وعند محمد ﵀ نبيذ التمر مشكوك في طهوريته كسؤر الحمار، فيجمع بينه وبين التيمم (١).
والثاني: [أن] (٢) شرط جواز المسح على الخف (٣) اللبس على طهارة
стр. 142
كاملة. (١)
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
[الفصل الأول] (٢):
стр. 143
مسافر أحدث فلم يجد (١) إلا سؤر حمار أو بغل، فإنه يتوضأ به (٢) ويتيمم، لما قلنا (٣)، وبأيهما بدا جاز.
وقال زفر ﵀: لا يجوز تقديم التيمم، لأنه يتيمم، ومعه ماء أمر باستعماله (٤)، فلا يجوز (٥).
وإنا نقول: إن كان سؤر الحمار (٦) طهورا فتقديم التيمم لا يضر، والطهارة تحصل بالماء، وإن لم يكن طهورا فوجوده لا يمنع التيمم (٧).
والأفضل أن يتوضأ أو لا حتى يصير عادما للماء الطاهر بيقين (٨).
стр. 144
وإن صلى بأحدهما لا يجوز، ويعيدها (١) لما ذكرنا، فإن توضأ بسؤر الحمار، ولبس الخف، ثم أحدث قبل التيمم، أو جمع بينهما ولبس الخف (٢)، ثم أحدث ومعه سؤر حمار، فإنه يتوضأ به ويمسح على الخف (٣).
لأن سؤر الحمار (٤) إن كان طهورا فشرط جواز المسح قد وجد، وهو اللبس على الطهارة، وإن لم يكن طهورا (٥) فالطهور هو التيمم، ولا حَظّ للرِّجلين من التيمم.
وأما الفصل الثاني:
فإن لم يجد إلا نبيذ التمر فإنه يتوضأ به عند أبي حنيفة ﵀، ولا يتيمم معه (٦)
стр. 145
وقال في "كتاب الصلاة" (١): [إن] (٢) التيمم معه أحبّ إليّ (٣).
فإن توضأ بنبيذ التمر هل يمسح على الخف (٤) عند أبي حنيفة ﵀؟ اختلف
стр. 146
المشايخ [فيه] (١) قال بعضهم: لا يمسح (٢)، وفرقوا بينه وبين سؤر الحمار.
[والفرق] (٣) أن جواز المسح عُرف نصًا، والنصّ ورد (٤) في الماء المطلق (٥)، فلا يقاس عليه غيره، إلا إذا كان في معناه، والنبيذ ليس بماء ولا في معنى الماء، لأن الوضوء بالماء يتكرر، وبالنبيذ لا يتكّرر عادة، فلم يكن ضرورة، بخلاف سؤر الحمار (٦)، لأنه لو كان طهورا، كان ماء مطلقا (٧).
وعند محمد ﵀ الحكم (٨) ما ذكرنا في سؤر الحمار.
стр. 147
وأما الفصل الثالث:
ينبني على أصل واحد: وهو أن الجمع بين الغسل والمسح على الخفّ لا يجوز (١)، لأن المسح بدل الغسل (٢)، والجمع بين البدل والمبدل محال (٣).
فإذا غَسل إحدى الرجلين، أو غسل بعض الرِجل، لا يمسح على الأخرى، كيلا
стр. 148
يؤدّي إلى الجمع بين البدل والمبدل (١).
قال محمد ﵀:
رجل بإحدى رجليه جَراحة لايستطيع غسلها، فإنه يمسح على الخرق (٢) التي عليها، فإن توضأ، ومسح علَى الخِرق، وغسل الرِّجل الصحيحة، ولبس الخُفّ على الصحيحة، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، وينزع الخُفّ، ولا يمسح على الخف (٣).
ووجه ذلك أن قوله: "لا يستطيع غسلها" محتمَل (٤)، يحتمل أنه أراد [به] (٥) غسل الجَراحة، فيغسل ما وراء الجراحة، ويمسح على الجراحة. وفي هذا الوجه لا يشكل أنه لا يمسح، لأنه يغسل بعض المجروحة، فلو مسح على خف الصحيحة يؤدي إلى الجمع.
ويحتمل أنه أراد بقوله: "لا يستطيع غَسلها" يعني الرِّجلَ المجروحة (٦)، وفي هذا
стр. 149
الوجه لا يمسح أيضا، لأن المسح على الجبيرة (١) كالغسل لما تحتها (٢)، ما دامت العلة باقية (٣)، حتى لا يتوقت بوقت (٤)، فلو مسح على خف الصحيحة (٥) يؤدي إلى الجمع.
وعلى قياس ما رُوي عن أبي حنيفة ﵀: "أن من ترك المسح على الجبائر والمسح لا يضرُّه جاز" (٦)، ينبغي أن يجوز (٧)، لأنه لما سقط غَسل المجروحة، صارت
стр. 150
كالذاهبة أصلًا.
وقال أكثرهم: هو قول الكلّ (١)، لأن أبا حنيفة ﵀ يقول: الأولى أن يمسح علي الجبائر (٢)، لما ورد فيه من الآثار (٣)، فلا ينبغي له
أن يتركه (١)، وإذا مسح صار مقيما للفرض، كالمسافر إذا أدى الجمعة، فيصير جامعا بين المسح وبين الغسل، وذلك لا يجوز (٢).
هذا إذا لبس الخف (٣) على الصحيحة لا غير.
فإن لبس على الصحيحة، ومسح على الجبيرة، ولبس الخف على المجروحة، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، ويمسح عليهما لأن المسح على الجبيرة بمنزلة الغسل، ولو غسلهما، ولبس الخف عليهما يمسح (٤)، كذلك ههنا (٥).
стр. 153
بخلاف ما إذا لبس الجُرموق (١) فوق خُفٍّ ممسوح (٢)، حيث لا يجوز المسح على
стр. 154
الجرموق، لأن المسح على الخف ليس كالغسل لما تحته، بدليل أنه يتوقت، فيصير المسح على الجرموق بدلا عن المسح على الخف، والبدل لا بدل له.
ولو لم يستطع المسح على الجبيرة (١)، فغسل الصحيحة، ولبس الخف عليها، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، ويمسح على الخف لأن المجروحة لمّا تعذّر غسلها، والمسح على جبيرتها (٢)، سقطت وظيفتها في الوضوء (٣)، فيصير كأن ليس له إلا رجل واحدة، وهي الصحيحة (٤).
الفصل الرابع:
ينبني على أصل واحد: وهو أن قليل الخَرق والإنكشاف لا يمنع جواز المسح، لأن خِفاف الناس لا تخلو عنه عادة، فلو قلنا بأنه يمنع، أدّى إلى الحرج، وفي الكثير لا يؤدي إلى الحرج (٥).
стр. 155
و "الكثير" مقدّر بثلاثة أصابع (١) من أصغر أصابع الرِّجل، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله بثلاثة من أصابع اليد (٢).
стр. 156
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
رجل لبس خفين لا ساق لهما (١)، فظهر من أعلى الخف، أو من أسفله (٢)، من موضع الغسل، كالكعب ونحوه، قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع الرِّجل، لم يمسح لأن ما ظهر وجب غسله، فالمسح يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل.
وإن كان ما خرَج أقلّ من ثلاثة أصابع، يمسح، لأن ما خرج لم يجب غَسله لقلّته، فالمسح لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل (٣).
فإن كان الخرق في موضعين، في ظهر القَدَم والعقب ونحو ذلك، إن كان في خف واحد يجمع، وإن كان (٤) في خفين لا يجمع (٥) عندنا، خلافا لزفر (٦) ﵀.
стр. 157
لأن في الخفين لا يمنع المشي المعتاد، وفي الخف (١) الواحد يمنع، فلا يصلح لقطع المسافة، وأمر المسح يدور عليه، بخلاف النجاسة المتفرقة (٢) في الثياب (٣)، حيث تجمع (٤)، لأن ثمّة المانع استعمال النجاسة أو حملها، وذلك حاصل (٥).
الفصل الخامس (٦):
مبنيّ على ما ذكرنا من الأصل (٧) أن الجمع بين المسح والغسل في الرِّجل الواحدة،
стр. 158
أو في الرِّجلين لا يجوز. قال [محمد ﵀] (١):
رجل قُطعت إحدى رجليه، وبقي منها شيء يسير، فلبس الخف على الصحيحة، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، ويغسل الصحيحة، ولا يمسح لأن ما بقي من المجروحة يجب غَسله، فلو مسح على خف (٢) الصحيحة، يؤدي إلي الجمع الممتنع (٣).
فإن كان لبس الخف على المقطوعة أيضًا، فإن كان الباقي أقلّ من ثلاثة أصابع، لا يمسح أيضا لأن ما بقي من المقطوعة يجب غسله لفوات محل المسح (٤)، إذ محلّه مقدّر بثلاثة أصابع، وإذا. وجب غسله، وجب غسله الصحيحة أيضا، لما ذكرنا.
وإن كان الباقي من المقطوعة (٥) ثلاثة أصابع أو أكثر من العقب، لا من موضع المسح، فكذلك (٦).
وإن كان الباقي ثلاثة أصابع أو أكثر من موضع المسح، وهو ظهر القدم، فإن كان
стр. 159
يعلم أن المسح يقع على جميع الباقي، أو على مقدار ثلاثة أصابع، أجزأه لما ذكرنا (١).
ولو قُطعت إحدى رجليه من الكعب، [فتوضأ] (٢)، ولبس الخف على الصحيحة، فإنه لا يمسح، لأن الكعب عندنا داخل في الوضوء، فيجب غَسل موضع القطع، لأنه باطن ظَهر من موضع الغسل (٣).
وكذا إذا قُطعت يده من المرفق، يجب غسل مرضع القطع وإذا وجب غسل ذلك الوضع، وجب غسل الأخرى، كَيلا يؤدي إلى الجمع الممتنع (٤).
ولو قُطعت من فوق الكعب، جاز المسح على الباقي، (٥) لأن المقطوعة سقطت وظيفتها لزوال المحلّ، فجعلت كالمعدومة، فالمسح على الصحيحة لا يؤدي إلى الجمع المتعذّر.
стр. 160
باب من الصلاة بالتيمم
مسائل الباب تدور على أصول:
١ - منها: أن القدرة على الطهارة بالماء، تمنع التيمم وجودًا وبقاءً (١)، لأن التيمم بدل (٢)، والقدرة على الأصل (٣) تمنع المصير إلى البدل (٤)، [كالقدرة على التكفير بالمال
والقدرة على الطهارة بالماء (١)، إنما تكون بوجود ما يكفي للطهارة المحتاج إليها (٢).
ووجود "الماء المباح" (٣) كما يُثبت القُدرةَ للواحد، يُثبت للجماعة، لأن "القادر": هو الذي لو أراد تحصيل الفعل لا يتعذر عليه (٤)، وكلّ واحد من الجماعة بهذه المثابة.
٢ - وحَرف آخر (٥): أن عند اجتماع الحَدَثين أو النجاستين، يصرف الماء إلى
стр. 163
أغلظهما، لكونها (١) أهمّ، والجَنابة أغلظ من الحدَث (٢)، لأنها تمنع قراءة القرآن، والحدث لا.
٣ - وحَرف آخر: أن الجَنابة كما لا تَتَجزَّى ثبوتًا، لا تتَجزَّى زوالًا (٣).
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
стр. 164
[الفصل الأول]: (١)
مسافر جُنب اغتسل، وبقي لُمعة (٢) لم يُصبها الماء، وفنِي الماء (٣)، تيمّم، لأن الجَنابة باقية، لما ذكرنا (٤).
فإن تيمّم، ثم أحدث، تيمّم للحدث، لعجزه عن الطهارة بالماء.
فإن وجد بعد ذلك ماءً، فالمسألة على وجوه:
إن كان كثيرا، يكفي لهما (٥)، يصرفه إليهما، وينتقض تيممه، لما قلنا.
стр. 165
وإن كان قليلا، لا يكفي واحدا منهما، لم ينتقض تيممه، لأنه وجد ما (١) لا يكفي للطهارة المحتاج إليها، فكان وجوده كعدمه، فإن أراد استعمال هذا الماء، يصرفه إلى اللمعة، لأن تقليل أغلظ الحدثين.
وإن كان يكفي أحدَهما بعينه يَصرفه إليه، وتيممه للآخر على حاله (٢).
وإن كان يكفي كلَّ واحد منهما بانفراده، ولا يكفي لهما جميعا (٣)، يصرفه إلى اللمعة، لأنها أهمّ، وينتقض تيممه للحدث.
وذُكر في "نوادر الصلاة" (٤) أنه لا ينتقض (٥)، قيل: ما ذكر ثمَّة قول أبي يوسف
стр. 166
رحمه الله، وما ذكر هاهنا قول محمد وزفر (١) رحمهما الله.
وجه تلك الرواية، أن الماء مستحقّ الصَّرف إلى اللمعة، فصار كالمصروف إليها، وكالمستحق لحاجة العطش، فيكون كالمعدوم في حقّ جواز التيمم (٢).
ومحمد ﵀ يقول بأن الماء صالح للصرف إلى كل واحد منهما، ألا ترى أنه لو توضأ به، صحّ، فينتقض تيممه، كرجلين وجدا ماءً يكفي لأحدهما (٣).
وتخريج الماء المستحق لحاجة العطش على قول محمد وزفر، أن الصَّرف إلى
стр. 167
التوضؤ حرام لأنه إهلاك النفس، أما [هاهنا] (١) بخلافه، لأنه يجوز الصّرف إلى زوال الحدَث (٢).
فإن صَرَف الماءَ (٣) إلى الحدث جاز، وينتقض تيممه للجابة باتفاق الروايات.
هذا إذا تيمم للجنابة، ثم أحدث، ثم تيمم للحدث (٤)، ثم وجد ماءً.
فإن تيمم للمعة، ثم أحدث، ثم وجد ماءً قبل أن يتيمم للحدث، فهو على الوجوه التي ذكرنا:
فإن كان الماء يكفي لهما، فإنه يغسل به اللمعة، ويتوضأ للحدث.
وإن كان لا يكفي واحدا منهما، تيمَّمَ للحدث، لأنه محدث، ليس معه ماء يكفي للحدث، ولا ينتقض تيممه للجنابة، ويصرف الماء إلى الجنابة تقليلا للجنابة.
وإن كان يكفى للمعة، ولا يكفي للوضوء، ينتقض تيممه للجنابة، فيغسل [به] (٥) اللمعة، ويتيمم للحدث.
وإن كان يكفي للحدث، ولا يكفي للمعة، يتوضأ به، وتيممه للجنابة على حاله (٦).
стр. 168
وإن كان يكفي كلّ واحد منهما بانفراده، يصرفه إلى اللمعة، لأنها أغلظ، ويتيمم للحدث، لما ذكرنا (١).
فإن كان لم يتيمم للمعة حتى أحدث، والمسألة بحالها (٢)، فإنه يتيمم تيممًا واحدا لهما، لأن التيمم خَلَف عن الماء (٣)، وثمّة أسباب انتقاض الطهارة، وإن تعدّدت يُكتفى بتطهير واحد، كالمرأة إذا خرجت من حيضها، فأجنبت، تكتفي بغسل واحد في ظاهر الرواية (٤)، كذلك هنا (٥).
قيل: وينبغي أن ينويَ التيمم من الحدثين، حتى لو نوى [من] (٦) أحدهما خاصّة، لا يكون للآخر، لأن التيمم لا يجوز بدون النية (٧).
стр. 169
فإن تيمم لهما، ثم وجد ماءً، فهو على الوجوه التي ذكرنا:
إن كان يكفي لهما، انتقض تيممه لهما، وإن كان لا يكفي أحدهما، بقي تيممه لهما، وإن كان يكفي لأحدهما بعينه، انتقض تيممه في حقه دون الآخر، وإن كان يكفي كل واحد منهما بانفراده، ينتقض تيممه للجنابة، وفي انتقاض التيمم للحدث روايتان لما ذكرنا (١).
стр. 170
الفصل الثاني:
جُنب نسِي أن يبدأ بمواضع (١) الوضوء، واغتسل، ونسي ظهره أيضا، ثم أهرق (٢) الماء، فإنه يتيمم لما ذكرنا.
فإن وجد من الماء ما يكفي لمواضع الوضوء أو الظهر، ولا يكفي [لهما] (٣)، يصرفه إلى أيهما شاء، والصرف إلى مواضع الوضوء أولى، لأن الباقي في الظَّهر ومواضع الوضوء (٤) نجاسة الجنابة، فاستويا، بخلاف ما تقدّم، إلّا أن المستحبّ صرفه إلى أعضاء (٥) الوضوء، كما يُستحبّ تقديم الوضوء في الاغتسال (٦) عن الجنابة (٧).
ولا ينتقض تيممه بالاتّفاق، لأنه تيمم للجنابة، والماء الموجود لا يكفي لإزالة
стр. 171
الجنابة (١).
جُنب معه ماء قدر ما يتوضأ به، تيمم، ولا يتوضأ به عندنا (٢)، وقال الشافعي (٣) ﵀: يتوضأ به ليصير عادما للماء، ثم يتيمم (٤).
وإنا نقول: هذا الماء إذا كان لا يكفي لإزالة الجنابة، كان وجوده كعدمه (٥).
فإن توضأ به، وتيمم، ثم أحدث، تيمم للحدث لعجزه عن الأصل.
فإن تيمم، ثم وجد ماءً يكفي لأحدهما، ولا يكفي لهما، يصرفه إلى الجنابة لأنها أهمّ (٦)، ويعيد التيمم للحدث في هذه الرواية.
رجل بثوبه أو بدنه دم كثير. فأحدث، ولم يجد ماءً، تيمم وصلى، لعجزه عن الماء.
стр. 172
فلو وجد ما يكفي للثوب أو البدن، ولا يكفي لهما، يصرف الماء (١) إلى الدّم، وتيمم للحدث (٢).
وعن حماد (٣) ﵀: أنه يصرفه إلى الحدث، لأن الصلاة تجوز مع النجاسة في الجملة، ولا تجوز مع الحدث، فكان الحدث أغلظ (٤).
стр. 173
وإنا نقول: في صرف الماء إلى النجاسة، والتيمم للحدث، تحصيل الطهارتين (١)، وفيما قال [حماد] تحصيل طهارة واحدة، فكان ما قلناه أولى (٢).
هذا إذا وجد الماء قبل التيمم للحدث.
فإن تيمم للحدث (٣)، ثم وجد ما يكفي لأحدهما، فإنه يغسل به (٤) الدم، ويعيد التيمم للحدث.
قال مشايخنا ﵏: على قياس ما رُوي عن أبي يوسف، ينبغي أن لا يلزمه إعادة التيمم للحدث، لأن هذا الماء (٥) مستحقّ الصرف إلى النجاسة، فكان في حق الحدث وجوده كعدمه (٦).
стр. 174
جماعة من المتيممين في السفر، انتهوا إلى رجل معه ماء (١) يكفي لأحدهم، فسألوه، فقال صاحب الماء: "خذوه، فليتوضأ به أيّكم شاء"، انتقض تيممهم، لأنه أباح الماء لهم، فصار كما لو كان مباحًا من الأصل
فإن توضأ به أحدهم، أعاد الباقون تيممهم، لِما قلنا.
وإن قال صاحب الماء: "هذا الماء لكم جميعا"، فقبضوه، لم ينتقض تيممهم، لأن هذه هبة، فملك كل واحد منهم (٢) بعضَه، إلا أن يُبيح كل واحد منهم (٣) لأصحابه، فينتقض تيممهم، وكذلك إذا أباحوه لواحد (٤)، ينتقض تيمم ذلك الواحد.
قيل: هذا قولهما، أما عند أبي حنيفة ﵀ ينبغي أن يبطل تيممهم، لأن هبة المشاع (٥) فيما يحتمل القسمة لا تصح عنده، فبقي مجرّد الإباحة.
والأصحّ أنه قول الكلّ لوجهين:
أحدهما: أنه ما نصّ على الإباحة، فلو ثبتت الإباحة، إنما تثبت في ضمن التمليك،
стр. 175
فإذا بطل التمليك، لم تقع الإباحة.
والثاني: أن عنده هذه هبة فاسدة، فإذا اتصل بها القبض، تفيد الملك، وإن اختلفوا أنها تفيد بضمان أو بدونه (١)، هكذا ذكره شمس الأئمة السرخسي (٢) ﵀ (٣).
وذُكر في "واقعات الناطفي" (٤): أن هبة المُشاع فيما يقسم (٥) باطلة عند أبي حنيفة
стр. 176
رحمه الله، لا تُفيد الملك، وإن اتصل بها القبض.
المصلِّي بالتيمم إذا رأى مع رجل ماءً، إن علم أنه يعطيه، قطع الصلاة، لأنه قدر على الماء.
وإن علم أنه لا يعطيه، مضى على صلاته، لعدم القدرة.
وإن أشكل عليه، يمضي أيضًا، لأن شروعه قد صحّ، فلا يقطع بالشكّ.
فإذا فرغ من الصلاة (١) سأله، فإن أعطاه أو باعه بثمن المثل، وهو يقدر عليه، أعاد الصلاة، وإن أبى أن يعطيه، فصلاته [تامّة] (٢).
فإن سأله بعد ذلك ثانيًا، فأعطاه، لا يعيد ما صلّى (٣)، ويتوضأ [به] (٤) لصلاة أخرى،
стр. 177
لأن الإعطاء بعد المنع، لا يُبيّن أنه كان قادرًا وقت الصلاة.
الخلاف ما إذا أعطاه قبل المنع، بمنزلة ما لو سأله قبل الشروع في الصلاة، فأبى، فصلّى بالتيمم، ثم سأله، فأعطاه، لم يُعِد ما صلى، كذلك ههنا.
- والله أعلم.
стр. 178
باب من يُغسل من الشّهداء ومن لا يُغسل
الأصل أن الغُسل هو الأصل في مَوتى بني آدم، لِما رُوي أن آدم ﵇ حين قُبض نزلت الملائكة ﵈، فغسلوه وكفنوه ودفنوه، وقالوا: هذه سنّة موتاكم يا بني آدم (١)، فصار ذلك سنة في حقّ الكل (٢)، ثم انتسخ ذلك في حق الشهيد كرامة له (٣)، ليكون [دمه] (٤) شاهدًا له على خَصمه يوم القيامة.
стр. 179
قال النبيّ ﵇ في شهداء أحد: "زمّلوهم (١) بكلومهم ودمائهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة وأودَاجُهم تَشْخَب (٢) دمًا، اللون لون الدّم، والريح ريح المسك" (٣) فصارت السنة في حق الشهيد (٤) ترك الغسل.
стр. 180
وشهداء أحد ﵃، كانو مقتولين بكمال الظلم من الكفار، حيث لم يعتاضوا عن دمائهم، ولم يُرْتَثّوا عن مضاجعهم (١)، فكل من كان في معناهم كان ملحقا بهم.
إذا ثبت هذا فنقول: كلّ مكلّف قُتل ظلما بأيّ شيء قتل مباشرة أو تسببا، ولم يجب عن دمه بدل، هو مال (٢)، ولم يُرْتَثّ (٣)، لا يُغسل (٤)، لأن الحكم في شهداء أحد