رحمه الله : لأن الضعف في الأقل دونه في الأكثر اهـ
إشارة وذات الايما يرتضى … كونهما من بعد ذات الاقتضا
معناه أن الدال بالاقتضاء مقدم على الدال بالإشارة، والإيماء، لأن المدلول عليه بالاقتضاء مقصود يتوقف عليه الصدق، أو الصحة.
ويقدم الدال بالإيماء، على الدال بالإشارة، لأن المدلول عليه بالإيماء مقصود عند المتكلم.
ويقدم المقتضى الذي يتوقف عليه الصدق، على الذي تتوقف عليه الصحة.
وتقدم الإشارة، والإيماء، على المفهوم موافقة كان أو مخالفة، لأن الدلالة عليهما في محل النطق، وإليه أشار ﵀ بقوله:
هما على المفهوم .......... .........................
ويقدم مفهوم الموافقة، على مفهوم المخالفة عند الإمام مالك ﵀ والأكثر، للاختلاف في حجيتها.
وقيل: تقدم المخالفة، لأن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان وجوده في محل السكوت، بخلاف مفهوم المخالفة، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله:
والموافقه … ومالك غير الشذوذ وافقه
وأراد بقوله ﵀ : ومالك إلخ أن الأكثر على مثل قول الإمام مالك ﵀ بتقديم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، ولم يخالفه في ذلك إلا شذوذ: جمع شاذ على غير قياس.
الترجيح باعتبار مدلول أحد النصين المتعارضين
وناقل ومثبت والامُِر … بعد النواهي، ثم هذا الاخِر
على الإباحة وهكذا الخبر … على النواهي وعلى الذي أمر
معناه أن الناقل عن البراءة الأصليةـ مقدم على المقرر لها عند الجمهور، لأن مضمون
стр. 492
المقرر لها مستفاد منها، بخلاف الناقل، فكان أرجح للزيادة.
وقيل: يقدر تأخر المقرر لها، ليفيد تأسيسا، فيكون ناسخا، إذ لو قدر تقدمه لكان تأكيدا، لعلمه منها، والتأسيس أرجح منه.
ومثاله: تقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله.
ويقدم المثبت للحكم الشرعي، على النافي له، لاشتماله على زيادة علم، فيكون تأسيسا، وقيل: بالعكس، لاعتضاد النافي بالأصل، ومثلوا لتعارض المثبت والنافي بحديث بلال - رضي الله عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في الكعبة حين دخلها ركعتين، (١) وحديث أسامة - رضي الله عنه - في مسلم أنه دعا في نواحي البيت حين دخله ولم يصل (٢).
قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: ولقائل أن يقول: إنما يثبت التعارض بين هذين الخبرين لو ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدخل الكعبة إلا مرة واحدة، ولكنه دخلها غير مرة، فلعله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى مرة، ورواه بلال - رضي الله عنه - وترك أخرى ورآه أسامة - رضي الله عنه – (٣) اهـ
قال في النشر: ومثل الباجي - رحمهما الله لمسألة المثبت والنافي، بحديث أنس - رضي الله عنه - كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، (٤) وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما قنت شهرا يدعو على حي من أحياء بني سليم، ثم لم
стр. 493
يقنت بعد (١) اهـ
قال شيخ الإسلام زكريا ﵀ : لا يقال هذا يغني عما قبله، أو بالعكس، لأنا نقول: المثبت قد يكون مقررا للأصل، كالمثبت للطلاق والعتاق، (٢) فإنه مقرر للأصل، لأن الأصل عدم الزوجية، والرقية، فرجع ذلك إلى أن هذا مستثنى من الأول اهـ
قوله ﵀ : والآمر بعد النواهي، يعني به أن النص الدال على التحريم، مقدم على الدال على الوجوب، لأن النهي لدرء المفسدة، والأمر لجلب المصلحة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
ويقدم الدال على الوجوب على الدال على الإباحة، للاحتياط، وهذا هو المراد بقوله ﵀ عنه -: ثم الآخر على الإباحة.
ويقدم الوارد بلفظ الخبر، كقوله جل من قائل: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) على الأمر والنهي، لأن الطلب بالخبر، أقوى منه بالأمر والنهي، لأن الخبر يقتضي ثبوت مدلوله في الواقع، فاستعملت صيغته في الطلب تأكيدا له، وحضا على امتثاله، وعدم التردد في الإتيان به، فنزل في العبارة منزلة ما تحقق بالفعل، إيذانا بذلك.
في خبري إباحة وحظْر … ثالثها هذا كذاك يجري
معناه أنه اختلف إذا تعارض التحريم والإباحة، والمعول تقديم التحريم على الإباحة وغيرها من خطاب التكليف، للاحتياط.
وقيل: تقدم الإباحة لاعتضادها بالأصل.
قال في النشر: حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله في الملخص اهـ
وقيل: هما سواء، لتساوي مرجحيهما.
قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: والخلاف في ما إذا لم
стр. 494
يكن للشيء أصل من حظر، ولا إباحة، واقتضى أحد الخبرين الحظر، والآخر الإباحة، مثل خبر عدي بن حاتم - رضي الله عنه - في ما أكلت منه الجارحة أنه يحرم، مع خبر أبي ثعلبة الحنشي - رضي الله عنه - في إباحة أكله، وأصح قولي الإمام الشافعي ﵀ أنه لا يحل اعتمادا على هذا الأصل.
أما إذا كان للشيء أصل إباحة وأصل حظر، وأحد الخبرين يوافق ذلك الأصل، والآخر مخالفه، كان الناقل عن ذلك الأصل أولى، كتقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله اهـ
والجزم قبل الندب والذي نفى … حدا على ما الحد فيه ألفا
قوله ﵀ : والجزم قبل الندب، معناه أن أمر الوجوب مقدم على أمر الندب، للاحتياط.
قوله: والذي نفى البيت، معناه أنه إذا تعارض نصان، وكان أحدهما يقتضي الحد، والآخر ينفيه، قدم نافي الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذا مستثنى من تقديم المثبت. … وقيل: يقدم موجب الحد، لإفادته التأسيس.
قال التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب: وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء، لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعا، ألا ترى أنه ثبت بخبر الواحد، والقياس، مع الشبهة فيهما، ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل، فيبيحه قوم، ويحظره آخرون، كالوطء في النكاح بلا ولي ولا شهود، وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه، فكانا سواء، ونظيره من عرف تحريم الخمر، وجهل أنه موجب للحد، ولا يجعل جهله بإيجاب الحد شبهة اهـ
ومثل الحد في ما ذكر التعزير كما في النشر.
ما كان مدلول له معقولا … وما على الوضع أتى دليلا
معنى أول الشطرين، أن ما عقل معناه، مقدم على ما لم يعقل معناه، لأن عقل المعنى أغلب في الأحكام، مع أنه أدعى للقبول، وأفيد بالقياس عليه، ومحل هذا غير أبواب التعبد، إذ الأغلب فيها خلاف ذلك.
стр. 495
قال البناني ﵀ : قد يستشكل تصوير ذلك، إذ لا يتصور التعارض إلا عند اتحاد المتعلق، إذ مع اختلافه لا تعارض، كما هو ظاهر، فإذا عقل المعنى من أحد الخبرين صار معقولا مطلقا، فلا يتصور أن يكون معقولا في أحدهما غير معقول في الآخر اهـ
وهذا سهو بين، إذ الموضوع أنهما متعارضان، فكيف يلزم من عقل معنى أحدهما عقل الآخر.
قال الشربيني ﵀ :
فيه ـ يعني ما ذكره البناني ـ أنه يعقل المعنى إذا قيل: يجوز القصر للمسافر، وهو التخفيف، دون ما إذا قيل: يمتنع القصر عليه، فيقدم الأول، لكن يكون هذا مستثنى من تقديم الحظر، على الإباحة.
ويمكن أن يتصور بنحو: تقطع يد السارق، ويقتل السارق، فإن الأول معقول المعنى دون الثاني.
ومعنى الشطر الثاني، أن الخبر الدال على الوضع، مقدم على الخبر الدال على التكليف، لأن الوضع لا يتوقف على الفهم، ولا أهلية الخطاب، ولا التمكن من الفعل، قال الشربيني ﵀ : مثاله ما لو ورد: يجب تبييت النية ليلا، وورد: يصح التبييت ليلا، فإن حمل على الاول، أثم من تركه ليلا، أو على الثاني لم يأثم اهـ
وقيل يقدم التكليفي لترتب الثواب عليه، ولأنه أغلب، وبه صدر ابن الحاجب ﵀ في المختصر.
ترجيح الإجماعات
قال في النشر: أي: ترجيح الإجماع على النص، وترجيح بعض الإجماعات على بعض.
رجح على النص الذي قدُ اُجمعا … عليه والصحبي على من تبعا
كذاك ما انقرض عصره وما … فيه العموم وافقوا من علما
معناه أن الإجماع القطعي، يقدم على النص، لأن الإجماع مأمون النسخ دون النص،
стр. 496
كما تقدم في قوله ﵀ :
وقدمنَّه على ما خالفا … إن كان بالقطع يرى متصفا
وإذا توهم المجتهد تعارض إجماعين، قدم إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - على إجماع التابعين، ويقدم إجماع التابعين على إجماع من بعدهم، وهكذا كل إجماع مع ما بعده، وعبارة ابن الحاجب ﵀ : والإجماع على ما بعده اهـ
ويقدم الإجماع الذي انقرض عصره، على غيره، لما تقدم من الاختلاف في اشتراط انقراض العصر.
ويقدم الإجماع الذي وافق فيه العوام المجتهدين، على ما خالفوا فيه، لما تقدم أيضا من الخلاف في اشتراط موافقتهم.
وظاهر ابن الحاجب ﵀ تقييد تعارض الإجماعين بالظنيين، ونحوه للرازي ﵀ في المحصول، ونصه:
وأما الإجماع فإن كانا قطعيين لم يقبل الترجيح، وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، لم يقبل الترجيح، لأن الإجماع المعلوم، مقدم على الإجماع المظنون، أما إذا كانا مظنونين فهذا يقع على وجهين:
أحدهما: الإجماعان المختلف فيهما عند المجتهدين، كالإجماع الذي يحدث عن قول البعض، وبسكوت الباقين.
وثانيهما: الإجماع المنقول بطريق الآحاد، فهذان القسمان في محل الترجيح اهـ
ولم يرتض التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب ما قاله ابن الحاجب ﵀ ونصه:
تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء كانا ظنيين أم قطعيين، وما قاله بعض الشروح أنه إذا نقل بخبر الواحد، فقد لا يطلع عليه أهل العصر الثاني، فيجمعون على خلافه، ليس بصحيح، فإنه وإن لم يطلعوا عليه فالله قد عصمه أن يجمعوا على خلافه، لأنه بالإجماع عليه حق، فلو أجمعوا على خلافه لأجمعوا على باطل،
стр. 497
سواء أعلموا بأنه تقدمهم إجماع أم لا، فظن تعارض الإجماعين، ممكن، سواء أكانا في القطعيين أم الظنيين اهـ
قال الشربيني ﵀ : فإن قلت: ظن تعارض الإجماعين، كيف حصل مع العلم بعدم إمكانه؟
قلت: قال المصنف ﵀ في منع الموانع - على قوله في ما سبق: فإن توهم التعادل إلخ، ما حاصله أنه إنما عدل عن لفظ الظن إلى لفظ التوهم، لأن المجتهد إذا اشتبه عنده أمر حديثين، فهو يحسبهما متعارضين، ويعلم أنه لا تعارض في نفس الأمر، وأن حسبانه ناشئ إما عن اختلال فهمه، أو اختلال السند، أو غير ذلك، ولا يهتدي إلى تعيين تلك الجهة التي أتى منها، ولو اهتدى لم يتوهم التعارض اهـ
فيقال هنا بمثله، وأن ظن التعارض مبني على ظاهر حال المنقول إلينا، من صحة سنده، وظاهر حال فهم المجتهد من عدم اختلاله اهـ
والله أعلم بالصواب.
ترجيح الأقيسة والحدود
الترجيح في القياس يرجع إلى الأصل، أو الفرع، أو العلة، أو المدلول، أو الخارج.
بقوة المثبت ذا الأساس … أي: حكمه الترجيح للقياس
يعني أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كون دليل حكم الأصل في أحدهما أقوى من دليل حكم الأصل في الآخر، ككون حكم أحدهما مدلولا عليه بمنطوق، أو نص، وحكم الآخر مدلولا عليه بمفهوم، أو ظاهر، ونحو ذلك.
وكونه موافق السَّنن، عن … بالقطع بالعلة أو غالب ظن
قوله ﵀ : وكونه موافق السنن، معناه أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كونه على سنن القياس دون مقابله، والمراد بسنن القياس هنا: كون الفرع من جنس الأصل.
ومثله أبو الوليد الباجي ﵀ بقياس المالكية قتل البهيمة
стр. 498
الصائلة، على الصائل من الآدمي، في عدم الضمان، فهو مقدم على قول الحنفية: عليه الضمان، لأن من أبيح له إتلاف مال غيره دون إذنه، لدفع ضرر عنه، يجب عليه الضمان، أصله لو اضطر إلى أكله للجوع، لأن الأول قياس صائل على صائل، بخلاف الثاني.
وقوله ﵀ : عن بالقطع بالعلة أو غالب ظن، معناه أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كون علته مقطوعا بوجودها في الأصل، دون مقابله، وكون الظن بوجود العلة في الأصل أغلب، من ظن وجودها في أصل القياس الآخر، وقوله ﵀ : عن، معناه: عرض.
وقوة المسلك ولتقدما … ما أصلها تتركه معمما
قوله ﵀ : وقوة المسلك، معناه أن مما يرجح به القياس على القياس المعارض له، كون مسلك علته أقوى من مسلك علة مقابله، ككون مسلك إحداهما الإجماع، ومسلك غيرها غيره، وقد تقدم بيان ترتيب المسالك.
قوله ﵀ : ولتقدما ما أصلها إلخ، فسره في النشر بأن العلة العامة الأصل بأن توجد في جميع جزئياته، مقدمة على غيرها، لأنها أكثر فائدة، قال جلال الدين المحلي ﵀ : كالطعم: العلة عندنا في باب الربا، فإنه موجود في البر - مثلا - قليله وكثيره، بخلاف القوت اهـ
والذي يظهر من النظم أن المراد أن العلة التي تعود على أصلها بالتعميم، أرجح من التي تعود عليه بالتخصيص، وهو صحيح أيضا، فقد ذكر أبو الوليد الباجي ﵀ في الإشارة أن العلة التي لا تعود على أصلها بالتخصيص، مقدمة على العلة التي تعود على أصلها بالتخصيص، ونصه في باب ترجيح المعاني: الثاني أن تكون إحدى العلتين لا تعود على أصلها بالتخصيص، والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى، لأن التعلق بالعموم أولى استنباطا ونطقا اهـ
إلى أن قال: والثامن أن تكون إحداهما لا تعم فروعها، والأخرى تعم فروعها، فتكون العامة أولى، لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها اهـ
ثم قال: والتاسع أن تكون إحدى العلتين عامة، والأخرى خاصة، فتكون العامة
стр. 499
أولى، لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها اهـ
وقد ساق ذلك شهاب الدين القرافي ﵀ عنه في التنقيح مختصرا.
وذات الانعكاس واطراد … فذات الاخر بلا عناد
معناه أن القياس بعلة مطردة منعكسة، أرجح من القياس بعلة مطردة فقط، أو منعكسة فقط، للاختلاف فيهما، والقياس بالعلة المطردة فقط، أرجح من القياس بالعلة المنعكسة فقط، لأن ضعف الثانية أشد.
وعلة النص وما أصلان … لها كما قد مر يجريان
قوله ﵀ : وعلة النص، معناه أن القياس الذي علته منصوصة، مقدم على القياس الذي علته مستنبطة.
قال في نثر الورود: وهذا تكرار مع قوله ﵀ : بقوة المسلك اهـ
وهو ظاهر.
قوله ﵀ : وما أصلان إلخ، معناه أن القياس الذي علته مأخوذة من دليلين، أو أكثر، مقدم على القياس الذي ليس لعلته إلا دليل واحد.
قال في النشر: مثاله: أنه ورد عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - تضمين الغاصب، وتضمين المستعير من الغاصب، وكل منهما يستنبط منه أن العلة في ضمان مال الغير وضع اليد عليه، ولو لغير تملك، فيرجح ذلك على ما قال الإمام أبو حنيفة ﵀ من كون العلة وضع اليد للتملك، وإن صح استنباط ذلك من تضمين مستلم السلعة.
قال: والترجيح بكثرة الأصول، من باب الترجيح بكثرة الأدلة اهـ
في كثرة الفروع خلف قد ألم ...........................
معناه أنه اختلف في العلتين المتعديتين، إذا كانت إحداهما أكثر فروعا، هل ترجح بذلك على العلة التي هي أقل منها فروعا، فمن قال بترجيح المتعدية على القاصرة، قال بالترجيح بذلك، ومن لم ير ترجيح المتعدية لم ير الترجيح بذلك.
وما تقلل تطرق العدم
стр. 500
أراد ﵀ بهذا أن العلة الأقل أوصافا، مقدمة على مقابلتها، فذات الوصف الواحد، مقدمة على المركبة من وصفين، والمركبة من وصفين مقدمة على المركبة من ثلاثة، وهكذا لأن الأوصاف كلما قلت، قل تطرق احتمال العدم.
وقال أبو الوليد الباجي ﵀ في الإشارة: ولأن كل وصف يحتاج في إثباته إلى ضرب من الاجتهاد، وكلما استغنى الدليل عن كثرة الاجتهاد كان أولى اهـ
وقيل: بالعكس، لأن اشتراك الفرع مع الأصل في أمور كثيرة، أبلغ دلالة على الشبه والاستواء من عكسه.
ذاتيةً قدِّم وذات تعديه … وما احتياطا علمت مقتضيه
قوله ﵀ : ذاتية قدم، معناه أن العلة الذاتية، مقدمة على العلة الحكمية، والذاتية هي الوصف القائم بالذات، كالإسكار في الخمر، والطعم في الطعام، وقدم السمعاني ﵀ – الحكمية، كالطهارة، والحرمة، على الذاتية، لأن الحكم بالحكم أشبه.
قوله ﵀ : وذات تعديه، معناه أن العلة المتعدية أرجح عند الجمهور من العلة القاصرة، للاختلاف في جواز التعليل بالقاصرة، ولأن المتعدية أفيد بالإلحاق بها، ورجح أبو إسحاق الإسفرائيني ﵀ القاصرة، لأن الخطأ فيها أقل، وقال القاضي ﵀ هما سواء.
قوله ﵀ : وما احتياطا إلخ، معناه أن العلة التي يتضمن الإلحاق بها احتياطا في الواجب، مقدمة على ما لا تقتضيه، كتعليل نقض الوضوء بمطلق المس، مع تعليله بالمس لشهوة، فالتعليل بمطلق المس، أحوط في تحصيل الطهارة، التي هي شرط.
وقدمنْ ما حكم أصلها جرى … معللا وفقا لدى من غبرا
معناه أن العلة المتفق على تعليل حكم أصلها، مقدمة على العلة المختلف في تعليل حكم أصلها، للاختلاف في الثانية.
стр. 501
بعد الحقيقي أتى العرفي … وبعد هذين أتى الشرعي
معناه أن الوصف الحقيقي، مقدم على الوصف العرفي، والوصف الحقيقي: هو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف، أو شرع.
ويقدم الوصف العرفي، على الوصف الشرعي، للاختلاف في التعليل بالشرعي كما تقدم.
وفي الحدود الأشهر المقدم ..........................
هذا شروع في ترجيح الحدود، والمقصود هنا الحدود الشرعية، كحدود الاحكام، لا حدود الماهية العقلية، إذ لا يتعلق بها هنا غرض.
والمعنى أن الحد الأشهر ـ والمراد به الأوضح ـ مقدم على الواضح.
قال في النشر: قال اللقاني - رحمهما الله : وذلك بأن يكون المعرف في أحدهما شرعيا، وفي الآخر حسيا، أو عقليا، أو لغويا، أو عرفيا، فالحسي أولى من غيره، والعقلي من العرفي، ومن الشرعي، كما في الآيات البينات اهـ
ومعنى هذا أن الاوضحية راجعة إلى نوع المعنى المعرف به، لا اللفظ المعرف به.
قال في النشر: والحد عند أهل الأصول يشمل الحد والرسم عند أهل المنطق اهـ
وما صريحا أو أعم يعلم
قوله ﵀ : وما صريحا، معناه أن الحد باللفظ الصريح، يقدم على ما ليس كذلك، لتجوز، أو اشتراك مع انتصاب القرينة على المقصود، لأن القرينة وإن اتضحت قد يطرقها الخفاء.
وقوله ﵀ : أو أعم، معناه أن الحد الأعم، يقدم على الحد الأخص، لأن التعريف بالأعم أفيد لكثرة المسمى فيه، وقيل: يرجح الأخص أخذا بالمحقق.
وما يوافق لنقل مطلقا .........................
معناه أن الحد الموافق للنقل - شرعا أو لغة - يقدم على مقابله، لأن التعريف بما يخالفهما، إنما يكون لنقل عنهما، والأصل عدمه.
ويقدم موافق نقل الشرع، على موافق نقل اللغة.
стр. 502
.................. … والحد سائر الرسوم سبقا
معناه أن التعريف بالحد - تاما كان أو ناقصا - مقدم على التعريف بالرسم - تاما أو ناقصا - لأن التعريف بالحد، تعريف بالذاتيات، والتعريف بالرسم تعريف بالعرضيات.
وقد خلت مرجحات فاعتبر .........................
معناه أن المرجحات سبق منها كثير، ترك ذكره هنا حذرا من التكرار، منها تقديم بعض المنطوق على بعض، وتقديم بعض توابعه على بعض، وتقديم بعض المفاهيم على بعض، وتقديم بعض ما يخل بالفهم على بعض، وتقديم بعض محامل الألفاظ على بعض، وغير ذلك كثير.
والمرجحات لا تنحصر في ما ذكر في هذا الباب، ولا في ما ذكر في عامة النظم، كما أشار إليه ﵀ بقوله:
واعلم بأن كلها لا ينحصر
ومثارها قوة الظن، كما أشار إليه ﵀ بقوله:
قطب رحاها قوة المظنه … فهْي لدى تعارض مئنه
وقطب الرحى مثلث القاف، وهو الحديدة التي في الطبق الأسفل من الرحيين يدور عليها الطبق الأعلى، وقطب القوم: سيدهم الذي يدور عليه أمرهم، وصاحب الجيش: قطب رحى الحرب.
والمظنة - بكسر الظاء -: موضع الظن، والمئنة بوزنه: العلامة، والمظنة.
قال في نثر الورود: وكون قوة الظن، مئنة الترجيح، أمر أغلبي، لأن المرجح قد يكون قطعيا، وقد يكون الترجيح بمجرد الظن، دون غلبة اهـ
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
كتاب الاجتهاد في الفروع
يعني من حيث استنباطها من الأدلة، فخرج مجتهد المذهب ومجتهد الفتيا، والاجتهاد: من الجهد بفتح الجيم وبضمها، وقال القرافي ﵀ : فرقت العرب بين الجهد بفتح الجيم، وبضمها، فبالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة، ومنه قوله سبحانه
стр. 503
وتعالى جل من قائل: (والذين لا يجدون إلا جهدهم) أي: طاقتهم اهـ
نقله في النشر.
بذل الفقيه الوسع أن يحصلا … ظنا بأن ذاك حتم مثلا
معناه أن الاجتهاد في الاصطلاح، هو استفراغ الفقيه وسعه في النظر في الأدلة، لتحصيل ظن بحكم أمر، ككونه واجبا، أو حراما، أو مباحا.
فخرج غير الفقيه، وخرجت القطعيات إذ لا اجتهاد فيها.
والظن الحاصل هو الفقه الذي تقدم ذكره في الكلام على تعريف أصول الفقه.
وذاك معْ مجتهد رديف ........................
معناه أن الفقيه والمجتهد مترادفان في اصطلاح الأصوليين، قال في النشر: والفقيه في عرف الفقهاء: من تجوز له الفتوى من مجتهد ومقلد، وفي العرف اليوم: من مارس الفروع وإن لم تجز له الفتوى، وتظهر ثمرة ذلك في ما كالوصية والوقف على الفقهاء اهـ
وما له يحقق التكليف
معناه أن مما يشترط في المجتهد التكليف، فخرج الصبي، إذ لم يكتمل عقله حتى يعتبر قوله، وخرج غير العاقل، إذ لا تمييز له يهتدي به لما يقوله حتى يعتبر.
وهْو شديد الفهم طبعا ....... ..............................
معناه أنه يشترط في المجتهد كونه فقيه النفس، بأن يكون قوي الفهم، شديد الدراية بمقاصد الشارع في خطاباته، سجية، لأن الفقيه من فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية، فبهذا يتسنى الاستنباط على وجه تؤمن معه كثرة الغلط وفحشه.
واختلف … في من بإنكار القياس قد عرف
معناه أنه اختلف في من أنكر حجية القياس، كالظاهرية، هل يخرجه ذلك عن كونه مجتهدا، لاقتضائه عدم أهليته له، أو لا يخرجه عنه، لعدم منافاته لفقاهة النفس، وقيل يفرق بين إنكار الجلي، وغيره.
قد عرف التكليف بالدليل … ذي العقل قبل صارف النقول
معناه أن من شروط المجتهد أن يكون عارفا بالدليل العقلي، وهو البراءة الأصلية،
стр. 504
وبالتمسك به حتى يصرف عنه صارف.
وانظر لم لم يستغنوا عن هذا بما يأتي من معرفة أصول الفقه؟
وانظر أيضا ما المتحفظ منه بهذا الشرط؟
والنحو والميزان واللغة مع … علم الاصول وبلاغة جمع
يعني أنه يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بالنحو الشامل للتصريف، وأن يكون عارفا بالمنطق، وهو المراد بالميزان، قال في النشر: أي: عارفا بالمحتاج إليه منه، كشرائط الحدود والرسوم وشرائط البراهين اهـ
وعبارة القرافي ﵀ : وشرائط الحد والبرهان اهـ
أي: عالما بشرائط الحد والبرهان.
ويشترط كذلك أن يكون عارفا باللغة، قال في النشر: عربية كانت أو شرعية أو عرفية اهـ
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بعلم أصول الفقه، وبالبلاغة من معان وبيان.
قال في النشر: وكلما كمل معرفة واحد من تلك العلوم، كان الاجتهاد أتم.
ولا يقال: كيف تشترط معرفة علم الأصول، مع أن جمهور المجتهدين كانوا متبحرين في الاجتهاد ولم يكن هذا العلم إذ ذاك مدونا، بل يكفي كونه ذا فهم صحيح، لأنا نقول: ليس المراد معرفته بهذه الاصطلاحات الحادثة، بل المراد معرفة ذات قواعده، مدونة كانت أم لا، عرفها بالطبع أو التعلم، وإلا لزم عدم اشتراط العربية وغيرها، فإن أكابر الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - كانوا في غاية الرفعة في الاجتهاد، ولم تكن إذ ذاك العربية ولا غيرها مدونة اهـ
وموضع الأحكام دون شرط … حفظ المتون عند أهل الضبط
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بمدارك الأحكام من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، ولا يشترط حفظهما، لكنه أكمل.
قال في النشر: بل يكفيه في الأحاديث أن يكون عنده من كتبها ما إذا راجعه فلم يجد فيه ما يدل على حكم الواقعة، ظن أنها لا نص فيها اهـ
стр. 505
ذو رتبة وسطى في كل ما غبر ............................
معناه أنه يشترط في المجتهد أن يبلغ الرتبة الوسطى في ما سبق ذكره من العلوم، ما عدا اللغة، فلا بد من الزيادة على التوسط فيها، حتى لا يشذ عنه المستعمل في الكلام في غالب الاوقات، ولا يلزم التبحر في شيء من هذه الأمور، وقيل يلزم في ما يختلف بسببه المعنى، ذكر ذلك كله في النشر.
وعلم الاجماعات مما يعتبر
معناه أنه يشترط لكن لإيقاع الاجتهاد خاصة، معرفته بمواضع الإجماع، ليلا يخرقه، ومواضع الخلاف ليلا يحدث تفصيلا أو قولا.
كشرط الاحاد وما تواترا … وما صحيحا أو ضعيفا قد جرى
وما عليه أو به النسخ وقع … وسبب النزول شرط متبع
كحالة الرواة والأصحاب … وقلدنْ في ذا على الصواب
معناه أنه يشترط في إيقاع الاجتهاد، كونه عارفا بشروط خبر الآحاد، والخبر المتواتر، ليقدم الثاني عند التعارص، وقد تقدم الكلام عليهما في كتاب السنة المطهرة، قال في النشر: لكن معرفة ما ذكر من علم الأصول اهـ
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بشروط الحديث الصحيح، وغيره، ليعمل بالصحيح، ويترك الضعيف، ويشترط كذلك معرفة الناسخ والمنسوخ.
قال البناني ﵀ : أي: بأن هذا ناسخ، وهذا منسوخ، وإلا فالعلم بتقدم الناسخ من حيث هو على المنسوخ، داخل في قوله سابقا: أصولا، كما نبه عليه بعضهم، وكذا القول في قوله: وشرط التواتر والآحاد، أن يعلم أن هذا متواتر، وذاك آحاد، وأما العلم بحال التواتر والآحاد من حيث هما، وأن الأول مقدم على الثاني، فداخل في قوله: أصولا، وقس على ذلك قوله: والصحيح والضعيف وحال الرواة اهـ
وتشترط كذلك لإيقاع الاجتهاد معرفته بسبب نزول الآية، وسبب الحديث، ليستعين بذلك في تفهم النص.
وتشترط كذلك معرفة أحوال الرواة، من قبول ورد، وأعدلية، وفقاهة، ونحو ذلك ليتمكن
стр. 506
من ترجيح بعض الروايات على بعض.
وتشترط كذلك معرفته بما يعين على معرفة الحكم من أحوال الصحابة - رضي الله عنهمأجمعين - من أقضية، وفتاوى، وعمل، ونحو ذلك.
وأشار ﵀ بقوله: وقلدن في ذا، إلى أنه يكفي في معرفة ما تقدم تقليد الأئمة في تلك العلوم.
قال في النشر: فيرجع في الأحاديث إلى الكتب المشهورة بالصحة، كصحيح البخاري، ومسلم، وصحيح ابن حبان، وابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن السكن، وكذا المستخرجات، وموطإ الإمام مالك ﵏ عنهم أجمعين ـ وفي أحوال الصحابة إلى الاستيعاب لابن عبد البر ﵀ وإلى الإصابة لابن حجر ﵀ ونحوهما، وفي أحوال الرواة إلى المدارك للقاضي عياض والميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر، وفي الإجماعات، إلى إجماعات ابن المنذر، وابن القطان، ونحو ذلك، وفي أسباب النزول، إلى أسباب النزول للسيوطي وهكذا اهـ
وأشار ﵀ بقوله: على الصواب إلى ما قاله الإبياري ﵀ من اشتراط أن تكون معرفته من غير تقليد، معللا بأنه إذا قلد في شيء من ذلك، كان مقلدا في ما يبني عليه من الاجتهاد، وليس ببين، فمعرفة جميع ذلك من غير تقليد في شيء منه متعذرة.
وليس الاجتهاد ممن قد جهل … علم الفروع والكلام ينحظل
معناه أنه لا يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بالفروع، قال في النشر: قال الإمام الرازي - رحمهما الله : وأما تفاريع الفقه، فلا حاجة إليها، لأن هذه التفاريع يولدها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهاد فكيف يكون شرطا اهـ
قال: واشترطه أبو إسحاق الإسفرائيني ﵀ وصحح بعضهم كونه شرطا في إيقاع الاجتهاد، وليس بصفة للمجتهد، لكن الواقع بعد زمان الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - أن الاجتهاد إنما يكون بعد ممارسة الفقه اهـ
ولا يشترط أيضا كونه عارفا بعلم الكلام، ونُقل اشتراط ذلك، وجاء عن الغزالي - رحمه
стр. 507
الله أنه قال: وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي يحررونها اهـ
كالعبد والأنثى كذا لا تجب … عدالة على الذي ينتخب
معناه أنه لا يشترط في المجتهد أن يكون حرا، ولا أن يكون ذكرا، فيجوز أن يكون المجتهد عبدا، أو امرأة، كمثل ما حصل لعائشة - رضي الله وما جاء من نقصان عقولهن، إنما هو في الجملة لا في آحادهن.
ولا يشترط فيه كذلك أن يكون عدلا، لجواز بلوغ الفاسق رتبة الاجتهاد، خلافا لمن اشترط فيه العدالة، ووفق بينهما بأن من أثبت، قصد الاشتراط في جواز التقليد، ومن نفى قصد عدم الاشتراط في الأهلية للاجتهاد، فالفاسق يلزمه الأخذ باجتهاد نفسه، ولا يجوز لغيره تقليده.
هذا هو المطلق والمقيد … منسفل الرتبة عنه يوجد
معناه أن المجتهد الذي تقدم ذكر شروطه، هو المجتهد المطلق، وهو الناظر في الأدلة الشرعية من غير تقليد لأحد، كأئمة المذاهب الأربعة - رضي الله عنهم أجمعين -.
والمجتهد المقيد دونه في الرتبة، فهو الملتزم لمراعاة أصول إمام معين، فينظر في نصوصه كما ينظر المجتهد المطلق في نصوص الشارع وما التحق بها، فلا يتعداها خلافا للخمي ﵀ حيث كان يخرج أحيانا على غير قواعد إمامه ﵀ وإلى هذا أشار ﵀ بقوله:
ملتزم أصول ذاك المطلق … فليس يعدوها على المحقق
وينقسم إلى مجتهد مذهب، ومجتهد فتوى، وأشار ﵀ إلى أولهما بقوله:
مجتهد المذهب من أصوله … منصوصة أم لا حوى معقوله
وشرطه التخريج للأحكام … على نصوص ذلك الإمام
معناه أن مجتهد المذهب هو الذي جمع أصول إمامه حفظا وضبطا، سواء كانت
стр. 508
منصوصة له، أو مستنبطة من كلامه.
ويشترط فيه أن يكون متمكنا من تخريج الأحكام على نصوص إمامه، قال العبادي ﵀ : كأن يقيس ما سكت عنه، على ما نص عليه، لوجود معنى ما نص عليه، في ما سكت عنه، سواء نص إمامه على ذلك المعنى، أو استنبطه هو من كلامه، أو يستخرج حكم المسكوت عنه، من دخوله تحت عموم ذكره، أو قاعدة قررها.
ويرد عليه أن أصحاب الوجوه، قد يستنبطونها من نصوص الشارع، كما يعلم من تتبع كلامهم، لكن يتقيدون في استنباطهم منها بالجري على طريق إمامهم في الاستدلال، ومراعاة قواعده، وشروطه فيه، وبهذا يفارقون المجتهد المطلق، فإنه لا يتقيد بطريق غيره، ولا بمراعاة قواعده، وشروطه فيه، اللهم إلا أن يريد بنصوص إمامه ما يشمل قواعده، وشروطه في الاستدلال، وبتخريج الوجوه على نصوص إمامه بالنسبة لهذا القسم استنباطها من الأدلة مع الجري على نصوص الإمام في الاستدلال، أي: قواعده، وشروطه عنده، ولا يخفى أنه تكلف اهـ
وأشار ﵀ إلى مجتهد الفتوى بقوله:
مجتهد الفتيا الذي يرجح … قولا على قول وذاك أرجح
ومعناه أن مجتهد الفتوى هو المتبحر في مذهب إمامه، المتكن من ترجيح قول على قول من قولين مذكورين في المذهب من غير ترجيح، سواء كانا للإمام أو لأصحابه.
وقوله ﵀ : وذاك أرجح، أشار به إلى أن مجتهد الفتوى أنزل رتبة من مجتهد المذهب.
لجاهل الأصول أن يفتي بما … نقل مستوفى فقط وأمما
أشار ﵀ بهذا إلى ما نقله العبادي عن السيوطي عن النووي ﵏ أجمعين - ونصه: قال السيوطي ﵀ : ولم يذكر في جمع الجوامع مرتبة بعد ذلك، وقد ذكر في شرح المهذب مرتبة رابعة، وهي أن يقوم بحفظ المذهب، ونقله، وفهمه في الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته، وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه في ما يحكيه من مسطورات مذهبه،
стр. 509
وما لم يجده منقولا، إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق، جاز إلحاقه به، والفتوى به، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه، إلا أنه يبعد كما قال إمام الحرمين ﵀ أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص، ولا مندرجة تحت ضابط، وشرطه كونه فقيه النفس، ذا حظ وافر من الفقه اهـ
وقوله ﵀ : وأمما، قال في النشر: فعل أمر، أي: اقتد به في ما نقل مستوفى اهـ
يجوز الاجتهاد في فن فقط … أو في قضية وبعض قد ربط
مذهب الأكثرين جواز تجزئ الاجتهاد بأنواعه الثلاثة، بأن يبلغ الشخص رتبة الاجتهاد في باب من أبواب الفقة دون غيره، كالأنكحة والبيع، وقيل: لا يجوز لاحتمال أن يكون في ما لم يعلمه من الأدلة معارض لما علمه (١).
ونقل في الحلي عن البرماوي ﵀ أن كلام الرافعي ﵀ : يقتضي اختصاص الخلاف بالباب، دون المسألة، لشدة ارتباط مسائل الباب بعضها ببعض، وتباعد ارتباط مسائل بابين مختلفين اهـ وهو أبين، والله أعلم.
والخلف في جواز الاجتهاد أو … وقوعه من النبي قد رووا
مذهب الأكثرين جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وغيره من الأنبياء - عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - في الأحكام الشرعية، ووقوعه، لأن الله خاطب نبيه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كما خاطب عباده، وضرب له الامثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله وأعظم المعتبرين.
واحتجوا للوقوع بقوله جل من قائل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى
стр. 510
حتى يثخن في الأرض) وقوله جل من قائل: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) الآية الكريمة.
وذهب نفاة القياس إلى منع الاجتهاد في حق النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - واحتج المانعون بقدرته على اليقين، بالتلقي من الوحي، بأن ينتظره، والقادر على اليقين، لا يجوز له الاجتهاد.
وأجيب بأن إنزال الوحي ليس في قدرته، واختار القاضي أبو بكر وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي - رحمهما الله الوقف، وقيل: بالجواز والوقوع في الآراء والحروب فقط، كإرادته أن يصالح غطفان على ثمار المدينة المنورة، وترك التلقيح، وحكى سليم الرازي وابن حزم - رحمها الله الإجماع على الجواز في هذا، والله أعلم.
وواجب العصمة يمنع الجنف ..........................
قال في النشر: يعني أن اجتهاده صلى الله تعالى عليه وسلم لا يخطئ، لوجوب العصمة له، بناء على جوازه، هذا إذا قلنا إن المصيب واحد، وأما إذا قلنا إن كل مجتهد مصيب، فلا خلاف في ذلك اهـ
وصحح الوقوع عصره السلف
المصحح أن الاجتهاد جائز وواقع في زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل ليس بجائز، للقدرة على اليقين في الحكم بتلقيه منه - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل: لم يقع للحاضر في قطره - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل بالوقف، والأصح من هذه الأقوال أولها، والوقائع المروية في ذلك كثيرة جدا.
ووحِّد المصيب في العقلي ........................
معناه أن المصيب في العقليات واحد، وهو من صادف الصواب، والمراد بالعقليات: ما لا يتوقف على السمع، كحدوث العالم، ومعنى كون المصيب واحدا، أنه لا يتعدد، فلا يمكن أن يصيب من المختلفين أكثر من واحد، وقد يخطئون جميعا.
стр. 511
......................... … ومالك رآه في الفرعي
معناه أن الإمام مالكا ﵀ ذهب إلى أن المصيب من المختلفين في مسائل الفقه التي لا قاطع فيها واحد أيضا، وهو مذهب الجمهور.
قال في النشر: حجة الجمهور أنه شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة، أو الراجحة، أو لدرء المفاسد كذلك، ويستحيل وجودها في النقيضين، فيتحد الحكم اهـ
وأما الجزئية التي فيها قاطع، من نص أو إجماع، واختلف فيها لعدم الوقوف عليه، فسيأتي الكلام عليها - إن شاء الله .
فالحكم في مذهبه معين … له على الصحيح ما يبين
مخطئه ـ وإن عليه انحتما … إصابة ـ له الثواب ارتسما
معناه أن مذهب الإمام مالك ﵀ والجمهور في المسائل الفقهية المذكورة أن لله فيها حكما قبل الاجتهاد، إذ لا بد للطلب من مطلوب، وأن عليه أمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابة الحكم.
قال الشربيني ﵀ : إذ الاجتهاد عبارة عن طلب دليل يدل على الحكم، وطلب الشيء متأخر عنه، ومنه أيضا يظهر ثبوت الحكم قبل الاجتهاد، وأنه مكلف بإصابته، وإلا فلا معنى للاجتهاد، بل أي واحد يكفي اهـ
ومذهب الجمهور أن مخطئ الصواب لا يأثم بذلك، لبذله وسعه، (١) وفي الحديث " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " (٢) ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي يوسف، ومحمد ابن الحسن، وابن سريج - رضي الله عنهم أجمعين - أن كل مجتهد في ما لا قاطع فيه مصيب، وقال الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر - رحمهما الله
стр. 512
-: حكم الله تابع لظن المجتهد، فما ظنه فهو حكم الله في حقه، وحق مقلده، وإليه أشار ﵀ بقوله:
ومن رأى كلا مصيبا يعتقد … لأنه يتبع ظن المجتهد
وقال أبو يوسف ومحمد وابن سريج ﵏ أجمعين -: هناك ما لو حكم الله فيها على التعيين، لكان الحكم به، لمناسبته، وإليه أشار ﵀ بقوله:
أو ثم ما لو عُيِّن الحكم حُكم … به لدرء أو لجلب قد ألم
ولذلك قالوا في المخطئ فيها: إنه قد أصاب اجتهادا، لبذله وسعه، لا حكما، إذ لم يصادف ما لو كان حكم على التعيين، لكان به، وبعبارة أخرى: أصاب ابتداء لا انتهاء، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله:
لذا يصوبون في ابتداء … والاجتهاد دون الانتهاء
والحكم .............. ........................
والخطأ عند هؤلاء، غير الخطأ عند الجمهور، فالخطأ عند الجمهور عدم مصادفة حكم معين قد حكم الله به في المسألة بالفعل، وعند الثلاثة عدم مصادفة ما لو كان في المسألة حكم على التعيين، لكان به، كذا قال العبادي ﵀ والله أعلم.
وهو واحد متى عقل … في الفرع قاطع ولكن قد جهل
معناه أن الجزئية التي فيها قاطع من نص أو إجماع، إذا اختلف فيها لعدم الوقوف عليه، المصيب فيها واحد اتفاقا، وهو من صادف ذلك القاطع، وقيل على الخلاف في ما لا قاطع فيه.
قال جلال الدين المحلي ﵀ : وهو بعيد، وعلى ما قبله فالأصح أن المخطئ فيها غير آثم.
وهو آثم متى ما قصرا … في نظر وفقا لدى من قد درى
معناه أن المجتهد إذا قصر فلم يستفرغ وسعه، في طلب الحكم، كان آثما اتفاقا، وإن
стр. 513
أصاب الصواب، لتركه ما وجب عليه.
والحكم من مجتهد كيف وقع … دون شذوذ نقضه قد امتنع
معناه أن حكم المجتهد - مطلقا كان أو مقيدا - في الاجتهاديات، لا يجوز نقضه إذا ظهر أن غيره أصوب، لا منه ولا من غيره، ما لم يكن ما حكم به شاذا جدا حيث صار إليه من غير ترجيح، إذ لو جاز نقضه لجاز نقض النقض، وهلم جرا، فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الخصومات، وهذا باتفاق من الأصوليين.
قال في النشر: ووقع الخلف فيه بين الفقهاء، ومشهور مذهبنا نقضه من الحاكم به، قال خليل - رحمهما الله : ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب، وقيل: لا ينقضه، وهو المختار اهـ
وأما إذا لم يظهر أن غيره أصوب، فلا يجوز نقضه اتفاقا.
إلا إذا النص أو الإجماع أو … قاعدة خالف في ما قد رووا
معناه أن ما ذكر من امتناع نقض حكم المجتهد، محله ما لم يخالف نصا، أو ظاهرا من كتاب أو سنة، أو إجماعا، ولو ظنيا، أو قاعدة متفقا عليها، أو مشهورة من غير معارض أرجح، وإلا وجب نقضه، ينقضه هو وغيره.
مثال مخالفة الكتاب العزيز: ما لو حكم بحلية المبتوتة قبل زوج.
ومثال مخالفة السنة المطهرة: ما لو حكم بصحة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. … ومثال مخالفة الإجماع، ما لو حكم بحجب الجد بالأخ.
ومثال مخالف القواعد: حكمه بفسخ النكاح بالشك في الرضاع، فهو مخالف لقاعدة لغو الشك في المانع.
أو اجتهاده .............. ..........................
معناه أن المجتهد ينقض حكمه إذا حكم بغير اجتهاده، بأن حكم بقول غيره، سواء اجتهد وخالف اجتهاده إلى قول غيره، أو لم يجتهد أصلا، لامتناع تقليده، لكن إنما ينقضه هو خاصة، وإلى ذلك يشير سيدي خليل ﵀ بقوله: ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب أو خرج عن رأيه اهـ
стр. 514
......... أو القيس الجلي … على الاصح ............
كذلك يجب نقض حكم الحاكم إذا خالف القياس الجلي، كحكمه بشهادة النصراني، فهي أحرى بالرد من شهادة الفاسق الوارد ردها في النص، ولا يختص النقض في هذه المسألة بالحاكم به، فهو كمخالفة النص سواء.
وقوله ﵀ : على الأصح، أشار به إلى قول ابن عبد الحكم ﵀ بمنع نقض حكمه في المواضع المذكورة.
أو بغير المعتلي
حكم في مذهبه وإن وصل … لرتبة الترجيح فالنقض انحظل
معناه أن المقلد ينقض حكمه، إذا حكم بغير المشهور في المذهب، إذ لا يعدل عن المشهور غالبا إلا لغرض مذموم، وهذا ما لم يبلغ رتبة الترجيح، لأن مجتهد الترجيح يجوز له الحكم والفتوى والعمل بغير المشهور إذا ترجح عنده.
وقدم الضعيف إن جرى عمل … به لأجل سبب قد اتصل
معناه أن القول الضعيف إذا جرى به العمل، يقدم على المشهور، إذا كان جريان العمل به لسبب اقتضى تقديمه على المشهور، من جلب مصلحة، أو درء مفسدة، وكان السبب قائما، وذلك هو المراد بالاتصال في قوله ﵀ : قد اتصل.
قال في النشر: وجه الترجيح بالعمل أن لشيوخ المذهب المتأخرين تصحيحاتٍ لبعض الروايات والاقوال، عدلوا فيها عن المشهور، وجرى بتصحيحاتهم عمل الحكام والفتوى، لما اقتضته المصلحة، والأحكام تجري مع الأعراف، قاله القرافي وابن رشد ﵏ أجمعين – اهـ
وقال سيدي عبد الرحمن الفاسي ﵀ في نظمه لعمل فاس:
وبعد فالقصد بذا النظام … بعض مسائل من الأحكام
جرى بها ليرفع الخلافا … عمل فاس، يتبع الأعرافا
ثمت ذا العمل قدم على … ما شهروا حيث الشروط استكملا
بأن جرى والوقت يُدرى والمقر … من مقتدى به لداع استمر
стр. 515
والحكم مهمى كان مبنيا على … عرف تبدل إذا تبدلا
وذاك في مقاصد للناس … ولفظ كالأيمان والأحباس
ثم قال الناظم ﵀ :
وهل يقيس ذو الأصول إن عدم … نص إمامه الذي له لزم
مع التزام ما له أو مطلقا … وبعضهم بنصه تعلقا
اختلف في المقلد العارف بعلم الأصول، إذا لم يجد نصا لإمامه في مسألة، هل يجوز له قياسها على ما نص عليه إمامه أولا؟
قيل: يجوز له ذلك مع التزام أصول إمامه، وهو طريق ابن رشد والمازري والتونسي وأكثر المالكية ﵏ –.
وقيل: يجوز له ذلك دون شرط التزام أصول إمامه، فللمالكي أن يقيس على أصول الإمام الشافعي ﵀ مثلا، وهذا قول اللخمي ﵀ وله اختيارات خرج في كثير منها عن المذهب.
وقيل: لا يجوز له ذلك، ويلزمه التعلق بنصوص إمامه، فلا يحكم ولا يفتي إلا بنصه، وهو نص أبي بكر ابن العربي وظاهر نقل أبي الوليد الباجي - رحمهما الله .
قال في النشر: أما إذا لم يجد المالكي في مسألة نصا لإمامه، ولا أصلا، ووجد فيها نصا لغيره كالشافعي - مثلا - أو أصلا، وجب عليه اتباع ذلك، إذ لا يعمل بغير الأدلة الشرعية، ويقدم نصه على أصله قياسا على إمامه، وغير العارف بالأصول لا يجوز له القياس أصلا، بل يقف مع نصوص مذهبه، فإن لم يجد نصا في مذهبه في مسألة، ووجد نصا في غيره وجب عليه اتباع مذهب الغير في تلك المسألة.
ولم يضمن ذو اجتهاد ضيعا … إن يك لا لقاطع قد رجعا
معناه أن المجتهد إذا أتلف شيئا بفتواه، أو حكمه، ورجع عن ذلك، لم يكن عليه ضمان لما فوته، لأمره بالاجتهاد، وقد اجتهد ولم يأل جهدا، إلا أن يكون رجوعه لقاطع، فإن رجع لقاطع. ضمن، لإشعار خفاء القاطع عليه، بالتقصير، كما نسبه في النشر
стр. 516
للحطاب - رحمهما الله .
وإنما جاء في الجمع للتاج ﵀ ونصه: ولا يضمن المتلف إن تغير لا لقاطع اهـ
والذي في الحطاب نفي ضمان المجتهد مطلقا، وقد يقال إن الشيخ - رحمهما الله فهمه على ما ذكر، جاعلا مخالفة القاطع مستلزمة التقصير، وظاهر الشربيني ﵀ خلاف ذلك، حيث كتب على كلام التاج المتقدم ما نصه: الذي في فروع الشافعية عدم الضمان ما لم يقصر اهـ
ونص الحطاب ﵀ : فرع من أفتى رجلا، فأتلف بفتواه مالا، فإن كان مجتهدا فلا شيء عليه، وإلا فقال المازري ﵀ : يضمن ما تلف، ويجب على الحاكم التغليظ عليه، وإن أدبه فأهل، إلا أن يكون تقدم له اشتغال بالعلم، فيسقط عنه الأدب، وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلا.
ونقل البرزلي عن ابن رشد - رحمهما الله في أوائل النكاح أنه لا ضمان عليه، لأنه غرور بالقول، إلا أن يتولى فعل ما أفتى به، فيضمن.
وذكر في أوائل كتابه عن الشعبي - رحمهما الله أنه يضمن، قال: وهذا عندي في المفتي الذي يجب تقليده المنتصب لذلك، وأما غيره فكالغرور بالقول، ويجري على أحكامه.
فتحصل أن المفتي المنتصب لذلك يضمن، ولعل ابن رشد ﵀ لا يخالف فيه، لأن هذا يحكم بفتواه، فهو كالشاهد يرجع عن الشهادة، وأما غير المنتصب ففيه قولان لابن رشد والمازري - رحمهما الله والله أعلم اهـ
وإلى كلامه في غير المجتهد أشار الشيخ ﵀ بقوله:
إلا فهل يضمن أو لا يضمن … إن لم يكن منه تول بين
وإن يكن منتصبا فالنظر … ذاك وفاقا عند من يحرر
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 517
فصل في التقليد في الفروع
التقليد في اللغة: جعل قلادة في العنق، ومنه تقليد الهدي.
قال في نثر الورود: فكأن المجتهد جعل الفتوى في عنق السائل، أو أن السائل جعل الأمر في عنق المسؤول، وهذا الأخير معروف في كلام العرب، ومنه قول لقيط الأيادي:
وقلِّدوا أمركم لله دركم … رحْبَ الذراع بأمر الحرب مطلعا
وأشار الشيخ ﵀ إلى معناه اصطلاحا، بقوله:
هو التزام مذهب الغير بلا … علم دليله الذي تأصلا
والمعنى أن التقليد في اصطلاح الأصوليين، هو التزام مذهب الغير من غير معرفة دليله، وعرفه التاج السبكي ﵀ في الجمع بقوله: أخذ القول من غير معرفة دليله.
وكتب عليه الشربيني ﵀ ما نصه: أما الفعل والتقرير فلا يظهر جواز العمل بمجردهما من المجتهد، لجواز سهوه وغفلته.
وإنما يعول على الفعل والتقرير الواقعين من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لكن ذلك ليس بتقليد، بل استدلال، وقد تقدم ذلك أول الكتاب.
فإن قلت: قد يقترن التقرير بما يدل على عدم الغفلة والرضا بالفعل.
قلت: يحتمل أنه رضيه لكونه مذهب غيره، وشرط الإنكار أن يكون منكرا عند الفاعل، ولعله قلد الغير تدبر اهـ
ونقل في النشر عن إمام الحرمين - رحمهما الله أنه قال: ينبغي الإتيان، بلفظ يعم القول والفعل اهـ وهو بين.
وأما التقرير فإن أريد التقرير على أنه مذهبه، فواضح، وإن أريد مطلق التقرير، فالأوجه ما قاله الشربيني ﵀ .
وخرج بقولنا: من غير معرفة دليله، أخذ قول الغير مع معرفة دليله، قال جلال الدين
стр. 518
المحلي ﵀ : فهو اجتهاد وافق اجتهاد القائل، لأن معرفة الدليل إنما تكون للمجتهد، لتوقفها على معرفة سلامته عن المعارض، بناء على وجوب البحث عنه، وهي متوقفة على استقراء الأدلة كلها، ولا يقدر على ذلك إلا المجتهد اهـ
يلزم غير ذي اجتهاد مطلق … وإن مقيدا إذا لم يطق
معناه أن التقليد واجب على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق في ذلك الباب، وإن بلغها في غيره عند من يجيز تجزأ الاجتهاد، واستدل لذلك بقوله جل من قائل: (فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)
وقيل: إنما يجب تقليده المجتهد، بشرط تبين صحة اجتهاده، ليسلم من لزوم اتباعه في الخطإ الجائز عليه.
قال الشربيني ﵀ : إن كان المراد أنه يتبين للمقلد، فالخطأ عليه أجوز، أو لمجتهد آخر، فجائز عليه الخطأ أيضا، فإن ألزم ببيان مستنده في معرفة عدم خطئه، تسلسل الأمر اهـ
وقيل: لا يقلد العالم، وإن لم يكن مجتهدا، لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل في الجملة.
وأجيب بأن المدار في عدم التقليد على الصلاحية الكاملة، إذ بها تؤمن كثرة الأخطاء ويكون الناظر على بصيرة.
وهو للمجتهدين يمتنع … لنظر قد رزقوه متسع
معناه أن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره، إجماعا بعد اجتهاده في المسألة، وقبله عند الإمام مالك ﵀ والاكثرين، لتمكنه من الاجتهاد.
وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى الجواز، لعدم علمه بالحكم حينئذ، وقيل: يجوز للقاضي، وقيل: يجوز له تقليد من هو أعلم منه، دون مساويه، وقيل: يجوز عند ضيق الوقت، لما يسأل عنه، بخلاف ما اتسع وقته، وقيل: يجوز له في ما يخصه، دون ما يفتي به.
وليس في فتواه مفت يتبع … إن لم يضف للدين والعلم الورع
стр. 519
من لم يكن بالعلم والعدل اشتهر … أو حصل القطع فالاستفتا انحظر
معناه أنه لا يجوز اتباع المفتي في فتواه، حتى يجمع بين ثلاث صفات:
أحدها: الدين، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
والثاني: العلم.
والثالث: الورع.
قال في النشر: لعدم الثقة بمن عدمت فيه خصلة من الثلاث اهـ
هذا هو المراد بقوله ﵀ : وليس في فتواه البيت.
وأشار ﵀ بالبيت الثاني إلى أن ذلك يشترط أيضا في جواز الاستفتاء، على ما ذكره في النشر، وأصله للقرافي ﵀ واشتراط الورع، زيادة على العدالة، مشكل.
فالأبين أن الورع شرط كمال فقط، والله أعلم.
قال في النشر: والأصح وجوب البحث عن علمه، وعدالته، وورعه، وقيل: يكفي مجرد اشتهاره بها بين الناس، وإن لم يحصل علم بها أو ظن، والأصح الاكتفاء بظاهر العدالة، وقيل: لا بد من البحث عنها، والاكتفاء بخبر الواحد عن علمه، وعدالته، وورعه، وقيل: لا بد من اثنين.
وفي جواز استفتاء من عُلم علمه، وجهلت عدالته احتمالان، وذكرهما النووي وجهين عند الشافعية.
وعلى الجواز يفرق بأن الناس كلهم عوام إلا القليل، والعلماء كلهم عدول إلا القليل اهـ
وواجب تجديد ذي الرأي النظر … إذا مماثل عرى وما ذكر
للنص مثل ما إذا تجددا … مغيِّرٌ، إلا فلن يجددا
إذا تكررت الواقعة للمجتهد، فإن لم يتذكر مستنده في ما رآه أولا، أو تذكره ولكن تجدد له ما يقتضي الرجوع عن ما ظهر له أولا، وجب عليه تجديد الاجتهاد والنظر في ذلك.
وإن تذكر مستنده أولا، ولم يحدث في رأيه تغير، كان له أن يكتفي باجتهاده السابق،
стр. 520
ولا فرق في ما ذكر بين المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد بنوعيه.
وهل يكرر سؤال المجتهد … من عم إن مماثل الفتوى يعد
معناه أنه اختلف في العامي إذا استفتى المجتهد ـ مطلقا كان أو مقيدا ـ ثم حدث له مثل تلك الواقعة، هل يلزمه استفتاؤه من جديد، لاحتمال تغير اجتهاده، أو له أن يكتفي بجوابه السابق؟
قال في النشر: تردد فيه ابن القصار من المالكية ﵀ وحكى ابن الصلاح ﵀ فيه خلافا، ثم قال: الأصح لا يلزمه اهـ
إلى أن قال ﵀ : ولا تجب إعادة السؤال اتفاقا حيث استند الجواب الأول إلى نص، أو إجماع، إذ لا حاجة إليه حينئذ اهـ
وقال الشربيني ﵀ ?: لا يخفى أن التفصيل المتقدم بين ذكر الدليل الأول، وعدمه، مع التجدد، وعدمه، آت هنا أيضا تأمل اهـ
وأما المفتي الذي ليس له اجتهاد، لا مطلق ولا مقيد، فلا تجب إعادة سؤاله إذا تكررت الحادثة، كما قال القرافي ﵀ .
قال في النشر: لعدم احتمال تغير ما عنده في تلك الحادثة اهـ
وإلى هذا أشار ﵀ بقوله:
وثانيا ذا النقل صِرفا أهمل ........................
ومقتضى هذا أن غير المجتهد بأنواعه، لا يفتي إلا بعلم، وهو مشكل.
وخيرنْ عند استواء السبل
وزائدا في العلم بعض قدما … وقدم الأورع كل القدما
معناه أن العالم إذا استفتاه العامي في مسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين متساويين، أو أقوال متساوية، خيره بين أن يأخذ بأيها شاء.
قال في النشر: وبعضهم يقول: يأخذ العامي بأغلظ الاقوال، لما فيه من الاحتياط اهـ
ومقتضى العلة تقديم الأحوط المساوي، والله أعلم.
ومحل ما ذكر حيث استوى أصحاب الأقوال علما وورعا، فإن اختلفوا في العلم مع
стр. 521
الاستواء في الورع، فقيل: يقدم الأعلم، وهو الابين، وقيل لا ترجيح بذلك، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وزائدا في العلم بعض قدما.
وإن استووا في العلم مع التفاوت في الورع، قدم الأورع، لسببية الأورعية لزيادة التثبت في الاجتهاد، وإلى هذا أشار ﵀ ببقية البيت.
ونحو هذا البحث في تقليد العامي لأحد المجتهدين عند مانع تقليد المفضول، - كما سيأتي إن شاء الله .
وانظر ما حكم العالم المذكور إن كان قاضيا، أو محكما.
وجائز تقليد ذي اجتهاد … وهو مفضول بلا استبعاد
مذهب الجمهور جواز تقليد العامي للمجتهد المفضول علما وورعا، مع وجود الفاضل علما وورعا، لوقوعه في زمن الصحابة منتشرا متكررا، من غير نكير، فكان كالإجماع منهم على الجواز، فتقليد العامي أي واحد من مذاهب المجتهدين كاف في براءة ذمته، فهي كلها طرق موصلة إلى الجنة، كما أشار إليه ﵀ بقوله:
فكل مذهب وسيلة إلى … دار الحبور والقصور جعلا
والحبور: النعيم، والقصور: جمع قصر، والمراد بدارهما الجنة.
وذهب قوم - منهم الإمام أحمد، وابن القصار من المالكية، وابن سريج والغزالي من الشافعية ﵏ أجمعين - إلى منع تقليد المفضول، لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة، فيجب الأخذ بالراجح منها، وهو قول الفاضل، ويعرفه العامي بالتسامع وغيره، وإليه أشار ﵀ بقوله:
وموجب تقليد الارجح وجب … لديه بحث عن إمام منتخب
قال التاج السبكي ﵀ : ثالثها المختار يجوز لمعتقده فاضلا أو مساويا، ومن ثم يجب البحث عن الأرجح، فإن اعتقد رجحان واحد منهم تعين، والراجح علما، فوق الراجح ورعا، على الاصح اهـ
إذا سمعتَ فالإمام مالكُ … صح له الشأو الذي لا يدرك
للأثر الصحيح معْ حسن النظر … في كل فن كالكتاب والأثر
стр. 522
أشار ﵀ بهذا إلى رجحان مذهب الإمام مالك ﵀ .
والشأو: الغاية، والمعنى أن الإمام مالكا ﵀ رزقه الله نظرا حسنا، وفهما جيدا، في الكتاب والسنة، وما يتفرع عنهما، مع ما جاء في الحديث الشريف " يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة " (١) فقد كان أهل العلم يرون أنه المقصود في الحديث.
وبراعته ﵀ في فهم الشرع في الجملة، بلطف المأخذ، وحسن المنزع، وجودة استخراج المناطات، وقوة المدارك، وغير ذلك، مع شدة التعلق بالسنن، وعمل السلف، كل ذلك مشهور والله أعلم.
والخلف في تقليد ميت، وفي … بيع طروس الفقه الان قد نفي
اختلف في تقليد الميت، فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب الإمام الرازي ﵀ سبحانه وتغالى ـ إلى منعه مطلقا، وقيل: يجوز إن لم يوجد مجتهد حي.
لكن حكى ابن عرفة ﵀ أن الإجماع اليوم منعقد على جواز تقليد الميت، لفقدان المجتهدين، وإلا تعطلت الأحكام، نقله في النشر، وهو مشكل.
ونقل عن حلولو - رحمهما الله أنه قال: ويجري عندي في هذه المسألة الكلام في بيع كتب الفقه، فإن الخلاف الواقع فيها، إنما هو حيث كان المجتهدون موجودين وأما اليوم فلا يختلف في بيعها، كما صرح به اللخمي ﵀ قال في تعليل ذلك: وإلا أدى إلى تعطيل الأحكام اهـ
والطروس: جمع طرس - بكسر الطاء - وهو الكتاب.
ولك أن تسأل للتثبت … عن مأخذ المسؤول لا التعنت
ثم عليه غاية البيان … إن لم عذر بالاكتنان
معناه أنه يجوز للعامي، سؤال العالم عن مأخذه في ما أفتاه به، إذا كان ذلك على وجه
стр. 523
الاسترشاد، لتذعن نفسه وتطمئن، لا إن كان على وجه التعنت والمغالبة والجدال، ويؤمر العالم استحبابا كما صرح به البناني ﵀ ببيانه له، إن لم يقصر فهمه عنه، وإلا اعتذر له بخفاء المدرك.
يندب للمفتي اطراحه النظر … إلى الحطام جاعل الرضا الوطر
متصفا بحلية الوقار … محاشيا مجالس الأشرار
معناه أنه يندب للمفتي أن يجعل حاجته ومقصده من إفتائه، نيل رضى الله بإرشاد من يفتيهم، إلى حكم الله وبيان الشرع لهم في ما ينزل بهم، ولا يجعل تحصيل حطام الدنيا الفانية من مال أو منصب، مطلبا له في ذلك، وأن يلازم السكينة والوقار، ويتجنب مجالس أهل السفه والمجون.
وكذلك كل أصحاب المناصب الدينية من معلم، وإمام، ومحتسب، وغيرهم، وأصل بعض ذلك واجب، والتنزه في ما لا يحرم منه مستحب متأكد الاستحباب.
والارض لا عن قائم مجتهد … تخلو إلى تزلزل القواعد
وهو جائز بحكم العقل … مع احتمال كونه بالنقل
المختار عند قوم - منهم ابن الحاجب - جواز خلو الزمان عقلا وشرعا عن مجتهد، إذ لا موجب لمنعه، والأصل عدمه، بل جاء في الشرع ما ظاهره وقوع الخلو منه كحديث " حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا " (١) الحديث.
ومنع ذلك الحنابلة عقلا، واستدلوا بحديث " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (٢) وأجيب بأن هذا أعم من المطلوب، فظهور الحق لا يستلزم الاجتهاد، وعلى تسليم استلزامه لذلك، فليس مقتضيا نفي الجواز، وإنما يقتضي نفي الوقوع.
وعلى الجواز الذي هو قول الأكثر، اختلف هل ثبت أنه يقع، أو لا؟ قال التاج
стр. 524
السبكي ﵀ في الجمع: والمختار أنه لم يثبت وقوعه اهـ
وفهمه بعضهم على أن مراده أن مختاره أنه لم يقع، وليس كذلك، وإنما مراده أنه وإن كان جائزا عقلا لم يثبت أنه سيقع، لتعارض الأحاديث، خلافا لابن الحاجب، القائل بثبوت أنه سيقع، كما بينه الشربيني ﵀ .
ومقتضى ثاني البيتين أن خلو الزمان عن مجتهد جائز عقلا قطعا، وشرعا على احتمال، ومقتضى أولهما أنه لا يقع، والحكم بأنه لا يقع هو الحكم بالمنع، فإن كان عن عقل، نافى أول شطري البيت الثاني، وإن كان عن شرع، نافى الاحتمال في الشطر الثاني.
وقوله في النشر: يعني أنه لم يقع في الأرض خلو الزمان عن مجتهد اهـ
يريد: ولا يقع، بدليل بقية كلامه.
وإن بقول ذي اجتهاد قد عمل … من عم فالرجوع عنه منحظل
سيأتي الاختلاف في تعين التزام مذهب معين، وأن الأصح وجوبه، وعلى مقابله إذا استفتى العامي - وهو المقصود بقوله ﵀ : من عم - المجتهد في حادثة، وأفتاه فيها، وعمل بما أفتاه به، ثم حدثت له مرة أخرى، وجب عليه العمل فيها بما أفتاه به، ولا يجوز له الرجوع إلى غيره، لأنه التزم قوله بالعمل به.
ومقتضى هذا أنه قبل العمل، بفتواه بالخيار، وفيه خلاف أشار إليه ﵀ بقوله:
إلا فهل يلزم أو لا يلزم … إلا إذا شرع أو يلتزم
والمعنى أنه اختلف قبل عمله بقوله، فقيل: لا يجوز له أن يعرض عن فتواه، ويسأل غيره، بل يتعين عليه العمل بمجرد الفتوى، لأنها في حقه كالدليل في حق المجتهدين.
وقيل: لا يلزمه الأخذ بفتواه، إلا إذا شرع في العمل بها، وقيل: لا يلزمه العمل بفتواه إلا أن يلتزم العمل بها، فإن التزم العمل بها، تعينت عليه وإن لم يشرع في العمل.
والمراد بالتزامها: أن يصمم على التمسك بها كما في حاشية العطار ﵀ وقيل: يلزمه العمل إن وقع في نفسه صحتها.
وقول الشيخ ﵀ : أو يلتزم، إشارة إلى قول آخر، غير القول
стр. 525
الذي أشار إليه ﵀ بقوله: إلا الذي شرع.
رجوعه لغيره في آخر … يجوز للإجماع عند الاكثر
معناه أن العامي إذا استفتى مجتهدا في مسألة، وعمل بقوله فيها، ثم حدثت له مسألة أخرى مغايرة لها، جاز له أن يستفتي فيها مجتهدا آخر، وقد حكى القرافي ﵀ إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - على جواز ذلك، ولم يرتضه ابن عاشور - رحمهما الله .
وقيل: لا يجوز له أن يرجع إلى غيره، لأن ذلك بمثابة التزام مذهبه.
ومال إمام الحرمين ﵀ إلى الجواز في عصر الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - ومنعه في الأعصار التي استقرت فيها المذاهب.
وذو التزام مذهب هل ينتقل … أو لا وتفصيل أصح ما نقل
هذا مما ينبني أيضا على الاختلاف في تعين التزام مذهب.
والمعنى أنه ـ على الأصح من تعين التزام العامي مذهبا ـ اختلف إذا التزم مذهبا، هل له أن يخرج عنه في بعض المسائل، فقيل: لا يجوز له إذ ليست له أهلية ترجيح، فلا يكون انتقاله لوجه صحيح.
وقيل: يجوز له ذلك، إذ لا يتعين عليه قبل الالتزام، والتزام ما لا يلزم غير ملزم.
وقيل: يجوز في ما لم يعمل به، ويمنع في ما عمل به، وجعله الشيخ ﵀ الأصح.
ومن أجاز للخروج قيدا … بأنه لا بد أن يعتقدا
فضلا له، وأنه لم يبتدع … بخلف الاجماع وإلا يمتنع
وعدم التقليد في ما لو حكم … قاض به بالنقض حكمه يؤم
معناه أن جواز الخروج في بعض المسائل مقيد بأمور:
منها اعتقاده فضل من يخرج إلى مذهبه.
ومنها كذلك أن لا يجمع بين أكثر من مذهب على وجه يخالف الإجماع، بأن يفضي
стр. 526
تلفيقه إلى صورة لا يقول أحد بجوازها.
قال في النشر: كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بجوازها أحد.
ومنها أن لا يكون ما يقلد فيه ينقض فيه حكم الحاكم.
قال في النشر: لأنه إذا لم نقره شرعا، مع تأكده بقضاء القاضي المجتهد، فأولى أن لا نقره إذا لم يتأكد به، وهذا هو المراد بقولهم: يمنع تتبع الرخص اهـ
أما التمذهب بغير الاول … فصنْع غير واحد مبجل
كحجة الإسلام والطحاوي … وابن دقيق العيد ذي الفتاوي
إن ينتقل لغرض صحيح … ككونه سهلا أو الترجيح
معناه أن الانتقال عن المذهب، بحيث يترك تقليده جملة، وينتقل إلى مذهب آخر، كأن يصير مالكيا، بعد ما كان شافعيا، أو بالعكس، جائز، إذا كان لغرض صحيح، ككونه أسهل تحصيلا، وكتبين رجحانه عنده، وكتوطنه أرضا لا يجد فيها متفقها على مذهبه يفتيه في ما ينزل به ونحو ذلك.
وقد حصل من جماعة من العلماء المحققين، عد الشيخ ﵀ منهم أبا حامد الغزالي ﵀ وقد نقل في الحلي عن عبد الحي الكتاني ﵀ أن ذلك وهم، سببه كلام لأبي بكر ابن العربي تعرض فيه لاختيار الغزالي قول الإمام مالك ﵏ أجمعين ـ في مسألة من مسائل المياه.
وعد منهم أيضا أبا جعفر الطحاوي ﵀ فقد صعب عليه مذهب الإمام الشافعي فانتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ﵏ أجمعين - وتفقه فيه.
وذكر منهم ابن دقيق العيد ﵀ فقد كان مالكيا ثم تحول شافعيا، وكان يفتي بالمذهبين، وإلى ذلك أشار الشيخ ﵀ بقوله: ذي الفتاوي.
стр. 527
وذم من نوى الدنا بالقيس … على مهاجر لأم قيس
معناه أن الانتقال المذكور إذا كان بقصد نيل دنيا، كأخذه من أحباس أهل المذهب المنتقل إليه، وهو غير مضطر ممنوع، قياسا على مهاجر أم قيس، وهو رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكانوا يسمونه مهاجر أم قيس، ويقال إن ذلك هو سبب حديث " إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ فهجرته إلى الله ورسوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " (١)
وإن عن القصدين قد تجردا … من عم فلتبح له ما قصدا
معناه أن العامي إذا أراد الانتقال من مذهب، إلى مذهب يلازمه، جاز له ذلك إذا لم يكن لغرض دنيوي، وإن لم يكن لغرض ديني.
والمراد العامي الذي ليس بفقيه، فهو كمن أسلم جديدا.
وأما الفقيه، فيكره له أو يمنع، لأنه حصل فقه السابق، فيحتاج إلى زمن طويل لتحصيل المذهب الثاني، قاله السيوطي ﵀ كذا في النشر.
وأصل هذه المسألة ما ذكره الشعراني ﵀ في الميزان ـ نقلا من خط جلال الدين السيوطي ﵀ ونصه:
ورأيت بخط جلال الدين السيوطي ﵀ ما نصه ـ حين سئل عن الانتقال من مذهب إلى آخر ـ:
الذي أقول به، إن للمنتقل أحوالا:
أحدها: أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا دنيويا اقتضته الحاجة إلى الرفاهية اللائقة به، كحصول وظيفة، أو مرتب، أو قرب من الملوك، وأكابر الدنيا، فهذا حكمه حكم مهاجر أم قيس، لأنه الأعز من مقاصده.
стр. 528
الثاني: أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا دنيويا كذلك، لكنه عامي لا يعرف الفقه، وليس له من المذهب سوى الاسم، كغالب المباشرين، وأركان الدولة، وخدامهم، وخدام المدارس، فمثل هذا أمره خفيف إذا انتقل عن مذهبه الذي كان يزعم أنه متقيد به، ولا يبلغ إلى حد التحريم، لأنه إلى الآن عامي لا مذهب له، فهو كمن أسلم جديدا، له التمذهب بأي مذهب شاء من مذاهب الأئمة.
الثالث: أن يكون الحامل له أمرا دنيويا كذلك، ولكنه من القدر الزائد على ما يليق بحاله، وهو فقيه في مذهبه، وأراد الانتقال لغرض الدنيا الذي هو من شهوات نفسه المذمومة، فهذا أمره أشد، وربما وصل إلى حد التحريم، لتلاعبه بالأحكام الشرعية لمجرد غرض الدنيا، مع عدم اعتقاده في صاحب المذهب الأول أنه على كمال هدى من ربه، إذ لو اعتقد أنه على كمال هدى، ما انتقل عن مذهبه.
الرابع: أن يكون انتقاله لغرض ديني، ولكنه كان فقيها في مذهبه، وإنما نتقل لترجيح المذهب الآخر عنده، لما رآه من وضوح أدلته، وقوة مداركه، فهذا إما يجب عليه الانتقال، أو يجوز له كما قاله الرافعي ﵀ وقد أقر العلماء من انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ﵀ حين قدم مصر، وكانوا خلقا كثيرا، مقلدين للإمام مالك ﵀ .
الخامس: أن يكون انتقاله لغرض ديني، لكنه كان عاريا من الفقه، وقد اشتغل بمذهبه فلم يحصل منه على شيء، ووجد مذهب غيره أسهل عليه، بحيث يرجو سرعة إدراكه والتفقه فيه، فهذا لا يجب عليه الانتقال قطعا، ويحرم عليه التخلف، لأن تفقه مثله على مذهب إمام من الأئمة الأربعة، خير من الاستمرار على الجهل، لأنه ليس له من التمذهب سوى الاسم، والإقامة على الجهل، نقص عظيم في المؤمن، وقل أن تصح معه عبادة.
قال الجلال السيوطي ﵀ : وأظن أن هذا هو السبب في تحول الطحاوي ﵀ حنفيا، بعد أن كان شافعيا، فإنه كان يقرأ على خاله: الإمام المزني ﵀ فتعسر يوما عليه الفهم، فحلف المزني أنه لا يجيء منه شيء، فانتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ ففتح الله ـ
стр. 529
سبحانه وتعالى ـ عليه، وصنف كتابا عظيما، شرح فيه المعاني والآثار، وكان يقول: لو عاش خالي، ورآني اليوم، لكفر عن يمينه اهـ
السادس: أن يكون انتقاله لا لغرض ديني، ولا دنيوي، بأن كان مجردا عن القصدين جميعا، فهذا يجوز مثله للعامي، أما الفقيه فيكره له أو يمنع منه، لأنه قد حصل فقه ذلك المذهب الأول، ويحتاج إلى زمن آخر ليحصل فيه فقه المذهب الآخر، فيشغله ذلك عن الأمر الذي هو العمل بما تعلمه قبل ذلك، وقد يموت قبل تحصيل مقصوده من المذهب الآخر، فالأولى لمثل هذا ترك ذلك اهـ
وقد أشار الشيخ ﵀ إلى الوجه الرابع والخامس، بقوله: إن ينتقل لغرض البيت.
وأشار ﵀ إلى الوجه السادس بقوله: وإن عن القصدين البيت.
وأشار إلى الأوجه الثلاثة الأخرى بقوله: وذم من نوى الدنا البيت.
ثم التزام مذهب قد ذكرا … صحة فرضه على من قصرا
معناه أن الأصح أن من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، يجب عليه التزام مذهب معين، وقيل: لا يجب.
والمجمع اليوم عليه الاربعه … وقفو غيرها الجميع منعه
معناه أن الإجماع وقع أخيرا على وجوب تقليد المذاهب الأربعة المعروفة، ومنع اتباع غيرها من القرن الثامن الذي انقرض فيه مذهب داوود ﵀ .
وإنما تعين اتباع هذه الأربعة كما قال الحطاب ﵀ لأنها انتشرت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكما في موضع، وجد مكملا في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنهم الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملا، أو مقيدا، أو مخصصا، لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة اهـ
حتى يجيء الفاطمي المجدد … دين الهدى لأنه مجتهد
معناه أنه إذا جاء المهدي المنتظر، جاز لمن تمذهب بمذهب من المذاهب الأربعة، أن
стр. 530
ينتقل عنه إلى تقليده، لأنه مجتهد.
وليس في كلام الشيخ ﵀ امتناع وجود مجتهد قبل ظهور المهدي المنتظر.
ولعل وجه منع الانتقال المذكور، عدم الجزم بحصول أهلية الاجتهاد في الأزمنة المتأخرة، والجزم بأهلية سيدنا المهدي المنتظر، والله أعلم.
والفاطمي: نسبة إلى سيدتنا وبضعة نبينا ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: فاطمة الزهراء ـ رضي الله وعنها ـ.
أنهيت ما جمعه اجتهادي … وضربي الاغوارَ مع الأنجاد
مما أفادنيه درس البرره … مما انطوت عليه كتب المهره
كالشرح للتنقيح والتنقيح … والجمع والآيات والتلويح
مطالعا لابن حلولو اللامعا … مع حواش تعجب المطالعا
الأغوار: جمع غور، وهو ما انخفض من الأرض، والانجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع منها، والبررة: جمع بار، والمهرة: جمع ماهر، والتنقيح: المراد به تنقيح شهاب الدين القرافي ﵀ والمراد بشرحه: شرحه لمؤلفه، والمراد بالجمع: جمع الجوامع لتاج الدين السبكي ﵀ وبالآيات: الآيات البينات للعبادي على شرح جلال الدين المحلي لجمع الجوامع ﵏ أجمعين - وبالتلويح: التلويح لسعد الدين التفتازاني على التنقيح لصدر الشريعة الحنفي - رحمهما الله وباللامع: الضياء اللامع على جمع الجوامع لابن حلولو - رحمهما الله وبالحواشي: حواشي جمع الجوامع، كحواشي ابن أبي شريف، وحواشي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحواشي ناصر الدين اللقاني، وحواشي شهاب الدين عميرة ﵏ أجمعين ـ.
فالحمد لله العلي المجزل … المانح الفضل لنا المكمل
لنعم عنها يكل العد … لو كان من في الارض لي يمد
ثم صلاة الله والسلام … على الذي انجلى به الظلام