Полный текст (3 151 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فأما قول عيسى لهم (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) فيعني أن لا تقترحوا الآيات ولا تسألوا ما لم يسأل غيركم من الامم قال أبو عبيدة (مائدة) من الطعام وهي فاعلة بمعنى مفعولة كما قال جل وعز (في عيشة راضية) وقال أبو اسحق (مائدة) عندي من ماد يميد إذا تحرك وقرأ عاصم الجحدري (تكون لنا عيدا لاولانا وقد وأخرانا) وقرأ الاعمش (تكن لنا عيدا)
стр. 912
وقيل انها أنزلت وقيل انها لم تنزل والصواب أن يقال انها أنزلت لقوله جل وعز (قال الله اني منزلها عليكم) وروى قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر وبعضهم يرفعه قال (أنزلت المائدة خبزا ولحما وأمروا أن لا يخزنوا علي ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا خنازير حدثنا القاسم بن زكريا المطرز نا الحسين بن قرعة قال نا ابن
حبيب عن سعيد بن قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله ﷺ (أنزلت المائدة خبزا ولحما فأمروا أن لا يدخروا ولا يرفعوا فادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير)
стр. 913
ويروى أن هذه محنة أمر الله جل وعز امتحانهم بها قال عبد الله بن مسعود أشد الناس عذابا أصحاب المائدة وآل فرعون والمنافقون وقال الحسن لما أو عدوا بالعذاب ان هم عصوا قالوا لا حاجة لنا بها فلم تنزل وقال مجاهد لما قيل لهم (فمن يكفر بعد منكم فاني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) امتنعوا من نزولها لم تنزل وقيل ان هذا العذاب في الآخرة ١٧٧ وقوله جل وعز (واذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت
стр. 914
للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك) في معنى هذا قولان أحدهما أن هذا يقال له في الآخرة قال قتادة يقال له هذا يوم القيامة قال ألا ترى أنه قال (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) لا يكون الا يوم القيامة وقال السدي انه قال هذا حين رفعه لانه قال
(ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم) فانما هذا على أنهم في الدنيا أي ان تغفر لهم بعد التوبة واحتج لصاحب هذا القول بأن (إذ) في كلام العرب لما مضى
стр. 915
والقول الاول عليه أكثر أهل التفسير فأما حجة صاحب هذا القول الثاني بأن (إذ) لما مضى فلا تجب لان اخبار الله جل وعز عما يكون بمنزلة ما كان فعلى هذا يصح أنه للمستقبل وسنذكر قولهم في (ان تعذبهم فانهم عبادك) ١٧٨ وقوله جل وعز (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) قال أبو اسحق النفس عند أهل اللغة على معنيين أحدهما أن يراد بها بعض الشئ والآخر أن يراد بها الشئ كله نحو قولك قتل فلان نفسه فقوله (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) معناه تعلم حقيقتي وما عندي
стр. 916
والدليل على هذا قوله (انك أنت علام الغيوب) وقال غيره تعلم غيبي ولا أعلم غيبك ١٧٩ وقوله جل وعز (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)
قال قتادة الرقيب الحافظ وكذلك هو عند أهل اللغة ١٨٠ وقوله جل وعز (ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم) في هذا أقوال فمن أحسنها أن هذا على التسليم لله جل وعز وقد علم أنه لا يغفر لكافر ولا يدرى أكفروا بعد أم آمنوا ومن الدليل على صحة هذا القول أن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال (يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة عزلا وقرأ ﷺ (كما بدأكم تعودون) فيؤمر بأمتي ذات اليمين وذات الشمال فأقول أصحابي
стр. 917
فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم بعدك فأقول كما قال العبد الصالح (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم) وقرأ الى قوله (وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم) وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قام ليلة يردد (ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم) وقيل انه معطوف على قوله (ما قلت لهم الا ما أمرتني به) والمعنى على هذا القول ما قلت في الدنيا الا هذا وقال أبو العباس محمد بن يزيد لا يراد بهذا مغفرة الكفر
стр. 918
وانما المعنى ولان تغفر لهم كذبهم علي وحكايتهم عني ما لم أقل وقال أبو اسحق قد علم عيسى ﷺ أن منهم من آمن فالمعنى عندي والله أعلم ان تعذبهم على فريتهم وكفرهم فقد استحقوا ذلك وان تغفر لمن تاب منهم بعد الافتراء العظيم والكفر وقد كان لك أن لا تقبل توبته بعد اجترائه عليك فانك أنت العزيز الحكيم وأما قول من قال ان عيسى ﷺ لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترء حتى على كتاب الله جل وعز لان الاخبار من الله جل وعز لا ينسخ وقيل كان عند عيسى ﷺ أنهم أحدثوا معاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به الا أنهم على عمود دينه فقال (وان تغفر لهم) ما أحدثوا بعدي من المعاصي
стр. 919
وقوله جل وعز (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) سئل بعض أهل النظر عن معنى هذا فقيل له لو صدق الكافر وقال أسأت لم ينفعه ذلك والجواب عن هذا أن يوم القيامة يوم مجازاة وليس بيوم عمل فانما المعنى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا وتركهم الافتراء على الله جل اسمه وعلى رسله وقيل ينفعهم صدقهم في العمل والله أعلم بما أراد (انتهت سورة المائدة بعونه تعالى
стр. 920
تفسير سورة الأنعام
مكية وآياتها ١٦٥ آية
стр. 921
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام وهي مكية قال أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن اسماعيل النحاس قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا أبو حاتم روح بن الفرج مولى الحضارمة قال حدثنا أحمد بن محمد (أبو بكر العمري) قال حدثنا ابن أبي فديك قال حدثني عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص عن نافع أبي سهيل بن مالك عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ (نزلت سورة الانعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والارض لهم ترتج ورسول الله يقول سبحان ربي العظيم ثلاث مرات
стр. 922
١ قوله جل وعز (الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور) قال قتادة خلق الله السماء قبل الارض والليل قبل النهار والجنة قبل النار فأما قوله (والارض بعد ذلك دحاها) فمعناه بسطها ٢ وقوله جل وعز (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) قال مجاهد أي يشركون
قال الكسائي يقال عدلت الشئ بالشئ عدولا إذا ساويته به وهذا القول يرجع الى قول مجاهد لانهم إذا عبدوا مع الله غيره فقد ساووه به وأشركوا
стр. 923
٣ وقوله جل وعز (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) قال الحسن ومجاهد وعكرمة وخصيف وقتادة وهذا لفظ الحسن قضى أجل الدنيا من يوم خلقك الى أن تموت (وأجل مسمى عنده) يعني الآخرة (ثم أنتم تمترون) أي تشكون وتعبدون معه غيره ٤ وقوله جل وعز (وهو الله في السموات وفي الارض) والالف واللام في أحد قولي سيبويه مبدلة من همزة والاصل عنده اله
стр. 924
فالمعنى على هذا هو المعبود في السموات وفي الارض ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتأليه تعالى في السموات وفي الارض كما تقول هو في حاجات الناس وفي الصلاة ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون المعنى وهو الله في السموات وهو الله في الارض ٥ وقوله جل وعز (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن)
قيل القرن ستون عاما وقيل سبعون فيكون التقدير على هذا من أهل قرن وأصح من هذا القول القرن كل عالم في عصر لانه مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن بعضهم الى بعض وفي الحديث عن النبي ﷺ قال خير الناس القرن
стр. 925
الذي أنا فيه يعني أصحابه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (وأكثر أصحاب الحديث على أن القرن مائة سنة واحتجوا بأن النبي قال لعبد الله بن بسر (تعيش قرنا) فعاش مائة سنة ٦ وقوله جل وعز (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) أي تدر عليهم ومدرار فإن على التكثير كما يقال امرأة مذكار إذا كثرت ولادتها للذكور ومئناث ٧ وقوله جل وعز (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين)
стр. 926
أي قد جعلوا في أنفسهم الكفر والعناد فإذا رأوا آية قالوا سحر كما أنهم سألوا انشقاق القمر فلما انشق قالوا (هذا سحر مستمر) كذلك أيضا لو نزل الله عليهم كتابا من السماء لقالوا ان هذا الا سحر مبين ٨ وقوله جل وعز (وقالوا لولا أنزل عيه ملك ولو أنزلنا ملكا
لقضي الامر) قال ابن أبي نجيح عن مجاهد أي لقامت القيامة والمعنى عند أهل اللغة لحتم بهلاكهم وهو يرجع الى ذلك القول ٩ وقوله جل وعز (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) قال قتادة أي في صورة بني آدم
стр. 927
١٠ ثم قال تعالى (وللبسنا عليهم ما يلبسون) قال الضحاك يعني أهل الكتاب لانهم غيروا صفة النبي ﷺ في كتابهم وعصوا ما أمروا به قال الكسائي يقال لبست عليهم الامر ألبسه لبسا إذا خلطته أي أشكلته عمر ١١ وقوله جل وعز (فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون) الحيق في اللغة ما يعود على الانسان من مكروه فعله ومنه (ولا يحيق المكر السئ الا بأهله)
стр. 928
١٢ وقوله جل وعز (قل لمن ما في السموات والارض قل لله) هذا احتجاج عليهم لانهم مقرون أن ما في السموات والارض لله فأمر الله النبي ﷺ أن يحتج عليهم بأن الذي خلق ما في السموات والارض قادر على أن يحييهم بعد الموت
١٣ ثم قال جل وعز (كتب ربكم على نفسه الرحمة) لانه أمهلهم الى يوم القيامة ويجوز أن يكون هذا تمام الكلام ويجوز أن تكون (ما) هذه تبيينا لان قوله (ليجمعنكم الى يوم القيامة لا ريب فيه) معناه يمهلكم فهذا من رحمته جل وعز
стр. 929
١٤ وقوله جل وعلا (وله ما سكن في الليل والنهار) أي ثبت وهذا احتجاج عليهم أيضا ١٥ وقوله جل وعز (وهو يطعم ولا يطعم) كما تقول هو يرزق ولا يرزق ويعول ولا يعال وروي عن الاعمش أنه قرأ (وهو يطعم ولا يطعم) وهي قراءة حسنة أي ولا يأكل ١٦ وقوله جل وعز (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه) المعنى من يصرف عنه العذاب ثم حذف لعلم
стр. 930
السامع وكذلك معنى (من يصرف) ١٧ وقوله جل وعز (وأوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) المعنى ومن بلغه القرآن ثم حذف الهاء لطول الاسم وقال مجاهد ومن أسلم من فصيح وأعجم وروي عن النبي ﷺ أنه قال (بلغوا القرآن عن الله جل وعز ومن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله) وقيل المعنى ومن بلغ الحلم كما يقال قد بلغ
فلان
стр. 931
١٨ وقوله جل وعز (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) ويجوز أن يكون المعنى القرآن والحديث يدل أن المعنى يعرفون النبي ﷺ وروي أن عمر قال لعبد الله بن سلام (أتعرف محمدا ﷺ كما تعرف ابنك فقال نعم وأكثر بعث الله أمينه في سمائه الى أمينه في أرضه بنعته فعرفته وابني لا أدري ما كان من أمه ١٩ وقوله جل وعز (ثم لم تكن فتنتهم الا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) قال أبو سحاق تأويل هذه الآية لطيف جدا أخبر الله جل وعز بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم ثم أخبر أن فتنتهم
стр. 932
لم تكن حين رأوا الحقائق الا أن انتفوا من الشرك ونظير هذا في اللغة أن ترى انسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ما كانت محبتك اياه الا أن تبرأت منه فأما معنى قولهم (والله ربنا ما كنا مشركين) وقال في موضع آخر (ولا يكتمون الله حديثا) معطوف على ما قبله والمعنى وودوا أن لا يكتموا النبي الله حديثا والدليل على على صحة هذا
القول أنه روي عن سعيد بن جبير في قوله (والله ربنا ما كنا مشركين) قال اعتذروا وحلفوا وكذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة وروي عن مجاهد أنه قال لما رأوا الذنوب تغفر الا الشرك والناس يخرجون من النار الا المشركين قال (والله ربنا ما كنا مشركين)
стр. 933
وقول بعض أهل اللغة انما قالوا هذا على أنهم صادقون عند أنفسهم ولم يكونوا ليكذبوا وقد عاينوا ما عاينوا وقطرب يذهب الى هذا القول وهو قول مردود لانه قال لم يكونوا ليكذبوا وبعدها (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) ويبين لك الغلط في هذا القول قوله جل وعز (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له) الآية قال مجاهد كذبهم الله وقيل معنى (ولا يكتمون الله حديثا) أنه ظاهر عنده ٢٠ وقوله جل وعز (ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا)
стр. 934
قيل فعل بهم هذا مجازاة على كفرهم وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون ولا
ينقادون الى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم ثم خبر بعنادهم فقال (وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها) لانهم لما رأوا القمر منشقا قالوا سحر فأخبر الله بردهم الآيات بغير حجة وقال (حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا ان هذا الا أساطير الاولين) فخبر أن هذا مقدار احتجاجهم ٢١ وقوله جل وعز (وهم ينهون عنه وينأون عنه) أكثر أهل التفسير يذهب الى أن المعنى للكفار أي ينهون
стр. 935
عن اتباع النبي ﷺ ويبعدون عنه قال مجاهد يعني به قريش وكذلك قال قتادة والضحاك يعني به الكفار وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال أخبرني من سمع ابن عباس يقول نزلت في (أبي طالب) كان ينهى عن أذى النبي ﷺ ويتباعد عنه والقول الاول أشبه لانه متصل بأخبار الكفار وقولهم
стр. 936
٢٢ وقوله جل وعز (وان يهلكون الا أنفسهم) أي وبال ذلك يرجع عليهم لان الله جل وعز يبدد جموعهم وينصره عليهم ٢٣ ثم قال جل وعز (وما يشعرون) أي وما يشعرون أن وبال ذلك يرجع عليهم
٢٤ وقوله جل وعز (ولو ترى إذ وقفوا على النار) في معناه ثلاثة أقوال ١ منها أن معنى (وقفوا على النار) أدخلوها كما يقال وقفت على ما عند فلان أي عرفت حقيقته ٢ وقيل معناه رأوها ٣ وقيل جاوزا عليها وهي من تحتهم
стр. 937
٢٥ ثم قال جل وعز (فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) المعنى ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد قال سيبوبه ومثله دعني ولا أعود أي ولا أعود تركتني أو لم تتركني ومن قرأ (ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) فمعناه عنده يا ليتنا وقع لنا الرد وأن لا نكذب قال أبو اسحاق وفيه معنى ان رددنا لم نكذب وقرأ ابن عامر (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) بالنصب وقرأ عبد الله بن مسعود (ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)
стр. 938
وقرأ أبي بن كعب (ولا نكذب بآيات ربنا أبدا) ٢٦ وقال جل وعز (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من
قبل) المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة لان بعده (وقالوا ان هي الا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) وقال بعض أهل اللغة ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فيه شئ محذوف والمعنى ولو ردوا قبل أن يعاينوا العذاب لانهم لا يكفرون بعدما عاينوا وهذا القول مردود لان الله جل ثناؤه أخبر عنهم أنهم يقولون
стр. 939
هذا يوم القيامة وقد خبر جل وعز عن ابليس أنه كفر بعدما رأى وعنهم أنهم كفروا عنادا وايثارا للرئاسة ٢٧ وقوله جل وعز (جاءتهم الساعة بغتة) البغتة الفجاءة يقال بغتهم الامر يبغتهم بغتا وبغتة ٢٨ ثم قال جل وعز (قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها) الفائدة في نداء الحسرة وما كان مثلها مما لا يجيب أن العرب إذا أرادت تعظيم الشئ والتنبيه عليه نادته ومنه قولهم يا عجباه قال سيبويه إذا قلت يا عجباه فمعناه أحضر وتعال يا
стр. 940
عجب فان هذا من أزمانك وإن فهذا أبلغ من قولك تعجبت ومنه قول الشاعر
فيا عجبا من رحلها المتحمل ٢٩ وقوله جل وعز (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) واحد الاوزار وزر والفعل منه وزر يزر يراد به الاثم وهو تمثيل وأصله الوزر وهو الجبل ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجن في جنازة فقال لهن (ارجعن موزورات غير مأجورات) قال أبو عبيد والعامة تقول (مأزورات) كأنه لا وجه له عنده لانه من الوزر ومنه قيل وزير كأنه يحمل الثقل عن صاحبه
стр. 941
٣٠ وقوله جل وعز (فانهم لا يكذبونك) هكذا روي عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قرأ وهو اختيار أبي عبيد واحتج بأنه روي أن أبا جهل قال للنبي ﷺ انا لا نكذبك ولكنا نكذب ما جئت به فأنزل الله (فانهم لا يكذبونك) وقد خولف أبو عبيد في هذا وروي (لا نكذبك) فأنزل الله جل وعز (فانهم لا يكذبونك) ويقوي هذا أنه روي أن رجلا قرا على ابن عباس (فانهم لا يكذبونك) فقال له ابن عباس
стр. 942
(فانهم لا يكذبونك) لانهم كانوا يسمون النبي ﷺ الامين ومعنى (يكذبونك) عند أهل اللغة ينسبونك الى الكذب ويروون عليك ما قلت
ومعنى (لا يكذبونك) لا يجدونك كاذبا كما تقول أحمدته إذا وجدته محمودا ويجوز أن يكون معنى المخففه لا يبينون عليك أنك كاذب لأنه يقال أكذبته إذا احتججت عليه وبينت أنه كاذب حدثنا محمد بن جعفر الانباري حدثنا شعيب بن أيوب الواسطي عن معاوية بن هشام عن سفيان الثوري عن أبي اسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال قال أبو جهل للنبي ﷺ انا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله عز وجل
стр. 943
(فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) والقول في هذا مذهب أبي عبيد واحتجاجه لازم لان عليا رحمة الله عليه هو الذي روى الحديث وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف وحكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته أخبرت أنه كاذب ٣١ وقوله جل وعز (فان استطعت أن تبتغي نفقا في الارض أو سلما في السماء) قال قتادة النفق الشرب في الارض والسلم الدرج وكذلك هو في اللغة ومنه النافقاء أحد جحر اليربوع
стр. 944
قال أبو اسحاق والسلم مشتق من السلامة كأنه
يسلمك الى الموضع الذي تريد والمعنى ان استطعت أن تبتغي نفقا في الارض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية فافعل ثم حذف هذا لعلم السامع أي ليس لك من الامر شئ ٣٢ ثم قال جل وعز (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) أي لاراهم كما آية تضطرهم الى الايمان ولكنه أراد جل وعز أن يثيب من آمن منهم ومن أحسن ويجوز أن يكون المعنى لطبعهم على الايمان ٣٣ ثم قال جل وعز (انما يستجيب الذين يسمعون) قال الحسن ومجاهد يراد به المؤمنون والمعنى الذين
стр. 945
يسمعون سماع قبول ٣٤ ثم قال جل وعز (والموتى يبعثهم الله) قال الحسن ومجاهد يراد به الكفار وقال غيرهما يراد به كل ميت ٣٥ وقوله ﷻ (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم) وأكثر أهل التفسير يذهب الى أن المعنى أنهم يخلقون كما يخلقون ويبعثون كما يبعثون وكذلك قال أبو هريرة يحشر الله جل وعز يوم القيامة الطير والبهائم فيبلغ من عدله أن يأخذ من القرناء للجماء ثم
стр. 946
يقول كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر (يا ليتني كنت ترابا) وقال مجاهد في قوله جل وعز (الا أمم أمثالكم) قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون ومعنى (يطير بجناحيه) على التوكيد لانك قد تقول طرت في حاجتي ٣٦ وقوله جل وعز (قل أرأيتكم ان أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة) والمعنى أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها ٣٧ ثم قال جل وعز (أغير الله تدعون ان كنتم صادقين)
стр. 947
في هذا أعظم الاحتجاج عليهم لانهم كانوا يعبدون الاصنام فإذا وقعوا في شدة دعوا الله ٣٨ وقال جل وعز (بل اياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ان شاء) هذا مجاز والمعنى فيكشف الضر الذي من أجله دعوتموه وهو مثل (واسأل القرية) في المجاز ٣٩ وقوله جل وعز (ولقد أرسلنا الى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء) قيل البأساء الجوع والفقر والضراء نقص الاموال والانفس بالمرض والثمرات ٤٠ ثم قال جل وعز (لعلهم يتضرعون)
стр. 948
أي ليكون العباد على رجاء من التضرع ٤١ ثم قال تعالى (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) أي فهلا وأعلم الله النبي أنه قد ارسل قبله رسولا الى قوم بلغ من قسوتهم هو أن أخذوا بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا ٤٢ وقوله جل وعز (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ) قال مجاهد من رخاء الدنيا ويسرها والتقدير عند أهل اللغة فتحنا عليهم أبواب كل شئ كان
стр. 949
مغلقا عنهم ٤٣ وقوله جل وعز (فإذا هم مبلسون) قال أبو عبيدة المبلس الحزين النادم قال الفراء المبلس المنقطع الحجة ٤٤ وقوله جل وعز (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) الدابر في اللغة الآخر يقال دبرهم يدبرهم إذا جاء آخرهم وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود من الناس من لا يأتي الصلاة الا دبريا أي في آخر الوقت
стр. 950
٤٥ وقوله جل وعز (قل أرأيتم ان أخذ الله سمعكم
وأبصاركم وختم على قلوبكم من اله غير الله يأتيكم به) المعنى من اله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم والهاء كناية عن المصدر فلذلك وحدت ويجوز أن يكون تعود على السمع مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه ٤٦ ثم قال تعالى (انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون) قال قتادة أي يصدفون عنها ٤٧ وقوله جل وعز (قل أرأيتكم ان أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة) قال مجاهد البغتة أن يأتيهم فجاءة آمنين والجهرة أن يأتيهم وهم ينظرون
следующие страницы →