الجبر والمقابلة والخطائين والدينار والدرهم والسطوح ما يكون أجمل وأسهل للمتحفظين وأسأل الله التوفيق على الصواب" (١).
توجد له نسخ عديدة في مكتبات العالم، أحتفظ بصورة من نسخة حلب، واستفدت منه أثناء تحقيق شرح الزيادات لقاضي خان.
٢ - شرح الزيادات لبرهان الدين بن مازه:
هو محمود (٢) بن الصدر السعيد تاج الدين أحمد بن الصدر الكبير برهان الدين عبد العزيز بن عمر بن مازه برهان الدين صاحب المحيط البرانى، كان من كبار الأئمة وأعيان فقهاء الأمة، إمامًا ورعا مجتهدا متواضعا عالما كاملًا بحرا زاخرا حبرا فاخرا، أخذ عن أبيه وعن عمه الصددر الشهيد عمر، وهما عن أبيهما عبد العزيز بن عمر بن مازه، أبوه وجده وجد أبيه كلهم كانوا صدور العلماء الأكابر، وهو ولد صدر الإسلام طاهر بن محمود.
ومن تصانيفه المحيط البرهانى والذخيرة والتجريد وتتمة الفتاوى، وشرح الجامع الصغير، وشرح الزيادات، وشرح أدب القضاء للخصاف والفتاوى والواقعات والطريقة البرهانية وغير ذلك (٣).
٣ - شرح الزيادات للكردري:
هو عبد الغفور بن لقمان بن محمد شرف القضاة تاج الدين أبو المفاخر الكردرى (٤)، إمام الحنفية، ويلقب بشمس الأئمة، تفقه على أبي الفضل عبد الرحمن بن محمد الكرمانى، وتولى قضاء حلب لنور الدين محمود بن زنكى، ومات بها سنة اثنين وستين
_________
(١) "شرح الزيادات" ق ٢/ أ، و "الفوائد البهية" ص ٣٦.
(٢) عده ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل.
(٣) ترجمته في: "الجواهر المضية" ١/ ٣٩١، "الطبقات السنية" برقم ٢٢٩، "الفوائد البهية" ص ٢٠٥، ٢٠٦.
(٤) نسبة إلى كَردر على وزن جعفر، قرية بخوارزم. "معجم البلدان" ٤/ ٥١٠.
стр. 107
وخمسمائة، وله تصنيف في أصول الفقه، وشرح التجريد، وشرحَ الجامع الصغير، والجامع الكبير، نهج فيهما على منهج التأصيل، والزيادات وكتاب حيرة الفقهاء، جمع فيه المسائل التي يتحير في حلها العلماء.
مات سنة اثنتين وستين وخمسمائة (١).
٤ - شرح الزيادات لأبي حفص:
هو عمر بن إسحاق بن أحمد أبو حفص سراج الدين الهندى الغزنوى، كان إمامًا علامة نظارا فارسا في البحث مفرط الذكاء عديم النظير، له من التصانيف التي سارت بها الركبان، منها شرح الهداية المسمى بالتوشيح والشامل في الفقه وزبدة الحكام في اختلاف الأئمة العلام، وشرح بديع الصول، وشرح المغنى والغرة المنيفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة، وشرح الزيادات (٢)، وشرح الجامعين ولم يكملا، وشرح تائية ابن الفارض وكتاب في الخلاف، مات سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة (٣).
٥ - شرح شمس الأئمة الحلواني:
هو عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، الحلواني، الملقب بشمس الأئمة، إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، توفي في سنة ٤٤٩ هـ (٤)
شرحَ الزيادات (٥)، وأحال إليه قاضي خان في كتاب الهبة.
_________
(١) ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٨٤٠، "الطبقات السنية" برقم ١٢٢٩، "الفوائد البهية" ص ٩٨، طبقات الققهاء لطاش كبري زاده ص ١٠٨.
(٢) انظر كشف الظنون ٢/ ٩٦٢.
(٣) انظر ترجمته في: "الفوائد البهية" ص ١٤٨.
(٤) ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٨٢١، "الطبقات السنية" برقم ١٢٤٣، "الفوائد البهية" ص ٩٥، كتائب أعلام الأخيار برقم ٢٤١.
(٥) انظر النافع الكبير ص ٥٠.
стр. 108
٦ - شرح الزيادات للإمام السرخسي، أحال إليه السرخسي في المبسوط في عدة مواضع (١)، وكذلك في "النكت على زيادات الزيادت" (٢).
٧ - شرح الزيادات لابن سماعة، ذكره الحَصيري في التحرير (٣).
٨ - شرح الزيادات لأبي عبد الله الجرجاني، يوسف بن محمد، تلميذ الكرخي (٤).
_________
(١) "المبسوط" ٨/ ١٢٢، ٢١/ ٣٦.
(٢) النكت للسرخسي، ص ٩٣
(٣) التحرير شرح الجامع الكبير مخطوط، ٤/ ١١٢.
(٤) الفوائد البهية ص ٢٣١.
стр. 109
المبحث الثاني شرح الزيادات للإمام قاضي خان
اسم الكتاب ونسبته إلى المؤلف:
عنوان الكتاب كما هو مثبت على غلاف نسخ الكتاب: "شرح الزيادات لقاضي خان".
ومن الملحوظ أن الشارح لم يضع في فاتحة كتابه مقدمة أو تمهيدا يبين فيه تسميته ومنهجه للكتاب، وقد تأكد لي بعد البحث والتنقيب في نسخ الكتاب التي زاد عددها أكثر من عشر نسخ أن اسم الكتاب هو ما ذكر آنفا، وأن مؤلفه هو الإمام فخر الدين قاضي خان.
ويبدو في الظاهر أن قاضي خان آثر أن يظل الكتاب بما سماه صاحب المتن وهو الإمام محمد ﵀، مضافا إليه كلمة "شرح" فقط إظهارا للواقع، كما هو صنيعه في بقية شروحه من "شرح الجامع الكبير" و "شرح الجامع الصغير" و "شرح أدب القاضي" للخصاف. وهذا يدل على كمال أدبه وحسن إخلاصه.
ومما يبرهن على ذلك أن أصحاب كتب التراجم، وكتب المصادر، ومرتبي فهارس المخطوطات، اتفقت كلمتهم في ذكره بهذا الإسم معزوا إلى المؤلف في مؤلفات قاضي خان، منهم: الكفوي، وقاسم بن قطلوبغا، وملا علي القاري، وحاجي خليفة، وإسماعيل باشا البغدادي، واللكنوي، والزركلي، وفؤاد سزكين (١). ولم تثر أي شبهة
_________
(١) انظر: "الفوائد البهية" ص ٦٥، "مفتاح السعادة" ٢/ ٢٧٨، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٣٨١، "تاج التراجم" ص ٨٢، "كشف الظنون" ١/ ١٦٥ "هدية العارفين" ٥/ ٢٨٠، "الأعلام" للزركلي ٢/ ٢٢٤، "معجم المؤلفين" رقم ١ - ٤٤٧٠/ ٥٩٤. "الثمار الجنية في طبقات الحنفية" لملا =
стр. 110
حول نسبته له فهذا يعد اتفاقا علميا على ذلك.
كما يوثق ذلك ورود اسم الكتاب مع نسبته إلى قاضي خان في كثير من مصادر الفقه الحنفي، من ابن الهمام وابن نجيم والزيلعي وابن عابدين، كما سيأتي قريبا.
أهمية الكتاب ومزاياه العلمية:
شرح الزيادات لقاضي خان يعتبر أقوم وأنفس شرح للكتاب، حقق فيه الإمام ودقق من حيث تقصّي الشواهد والنظائر الفقهية المرتبطة بمسائل المتن، ونظرًا لمهمة "المجتهد في المسائل" خرج مسائلها وردها إلى أصولها وأدلتها وأقيستها، واستخلص القواعد العامة من الفروع المتناثرة في الباب، فجمعها في قوالب قواعد فقهية وضوابط محكمة، ومما لا شك فيه أن براعته في الفقه وتمكنه الراسخ للاجتهاد وتعمقه في الاستنباط وذوقه العلمي الرفيع يبرز بكل قوة ودقة في هذا الشرح.
إن المزية الجلية المنفردة التي يتحلى بها هذا الكتاب وتزيد قيمته العلمية هي أن الإمام قاضي خان سلك في هذا الكتاب "مسلك التأصيل والتقعيد" ويراد بمسلك التأصيل: الاعتناء بتمهيد الأصول من القواعد العامة والضوابط الفقهية أولا، ثم التفريع عليها ثانيا.
مسلك التعليل ومسلك التأصيل عند الفقهاء:
إن المصادر الفقهية العامة، نجد في الغالب منها أن الفقهاء يسلكون فيها "مسلك التعليل" عند ضبط المسائل، وهو ذكر القواعد ثنايا تعليل المسائل، فيسردون المسائل أولا، ثم يعللونها بالقواعد للاستدلال والتوجيه والترجيح، وهذا هو المنهج السائد المنتشر في الكتب التي ألفت في فقه المذاهب قديما وحديثا .... إلا أن بعض الفقهاء المبرزين قاموا بابتكار عمل جديد، وهو البدء بالقواعد، ثم ذكر الفروع التابعة لها، وهذه الظاهرة يعبر
_________
= علي القاري الهروي، مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة برقم ١/ ٩٢٠، ص ٧٥. "تاريخ التراث العربي" ٣/ ٥٨.
٦٤٣:١ Brockelmann: g ١:٣٧٦ s ،٦٤٤
стр. 111
عنها "بمسلك التأصيل":
وهو استخلاص القواعد العامة التي كان يلتزمها الأئمة من الفروع المأثورة عنهم، وانتزاع العلل القياسية والضوابط الفقهية التي تضبط الفروع، ووضعها في فواتح الأبواب بعد التعديل والنظر في صياغتها عند الضرورة، ثم التفريع عليها.
ولا شك أن هذا المسلك يقرّب المسائل إلى الأذهان ويثرى عقلية الباحث ويروّض فكره، ويربّي ملكته الفقهية المؤهلة للاستدلال والترجيح، القادرة على تفريع المسائل من القواعد العامة، وبذلك يتمكن القاضي والمفتي على حل القضايا والمسائل المعروضة عليهم مما سكتت عنه النصوص الفقهية، فيرد الجديد من الحوادث الطارئة إلى ما ثبت لديه من الأصول.
ورسالة الإمام الكرخي في الأصول، وكتاب "تأسيس النظر" للدبوسي، وكتاب "القواعد" للمَقّري، وإن كان يتمثل فيها هذا المنهج إلا أن معظم شراح "الجامع الكبير" كانوا الروّاد الأوائل الذين نَحوا منحى التأصيل، ومهدوا هذا المسلك، منهم الإمام الجصاص الرازي (٣٧٠ هـ) وأحمد بن منصور الإسبيجابي (٤٨٠ هـ) والإمام خواهر زاده (٤٨٣ هـ) وصدر الشهيد برهان الدين بن مازه (٥٣٦ هـ) وأبو الفضل الكرماني (٥٤٣ هـ)، وعلاء الدين الأسمندي السمرقندي (٥٥٢ هـ)، والإمام العتابي (٥٨٦ هـ) والإمام الحصيري وغيرهم، مع اختلاف مناهجهم وتفاوتهم في العرض والأسلوب (١).
سلك الإمام قاضي خان في فتاواه "مسلك التعليل"، وفي شرحه للزيادات سلك "مسلك التأصيل" حيث التزم في جميع مستهل الأبواب من بداية الكتاب إلى نهايته، بوضع تمهيد وتقدمة للباب التي تشتمل على بيان القواعد العامة والضوابط الفقهية المقصورة
_________
(١) يرجع للتفصيل "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير شرح الجامع الكبير" للحَصيري، للدكتور علي أحمد الندوي ص ١٣٨ - ١٧٢، (وأصل هذا الكتاب رسالة الدكتوراة قدمها المؤلف إلى جامعة أم القرى مكة المكرمة)، وفيما أعلم أن المؤلف أول من أبرز هذه الظاهرة المتميزة عند الفقهاء الحنفية، وأوضح معالمها وكشَف عن جوانبها مفصلا، مع ضرب الأمثلة من مصادر فقهية خطّية، مستهلا من شروح الجامع الكبير، ومنتهيا إلى "شرح الزيادات" لقاضي خان.
стр. 112
على أبوابها، التي تنبني عليها الفروع التي ذكرها الإمام محمد في الباب، وبذلك سهلت معرفة وجوه التفريعات، وقد يشرح هذه القواعد بعبارة جامعة مع التدليل والتمثيل لها، وتراه قد يكتفي بذكر قاعدة أو قاعدتين في الباب وقد يكثر، فيذكر خمس قواعد وأكثر في باب واحد.
يقول الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي: "عرف الإمام قاضي خان بمكانته المرموقة عند الحنفية وبفتاواه الشهيرة بالفتاوى الخانية كما تقدم، ولكنك تجد جهوده في جانب التأصيل مغمورة إلى الآن، وذلك يرجع إلى عدم ظهور كتابه "شرح الزيادات"، فإنه يمثل ظاهرة تقعيد الأصول ثم التفريع عليها خيرَ تمثيل، ويضع لبنة جديدة في هذا المجال، رغم وجود محاولات سابقة أخرى، بما يتميز من الدقة والثقة والإحكام (١)، فهو كتاب فقه وتفقيه.
وهذه القواعد والضوابط الفقهية التي تعرض لها الإمام قاضيخان في تقدمة الباب تعتبر بمثابة مفاتيح في فكّ مسائلها العويصة، التي تقيم الارتباط الجذري بين الفروع والأصول، وبذلك سهلت معرفة وجوه التفريعات.
ومعظم هذه القواعد مستوحاة من نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة، مستمدة من النظر في مقاصد الشريعة الإسلامية وفلسفتها الحكيمة.
شرح الزيادات لقاضي خان مصدر معتمد عند الفقهاء:
نظرا لما يحتله الإمام قاضي خان من مكانة مرموقة بين الفقهاء الحنفية، ترى كثيرا من الفقهاء المتأخرين يكثرون النقل عن مؤلفاته القيمة، وإن كتب الفتاوى والشروح مليئة بالإحالة إليه، والاعتماد على فتاواه وترجيحاته وتصحيحاته.
ومما يدل على أن هذا الشرح ظلّ محل اعتبار وعناية لدى فقهاء المذهب الحنفي
_________
(١) القواعد والضوابط، ص ١٧٠، طبع الكتاب من القاهرة، ١٤١١ هـ، وأصل هذا الكتاب رسالة الدكتوراة قدمها المؤلف إلى جامعة أم القرى مكة المكرمة … أما كتاب "التحرير في شرح الجامع الكبير" للحصيري، فما زال مخطوطا لم ينشر، يقع في ست مجلدات.
стр. 113
المتأخرين، أنهم استفادوا منه في مؤلفاتهم، وفيما يلي أذكر على سبيل المثال بعض الفقهاء الذين أخذوا عنه:
١ - أحال إليه المحقق ابن الهمام ونقل منه في مواضع كثيرة من "فتح القدير"، فقد نقل منه في باب المسح على الخفين (١).
وفي كتاب الزكاة، قال ابن الهمام في آخر باب صدقة السوائم: "وبسَطه في "شرح الزيادات" (٢)، ثم اقتبس عبارة طويلة من هذا الشرح ما يقارب صفحتين. وقال في موضع آخر: والفرق يطلب في "شرح الزيادات" (٣)، كما نقل في الجزء الثالث مسائل كثيرة من شرح الزيادات على نفس الترتيب والمنهج (٤).
٢ - نقل عنه الفقيه أكمل الدين البابرتي في شرحه "البناية" (٥).
٣ - أشار إليه العلامة فخر الدين الزيلعي في كتاب الدعوى من "تبيين الحقائق" بعد أن ذكر بعض الأصول التي دوّنها قاضي خان، بقوله: "وبيان طرق هذه المسائل وتخريجها على هذه الأصول وتمام تفريعها مذكور في شرح الزيادات لقاضى خان" (٦).
٤ - ومما يدل على قيمة الكتاب العلمية أن العلامة زين الدين بن نجيم وضعه في قمة مصادر كتابه الشهير "البحر الرائق"، نص عليه في مقدمته قائلا: "ومن الفتاوى: المحيط والذخيرة والبدائع والزيادات لقاضي خان وفتاواه المشهورة .. " (٧).
نرى أن العلامة ابن نجيم عده من الفتاوى المعتمدة، فاستفاد منه في مؤلفاته، ونقل منه
_________
(١) انظر "فتح القدير" ١/ ١٥٩.
(٢) "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٣) "فتح القدير" ١/ ٥٠٦.
(٤) "فتح القدير" ٣/ ١٥٩.
(٥) انظر مثلا باب المسح على الخفين ١/ ١٥٩ من البناية على هامش فتح القدير.
(٦) انظر "تبيين الحقائق" للزيلعي ٤/ ٣٢٤.
(٧) "البحر الرائق" ١/ ٣.
стр. 114
في كتاب الزكاة ومواضع أخر (١).
كما نقل في موضع آخر من البحر كلام الزيلعي الذي ذكرته آنفا، ثم قال: "وقد يسر الله تعالى لي بشرح الزيادات لقاضى خان قبل تأليف هذا المحل، فأحببت أن أنقل منه بألفاظه، فأقول مستعينا بالله، قال قاضى خان في هذا الشرح من كتاب الجنايات، من باب جناية أم الولد على مولاها وعلى غيره، وجنس مسائل القسمة أربعة .. " ثم نقل ما يقارب ثلات صفحات متوالية من شرح الزيادات بلفظه ونصه (٢).
وحَريّ بالذكر أيضًا أن "شرح الزيادات" كان من مصادر ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" وسجل أصولَ شرح الزيادات معزوا إليه، في مواضع من الكتاب (٣).
٥ - كان "شرح الزيادات" من جملة مصادر العلامة ابن عابدين (٤)، وإنه اعتمد كثيرا على ترجيحات قاضي خان وتصحيحاته، وقد سبق أن نقلت كلمته: "لا يعدل عن تصحيح قاضي خان فإنه فقيه النفس" (٥).
وفي هذه النقول دلالة واضحة على أن شرح الزيادات كان مصدرًا معتمدًا لدى الفقهاء وموضع التعويل لدى الفقهاء المتأخرين.
وقد ذكر طاش كبرى زاده في كتابه الشهير "مفتاح السعادة" شرحَ الزيادات وشرحَ الجامع الصغير لقاضي خان من الكتب المعتبرة والمعتمدة في الفقه وعلم الفتاوى (٦).
_________
(١) انظر "البحر الرائق" ٢/ ٢٤١.
(٢) "البحر الرائق" ٧/ ٢٤٦.
(٣) فمثلا قال في ص ٢٥٩: "يدل عليه أن قاضى خان قاله في أول البيوع في شرح الزيادات، فصارت مسائل الباب على قسمين .. ".
كما جاء في ص ٤٨٦ من الأشباه: "وفي شرح الزيادات لقاضى خان من أول كتاب الغصب، الأصل الأول: إن زوال المغصوب عَن ملك المالك عند أداء الضمان، عندنا يستند … ".
(٤) انظر حاشية ابن عابدين ٧/ ١٦٤. طبع دار الفكر.
(٥) حاشية ابن عابدين ٤/ ٥١٣.
(٦) "مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم" لأحمد بن مصطفي طاش كبرى زاده =
стр. 115
ومما يدل على عناية الفقهاء واهتمامهم بهذا الشرح الأبيات التالية التي أثبتت على غلاف نسخة مكتبة الأحمدية بحلب:
حَمدا لمن تفضّلَ بالإحسان … على عباده بلا امتنان
على النبي أفضل الصلاة … المصطفى من بني عدنان
والآل والصَحب على التوالي … إلى انقضاء غاية الأوان
فهذه زيادات الإمام … محمد بن الحسن الشيباني
وشرحها للأوزجندي … العالم المشتهَر بقاضي خان
فضائله أضحَى بها الدهرُ حاكيا … وكفى بنا هذا لجلالة الشأن
ولم تَرَ عينُ الزمان بمثله … أزاهيرَ في روضة النعمان
يمهّد أصلًا أوائلَ بابه … بثمر في الفرع على الإتقان
ويبحث عن فروق المسائل … عن أمثالها بأوضح التبيان
ولو سمعا حكما بنقل مسألة … لم يختلف بثبوته خصمان
أرجو من الرحمن أن يخصّهما … بزيادة الغفران والرضوان
وبفيض هذا الدعاء أتوسّل … لعفو ذنوبي إلى الرحمن
وأنا الملتجي الله تعالى
أحمد المدرس ...... (١)
بعض خصائص الكتاب ومنهجه:
نهج الإمام قاضى خان في هذا الشرح أسلوبا علميا مركزا من حيث الترتيب وحسن التنظيم وتهذيب المسائل، وأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض النقاط الرئيسية التي برزت لي أثناء تحقيق الكتاب:
_________
= تحقيق كامل كامل بكرى وعبد الوهاب أبو النور ج ٢ ص ٦٠٢ دار الكتب الحديثة - القاهرة.
(١) كلمتان غير واضحة، فلم أتبتهما، غلاف نسخة مكتبة الأحمدية بحلب.
стр. 116
١ - التزم في مستهل الأبواب في الكتاب كله، بوضع تمهيد يشتمل على بيان القواعد والضوابط الفقهية التي تنبني عليها الفروع المتناثرة التي ذكرها الإمام محمد في الباب.
٢ - يهتم بشرح تلك الأصول والقواعد بعبارة جامعة وجيزة، مع التمثيل والتفريع عليها في كثير من الأبواب، كما يذكر أحيانا الأدلة التي استمدت منها هذه القواعد، وله في هذا المجال ذوق علمي رفيع ونظرات جيدة، مستمدة من النظر في مقاصد الشريعة وفلسفتها الحكيمة، كما يظهر للقارئ ثنايا تأصيله للأبواب (١).
٣ - يلخص المسائل التي ذكرها الإمام محمد في الباب قبل البدء في شرحه، ويدونها تحت عنوان "الفصل"، أو "القسم"، وأحيانا ينظم الفصل إلى مسائل حسب المقتضى.
٤ - سبق أن أشرت إلى أن هذا الشرح اندمج مع أصل الكتاب: "الزيادات" اندماجا، كغيره من الشروح الأخرى لكتب ظاهر الرواية، وتُمثله تمثلا كاملا، فدرج الإمام قاضي خان بعد تأصيله للباب على أنه يورد كلام الإمام محمد، مصدرا ذلك في الغالب بقوله: "إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀ .. "، أو "إذا عرفنا هذه الجملة قال محمد .. "، ثم يبدأ في التشريح والتفريع، والتعليل والتدليل.
ومن هنا نستطيع أن نجزم ببداية كلام محمد دون نهايته، حيث أننا لا نجد أي إشعار لنهاية كلامه.
٥ - أحيانا يربط الأحكام بالأدلة الشرعية، ويوجه لها عن طريق الاستشهاد بالآيات الكريمة أو الأحاديث النبوية أو آثار الصحابة، أو إجماع الأمة أو القياس والاستحسان.
٦ - كثيرا ما يخرِّج الفروع الجديدة على الأصول المدونة في فاتحة الباب، وبذلك ساهمَ مساهمة جادة في تفريع الفروع الفقهية.
_________
(١) انظر مثلا: باب من يغسل من الشهداء ومن لا يغسل ص ١٨٤ - ١٨٧، و ٣٦٠، و ٣٦٤، ٣٦٦، و ١١٥٨.
стр. 117
٧ - يعتني ببيان وجوه الفرق بين المسائل المتشابهة والمتلابسة الذي ذكره الإمام محمد في "الزيادات"، فيفرق بين مسألتين، وقد يفرق بين عدة مسائل، ويوجه له بقوله: "والفرق" أو "ووجه الفرق فيه"، وقد يكثر في بيان هذه الوجوه (١).
٨ - يوضح المسألة من كافة جوانبها، ويعتني ببيان وجوه مختلفة للمسألة، ويضم إليه ما في الكتب الأخرى من النظائر، كما توسع في التخريج والتفريع، وأسهب في المسائل الحسابية إسهابا مدهشا حيث قد يسجّل عشرات الصفحات في مسألة واحدة، ويخرجها على عِدة طرق حسابية سائدة في زمنه.
٩ - يهتم بذكر الخلاف إن كان هناك خلاف في المسألة بين الإمام أبي حنيفة وأصحابه، مع التدليل والتوجيه لكل قولٍ.
وسلك مسلك الترجيح عند تعدد الروايات عن أئمة المذهب، خصوصًا عند اختلاف الروايات المروية عن الإمام محمد، مع بيان أوجه الترجيح، وكما سيق أن تصحيحه وترجيحه معتمد ومقبول عند الفقهاء. ونظائر ذلك كثيرة في هذا الشرح.
١٠ - قد يتطرق إلى آراء المذاهب الأخرى الفقهية، خصوصا رأي الإمام الشافعي ﵀ وأدلته، وذلك نادر.
١١ - في كثير من المواضع يذكر آراء مشايخه وكبار الفقهاء، واختياراتهم الفقهية، أمثال الطحاوي والكرخي والخصاف والجصاص والسرخسي والقدوري والشاشي والبزدوي والحُلواني وغيرهم من كبار الفقهاء المجتهدين.
١٢ - قد يورد أقوال المخالفين وأدلتهم على صورة اعتراض بقوله: "فإن قيل" أو "لا يُقال" أو "فيه إشكال"، ثم يجيب عما أوردوه بأسلوب علمي دقيق.
وهذا موجز بعض مزايا كتابه.
كل ذلك جعل الكتاب مجموعة طيبة مختارة ومصدرا معتمدا عند الفقهاء.
_________
(١) انظر ص ١٩٤٣، ١٩٤٥.
стр. 118
منهج الإمام قاضي خان في التأصيل:
برزت معالم التأصيل عند قاضي خان في شرحه واضحة المعالم، وتميزت من الدقة والثقة والإحكام، مع غزارة المادة وعمق الفكرة ودقة التفقه وقوة الاستنباط والفهم، ويظهر فيها بكل وضوح شخصية قاضي خان الاجتهادية وملكته الفقهية التي صار بها "فقيه النفس" على حد تعبير العلامة قاسم بن قُطلوبُغا والعلامة ابن عابدين، كما يتبدى ذلك الناظر في الكتاب، وفيما يلي أشير باختصار إلى المنهج الذي سار عليه قاضي خان عند التأصيل:
١ - التزم بأن يستهل كل باب بأصل أو أصلين أو أصول. والمنهج السائد هو التأصيل في فاتحة الباب، إلا أنه أحيانا يؤصل لكل فصل عند بدءه.
وعموما يذكر القواعد والضوابط في فاتحة الباب، ثم يزيد عليه أثناء شرح المسائل.
٢ - يفصح عن تأصيله للباب بقوله: "بنى الباب على أصول: منها .. " وقد يعبر بقوله: "أصل الباب" ثم يذكر غيرها بعنوان "حرف آخر".
٣ - في بعض الأبواب يتعرض لأدلة الكتاب والسنة أولا، ثم يخلص منه إلى ذكر ضابط تتخرج عليه مسائل الباب (١).
٤ - كثيرا ما يدمج قواعد متعددة في أصل واحد، لارتباط بعضها ببعض، وأمثلة ذلك كثيرة، أكتفي بواحدة منها، قال في أول باب من كتاب الشهادات:
"بنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن جهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة؛ لأن المقصود من الشهادة القضاء، والقضاء إلزام، وإلزام المجهول لا يتحقق.
والثاني: أن القاضي لا يقضي بدليل فيه شبهة، ولا ينقض قضاؤه بدليل فيه شبهة،
_________
(١) كما يظهر في باب من يغسل من الشهداء ومن لا يغسل ص ١٨٤ - ١٨٦.
стр. 119
لما عرف أن الثابت لا يبطل بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك" (١).
٥ - هناك قواعد تكرر ذكرها في كثير من الأبواب، بصياغة واحدة أو بصياغة مختلفة، يشير إليه قاضي خان بقوله: "بنى الباب على أصول عرفت غير مرة" (٢). و لا يخفى أن هذا التكرار يدل على كثرة فروع ذلك الأصل.
٦ - قد يشرح القاعدة شرحا وافيا في مستهل الباب بالتوجيه والتمثيل والتفريع.
٧ - قد يسهب إسهابا، ويفصّل في عرض أصول الباب، فمثلا ذكر في باب من البيوع ثمانية أصول، وفي أول باب من كتاب المأذون بنى البابَ على ستة أصول.
٧ - إن الامام قاضي خان ﵀ درج عند تأصيله للباب على مصطلح خاص، حيث يعنى بقوله: "أصل" أو "حرف" كل قاعدة لها ظلال فقهية.
فيشمل ذلك كل قاعدة فقهية عامة التي وردت في قوالب وصياغات وجيزة مركزة، أو ضابطة فقهية مقصورة على بابها، أو قاعدة أصولية التي تتخرج عليها الفروع الفقهية، أو أصول نحوية التي تتخرج عليها المسائل الفقهية كما في أبواب الأيمان والوكالة والوصايا، وقد أسهب في شرح هذا النوع من القواعد. بسبب عناية الإمام محمد بهذا الموضوع عناية تامة.
مصادر الكتاب التي اعتمد عليها الشارح:
استجمع الإمام قاضي خان المادة الفقهية الغزيرة في شرحه للزيادات من مصادر الفقه الحنفي الأصيلة المتداولة في عصره، ونظرا لكونه شارحا للجامعين الصغير والكبير، فقد كان على اطلاع واسع بمادتهما الغزيرة، وما ورد في شروحهما للمتقدمين، فضلا عن إحاطته لآراء وفتاوى فقهاء المذهب، ولذلك نراه يركز ويعتمد على كتب ظاهر الرواية وشروحها، وكتب النوادر والنوازل والأمالي، التي أحاطت لتخريجات فقهاء المذهب
_________
(١) انظر ص ١٢٥٣.
(٢) انظر كتاب الوكالة ص ١٢٠١.
стр. 120
وترجيحاتهم واختياراتهم، وإن أكثر ما حواه الشرح من مصادر غير موجودة، أو غير منشورة، مما يجعل الكتاب متميزا بما تضمنه من تراث فقهي قيم نادر.
وإن الإمام قاضي خان قد يذكر مصدرا، فيحيل إليه أو ينقل منه، وقد ينقل آراء الفقهاء من غير ذكر مرجَع له، وفيما يلي أذكر أولا قائمة المصادر الفقهية التي صرح بها في الشرح حسب الترتيب الهجائي:
١ - الأصل للإمام محمد
٢ - الأمالي للإمام أبي يوسف
٣ - الأمالي للإمام محمد
٤ - الإملاء
٥ - التجريد للقدوري
٦ - الجامع الصغير للإمام محمد
٧ - الجامع الكبير للإمام محمد
٨ - الرَّقيات للإمام محمد
٩ - الزيادات للإمام محمد
١٠ - السير الكبير للإمام محمد
١١ - السير الصغير للإمام محمد
١٢ - شرح الجامع الكبير للطحاوي
١٣ - شرح الجامع الصغير للطحاوي
١٤ - شرح السير الكبير للسرخسي
١٥ - شرح مختصر الطحاوي للجصاص
١٦ - المبسوط للإمام محمد
стр. 121
١٧ - مختصر الطحاوي
١٨ - مختصر القدورى
١٨ - مختلف الرواية لأبي الليث السمرقندي
١٩ - المنتقى للحاكم الشهيد
٢٠ - النوادر
٢١ - الواقعات للناطفي
وفيما يلي أسرد أسماء بعض الأعلام من كبار الفقهاء الذين ذكرهم أو نقل آرائهم قاضي خان من غير أن ينص على مصدر معين:
الإمام أبو جعفر الطحاوي
قاضي أبو عاصم العامري
أبو الليث السمرقندي الفقيه
الإمام زفر
الإمام أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني
الإمام الشافعي
أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان مسلم الكوفي
أبو بكر الجصاص، الرازى
أبو بكر محمد بن الفضل، الكماري البخاري
أبو بكر، محمد بن أحمد بن علي بن شاهويه، القاضي
أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني
أبو طاهر الدباس
أبو نصر محمد بن سلام البلخي
стр. 122
أبو سعيد عبد الملك، الشهير بالأصمعي اللغوي
أحمد بن حفص المعروف بأبي حفص الكبير
أحمد بن عصمة، أبو القاسم الصفار
أحمد بن عمر، أبو بكر الخصاف
أحمد بن محمد بن إسحاق أبو علي الشاشي
إسماعيل بن حماد
بشر بن الوليد بن خالد الكندي القاضي
بشر بن غياث المريسي
بكر بن محمد العَمّي القاضي
حسن بن زياد
داود بن علي الأصفهاني
شريح بن حسن القاضي، الكندي
عافية بن يزيد القاضي
عبد الحميد بن عبد العزيز، القاضي، أبو حازم
عبيد الله بن الحسين الشهير بأبي الحسن الكرخي
عطاء بن حمزة السغدي
قاضي القضاة أبو الحسن علي بن الحسين السغدي
علي بن محمد البزدوي
عيسى بن أبان
قاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
محمد بن أحمد، أبو عاصم العامري القاضي
стр. 123
محمد بن أحمد، أبو بكر الإسكاف البلخي
محمد بن الحسين خواهرزاده
محمد بن سماعة التميمي
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الأنصاري، القاضي
محمد بن يحيى أبو عبد الله، الفقيه الجرجاني
معلى بن منصور الرازي
هلال بن يحيى بن مسلم الرازى
يوسف بن خالد السمتي (١)
تقويم الكتاب:
(الف) محاسن الكتاب:
يتميز هذا الكتاب بميزات عديدة وسمات كثيرة، سبق ذكر جملة منها، ومن أهمها:
١ - يستهل مؤلفه جميعَ أبواب الكتاب بتمهيد يحتوي على أصول وقواعد جامعة وضوابط فقهية تضبط فروع الباب، وهذا من أبرز محاسن الكتاب، كما يوثق أحيانا تلك الأصول بالأدلة النقلية والعلل القياسية، مع التوجيه والتمثيل والتفريع عليها في كثير من الأبواب.
٢ - يهتم المؤلف بالفكرة الفقهية، ويتسم مناقشاته بالروح العلمية السليمة مجتنبا عن التجريح والتنقيد، كما يمتاز هذا الشرح بوضوح البيان وسهولة الأسلوب، بعيدا عن الحشو والتعقيد والإشارات الدقيقة، والمباحث اللفظية والجدل المنطقي، وإن كان طبيعة الموضوع
_________
(١) هذه قائمة الفقهاء والأئمة فقط، وسوف تأتي تراجم هؤلاء حين ورودهم في الكتاب، أما الأعلام المفصلة الذين ورد ذكرهم في "شرح الزيادات" فيمكن الاطلاع عليه في فهرس الأعلام، في آخر المجلد السادس.
стр. 124
جعلته صعبا غامضا في بعض المواضع، بسبب التفريعات الفقهية الدقيقة التي يتعرض لها المؤلف أثناء الشرح.
٣ - يعتني ببيان الفرق بين المسائل المتشابهة والمتلابسة ووجوهه، وقد أكثر في هذا، وهذا عنوان دقة فقهه وعمق مداركه، لأن إظهار الفروق بين المسائل لا يستطيعه إلا النوادر من الفقهاء، وكل هذا بلغة فصيحة نيرة لا تلمس فيها عجمة بلده.
٤ - استخلص المادة العلمية الغزيرة من الرواد السابقين: أمثال الطحاوي والكرخي والخصاف والجصاص والسرخسي والقدوري والشاشي والبزدوي والحُلواني وغيرهم من كبار الفقهاء المجتهدين، مما جعل الكتاب متميزا بما تضمنه من تراث فقهي عريق.
٥ - اهتم بالتصحيح والترجيح عند اختلاف الرواية عن أئمة المذهب، مع التوجيه والبيان لكل منهما، وقد سبق أن تصحيحه وترجيحه معتمد ومقبول لدى فقهاء المذهب.
(ب) الملحوظات على الكتاب:
وهذا الشرح على ما فيه من مزايا وخصائص متميزة لم يخل من بعض الملحوظات العلمية.
منها:
- خلو الكتاب من مقدمة تعبر للقارئ عن المنهج الذي وضعه المؤلف نصب عينيه. كما وضعها الإمام قاضي خان في فتاواه وفي شرح الجامع الصغير.
- ترتيبه لبعض فصول الأبواب لم يكن منتظما ولا متناسقا، فإنه قد يقسم الباب إلى فصول، ثم يصرح بالأول، ولا يصرح بالثاني أو الثالث أحيانا (١).
- ذكره للأحاديث بالمعنى، كما يورد الحديث بدون سند واسم راويه، وقد يدمج بين حديثين أو أحاديث في نص واحد (٢).
_________
(١) انظر على سبيل المثال الباب الأول من الطهارة ص ٩٤٨، وباب ما استهلك من الغنائم ص ٢٠٧٣، ٢٠٨٣.
(٢) انظر مثلا باب من يغسل من الشهداء ومن لا يغسل، ص ١٨٥.
стр. 125
- يذكر أحيانا اسم الكتاب دون ذكر المؤلف، كما ينقل من المشايخ دون أن يذكر الكتاب الذي نقل عنه، ولعل هذا نهج الكثير من المصنفين المتقدمين، اعتمادا على إحاطتهم وتمكنهم من هذه الكتب وكونها معروفة بين أيديهم.
والحقيقة أن هذه المآخذ لا تقدح في الكتاب إطلاقا، ولا تقلل من أهميته العلمية، فإنه لا يكاد يخلو كتاب من مثل هذه المآخذ.
وصف نسخ المخطوط المعتمدة:
لقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على خمس نسخ خطية:
(١) - نسخة مكتبة فيض الله آفندي باستنبول:
وجعلتها أصلا معتمدا عليه لأنها تتميز بمزايا تالية:
١ - نَسَخها عبد الكريم بن دهقان بن عمر الخوارزمى المعروف بالحلبي في بخارا من أصل نسخة المصنف ﵀، وقد نص عليه الناسخ على غلاف الكتاب من المجلد الأول، فجاءت العبارة التالية في غلاف المجلد الأول بنفس القلم وبخطه المخصوص:
"كتاب الزيادات لولي … القاضي الإمام الأستاذ فخر الدين الحسن بن منصور بن محمود الأوزجندي المعروف بقاضي خان، رحمة الله عليه، كتبتُ هذه النسخة من نسخة المصنف بكورة بخارى سنة إحدى وسبعين وخمس مائة" (الوجه الثاني من اللوحة ٣).
كما صرح به الناسخ وباسمه وتاريخ نسخه في آخر المجلد الأول فجاء فيه:
"تمّ كتاب الوكالة، وبه يتمّ الدفتر الأول من الكتاب، ويتلوه كتاب الشهادات، وهو رأس الدفتر الثاني. اتفق الفراغ من إتمامه على يدي العبد العاصي الراجي فضل ربه وغفرانه عبد الكريم بن دهقان بن عمر الخوارزمي المعروف بالحلبي، عشية يوم الأربعاء، السابع والعشرين من ذي الحجة، سنة إحدى وسبعين
стр. 126
وخمس مائة، بكورة بخارى، من أصل المصنف رحمة الله عليه".
وقوله: "بكورة بخارى، من أصل المصنف رحمة الله عليه" نص عليه في موضعين، في الوجه الثاني من اللوحة ٢٨٥.
٢ - إنها أقدم نسخة عريقة من بين النسخ الموجودة في مكتبات العالم، نُسخت في بخارا - بلد المؤلف - وفي حياته، حيث نسخها الناسخ في حياة المصنف، يوم الأربعاء ٢٧ من ذى الحجة سنة ٥٧١ هـ، أي قبل وفاة المؤلف بإحدى وعشرين منة تقريبا، لأن الإمام قاضي خان توفي في رمضان من سنة ٥٩٢ هـ.
ومن الملاحظ أن "فؤاد سزكين" أغفل عن ذكر هذه النسخة القيمة النادرة.
٣ - إن الناسخ راجَع هذه النسخة، وصحّح أخطائها، وأكمل سقطها في الهامش، وبناء على أن الناسخ نسَخها من نسخة المصنف، فبالتأكيد أنه قابلها بأصل المصنف. وهذا الأمر يزيد دقتها وإحكامها وقيمتها العلمية.
٤ - هذه النسخة وإن كانت أكثر عناء ومشقة في القراءة بسبب إعجامها وعدم تنقيط عباراتها إلا أنها أقل أخطاء وسقوطا، وكونها غير منقوطة، يؤكد أقدميتها من غيرها، وتمكن ناسخها من العربية.
٥ - إنها نسخة كاملة في مجلدين، تقع في ٥٥٥ لوحة، أي ١١١٠ صفحة، بحجم كبير، قياسها ١٥×٢٣ سم، وأسطرها ١٩، ومتوسط كلماتها ١٥ كلمة، وهذه النسخة العريقة محفوظة في مكتبة فيض الله آفندي باستنبول تحت رقم ٧٦١، و ٧٦٢، وبفضل الله تعالى سعدتُ بزيارة هذه النسخة وتصفحتها، وأحتفظ بصورة منها، ولله الحمد.
وقد رمزت لهذه النسخة المعتمدة عليها بقولى (الأصل).
٢ - نسخة مكتبة تشتربيتي (ايرلندا) برقم ٣١٦٦، نسخها فقيه معروف القاضي المفتي محمد بن علي بن عثمان تلميذ صاحب الهداية، في سنة ٦٦٦ هـ، وعدد لوحاتها ٤٣٩، ويوجد شريط مصور منها في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ورمزت لها بعلامة (الف).
стр. 127
٣ - نسخة مكتبة تشتربتي برقم ٤٩٩١، نسخها يوسف بن إسرائيل في سنة ٦٣٧ هـ وعدد لوحاتها ٤٠١، يوجد شريط مصور منها في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ورمزت لها بعلامة (ب).
٤ - نسخة خطية أصلية كاملة، محفوظة بالمكتبة المركزية في جامعة الإمام، برقم ١١٠، تقع هذه النسخة في مجلد ضخم فاخر في ٣٥٦ لوحة، وهذه النسخة وإن كانت متأخرة إلا أنها واضحة ومصححة في الهامش، كما قوبلت على بعض النسخ القديمة، ورمزت له بعلامة (ج).
٥ - نسخة مكتبة الأزهر نسخها إبراهيم بن سعود في سنة ٧١٠ هـ تحت رقم ٢٦٨٢٠ رافعي. وعدد لوحاتها ٣٧٦، يوجد شريط مصور منها في مكتبة مركز البحث العلمي بمكة المكرمة برقم ١٧٠، وفي مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم ٢٣٦٧، ورمزت لها بعلامة (د).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 128
(صورة الصفحة الأولى من نسخة الأصل)
стр. 129
(صورة الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني من نسخة الأصل)
стр. 130
(صورة من نسخة مكتبة الأحمدية بحلب)
стр. 131
(الصفحة الأولى من نسخة في مكتبة تشتربيتي برقم ٣١٦٦ المشار إليه برمز (ألف) في التحقيق تاريخ النسخ ٦٦٦ هـ)
стр. 132
صورة من نسخة مكتبة تشتربيتي المشار إليه برمز (ب) تاريخ النسخ ٦٣٧ هـ)
стр. 133
(صورة من نسخة مكتبة الأزهر)
стр. 134
(صورة من نسخة خطية أصلية محفوظة بالمكتبة المركزية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
стр. 135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يسِّر وأعن وتمم بالخير ياكريم، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أجمعين (٢).
[كتاب الطهارة والصلاة] (٣)
باب في الذي لا يجد الماء ويجد سؤر (٤) الحمار أو النبيذ (٥) وفي المسح في الباب خمسة فصول:
стр. 136
الفصل الأول والثاني ينبني على أصلين (١):
أحدهما: أن الطهارة شرط جواز الصلاة (٢)، وإذا وقع الشك (٣) فيها لا تجوز الصلاة، وسؤر الحمار مشكوك (٤) في طهوريته (٥)، روي ذلك عن محمد نصًا (٦)،
ونبيذ التمر (١) عند أبي حنيفة طهور كالماء، [إلا أنه تشترط النية (٢) في التوضّؤ به
стр. 140
عنده] (١)، فلا يتيمم معه (٢).
وعند أبي يوسف ليس بطهور أصلا، فيتيمم، ولا يتوضأ به (٣).
стр. 141
وعند محمد ﵀ نبيذ التمر مشكوك في طهوريته كسؤر الحمار، فيجمع بينه وبين التيمم (١).
والثاني: [أن] (٢) شرط جواز المسح على الخف (٣) اللبس على طهارة
стр. 142
كاملة. (١)
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
[الفصل الأول] (٢):
стр. 143
مسافر أحدث فلم يجد (١) إلا سؤر حمار أو بغل، فإنه يتوضأ به (٢) ويتيمم، لما قلنا (٣)، وبأيهما بدا جاز.
وقال زفر ﵀: لا يجوز تقديم التيمم، لأنه يتيمم، ومعه ماء أمر باستعماله (٤)، فلا يجوز (٥).
وإنا نقول: إن كان سؤر الحمار (٦) طهورا فتقديم التيمم لا يضر، والطهارة تحصل بالماء، وإن لم يكن طهورا فوجوده لا يمنع التيمم (٧).
والأفضل أن يتوضأ أو لا حتى يصير عادما للماء الطاهر بيقين (٨).
стр. 144
وإن صلى بأحدهما لا يجوز، ويعيدها (١) لما ذكرنا، فإن توضأ بسؤر الحمار، ولبس الخف، ثم أحدث قبل التيمم، أو جمع بينهما ولبس الخف (٢)، ثم أحدث ومعه سؤر حمار، فإنه يتوضأ به ويمسح على الخف (٣).
لأن سؤر الحمار (٤) إن كان طهورا فشرط جواز المسح قد وجد، وهو اللبس على الطهارة، وإن لم يكن طهورا (٥) فالطهور هو التيمم، ولا حَظّ للرِّجلين من التيمم.
وأما الفصل الثاني:
فإن لم يجد إلا نبيذ التمر فإنه يتوضأ به عند أبي حنيفة ﵀، ولا يتيمم معه (٦)
стр. 145
وقال في "كتاب الصلاة" (١): [إن] (٢) التيمم معه أحبّ إليّ (٣).
فإن توضأ بنبيذ التمر هل يمسح على الخف (٤) عند أبي حنيفة ﵀؟ اختلف