стр. 1156
← Фикх ханафи следующие страницы →
Фикх ханафи · id 941
شرح الزيادات - قاضي خان
قاضي خان
Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1157
السلام علم أن رفقته أغنياء.
وإنما أمره بما قلنا ليكون علامة يعرف كل من يمرّ بها أنها هدي، فلا يأكل منها إن كان غنيا، وإن كان فقيرا يأكل.
والمعنى فيه أنه التزم القربة بإراقة الدم، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان مخصوص أو مكان مخصوص، فإذا عطب دون الحرم، وفاتت القربة بالإراقة، والأصل في القرب المالية هو التصدق، يقوم التصدّق مقام الإراقة، وينتقل إلى الصدقة، ويلتحق الحيوان بالعرض.
ولو نذر أن يهدي بغير الحيوان كالثياب ونحوها، يلزمه تصدق (١)، كذلك هنا، فإن تصدّق بعينها جاز لحصول المقصود، وإنما أمر رسول الله ﷺ بالنحر لتفرق بجميعها على المساكين، فإن تناول شيئا من لحمها كان عليه أن يتصدّق بقيمة ما أكل على الفقراء، لأنه أتلف حق الفقراء فيضمن.
أما إذا نحرت في الحرم، فقد أقام الملتزم، ووقعت الإراقة قربة، فلا يلزمه شيء آخر (٢).
وهذا بخلاف ما إذا عيّنها عن واجب نحو جزاء الصيد، وما كان واجبا في الذمة،
стр. 1158
[و] (١) عطب في الطريق فنحرها، كان له أن يأكل منها (٢)، ويؤكل غنيا، لأن ثمّة إذا عطب هذا (٣) في الطريق صار كان لم يعيّن، فبقي ما كان واجبا في الذمة على حاله (٤)، فلا يلزمه التصدق بالمنحور، فكان له أن يأكل منه.
وإذا وجب التصدق بالذي عطب في الطريق، ولم يجد من يتصدّق بها عليه، يعلّمه بعلامة (٥) لما قلنا.
فإن رجع الواهب فيها قبل أن ينحر، لا يلزمه شيء، لأن التصدق ما كان واجبا عليه في الأصل، وإنما يجب التصدق بعد الإراقة مع بقاء المحل إتماما للقرب بقدر الممكن، فإذا فات المحل لا بصنعه، لا يلزمه شيء.
الثالث من المعترضات:
رجل اشرى شاة أو بدنة بفضّة بعينها لشيء مما قلنا، ثم إن بائع البدنه وجد بالفضة عيبا (٦)، كان له أن يردّها؛ لأن المعاوضة تقتضي السلامة عن العيوب.
وإذا رد الفضة، قال: ينتقض البيع، جعَل الفضة في هذه الرواية مما يتعين، وألحقها
стр. 1159
بالسلعة، ولم يجعلها بمنزلة الدراهم، إذ لو كانت بمنزلة الدراهم لا ينتفض البيع بردّها بل يرجع بغيرها، لأن الدراهم لا تتعين في المعاوضات.
أما في بيع المقايَضة إذا ردّ أحدهما بالعيب ينتقض البيع، وإذا انتقض برد الفضة يخيّر بائع البدنة، إن شاء أخذ اللحم، وإن شاء ترك، وضمنه قيمتها غير منحورة، لأن الذبح نقصان فاحش، فكان له الخيار كما في الغصب، والبيع الفاسد من الأصل.
فإن اختار ترك اللحم، وضمنه القيمة، جازت الإراقة عن المشتري لتقرر ملكه في البدنة، وإن اخذ اللحم يغرم المشتري للفقراء قيمته مذبوحا، يتصدق بها، أما في جزاء الصيد ودم الإحصار والحلق فظاهر، لأن التصدق باللحم واجب في هذه الدماء، وأما في الأضحية ودم المتعة والقران، فلأنه إن ردّ الفضة بغير قضاء فهو بيع في حق الثالث، فيجعل اعتياضا في حق الفقراء، ولو اعتاض حقيقة يجب التصدق بقيمة اللحم، كذلك هنا.
وإن كان الرد بقضاء فكذلك، لأنه وإن ردّ اللحم، عاد إليه الثمن، وبرئ عن الضمان، فصار كأنه باع اللحم بتلك الفضة، وبما كان عليه من الضمان، فيتمكّن فيه شبهة الاعتياض فيلزمه التصدق.
ثم ينظر: إن كانت قيمته منحورا أكثر من قيمة الفضة التي عادت اليه، يتصدّق بقيمته منحورا، وإن كانت قيمة الفضة أكثر من قيمتها منحورة يتصدق بقيمة الفضة، أيّهما كان أكثر يلزمه التصدق به. كما لو باع اللحم بثمن، (١) ينظر إلى الثمن وإلى قيمة اللحم، أيّهما كان أكثر يتصدق به احتياطا كذلك هنا.
ولا يقال: الاحتياط أن ينظر إلى قيمتها غير منحورة، وإلى قيمة الفضة التي ردّت عليه لا إلى قيمتها منحورة، لأن المشتري بِدفع اللحم استفادَ البراءةَ عن قيمتها غير
стр. 1160
منحورة، فكان بدل اللحم قيمتها غير منحورة.
لأنا نقول: نعم! المشتري يستفيد [البراءة] (١) عن تلك القيمة، إلا أن قيمتها غير منحورة قوبلت باللحم وبما يذهب بالإراقة، وما ذهب بالإراقة أقام بها قربة، فلا يلزمه التصدّق ببدلها، وإنما يلزمه التصدّق ببدل ما لم يتقرب به، وهو اللحم، فينظر إلى قيمة اللحم، ويلزمه التصدق بما قلنا.
وأما الرابع: هو الرد بعيب في الهدي:
قال: لو أن بائع البدنة لم يجد عيبا بالفضة، لكن المشتري وجد بالبدنة عيبا بعد الذبح، فإنه يرجع بالنقصان، ولا يردّ لأن الذبح نقصان، وتعيُّب المبيع في يد المشتري يمنع الرد بالعيب، فلا يرد إلا أن يرضى البائع أن يأخذ المذبوح؛ لما عرف في الأصل.
وإن أبى البائع أن يأخذ المذبوح، ويرد النقصان، ينظر إلى العيب، إن كان عيبا لا يخرجه عما يجوز في الضحايا والهدايا، سلم له نقصان العيب، ولا يتصدق به، لأنها إن كانت تجوز مع العيب فالقربة تأدّت بما وراء العيب، ولا يتعلّق بالجزء الفائت بالعيب (٢)، فلا يكون نقصان العيب بدل ما أقيم به القربة، فلا يتصدق به إلا في جزاء الصيد، فإنّ الهدي إذا لم يكن مِثْلا للصيد إلا بصفة السلامة عن العيب، كان عليه أن يتصدّق بما استردّ من النقصان، لأن الواجب عليه في جزاء الصيد [الواجب] (٣) قيمة المقتول، فيتصدّق بنقصان العيب، ليكون مؤديّا كمال القيمة، حتى لو كان الهدي مِثلا للصيد مع العيب يسلم له نقصان العيب، هذا إذا رجع بنقصان العيب.
стр. 1161
وإن أخذ البائع الهَدي المنحور، وأعطاه الثمن، كان على المشتري أن يتصدّق بالثمن المردود، لأنه بدل الهدي المنحور، فيتصدق به إلا حصة العيب من الثمن، فإنه لا يتصدّق بذلك لما قلنا: إنّ القربة تأدّت بما وراء العيب إلا في جزاء الصيد، فإنه إذا لم يكن مِثلا للصيد إلا بصفة السلامة عن العيب، يلزمه التصدق بجميع الثمن.
فإن قيل: ينبغي أن يتصدق بجميع الثمن (١) على كل حال كما لو باع المذبوح حقيقةً، يلزمه التصدق بجميع الثمن.
قلنا: إذا باع المذبوح، والثمن يقابل المذبوح، فيتصدّق بجميع الثمن (٢)، أما الثمن المردود كله ما كان بمقابلة المذبوح، بل بعضه كان بمقابلة الفائت بالعيب، فلا يلزمه التصدق بذلك القدر لما قلنا.
وأما الردّ بفساد البيع، وهو الخامس من المعترضات:
رجل اشترى شاة [أو بقرة] (٣) أو بدنة شراء فاسدا، ونحَرَها عن شيء مما ذكرنا، ثم حضر البائع، فإن شاء أخذ اللحم، وضمنه نقصان الذبح، وإن شاء تركه عليه، وضمنه جميع القيمة، لأن الذبح نقصان فاحش فكان استهلاكا من وجه، فإن شاء مال (٤) إلى جانب القيام، وضمنه النقصان، وإن شاء إلى جانب الهلاك، وضمه جميع القيمة، وترك اللحم عليه.
فإن ضمنه القيمة، وترك اللحم عليه، جاز نحره عما صنع، لأنه تقررّ عليه ملكه،
стр. 1162
ويتصدق باللحم فيما كان سبيله التصدّق، ويأكل إن شاء فيما كان له أن يأكل (١)، وإن أخذ البائع المذبوح، وضمنه النقصان، كانت القربة ماضية، لأنه ملكها بالشراء الفاسد، والإراقة حصلت على ملكه.
وإنما انتقص الملك بالاسترداد فيما بقي لا فيما فات بالإراقة، ويلزمه التصدق بقيمتها منحورة. أما في الدماء التي يلزمه التصدق باللحم فظاهر، وأما في غير ذلك كالأضحية وغيرها فكذلك، لأنه كان ضامنا قيمتها للبائع، وبِدفعِ المذبوح استفاد البراءةَ عن تلك القيمة، فكأنه اعتاض.
وأما السادس وهو انتقاض هبة المريض:
قال: مريض وهب شاة أو بدنة، فنحرها الموهوب له عن شيء مما ذكرنا، ثم مات الواهب، ولم يدَع مالا غيرها، وعليه دين يحبط بماله، فإنه تنقض الهبة، لأن هبة المريض وصية، ولا وصية مع الدين، ويكون الخيار في ذلك للقاضي، إن شاء ضمنه قيمتها يوم القبض، وإن شاء ضمنه نقصان الذبح، ويأخذ اللحم، ويبيع؛ لأنه نصب ناظرا للمسلمين، فيفعل ما هو الأنفع، والأنظر، وأيهما فعل كانت القربة ماضية.
أما إذا ضمنه القيمة، فلأن الإراقة حصلت على ملكه، وقد استقرّ ذلك الملك، فلا يلزمه شيء آخر، وأما إذا أخذ المذبوح، وضمنه النقصان فكذلك، لأنه نحَرَ ملك نفسه، لأن تصرفات المريض فيما يحتمل النقض تنفذ للحال، والهبة من قبيل ذلك، فيملكها الموهوب له، ثم ينقض ملكه بعد الموت، وما فات بالإراقة لا يحتمل النقض، فيبقى على ملكه، وهذا والبيع الفاسد سواء.
وإذا أخذ القاضي المذبوح، وضمنه النقصان، يتصدق الموهوب له بقيمته منحورا،
стр. 1163
لأنه بدفع المذبوح استفاد البراءةَ عن ضمان القيمة، فيتصدق بالقيمة، بخلاف ما إذا رجع الواهب في الهبة، وهو الفصل الأول من الباب، فإن ثمّة لا يلزمه التصدق فيما لم يكن التصدق واجبا بلحمه، لأن ثمة بردّ المذبوح لم يستفد البراءة عن ضمان واجب، فلم تتمكّن شبهة الاعتياض.
وأما السابع فصل الاستحقاق:
(رجل اشترى شاة أو بدنة، ونحر الشيء مما قلنا، ثم استحقها رجل بالبينة، كان المستحق بالخيار، إن شاء ضمنه القيمة، وإن شاء أخذ اللحم، وضمنه النقصان)، لما مر في البيع الفاسد والغصب وغيره. وفي بعض الروايات: إذا أخذ المذبوح ليس له أن يضمن النقصان، كما في فقئ عيني العبد ونحوه، والصحيح ما ذكر هنا، فإن ضمنه القيمة جازت الإراقة عن ما صنع.
وعن أبي يوسف وزفر: أنه (١) لا يجوز لهما، إن الإراقة وقعت في غير ملكه، فلا تنفذ بملك حادث، كالغاصب إذا أعتق العبد المغصوب ثم ملكه بأداء الضمان، لا ينفذ إعتاقه.
وجه ظاهر الرواية: أن المضمونات تملك عند أداء الفمان مستندًا، والمستند ثابت من وجه دون وجه، إلا أن الملك من وجه يكفي للهدايا كما يكفي للبيع، ولا يكفي لنفاذ العتق، لأن نفاذ العتق يعتمد الملك [من كل وجه] (٢).
ألا ترى أنّ المكاتب إذا أعتق عبدا من كسبه لا ينفذ إعتاقه، ولو أحصر، وبعث الهدي فنحر عنه، يجوز، ويحل عن إحرامه.
стр. 1164
هذا إذا ضمنه المستحق قيمتها، فإن أخذ اللحم، وضمنه النقصان، لا تجوز الإراقة عما صنع حتى لو كان محصرا يعود حَراما إلى أن يبعث بهدي آخر، فينحر عنه، وكان عليه دم لإحلاله من الإحصار قبل ذلك، لأنه أحل قبل الذبح، فصار جانيا على إحرامه، فيلزمه الدم.
وإنما لا يجزيه الأول، لأنه ظهر أنه نحَر ملك الغير، وبضمان النقصان لا يملك ما تتأدّى به القربة، لأن ما يستوفي بالإراقة لا يحتمل الملك مفردا، ولأنه فائت.
ثم ذكر في آخر الباب حكم الأضحية، قال:
رجل اشترى شاةً، فأوجبها أضحية، وجب عليه، موسرا كان أو معسرا، في قول من يوجب الأضحية، وفي قول من لا يوجب.
واختلف المشايخ في قول محمد: "فأوجبها أضحية"، قال بعضهم: أراد بذلك أن يوجبها بلسانه بعد الشراء، فيقول: "لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة"، فيلزمه موسرا كان أو معسرا، لأنه نذَر بما لله تعالى من نجسه إيجاب، وهو دم القران، فيلزمه (١).
وقال بعضهم: أراد به أنه اشتراها بِنية الأضحية، وقوله: "فأوجبها" أي بذلك الشراء، كما في قوله ﵇: "فيشتريه فيعتقه" (٢)، أشار هنا إلى أن الشراء بنية
стр. 1165
стр. 1166
الشافعي ما لم يوجبها بلسانه (١).
وجه رواية الزعفراني: أن مجرد النية لا يوجب شيئا (٢)، كما لو نوَى أن يصوم أو يعتق، والشراء ليس بسبب للوجوب، فلا يلزمه التضحية، كما لو وهب له، أو تصدق به عليه، فنَوى بقلبه التضحية (٣)، لا يصير أضحية بالإجماع، وكذا لو نوى التضحية بشاة كانت له، لا يجب عليه بالإجماع.
وجه ظاهر الرواية: أن شراء الفقير بنية التضحية بمنزلة النذر من حيث العرف، فإنا لا نجد في العرف فقيرا يشتري الأضحية إلا وأن يضحي بها، فكأنه نذر بالتضحية بعد
стр. 1167
الشراء، ولا عرف في الغني، فلا يثبت الإيجاب في حقه (١).
ثم إذا وجب عليه التضحية بالشراء على نية التضحية، أو بالإيجاب صريحا بعد الشراء، فإن تصدّق بعينها قبل الذبح في أيام النحر، كان عليه مثلها، لأن الواجب عليه الإراقة، وإنما تحل الصدقة عند فوات الإراقة ما لم يمض (٢) أيام النحر، فإذا تصدّق بعينها في أيام النحر، فقد فوّت الإراقة على نفسه، وتصدّق قبل وجوب الصدقة، وقبل سببها، فصار كأنه استهلكها، فيلزمه أن يقيم مقامها أخرى.
فإن لم يشتر أخرى حتي مضت أيام النحو، كان عليه أن يتصدّق بقيمتها (٣)، لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا [في مكان مخصوص] (٤) (٥) أو في زمان مخصوص (٦)، فإذا فات الزمان ينتقل إلى الصدقة، ولا تجزئ عنه الصدقة الأولى؛ لأنها كانت قبل الوجوب، وقبل وجود السبب فلا تجوز، كما لو فاته رمي الجمار في أيامه، يلزمه دم (٧) يتصدّق
стр. 1168
بلحمه علي الفقراء.
ولو ذبح هديا قبل أيام الرمي، وتصدّق بها، ثم مضت أيام النحر، كان عليه دم آخر، ولا يجزيه ما سبق، كذلك هنا.
ولو لم يتصدق بتلك الشاة التي أوجبها، ولم يذبحها حتى مضت أيام النحر، كان عليه أن يتصدق بها حيّة (١)، لأنه إذا فاتت القربة بإراقة الدم بقيت مستحقة الصرف، فتحوّلت القربة إلى الصدقة بعينها.
فإن تصدّق بقيمتها جاز أيضا، لأن التصدّق بقيمتها كالتصدق بعينها في ذكر (٢) المقصود.
فإن ذبحها، وتصدّق بلحمها كان عليه أن يتصدّق بنقصان [الذبح] (٣)، لأن الحق تحوّل إلى الصدقة بكلّها.
فإن لم يذبحها، ولم يتصدّق بقيمتها حتى جاء أيام النحر من القابل، فذبحها لم
يجز الذبح عن ما لزمه بالسبب الأول، وكان عليه أن يتصدّق بعينها أو بقيمتها، لأن الإراقة عرفت قربة في أيام النحر أداءً لا قضاءً.
стр. 1169
كالرمي إذا فات عن وقته، وتحول إلى الهدي (١)، لا يجوز (٢) الرمي بعد ذلك في العام القابل.
وكذا الجمعة إذا فاتت وتحولت إلى الظهر، لا يجوز لا يجرنه قضاءها جمعة في وقت آخر (٣)، لأن الإراقة لما فاتت في السنة الأولى، [وتحوّلت] (٤) إلى الصدقة صار كأنه قال: "لله عليّ أن أتصدّق بهذه الشاة"، ولو صرّح بذلك يلزمه أن يتصدّق بها حيّة أو بقيمتها، كذلك هنا.
-والله أعلم-
стр. 1170
كتاب الوكالة
باب الوكالة التي تبطل في الواحد وتجوز في الجماعة والبضاعة والنفقة
بنى الباب على أنّ الوكالة تحتمل الجهالة اليسيرة، ولا تحتمل الفاحشة (١)؛ لأن التوكيل استعانة على ما وكل به، وتحصيل المجهول لا يمكن، فكل جهالة تمنع الامتثال تمنع الصحة (٢)، وما لا فلا.
والجهالة أنواع ثلاثة (٣):
جهالة فاحشة: وهي جهالة الجنس (٤)، وإنها تمنع الصحة، حتى لو وكله بشراء دابة
стр. 1171
أو ثوب أو حيوان لا يصح، وإن سمّى الثمن، لأن المقصود من الشراء التوسّل إلى العين لمنافع تعلّقت بالعين، واسمّ الثوب يتناول أجناسا مختلفة الصور والمنافع (١)، وكذلك الحيوان.
وبإعلام الثمن لا تزول هذه الجهالة (٢)، لأن بما سمّى من الثمن يستفاد من كل جنس، فلا ترتفع الجهالة، فلا تصح الوكالة إلا إذا فوّض إليه على وجه التعميم (٣)، فيقول: أيّ ثوب شئت، وما يقوم مقامه من ذكر الجمع وغيره (٤).
وجهالة يسيرة: وهي جهالة النوع والصفة (٥)، وإنها لا تمنع التوكيل سمّى الثمن أو لم يسمّ، (٦) حتى لو وكله بشراء حمار أو بغل أو ثوب هروي يصح.
стр. 1172
وقال بِشر بن غياث (١) المَرِيسي (٢): لا تصح الوكالة، هو يَعتبر الوكالة بالبيع، حتى لو أسلم في ثَوب هروي، ولم يذكر الصفة، لا يصح، فكذا إذا وكّل (٣).
وإنا نقول: بأن مبنى الوكالة على التوسعة (٤)، والتفاوت في النوع الواحد يسيرٌ لا يخلّ بالمقصود، وعسى يمكن رفعها بالرجوع إلى حال الموكل وغيره، فيتحمل ذلك في
стр. 1173
الوكالات تيسيرا للأمر على الوكلاء، ولا كذلك السلم؛ لأن مبناه على المماكَسَة (١) والمضايقة، فالجهالة فيه تفضي إلى المنازعة فتمنع الصحة.
وجهالة ملحقة بالجنس (٢) والنوع (٣): وهي جهالة العبيد والإماء والدور، ولو وكّل إنسانا بشراء عبد أو جارية أو دار، إن سمّى الثمن يصح، وإلا فلا، لأن العبيد جنس واحد، وكذا الإماء والدور (٤)، إلا أن التفاوت بين العبدين والجاريتين والدارين فاحش، فما ينتفي من التركي لا يوجد في الهندي، لكن هذه جهالة تزول ببيان الثمن، فقلنا: إذا بيّن النوع فقال: "تركيّا أو هنديّا"، أو بيّن الثمن يصح، وإلا فلا.
وعن أبي يوسف: إن كان بما سمّى من الثمن يوجد من كل نوع، لا يصح إلا ببيان الصفة.
وأصل آخر: أن تقييد المطلق كما يجوز بدلالة اللفظ، يجوز بدلالة الحال والعرف (٥).
стр. 1174
وفي الباب فصول ثلاثة: الوكالة، والبضاعة، والمضاربة.
أما الأول: قال محمد ﵀: رجل أمر رجلا أن يشتري له ثوبا أو دابة (١)، وسمّى الثمن أو لم يسمّ، فالوكالة باطلة (٢) حتى لو اشترى الوكيل شيئا من ذلك كان مشتريا لنفسه، لأن الدابة أجناس مختلفة (٣)، [وكذا الثوب] (٤).
ولهذا لو اشترى ثوبا على أنه هروي، فإذا هو مروي لا ينعقد العقد. جهالة الجنس توجب الاختلاف في المقصود، وهذه جهالة لا يمكن رفعها بتسمّية الثمن، لأن بما سمّى من الثمن يوجد من كل نوع، ولا بالرجوع إلى حال الموكل، لأن الإنسان كما يشتري الثوب لنفسه يشتري لأهله ومماليكه، فكانت الجهالة مانعة من الامتثال، فتمنع التوكيل.
فرّق بين هذا وبين ما إذا أمر ببيع عَين من أعيان ماله، فإنه يجوز، وإن لم يبين جنس
стр. 1175
الثمن.
والفرق: أنّ المقصود في البيع التوسّل إلى الثمن، والثمن جنس واحد، فجهالته (١) لا توجب اختلافا في المقصود، إنما (٢) المقصود من الشراء التوسل إلى العين لمنفعة تعلقت بالعين، والمنافع مختلفة اختلافا فاحشا، فكانت الجهالة مانعة من الامتثال.
ولو قال: "اشتر لي ثوبا هرويا أو مرويا"، صحت الوكالة، وإن لم يسمّ الثمن (٣)، لأن بعد بيان الجنس لا يبقى (٤) إلا جهالة الوصف، وإنها [جهالة] (٥) يسيرة لا توجب اختلافا في المقصود، ولا يشترط بيان الثمن لصحة الوكالة، لأن المعقود عليه لما صار معلوما، فبعد ذلك إن اشترى بمثل القيمة، أو بما يتغابن الناس فيه لزم الموكل، لتعذّر الاحتراز عن الغبن اليسير.
وإن اشترى بغبن فاحش يكون (٦) مشتريا لنفسه (٧)، لأن الوكيل بشراء شيء بغير عينه يملك الشراءَ لنفسه، فإذا كان الغبن فاحشا يحتمل أنه كان اشترى لنفسه، فإذا وجد فيه [عيبا] (٨) يظهر الشراء لموكله، فيكون متّهما في ذلك، فلا يقبل قوله، ولهذا قال أبو
стр. 1176
حنيفة: إنّ الوكيل بالبيع يملك البيعَ بما عَزّ وهان، لأنه لا يملك البيع من نفسه، فلا يكون متهما.
ولو قال: "اشتر لي حمارا أو بغلا"، وسمّى الثمن، أو لم يسمّ صحت الوكالة (١)، لأن بعد بيان الجنس لا تبقى إلا جهالة يسيرة.
ولو قال: "اشتر لي عبدا"، ولم يسمّ الثمن، لا تصح الوكالة (٢)؛ لما قلنا في أصل الباب.
فإن قيل: العبد عند السكوت عن الثمن، ينبغي أن يكون بمنزلة الثوب الهروي، لا بمنزلة الثوب المطلق، لأن الثوب أجناس مختلفة، أما العبد جنس واحد. ألا ترى أنه لو تزوج امرأة على ثوب، لا تصح التسمّية (٣)، وكان لها مهر المثل، ولو تزوج امرأة على عبد تصح التسمّية، ويكون لها الوسط، كما لو تزوج امرأة على ثوب هروي.
قلنا: العبد جنس واحد بحكم اتحاد أصل المنفعة، ولكثرة التفاوت بينهم في المنفعة أجناس مختلفة، فجعل جنسا واحدا عند المقابلة بما ليس بمال، ولهذا يجب دَينا في الذمة
стр. 1177
بدلا عما [هو] (١) ليس بمال [كما] (٢) في الدية والغرة ونحوهما، وجعل ملحقا بالأجناس المختلفة في مبادلة المال بالمال، حتى لا يجب دينا في الذمة بدلا عمّا هو مال.
وفي التوكيل بشراء العبد يقابل بالمال، وهو الثمن، فكان ملحقا بالأجناس المختلفة، فشرطنا تسمية الثمن لصحة الوكالة حتى تقل الجهالة، وتكون تسمية الثمن بمنزلة بيان النوع والصفة.
ولو قال: "اشتر لي الثياب أو الدواب" (٣)، يصح (٤) وإن لم يبيّن الثمن، لأنه للجنس والتعميم، فإن "الثياب" و "الدواب" جَمْع الجمع (٥)، فكان للجنس، والكل ليس
стр. 1178
بمراد؛ لأن الواحد لا يتهيأ له شراء الكل، ولا يجد ثمنهم، فكان المراد هو التعميم كما في قوله (١): "والله لا أتزوج النساء"، وما أشبه ذلك، فصار كأنه قال: "اشتر لي أيّ ثوب شئت"، أو "اشتر لي ما بدا لك من الثياب"، ولو صرح بذلك كان جائزا.
ولو قال: "اشتر لي أثوابا" لم يصح (٢)، وكذا إذا بيّن الثمن، لأنه اسم الجمع، والعدد المحصور دون الجنس، لأن ما يكون على وزن "فَعْلٌ" وثانيه واو، فله جمعان: الجمع القليل يكون على "أفعال"، والكثير يكون على وزن "فِعَال" (٣)، يقال: ثوب وأثواب وثِياب، وسَوط وأسواط وسِياط، وحوض وأحواض وحِيَاض.
وكل اسم على وزن "فعْل" وثانيه ياء، فله جمعان: الجمع القليل يكون على وزن "أفعال"، والجمع الكثير يكون على وزن "فُعُول" (٤)، يقال: شيخ وأشياخ وشُيوخ، وقيد وأقياد وقيود، وبيت وأبيات وبيوت.
فالأثواب أقلّ الجمع، وهو عدد محصور، ولهذا يصح قران العدد به، يقال (٥): "ثلاثة أثواب" و "أربعة أثواب"، ولا يصح قِران العدد بالثياب، لا يقال: "ثلاثة ثياب"،
стр. 1179
ويقال: "هذه الأثواب من ثِياب فلان". إذا ثبت أن الأثواب لا يتناول الجنس كان مجهولا.
ولو أمره بشراء ثوب واحد، وبيّن الثمن لا يصح، فإذا أمره بما زاد على الواحد دون الجنس، والجهالة به أكثر كان أولى.
ولو قال: "اشتر لي الدواب" صح، لأن منكره لما كان للجنس فمعرفته أولى (١).
ولو قال: "اشتر لي الأثواب"، لم يذكر في الكتاب، واختلفوا [فيه] (٢)، قال بعضهم: يصح، وهو الصحيح، لأن اللام إذا دخل على المفرد يجعله للجنس (٣)، فما ظنك في الجمع.
ولو قال: "اشتر لي أيّ ثوب شئت" يصح، لأن "أيّا" إذا أضيف إلى النكرة (٤) يراد بها (٥) التعميم (٦)، وكذا لو قال: "اشتر لي أيّ الثياب شئتَ"، أو "أيّ دابة شئت"، أو
стр. 1180
"أيّ ثلاثة أثواب شئت"، لأنه للتعميم.
وأما فصل البضاعة:
رجل دفع إلى غيره ألف درهم، وقال: خذها بضاعة، واشتر لي بها ثوبا، أو قال: أثوابا، أو قال: ثلاثة أثواب، أو قال: شيئا، كان جائزا، لأن البضاعة تدل على التعميم، فإنها مأخوذة من البضع، وهو القطع، كأنه قال: قطعت رأيي عن التصرف في هذا المال، وفوّضت [الأمر] (١) إليك إلا أنه لا يملك الشراءَ بغبن فاحش، لأنه لا يريد ذلك عرفا.
ولو ذكر مكان البضاعة مضاربة، وهو الفصل الثالث، فكذلك؛ لأن مبنى المضاربة على التعميم (٢)، ولهذا لو اختلف رب المال مع المضارب، فقال رب المال: دفعت إليك مضاربة في كذا، وقال المضارب: ما سمّيت لي تجارة، كان القول قول المضارب (٣)،
стр. 1181
فكانت المضاربة بمنزلة البضاعة، وإنما (١) يفترقان من وجهين:
أحدهما: أنّ في البضاعة لا يستحق الأمور على الآمر شيئا، وفي المضاربة يستحق أجر المثل، لأن المضارب لا يعمل مجّانا، بل يبتغي المال بعمله، فإذا لم ينل المال عند فساد المضاربة بأن كان رأس المال ثوبا، أو [كان] (٢) رأس المال دراهم، ولم يبين حصته من الربح، فقال: هذه الألف مضاربة (٣)، فباع، واشترى، كان له أجر المثل.
أما المستبضع لا يبتغي بعمله مالًا لنفسه، فلا يستحق شيئا على الآمر، وهو نظير ما لو قال لغيره: ملّكتك هذه العين، ولم يسمّ ثمنا، كانت هبة، ولو قال: بعتك هذه العين، ولم يسمّ ثمنا كان بيعا فاسدا، إذا قبضه يكون مضمونا عليه بالقيمة.
والثاني: أن المضارب يملك بيع ما اشترى، والمستبضع لا يملك؛ لأن المضاربة وضعت للاسترباح، وذلك لا يحصل إلا بالبيع والشراء، أما البضاعة قد تكون للتجارة، وقد تكون للانتفاع بالعين؛ فلا يملك البيع إلا بالتنصيص، حتى لو قال: "خذ هذه الألف، أو هذه الدراهم بضاعة، فاشتر لي بها وبع لعلّ الله يرزقني من ذلك رزقا"، كان له أن يشتري بها، ويبيع لمكان التنصيص.
ولو دفع إليه ألف درهم، ولم يسمّ بضاعة ولا مضاربة، لكن قال: "خذ هذه الألف، فاشتر لي بها الأشياء"، جاز (٤)؛ لأن "الأشياء" جمع معرّف، وهو أعمّ (٥) من
стр. 1182
الدواب والثياب.
ولو قال: خذ هذه الألف، واشتر لي بها شيئا، لا يجوز؛ لأنه ليس في لفظه ما يدل على التعميم فكان مجهولا.
وكذا لو لم يدفع إليه مالا، ولكن (١) قال: اشتر لي بألف درهم شيئا، لا يصح التوكيل، ولو قال: اشتر لي الأشياء بألف درهم، جاز؛ لأنه استقرض منه ألفا، وأمره بالشراء بها، فصار كما لو دفع إليه ألفا ثم أمره بالشراء بها.
ولو قال: "اجعل لي من مالك بضاعة ألف درهم، فاشتر لي بها ثوبا"، جاز (٢) لما ذكرنا أنّ لفظة "البضاعة" تدل على التعميم، فيصير مستقرضا منه ألفا، و (٣) يصير البائع من المأمور قابضا للآمر أولا بحكم القرض، ثم يصير قابضا لنفسه.
ولو قال لغيره: خذ هذه الألف بضاعةً، كان أمرا بالشراء بها ما شاء، ولو قال: خذ هذا الثوب بضاعة، جاز، ويكون أمرا بالبيع، لأن الأمر بالتصرف في المدفوع ينصرف إلى المعتاد، والمعتاد من التصرف في الدراهم الشراء بها، والمعتاد في الأعيان البيع، فينصرف البيع المطلق (٤) إلى ذلك.
رجل قال لغيره: إني أريد الخروج إلى الرَّي؛ لأشتري بها الرقيق والطيالسة، فقال السامع: خذ هذه الألف بضاعة لي، أو قال: اجعل لي من مالك بضاعة لي ألف درهم، كان جائزا، وينصرف إلى المذكور، فيصير مأذونا في شراء الرقيق والطيالسة، لأنه بنى
стр. 1183
كلامه على ما تقدم، فيتقيّد به.
ولو قال: إني أريد الخروج إلى الرَّي، فقال له السامع: إني أريد أن أبعث معك إلى فلان ألف درهم، فخذ هذه الألف بضاعة، كان رسولا، لأن قوله: "فخذ هذه الألف بضاعة"، بناء كلامه (١) على ما تقدم، وهو قوله: [إني أريد] (٢) أن أبعث معك إلى فلان ألف درهم، فيتقيد به، ولو قال له ابتداء: خذ هذه الألف بضاعة إلى فلان، كان رسولا (٣)، فكذلك [هنا] (٤).
ولو لم يكن بينهما كلام، فقال: خذ هذه الألف بضاعة، كان مأذونا في التصرف بها إذ ليس في كلامه ما يدل على كونه رسولا.
وكذا لو قال لغيره: إني أريد أن أشتري الطيالسة، [فقال: خذ هذه الألف] (٥) بضاعة، يتقيد بالطيالسة، ويحمل كلامه على ما تقدم.
ولو قال من غير سابقة: "خذ هذه الألف بضاعة"، كان مفوِّضا إلى رأيه، لأن البضاعة تقتضي التعميم، ولم يوجد ما يقتضي التقييد (٦)، بيَّن بهذه المسائل أنَّ المطلق يتقيد (٧) بالدليل (٨).
стр. 1184
ولو قال: خذ هذه الألف بضاعة في حوائجي، كان باطلا؛ لأنه خصّ البضاعةَ بما يحتاج إليه، وإنها مجهولة، فصار كأنه قال: خذ هذه الألف فيما أشاء أو أريد.
ولو قال: خذ هذ الألف بضاعة في الثياب، أو قال: في الرقيق، فاشترى المستبضع ذلك بجميع المال، وحمله إلى الأمر بمال نفسه من مصر إلى مصر، كان متطوعا لا يرجع بذلك على الآمر (١)، لأن صاحب المال سلّطه على التصرف في هذا المال خاصّة، فإذا حمل من مال نفسه لو رجع بذلك (٢)، كان ذلك استدانة عليه من غير أمره.
فرّق بين هذا وبين الوكيل بالشراء، إذا اشترى في المصر ما له حمل ومؤنة بمال نفسه إلى منزل الآمر، فإنه لا يكون متطوعا استحسانا.
والفرق من وجهين: أحدهما: أنّ ذلك متعارف فكان مأذونا فيه دلالة، والثاني: أنّ الكراء في المصر يقل، ومن مصر إلى مصر يكثر، فيلحقه بذلك كثير ضرر، وهو نظير ما لو اشترى حطبا خارج المصر لم يكن عليه أن يحمله إلى منزل المشتري، ولو اشترى في المصر كان عليه أن يحمله إلى منزل المشتري استحسانا.
ولو أن المستبضع اشترى ببعض المال ما أمره به (٣)، وحمله ببقية المال إلى الآمر جاز، وكذا لو اشترى ببعض المال ما أخر به وأنفق (٤) الباقي عليهم جاز، لأنه ليس فيه استدانة على رب المال.
стр. 1185
ولا يقال بأن البضاعة تقيّدت بالرقيق، فينبغي أن لا يملك شراء الطعام والكسوة لهم واستئجار الدواب لحملهم، لأنا نقول: هذا من ضرورات ذلك، ومما لا بدّ منه، فكان مأذونا فيه عرفا.
ولو اشترى المستبضع ببعض المال ما أمره، واستبقى البعض لأجل النفقة والحمل، فمات صاحب المال قبل أن ينفق، ثم أنفق أو اكترى، إن علم بموته كان ضامنا لذلك؛ لأنه انعزل بالموت، وإن لم يعلم بموته القياس أن يضمن (١)، لأنه عزل حكمي فلا يفتقر إلى العلم.
وفي الاستحسان: لا يضمن، لأنه لو صار ضامنا يصير مغرورا.
ولو أن المستبضع لم يشتر بالمال شيئا فمات رب المال، ثم اشترى به ما أمره، كان ضامنا للمال، علم بالموت أو لم يعلم.
في القياس سوّى بين هذا وبين ما تقدم، وجعله ضامنا في المسألتين. وفي الاستحسان فرق، ولم يجعله ضامنا ثمة، وجعله ضامنا هنا.
والفرق أن فيما تقدم لو صار ضامنا لما أنفق يهلك عليه ماله بغير عوض، أما هنا يصير ضامنا بعوض، وهو المشتري، فلا يلحقه كثير ضرر.
ولو كان مكان البضاعة مضاربة، فإن لم يشتر بالمال شيئا حتى مات رب المال تبطل المضاربة، حتى لو اشترى بالمال شيئا كان ضامنا، علم بموت رب المال أو لم يعلم؛ لما قلنا في البضاعة.
ولو اشترى ببعض المال رقيقا قبل موته، وأنفق الباقي عليهم أو في كرائهم بعد الموت، لا يضمن، علم بالموت أو لم يعلم.
стр. 1186
فرّق بين هذا وبين البضاعة، والفرق أن العزل بالموت لا يكون فوق العزل قصدا، ولو أنّ رب المال نهاه عن الإنفاق بعد ما اشترى ببعض المال، لا يصح نهيه في المضاربة، فلا يعمل بموته.
وفي البضاعة لو كتب إليه، ونهاه عن الإنفاق يصح نهيه، فيعمل موته، والمعنى فيه أن للمضارب حق أن يبيع ليربح، وذاك لا يحصل إلا بالإنفاق، فلا يعمل نهيه صيانةً لحقه، ولا حق للمستبضع.
ولو علم بموت صاحبها، أو بلغه النهي عن الإنفاق، وخاف الهلاك على الرقيق، فرفع الأمر إلى القاضي، وقصّ عليه القصة، فالقاضي يسأله البينة لاحتمال أنه كان غاصبا، ويريد أن يأمره القاضي بالبيع ليخرج عن الضمان، فالقاضي (١) يسأله البينة دفعا للتزوير والاحتيال فإن أقام البينة، ورأى القاضي أن يأمره بالنفقة ليرجع، فعَل.
وكذا لو رأى المصلحة في البيع، لأن القاضي نصب ناظرا للمسلمين، فيفعل ما كان أنظر، كما فى الآبق، واللقطة، والوديعة، فإن لم يقم البينة على ذلك لا يأمره بشيء لما قلنا.
وإن رأى القاضي أن يكتب أن فلانا أخبرني بكذا، وإني أمرته بالبيع أو النفقة ليرجع، إن كان صادقا، ويشهد على ذلك جاز؛ لأنه قيّد الأمر بكونه صادقا، فتبطل التهمة، وإن لم يكن هناك حاكم ينفق عليهم؛ لأنه مأمور بالحفظ، وفي الوقف على أمر الحاكم يضيع.
ولو دفع ألفا إلى رجل، وقال: "اشتر لي بها وبع"، أو قال: "اشتريها وبع"، ولم
стр. 1187
يقل: لي، كان توكيلا جائزا (١)، وله أن يشتري ما بدا له، ويبيع، لأنه فوّض الأمر إليه على وجه التعميم، كأنه قال: "اشتر ما بدا لك".
وفي الوكالة لا فرق بين أن يضيف الفعلَ إلى نفسه، فيقول: "اشتر لي"، وبين أن يضيف إلى مال نفسه، فيقول: "اشتر جارية بهذا المال"، أو يقول: "اشتر جارية بألف من مالي"، وتكون الإضافة إلى ماله بمنزلة الإضافة إلى مال (٢) نفسه، لأن الظاهر أن الإنسان إنما يرضى بالتصرف في مال نفسه، بأن يكون البدل له لا لغيره.
ولهذا لو دفع إلى رجل ألفا (٣)، وأمره أن يشتري له بها جارية، فاشترى المأمور جارية، ثم اختلفا، فقال الوكيل: "اشتريتها لنفسي"، وقال الموكل: "اشتَريتها لي"، إن كان الوكيل أضاف العقد إلى مال الموكل، كانت الجارية للموكل.
ولو قال: "اشتر جارية فلان بأجر كذا"، كان توكيلا بأجر، لأن التزام الأجر دليل على التوكيل، والعمل له، فإن اشترى الوكيل لا يستوجب الأجر المسمّى، لأنه استأجره لعمل مجهول لا يتم به وحده، فكانت الإجارة فاسدة، فيجب أجر المثل، ولا يزاد على المسمّى، لأن العامل رضي بالنقصان.
ولو قال: "اشتر جارية بألف درهم"، أو "هذه الجارية بألف"، أو "جارية فلان بألف درهم" (٤)، فاشترى كان مشتريا لنفسه (٥)، لأنه ليس في لفظه ما يدل على التوكيل،
стр. 1188
فلا يجعل توكيلا، ويحمل على المشورة.
ولو قال: "أبضعتك لتشتري [جارية] (١) "، أو قال: "هذه الجارية بألف درهم" أو "جارية فلان"، كان توكيلا؛ لأن المستبضع من يعمل بغيره، فكان هذا والتوكيل سواء.
ولو دفع ألفا إلى رجل، وقال: اشتريها (٢)، القياس أن لا يصح، وما اشترى يكون للمأمور؛ لأنه مجهول، وفي الاستحسان يصح، وما اشترى يكون للآمر، لأن الإطلاق تفويض وتعميم (٣)، كأنه قال: "اشتر ما بدا لك"، أو قال: "سلّطتك على الشراء بها".
ولو قال: "اشتر لي بها شيئا لا يصح، وما اشترى يكون للمأمور، لأنه لو قال: "اشتر لي بها ثوبا" لا يصح، فهذا أولى، بخلاف قوله: اشتريها.
ثم سأل في الكتاب على نفسه سؤالا فقال: [لو قال] (٤): "اشتريها"، يجوز؟ ولا فرق بين هذا وبين قوله: "اشتر لي بها شيئا"، ثم أجاب عن هذا فقال: قوله: "شيئا"، نكرة في موضع الإثبات فيخصّ، والتخصيص يمنع التعميم، أما المطلق فليس فيه ما يوجب التخصيص، فيكون للتعميم.
ثم ذكر القياس والاستحسان هاهنا، ولم يذكر في قوله: "اشتر لي بها وبع"، وقال: يجوز، من المشايخ من قال: لا فرق بينهما، والقياس والاستحسان ثابت في المسألتين [جميعا] (٥)، ومنهم من قال: القياس والاستحسان في هذه المسألة خاصة، لأن
стр. 1189
ثمّة وجد ما يدل على التعميم، وهو الأمر بالبيع والشراء، وهاهنا لم يوجد.
ثم استشهد ﵀ لإيضاح الفرق بين قوله: "اشتر لي بها شيئا"، وبين قوله: "اشتر لي بهذه الألف"، على جواب الاستحسان، فقال:
ألا ترى أنه لو [قال] (١): "اشتر لي بهذه الألف شيئا بيني وبينك"، كان باطلا، ولو قال: "اشتر لي بهذه الألف بيني وبينك" كان جائزا، وكذا لو قال: "خذ هذه الألف فاشتر بها بالنصف أو بالثلث"، جاز، ويكون تعميما.
ولو أتى سمسارا بمال، وقال: اشتر لي بها، فإن كان سمسارا في شيء خاص كالثياب والطعام يتقيد بذلك، ولو اشترى شيئا آخر لا يكون للآمر، والقياس على ذلك، الاستحسان أن لا يتقيد، ويشتري كل ما بدا له، وفي الاستحسان يتقيد بما هو سمسار فيه بحكم العادة، فهذا استحسان من قياس.
ولو دفع خمسين درهما إلى رجل، وقال: اشتر لي بها أدنى شيء، فالقياس أن لا يصح (٢)؛ لأنه مجهول جهالة فاحشة، وفي الاستحسان يجوز، ويشتري ما بدا له، لأن معناه: أدنى ما يتيسّر عليك أو تجده (٣)، فيكون تفويضا على وجه التعميم احترازا عن التضييق على الوكيل.
-والله أعلم-
стр. 1190
باب من الوكالة التى يعطيها صاحبها على التصديق أو على التكذيب أو بغير تصديق ولا تكذيب وما يضمن من ذلك وما لا يضمن
بنى الباب على أصول عرفت غير مرة:
منها: أنّ إقرار الإنسان على نفسه حجّة، وعلى غيره ليس بحجة (١)، لأن الإقرار على الغير شهادة، وشهادة الفرد لا تقبل [في الأموال] (٢)، فالإقرار أولى.
ومنها: أن قول المتناقض، وسعي الإنسان في نقض ما تمّ به مردود إلا إذا وافقه الخصم.
ومنها: أن مَن دفع مالا إلى غيره على ظن أن يكون حقا، لا يكون له ولاية الاسترداد ما لم يخرج من أن يصير حقا (٣).
стр. 1191
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل له دين على رجل (١)، فغاب الطالب، وجاء رجل إلى المديون، وقال: إنّ صاحب المال وكّلني بقبض دينه منك، وصدّقه المديون في ذلك، وامتنع عن القضاء (٢)، يجبر (٣) على القضاء.
فرّق بين هذا وبين ما لو كان المال وديعة، جاء رجل، وادّعى أنه وكيل صاحب الوديعة (٤) بقبضها، أو مات صاحب الوديعة، وادّعى أنه وصية، وصدّقه المودع، فإنه لا يؤمر بتسليم الوديعة إليه (٥).
وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجبر، لأن المودَع لما (٦) صدّقه في ذلك، فقد أقرّ أنه أحقّ بحفظ العين، وإمساكه من المودع، فيؤمر بالتسليم إليه.
ووجه (٧) الفرق على ظاهر الرواية أن المديون يقضى الدين من مال نفسه، فإذا صدّقه في الوكالة، فقد أقرّ على نفسه بوجوب قضاء الدين إليه من مال نفسه، فصح إقراره، أما الوديعة مال الغير، فتصديق المودع إقرار بحق قبض مال الغير للمدعي، فلم يصح إقراره على صاحب الوديعة.
هذا إذا صدّقه في الوكالة، وإن كذّبه في الوكالة، أو سكت، ولم يصدِّقه، ولم
стр. 1192
يكذِّبه [لا تثبت الوكالة] (١) لا يؤمر بقضاء الدين إلى المدّعي (٢)، لأن الوكالة لم تثبت، [فلا يؤمر بقضاء الدين إلى المدعي] (٣)، فإن أعطاه المال مع ذلك ثم أراد أن يستردّ، لم يكن له ذلك؛ لأن احتمال الصدق في كلام المدعي ثابت، وعلى اعتبار الصدق يصير المقبوض ملكا للغائب، وعلى اعتبار الكذب في كلام المدعي يثبت للغائب حق الإجازة، فلا يكون له حق الاسترداد ونقض القبْض.
فإن حضر الغائب بعد ذلك إن صدّقه في الوكالة، برئ الغريم؛ لأنه أقرّ على نفسه بالاستيفاء، وإقراره حجّة عليه، ويأخذ المال من الوكيل إن كان قائما.
وإن ادّعى الوكيل هلاك المقبوض أو الدفع إلى الموكل، في هذا الوجه كان القول قوله؛ لأنه أمين، فإن أنكر صاحب المال الوكالة، كان القول قوله؛ لأنه أنكر استيفاء الدين.
стр. 1193
فإن كان المقبوض قائما في يد الوكيل، فلصاحب المال الخيار، إن شاء أجاز قبضه، وأخذ المقبوض، وإن شاء لم يُجز، ورجع على الغريم، لأنه لما أنكر الوكالة بقي القابض فضوليا في حقه، فكان له أن يجيز قبضه، فإن لم يجز قبضه، وأخذ الدين من الغريم، كان للغريم أن يستردّ المقبوض من الوكيل، سواء صدّقه الغريم في الوكالة، ودفع المال إليه، أو كذّبه في الوكالة (١)، أو سكت، ولم يصدِّقه، ولم يكذِّبه، ودفع المال (٢).
أما في التكذيب والسكوت، فلأنه دفع مال نفسه إلى القابض رجاء أن يسلّم له ما في ذمته بإجازة الغائب ونحوه (٣)، فإذا لم يسلم له ما في ذمته كان له أن يرجع عليه، وأما إذا صدّقه في الوكالة، ودفع المال [إليه] (٤)، فلأن الغريم مع الوكيل تصادقا أنّ الطالب أخذ المال من المديون ظلما، وما في يد الوكيل ملك الطالب، فإذا ظفر الغريم بجنس حقه من مال الطالب كان له أن يأخذه.
هذا إذا كان المقبوض قائما في يد القابض، فإن كان القابض يزعم أنّ المال قد هلك، أو يزعم أنه دفع المال إلى صاحب المال، وصاحب المال ينكر، فإنّ صاحب المال يرجع على الغريم بدينه، لأن الاستيفاء لم يثبت، وليس له أن يضمن القابض.
أما ليس له أن يضمن القابض، لأن الطالب يزعم أنّ القابض قبض من المديون بغير حق، وصار ضامنا للغريم، [فيكون] (٥) القابض مديون مديونه، وليس للطالب أن يرجع
стр. 1194
على مديون مديونه.
ولا يقال: يجيز قبضه فيضمنه، لأنا نقول: الإجازة إنما تعمل حال قيام المقبوض لا بعد هلاكه، ولأن الإجازة لو صحّت يصير أمينا، وهلاك الأمانة في يد الأمين لا يوجب الضمان (١)، فلا يرجع الطالب على القابض، لكن يرجع على الغريم لأن البراءة لم تثبت.
فإن أراد الرجوع علية، وطلب الغريم يمينَ الطالب: بالله ما وكل القابض، فإن القاضي يقول له: أتُصدِّق الوكيل فيما ادّعى من الوكالة أو تكذِّبه؟ ولا يحلفه قبل السؤال لوجهين:
أحدهما: أنّ الاستحلاف لا يكون إلا بعد الدعوى، وهو إلى الآن كان مكذِّبا أو ساكتا، وبدون [الدعوى] (٢) لا يستحلف في حقوق العباد.
والثاني: أنه لو حلّفه من غير أن يصدِّقه في الوكالة يحلف ثانيا، لأن الوكيل [يحلفه] (٣) عند رجوع الوكيل على الموكل (٤) في الآخرة على ما نذكر، فيؤدي إلى تكرار
стр. 1195
اليمين في خصومة واحدة، وذلك باطل، فلا يحلفه قبل السؤال عنه.
فإن قيل: لو ادّعى الغريم الوكالة بعد ما كذّبه. في الوكالة، يكون متناقضا، فكيف تسمّع دعواه؟.
قلنا: إنما جحد الوكالة أوّلا؛ لأنه ما كان يعلم بالوكالة، فإذا علم ادّعى؛ فلم يكن متناقضا.
فإن ادّعى (١) الغريم الوكالة يستحلف صاحب المال (٢)، لأنه يدّعي عليه البراءة عن الدين بالدفع إلى نائبه، فيحلف رجاء النكول، فإن نكل صار مقرا بذلك، فيبرأ الغريم [عن الدين] (٣)، وإن حلف كان له أن يأخذ المال من الغريم.
فإن قال الغريم للقاضي حين سأله: أنا لا أقر بالوكالة، لا يجبره القاضي على الإقرار بالوكالة، لأنه يتحرّز عن الضرر كيلا يبطل حقه في الرجوع به (٤) على القابض، ولكن لا يحلف الطالب لما ذكرنا من الوجهين، ويرجع الطالب على الغريم بدَينه، فإذا رجع الطالب على الغريم بدينه، ثم أراد الغريم أن يرجع على الوكيل، فهو على وجوه أربعة:
إما أن صدّقه في الوكالة ودفع المال إليه، أو كذّبه ودفع، أو سكت ولم يصدّقه ولم يكذّبه [مع ذلك دفع المال إليه] (٥)،. أو صدّقه في الوكالة وضمنه ودفع المال إليه (٦).