجيب عن الأول بأن التعادل الذهني لا يمنع إمكان التوصل فيه إلى رجحان إحدى الامارتين فلا يكون نصبهما عبثا. وعن الثاني بأنه إثبات للجواز بعدم ما يدل على الفساد، وليس أولى من عكسه، وهو إثبات الفساد بعدم ما يدل على الجواز اهـ وقال في رفع الحاجب: والحق ما أشار إليه الغزالي وغيره ﵏ أجمعين - من أن القائلين بأن المصيب واحد لا يجوزون التعادل في نفس الأمر، وإنما الخلاف بين المصوبة اهـ

стр. 473

وأما تعادلهما في ظن السامع فجائز وواقع اتفاقا، وإليه أشار ﵀ بقوله: كما يجوز عند ذهن السامع وهو منشأ تردده. وقول من عنه رُوي قولان … مؤخر إذ يتعاقبان إلا فما صاحبه مؤيِّد … وغيره فيه لهم تردد معناه أن المجتهد إذا نقل عنه في مسألة واحدة قولان، فإما أن يكون ذلك على سبيل التعاقب والترتيب، أو لا. فإن كان على سبيل التعاقب، فالمتأخر منهما هو قوله، والمتقدم مرجوع عنه. قال عليش ﵀ في فتح العلي المالك: فإن قلت: إذا وجب إعمال القول المرجوع إليه، لكونه ناسخا، وإهمال المرجوع عنه، لكونه منسوخا، فما فائدة تدوين الأئمة للأقوال التي رجع عنها المجتهد، إذا كانت هذه منزلته عندهم. قلت: فائدة تدوينها أنه يصح أن يذهب إليها المجتهد، أو من بلغ رتبة الترجيح، يوما من الدهر، على ما هو مبسوط في الفقه وأصوله اهـ وقال الخرشي ﵀ عند قول سيدي خليل ﵀ : وفي الزنى خلاف: كيف يكون المعتمد والمشهور هو المرجوع عنه ـ أي: مع الكراهة ـ وقد تقرر في الأصول أن المرجوع عنه لا ينسب إلى قائله، فضلا عن كونه معتمدا مشهورا؟ وقد يجاب عن هذا، بأن أتباع الإمام أخذوا من قواعده ما رجع عنه، وإن كان لا ينسب إلى نفس الإمام، إنما ينسب لمذهبه اهـ وقال سيدي الحطاب ﵀ عند قول سيدي خليل ﵀ في الإقرار: لا بجذع وباب، في: له من هذه الدار، أو الأرض، كفي على الأحسن -: لما كان القول بقبول تفسيره في "من " إنما هو القول المرجوع عنه، لم يلتفت

стр. 474

إليه، والله أعلم. وكأن المصنف - رحمهما الله رأى أن القول بقبول تفسيره إنما هو القول المرجوع عنه، فصار كالعدم، فلذلك لم يذكر الخلاف إلا في قوله: في هذه الدار اهـ وهذه المسألة هي المقصودة بأول البيتين. وإن كان قول المجتهد بالقولين لا على سبيل التعاقب ـ بحسب العرف ـ فإن ذكر مع أحدهما ما يقتضي رجحانه عنده، فهو قوله. ومن ذلك تفريعه عليه. وإلا كان مترددا في الحكم، وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بالبيت الثاني. وذكْرُ ما ضُعِّف ليس للعمل … إذ ذاك عن وفاقهم قد انحظل بل للترقي لمدارج السنا … ويحفظ المدرك من له اعتنا ولمراعاة الخلاف المشتهر … أو المراعاة لكل ما سطر وكونه يلجي إليه الضرر … إن كان لم يشتد فيه الخور وثبت العزو وقد تحققا … ضرا من الضر به تعلقا معنى أول الأبيات، أن ذكر القول الضعيف في كتب الفقه، ليس للعمل به، إذ العمل به غير جائز، قال القرافي ﵀ في شرح التنقيح: فإن قلت: لأي شيء جمع الفقهاء الأقوال كلها السابقة واللاحقة في كتب الفقه، بل كان ينبغي أن لا يثبت لكل إمام إلا قوله الذي لم يرجع عنه. قلت: ما ذكرتموه أقرب للضبط، غير أنهم قصدوا معنى آخر، وهو الاطلاع على المدارك، واختلاف الآراء وأن مثل هذا قد صار إليه المجتهد في وقت، فيكون ذلك أقرب للترقي لرتبة الاجتهاد، وهو مطلب عظيم أهم من تيسير الضبط، فلذلك جمعت الأقوال في المذاهب اهـ والضعيف أولى من المرجوع عنه، لامتناع الأخذ بالمرجوع عنه إلا باجتهاد آخر، وكأن كلام القرافي ﵀ المذكور، هو المراد بالبيت الثاني.

стр. 475

وظاهر قوله ﵀ : ويحفظ المدرك، أن المراد ذكره مع مأخذه، والترقي: تفعل من الرقي، وهو الصعود، والمدارج: مدرج: المسلك، والمذهب، أو مدرجة: ما يتوصل به لغيره، والسنا - بفتح السين -: الشرف، والمراد به الاجتهاد. ومن فوائد ذكر الضعيف كذلك مراعاته، على القول بعدم اختصاص مراعاة الخلاف بما قوي مدركه، وهو المراد بقوله ﵀ : ولمراعاة الخلاف البيت. ومن فوائد ذكره كذلك أن الضرورة قد تلجئ إلى المصير إليه، والمصير إليه عند الضرورة جائز، وهذا إذا لم يشتد ضعفه، وثبتت نسبته إلى قائله، وتحقق العالم الضرورة من نفسه، ولا يجوز له أن يفتي به غيره، إذ لا يتحقق الضرورة بالنسبة إلى غيره كما يتحققها من نفسه. قال في النشر: ولذلك سدوا الذريعة، فقالوا: تمنع الفتوى بغير المشهور، خوف أن لا تكون الضرورة محققة، لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة يوما ما، ذكره شيخنا البناني ﵀ عند قول خليل ﵀ : فحكم بقول مقلده اهـ وهذا في غير الضعيف الذي يجرى به العمل، لأن ضعفه إنما هو باعتبار زمان سابق، بل الصواب أن مسألة الضعيف قبل جريان العمل به، غير مسألته بعد جريان العمل به، فهما مسألتان، لاختلاف المبنى، لأن إجراء العمل به مبني على معنى طارئ لو اطلع عليه القائلون بالراجح لرجعوا إليه، والله أعلم. فقول من قلد عالما لقي … ألله سالما فغير مطلق معناه إذا تبين لك ما تقدم، علمت أن قول بعضهم: من قلد عالما لقي الله سالما ليس على عمومه، فليس كل قول يجوز التقليد فيه، والعمل به. ولا يخفى أنه لا يراد بالضرورة المشترطة في العمل بالضعيف الضرورة القصوى، كإساغة غصة، وما يسد الرمق، ونحو ذلك، إذ لا تتوقف سببية ذلك النوع من الضرورة للإباحة، على شيء مما ذكر، ويبعد أن يراد بها مطلق الحاجة، ولعل في قولهم في تعليل منع الفتوى به: إنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة إلى غيره كما يتحققها من نفسه، ما يشهد لذلك، والله أعلم.

стр. 476

إن لم يكن لنحو مالك أُلِف … قولٌ بذي، وفي نظيرها عُرِف فذاك قوله بها المخرَّج … وقيل: عزوه إليه حرج وفي انتسابه إليه مطلقا … خلف مضى إليه من قد سبقا معناه أن المجتهد إذا لم يعرف له قول في مسألة، لكن عرف له قول في نظيرها، فقوله في نظيرها، هو قوله المخرج فيها، على الأصح. وقيل: ليس قولا له، لاحتمال أن يذكر فرقا بين المسألتين لو روجع في ذلك. وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بالبيتين الأولين، وبنى الخلاف في النشر في ذلك، على الخلاف في لازم المذهب هل يعد مذهبا، وقال ﵀ في مثال المسألة: كأن يقال: ثبتت الشفعة في الشقص من الدار، فيقال: قوله في الحانوت كذلك اهـ واختلف على القول بكون المخرج على قوله قولا له، هل تجوز نسبته إليه من غير تقييد بكونه مخرجا، بأن ينسب إليه في المثال المتقدم، القول بالشفعة في شقص الحانوت، من غير تقييد بالتخريج، أو لا تجوز نسبته إليه إلا مع التقييد بكونه مخرجا، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وفي انتسابه إليه مطلقا البيت. قال في الحلي: ثم اختلفوا هل يجوز العمل به والإفتاء مطلقا، وهو لأكثر المالكيين أو لا يجوز بالكلية، وإنما يذكر تفقها وتفننا فقط، وقيل: يجوز إذا لم يكن في المسألة نص للإمام، وهذان القولان لبعض المالكية أيضا اهـ وتنشأ الطرق من نصين … تعارضا في متشابهين معناه أن أقوال أصحاب المجتهد في المسألة ينشأ اختلافها، من اختلاف قوله في مسألتين متشابهتين، فمنهم من يقرر في كل مسألة نصها، ويبدي فرقا بينهما، ومنهم من يرى ذلك اختلافا، ويخرج في كل منهما قوله في الأخرى، ثم أحيانا يرجح في كل نصها، ويفرق أيضا، وتارة يرجح في إحداهما نصها، وفي الأخرى المخرج، ويذكر ما يرجحه فيها على نصها. الترجيح

стр. 477

تقوية الشق هي الترجيح … وأوجب الأخذ به الصحيح وعملا به أباه القاضي … إذا به الظن يكون القاضي معناه أن الترجيح هو: تقوية أحد الدليلين الظنيين المتعارضين على الآخر بشيء من الأمور الآتي ذكرها - مثلا - ولا ترجيح في القطعيات، لعدم التعارض بينها ـ كما تقدم ـ. ويجب العمل بالراجح، سواء كان رجحانه قطعيا أو ظنيا، اتفاقا في القطعي، وعلى الصحيح في الظني، خلافا للقاضي أبي بكر ﵀ حيث لم ير الترجيح بالظن، وكذلك أبو عبد الله البصري من المعتزلة، إلا أن القاضي أبا بكر ﵀ – قال: لا يعمل بواحد منهما للتعادل، وقال البصري بالتخيير بينهما. والجمع واجب متى ما أمكنا ......................... يعني أن الجمع بين الدليلين المتعارضين من كتاب أو سنة أو منهما، واجب، لأن إعمالهما معا، أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر. قال في نثر الورود: وأوجه الجمع كثيرة: منها تخصيص العام بالخاص، وتقييد المطلق بالمقيد، وتقدمت أمثلتهما. ومنها حمل كل من النصين على حالة غير حالة الثاني، كما في حديث " خير الشهداء من يشهد قبل أن يستشهد " (١) مع أنه ذكر في شر الشهداء، من شهد قبل أن يستشهد (٢) فيحمل الأول على حقوق الله أو على أن المشهود له غير عالم بأن الشاهد يعرف حقه، ويحمل الثاني على حقوق الآدمي، أو العالم اهـ وقيل لا يجب الجمع بينهما، وهو ضعيف. ويجري ما ذكر في نصي المجتهد أيضا. إلا فللأخير نسْخ بينا

стр. 478

ووجب الإسقاط بالجهل وإن … تقارنا ففيه تخيير زكن معناه أنه إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإما أن يعلم أن أحدهما متأخر عن الآخر، أو يعلم خلاف ذلك، أو يجهل الأمر. فإن كانا على الترتيب، وعلم المتأخر منهما، فهو ناسخ للمتقدم، إذا كان قابلا للنسخ، سواء كانا ظنيين أو قطعيين. وإن جهل المتأخر منهما سقطا، ورجع إلى غيرهما، لاحتمال الناسخية والمنسوخية في كل منهما. وإن علم تقارنهما كان المجتهد بالخيار في العمل بأيهما شاء. وإن أمكن الجمع والترجيح، فالجمع أولى، لأن العمل بالدليلين ـ ولو من وجه ـ أولى من إلغاء أحدهما. تعادل الأمارتين وحيث ما ظُن الدليلان معا … ففيه تخيير لقوم سمعا أو يجب الوقف أو التساقط … وفيه تفصيل حكاه الضابط يعني أن المجتهد إذا ظن تعادل الأمارتين في نفس الأمر ـ بناء على القول بجوازه ـ فقيل: يخير في العمل بأيهما شاء، قال في البحر: وبه قال الجبائي وابنه أبو هاشم، قال إلكيا ﵀ : وسويا في ذلك بين تعارض الخبرين والقياسين، ونقله الرازي والبيضاوي عن القاضي ﵏ أجمعين - والذي في التقريب أنه رأيٌ للقائلين بأن كل مجتهد مصيب اهـ وقيل: يتوقف عن العمل بكل منهما، قال في البحر: حكاه الغزالي ﵀ وغيره، وجزم به سليم في التقريب، واستبعده الهندي، إذ الوقف فيه إلى غير غاية وأمد، إذ لا يرجى فيه ظهور الرجحان، وإلا لم تكن مسألتنا، بخلاف التعادل الذهني، فإنه يتوقف فيه إلى أن يظهر المرجح اهـ وقيل: يتساقطان كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى غيرهما، من العموم أو البراءة الأصلية.

стр. 479

قال في البحر: وهذا ما قطع به ابن كج، في كتابه، قال: لأن دلائل الله لا تتعارض، فوجب أن يستدل بتعارضها على وهائها جميعا، أو وهاء أحدها، غير أنا لا نعرفه، فأسقطناها جميعا، وكلامه يشعر بتفريعه على القول بمنع التعادل، ونقله إلكيا عن القاضي - رحمهما الله والأستاذ أبو منصور ﵀ عن أهل الظاهر بالنسبة إلى الحديثين اهـ وقيل: إن وقع بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير، لأنه قد يخير فيها، كما في زكاة مائتي الإبل، وإن وقع بالنسبة إلى غيرها كالإباحة والتحريم، فالتساقط، والرجوع إلى البراءة الأصلية. وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: وفيه تفصيل حكاه الضابط، ومراده بالضابط: التاج السبكي ﵀ فقد ذكره في جمع الجوامع، وفي المسألة أقوال غير ما ذكر، والله أعلم بالصواب. قال الزركشي ﵀ في البحر: إذا تخير، فللناظر ثلاثة أحوال، فإن كان مجتهدا، تخير في إلحاقه بما شاء، إن قلنا: كل مجتهد مصيب، فإن قلنا: الحق في واحد امتنع التخيير، قاله القاضي ﵀ في التقريب. وإن كان مفتيا فقال القاضي ﵀ : قالت المصوبة لا يجوز له تخيير المستفتي، بل يجزم بمقتضى أحدهما، وقيل: يجوز، وهو الأولى عندنا، وبه أجاب في المحصول. واستشكل الهندي ﵀ الجزم بأحدهما، وقال: ليس في التخيير الأخذ بأي الحكمين شاء، واختار رأيا ثالثا، وهو أن المفتي بالخيار بين أن يجزم له الفتيا، وبين أن يخيره، إذ ليس في كل واحد منهما مخالفة دليل، ولا فساد، فيسوغ الأمران. وإن كان حاكما فقال القاضي ﵀ : أجمع الكل - يعني المصوبة والمخطئة - أنه ليس له تخيير المتحاكمين في الحكم بأيهما شاء، بل عليه بت الحكم باعتقاده، لأنه نصب لقطع الخصومات، ولو خيرهما لما انقطعت خصومتهما، لأن كل واحد منهما يختار الذي هو أرفق له، بخلاف حال المفتي اهـ

стр. 480

وإن يُقَدَّمْ مشعر بالظن … فانسخ بآخر لدى ذي الفن معناه أنه إذا تقابل دليلان نقليان، أحدهما قطعي والآخر ظني، فإن علم تأخر القطعي كان ناسخا، وإن علم تأخر الظني، أخذ بالقطعي، إذ لا ينسخ قطعي بظني، كذا قالوا هنا، قال المحلي ﵀ : وسكت المصنف ﵀ هنا عن تقابل القطعي والظني لظهور أن لا مساواة بينهما، لتقدم القطعي، كما قاله في شرح المنهاج، وهذا في النقليين، وأما قول ابن الحاجب ﵀ : لا تعارض بين قطعي وظني، لانتفاء الظن، أي: عند القطع بالنقيض، كما تممه المصنف ﵀ وغيره، فهو في غير النقليين، كما إذا ظن أن زيدا في الدار، لكون مركبه وخدمه بباها، ثم شوهد خارجها، فلا دلالة للعلامة المذكورة على كونه في الدار حال مشاهدته خارجها، فلا تعارض بينهما، بخلاف النقليين، فإن الظني منهما باق على دلالته حال دلالة القطعي، وإنما قدم عليه لقوته اهـ قال العطار ﵀ : قوله: لتقدم القطعي، محله في غير المتواتر المنسوخ بالآحاد، بقرينة ما يأتي اهـ والظاهر أنه يعني بقوله: ما يأتي، قول التاج السبكي ﵀ : ولا ترجيح في القطعيات لعدم التعارض، والمتأخر ناسخ، وإن نقل التأخر بالآحاد عمل به، لأن دوامه - يعني المتقدم - مظنون اهـ ومقتضى البناني وسلمه الشربيني - رحمهما الله أن المنقول بالآحاد إنما هو التأخر، لا أصل الخبر، وذكر البناني ﵀ أن قول التاج ﵀ : وإن نقل التأخر إلخ وقع لفظ التأخر فيه، في بعض النسخ بالمصدر، قال: وهي واضحة، وفي بعضها بصيغة اسم الفاعل، فتحتاج إلى تقدير مضاف، أي: تأخر المتأخر اهـ والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وإذا جهل المتقدم من القطعي والظني، قدم القطعي أيضا بالأولى مما قبلها، وذلك هو قول الشيخ ﵀ : ذو القطع في الجهل لديهم معتبر. وأشار ﵀ بقوله: وإن يعم واحد فما غبر، إلى أن محل ما

стр. 481

تقدم، إذا تساوى الدليلان في العموم والخصوص، فإن كان بينهما عموم وخصوص، فقد تقدم الكلام على ذلك في مباحث التخصيص (١) والله أعلم. الترجيح باعتبار حال الراوي وهو الترجيح باعتبار السند، قال في النشر: وقد تعرضت في جميع التراجيح التي أذكرها للترجيح بين ما أذكره وبين مقابله، ولم أتعرض للترجيح بين المذكورات بعضها مع بعض، لأن المدار في جميع ذلك على ما يغلب على ظن المجتهد ترجيحه، قال في الآيات البينات: ينبغي أن يحكم المجتهد ظنه، إذ التنصيص على جميعها مما يمتنع للتطويل البالغ إلى الغاية اهـ قد جاء في المرجحات بالسند … علوه والزيد في الحفظ يُعد معناه أن مما يرجح به من حيث السند، علوه، بأن تكون الوسائط بين المجتهد والنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقل منها في مقابله، لأنه كلما كثرت الوسائط كان ورود الخطإ واللبس أكثر. ومنها كون أحد الراويين للحديثين أقوى حفظا، قال في الإشارة: لأن النفس أسكن إلى روايته، وأوثق بحفظه. والفقه واللغة والنحو ورع … وضبطه وفطنة فقْد البدع ومنها كذلك الفقه والأفقهية، فيقدم الراوي الفقيه، على الراوي الذي ليس بفقيه، ويقدم الأفقه على الفقيه، والنظر في ذلك إلى خصوص الباب الذي وقعت الرواية فيه. قال في النشر: فيقدم خبر رواه ابن وهب ﵀ في الحج، على ما رواه ابن القاسم ﵀ فيه، لأنه أفقه منه فيه، وإن كان ابن القاسم أفقه منه في غيره اهـ وإنما رجح بالفقه، لتمييز الراوي الفقيه بين ما يجوز إجراؤه على ظاهره، وما لا يجوز، ولما تقدم في كتاب السنة المطهرة. ومما يرجح به أيضا، من حيث السند، كون أحد الراويين عارفا باللغة دون الآخر، أو

стр. 482

أعرف بها، وكون أحدهما عارفا بالنحو دون الآخر، أو أعرف به، وكون أحدهما عارفا بالبيان دون الآخر، أو أعرف به، لأن كل ذلك أبعد لصاحبه عن الوقوع في الخطإ، ويقدم الورع على العدل الذي ليس بورع، والأروع على الورع، لأن ذلك يحمل على المبالغة في التحرير والتحفظ. ومنها زيادة أحد الراويين على الآخر في الضبط، أو الفطنة، لأن النفس أكثر اطمئنانا بروايته. قال في النشر: والضبط: كونه غير كثير الخطإ، فيرجح خبر من لا خطأ له، أو من خطؤه قليل، على خبر كثير الخطإ، إلا أن كثير الخطإ ـ وهو غير الضابط ـ حديثه ضعيف، لا يعمل به لفقد الضبط الذي هو شرط من شروط الصحة، نعم قد يقوى الضعيف بكثرة الطرق، حتى يصير حسنا لغيره، أو صحيحا لغيره، فيعارض، أو نقول: المراد يرجح بزيادة الضبط اهـ ويقدم الراوي الذي ليس بمبتدع، على ذي بدعة لا تمنع من القبول. عدالة بقيد الاشتهار ...................... معناه أن الراوي المشهور العدالة يقدم ما رواه، على ما رواه الراوي العدل الذي ليس بمشهور العدالة، قال في النشر: وكذا شهرته بصفة من الصفات السابقة. وكونه زكي باختبار معناه أن مروي الراوي الذي ثبتت عند المجتهد عدالته باختباره، مقدم على رواية من ثبتت عدالته عنده بالأخبار. صريحها وأن يزكي الاكثر … وفقْد تدليس كما قد ذكروا قوله ﵀ : صريحها، معناه أن المزكى تصريحا، يقدم على المزكى ضمنا، ويقدم مروي الراوي االذي زكاه الأكثر، على مروي الراوي الذي زكاه أقل. ويقدم مروي الراوي الذي لا يدلس على مروي المدلس المقبول. حرية والحفظ علم النسب … وكونه أقرب أصحاب النبي معناه أن مروي الحر مقدم على مروي العبد، قال في النشر: وضعف صاحب الغيث

стр. 483

الهامع الترجيح بالحرية. وترجح رواية الحافظ لمرويه على غيره، قال في النشر: المراد بغير الحافظ: من يتخيل اللفظ ثم يتذكره، ويؤديه بعد تفكر وتكلف، ومن لا يقدر على التأدية أصلا، لكن إذا سمع اللفظ علم أنه مرويه عن فلان، كقول أبي محذورة - رضي الله عنه -: لقنني صلى الله تعالى عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة، (١) ورواية عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ الأذان لا ترجيع فيه، وهو لا يحكيه لفظا عنه صلى الله تعالى عليه وسلم (٢) ويحتمل أن يكون المراد من لم يحفظ لفظ الحديث معتمدا على المكتوب، والآخر حفظ لفظه. وكذلك يرجح من شأنه التعويل على الحفظ، على من شأنه التعويل على الكتابة. وترجح رواية معروف النسب على غير معروفه، وترجح رواية من شأنه القرب من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في المجلس من الصحابة، وهم الأكابر منهم. ذكورة إن حاله قد جهلا … وقيل لا وبعضهم قد فصلا معناه أن رواية الرجل تقدم على رواية المرأة، ما لم يعلم أنها أضبط منه، لأن الأغلب أن الرجل أضبط من المرأة، وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني ﵀ إلى عدم الترجيح بذلك. وقيل: يقدم خبر الرجل إلا في أحكام النساء كالحيض، فتقدم المرأة لأنها أضبط بها. ما كان أظهر رواية وما … وجه التحمل به قد علما ذكر التاج السبكي ﵀ أن من المرجحات ظهور طريق الرواية، واختلف في مراده ﵀ ففسره جلال الدين المحلي ﵀ بكون طريق الرواية واضحة في إفادة المروي وضبطه، فيقدم المروي

стр. 484

بالسماع أو العرض على المروي بالإجازة، وقد تقدم الكلام في كتاب السنة المطهرة على ترتيب أوجه التحمل، وهذا ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: ما كان أظهر رواية. ومنهم من فسره بظهور وجه تحمل الراوي، من سماع أو عرض - مثلا - فتقدم رواية معلوم وجه التحمل، على من لم يعلم وجه تحمله، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وما وجه التحمل به قد علما. تأخر الإسلام والبعض اعتمى … ترجيح من إسلامه تقدما معناه أن تأخر إسلام أحد الراويين مرجح لروايته، لظهور تأخر خبره، وقيل: يقدم خبر متقدم الإسلام، لسابقته، قال جلال الدين المحلي ﵀ : وابن الحاجب ﵀ جزم بهذا في الترجيح بحسب الراوي، وبما قبله في الترجيح بحسب الخارج، ملاحظا للجهتين، لا أنه تناقض في كلامه كما قيل اهـ قال الشربيني ﵀ : حاصل ذلك كما يؤخذ من العضد وبعض حواشيه، أنه إن علم اتحاد زمن روايتهما، قدم الأقدم، لثبات قدمه في الإسلام، فيهتم بالتصون والتحرز، وحينئذ يكون التقديم بحسب الراوي، لأنه لصفة فيه. وإن لم يعلم، قدم متأخر الإسلام، لظهور تأخر خبره، كما قاله الشارح، وحينئذ يكون التقديم بحسب الخارج، لأن النظر حينئذ في تأخر الخبر وتقدمه، ولا دخل لثبات القدم في الإسلام فيه، لنسخ المتأخر للمتقدم، ولو مع العلم بأقدمية المتقدم، وحينئذ فتقدم الإسلام وتأخره بالنسبة لهذا خارجان، فيعمل بالمتأخر لظهوره في المطلوب اهـ وكونه مباشرا أو كلفا … أو غير ذي اسمين للامن من خفا كذلك ترجح رواية الراوي المباشر لمرويه، لأنه أتم معرفة به، قال في النشر: كحديث الترمذي عن أبي رافع أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج ميمونة - رضي الله عنها - حلالا، وبنى بها حلالا، قال: وكنت الرسول بينهما، (١) مع حديث الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجها

стр. 485

وهو محرم. وفي رواية البخاري عنه ـ رضي الله عنه ـ أنه تزوج ميمونة - رضي الله عنها - وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف ـ بوزن كتف ـ لكن ما في الصحيحين أو أحدهما يقدم على ما في غيرهما من جهة كونه أقوى وأصح، كما سيأتي اهـ وتقدم رواية المتحمل بعد البلوغ، على رواية المتحمل وهو صبي، لما تقدم من الخلاف في روايته. وتقدم رواية من له اسم واحد، على رواية من له اسمان، إذ قد يشاركه في أحدهما ضعيف، فإن تحقق انتفاء ذلك، فقال العبادي ﵀ : الوجه حينئذ أن لا يقدم خبر ذي الاسمين، نقله في النشر. ومقتضى العلة أن ذا الاسمين يقدم على من له أسماء متعددة. أو راويا باللفظ ......... ........................ معناه أن رواية الراوي باللفظ، مقدمة على رواية الراوي بالمعنى، للسلامة من تطرق الخلل من قبل الفهم، والخلل في ترجمته، وذلك كما تقدم في قول الصحابي: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقوله: أمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -. أو ذا الواقع ......................... معناه أن رواية صاحب الواقعة، مقدمة على رواية غيره، لأن صاحب الواقعة أعرف بالحال، وأدرى بتفاصيل الأمر، ومثال ذلك حديث ميمونة - رضي الله عنها -: تزوجني رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ونحن حلالان بسرف، (١) مع حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجها وهو محرم (٢).

стр. 486

...................... … وكون من روَّاه غير مانع يعني به أن رواية من لم ينكر شيخه روايته عنه، مقدمة على رواية من أنكر شيخه روايته عنه. وكونه أودع في الصحيح … لمسلم والشيخ ذي الترجيح معناه أن ما رواه الشيخان - رحمهما الله مقدم على ما رواه أحدهما، وما رواه البخاري وحده، مقدم على ما رواه مسلم وحده غالبا، وهكذا القول في شرطهما. الترجيح باعتبار حال المروي وكثرة الدليل والروايه … مرجح لدى ذوي الدرايه معناه أن مما يرجح الدليل على معارضه، كثرة ما يوافقه من الأدلة، وكثرة رواته، لما يحصل بذلك من مزيد القوة في الظن، وذكر في نثر الورود أن هذا من قبل الترجيح بالسند. وقوله فالفعل فالتقرير ......................... معناه أن الخبر المتضمن لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقدم على الخبر المتضمن لفعله، لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل غالبا، لاحتمال الفعل الاختصاص به صلى الله تعالى عليه وسلم. فإن وقع الاحتمال المذكور في القول، قدم عليه الفعل، كما في أمره صلى الله تعالى عليه وسلم عائشة - رضي الله عنها - بالإحرام من التنعيم، (١) فإنه يحتمل الخصوص بمثل حالها من العذر وضيق الوقت، فقدم عليه عندنا فعله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث أحرم من الجعرانة (٢). ويقدم الخبر المتضمن لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم على المتضمن لتقريره، لأن التقرير يطرقه من الاحتمال ما لا يطرق الفعل. فصاحة وألغي الكثير معناه أن الخبر المروي بألفاظ غير فصيحة، يقدم عليه الخبر المروي بألفاظ فصيحة،

стр. 487

للجزم بأن غير الفصيح مروي بالمعنى، وأما الأفصح فلا يقدم على الفصيح، على الأصح كما أشار إليه ﵀ بقوله: وألغي الكثير. وقيل يرجح بالأفصحية أيضا، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو أفصح الناس. زيادة، ولغة القبيل … ورجح المجل للرسول قوله ﵀ : زيادة، معناه أن الخبر المشتمل على زيادة، يقدم على مقابله الخالي منها، لما فيه من زيادة العلم، قال جلال الدين المحلي ﵀ : كخبر التكبير في العيد سبعا، مع خبر التكبير فيه أربعا، رواهما أبو داوود ﵀ وأخذ بالثاني الحنفية تقديما للأقل، والأولى منه للافتتاح اهـ قوله ﵀ : ولغة القبيل، معناه أن الخبر الوارد بلغة قريش، يقدم على الخبر الوارد بلغة غيرهم، لقوة احتمال كونه مرويا بالمعنى. قوله ﵀ : ورجح المجل للرسول ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ معناه أن إشعار أحد الخبرين المتعارضين بعلو شأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - مرجح له على مقابله، لإيذان ذلك بالتأخر، إذ علوه صلى الله تعالى عليه وسلم كان في ازدياد دائما. وشهرة القصة ذكر السبب … وسمعه إياه دون حُجُب قوله ﵀ : وشهرة القصة، معناه أن خبر القصة المشهورة يقدم على خبر القصة التي ليست بمشهورة، لأن القصة المشهورة يبعد دخول الكذب فيها. وقوله ﵀ : ذكر السبب، معناه أن الخبر الذي ذكر فيه السبب، مقدم على الخبر الذي لم يذكر فيه السبب، لظهور اعتناء راويه، الدال على اكتمال ضبطه، وأيضا المعرفة بالسبب تعين على فهم المعنى. وقوله ﵀ : وسمعه إياه دون حجب، معناه أن رواية من سمع دون حجاب، مقدمة على رواية من سمع من وراء حجاب، حيث أمن اللبس، قال في النشر: كرواية القاسم بن محمد عن عائشة أن بريرة - رضي الله عنه - عتقت وكان زوجها عبدا، رواه مسلم، مع رواية الأسود بن يزيد أنه كان حرا، لأن القاسم

стр. 488

محرمها لكونها عمته، وكان يسمع منها دون حجاب، بخلاف الأسود اهـ والمدني والخبر الذي جمع … حكما وعلة كقتل من رجع قوله ﵀ : والمدني، معناه أن المدني مقدم على المكي، قال في النشر: والمدني: ما روي بعد الشروع في الهجرة، والمكي: ما روي قبل الشروع فيها، فيشمل المدني ما ورد بعد الخروج من مكة المكرمة، وقبل الدخول في المدينة، هذا هو الاصطلاح المشهور في المدني والمكي، وما اقتضاه كلام بعضهم من أن المدني: ما نزل بالمدينة المنورة، والمكي: ما نزل بمكة المكرمة، غير مرضي اهـ قوله ﵀ : والخبر الذي إلخ، معناه أن الخبر الذي جمع الحكم والعلة، مقدم على الخبر الذي لم تذكر فيه العلة، كحديث البخاري ﵀ " من بدل دينه فاقتلوه " مع حديث الصحيحين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، فيقدم الأول في ما تعارضا فيه، وهو المرتدات، لذكر سبب الحكم فيه. وما به لعلة تقدُّم ....................... معناه أنه إذا ذكر في كل من الخبرين الحكم والعلة، إلا أن أحدهما ذكر فيه الحكم قبل العلة، والآخر ذكر فيه بعد العلة، قدم ما تقدم فيه ذكر العلة، لأنه أدل على ارتباط الحكم بالعلة، كما قال الإمام الرازي ﵀ في المحصول. واعترضه النقشواني ﵀ – قائلا: إن الحكم إذا تقدم تطلب نفس السامع العلة، فإذا سمعتها ركنت إليها، ولم تطلب غيرها، والوصف إذا تقدم تطلب النفس الحكم، فإذا سمعته قد تكتفي في علته بالوصف المتقدم إذا كان شديد المناسبة، كما في قوله جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقد لا تكتفي به، بل تطلب علة غيره، كما في قوله جل من قائل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) الآية الكريمة، فيقال: تعظيما للمعبود اهـ قاله جلال الدين المحلي ﵀ . قال في النشر: ورده في الآيات البينات بأن الوصف إذا كان ظاهر المناسبة ركنت النفس

стр. 489

تقدم أو تأخر، وإلا لم تركن، تقدم أو تأخر، إذ لا فرق بين إذا قمتم فاغسلوا، واغسلوا إذا قمتم اهـ وما بتوكيد وخوف يعلم معناه أن الخبر المشتمل على التوكيد، مقدم على الخبر الذي لا توكيد فيه، ومثل لذلك جلال الدين المحلي ﵀ بالحديث الذي رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل " مع حديث مسلم " الأيم أحق بنفسها من وليها " ويقدم الخبر الذي يتضمن تهديدا على مقابله الخالي من ذلك، ومثلوا له بقول عمار - رضي الله عنه -: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم، (١) فهو مقدم على الأحاديث المرغبة في صوم النفل. وما يعم مطلقا إلا السبب … فقدمنْه تقض حكما قد وجب معناه أن العام الذي لم يرد على سبب، مقدم على العام الوارد على سبب في غير صورة السبب، لما تقدم من الاختلاف في اختصاصه بصورة السبب، ويقدم ذو السبب في صورة السبب، لما تقدم من أنها قطعية الدخول. ما منه للشرط على المنكر … وهو على كل الذي له دُرِي معناه أن الشرطي من أدوات العموم كمن وما، مقدم على النكرة المنفية على الأصح، لإفادة الشرطي التعليل غالبا، بخلاف النكرة، فإن لم يفد الشرطي التعليل، لم يقدم على النكرة، نحو: من فعل كذا فلا إثم عليه، وقيل: تقدم النكرة على الشرط، لبعد التخصيص فيها، بقوة عمومها دونه. وتقدم النكرة العامة على ما سوى الشرط من أدوات العموم، كالمعرف بأل أو

стр. 490

الإضافة، لدلالتها على العموم بالوضع على الأصح، ودلالة ما ذكر عليه بالقرينة. قال في نثر الورود: ويستثنى من ذلك الصريح في العموم، نحو كل وجميع اهـ معرف الجمع على ما استفهما … به من اللفظين أعني من وما معناه أن الجمع المعرف، يقدم على من وما غير الشرطيتين، كالاستفهاميتين، للاختلاف في جواز تخصيصه إلى واحد، بخلافهما، فلا خلاف في جواز تخصيصهما إلى واحد. وذي الثلاثةُ على المعرف … ذي الجنس لاحتمال عهد قد يفي معناه أن الثلاثة المذكورة في البيت قبل، وهي الجمع المعرف، ومن، وما، غير الشرطيتين، مقدمة على الجنس المعرف بأل، أو الإضافة، لاحتماله العهد، بخلاف من وما فلا يحتملانه، وبخلاف الجمع المعرف فاحتماله له بعيد. تقديم ما خُص على ما لم يُخَصْ … وعكسه كل أتى عليه نص اختلف إذا تعارض العام الذي لم يدخله تخصيص، والعام الذي دخله التخصيص، فذهب الأكثرون إلى تقديم العام الذي لم يدخله تخصيص، للإجماع على اعتبار عمومه، بخلاف الذي دخله التخصيص كما تقدم. وذهب صفي الدين الهندي، والتاج السبكي - رحمهما الله إلى ترجيح العام الذي دخله التخصيص، لأنه أغلب، ولبعد تخصيص المخصوص ثانيا. قال في نثر الورود: مثاله: (أو ما ملكت أيمانهم) فإنه يدل بعمومه على شمول الأختين بملك اليمين، مع أن (وأن تجمعوا بين الأختين) يشمل بعمومه وطأهما بملك اليمين، وعموم (أو ما ملكت أيمانهم) دخله التخصيص، لأنه مخصص بعموم (وأخواتكم من الرضاعة) فلا تحل الأخت من الرضاعة بملك اليمين، وبعموم (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) فلا تحل موطوءة الأب بملك اليمين، بخلاف عموم (وأن تجمعوا بين الأختين) فلم يدخله تخصيص غير محل النزاع اهـ قال ابن الحاجب ﵀ في مختصره: والتقييد كالتخصيص اهـ ويقدم العام الأقل تخصيصا، على العام الأكثر تخصيصا، قال جلال الدين المحلي -

стр. 491

رحمه الله : لأن الضعف في الأقل دونه في الأكثر اهـ إشارة وذات الايما يرتضى … كونهما من بعد ذات الاقتضا معناه أن الدال بالاقتضاء مقدم على الدال بالإشارة، والإيماء، لأن المدلول عليه بالاقتضاء مقصود يتوقف عليه الصدق، أو الصحة. ويقدم الدال بالإيماء، على الدال بالإشارة، لأن المدلول عليه بالإيماء مقصود عند المتكلم. ويقدم المقتضى الذي يتوقف عليه الصدق، على الذي تتوقف عليه الصحة. وتقدم الإشارة، والإيماء، على المفهوم موافقة كان أو مخالفة، لأن الدلالة عليهما في محل النطق، وإليه أشار ﵀ بقوله: هما على المفهوم .......... ......................... ويقدم مفهوم الموافقة، على مفهوم المخالفة عند الإمام مالك ﵀ والأكثر، للاختلاف في حجيتها. وقيل: تقدم المخالفة، لأن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان وجوده في محل السكوت، بخلاف مفهوم المخالفة، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: والموافقه … ومالك غير الشذوذ وافقه وأراد بقوله ﵀ : ومالك إلخ أن الأكثر على مثل قول الإمام مالك ﵀ بتقديم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، ولم يخالفه في ذلك إلا شذوذ: جمع شاذ على غير قياس. الترجيح باعتبار مدلول أحد النصين المتعارضين وناقل ومثبت والامُِر … بعد النواهي، ثم هذا الاخِر على الإباحة وهكذا الخبر … على النواهي وعلى الذي أمر معناه أن الناقل عن البراءة الأصليةـ مقدم على المقرر لها عند الجمهور، لأن مضمون

стр. 492

المقرر لها مستفاد منها، بخلاف الناقل، فكان أرجح للزيادة. وقيل: يقدر تأخر المقرر لها، ليفيد تأسيسا، فيكون ناسخا، إذ لو قدر تقدمه لكان تأكيدا، لعلمه منها، والتأسيس أرجح منه. ومثاله: تقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله. ويقدم المثبت للحكم الشرعي، على النافي له، لاشتماله على زيادة علم، فيكون تأسيسا، وقيل: بالعكس، لاعتضاد النافي بالأصل، ومثلوا لتعارض المثبت والنافي بحديث بلال - رضي الله عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في الكعبة حين دخلها ركعتين، (١) وحديث أسامة - رضي الله عنه - في مسلم أنه دعا في نواحي البيت حين دخله ولم يصل (٢). قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: ولقائل أن يقول: إنما يثبت التعارض بين هذين الخبرين لو ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدخل الكعبة إلا مرة واحدة، ولكنه دخلها غير مرة، فلعله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى مرة، ورواه بلال - رضي الله عنه - وترك أخرى ورآه أسامة - رضي الله عنه – (٣) اهـ قال في النشر: ومثل الباجي - رحمهما الله لمسألة المثبت والنافي، بحديث أنس - رضي الله عنه - كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، (٤) وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما قنت شهرا يدعو على حي من أحياء بني سليم، ثم لم

стр. 493

يقنت بعد (١) اهـ قال شيخ الإسلام زكريا ﵀ : لا يقال هذا يغني عما قبله، أو بالعكس، لأنا نقول: المثبت قد يكون مقررا للأصل، كالمثبت للطلاق والعتاق، (٢) فإنه مقرر للأصل، لأن الأصل عدم الزوجية، والرقية، فرجع ذلك إلى أن هذا مستثنى من الأول اهـ قوله ﵀ : والآمر بعد النواهي، يعني به أن النص الدال على التحريم، مقدم على الدال على الوجوب، لأن النهي لدرء المفسدة، والأمر لجلب المصلحة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ويقدم الدال على الوجوب على الدال على الإباحة، للاحتياط، وهذا هو المراد بقوله ﵀ عنه -: ثم الآخر على الإباحة. ويقدم الوارد بلفظ الخبر، كقوله جل من قائل: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) على الأمر والنهي، لأن الطلب بالخبر، أقوى منه بالأمر والنهي، لأن الخبر يقتضي ثبوت مدلوله في الواقع، فاستعملت صيغته في الطلب تأكيدا له، وحضا على امتثاله، وعدم التردد في الإتيان به، فنزل في العبارة منزلة ما تحقق بالفعل، إيذانا بذلك. في خبري إباحة وحظْر … ثالثها هذا كذاك يجري معناه أنه اختلف إذا تعارض التحريم والإباحة، والمعول تقديم التحريم على الإباحة وغيرها من خطاب التكليف، للاحتياط. وقيل: تقدم الإباحة لاعتضادها بالأصل. قال في النشر: حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله في الملخص اهـ وقيل: هما سواء، لتساوي مرجحيهما. قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: والخلاف في ما إذا لم

стр. 494

يكن للشيء أصل من حظر، ولا إباحة، واقتضى أحد الخبرين الحظر، والآخر الإباحة، مثل خبر عدي بن حاتم - رضي الله عنه - في ما أكلت منه الجارحة أنه يحرم، مع خبر أبي ثعلبة الحنشي - رضي الله عنه - في إباحة أكله، وأصح قولي الإمام الشافعي ﵀ أنه لا يحل اعتمادا على هذا الأصل. أما إذا كان للشيء أصل إباحة وأصل حظر، وأحد الخبرين يوافق ذلك الأصل، والآخر مخالفه، كان الناقل عن ذلك الأصل أولى، كتقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله اهـ والجزم قبل الندب والذي نفى … حدا على ما الحد فيه ألفا قوله ﵀ : والجزم قبل الندب، معناه أن أمر الوجوب مقدم على أمر الندب، للاحتياط. قوله: والذي نفى البيت، معناه أنه إذا تعارض نصان، وكان أحدهما يقتضي الحد، والآخر ينفيه، قدم نافي الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذا مستثنى من تقديم المثبت. … وقيل: يقدم موجب الحد، لإفادته التأسيس. قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء، لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعا، ألا ترى أنه ثبت بخبر الواحد، والقياس، مع الشبهة فيهما، ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل، فيبيحه قوم، ويحظره آخرون، كالوطء في النكاح بلا ولي ولا شهود، وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه، فكانا سواء، ونظيره من عرف تحريم الخمر، وجهل أنه موجب للحد، ولا يجعل جهله بإيجاب الحد شبهة اهـ ومثل الحد في ما ذكر التعزير كما في النشر. ما كان مدلول له معقولا … وما على الوضع أتى دليلا معنى أول الشطرين، أن ما عقل معناه، مقدم على ما لم يعقل معناه، لأن عقل المعنى أغلب في الأحكام، مع أنه أدعى للقبول، وأفيد بالقياس عليه، ومحل هذا غير أبواب التعبد، إذ الأغلب فيها خلاف ذلك.

стр. 495

قال البناني ﵀ : قد يستشكل تصوير ذلك، إذ لا يتصور التعارض إلا عند اتحاد المتعلق، إذ مع اختلافه لا تعارض، كما هو ظاهر، فإذا عقل المعنى من أحد الخبرين صار معقولا مطلقا، فلا يتصور أن يكون معقولا في أحدهما غير معقول في الآخر اهـ وهذا سهو بين، إذ الموضوع أنهما متعارضان، فكيف يلزم من عقل معنى أحدهما عقل الآخر. قال الشربيني ﵀ : فيه ـ يعني ما ذكره البناني ـ أنه يعقل المعنى إذا قيل: يجوز القصر للمسافر، وهو التخفيف، دون ما إذا قيل: يمتنع القصر عليه، فيقدم الأول، لكن يكون هذا مستثنى من تقديم الحظر، على الإباحة. ويمكن أن يتصور بنحو: تقطع يد السارق، ويقتل السارق، فإن الأول معقول المعنى دون الثاني. ومعنى الشطر الثاني، أن الخبر الدال على الوضع، مقدم على الخبر الدال على التكليف، لأن الوضع لا يتوقف على الفهم، ولا أهلية الخطاب، ولا التمكن من الفعل، قال الشربيني ﵀ : مثاله ما لو ورد: يجب تبييت النية ليلا، وورد: يصح التبييت ليلا، فإن حمل على الاول، أثم من تركه ليلا، أو على الثاني لم يأثم اهـ وقيل يقدم التكليفي لترتب الثواب عليه، ولأنه أغلب، وبه صدر ابن الحاجب ﵀ في المختصر. ترجيح الإجماعات قال في النشر: أي: ترجيح الإجماع على النص، وترجيح بعض الإجماعات على بعض. رجح على النص الذي قدُ اُجمعا … عليه والصحبي على من تبعا كذاك ما انقرض عصره وما … فيه العموم وافقوا من علما معناه أن الإجماع القطعي، يقدم على النص، لأن الإجماع مأمون النسخ دون النص،
следующие страницы →