← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

أو يكون كيليا أو وزنيا، وذلك على وجهين: إما أن رهن بجنسه، أو بخلاف جنسه، فإن كان من القسم الأول، فحكمه أن يكون مضمونا بالأقل من قيمته ومن الدَين، إن هلك يهلك بذلك، وإن انتقص يذهب من الدَين بحسابه. إن كان جميعه مضمونا بالدَين، يذهب قدر قيمة النقصان بالغا ما بلغ، وإن كان بعضه مضمونا، وبعضه أمانة، فالنقصان فيهما جميعا على الحصة، سواء كان النقصان نقصان قدر أو وصف. وإن كان الرهن من المكيلات أو الموزونات: فإن رهن بخلاف جنسه، فإن هلك يهلك بالأقلّ من قيمته ومن الدَين بالاتفاق (١). وإن انتقص إن كان النقصان نقصان قدر، يذهب من الدَين بقدره إن كان كله (٢) مضمونا بالدَين، وإن كان بعضه مضمونا، وبعضه أمانة، فبحساب ذلك. وإن كان النقصان نقصان وصف بأن فسد، لا يسقط شيء من الدَين، ولكن الراهن بالخيار إن شاء افتكَّه ناقصا بالدَين، وإن شاء تركه على المرتهن، وضمنه مثله إن كان مثليًا، وقيمته إن لم يكن مثليا، كالقلُب ونحوه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (٣). وعند محمد: يخيّر الراهن إن شاء افْتكَّه ناقصا بالدَين، وإن شاء تركه على المرتهن بدَينه، ان كان جميعه مضمونا، وإن كان بعضه أمانة، يستردّ قدر الأمانة، ويجعل قدر المضمون بالدَين.

стр. 1087

وإن رهن الكيليّ أو الوزنيّ بجنسه، وهي مسألة الباب، فهو على وجوه ثلاثة: إما أن كان وزنه مثل الدَين، أو أقلّ من الدَين أو أكثر، فإن كان وزنه مثل الدَين، فهو على وجوه ثلاثة: إما أن كانت قيمته مثل وزنه، أو أقل من وزنه، أو أكثر. فإن كان وزنه أكثر من الدَين، فهو على وجوه خمسة: إما أن كانت قيمته أكثر من وزنه، أو مثل وزنه، أو أقل من وزنه أكثر من الدَين، أو أقل من وزنه مثل الدَين، أو أقل من وزنه أقل من الدَين. فإن كان وزنه أقل من الدَين بأن كان الدَين عشرة، ووزن الرهن ثمانية، فهو أيضا على خمسة أوجه (١): إما أن كانت قيمته أقل من وزنه سبعة، أو مثل وزنه ثمانية، أو أكثر من وزنه أقل من الدَين تسعة، أو مثل الدَين عشرة، أو أكثر من الدَين أحد عشر. وكل ذلك على وجهين: إما أن هلك أو انكسر، فصارت الأقسام ستة وعشرين، وفي تفريع قول محمد يزداد أربع فصول: الأول: أن يفوت بالانكسار بعض الجودة التي في أمانة. والثاني: أن يفوت جميع الجودة التي هي أمانة. والثالث: أن يفوت مع ذلك شيء من الجودة المضمونة. والرابع: أن لا يفوت بالانكسار شيء. بدأ الباب بالقسم الأول، وهو ما إذا كان وزن الرهن مثل الدَين:

стр. 1088

فقال ﵀ (١) رجل رهن عند رجل مدهن فضةً وزنه عشرة بعشرة دراهم، فإن كانت قيمته مثل وزنه فهلك، يهلك بالدَين عند الكل، لأن في وزنه وقيمته وفاء بالدَين، وإن انكسر، فصار يساوي ثمانية عند أبي حنيفة وأبي يوسف، يخيّر الراهن: إن شاء افْتكَّه بالدَين، إن شاء ضمن المرتهن قيمته من جنسه (٢). ويكون الضمان رهنا عند المرتهن، ويصير المضمون ملكا للمرتهن، لأنه إن ذهب شيء من الدَين بذهاب الجودة يكون ربا، وإن أجبر الراهن على الفكاك بجميع دَينه يتضرّر الراهن يفوات حقه في الجودة، فيخير على الوجه الذي ذكرنا، كالقُلب المغصوب إذا انكسر عند الغاصب، يخيّر المالك (٣): إن شاء أخذه، وإن شاء ضمنه [قيمتَه] (٤) بالغة ما بلغت، كذلك هنا. وعلى قول محمد: يخيّر الراهن إن شاء افْتكَّه بجميع الدَين، وإن شاء جعله بالدَين، فيصير ملكا للمرتهن بدَينه، وليس للراهن أن يضمنه قيمته، لأنه لا وجه لأن يجبر على الفكاك، لما قلنا، ولا وجه لأن يذهب شيء من الدَين بسبب الجودة، ولا وجه لتضمين القيمة، لما ذكرنا في أصل الباب، فيصير مستوفيا الدَين، كما لو هلك، وعنده حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك (٥). وهو نظير ما قال محمد ﵀: رجل رهن عبدا يساوي ألفا بألف، فقتله عبد

стр. 1089

قيمته مائة، ودفع به، خيِّر الراهن إن شاء افْتكَّه بألف، لأن الثاني قام مقام الأول لحما ودما، وإن شاء جعله بالدَين. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: ليس له أن يجعله بالدَين، لأنه من أحكام الجاهلية (١)، قال ﵇: "لا يَغْلَقُ (٢) الرهنُ" (٣)، وتفسيره جعل الرهن بالدَين،

стр. 1090

ولهذا قلنا: إن العبد الرهن إذا أبق لا يصير ملكا للمرتهن، فملك الرهن بالدَين ليس من أحكام يوجبه عقد الرهن (١). أما ضمان القيمة حكم يوجبه عقد الرهن، ولهذا قال محمد ﵀ بوجوب ضمان القيمة إذا كانت قيمته أكثر من وزنه، ولأن عقد الرهن عقد استيفاء، فلا بد من أن يكون مضمونا بالقيمة، ليصير مستوفيا بطريق المقاصّة، علم أن ضمان القيمة حكم يُلائم الرهن، فيجوز المصير إليه إذا تعذّر الاستيفاء. وإن كانت قيمته أقلّ من وزنه ثمانية، فهلك عند أبي حنيفة، يصير مستوفيا جميع دَينه اعتبارا للوزن، وعندهما: يضمن قيمته من خلاف جنسه، فيكون رهنا مكان الأول، لما قلنا في أصل الباب (٢). قالوا: هذه المسألة فرع لمسألة أخرى: رجل له على رجل [دراهم] (٣) جياد، فأوفاه زيوفا، ولم يعلم به حتى أنفَقَها، عند أبي حنيفة لا يرجع عليه بالجياد (٤)، وعند أبي يوسف يردّ زيوفا مثل زيوفه، ومرجع بالجياد.

стр. 1091

ووجه البناء على تلك المسألة: أنّ عقد الرهن عقد استيفاء، وفي حقيقة الاستيفاء عند أبي حنيفة يعتبر الوزن، ولا تعتبر الجودة، فكذلك فيما هو استيفاء حكما (١). وعندهما في حقيقة الاستيفاء يعتبر حق صاحب المال في الجودة، فكذلك فيما هو استيفاء حكما، إلا أن بينهما فرقا من وجه، وهو أن هناك لو قبض مع العلم بكونه زيوفا، لا يردّ، ويبطل حقه في الجودّة، وههنا لا يسقط؛ لأن هناك يصير مستوفيا بالقبض، فإذا قبض مع علمه لذلك يسقط حقه في الجودة، أما ههنا لا يصير مستوفيا عند القبض، وإنما يصير مستوفيا عند الهلاك، والهلاك موهوم، عسى يكون، وعسى لا يكون، فلا يكون (٢) راضيا بسقوط حقه في الجودة (٣). فإن قيل: كيف يكون هذا بناء على تلك المسألة، وفي تلك المسألة قول محمد مع أبي حنيفة، وهنا قول محمد مع أبي يوسف؟ قلنا: روى عيسى بن أبان ﵀ في تلك المسألة قول محمد مع قول أبي يوسف (٤). وإن كانت قيمته اثني عشر أكثر من وزنه، فإن هلك يصير مستوفيا دَينه عند الكل، لأن في وزنه وقيمته وفاء بالدَين، وزيادة (٥). وإن انكسر، عند أبي حنيفة يضمن جميع قيمته من خلاف جنسه، لأن في حالة

стр. 1092

الانكسار عنده الواجب ضمان القيمة، وجميع القدر مضمون، فتَبعته الجودة، وعند أبي يوسف يضمن قيمة خمسة أسداسه من خلاف جنسه، لما عرف من أصله في أصل الباب، فيضمن خمسة أسداسه، ويكون سُدس القلب مع الضمان رهنا عنده (١). ولا يقال: لو صار سدس القلب رهنا مع الضمان، وخمسة أسداسه ملكا للمرتهن يصير مُشاعا، والشيوع مانع من صحّة الرهن. طارئا كان أو مقارنا، لأنا نقول: هذا شيوع طارٍ، وعند أبي يوسف في قوله الآخر: الشيوع الطارئ لا يمنع. وعند محمد: إن انتقص بالانكسار من قيمته درهم أو درهمان، أجبر الراهن على الفكاك، ويصرف النقصان إلى الأمانة، وفوات الأمانة لا يعتبر، وإن انتقص أكثر من ذلك، فقد مات شيء من الجودة المضمونة، فيخيَّر الراهن إن شاء افْتكَّه ناقصا بجميع الدَين، وإن شاء جعله بالدَين؛ لأن عنده حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك، وفي حالة الهلاك يكون مضمونا بالدَين، فكذلك في الانكسار (٢). ثم ذكر محمد ﵀ سؤالا على أبي يوسف في هذا الفصل، فقال: فصل الهلاك يلزم أبا يوسف، فإنه قال (٣): لو هلك سقط جميع الدَين عند الكل، ولا يخلو إما أن يصير مستوفيا دَينه بالوزن دون الجودة، أو بالجودة، فإن جعله مستوفيا بوزنه فقد ترك أصله، لأن من أصله أن الجودة كعين مال قائم، وتشيع الأمانة والضمان فيهما، فكان هذا منه تَرْكا لأصله، وأخذا بقول محمد.

стр. 1093

وإن جعله مستوفيا باعتبار القيمة يؤدي إلى الربا، لأنه يصير مستوفيا دَينه من القُلب بما يساوي عشرة، وذلك خمسة أسداس القلبه، وخمسة أسداس القلب وزنه ثمانية وثلث، واستيفاء العشرة من ثمانية وثلث يكون ربا. والجواب عن هذا أن نقوْل: إنما لا تعتبر الجودة في الاستيفاء ضرورة اتحاد الجنس، كيلا يؤدي إلى الربا، [وليصير وزنه وفاء بالدَين] (١)، وفي وزنه وفاء بالدَين، ولا ضرورة في ضمان القيمة، لأن القيمة إنما تجب من خلاف الجنس، فلا يؤدي إلى الربا. وأما القسم الثاني: وهو ما إذا كان وزنه أقل من الدَين ثمانية (٢): ففي الوجه الأول من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته مثل وزنه: إن هلك، يصير مستوفيا من دَينه ثمانية عند الكل، لأن في وزنه وقيمته وفاء بهذا العدد. وإن انكسر، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يخير الراهن، إن شاء افْتكَّه بجميع الدَين، وإن شاء ضمنه قيمته من جنسه، فيكون الضمان رهنا مكان الأول، ويصير المرهون ملكا للمرتهن بالضمان، وعند محمد إن شاء افْتكَّه بالدَين، وإن شاء جعله للمرتهن بثمانية من الدَين اعتبارًا لحالة الانكسار بحالة الهلاك (٣). وفي الوجه الثاني من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته أقل من وزنه سبعة: إن هلك، عند أبي حنيفة يصير مستوفيا ثمانية اعتبارا للوزن، وعندهما يضمن قيمته من خلاف جنسه، لأنه لو صار مستوفيا ثمانية يتضرّر المرتهن لفوات حقه في الجودة، ولو صار

стр. 1094

مستوفيا سبعة يؤدي إلى الربا، فيضمن قيمته من خلاف جنسه (١). وإن انكسر يخير الراهن، إن شاء افْتكَّه بالدَين، وإن شاء ضمن المرتهن قيمته من خلاف جنسه عند الكل (٢). أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ فلأن عندهما حالة الانكسار حال تضمين القيمة، وأما عند محمد؛ فلأن عنده حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك، وعنده في الهلاك يكون مضمونا بقيمته من خلاف جنسه، فكذلك عند الانكسار. وفي الوجه الثالث من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته أكثر من وزنه، أقل من الدَين تسعة، وفي الوجه الرابع من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته مثل الدَين عشرة (٣): إن هلك، عند أبي حنيفة ﵀ يصير مستوفيا من دَينه ثمانية اعتبارا للوزن، وعندهما يضمن قيمته من خلاف جنسه احترازا عن الربا والضرر. وإن انكسر، فالراهن بالخيار إن شاء افْتكَّه بالدَين، وإن شاء ضمنه قيمته من خلاف جنسه عند الكل، أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ فلأن حالة الانكسار عندهما حال تضمين القيمة، وأما عند محمد؛ فلأن حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك، وفي حالة الهلاك يضمن قيمته، فكذلك في الانكسار (٤). وفي الوجه الخامس من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته أكثر من وزنه، وأكثر من

стр. 1095

الدَين اثني عشر: إن هلك، عند أبي حنيفة يصير مستوفيا من دَينه ثمانية اعتبارا للوزن، وعندهما يضمن مقدار الدَين، وذلك عشرة قيمته من خلاف جنسه، ولا ضمان عليه في الزيادة؛ لأنها هلكت أمانة. وإن انكسر، فعند أبي حنيفة: الراهن بالخيار، إن شاء افْتكَّه بجميع دَينه، وإن شاء ضمنه قيمته بالغة ما بلغت من خلاف جنسه؛ لأن الجودة تبع للوزن، والوزن كله مضمون، فتَبعته الجودة (١). وعند أَبي يوسف: إن شاء افْتكَّه بالدَين، وإن شاء ضمنه [قيمة] (٢) خمسة أسداسه من خلاف جنسه، ويكون الضمان مع سدس القُلب رهنا، وخمسة أسداس القلب يكون ملكا للمرتهن بالضمان لما عرف من أصله. وعند محمد: إن انتقص بالانكسار درهم أو درهمان، أجبر الراهن على الفكاك؛ لأن النقصان مصروف إلى الأمانة، وإن كان النقصان أكثر من ذلك، كان للراهن أن يضمن المرتهن ما يساوي عشرة من خلاف جنسه، اعتبارًا لحالة الانكسار بحالة الهلاك. وأما القسم الثالث: وهو ما إذا كان وزن القلب أكثر من الدَين خمسة عشر (٣): ففي الوجه الأول من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته مثل وزنه خمسه عشر: إن هلك، يهلك بالدَين عند الكل، لأن ثلثيه. وفاء بالدَين، فيهلك ثلثاه بالدَين، والباقي أمانة.

стр. 1096

وإن انكسر، عندِ أبي حنيفة وأبي يوسف: إن شاء افْتكَّه بالدَين، وإن شاء ضمنه ثلثي قيمته من جنسه، ويكون الضمان مع ثلث المكسور رهنا مكان الأول، ويصير ثلثا المكسور ملكا للمرتهن بالضمان. وعند محمد ﵀: يخير الراهن، إن شاء افْتكَّه بالدَين، وإن شاء جعل ثُلثيه بالدَين اعتبارًا لحالة الانكسار بحالة الهلاك. وفي الوجه الثاني من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته أكثر من وزنه مثلا عشرين: إن هلك، يصير مستوفيا دَينه بثلثيه عند الكل. وإن انكسر، فعند أبي حنيفة: الراهن بالخيار، إن شاء افْتكَّه بالدَين، وإن شاء ضمن المرتهن ثلثيه من خلاف جنسه وذلك ثلاثة عشر وثلث، لأن المعتبر هو الوزن والدَين قدر ثلثي وزنه، فكان ذلك القدر مضمونا بجودته بالغة ما بلغت. وعند أبي يوسف: يضمن قيمة نصفه من خلاف جنسه، لأن عنده الجودة كعين مال قائم، فكان نصفه مضمونا، ونصفه أمانة، فيضمن في الانكسار نصف قيمته من خلاف جنسه، ويصير نصف المكسور ملكا للمرتهن بالضمان. وعند محمد: إن مات [المرهون] (١) بالانكسار خمسة أو أقل، يجبر الراهن على الفكاك، وإن انتقص أكثر من خمسة، خيِّر الراهن إن شاء افْتكَّه بجميع الدَين، وإن شاء جعل ثلثيه بالدَين، واستردّ الثلث؛ لأن النقصان إذا كان أكثر من خمسة ينتقص قيمة ثلثيه عن عشرة، فيفوت شيء من الجودة المضمونة ضرورة، وعند ذلك تعتبر حالة الانكسار بحالة الهلاك (٢).

стр. 1097

وفي الوجه الثالث من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته أقل من الوزن، وأكثر من الدَين، بأن كانت اثني عشر فهلك، عند أبي حنيفة يصير مستوفيا دَينه من ثلثيه اعتبارا للوزن، وعندهما يضمن قيمة خمسة أسداسه من خلاف جنسه، وهو مقدار. الدَين، لأنه لو صار مستوفيا دَينه بثلثيه اعتبارا للوزن، يبطل حق المرتهن في الجودة، ولو صار مستوفيا دَينه بخمسة أسداس قيمته، يكون ربا؛ لأن وزن خمسة أسداسه اثني عشر ونصف، وقيمة خمسة أسداسه عشرة، فيكون ربا (١). وإن انكسر، عند أبي حنيفة يضمن ثلثي قيمته، ثمانية من خلاف جنسه؛ لأن المضمون من الوزن قدر ثلثيه، وعندهما يضمن قدر الدَين خمسة أسداس قيمته من خلاف جنسه. وفي الوجه الرابع من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته مثل الدَين عشرة إن هلك؛ عند أبي حنيفة يصير مستوفيا دَينه من ثلثيه اعتبارا للوزن، وعندهما يضمن جميع قيمته؛ لأن قيمة مثل الدَين، لا فضلَ فيها، وتعذّر جعله مستوفيا لما قلنا (٢). وإن انكسر، عند أبي حنيفة، يضمن ثلثي قيمته من خلاف جنسه اعتبارا للوزن، وهو ستة وثلثان، وعندهما يضمن جميع قيمته من خلاف جنسه؛ لأن كل القيمة مضمونة. وفي الوجه الخامس من هذا القسم: وهو ما إذا كانت قيمته أقل من الدَين بأن كانت تسعة، فالجواب فيه في الهلاك والانكسار ما ذكرنا في الوجه الرابع (٣).

стр. 1098

ثم ذكر محمد ﵀ في الكتاب فقال: لو كان وزن القُلب ثمانية، وقيمته اثني عشر، والدَين عشرة، فهلك، او احترق، أو انكسر، فإنما يذهب بثمانية في قول أبي حنيفة ﵀. وهذا الجواب جواب الهلاك والاحتراق، لا جواب الانكسار على ما ذكرنا، جمع محمد ﵀ بين الأسئلة، وأجاب عن بعضها، وكثيرا ما صنع مثل هذا في الكتاب. هذا إذا كان الرهن إبريقا؛ أو قُلبا، أو مدهنا. فإن كان مكيلا بأن كان له على رجل مائة درهم، فرهنه بها كرّ حنطة يساوي مائتي درهم، فهلك الرهن صار مستوفيا دَينه عند الكل، لأن فيه وفاء بالدَين وزيادة. وإن أصابه ماء ففسد، فعند محمد ﵀: الراهن بالخيار إن شاء افْتكَّه بجميع الدَين، وإن شاء جعل نصفه بالدَين، ويصير الكرّ الفاسد بينهما [نصفين] (١)، لأن عنده حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك، والمضمون بالدَين نصفه، فكان له أن يجعل نصفه بالدَين. وقال أبو يوسف: للراهن أن يضمن المرتهنَ نصف كرّ مثل المقبوض، ويميّز نصف الكرّ الفاسد، فيضمّ إلى ما ضمن، فيكون رهنا عند المرتهن، وهو والانكسار في القلب سواءعلى ما بيّنّا. ولم يذكر قول أبي حنيفة، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: عند أبي حنيفة يغرم المرتهن كرّا مثل المقبوض، ويصير الفاسد ملكا له بالضمان، كما في القُلب إذا انكسر. وقال القاضي الإمام أبو عاصم العامري (٢) ﵀: عند أبي حنيفة يضمن

стр. 1099

المرتهن نصف الكرّ المقبوض كما هو قول أبي يوسف، وهو الصحيح، لأن عند أبي حنيفة يعتبر الوزن (١)، لا تعتبر الجودة في الأموال الربوية عند مقابلتها بجنسها. أما عند اختلاف الجنس تعتبر الجودة، والحنطة ليست من جنس الدراهم، فيجب اعتبار الجودة، فكان المضمون بالدَين نصف الكرّ؛ لأن فيه وفاء بالدَين، فعند فساد الكرّ لا يضمن أكثر من نصف الكر، بخلاف مسألة القُلب. وإذا غرم نصف كرّ جيد يساوي مائة، يقسّم الدَين على نصف كرّ فاسد يساوي خمسين، وعلى نصف كرّ جيد يساوي مائة، فيقسّم الدَين بينهما أثلاثا، ثلثاه في الجيد، وثلثه في الفاسد، كالجارية المرهونة إذا ولدت ولدا يساوي خمسمائة، وقيمة المرهونة ألف، ينقسم الدَين بينهما أثلاثا. ثم شنّع محمد على أبي يوسف ﵀، فقال: لو أصاب هذا النصف الجيد ماء، ففسد (٢)، وقد كان ثلثا هذا النصف مضمونا، وثلثه إمانة، لأن ثلث الدين كان في النصف الفاسد، ففي قياس هذا القول إذا فسد النصف الجيد، يميز منه ما كان أمانة، وهو ثلث النصف الجيد، ويقوّم ثلثي هذا النصف، ويكون ما ضمن رهنا عنده مع الطعام الفاسد، فإن أصاب الجيد ماء بعد ذلك فافسده، يعزل منه قدر الأمانة، ويضمّ إلى الطعام الفاسد،

стр. 1100

فلا يزال يدور هكذا إلى أن لا يبقى من الطعام الجيد إلا قفيزا وشيء يسير، فيجبر الراهن على أن يفتك الطعام الفاسد بجميع دينه، وفيه من الضرر ما لا يخفى. وأبو يوسف يجيب عن هذا، فيقول: مثل هذا جائز عند قيام الدليل، ألا ترى أنه لو رهن جارية تساوي ألفا لتراجع سعرها إلى مائة، يجبر الراهن على الفكاك، وكذا لو قتلها. عبد قيمته (١) مائة، ودفَع بها حتى صار رهنا مكان الجارية، فإنه يجبر الراهن على الفكاك. وإن كان رهَنَ ألفا، وافتَكّ مائة، فإن كان الدين كرّ حنطة رديء يساوي مائة، فرهن به نصف كر جيّد يساوي مائة، فإن هلك يصير مستوفيا نصف دينه باعتبار القدر، ويبقى على الراهن نصف كرّ رديء. وعندهما: يغرم المرتهن نصف كرّ جيد دفعا للضرر، وهو والقُلب سواء، وإن أصابه ماء ففسد، يغرم المرتهن مثل ما قبض نصف كرّ جيّد في قولهم، ويكون الفاسد للمرتهن بالضمان، والفساد في الحنطة بمنزلة الانكسار في القلب، وثمّة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في الانكسار يضمن القيمة، فكذلك هنا (٢). وعند محمد: في القلب تعتبر حالة الانكسار بحالة الهلاك، فكذلك في الفاسد تعتبر حالة الفساد بحالة الهلاك. فإن (٣) ملك المرتهن الفاسدَ بالضمان، وقبضه، فوجده بسبب الابتلال زائدا بقفيز أو قفيزين، ينبغي له أن يتصدق بالفضل، لأنه ملك بنصف الكر نصف كرّ وزيادة، فيؤدي

стр. 1101

إلى الربا، إلا أن هذه المقابلة لم تكن مشروطة فتوجب الخبث، ولا تمنع الجواز، فيستحبّ له التصدق، وهو المغصوب سواء. ولو كان الدين كرّ حنطة رديّة تساوي مائة، فرهنه بها كحنطة جيدة يساوي مائتين، فإن هلك هلك بالدين في قولهم، وإن فسد يضمن المرتهن كرا جيدا في قول أبي حنيفة، لأنه يَعتبر القدرَ إذا رهن بجنسه، ويجعل الجودةَ مَضمونةً تبعا للقدر. وعند أبي يوسف: يضمن نصفه؛ لأنه يجعل الجودة كعين مال قائم، فتشيع الإمانة والضمان فيهما. وعند محمد: إن كان النقصان إلى مائة أجبر الراهن على الفكاك، وإن زاد على ذلك، إن شاء افتكه، وإن شاء جعله بالدين، وهو وما تقدم سواء. -والله أعلم-

стр. 1102

باب من الرهن ينتقص في السعر أو في البدن بنى الباب على أصل: وهو أن ضمان الرهن ضمان قبض حتى يثبت بالقبض، ويبقى ببقائه، فكل ما يدخل في القبض بقدر الدين يكون مضمونا، وما لا فلا (١). إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل رهن عند رجل عبدا يساوي ألفا بألف، فانتقص شيء من عينه (٢)، ذهب من الدين بقدره؛ لأنه فات بعض ما ورد عليه القبض، ولو ذهب كله يذهب كل الدين (٣)، فإذا ذهب بعضه يذهب بقدره، كما في الغصب، ولا خيار للراهن قلّ النقصان أو فحش. فرّق بين هذا وبين الغصب: في الغصب إذا فحش النقصان يخيّر المالك، إن شاء ضمنه كل القيمة، وترك المغصوب، وإن شاء أخذ المغصوب، وهنا لا خيار للراهن فيما بقي. والفرق: أن ضمان الغصب ضمان استهلاك، والنقصان الفاحش استهلاك حكما، فكان له أن يضمنه جميع القيمة، إما ضمان الرهن ضمان استيفاء، لا ضمان استهلاك، لأن هذا قبض حصل بإذن المالك، إلا أن الاستيفاء من خلاف الجنس لا يكون [إلا] (٤)

стр. 1103

بطريق الضمان، فكان الضمان من ضرورات الاستيفاء، وشرط تقرّر الاستيفاء الهلاك، فبقدر ما بقي لم يتقرّر الاستيفاء، فلا يتخيّر الراهن بل يجبر على الفكاك. هذا إذا انتقص شيء من (١) عينه، فإن انتقص سعره لا عينه، فصار يساوي مائة، يجبر الراهن على الفكاك، ولا يسقط شيء من الدين عندنا (٢). وذكر في "كتاب الرهن": على قول زفر يسقط من الدين بقدره (٣). وجه قوله: إن المضمون مالية الرهن لا عينه؛ لأنه عقد استيفاء، والاستيفاء يكون من المالية لا من العين، وقد فات بعض المالية، فيسقط من الدين بقدر ما فات (٤). ولنا: أن ضمان الرهن ضمان قبض، والمقبوض قائم لم ينتقص، لأن نقصان السعر لا يتعلق بالعين، بل هذه فترة يحدث (٥) الله في قلوب العباد، فتَقلّ قيمته بقلّة الرغائب (٦)، وتزداد بزيادتها، ولهذا لا يعتبر هذا النقصان في فصل (٧) الغصب، بخلاف

стр. 1104

نقصان العين؛ لأن الأجزاء والأوصاف تفرد بالقبض، فتفرد بضمان القبض (١). وإن اعتبرنا ضمانَ الرهن بضمان العقد، فنقصان السعر لا يؤثِّر في ضمان العقد، ولهذا لو انتقص سعر المبيع قبل القبض لا يتخيّر المشتري، ويتخير في نقصان العين. فإن تراجع سعر الرهن إلى مائة، ثم قتله عبد يساوي مائة خطأ، ودفع به يجبر الراهن على أن يفتكه بجميع الدين عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وفي قول (٢) محمد يخيّر الراهن إن شاء افْتكَّه بالدين، وإن شاء جعله بالدين، لأن ضمان الرهن إما أن يعتبر بضمان العقد أو بضمان القبض، وبأيّهما يعتبر يثبت الخيار، فإنه لو اشترى عبدا يساوي ألفا، وقتله عبد يساوي مائة قبل القبض، ودفع به، يخير المشتري وكذا لو قتل المغصوب عبد قليل القيمة، ودفع به يخيّر المالك، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه على الغاصب بالقيمة، كذلك هنا. ولهما: أنه لا وجه لتمليك الرهن بالدين، لأن ذاك حكم باطل على ما ذكرنا، وعقد الرهن لا يفيد ملك الرهن، بخلاف الغصب، فإنه يملك العين بالضمان، ولهذا لو عاد المغصوب من الإباق بعد ما قضى القاضي على الغاصب بالقيمة، عاد على ملك الغاصب،

стр. 1105

وبخلاف تمليك المبيع من البائع، فإن ذلك ممكن، فإنهما لو تفاسخا البيع يعود المبيع إلى ملك البائع، أما ضمان الرهن لا يوجب ملك الرهن بحالٍ ما، فإذا تعذر الجعل بالدين تَعيّن الفكاك، ولا يسقط شيء من الدين. وعند زفر: يسقط من الدين تسعمائة؛ لأن الثاني قام مقام الأول لحما ودما، فصار كأن الأول قائم، وتراجع سعره إلى مائة، عندنا لا يسقط، فهذا كذلك. وإن قتله حرّ خطأ بعد ما تراجع سعره إلى مائة، وغرم القاتل مائة يأخذ المرتهن المائةَ بالمائة من دينه، ويذهب باقي الدين، بخلاف ما لو قته عبد قيمته مائة، فإنه لا يذهب شيء من الدين عندنا. والفرق بينهما أن المائة لا يتصور أن تكون مضمونة بألف، فلا يستوفى بالمائة إلا مائة، فلا يمكن القول بَبقاء ما زاد عليها من الرهن، فالزيادة على المائة تلَفت في ضمان المرتهن، فيسقط ما يقابلها من الدين ضرورةً. أما العبد وإن قلّت قيمته. فهو ليس من جنس الدين، أمكن استيفاء الألف منه، فجاز أن يقوم العبد مقام الرهن، فلا يظهر هلاك الرهن حتى لو غرم الحر القاتل القيمة من الدنانير، أو كان القاتل من أهل الإبل والغنم، فقضى القاضي عليه بالإبل والغنم، افتكه الراهن بجميع الدين، وإن استيفاء الألف من الحيوان والدنانير العشرة ممكن، فجاز أن يقوم الثاني مقام الأصل (١). قال: ولو كان الدين من خلاف جنس ما غرم القاتل بأن كان الدين حنطةً، فأراد المرتهن أن يأخذ ذلك قضاء من دينه، لا يملك ذلك، لأن الاستيفاء من خلاف الجنس لا يكون إلا بطريق المعاوَضة، والمعاوَضة تعتمد التراضي.

стр. 1106

ثمّ عند محمد: كل شيء دفع المرهون ما ليس من جنس الدين، قلّت قيمته أو كثرت، يخير فيه الراهن، إن شاء افتكه بالدين، وإن شاء جعله بالدين. واستشهد محمد لتصحيح مذهبه بمسائل: منها: رجل رهَن عبدا يساوي ألفا بألف، فقتلته جارية المرتهن، وهي تساوي مائة، فقال الراهن: لا حاجة لي في جاريتك، وإنما أجعل الرهنَ بما فيه، أما كان له ذلك، قالوا: لا نصّ عن أبي حنيفة، فيحمل على الخلاف. ومنهم من فرّق لأبي حنيفة وأبي يوسف بين المسئلتين، فقال: الجارية الجانية ملك المرتهن، فليس في تركها تمليك الرهن من المرتهن بدينه، بل هذا إبراء الجارية الجانية عن الجناية، وامتناع عن المطالبة بالدفع، فإذا فات الدفع بطلت الجناية، ويصير العبد هالكا في ضمان المرتهن من غير جناية، فيهلك بالدين. أما هنا العبد المدفوع بالجناية كان ملكا للراهن، فتركُه على المرتهن تمليك منه بالدين، وذلك باطل. واستشهد محمد أيضا بمسئلة البيع فقال: لو أن رجلا اشترى عبدا من رجل، وتقابضا، فوجد به العبد (١) عيبا، فردّه بقضاء، وأمسك العبدَ حتى يقبض الثمن، فقتل العبدَ جاريةٌ في يد المشتري، ودُفعت به، يخيّر البائع، إن شاء أخذ الجارية، وأدّى الثمن، وإن شاء ترك الجارية عليه بالثمن، والمحبوس بالثمن حكمه حكم الرهن. فمن أصحابنا من قال: لا يُعرف هذا من أبي حنيفة، فيحتمل أن يكون هذا والرهن سواء. ومنهم من فرّق بينهما، فقال: إن عقد البيع أوجَب التمليك من المشتري، فردّ

стр. 1107

المشتري لا يتمّ إلا بشرط سلامة العبد للبائع، فإذا لم يسلم يبطل الردّ، فعاد العبد إلى ملك المشتري، فلم يكن هذا تمليكا مبتدأ، بخلاف مسئلة الرهن. واستشهد أيضا: بما لو قَتله المرتهن خطأ، ووجبَت القيمة على العاقلة، فقال الراهن: أنا لا آخُذ من العاقلة شيئا، وأبرئهم، لا يرجع المرتهن بدينه، ولا يرجع على العاقلة أيضا بشيء بقتلٍ باشَره؛ لأن العاقلة يتحمّلون عنه، ولا يتحمّلون له، فيصير العبد هالكا بالدين. وكذا لو قتله المرتهنُ عمدًا بعدما تراجع سعره إلى مائة، فإنه لا يجب عليه القصاص؛ لأن القصاص لا يجب على المرتهن بقتل الرهن، ولكن تجب القيمة في ماله، فلو كان الدين أكرار حنطة قيمتها ألف، يستحيل أن يأخذ الراهن مائة، ويؤدي أكرارا قيمتها ألف، وقد هلك الرهن بفعل المرتهن. ولكن يجاب عن هذا فيقال: إنما جاء هذا من قِبل تراجع السعر، وقد كان يلزمه أن يفتكه بجميع دينه قبل القتل. ولو ارتهن عبدا يساوي ألفين بألف، فقتلته جارية تساوي مائة، ودُفعت به، يجبر الراهن على أن يفتكها بألف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن المدفوعة قامت مقام المقتول، وصار كأن المقتول قائم، وتراجع سعره، وثمّة يجبر الراهن على الفكاك في قولهما. وعند محمد يتخيّر الراهن، إن شاء افتكها بالدين، وإن شاء جعل نصفها بالدين، وأخذ نصفها؛ لأن نصفها مضمون بالدين، ونصفها أمانة. -والله أعلم بالصواب-

стр. 1108

باب الرهن الذي يكون فيه استهلاك الزيادة بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن ولد الرهن رهن تبعا، ويصير مقصودا إذا بقي إلى وقت الفكاك حَقيقة أو حكما ببقاء بدله (١). والثاني: أن إتلاف المرتهن الزيادة بإذن الراهن كإتلاف الراهن (٢)، لأن الراهن أذن بإتلاف ملك نفسه، فصحّ (٣) إذنه، وانتقل فعل المرتهن إليه. ولو أتلفه الراهن بنفسه يضمن (٤)، ويصير الولد مقصودا إذا بقي الضمان إلى وقت الفكاك، فكذلك إذا أتلفه المرتهن بإذن الراهن. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:

стр. 1109

رجل رهن شاة تساوي عشرة بعشرة دراهم، وأذن الراهن للمرتهن في أن يحلب لبنَها، ويشرب ويأكل (١)، ففعل ذلك، لا ضمان عليه (٢)، لأنه أتلف ملك الراهن بإذنه. فإن حضر الراهن افتكّ الشاة بجميع الدين، لأن إتلاف المرتهن الزيادة بإذن الراهن انتقل إلى الراهن، فصار الراهن مستردّا لما أتلفه المرتهن، فإذا أخذ الشاة صار مستردّا كل الرهن. وإن هلكت الشاة قبل أن يحضر الراهن، ثم حضر، يقسم الدين على قيمة الشاة، وعلى قيمة اللبن (٣)، فتسقط حصة الشاة، ويقضي حصة اللبن؛ لأن إتلاف المرتهن انتقل إلى الراهن، وصار (٤) الراهن مستردّا لما أتلفه المرتهن، فصار له قسط من الدين. فإن كانت قيمة اللبن (٥) خمسة كان ثلث الدين بمقابلة اللبن، وثلثاه بمقابلة الشاة، فيقضي ثلث الدين، ويسقط ثلثاه. وكذا لو ولدت الشاة جَديا، فأكله المرتهن بإذن الراهن، ثم هلكت الشاة، هلكت بحصتها من الدين، لما قلنا في اللبن (٦)، ذكَر الشاةَ، وأرادبها "المَعز" حيث سمّى الولد

стр. 1110

"جديا" (١)، وهو الظاهر، لأن المعز هو الذي يقتني للبن. وكذا لو أذن الراهن والمرتهن أجنبيا بذلك، فحلب الأجنبي، وأكل؛ لأن فعل الأجنبي بإذنهما كفعل الراهن. وإن استهلك المرتهن لغير إذن الراهن ضمن (٢)، لأنه أتلف ملك الغير بغير إذنه فيضمن، ويكون الضمان رهنا مع الأصل؛ لأنه بدله. وإن هكلت الشاة سقطت حصتها من الدين، ويفتكّ الضمان بقسطه من الدين. وإن أتلفه الراهن ضمن أيضا (٣)، لأنه أتلف محلا تعلّق به حق المرتهن، فكان ملحقا بالملك [بالدين] (٤) في استدعاء الضمان، ويكون الضمان محبوسا عند المرتهن مع الشاة (٥). فإن هلك الضمان عند المرتهن هلك هدرا؛ لأنه قام مقام الأصل، فكان هلاكه كهلاك الأصل، ولو هلك الولد أو اللبن عند المرتهن كان هدرا، فكذلك بدله. بخلاف ما إذا أكله المرتهن بإذن الراهن، أو الأجنبي بإذنهما، لأن ذلك لا يوجب ضمانا على الراهن لتراضيهما بالإتلاف، فكان ذلك استردادا أو فكاكا للزيادة ضرورةً،

стр. 1111

وما يضمن المرتهن من قيمة الولد يصير قصاصًا بدينه إذا حلّ الدين وبإتلاف اللبن يضمن مثلها، فلا يصير قصاصا بالدين لانعدم المجانَسة.

стр. 1112

باب من الرهن الذي يكلّف صاحبه لإحضاره حتى يعطي ماله والذي لا يكلّف بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن القاضي نُصبِ ناظرا للمسلمين، فيلزمه العدل والتسوية في إيفاء الحقوق. والثاني: أن الرهن يشبه المبيع؛ لأنه محبوس بالدين عوض عنه من وجه، فما دام يلزمه تسليم الرهن بعد اقتضاء الدين لا يملك قبض الدين إلا بحضرة الرهن (١)، اعتبارا لمعنى البيع، ومتى سقط عنه تسليم الرهن كان له أن يقبض الدين. وسقوط تسليم الرهن لا يوجب سقوط الدين (٢)، لأنه ليس بعوض من كل وجه. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل رهن جارية تساوي ألفا بألف درهم، فجاء المرتهن يطلب دينَه، فقال الراهن: لا أعطيك الدين حتى تُحضر الرهن، أمر المرتهن بإحضارها (٣)؛ لأن الرهن مضمون

стр. 1113

بالدين، فكان بمنزلة العوض، وفي باب (١) البيع لا يطالب المشتري بأداء الثمن إلا بعد إحضار المبيع تحقيقا للتسوية، فكذلك هنا إذا كان المرتهن قادرا على إحضار الرهن لا يطالب الراهن بقضاء الدين قبل إحضار الرهن. ولأنه لو أمر بقضاء الدين قبل إحضار الرهن ربما يهلك الرهن بعد ذلك، أو يكون هالكا قبل ذلك، فيصير مستوفيا دَينه من وقت العقد، كان هذا أمرا بقضاء الدين مرّتين، وذلك باطل، فيؤمر المرتهن بإحضار الرهن ثم يقال: سلّم الدين أوّلا ليتعيّن حق المرتهن، كما تعين حق الراهن تحقيقا للتسوية، كما في باب البيع (٢). ولأن المرتهن لو ردّ أولا، فلو مات الراهن بعد ذلك، وعليه ديون، كان المرتهن أسوة للغرماء في ذلك الرهن، فيبطل بعض حقه. ولو قضى الراهن الدينَ أوّلا، ثم مات المرتهن، وعليه ديون، لا يتعلّق حق غرمائه بالرهن، فلا يؤدي إلى إبطال حق الراهن. ولو رهن جارية تساوي ألفا بألف، وجعل المرتهن مسلّطا على بيعها إذا مضى أجل كذا، فمضى الأجل، فباعها بأجل شهرا ونحوه؛ فهو جائز. أما عند أبي حنيفة: فلأن التوكيل مطلق، فيملك البيع بالنقد والنسيئة؛ سواء كان الأجل متعارفا أو لم يكن. وعند أبي يوسف ومحمد: الوكيل بالبيع يملك البيع بالأجل المتعارف، فإذا باعها بأجلٍ شهرا وشهرين جاز عند الكل (٣).

стр. 1114

فرّق بين هذا وبين ما لو قال لغيره: "بع عبدي فإني أحتاج إلى النفقة"، أو قال: "فإن غرمائي يلازموني"، فباع بالنسيئة لا يجوز. والفرق أن (١) في هاتين المسئلتين: أمَر بالبيع لحاجته إلى النفقة، ودفعِ الملازمة، وذلك لا يحصل بالنسيئة، فكان تقييدا بالثمن المعجل. أما هنا وكّله بالبيع مطلقا، ولو كان التوكيل لغرض استينفاء الدين فذلك يحصل بالثمن المؤجل، فلا يتقيّد بالمعجل. فإن نهاه عن البيع بالنسيئة بعد عقد الرهن والتسليم [إليه] (٢)، لا يصح نهيه، بخلاف سائر الوكالات؛ لأن هذه وكالة ثبتت في ضمن عقد لازم، وهو الرهن، فإذا لزم أصلها لزم وصفها واتباعها، فكما لا يملك منعه عن البيع لحق المرتهن لا يملك التقييد؛ لأنه عزل عن أحد البيعين، إلا إذا كان التقييد بالمعجل في عقد الرهن فحينئذ لا يملك البيع نسيئةً، لأنه ما وكله إلا بنوع واحد. وإذا صح البيع نسيئة، ثم جاء المرتهن يطلب دينه، فقال الراهن: لا أعطيك الدين حتى تحضر ثمن الرهن، أجبر الراهن على قضاء الدين (٣)؛ لأن الرهن إنما صار دينا بتسليط الراهن وأمره، وأحد عِوضي البيع إذا تأخّر بدليل يخصّه بأن باعه بثمن مؤجّل، أو كان البيع سلَما، لا يتأخر تسليم العوض الآخر مع أن البيع معاوَضة محضة، فلأن لا يتأخر هنا كان أولى.

стр. 1115

وكذا لو باعه بثمن حالٍّ غير مؤجل، فقال الراهن: لا أعطيك الدين حتى تنقد الثمن، وتدفعه إليّ، لا يلتفت [إليه] (١)، ويجبر على أعطاء الدين؛ لأنه لما باع بإذن الراهن خرج المبيع من أن يكون رهنا، كأنهما تفاسخا عقد الرهن في المرهون، ويصير الثمن رهنا بتراضيهما ابتداءً لا بطريق انتقال حكم الرهن إلى الثمن. قال: ألا ترى أنه لوْ باع الرهن بأقل من الدين كان النقصان على الراهن، ولا يبطل شيء من دين المرتهن، علم أن الأول خرج عن الرهن بطريق الفسخ، وصار الثمن رهنا ابتداءً لا بطريق الانتقال، إذ لو كان بطريق الانتقال وجب أن ينتقل إلى الثمن بقدره، ويسقط قدر النقصان عن دين المرتهن. ولو تفاسخا الرهن حقيقة، ثم رهن الثمن الذي في ذمة المشتري ابتداء بدينه، لم يكن على المرتهن تسليم الثمن لقضاء الدين، ولا يتوقف عليه كذلك هنا، فكان على المرتهن أن يقبض الثمن من المشتري، ويدفعه إلى الراهن، لأنه هو العاقد، فكان القبض إليه. فإن تَوِيَ الثمن على المشتري، أو في يد المرتهن، يردّ المرتهن على الراهن ما قبض منه؛ وإن حكم الرهن لما ثبت في الثمن صار كأنه رهن الثمن بالدين، وجعله على يد عدل، وهناك إذا هلك الرهن كان على المرتهن ردّ ما قبض حتى لا يتكرر الاستيفاء، كذلك هنا. فإن قال الراهن كيف أعطيك الدين، والثمن في ضمانك؟ لا يلتفت إليه، بل يقال له: نعم! لكن لما باع بأمرك، وصار الرهن دينا باختيارك، صار في الحكم كأنك رهنته، ولم تسلم بل وضعته على يد عدل، فلا يجب عليه التسليم، ويكون التّوى على المرتهن.

стр. 1116

ولو رهن جارية بألف. ووضعها على يد عدل، فغاب العدل، وأودعها عند زوجته، أو عند ولده الذي في عياله، ثم جاء المرتهن يطلب دينه (١)، فقال الراهن: لا أعطيك الدين حتى يحضر الرهن، ويقول المودَع: أودَعني فلان، ولا أدري لمن هي؟ قال (٢): يجبر الراهن على تسليم الدين (٣)؛ لأن المرتهن لم يقبض شيئا، [ليجب عليه تسليمه] (٤)، فلا يجب عليه الإحضار، وكيف يلزمه التسليم والإحضار. وفائدة الوضع على يدي العدل أن يكون ممنوعا محفوظا عن الراهن والمرتهن، وإذا هلك يكون الهلاك على المرتهن، فإن هلك الرهن في يد المودع رجع الراهن على المرتهن بما أعطاه، لأن هلاكه في يدي العدل كالهلاك فى يد المرتهن. وكذا لو غاب العدل بالرهن، ولا يدري مكانه، يجبر الراهن على تسليم الدين (٥)، لما قلنا. فإن ادّعى الراهن هلاك الرهن يستحلف المرتهن (٦)، لأنه ادعى عليه ما لو أقرّ به تبطل المطالبة بالدين، فإذا أنكر يستحلف، ويستحلف على العلم (٧): "بالله ما يعلم أن الرهن

стр. 1117

قد هلك"، لأنه يدعي الهلاك في يد غيره، فيستحلف على العلم، فإن حلَف، قبَضَ الدينَ، وإن نكل لا يأخذه (١). وإن كان الذي أودَعه العدل جحَد، وقال: هو مالي، لم يأخذ المرتهن دينه حتى يثبت الرهن (٢)، لأنه لما جحد الوديعةَ فقد تَوى، والتوى يكون على المرتهن. ولو كان المرتهن هو الذي قبض الرهن، وهو عبد قيمته ألف درهم مثل الدين، فقتله رجل خطأ، غرم القاتل قيمته في ثلاث سنين (٣). فإن أراد المرتهن أن يأخذ دينه، فقال الراهن: لا أعطيك الدين حتى تحضر القيمة، لا يجبر الراهن (٤) على قضاء الدين حتى يحضر كل القيمة (٥)، بخلاف ما تقدم؛ لأن هنا صيرورة الرهن دينا لم تكن بإيجاب الراهن، ولا باختياره، فصار عذرا في حقه بخلاف البيع. فإن أحضر (٦) المرتهن بعض القيمة لا يجبر الراهن على قضاء شيء من الدين، لأن القيمة خلف عن العين، ولو كان العين قائما، وهو متفرق أو مجتمع، لا يجبر الراهن على قضاء شيء من الدين حتى يحضر كل الرهن، فكذلك هنا.

стр. 1118

فإن كانت القيمة من جنس الدين، فكلما حل شيء اقتضاه المرتهن بدينه (١)؛ لأنه ظن بجنس حقه. وإن كان القاضي قضى بالقيمة من الإبل أو الغنم أو البقر، كان ذلك رهنا بالدين (٢)، يحبسه بدينه، فيه دليل على أن القاضي يقضي بالحيوان في قيمة العبد. رجل رهن عند إنسان شيئا، ثم لقيه المرتهن في غير ذلك المصر، وطالبه بقضاء الدين، فإن كان الرهن شيئا له حمل ومؤنة، أجبر الراهن على قضاء الدين ولا يؤمر المرتهن بإحضار الرهن (٣). لأن عين الرهن أمانة في يده، ولهذا كان الكفن على الراهن، فلا يجب عليه الردّ، إنما يجب عليه التسليم، والنقل من بلد إلى بلد من باب الردّ لا من باب التسليم، فلو وجب عليه الرد كان له أن يرجع بذلك على الراهن، فلا يجب، فإذا لم يجب عليه تسليم الرهن في هذا المكان، لا يجب عليه الإحضار، فكان له أن يطالبه بالدين، كما لو كان الرهن في يد عدل، ولكن يحلف المرتهن: "بالله ما هلك الرهن" (٤)؛ لأنه غائب يحتمل الهلاك، فيحلف على ذلك إذا طلب الراهن (٥).

стр. 1119

وإن كان الرهن شيئا ليس له حمل ومونة، ولقيه في غير المصر، في القياس يجبر الراهن على قضاء الدين من غير إحضار الرهن (١)، لما ذكرنا أنه ليس عليه تسليم الرهن في غير مكان العقد. وفي الاستحسان لا يجبر الراهن على قضاء الدين حتى يحضر الرهن (٢)؛ لأن سائر الأماكن فيما لا حمل له ولا مؤنة بمنزلة مكان واحد، ولهذا لو أسلم فيما لا حمل له، ولا مؤنة لا يشترط لصحة السلم (٣) بيان مكان الإيفاء في قول أبي حنيفة، ويشترط فيما له حمل ومؤنة. رجل له على آخر ألف درهم منجّمة يؤدي إليه كل شهر كذا، فرهنه بذلك رهنا، فلما حلّ نجمٌ طالَبه بذلك القَدر، فقال الراهن: لا أعطيك شيئا حتى تحضر الرهن، فإن كانا في غير مِصرِهما لا يجبر المرتهن على إحضار الرهن (٤)؛ لأنه ليس على المرتهن تسليم الرهن عند قبض البعض، وإنما يجب عليه التسليم عند قبض الكل، لأنه محبوس لكل جزء من أجزاء الدين، وإذا لم يجب عليه التسليم لا يؤمر (٥) على الإحضار، ولكن إذا ادّعى الهلاك حلفه (٦).

стр. 1120

وإن كانا في مصرهما، في القياس لا يجبر المرتهن (١) على الإحضار (٢)،؛ لما قلنا أنه ليس عليه التسليم عند قبض البعض. وفي الاستحسان يجبر (٣)؛ لأن المصر كله مكان واحد، فصار كأن الرهن في يده، ولا ضرر في إحضاره، وفي إحضاره فراغ قلب الراهن، وصيانة القضا عن البطلان؛ لاحتمال هلاك الدين (٤)، وفيه سقوط اليمين عن المرتهن. وإن شاء القاضي حلفه، ولم يكلّفه إحضاره (٥)؛ لأنه لو أحضره ربما يأخذ منه بقوة أعوان السلطان ونحوه، فكان نظره في التحليف دون الإحضار، فيقطع الخصومة بينهما بما يرى. ولم يفصّل هنا بين ما له حمل ومؤنة، وبين ما لا حمل له ولا مؤنة إذا التقيا في غير مصرهما، ويحتمل أن يكون هذا جواب القياس، وفي الاستحسان يفترقان، والأشبه أن يسوّي بينهما إذا التقيا في غير مصرهما (٦)؛ لأنه ليس عليه تسليم الرهن في هذا الفصل، فلا يؤمر بالإحضار. رجل اشترى شيئا، ولم يقبضه، ولم ينقد الثمن حتى لقيه في غير مصرهما،

стр. 1121

فطالبه (١) البائع بالثمن، فقال المشتري: لا أدفع إليك الثمن حتى تحضر المبيع، لا يجبر المشتري علي دفع الثمن حتى يحضر المبيع، سواء كان المبيع له حمل ومؤنة، أو ليس له حمل ومؤنة (٢). فرق بين هذا (٣) وبين الرهن، والفرق: أن البيع معاوضة من كل وجه، وإنما يوجب تسليم الثمن على المشتري بإزآء تسليم المبيع على البائع، فإذا تأخّر قبض أحدهما بغير اختيار العاقد تأخر الآخر تحقيقا للتسوية (٤). أما الرهن ليس بمعارضة من كل وجه، وحق المطالبة بتسليم الدين ما وجب بعقد الرهن، بل كان ثابتا قبل الرهن، فتأخّرُ تسليمِ الرهن لا يوجِب تأخر الدين (٥).

стр. 1122

وإذا لم يجب على المشتري إعطاء الثمن قبل إحضار المبيع يستوثق من المشتري (١) بكفيل حتى يحضر البلد الذي فيه المبيع، ويدفع الثمن، فيأخذ المبيع، أو يبعث وكيلا بذلك (٢)؛ لأنه ربما يغيب المشتري، فيتضرر البايع بتأخير حقه، فيفعل ما قلنا نظرا لهما، وتحقيقا للتسوية بينهما. -والله أعلم-

стр. 1123

باب من الرهن الذي يكون له أن يقبض البعض دون البعض بنى الباب على أن أحد العاقدين لا ينفرد بتفريق الصفقة المجتمعة؛ لما في تفريقها من الإضرار بالآخر بالإخلال بمقصوده. [إذا عرفنا هذا] (١) قال [محمد ﵀] (٢): رجل رهن عند رجل عبدين بألف درهم قيمة كل واحد منهما ألف، وسلّمها (٣) إلى المرتهن، ثم أدّى من الدين خمس مائة، وأراد أن يأخذ أحدهما لم يكن له ذلك (٤)، لأن الصفقة وقعت جملةً، ومقصود المرتهن إضجار الراهن ليتسارَع إلى قضاء الدين، فلو تفرّد الراهن بالتفريق بأخذِ ما يحتاج إليه، ويتكاسل في قضاء الباقي، فلا يحصل المقصود. ألا ترى أن في البيع إذا نقد المشتري بعض الثمن، وأراد أن يأخذ بعض المبيع لا يملك ذلك (٥) لما قلنا، فههنا أولى. ولو قال الراهن في الابتداء: رهنتك هذين العبدين كل واحد منهما بخمس مائة،

стр. 1124

وسلّمهما (١) إليه، ثم نقد خمس مائة، وقال: أديت عن هذا العبد، وأراد أن يأخذ ذلك العبد، كان له ذلك (٢). وذكر في "كتاب الرهن" (٣): رجل رهن عند غيره عشرة من الغنم بمائة درهم، كل شاة بعشرة، ثم نقد عشرة، وقال: نقدتُ حصة هذه الشاة، وأراد أن يأخذ الشاة (٤) ليس له ذلك. مِن أصحابنا مَن قال (٥): ما ذكِر في كتاب الرهن قول أبي يوسف، وما ذكر هنا قول محمد. ومنهم من قال: في المسألة روايتان (٦)، ورواية الزيادات أصحّ (٧).

стр. 1125

وجه رواية كتاب الرهن: أن الصفقة واحدة لا تحاد الموجب والقابل، وعند اتحادهما لا يتفرّق العقد بتفريق التسمية، كما في البيع لو قال: بعت منك هذين العبدين بكل (١) واحد منهما بخمس مائة، وقبل الشراء كانت الصفقة واحدة، حتى لو نقَد المشتري خمس مائة، وأراد أن يأخذ أحد العبدين (٢) لم يكن له ذلك، كذلك هنا. وجه هذه الرواية: وهو الفرق بين البيع والرهن أن البيع لا يتفرّق بتفريق التسمية عند اتحاد العاقدين، والرهن يتفرق، ألا ترى أن في فصل (٣) البيع لو قبل المشتري العقد في أحدهما دون الآخر لا يصح، وفي فصل (٤) الرهن عند تفريق التسميةَ لو قبِل المرتهن العقد في أحدهما جاز.
следующие страницы →