فطالبه (١) البائع بالثمن، فقال المشتري: لا أدفع إليك الثمن حتى تحضر المبيع، لا يجبر المشتري علي دفع الثمن حتى يحضر المبيع، سواء كان المبيع له حمل ومؤنة، أو ليس له حمل ومؤنة (٢).
فرق بين هذا (٣) وبين الرهن، والفرق: أن البيع معاوضة من كل وجه، وإنما يوجب تسليم الثمن على المشتري بإزآء تسليم المبيع على البائع، فإذا تأخّر قبض أحدهما بغير اختيار العاقد تأخر الآخر تحقيقا للتسوية (٤).
أما الرهن ليس بمعارضة من كل وجه، وحق المطالبة بتسليم الدين ما وجب بعقد الرهن، بل كان ثابتا قبل الرهن، فتأخّرُ تسليمِ الرهن لا يوجِب تأخر الدين (٥).
стр. 1122
وإذا لم يجب على المشتري إعطاء الثمن قبل إحضار المبيع يستوثق من المشتري (١) بكفيل حتى يحضر البلد الذي فيه المبيع، ويدفع الثمن، فيأخذ المبيع، أو يبعث وكيلا بذلك (٢)؛ لأنه ربما يغيب المشتري، فيتضرر البايع بتأخير حقه، فيفعل ما قلنا نظرا لهما، وتحقيقا للتسوية بينهما.
-والله أعلم-
стр. 1123
باب من الرهن الذي يكون له أن يقبض البعض دون البعض
بنى الباب على أن أحد العاقدين لا ينفرد بتفريق الصفقة المجتمعة؛ لما في تفريقها من الإضرار بالآخر بالإخلال بمقصوده.
[إذا عرفنا هذا] (١) قال [محمد ﵀] (٢):
رجل رهن عند رجل عبدين بألف درهم قيمة كل واحد منهما ألف، وسلّمها (٣) إلى المرتهن، ثم أدّى من الدين خمس مائة، وأراد أن يأخذ أحدهما لم يكن له ذلك (٤)، لأن الصفقة وقعت جملةً، ومقصود المرتهن إضجار الراهن ليتسارَع إلى قضاء الدين، فلو تفرّد الراهن بالتفريق بأخذِ ما يحتاج إليه، ويتكاسل في قضاء الباقي، فلا يحصل المقصود.
ألا ترى أن في البيع إذا نقد المشتري بعض الثمن، وأراد أن يأخذ بعض المبيع لا يملك ذلك (٥) لما قلنا، فههنا أولى.
ولو قال الراهن في الابتداء: رهنتك هذين العبدين كل واحد منهما بخمس مائة،
стр. 1124
وسلّمهما (١) إليه، ثم نقد خمس مائة، وقال: أديت عن هذا العبد، وأراد أن يأخذ ذلك العبد، كان له ذلك (٢).
وذكر في "كتاب الرهن" (٣): رجل رهن عند غيره عشرة من الغنم بمائة درهم، كل شاة بعشرة، ثم نقد عشرة، وقال: نقدتُ حصة هذه الشاة، وأراد أن يأخذ الشاة (٤) ليس له ذلك.
مِن أصحابنا مَن قال (٥): ما ذكِر في كتاب الرهن قول أبي يوسف، وما ذكر هنا قول محمد.
ومنهم من قال: في المسألة روايتان (٦)، ورواية الزيادات أصحّ (٧).
стр. 1125
وجه رواية كتاب الرهن: أن الصفقة واحدة لا تحاد الموجب والقابل، وعند اتحادهما لا يتفرّق العقد بتفريق التسمية، كما في البيع لو قال: بعت منك هذين العبدين بكل (١) واحد منهما بخمس مائة، وقبل الشراء كانت الصفقة واحدة، حتى لو نقَد المشتري خمس مائة، وأراد أن يأخذ أحد العبدين (٢) لم يكن له ذلك، كذلك هنا.
وجه هذه الرواية: وهو الفرق بين البيع والرهن أن البيع لا يتفرّق بتفريق التسمية عند اتحاد العاقدين، والرهن يتفرق، ألا ترى أن في فصل (٣) البيع لو قبل المشتري العقد في أحدهما دون الآخر لا يصح، وفي فصل (٤) الرهن عند تفريق التسميةَ لو قبِل المرتهن العقد في أحدهما جاز.
стр. 1126
وإنما افترقا؛ لأن في البيع ضمّ الردي إلى الجيد للترويج متعاَرف (١)، فلو تفرّق العقد بتفريق التسمية، وكان للمشتري أن يقبل البيع في أحدهما يقبل الجيد (٢)، فيتضرّر به البائع.
أما في الرهن ضمّ الردي إلى الجيد للترويج غير متعارف، فلو تفرّق العقد بتفريق التسمية لا يتضرّر به الراهن (٣)، فإذا سمّى لكل واحد منهما حصّته (٤) في الدين تتفرّق الصفقة.
ولأن في البيع لما جمع بينهما لو تفرقت الصفقة تصير الثانية شرطًا في الأول، وإنها شرط فاسد تُفسد العقد؛ لأن الشرط الفاسد في معنى الربا.
أما الرهن لا يبطل بالشروط الفاسدة؛ لأنه تبرع بمنزلة الهبة، ولهذا لو رهن عبدًا بألف على أن يكون كل نصف منه رهنًا بخمس مائة يفسد الرهن؛ لأنه لما سمّى لكل نصف دينًا تفرّقت الصفقة، فيفسد لمكان الشيوع.
وأشار محمد ﵀ في الكتاب إلى هذا فقال: هما رهنان، كأنه رهن هذا العبد بخمس مائة، ثم رهن الآخر بخمسمائة، واستشهد في الكتاب بمسائل لبيان أن الرهن يتفرّق بتفريق التسمية، والبيع لا يتفرق، والكل على الروايتين.
منها: لو رهن عبدين وسمّى لأحدهما بعينه ألف درهم، وللآخر مائة دينار، فنقَد
стр. 1127
الدنانير، كان له أن يأخذ ما كان رهنًا بالدنانير، ولو كان هذا في البيع لا يملك.
ومنها: لو رهن عبدًا، وقال: نصفه بخمس مائة لا يجوز، ويجوز في البيع.
ومنها: لو رهن جارية بألف، وسلمها إلى المرتهن، ثم قال للمرتهن: زدتك هذا الغلام في نصف المال، ثم أدّى الراهن خمس مائة، وقال: هذه الخمس مائة التي زدتك فيها الغلام، كان له أن يقبض الغلام؛ لأن حصته من الدين معلومة (١)، وقد أدّى، وليس له أن يأخذ شيئًا من الجارية حتى يعطي كل الألف.
ولو اشترى جارية بألف، ثم زاده البائع غلاما في خمس مائة من الثمن، ورضي به المشتري، ثم نقد المشتري للبائع خمس مائة، وقال: هذه الخمسمائة التي زدتني فيها الغلام، لا يملك أخذ الغلام، ولا شيئًا من الأصل حتى ينقد كل الثمن؛ لأن الزيادة تلتحق بأصل العقد، ويصير كأنه باع الكل بألف درهم.
ومنها: لو رهن جاريتين بألف درهم ومائة دينار، هذه الجارية بألف درهم، وهذه الجارية الأخرى بمائة دينار، ثم قَضاه أحد المالين، ثم قال الراهن للمرتهن: زِدتُك هذا الغلام في الجارية التي قضيت دينها، لا تصح الزيادة؛ لأن الزيادة في الرهن، ولا دين، لا تصح، وقد سقط دين هذه الجارية. ولو كان هذا في البيع جازت الزيادة؛ لأن الصفقة واحدة.
ومنها: لو رهن عبدين بألف درهم، وقيمة كل واحد منهما ألف، فقَتَل أحدهما صاحبَه كان الباقي منهما رهنًا بسبع مائة وخمسين؛ لأن نصف كل واحد من العبدين (٢) كان مضمونًا، ونصفه أمانة، وجناية المضمون على المضمون هدر، وجناية الأمانة على
стр. 1128
الأمانة هدر، وجناية المضمون على الأمانة هدر، وجناية الأمانة على المضمون معتبرة، والعبد الجاني نصفه أمانة، ونصفه مضمون، وكذا المجني عليه.
فالعبد نصفان، وجنايته من النصف الذي هو مضمون لا يعتبر، تعيّنت الجناية من النصف الذي هو أمانة، وهذا النصف جنى على نصف شائع من المجني عليه، نصف هذا النصف وهو الرُبع مضمون بنصف الدين، وذلك مائتان وخمسون، ونصفه أمانة، والجناية على الأمانة هدر، وعلى المضمون معتبرة، فتحوّل نصف ما كان في العبد المجني عليه إلى الجاني، وذلك مائتان: خمسون، وقد كان في الجاني دين نفسه خمسمائة، فصارت الجملة سبعمائة وخمسين، وسقط من الدين مائتان وخمسون.
ولو فرّق التسمية عند العقد، فقال: رهنت هذين العبدين بألف، وكل (١) أحد منها بخمسمائة، فقتَل أحدهما صاحبه، يقال للراهن والمرتهن: ادفعا القاتل بالمقتول أو افدياه؛ لأن العقد تفرّق بتفريق التسمية، وعند اختلاف العقد تعتبر الجناية، ولا تعتبر الأمانة والضمان؛ لأنه يدخل في عقد، ويخرج من عقد، فصار كما لو افترق بافتراق المالكين، وثمّة يثبت فيه حكم الدفع والفدا.
فإن دفعاه قام القاتل مقام المقتول، فيتحوّل إليه دين المقتول، ويسقط (٢) ما في الجاني من الدين؛ لفواته لا إلى خلف.
فإن فدياه بقيمة المقتول كانت القيمة رهنًا بخمسمائة؛ لأنها قامت مقام المقتول، ويبقى القاتل رهنًا بخمس مائة؛ لأنه طهر عن الجناية، وعلى قياس رواية كتاب (٣) الرهن
стр. 1129
يجب أن يكون القاتل رهنًا بسبعمائة وخمسين، ولا يتفرق العقد.
-والله أعلم-
стр. 1130
شَرح الزِّيَادَات
للإمَام محمّد بن الحسن الشيبَاني
١٣٢ هـ - ١٨٩ هـ
تأليف
الإمَام الفقيه فخر الدين حسن بن منصور بن محمود الأوزجندي الفَرغَاني
المعروف بقاضِي خان المتوفى ٥٩٢ هـ
تحقيق وتعليق
فضيلة الأستاذ الدكتور قاسم أشرف نور أحمد
المجلد الرابع
الهبة - الوكالة - الشهادات - الدعوى - الإقرار - الغصب - الجنايات
دار احياء التراث العَربي
بيروت - لبنان
стр. 1131
كتاب الهبة
باب من الهبة التي تجوز بالقبض والتخلية بينها وبين الموهوب له وما لا تجوز
بنى الباب على ما عرف (١) أن الهبة لا تتمّ بدون القبض (٢) حتى لو مات أحدهما قبل القبض تبطل الهبة، كما لو مات أحد المتبايعين قبل القبول.
والشيوع فيما يحتمل القسمة يمنع تمام القبض، فيمنع تمام الهبة (٣)؛ لأن ما يتعلق
стр. 1132
بالشيء يتعلق بالكامل؛ لأنّ الناقص موجود من وجه دون وجه.
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀.
رجل وهب لرجل دارًا، وفيها متاع للواهب، وسلّم الكل إلى الموهوب له، كانت الهبة باطلة، -أراد بها غير تأمّة- حتى لو فرغ، وسلّم جاز (١).
وكذا لو وهب جرابًا أو جوالقًا (٢) فيه طعام الواهب؛ لأنّ الدار وضعت لحفظ الأمتعة، وكذا الظرف للمظروف، فما دام متاع الواهب في الدار كان الراهب مستعملًا الدارَ بما بنيت الدار له (٣).
ولهذا لو استأجر دارًا، ونقل متاعه إليها يصير قابضًا، ويكون ساكنًا في الدار ببقاء الأمتعة فيها.
وكذا لو تنازع رجلان في دار، وهي مشغولة بمتاع أحدهما، فإن القول قول صاحب المتاع، ويجعل هو صاحب يد، ومع بقاء الواهب ساكنًا في الدار مستعملًا لها لا يتحقّق التسليم.
стр. 1133
فرق بين هذا وبين ما لو باع دارًا، وسلّمها إلى المشتري، وفيها متاع البائع، فإنه يكون تسليمًا.
والفرق أن هذا بمنزلة الشيوع فيما يحتمل القسمة أو دونه، والشيوع لا يمنع البيع، ويمنع الهبة فيما يقسم.
ألا ترى أنه لو باع تمرًا على رأس النخيل، وخلّى بينه وبينها، صحّ التسليم، ولو وهب الثمر وخلّى، لا يصح.
ولو وهب المتاعَ دون الدار، والطعامَ دون الجوالق، وسلّم الدارَ والجوالق (١) بما فيه، تمت الهبة (٢)، بخلاف ما تقدم؛ لأن ههنا الموهوب غير مشغول بملك الواهب بل الموهوب شاغل ملك الواهب (٣)؛ لأن المظروف يشغل الظرف، أما الظرف لا يشغل المظروف، فلا يكون الواهب مستعملًا الموهوب، فتمّ التسليم.
ألا ترى أنه لو أودع خطة، فجعلها المودع في جوالق لا يضمن (٤)، ولو أودع جوالق فجعل المودع فيها حنطة ضمن؛ لأنه استعملها (٥).
ولا يقال بأن الدار والظرف ملك الواهب، وفي يده وبقاء يده على الظرف بقاء على المظروف.
стр. 1134
لأنا نقول: وإن بقيت يده على الدار فالدار حرز وتبع لما فيها، وكذا الظرف وقيام يده على التبع لا يجعل قيامًا على الأصل، ويجعل معتبرًا للدار والظرف، بخلاف الأول؛ لأن ثمّة يده قائمة على الأصل، فتعتبر قائمة على التبع.
فلو أنه أودع المتاع منه أولًا في المسألة الأولى، ثم وهب له الدار، وسلم بما فيها، أو وهب الدار والجوالقَ أولًا، ثم أودع المتاع، وسلم الكل، جازت الهبة في الدار والجوالق (١)؛ لأنه لما أودع المتاع عنده فقد جعله في يد المودع؛ لأن حقيقة اليد في الوديعة للمودَع، إلا أن منفعة يده تعود إلى صاحب الوديعة (٢)، فإذا سلّم (٣) الدار والجوالق بحكم الهبة صحّ التسليم والقبض لانعدام المانع، وهو قيام يد (٤) الواهب عليها.
قال (٥): ولو وهب أرضًا فيها زرعٌ قد استحصد، أو نخيل، فوهب الأرض بدون النخيل والزرع، وسلم الكل لا يجوز؛ لأن الموهوب مشغول بملك الواهب (٦)، فلا يجوز كما في الدار والجوالق.
وكذا لو وهب الزرع بدون الأرض، أو وهب نخلًا عليها ثمر بدون الثمر، أو وهب
стр. 1135
الثمرَ بدون النخيل، وسلم الكل لا يجوز (١).
بخلاف ما لو وهب المتاع بدون الدار، والطعام بدون الجوالق، وسلم الكل؛ لأن هنا الموهوب متصل بغير الموهوب (٢)؛ لأن النخيل والزرع متصل بالأرض خلقة، وكذا الثمر بالنخيل، والإفراز ممكن، فكان بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة، فَلا يتم بدون الإفراز والحيازَة، أما في مسئلة (٣) الدار والجوالق وغيرها الموهوب ممتاز عن غيره، إنما المانع بقاء الشغل واليد، فيتم عند زوال المانع.
قال: (٤) ولو وهب الجراب والدار، وسلم وفيها متاع الواهب، ذكرنا أنه لا يجوز، فإن وهب له المتاع جازت هبة المتاع.
وكذا لو وهب الجوالق والجراب [والدار] (٥) أولًا، وسلم، وفيها متاع، ثم وهب ما فيه من الطعام جازت الهبة في الطعام، ولا تتم في الجراب والجوالق والدار (٦).
وبمثله لو وهب المتاع والطعام أولا، وسلّم الكلَ ثم وهب له الدار والجراب والجوالق (٧)، تمّت الهبة فيهما.
стр. 1136
والفرق أنه لما وهب المتاع أولًا، وسلم تمّت الهبة في المتاع لعدم المانع، وهو قيام يدا الواهب عليها، فإذا وهب الدار والجوالق بعد ذلك فقد وهبها، وهي مشغولة بملك الموهوب له لا بملك الواهب، وهذا لا يمنع تمام القبض (١).
أما إذا وهب الدار أولًا، وسلّم فقد سلمها وهي مشغولة بمتاع الواهب، فلم يتم القبض، أو وقع فاسدًا، فلم تتم الهبة في الدار لفساد القبض، فإذا وهب له المتاع بعد ذلك وجازت (٢) الهبة في المتاع، وزال المانع، لم يفعل (٣) في الدار فعلًا يصير به قابضًا، فلا تتم هبة الدار.
هذا (٤) كما لو وهب نصف الدار، وسلم ثم وهب النصف الباقي، وسلم لم يجز في واحد منهما؛ لأن القبض في النصف الأول (٥) وقع فاسدًا لمكان الشيوع، ففسد في النصف الباقي، فلا ينقلب جائزًا أبدًا.
ولو وهب، ولم يسلّم حتى وهب ما فيها من المتاع، وسلم الكل، جازت الهبة في الكل، وكذا لو وهب الجوالق، ولم يسلم، ثم وهب الطعام، وسلم الكل، أو وهب
стр. 1137
الأرض بدون الزرع ولم يسلم، ثم وهب الزرع، أو وهب النخل بدون التمر ولم يسلم حتى وهب الثمر، وسلّم الكل (١) تمّت الهبة في الكل.
وكذا لو وهب نصف الدار، ولم يسلم حتى وهب النصف الباقي في ذلك المجلس أو في مجلس آخر، وقبض الكل، تمت الهبة في الكل؛ لأن المانع هو الشيوع والاتصال، فيراعى زوال المانع وقت القبض (٢) لا وقت العقد.
وكذا لو وهب لرجلين شيئًا يحتمل القسمة، فقبضاها جملةً، جاز في قول أبي يوسف ومحمد، ولو قبض أحدهما نصفه، ثم قبض الآخر، لا تجوز الهبة لواحد منهما؛ لأن ما هو المقصود من الهبة، وهو الملك يثبت عند القبض، فكان القبض (٣) بمنزلة الركن، فيراعى زوال المانع وقت القبض.
رجل وهَبَ لرجل جاريةً، وأذن له أن يقبضها فقبض، جازت الهبة.
وهذه المسألة على وجوه ثلاثة: إما أن أذن له بقبضها بعد الهبة، أو نهاه عن القبض بعد الهبة، أو لم يأذن ولم يَنه.
ففي الوجه الأول: جازت الهبة، ويصير ملكًا، سواء كانت الجارية بحضرتهما وقت الهبة أو لم تكن، قبض في المجلس أو بعده، أما في المجلس فظاهر، وأما في غير المجلس: في القياس لا تجوز الهبة، وفي الاستحسان تجوز.
وجه القياس: أن القبض في الهبة بمنزلة القبول في البيع لما عرف، وذلك يتقيّد
стр. 1138
بالمجلس، فكذلك هذا.
وجه الاستحسان: أنه أذن له بالقبض مطلقا، فلا يبطل بالقيام عن المجلس، فإذا قبضه صار وكأنه قبضه بإذن حادث، فيجعل هبة مبتدأة، ولأن الهبة لا تفيد ملك اليد، ولهذا لا يكون له المطالبة بالتسليم، فكان الموهوب له نائبا عن الواهب في القبض، والوكالة لا تبطل بالقيام عن المجلس، وإذا بقيت الوكالة، صار كأنه قال له (١): "اقبضه ثم هَبه لنفسك"، ولو صرّح بذلك لا يتقيّد بالمجلس، ولا كذلك القبول في البيع.
وإن (٢) نهاه عن القبض، فقبضها بعد النهي، لا يصحّ ولا يلكها؛ لأنه لا يملك قبل القبض، فكان في القبض بمنزلة الوكيل عن الواهب، فإذا نَهَاه عن القبض (٣) فقد عزَله، ويجعل ذلك رجوعا عن الإيجاب، فتبطل الهبة ما لو رجع قبل القبول.
وفي الوجه الثالث: إن كانت الجارية بحَضرتهما، فقبضها الموهوب له في المجلس يصح، ويملكها استحسانا. وفي القياس لا يصح، حتى لو أعتق لا ينفذ إعتاقه، والبيع الفاسد في هذا بمنزلة الهبة.
وجه القياس: أنّ الملك ليس بثابت قبل القبض، فلا يصح قبضه بغير إذنه، كما لا يصح بعد القيام عن المجلس.
ألا ترى أنّ في البيع الجائز كما لا يملك قبض المبيع قبل نقد الثمن بغير إذنه بعد الافتراق، لا يملك في المجلس، حتى لا يبطل حق البائع في الحبس (٤) والاسترداد
стр. 1139
لاستيفاء الثمن، كذلك هنا بل أولى، لأن ثمّةَ يقبض ملك نفسه، وهنا يقبض ملك الغير.
وجه الاستحسان: أن القبضْ في الهبة والبيع الفاسد بمنزلة التملك، لأن البيع والهبة تمليك، والتمليك إذن بالتملّك كما أن الإيجاب إذن بالقبول، ثم صحة القبول في البيع الجائز (١) لا تتوقّف على الإذن بالقبول، فكذلك القبض في الهبة الصحيحة، والبيع الفاسد لا يتوقف على التصريح بالإذن، ويجعل العقد إذنا بالقبض ما دام العاقدان في المجلس، ما لم يصرّح بالنهي، لأن هذا إذن في ضمن التمليك، فيتقيد بمكان التمليك، وهو مجلس العقد، كما تتقيّد صحة القبول بمكان العقد.
وأما إذا قبض المبيع في البيع الجائز قبل نقد الثمن، ذكر الطحاوي ﵀: أنه بمنزلة الهبة إن قبَض في المجلس. في القياس لا يبطل حق البائع في الاسترداد لاستيفاء الثمن، وفي الاستحسان يبطل.
والصحيح ما قلنا أنه لا يبطل حق البائع على كل حال، ووجه ذلك: أن ثمّة حكم العقد وهو الملك ثابت في المبيع قبل القبض، فلا يكون القبض فيه بمنزلة التملك، فلا يكون التمليك إذنا بالقبض دلالة، وما ذكرنا من الجواب في الهبة الصحيحة، والبيع الفاسد، فكذلك في القرض، والرهن، والصدقة، لأن تمام هذه العقود بالقبض بمنزلة الهبة.
قال (٢): رجل وهب دارا و (٣) فيها متاع للواهب (٤)، فوهب الدار والمتاع جميعا،
стр. 1140
وخلّى بينه وبين ذلك، وقبضهما الموهوب له جميعا، ولم يحوِّل المتاع عن موضعه، أو حوَّله ثم جاء مستحق، واستحق المتاع دون الدار، فالهبة في الدار جائزة (١).
وعن أبي يوسف أنها تبطل، وجه هذه الرواية (٢) أنه لما استحق المتاعَ ظهر أن الدار كانت مشغولة بعيَن لغير الموهوب له، فتبطل الهبة.
وجه ظاهر الرواية: أنه حين وهب الدار والمتاع، وسلّم، كان الكل في يد الواهب ملكا له من حيث الظاهر، فصحّ التسليم إلى الموهوب له، وباستحقاق المتاع إن ظهر أنّ المتاع لم يكن للموهوب له، لم يظهر أنه لم يكن في يد الموهوب له.
ولهذا لو وهبه المستحق لولده الصغير لا يصح، ولو كان في يد المستحق يصح، وإنما تبطل الهبة في الدار إذا كانت مشغولة بمتاع في يد الواهب، أو بمتاع في يد غير الموهوب له، أما إذا كان المتاع في يد الموهوب له بغصب أو عارية أو غير ذلك، فذاك لا يمنع الهبة في الدار.
ألا ترى أنه لو أعار الدارَ، ثم إن المستعير غصب متاعا من رجل، ووضعه في الدار، ثم وهب المعير الدار من المستعير، جازت الهبة، وإن كانت الدار مشغولة بمال المغصوب منه (٣).
وكذا لو أعار داره من رجل، ثم إن صاحب الدار غصب متاعا، وأودعه عند المستعير في الدار، ثم وهب المعير الدار للمستعير جازت الهبة، لأن المتاع وإن كان للمغصوب منه، فيد المستعير ثابتة عليه، وذاك يكفي لجواز الهبة، وكذلك هنا.
стр. 1141
وللمستحق أن يضمن الموهوب له قيمة متاعه إن هلك المتاع، وإن شاء ضمن الواهب؛ لأن كل واحد منهما غاصب في حقه (١).
واختلف مشايخنا في هذا الجواب، قال بعضهم: هذا قول محمد، لأن عنده ضمان الغصب (٢) يجب من غير نقل وتحويل، أما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف إذا لم يحوِّل المتاع لا يجب عليه الضمان (٣)، لأن عندهما لا يجب الضمان إلا بالنقل والتحويل لما عرف في غصب العقار.
ومنهم من قال: هذا الجواب مشكل عند الكل، أما على قولهما فظاهر وكذلك على قول محمد، لأن عنده في المنقول لا يجب الضمان بدون النقل والتحويل. ألا ترى أنه لو باع الدار والمتاع من رجل، وسلمهما إلى المشتري، فلم يحول المشتري المتاع حتى هلك، ثم جاء مستحق، واستحق المتاع، كان له أن يضمن البائع، وليس له أن يضمن المشتري، فكان الجواب مشكلا على قول الكل.
وحكي عن القاضي أبي عاصم العامري (٤) أنه قال: هذا الجواب صحيح عند
стр. 1142
الكل (١)، لأن الهبة لا تفيد ملك اليد قبل القبض، ولا تفيد ملك الرقبة في الحال، وإنما تفيد بعد القبض، فكان يد الموهوب له يد نَيَابة لا يد ملك، ويد الواهب على المتاع كانت يدًا ناقلة، فإذا تحوّلت إلى الموهوب له تتحوّل بتلك الصفة، ويصير الموهوب له ناقلا من حيث التقدير، فيضمن لذلك، بخلاف البيع، لأن البيع يفيد نقل ملك الرقبة قبل القبض، فيفيد ملك اليد.
ولهذا كان للمشتري أن يطالب البائع بتسليم المبيع، فكأن يد المشتري يد نفسه لا يد البائع، فلا يجب الضمان عليه إلا بالنقل والتحويل، فوزان مسألة الشراء من مسألتنا.
إذا اشترى شيئا، ووكّل رجلا بالقبض، فقبض الوكيل، وهلك في يده، ثم جاء مستحق واستحقه، كان له أن يضمن الموكل، لأن يد الوكيل انتقلت إلى الموكل، فتنتقل بتلك الصفة.
فإن قيل: الغصب واجب الإعدام لا واجب التقرير، وفي جعله ناقلا تقرير العدوان، فلا يجوز.
والجواب: إنما صار ناقلا ضرورةَ صحة الهبة من حيث الظاهر، وانتقال اليد إليه، فكان للمستحق أن يضمن أيّهما شاء، وأيّهما ضمن لم يرجع على صاحبه، أما الواهب فلأنه يملك المضمون بأداء الضمان، فيصير واهبا ملك نفسه، وأما الآخر فلأنه إنما ضمن بفعل باشره لنفسه فلا يرجع كالمستعير.
وكذا لو وهب جرابا أو جوالقا فيها متاع، فوهب الكل، وسلم، ثم استحق الطعام،
стр. 1143
جازت الهبة في الجراب والجوالق (١)، وكذا لو أودع الدار والمتاع عند رجل، ثم وهب الكل له، ثم استحق المتاع، لا تبطل الهبة في الدار (٢) لما قلنا، وهذه المسألة تدل على أنّ الموهوب له يصير قابضا بالتخلية، حيث جعله قابضا قبل التحويل.
وذكر في الأصل ما يدل على أنه لا يصير قابضا بالتخلية، فإنه قال:
لو وهب عبدا لرجل، والعبد بحضرتهما، وأذن له بالقبض، ثم نهاه عن القبض، يصح نهيه، لأن الملك لم يثبت فيصح نهيه، ولو صار قابضا بالتخلية لما صحّ نهيه، ويكون رجوعا عن الهبة، فلا يصح بعد القبض إلا بقضاء أو رضا.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ، ذكر الفقيه أبو الليث (٣) ﵀، وقال: على قول أبي يوسف لا يصير قابضا بالتخلية، وما ذكر هنا (٤) قول محمد.
стр. 1144
وقال شمس الأئمة الحلواني (١) ﵀: التخلية قبض في الهبة الصحيحة.
وعن أبي يوسف في بعض الروايات: إذا وهب عبدا حاضرا وقال: اقبضه، فقال الموهوب له قبل أن يبرح العبد عن مكانه: "قبضتُ"، جاز، ولا يكفي قوله: "قبِلت"، ولو لم يقل الواهب: "اقبضه"، لا يصير قابضا ما لم يقبض بفعله.
وفي البيع الفاسد عن أصحابنا روايتان: في رواية لا يصير قابضا بالتخلية، وفي رواية يصير قابضا.
وأما الهبة الفاسدة نحو الهبة في المشاع، اتفقت الروايات على أنه لا يصير قابضا بالتخلية، ولو وهب أرضا فيها زرع، وقد استحصد أو لم يستحصد، أو نخلا فيها ثمر، فوهب الكل، وسلّم جملة، ثم استحق الزرع والثمن، بطلت الهبة في الأرض والنخل، وكذا لو استحق الأرض والنخل، لأن الزرع مع الأرض بحكم الاتصال كشيء واحد، وكذلك النخل والتمر (٢)، فإذا استحق أحدهما كان هذا بمنزلة استحقاق البعض الشائع فيما يحتمل القسمة، فتبطل الهبة في الباقي.
والصدقة والرهن في هذا بمنزلة الهبة، لأن كل واحد منهما لا يجوز في المشاع، ولا يتم بدون القبض.
ولو وهب تمرا في نخل، أو زرعا لم يحصد في أرض، أو بناءَ دار لم ينقض، أو حلية سيف، أو نخلا في أرض، وأذن له الواهب في الجداد، والحَصاد، ونقض البناء،
стр. 1145
ونزع الحلية، وقبَض ذلك (١)، ففعل (٢) الموهوب له ذلك، وقبضه (٣) منزوعا مفرَزا، جاز استحسانا، ولا يجوز قياسا.
وكذا لو باع قفيزا من صبرة، وأمره بكيله فكاله، فهو على القياس والاستحسان، ونظيره لو وهب الدين لغير من عليه الدَين (٤)، وسلّطه على القبض، فقبض، في القياس لا يجوز، وفي الاستحسان يجوز.
وجه القياس: أنّ الهبة وقعت فاسدة لوقوعها في المشاع الذى يحتمل القسمة، فلا تنقلب صحيحة.
وجه الاستحسان: أنّ الهبة تمت في المفرز، لأن الواهب لما أمره بذلك فقد وكّله بالحصاد وغيره، وأقامه مقام نفسه، فصار كأنّ الواهب أفرَزَه بنفسه، ثم سلم (٥) إليه بحكم الهبة فيجوز.
وإن وهب شيئا مما وصفنا، ولم يأذن له في قبضه، ولا في نقضه، ولا في جداده، ولم ينهَه، فحصد الموهوب له، ونقض البناء، ونزع الحلية بمحضر من الواهب في المجلس أو غيره، لا يجوز، ولا يثبت له الملك. لم يجعل عقد الهبة إذنا بالحصاد وغيره، وجعلها إذنا بالقبض فيما تقدم، والفرق في وجهين:
أحدهما: أن عقد الهبة إذن بما يقع به الملك، وهو القبض، لا بزيادة تصرف في
стр. 1146
ملك الواهب، ونقض البناء وغير ذلك زيادة تصرف على أصل القبض، فلا يستفاد بالعقد.
والثاني: أنّ إضافة الهبة إلى الشائع وقعت فاسدة، يستحق نقضها، فلا يجعل إذنا بتقرير الحرام، فكان القبض حاصلا بغير إذن الواهب.
أما الهبة الصحيحة لا يجب عليه نقضها، فيجعل إذنا بالقبض دلالة ما دام في المجلس، ثم قال: ويضمن الموهوب له إن أفسد شيئا من ذلك، لأنه أفسد مال الغير بغير إذنه (١)، ويضمن (٢) أيضا ما هلك في يده بعد الجداد والحصاد، لأنه قبض مال الغير بغير إذنه فيكون مضمونا عليه، وكان الدين للواهب على غريمه في مسألة الدين.
- والله أعلم-
стр. 1147
باب من الهبة التي يرجع فيها في الأضحية والهدي الواجب وغيره
جمع في الباب فصلين: أحدهما في إيجاب القرابين، والثاني في الأسباب المعترضة عليها.
والقرابين سبعة: الأضحية، ودم القران، ودم المتعة، والهدي المنذور بعينه أو بغيره (١)، وجزاء الصيد، ودم الإحصار، والتطوّع.
والأسباب المعترضة سبعة: الرجوع في الهبة بعد الذبح أو قبله، والرجوع بسبب عيب في المنذور (٢)، والرجوع بسبب عيب في الهدي، والاستحقاق، وفساد البيع، وهبة المريض، والهلاك بالسرقة والاحتراق (٣).
وبناهما على أصول:
منها: أنّ تعلق حق الله تعالى بالمال لا يمنع النقل والتحويل، لما روي أنّ رسول الله ﷺ دفع دينارا إلى حكيم بن حِزَام (٤) ﵁، وأمره أن يشتري له
стр. 1148
شاةً للأضحية، فاشترى شاة للأضحية، ثم باعها بدينارين، ثم اشترى بأحد الدينارين شاة، وجاء بالشاة والدينار إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره بذلك، فقال له (١) ﵇: "بارك الله في صفقة يمينك" (٢)، جوّز رسول الله ﷺ
стр. 1149
منه (١) بيع الأضحية، ودعا له بالبركة.
ولأن محل الوجوب الذمة، والمال محل لإقامة القربة، فقبل الإقامة يكون المحل خاليا عن الحق.
وأصل آخر: أن ما كان الواجب فيه الإراقة دون الصدقة، كالأضحية ودم المتعة والقران، لا يضمن بإزالة المذبوح عن ملكه إلا أن يعتاض عنه، فيلزمه التصدق بالعوض (٢)، لأن الشرع أباح له الأكل (٣)، وحرمّ عليه التموّل.
стр. 1150
وما كان الواجب فيه الصدقة بالمذبوح، فأدّاه بمحل ثم استحق، فإن كان التصدّق واجبا في ذمته قبل الإراقة يضمن، وإن لم يكن التصدق واجبا في ذمته، ووجب التصدق بعد الإراقة لمعنى في عينه، فاستحق لا يضمن، وإن ذهب العين لا بِصنع منه لا يضمن في (١) ذلك كله لما يذكر في أثناء المسائل.
وأصل آخر: أن انتقاص الموهوب لا يُبطل حق الواهب في الرجوع، لأن النقصان ليس إلا ذِهاب البعض، وحق الواهب كان ثابتا في الكل، فيبطل فيما هلك، ويبقى فيما بقي (٢).
بدأ الباب بالأول من المعترضات، وهو الرجوع في الهبة، فقال:
رجل وهب لرجل شاة أو بقرة أو بَدَنة، فقبضها الموهوب له، وأوجبها للأضحية أي عيّنها لها، أو لتمتع، أو قِران، أو جزاء صيد، أو دم إحصار (٣)، أو كفارة حلق، أو نذر، أو غير ذلك، أو قلّد البدنة، وأوجبها تطوّعا، ولم ينحرها حتى أراد الواهب أن يرجع
стр. 1151
فيها، كان له ذلك.
وعن أبي يوسف في "الأمالي": ليس له أن يرجع، وجه تلك الرواية: أنه لما جعلها لِله تعالى فقد أبطل ملك نفسه [عنها] (١)، والتحق بالمسجد والوقف.
وجه ظاهر الرواية: أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وإيجاب الله تعالى لا يمنع النقل والتحويل، ولا يُبطل الملك لما قلنا في الزكاة.
ولو كان النصاب جاريةً يحل (٢) له وطؤها بعد وجوب الزكاة، ولو زال ملك المال عن قدر الزكاة تصير الجارية مشتركة، فلا يحل له الوطء، فكذلك إيجاب العبد لا يبطل الملك، لكن يجعله بعرض أن يزول، ومثل هذا لا يخرجه من أن يكون محلا للنقل، ولا يمنع رجوع الواهب.
ألا ترى أنه لو وهب ألفا لرجل، فحال عليها الحول عند الموهوب له، ثم رجع الواهب فيها صح رجوعه، وكان له ذلك عند الكل، كذا ذكر شمس الأئمة الحلواني (٣) ﵀ في "الزيادات" (٤)، فكذلك هذا. ولا كذلك المسجد لأنه تجرّد عن حقوق العباد، وصار لله تعالى خالصا.
فإن لم يرجع حتى نحَرها الموهوب له لشيء من هذه القرب، أو نحرها من غير سبب، كان للواهب أن يرجع فيها، لأنه كان يملك الرجوع قبل الذبح، فكذلك بعده؛ لأنه نقصان.
стр. 1152
وإذا رجع الواهب في الهبة لا يبطل ما صنع الموهوب له من القرب، لأن القربة تأدّت بالإراقة، وما ذهب بالإراقة لا يتصور فيه الرجوع، فكانت القربة ماضية على ملكه.
ثم ينظر إن كان الذابح ذبحها تطوعا، أو للأضحية، أو المتعة، أو القران لا يلزمه شيء [آخر] (١)، لأن الواجب عليه بهذه الأسباب إراقة الدم لا غير (٢)، ولهذا كان له أن يأكل، ويؤكل الأغنياء، وقد وجدت الإراقة، فلا يلزمه شيء آخر، كما لو وهبها لغيره بعد الذبح.
أما في حق الصيد، ودم الإحصار، والحلق يضمن [قيمته] (٣) منحورا، لأن الواجب عليه بهذه الأسباب شيئان: الإراقة، والصدقة بلحمها (٤) كفارةً وزجرًا، ولهذا لا يحل له أن يأكل، ويؤكل الأغنياء، فكان عليه إقامة هذه القربة بما هو خالص حقه، ليتمكّن من التصدّق بلحمها، فإذا أقامها بمحل مشغول بحق الغير، وأدّى ذلك الحق إلى الاستحقاق، كان مقصِّرا مفوِّتا، فيكون ضامنا (٥) تحقيقا للزجر، وتشديدا عليه.
стр. 1153
أما إذا سرق أو احترق، وهو الثاني (١) من المعترضات، لا يضمن شيئا (٢) لأنه لم يعجز عن التصدق لمعنى يمكن الاحتراز عنه، ولا لمعنى من قبله، فلا يكون مفوِّتا (٣)، فلا يصير ضامنا (٤) إلا في جزاء الصيد في قول محمد ﵀.
قال: والرجوع في الهبة بقضاء أو بغير قضاء سواء، لما عرف في الأصل.
أما النذر فإن كان الموهوب له نذر أن يهدي بها، فهو على وجهين:
إن كان بعينها (٥) بأن قال الموهوب له (٦): "لله عليّ أن أنحر هذه البدنة"، فرجع الواهب في الهبة قبل الذبح أو بعده، لا يلزمه شيء، وإن لم يرجع الواهب لكن الموهوب له وهبها للواهب أو لغيره هبة مستقبلة، إن وهب قبل الذبح كان عليه مثلها، وإن وهب هلك كما والأصل بعد الذبح فعليه قيمتها.
فرّق بين هذا وبين رجوع الواهب.
стр. 1154
والفرق: أنّ الناذر في النذر المعين لم يلتزم القربة إلا بمحل مشغول بحق الغير، فإذا أدّى ذلك الحق إلى الاستحقاق صار بمنزلة الهالك (١)، فلا يلزمه غيره، أما في الهبة المبتدأة لم يفت المحل بذلك الحق، وإنما فات بتفويته، فيضمن حق الفقراء.
وإن كان النذر بغير عينه بأن قال: لله عليّ أن أنحر بدنة، ثم وهب له بدنة فقبضها، وعيّنها لقضاء ما عليه، وقلّدها، ثم رجع الواهب في هبته بغير قضاء، أو بقضاء بعد ما بلغت الحرم، أو قبل ذلك رجع (٢) قبل الذبح، بقيت المنذورة في ذمته على حالها، لأن ما كان واجبا في الذمة لا يسقط إلا بالأداء، وإن رجع الواهب بعد الذبح كان عليه قيمتها مذبوحة، يتصدق بتلك القيمة؛ لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان مخصوص، أو مكان مخصوص.
والناذر لم يذكر الزمان في نذره، فإنما صح نذره لكونه إيجابا للتصدق، فجعل نذرا بالتصدق بلحمه، تصحيحا لنذره، وصار كأنه قال: لله عليّ أن أنحر بدنة، وأتصدّق بلحمها، ولو صرح بذلك يلزمه شيئان: الإراقة، والصدقة باللحم، ويلزمه إقامة ذلك فيما هو خالص له.
فإذا عيّن محلا هو مشغول بحق الغير، وأدى ذلك الحق إلى الاستحقاق، صار مفوّتا محل الصدقة، فيلزمه التصدق بقيمتها. وإن هلك شيء من ذلك بعد الذبح لا يضمن.
وإن لم يرجع الواهب فيها لكن وهبها له أو لغيره، فكذلك الجواب، إن وهبه قبل الإراقة فعليه مثلها، وإن وهب بعد الإراقة عليه التصدق بقيمتها منحورة، لما قلنا في رجوع
стр. 1155
الواهب بل أولى، لأن هنا فات المحل بفعله حقيقة، وإن هلك بآفة سماوية بعد الذبح، لا شيء عليه في هذه المسائل لما قلنا.
وأما الوجه الثاني (١): رجل وهب لرجل بدنة، فأوجبها الموهوب له تطوعا، وقلّدها، فبلغت الحرم (٢)، ونحرها، ثم رجع الواهب فيها، لا شيء على الموهوب له (٣)، لأنه لم يلتزم القربة إلا بمحل مشغول بحق الغير، فذهابه بذلك الحق لا يوجب الضمان (٤)، وهي كالأضحية ودم المتعة والقران.
وإن عطيت بغير الحرم قال: ينبغي أن ينحرها، ويتصدق بها (٥)، ولا يأكل منها، ولا يؤكل غنيا، ولو فعل يتصدّق بقيمته ذلك (٦).
عرفنا ذلك لما روي عن النبي ﵇ أنه بعث الهدايا على يد ناجية بن جندب
стр. 1156
الأسلمي (١) ﵁، فقال: ماذا أصنع بما عَطِبَ منها يا رسول الله؟ فقال ﵇: " انحرها، ثم أصبغ نعلها بدمها، واضرب بها صَفحة سنامها، وخلّ بينها وبين الناس، وقل: من شاء فليقطع، ولا تأكل أنت، ولا أحد من رُفْقَتِكَ" (٢)، كأنه عليه
стр. 1157
السلام علم أن رفقته أغنياء.
وإنما أمره بما قلنا ليكون علامة يعرف كل من يمرّ بها أنها هدي، فلا يأكل منها إن كان غنيا، وإن كان فقيرا يأكل.
والمعنى فيه أنه التزم القربة بإراقة الدم، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان مخصوص أو مكان مخصوص، فإذا عطب دون الحرم، وفاتت القربة بالإراقة، والأصل في القرب المالية هو التصدق، يقوم التصدّق مقام الإراقة، وينتقل إلى الصدقة، ويلتحق الحيوان بالعرض.
ولو نذر أن يهدي بغير الحيوان كالثياب ونحوها، يلزمه تصدق (١)، كذلك هنا، فإن تصدّق بعينها جاز لحصول المقصود، وإنما أمر رسول الله ﷺ بالنحر لتفرق بجميعها على المساكين، فإن تناول شيئا من لحمها كان عليه أن يتصدّق بقيمة ما أكل على الفقراء، لأنه أتلف حق الفقراء فيضمن.
أما إذا نحرت في الحرم، فقد أقام الملتزم، ووقعت الإراقة قربة، فلا يلزمه شيء آخر (٢).
وهذا بخلاف ما إذا عيّنها عن واجب نحو جزاء الصيد، وما كان واجبا في الذمة،
стр. 1158
[و] (١) عطب في الطريق فنحرها، كان له أن يأكل منها (٢)، ويؤكل غنيا، لأن ثمّة إذا عطب هذا (٣) في الطريق صار كان لم يعيّن، فبقي ما كان واجبا في الذمة على حاله (٤)، فلا يلزمه التصدق بالمنحور، فكان له أن يأكل منه.
وإذا وجب التصدق بالذي عطب في الطريق، ولم يجد من يتصدّق بها عليه، يعلّمه بعلامة (٥) لما قلنا.
فإن رجع الواهب فيها قبل أن ينحر، لا يلزمه شيء، لأن التصدق ما كان واجبا عليه في الأصل، وإنما يجب التصدق بعد الإراقة مع بقاء المحل إتماما للقرب بقدر الممكن، فإذا فات المحل لا بصنعه، لا يلزمه شيء.
الثالث من المعترضات:
رجل اشرى شاة أو بدنة بفضّة بعينها لشيء مما قلنا، ثم إن بائع البدنه وجد بالفضة عيبا (٦)، كان له أن يردّها؛ لأن المعاوضة تقتضي السلامة عن العيوب.
وإذا رد الفضة، قال: ينتقض البيع، جعَل الفضة في هذه الرواية مما يتعين، وألحقها
стр. 1159
بالسلعة، ولم يجعلها بمنزلة الدراهم، إذ لو كانت بمنزلة الدراهم لا ينتفض البيع بردّها بل يرجع بغيرها، لأن الدراهم لا تتعين في المعاوضات.
أما في بيع المقايَضة إذا ردّ أحدهما بالعيب ينتقض البيع، وإذا انتقض برد الفضة يخيّر بائع البدنة، إن شاء أخذ اللحم، وإن شاء ترك، وضمنه قيمتها غير منحورة، لأن الذبح نقصان فاحش، فكان له الخيار كما في الغصب، والبيع الفاسد من الأصل.
فإن اختار ترك اللحم، وضمنه القيمة، جازت الإراقة عن المشتري لتقرر ملكه في البدنة، وإن اخذ اللحم يغرم المشتري للفقراء قيمته مذبوحا، يتصدق بها، أما في جزاء الصيد ودم الإحصار والحلق فظاهر، لأن التصدق باللحم واجب في هذه الدماء، وأما في الأضحية ودم المتعة والقران، فلأنه إن ردّ الفضة بغير قضاء فهو بيع في حق الثالث، فيجعل اعتياضا في حق الفقراء، ولو اعتاض حقيقة يجب التصدق بقيمة اللحم، كذلك هنا.
وإن كان الرد بقضاء فكذلك، لأنه وإن ردّ اللحم، عاد إليه الثمن، وبرئ عن الضمان، فصار كأنه باع اللحم بتلك الفضة، وبما كان عليه من الضمان، فيتمكّن فيه شبهة الاعتياض فيلزمه التصدق.
ثم ينظر: إن كانت قيمته منحورا أكثر من قيمة الفضة التي عادت اليه، يتصدّق بقيمته منحورا، وإن كانت قيمة الفضة أكثر من قيمتها منحورة يتصدق بقيمة الفضة، أيّهما كان أكثر يلزمه التصدق به. كما لو باع اللحم بثمن، (١) ينظر إلى الثمن وإلى قيمة اللحم، أيّهما كان أكثر يتصدق به احتياطا كذلك هنا.
ولا يقال: الاحتياط أن ينظر إلى قيمتها غير منحورة، وإلى قيمة الفضة التي ردّت عليه لا إلى قيمتها منحورة، لأن المشتري بِدفع اللحم استفادَ البراءةَ عن قيمتها غير
стр. 1160
منحورة، فكان بدل اللحم قيمتها غير منحورة.
لأنا نقول: نعم! المشتري يستفيد [البراءة] (١) عن تلك القيمة، إلا أن قيمتها غير منحورة قوبلت باللحم وبما يذهب بالإراقة، وما ذهب بالإراقة أقام بها قربة، فلا يلزمه التصدّق ببدلها، وإنما يلزمه التصدّق ببدل ما لم يتقرب به، وهو اللحم، فينظر إلى قيمة اللحم، ويلزمه التصدق بما قلنا.
وأما الرابع: هو الرد بعيب في الهدي:
قال: لو أن بائع البدنة لم يجد عيبا بالفضة، لكن المشتري وجد بالبدنة عيبا بعد الذبح، فإنه يرجع بالنقصان، ولا يردّ لأن الذبح نقصان، وتعيُّب المبيع في يد المشتري يمنع الرد بالعيب، فلا يرد إلا أن يرضى البائع أن يأخذ المذبوح؛ لما عرف في الأصل.
وإن أبى البائع أن يأخذ المذبوح، ويرد النقصان، ينظر إلى العيب، إن كان عيبا لا يخرجه عما يجوز في الضحايا والهدايا، سلم له نقصان العيب، ولا يتصدق به، لأنها إن كانت تجوز مع العيب فالقربة تأدّت بما وراء العيب، ولا يتعلّق بالجزء الفائت بالعيب (٢)، فلا يكون نقصان العيب بدل ما أقيم به القربة، فلا يتصدق به إلا في جزاء الصيد، فإنّ الهدي إذا لم يكن مِثْلا للصيد إلا بصفة السلامة عن العيب، كان عليه أن يتصدّق بما استردّ من النقصان، لأن الواجب عليه في جزاء الصيد [الواجب] (٣) قيمة المقتول، فيتصدّق بنقصان العيب، ليكون مؤديّا كمال القيمة، حتى لو كان الهدي مِثلا للصيد مع العيب يسلم له نقصان العيب، هذا إذا رجع بنقصان العيب.