إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل له دين على رجل (١)، فغاب الطالب، وجاء رجل إلى المديون، وقال: إنّ صاحب المال وكّلني بقبض دينه منك، وصدّقه المديون في ذلك، وامتنع عن القضاء (٢)، يجبر (٣) على القضاء.
فرّق بين هذا وبين ما لو كان المال وديعة، جاء رجل، وادّعى أنه وكيل صاحب الوديعة (٤) بقبضها، أو مات صاحب الوديعة، وادّعى أنه وصية، وصدّقه المودع، فإنه لا يؤمر بتسليم الوديعة إليه (٥).
وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجبر، لأن المودَع لما (٦) صدّقه في ذلك، فقد أقرّ أنه أحقّ بحفظ العين، وإمساكه من المودع، فيؤمر بالتسليم إليه.
ووجه (٧) الفرق على ظاهر الرواية أن المديون يقضى الدين من مال نفسه، فإذا صدّقه في الوكالة، فقد أقرّ على نفسه بوجوب قضاء الدين إليه من مال نفسه، فصح إقراره، أما الوديعة مال الغير، فتصديق المودع إقرار بحق قبض مال الغير للمدعي، فلم يصح إقراره على صاحب الوديعة.
هذا إذا صدّقه في الوكالة، وإن كذّبه في الوكالة، أو سكت، ولم يصدِّقه، ولم
стр. 1192
يكذِّبه [لا تثبت الوكالة] (١) لا يؤمر بقضاء الدين إلى المدّعي (٢)، لأن الوكالة لم تثبت، [فلا يؤمر بقضاء الدين إلى المدعي] (٣)، فإن أعطاه المال مع ذلك ثم أراد أن يستردّ، لم يكن له ذلك؛ لأن احتمال الصدق في كلام المدعي ثابت، وعلى اعتبار الصدق يصير المقبوض ملكا للغائب، وعلى اعتبار الكذب في كلام المدعي يثبت للغائب حق الإجازة، فلا يكون له حق الاسترداد ونقض القبْض.
فإن حضر الغائب بعد ذلك إن صدّقه في الوكالة، برئ الغريم؛ لأنه أقرّ على نفسه بالاستيفاء، وإقراره حجّة عليه، ويأخذ المال من الوكيل إن كان قائما.
وإن ادّعى الوكيل هلاك المقبوض أو الدفع إلى الموكل، في هذا الوجه كان القول قوله؛ لأنه أمين، فإن أنكر صاحب المال الوكالة، كان القول قوله؛ لأنه أنكر استيفاء الدين.
стр. 1193
فإن كان المقبوض قائما في يد الوكيل، فلصاحب المال الخيار، إن شاء أجاز قبضه، وأخذ المقبوض، وإن شاء لم يُجز، ورجع على الغريم، لأنه لما أنكر الوكالة بقي القابض فضوليا في حقه، فكان له أن يجيز قبضه، فإن لم يجز قبضه، وأخذ الدين من الغريم، كان للغريم أن يستردّ المقبوض من الوكيل، سواء صدّقه الغريم في الوكالة، ودفع المال إليه، أو كذّبه في الوكالة (١)، أو سكت، ولم يصدِّقه، ولم يكذِّبه، ودفع المال (٢).
أما في التكذيب والسكوت، فلأنه دفع مال نفسه إلى القابض رجاء أن يسلّم له ما في ذمته بإجازة الغائب ونحوه (٣)، فإذا لم يسلم له ما في ذمته كان له أن يرجع عليه، وأما إذا صدّقه في الوكالة، ودفع المال [إليه] (٤)، فلأن الغريم مع الوكيل تصادقا أنّ الطالب أخذ المال من المديون ظلما، وما في يد الوكيل ملك الطالب، فإذا ظفر الغريم بجنس حقه من مال الطالب كان له أن يأخذه.
هذا إذا كان المقبوض قائما في يد القابض، فإن كان القابض يزعم أنّ المال قد هلك، أو يزعم أنه دفع المال إلى صاحب المال، وصاحب المال ينكر، فإنّ صاحب المال يرجع على الغريم بدينه، لأن الاستيفاء لم يثبت، وليس له أن يضمن القابض.
أما ليس له أن يضمن القابض، لأن الطالب يزعم أنّ القابض قبض من المديون بغير حق، وصار ضامنا للغريم، [فيكون] (٥) القابض مديون مديونه، وليس للطالب أن يرجع
стр. 1194
على مديون مديونه.
ولا يقال: يجيز قبضه فيضمنه، لأنا نقول: الإجازة إنما تعمل حال قيام المقبوض لا بعد هلاكه، ولأن الإجازة لو صحّت يصير أمينا، وهلاك الأمانة في يد الأمين لا يوجب الضمان (١)، فلا يرجع الطالب على القابض، لكن يرجع على الغريم لأن البراءة لم تثبت.
فإن أراد الرجوع علية، وطلب الغريم يمينَ الطالب: بالله ما وكل القابض، فإن القاضي يقول له: أتُصدِّق الوكيل فيما ادّعى من الوكالة أو تكذِّبه؟ ولا يحلفه قبل السؤال لوجهين:
أحدهما: أنّ الاستحلاف لا يكون إلا بعد الدعوى، وهو إلى الآن كان مكذِّبا أو ساكتا، وبدون [الدعوى] (٢) لا يستحلف في حقوق العباد.
والثاني: أنه لو حلّفه من غير أن يصدِّقه في الوكالة يحلف ثانيا، لأن الوكيل [يحلفه] (٣) عند رجوع الوكيل على الموكل (٤) في الآخرة على ما نذكر، فيؤدي إلى تكرار
стр. 1195
اليمين في خصومة واحدة، وذلك باطل، فلا يحلفه قبل السؤال عنه.
فإن قيل: لو ادّعى الغريم الوكالة بعد ما كذّبه. في الوكالة، يكون متناقضا، فكيف تسمّع دعواه؟.
قلنا: إنما جحد الوكالة أوّلا؛ لأنه ما كان يعلم بالوكالة، فإذا علم ادّعى؛ فلم يكن متناقضا.
فإن ادّعى (١) الغريم الوكالة يستحلف صاحب المال (٢)، لأنه يدّعي عليه البراءة عن الدين بالدفع إلى نائبه، فيحلف رجاء النكول، فإن نكل صار مقرا بذلك، فيبرأ الغريم [عن الدين] (٣)، وإن حلف كان له أن يأخذ المال من الغريم.
فإن قال الغريم للقاضي حين سأله: أنا لا أقر بالوكالة، لا يجبره القاضي على الإقرار بالوكالة، لأنه يتحرّز عن الضرر كيلا يبطل حقه في الرجوع به (٤) على القابض، ولكن لا يحلف الطالب لما ذكرنا من الوجهين، ويرجع الطالب على الغريم بدَينه، فإذا رجع الطالب على الغريم بدينه، ثم أراد الغريم أن يرجع على الوكيل، فهو على وجوه أربعة:
إما أن صدّقه في الوكالة ودفع المال إليه، أو كذّبه ودفع، أو سكت ولم يصدّقه ولم يكذّبه [مع ذلك دفع المال إليه] (٥)،. أو صدّقه في الوكالة وضمنه ودفع المال إليه (٦).
стр. 1196
ففي الوجه الأول: وهو ما إذا صدّقه في الوكالة ودفع المال إليه، لا يرجع لأنه لما صدّقه في الوكالة فقد أقرّ أن الوكيل (١) قبض بحق، وأن القول في هلاك المقبوض أو الدفع إلى الموكل قول الوكيل (٢)؛ لأنه أمين، وإن ما أخذ الطالب من الغريم أخذ ظلما، ومن ظلَم ليس له أن يظلم غيره، فلا يكون له أن يرجع على الوكيل، لكن له أن يحلف الوكيل إذا كذّبه في هلاك المقبوض أو الدفع إلى الموكل، لأنه لو كان المقبوض قائما في يد الوكيل، كان للغريم حق الاسترداد لما مرّ، فالغريم يدّعي عليه حق ردّ المقبوض، وهو ينكر فيحلفه.
وفي الوجه الثاني والثالث، وهو ما إذا كذّبه في الوكالة ودفع المال إليه، أو سكت ودفع، له أن يرجع على القابض (٣)، لأن الغريم (٤) إنما دفع إليه المال في هذين الوجهين عوضا عن ما في ذمته، رجاء أن يجيز الطالب، فيسلم له ما في ذمته.
فإذا أخذ الطالب منه حقه كان له أن يرجع على القابض، كما لو اشترى شيئا من فضولي، ونقد له (٥) الثمن، وهلك (٦) الثمن في يد الفضولي، ولم يجز المالك بيع الفضول (٧)، كان للمشتري أن يرجع على الفضولي بالثمن، كذلك هنا.
فإن قال القابض: أنا أريد يمين الغريم: بالله ما وكلني الطالب بقبض المال، يحلف؛
стр. 1197
لأنه لو نكل حتى صار مقرا (١) لا يبقى للغريم حق الرجوع عليه، فكان له أن يحلفه رجاء النكول، لكن يحلفه على العلم: بالله ما يعلم أن صاحب المال وكله، لأنه تحليف (٢) على فعل الغير، فيكون على العلم.
فرّق بين هذه المسألة وبين الوكيل بالشراء، إذا وجد بالمشترى عيبا، وأراد أن يرد، فأراد البائع أن يستحلفه: بالله ما يعلم أن الموكل رضي بالعيب، فإنه لا يستحلف (٣)، وإن كان الوكيل لو أقر بذلك يلزمه (٤)، ويبطل حق الرد.
وكذا لو ادّعى البائع على الآمر (٥) أنّ الآمر رضي به، وأراد يمين الآمر لا يستحلف الآمر، وإن ادّعى عليه معنى لو أقر به يلزمه.
وكذا إذا وكّل الرجل رجلا بقبض الدين والخصومة فيه، فادّعى الغريم أنّ الموكل أبرأه، وأراد يمين الوكيل: بالله ما يعلم أن الموكل أبرأه، فإنه لا يستحلف، وإن أقر بذلك عند القاضي برئ الغريم.
ووجه الفرق: أنّ فائدة اليمين النكول، والنكول إقرار فيه شبهة (٦)، فلا يجعل حجة
стр. 1198
يتعدّى إلى الغير، وفي هذه المسائل أثر النكول يتعدى إلى الغير، فلا يستحلف، أما في مسألتنا أثر نكوله لا يتعدّى إلى الغير، بل يقتصر على الغريم بمنعِ الرجوع على الوكيل، فجاز أن يستحلف.
فإن نكل برئ القابض، وإن حلف كان للغريم أن يضمن القابض، وهو الوكيل، ثم الوكيل يرجع على الطالب، فيحلفه على البتَات: بالله ما وكله، لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف، فإن حلف برئ الموكل، وإن نكل فالغريم بالخيار، إن شاء أخذ ما له من الوكيل، ثم يرجع الوكيل على الموكل، وإن شاء أخذ من الموكل ما أخذ منه.
أما له حق تضمين الوكيل، لأن حقه في تضمين الوكيل كان ثابتا قبل نكول الطالب، فلا يبطل بنكوله.
أما له حق تضمين الموكل، لأن الموكل لما نكل فقد أقر أنّ القابض كان وكيلا، وإن ما أخذ هو بنفسه من الغريم كان ظلما، فصار دينا عليه، وأيهما اختار الرجوع عليه برئ الآخر، كما قلنا في الغاصب مع غاصب الغاصب.
وفي الوجه الرابع: وهو ما إذا صدّقه الغريم في الوكالة، ودفع المال إليه وضمنه، ثم جاء الطالب، وجحد الوكالة، وأخذ المال من الغريم، كان للغريم أن يرجع على القابض بالضمان (١).
واختلف المشايخ في تفسير هذا الضمان، قال بعضهم: أراد به ضمان الدرك
стр. 1199
للمطلوب، لأن المطلوب اشترى ما في ذمته بما دفع إلى الوكيل، فإذا ضمن (١) الدرك فيما اشترى، وجاء الطالب، وجحد الوكيل، والقول في ذلك قوله، لم يسلم للغريم ما في ذمته من جهة الطالب، فيرجع بالثمن، كما لو باع عبدا بجارية، وتقابضا، واستحقت الجارية، فإنه يرجع بالعبد، كذلك هنا يرجع المطلوب بالثمن على الضامن، كالوكيل بالبيع إذا ضمن الدرك.
وقال بعضهم: أراد بهذا الضمان أن يقول المطلوب للوكيل (٢): بلى! أنت وكيله، إلا أني لا آمن أن يحضر الطالب، ويجحد الوكالة، ويأخذ المال مني ظلما، فإذا فعل ذلك فهل أنت كفيل لي بذلك؟ فإذا قبِل يصح، لأن هذه كفالة مضافة إلى سبب الضمان، فتصحّ، كمن قال لغيره: إن غصب فلان مالك، فأنا ضامن بذلك، هذا هو الصحيح.
ومنهم [من قال] (٣): أراد بذلك أن يضمن الوكيل الدرك للغريم فيما يقبض منه، وهذا باطل؛ لأن الوكيل مع الغريم تصادقا على أنه أمين في المقبوض، وشرط الضمان في الأمانة باطل، كما في الودائع، والعواري، ورأس مال الشركة، والمضاربة، فإنها لا تصير مضمونة بالضمان، كذلك هنا.
ثم إذا رجع الغريم على الوكيل بحكم الضمان، لم يكن للوكيل أن يستحلف الغريم، لأن الغريم مقر بالوكالة، وإنما رجع على الوكيل بحكم الضمان.
وكذا لو أراد الوكيل يمين الموكل لم يكن له ذلك، لأن الغريم إنما رجع على الوكيل بحكم ضمان الدرك الذي التزمه عن اختيار، لا بفعل كان عاملا للآمر، فلا يرجع عليه
стр. 1200
بخلاف ما تقدم، لأن ثمّة إنما رجع الغريم على الوكيل بفعل باشَره للآمر، وهو القبض، فكان للوكيل أن يرجع على الموكل.
ولو كان الغريم دفع المال إلى الوكيل على التكذيب، أو على السكوت من غير تصديق ولا تكذيب، وضاع في يده، ولم يحضر الطالب، ولم يعرف جحود الوكالة حتى مات الطالب، [وورثه] (١) الغريم، فقال للوكيل: ما كنتَ وكيلا، فلي أن أرجع عليك، لا سبيل له عليه في تضمين ولا غيره، لأنه دفع المال إليه على وجه الصحة والتمليك، لأن قضاء الدين تمليك، ولم يظهر فساد ذلك التمليك، ولهذا لم يكن له ولاية الاسترداد في حياة المورث فكذلك بعد موته، لأن في الحالين ساع في نقض ما تمّ به.
فإن قيل: إنما لا تسمّع دعواه في حياة الموكل؛ لأنه يخاصم بطريق الأصالة، وهو لا يصلح خصما بطريق الأصالة لمكان التناقض، أما بعد موته (٢) يخاصم بطريق الخلافة عن الميت؛ لأنه يثبت حق الميت، والميت لو أنكر الوكالة في حياته يصح ذلك منه، ويسمع دعواه، فيسمع من الوارث بطريق الخلافة.
ألا ترى أنّ الغريم لو أقام البينة في حياة المورث على إقرار الوكيل أنه ما وكله لا تقبل بينته، ولو أقام البينة على هذا الوجه بعد موت المورث قُبلت بينته، ويستردّ المال منه، لأنه يخاصم بطريق الخلافة.
قلنا: الوارث إنما يخلف [المورث] (٣) فيما يملكه الميت (٤)، والميت لا يملك تضمين
стр. 1201
الوكيل، لأنه زعم أن الوكيل قبض مال الغريم بغير حق، فكيف يملكه الوارث بطريق الخلافة عنه؟ ولا وجه للتضمين بطريق الأصالة، فلا يملك التضمين، بخلاف مسألة الإقرار لما نذكر بعد هذا.
فإذا أراد الغريم يمين الوكيل: بالله لقد وكّلك فلان الميت، لم يكن له ذلك؛ لأن الاستحلاف يترتب على دعوى صحيحة، ولم تصح لمكان التناقض.
ولو أقر الوكيل أنه لم يكن وكيلا صح إقراره (١)، وكان ضامنا، [لأنه] (٢) أقر [على نفسه] (٣)، لأن الإقرار (٤) حجة بنفسه، والتناقض لا يمنع صحة الإقرار.
ألا ترى أن من باع شيئا، ثم ادّعى أنه كان لغيره باعه بغير إذنه (٥) لا تسمع دعواه، وإن صدّقه المشتري في ذلك يصح إقراره، ويلزمه الردّ، كذلك ههنا.
ولو قال الغريم: أنا أقيم البينة على أن القابض لم يكن وكيلا، لا تقبل بينته؛ لأن هذه بينة قامت على النفي، والبينات للإثبات، ولو أقام البينة على إقرار الوكيل أنه لم يكن وكيلا، قبلت بينته.
فرّق بين هذا وبين ما لو أقام البينة أنه (٦) لم يكن وكيلا، فإنها لا تقبل؛ لأن تلك
стр. 1202
البينة قامت على النفي، وهذه البينة قامت (١) على الإثبات، وهو إقرار الوكيل.
فإن قيل: لو أقام البينة على هذا الوجه في حياة الموكل لا تقبل، فلماذا تقبل بعد موته؟
قلنا: إنما لا تقبل بينته في حياة الموكل، لأنه يخاصم بطريق الأصالة، وخصومته بطريق الأصالة لا تصح، لأنه ساع في نقض ما تم به. أما بعد الموت الموكل (٢) يخاصم بطريق [النيابة] (٣)، والخلافة عن الميت، والقيام مقامه فصحّت خصومته.
فإن قيل: الوارث إنما يحلف المورث فيما يملكه المورث لا فيما لا يملكه، والمورث لو أقام البينة على هذا الوجه لا تقبل، فلماذا تقبل من الوارث؟ ألا ترى أنّ المورث لما لم يملك استحلاف الوكيل، لا يملكه الوارث بطريق الخلافة، فينبغي أن يكون حكم البينة كذلك.
قلنا: المورث كان يملك إقامة البينة في حياته، لأن البينة حجة مطلقة لكل من يدّعي لنفسه حقا، والمورث مدَّع، وإنما لا تقبل بينته لا لعدم الولاية، بل لفقد الحاجة، لأنه يملك أخذ حقه من غير بينة، فأظهرنا تلك الولاية في حق الثابت عند مساس الحاجة، ولا كذلك اليمين؛ لأنها حجة ضرورية، فلا تثبت ولاية الاستحلاف عند انعدام الحاجة، فإذا لم تثبت الولاية للميت لا تثبت للوارث بطريق الخلافة.
فإن قيل: لو صار نائبا عن الموكل بعد موته، وجب أن يكتفى بمجرد إنكاره الوكالة، كما لو حضر الموكل، وجحد الوكالة.
стр. 1203
قلنا: إنما يكتفى بمجرد إنكار الغريم، لأن الموكل (١) لم يوجد منه ما يدل على التصديق، وقد صدر من الغريم ما يدل على التصديق، وهو دفع المال إليه، فلا يكتفى بمجرد إنكاره قال (٢).
وكذا لو كان الموكل حيا، ووهب المال للغريم (٣) أو أبرأه، فهذا وما لو مات، وورثه الغريم سواء في الوجوه [كلها] (٤)، لأنه كما لا يتوهّم منه الإجازة بعد الموت لا تصح بعد الهبة، وكما يسقط الدين عن الغريم بالميراث يسقط يالهبة [والإبراء] (٥).
ولو مات الموكل، فورثه الغريم ورجل آخر، فجحد ذلك الوارث التوكيل، كان له أن يأخذ من الغريم نصيبه من الدين، لأنه قائم مقام المورث، فكان جحوده في نصيبه من الدين كجحود الموكل، فيأخذ نصيبه من الغريم، ثم يرجع الغريم بما أخذ منه هذا الوارث على الوكيل.
كما لو كان الموكل حيا، وجحد، وأخذ المال، فحكم الغريم في نصيبه من الدين ما هو حكم في الكل، إذا لم يكن معه وارث آخر، وثمّة لا يرجع على الوكيل بشيء اعتبارا للبعض بالكل، إلا أن يقول الغريم: إنّ المال لم يهلك، أو لم يدفعه إلى الموكل، أو ادّعى أنه استهلكه، وأراد أن يحلف الوكيل، كان له ذلك؛ لأنه غير متناقض في هذه الدعوى، فصح استحلافه، فإن حلف الوكيل برئ، وإن نكل لزمه ذلك النصف، كما لو أقر به
стр. 1204
صريحا.
[قال] (١) ولو لم يمت الموكل، ولم يهب المال حتى حضر، وجحد الوكالة، ولم يقدم الغريم إلى القاضي حتى مات، فورثه الغريم، أو وهب المال للغريم، أو أبرأه، فأقام الغريم بينة على جحوده الوكالة، لا سبيل له على الوكيل إلا أن يجد المقبوض قائما فيأخذه، لأن الجحود في غير مجلس القاضي غير معتبر، لأنه لا يوجب مالا على الغريم، [ولم يوجد] (٢) قضاء القاضي بفسخ الوكالة، فبقي ساعيا في نقض ما تم به، إلا أن يكون المقبوض قائما في يده، فيقيم الغريم البينة على الموت أو الهبة، فتقبل بينته؛ لأنه يثبت بالبينة أن مال الميت صار ملكا له بالميراث والهبة.
ولو جحد الموكل عند القاضي، فلم يقض القاضي بشيء، أو قضى بالمال للموكل على الغريم، كان للغريم أن يأخذ المال من الوكيل، لأنه لما جحد عند القاضي، والقول قوله في جحود الوكالة، فقد وجدت الحجة في مجلس القاضي، وانتفت الوكالة، لا يبقي الغريم (٣)، وتقرّر الدين في ذمة الغريم، وصار الوكيل ضامنا لما قبض، وللوكيل أن يحلف الغريم: بالله ما يعلم أن الموكل وكّل الوكيل، لأن الغريم قام مقام الموكل، وكان للوكيل أن يحلف الموكل فيحلف من قام مقامه، إلا أنه يحلفه على العلم؛ لأنه تحليف على فعل الغير.
ولو كان الغريم صدّق الوكيل في الوكالة، ودفع المال إليه، وضمنه، ثم حضر الموكل، وجحد الوكالة، وحلف، وقضى له بالمال على الغريم، فلم يأخذ المال حتى مات،
стр. 1205
وورثه الغريم، أو وهب المال للغريم أو أبرأه، لا يرجع الغريم على الوكيل بشيء، لأنه لو رجع إنما يرجع بحكم الضمان، فإذا لم يأخذ الموكل شيئا لم يلحقه دين، لا يثبت [له ولاية الرجوع] (١).
ولو كان الموكل حين جحد أخذ المال من الغريم، ورجع الغريم على الوكيل بحكم الضمان، وأخذ منه، ثم مات الموكل، فورثه الغريم، كان للوكيل أن يرجع في تركة الميت بمثل ما غرم للغريم، لأن في زعم الغريم والوكيل أن الوكيل كان وكيلا، وأنّ ما أخذ الطالب من الغريم كان ظلما.
ولما رجع الغريم على الوكيل، وأخذ منه بدلَ ما هو واجب [له] (٢) على الموكل صار الواجب في ذمة الموكل للوكيل، فإذا هلكت تلك الألف صارت دينا في تركة الميت، والوارث إذا أقر بدين في تركة الميت يؤاخذ به، لأن الدين مقدم على الميراث، وإن كان للموكل وارثان، أحدهما هو الغريم، ثم رجع الوكيل بمثل ما ضمن في حصة الغريم، كما لو أقر أحد الوارثين بدين على الميت.
ولو لم يمت الموكل، ولكن وهب للغريم ألفا، وسلّمها، إن وهب تلك الألف التي أخذها من الغريم رجع الوكيل على الغريم بما أدى إليه، لأنهما تصادقا أنّ ما أخذ الطالب من الغريم كان ظلمًا (٣) غصبا، فإذا وصل إليه عين حقه، صار كأن لم يأخذ منه الموكل (٤) شيئا، فيجب عليه رد ما أخذ من الوكيل.
стр. 1206
وإن وهب الموكل للغريم ألفا أخرى، لا سبيل للوكيل عليه، لأن الموكل غاصب في زعمهما، والغاصب إذا وهب شيئا للمغصوب منه، لا يبرأ عن ضمان الغصب، وإن لم يهب له، ولكنه أوصى للغريم بوصية، ثم مات، وليس الغريم وارثه، فالوكيل أحق بما أوصى للغريم حتى يأخذ مثل ما غرم، لأن ما أخذ الموكل دين في زعمهما، والدين مقدم على الميراث والوصية.
ولو كان الغريم دفع المال إلى الوكيل على السكوت من غير تصديق ولا تكذيب، ثم حضر [الموكل] (١)، وجحد الوكالة، وأشهد على ذلك، وغاب، فقدّم الغريم الوكيل إلى القاضي، وأراد أخذ المال منه، والمقبوض [قائم] (٢) في يده أو هلك، لم يكن له ذلك. ولو أقام البينة على جحود الموكل لم تقبل.
ولو أراد استحلافه: بالله ما يعلم أن الموكل جحد الوكالة، لا يستحلف؛ لما قلنا أنه لا عبرة للجحود في غير مجلس القاضي سواء أشهد على الجحود أو لم يشهد. ألا ترى أنه لو حضر بعد ذلك، وأقر بالوكالة صح إقراره.
وأشار هنا إلى معنى آخر، وقال: بأن حق الغائب تعلق بتصادقهما، حتى لو أجاز قبضه تصح إجازته. فلو قضينا بالمال للغريم، كان ذلك قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر.
ولو أن الطالب حين حضر، وجحد الوكالة، أخذ المالَ من الغريم ثم غاب، فقدم الغريم الوكيل إلى القاضي، وأقام البينة على جحوده الوكالة، وأخذِه المال منه، وأراد استحلاف الوكيل على العلم، كان له ذلك.
стр. 1207
فرّق بين هذا وبين ما إذا جحد، ولم يأخذ المال من الغريم (١) لم يكن للغريم أن يرجع على الوكيل، ويخاصمه، لأن بمجرد الجحود لا ينقطع حق الموكل عما قبض الوكيل، فإنه لو أجاز بعد ذلك تصح إجازته، فلو قضى القاضي للغريم بما في يد الوكيل، كان قضاء على الغائب، فلا يصح.
أما إذا جحد، وأخذ المال من الغريم، انقطع حقه عن ما في يد الوكيل، وعاد ذلك إلى ملك الغريم، ولهذا لو أجاز قبض الوكيل بعد ذلك لا تصح (٢) إجازته، فالغريم يثبت الملك لنفسه فيما قبض الوكيل بسبب أمر (٣) جرى بينه وبين الغائب، وهو أخذ المال منه، فانتصب الحاضر خصما عن الغائب، فلو قضى القاضي بقطع حق الموكل عن المقبوض في يد الوكيل، كان قضاء على الغائب بحضرة الخصم، وإنه (٤) جائز.
قال (٥) ولو أنّ الموكل حين قدّم الغريم إلى القاضي، وجحد الوكالة لم يأخذ المال حتى غاب، فأحضر الغريم الوكيل عند ذلك القاضي، فإنه يقضي على الوكيل بردّ المال على الغريم، لأنه لو ادّعى عند هذا القاضي جحود الموكل عند قاض آخر، ويثبت ذلك بالبينة، فإن القاضي يقضى له بالمال على الوكيل.
والمعنى ما قلنا أنه لما جحد الموكل [الوكالة] (٦) عند القاضي، واختار أخذ المال من
стр. 1208
الغريم، فقد أبطل الوكالة، وقطع حق نفسه عما قبض الوكيل، فإنما بطل حقه عن المقبوض بإبطاله، فلم يكن [الغريم] (١) ساعيا في نقض حقٍ أثبته الغائب، وهو قضاء على الغائب بحضرة من قام مقامه، لأن الغريم ادّعى حقا على الوكيل، أو في يده بسبب فعل جرى بينه وبين الموكل، وهو اختياره تضمين الغريم، وتقرير الدين في ذمة الغريم، فانتصب الحاضر خصما عن الغائب.
-والله أعلم-
стр. 1209
باب الوكالة بالشيء يكون على غير ما أمر به ما يجوز ما لا يجوز (١)
ذكر في الباب فصولا ثلاثة: فصل في الوكالة، وفصل في مباشرة الشراء، وفصل في المضاربة، وأدارها على أصول (٢) أربعة:
أحدها: أنّ الإشارة والتسمّية إذا اجتمعتا في التوكيل، إن كان المشار إليه من جنس المسمّى يتعلق العقد بالمشار إليه، وإن لم يكن من جنسه يتعلق بالمسمّى (٣)؛ لما عرف في
стр. 1210
البيوع وغيره (١).
والثاني: إن دفع الغرور عن الوكيل واجب، كيلا يمتنع الناس عن قبول الوكالة، ولهذا لا يصح عزله بدون علمه قصدا (٢).
والثالث: أن النقود لا تتعين في التوكيل قبل التسليم إلى الوكيل (٣)، وتتعين في الشركات والمضاربات على كل حال، لأن المقصود من المضاربة والشركة الربح (٤) دون العقد، فكانت بمنزلة الهبة، والنقود تتعين في الهبة.
أما المقصود من التوكيل عقد الوكيل، فكانت الوكالة وسيلة إلى الشراء، والنقود لا تتعين في الشراء والمعاوضات، فلا تتعين في الوسيلة.
وبعد ما دفع إلى الوكيل هل تتعين؟
قال بعضهم: تتعين حتى تبطل الوكالة بهلاكها قبل الشراء.
وقال عامة المشايخ: لا تتعين لما قلنا أن التوكيل وسيلة إلى الشراء (٥)، وإنما تبطل الوكالة بهلاكها قبل الشراء، لأن المقصود من الدفع إلى الوكيل قطع رجوع الوكيل على الموكل؛ لما عرف أنّ عقد الوكيل يوجب دينين: دينا للبائع على الوكيل، ودينا للوكيل على
стр. 1211
الموكل؛ ولهذا كان للوكيل أن يطالب الآمر بأداء الثمن قبل الأداء من مال نفسه، فإنما يدفع المال إلى الوكيل ليكون رجوعه فيما نقد لا في ذمة الآمر، فكان ذلك دليلا على توقيت الوكالة بها، إذا كان المدفوع صالحا لاستيفاء الثمن، واقتضاءه منه.
والرابع: أنّ استيفاء الأكثر من الأقل ممتنع، والاستيفاء من خلاف الجنس لا يكون إلا بطريق المبادلة، والمبادلة لا تتمّ بدون الرضى.
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل قال لغيره: اشتر لي جارية بما في هذا الكيس، وهو ألف درهم، أو قال: اشتر لي جارية بألف درهم التي في هذا الكيس، ودفع إليه الكيس، فاشترى له الوكيل جارية بألف درهم، فنظر في الكيس، فإذا فيه ألف دينار، أو ألف فلس، أو تسعمائة درهم، أو وجده فارغًا لا شيء فيه، فالشراء جائز على الآمر.
وإنما قال ذلك لوجهين:
أحدهما: أنه سمّى الدراهم، وأشار إلى الدينار والفلوس، وهما جنسان، فيتعلق العقد بالمسمى، كما لو باع فَصًّا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج، يعتبر المسمّى، ويبطل العقد لانعدام المسمّى (١).
وأما إذا وجد الكيس (٢) فارغًا لا شيء فيه (٣) فكذلك؛ لأنه أشار إلى المعدوم، وأثر (٤) العدم في منع تعلق العقد به فوق اختلاف الجنس، وكذا لو كان فيه تسعمائة
стр. 1212
درهم (١)؛ لأن قدر المائة معدوم.
والثاني: ما قلنا إن النقود لا تتعين في التوكيل (٢)، ولهذا لا تتعين قبل التسليم إلى الوكيل، فكان المقصود قطع رجوع الوكيل علي الموكل، واستيفاء الثمن من المدفوع، فإذا لم يكن فيه شيء، أو كان فيه تسعمائة لم يصحّ الأمر بالاستيفاء؛ لأنه محال وغرور.
وأما إذا كان فيه دنانير أو فلوس، فاستيفاء الثمن منه لا يكون إلا بطريق المبادلة، وأنه يعتمد الرضى، فلا يتمّ مع الجهل، وإذا لم يصح الأمر بالاستيفاء صار دفع الكيس إليه وعدمه بمنزلة.
وقبل الدفع لو اشترى له جارية بألف كان جائزا ممتثلا لأمره لتعلّق التوكيل بالمسمّى فكذلك هنا، ويرجع الوكيل على الموكل بألف درهم. ولو هلك الكيس عنده يهلك أمانة.
وكذا لو كان في الكيس ألف وخمس مائة فاشترى له جارية بألف، جاز الشراء (٣) على الأمر، ويستوفي ألفا مما نقد، ويردّ الباقي على الموكل؛ لأن استيفاء ألف وخمس مائة عن الألف (٤) يكون ربًا، فيردّ الزيادة.
وكذا لو نظر الوكيل في الكيس أوَّلًا، ثم اشترى جارية بألف كان ممتثلًا أمره؛ لأن الوكالة تعلقت بالمسمى لما قلنا. ولنفي الغرور عن الوكيل؛ لأنها لو تعلّقت بالمشار إليه، فإذا اشترى بألف يصير مشتريًا لنفسه، فيتضرر به، فإذا تعلقت بالمسمى كان ممتثلًا.
стр. 1213
ولو كان الموكّل وزَن ألف درهم بين يدي الوكيل، وهي غير مشكلة فقال: اشتر لي بهذه المائة دينار جاريةً، فاشترى له جارية بألف درهم، كان مشتريًا للآمر، وإن اشترى بمائة دينار كان مشتريًا لنفسه، لأنه لما أراه الدراهم انتفى الغرور، وزال الاشتباه والضرر، إذ ليس الخبر كالعَيان، وتحمل التسمية على ما هو المعتاد، وهو الترويج والمدح أو الذمّ إذا سمَّاهما فلوسًا، يقول الرحلْ: أبيع منك هذا الفرس، ويشير إلى الحمار مدحًا له، ويقول: أبيع منك هذا الحمار، ويشير إلى العبد ذمًا له.
ولو قال: اشترلي بهذه الألف جارية، وأشار إلى الدراهم، ولم يدفعها إلى الوكيل حتى سرقت، أو ضاعت، أو أنفقها الموكل على نفسه، وعلم الوكيل بذلك أو لم يعلم، ثم اشترى له جارية بألف درهم كان مشتريًا للآمر؛ لأن التعيين لم يصح، ولم يوجد ما يدل على التوقيت، وهو التسليم إلى الوكيل، فتعيّنت الوكالة بألف مطلقة، وإذا لم تتعلق الوكالة بتلك الدراهم لم يكن إنفاقها عزلًا للوكيل، فكان مشتريًا للآمر.
ولو دفعها إلى الوكيل، فلم يشتر بها حتى سرقت أو ضاعت، لا ضمان عليه؛ لأنه كان أمينًا في القبض (١)؛ لأنه لا يستوجب على المؤكل دينًا قبل الشراء، فلا يكون عاملًا لنفسه، وتبطل الوكالة بهلاكها لوجود ما يدل على التوقيت، وهو الدفع إلى الوكيل علم الوكيل بذلك أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكميّ لا غرور فيه، فلا يتوقف على العلم.
стр. 1214
ولو دفع إليه الكيس، وقال: اشتر لي جارية بالألف التي في هذا الكيس، فإذا فيه خمس مائة درهم، فلم يشتر بها حتى ضاعت، ثم اشترى بالألف جارية كان مشتريًا لنفسه؛ لأنه سمى ألفًا، ودفع إليه خمس مائة، فصار كأنه قال: اشتر لي جارية بهذه الخمس مائة، وبخمس مائة أخرى من مالي.
ولو قال ذلك، وضاع المنقود، ثم اشترى بالألف جارية كان مشتريًا لنفسه؛ لأنه لم يرض بتوجه المطالبة عليه بما زاد على خمس مائة، فلو جاز شراؤه للآمر (١) بألف بعد هلاك المنقود كان له أن يرجع على الآمر يألف (٢)، وهو غير راضٍ به فتبطل الوكالة بخمس مائة، بقي وكيلا في الشراء بخمس مائة، فإذا اشترى بالألف كان مشتريا لنفسه.
وإن اشترى بخمس مائة درهم (٣) ينظر: إن كانت الجارية تساوى ألفًا أو أقل من ألف قدرَ ما يتغابن الناس فيه، يكون مشتريا للآمر، لأنه حصل مقصوده، ولا يتوجه عليه المطالبة إلا بخمس مائة، وللوكيل (٤) رضي بذلك.
وإن كانت تساوي خمس مائة يكون مشتريا لنفسه، لأنه لما أمره بالشراء بألف، فإنما يرغب في جارية تساوي ألفا، فإذا اشترى غيرها كان مخالفا، كما لو قال: اشتر لي جارية بهذه الخمس مائة بخمس مائة أخرى من مالي، ودفع الخمس مائة إليه، ولم يهلك المنقود حتى اشترى (٥) الوكيل، إن اشترى بالخمس مائة جارية [إن كانت] (٦) تساوي ألفا يجوز،
стр. 1215
وإلا فلا، كذلك ههنا.
وكذا لو دفع الألف إليه، وهلك بعضها، ثم اشترى الوكيل بالألف جارية كان مشتريا لنفسه، ولو اشترى بما بقي جارية تساوي ألفا لزم الأمر، [وإلا فلا] (١)، ولو لم يهلك من الألف شيء حتى اشترى ببعضها جارية تساوي ألفًا لزم الأمر، كذلك هنا.
ولو دفع إلى رجل ألف درهم، وأمره أن يشتري له جارية بها فضاعت، ثم اشترى المأمور للآمر جارية ألف درهم (٢) ثم تصادقا أن الدراهم التي ضاعت كانت ستوقه (٣) أو رصاصا، كان الشراء جائزًا (٤) على الآمر، لأن الثابت بتصادقهما في حقهما كالثابت عيانا.
ولو عاينا أنها كانت ستوقة كان مشتريا للآمر، لأن الستوقة والرصاص ليسا من جنس الدراهم، ولهذا لو تجوّز بهما في الصرف والسلم لا يجوز، وعند اختلاف الجنس يتعلق التوكيل بالمسمى لما قلنا (٥)، فكان دفعها وعدم دفعها بمنزلة، ويكون الوكيل مشتريا للأمر.
стр. 1216
ولو تصادقا أن الدراهم المدفوعة (١) كانت زيوفا أو بنهرجةً، والمسألة بحالها كان الوكيل مشتريا لنفسه، لأن الزيوف والبنهرجة من جنس الدراهم، ولهذا لو تجوّز بهما في الصرف والسلم يجوز، فتتعلق الوكالة بالمدفوع والمشار إليه لوجهين:
أحدهما: ما قلنا من اعتبار الإشارة في الجنس الواحد.
والثاني: أن المدفوع يصلح محلا لاستيفاء الثمن منه، فتَتوقّت الوكالة بقيامها، فإذا اشترى بعد ما انتهت الوكالة بهلاكها كان مشتريا لنفسه.
ولو كانت الزيوف قائمة، فاشترى المأمور جارية بألف جياد لزم الآمر، جعَل الزيوفَ متعينة عند الهلاك حتي جعل شراء الوكيلَ بالجياد شراء لنفسه (٢)، ولم يجعلها متعينة حال قيامها حتي جعل شراء الوكيل (٣) بالجياد شراءً للآمر.
ووجه ذلك (٤) أن الوكالة تعلقت بالجياد، لأن مطلق اسم الدراهم ينصرف إلي الجياد، إلا أنه إذا (٥) دفع الزيوف الوكيل (٦)، وأنها تصلح لاقتضاء الجياد منها بالتجوّز توَقّتت الوكالة ببقائها، فإذا هلكت قبل الشراء انتهت الوكالة، لأنها تعينت في الوكالة.
ثم إذا جاز شراء الوكيل بالجياد على الآمر حال قيام المدفوع كان له أن يردّ عليه
стр. 1217
الزيوف، ويرجع بالجياد لأنه بالعقد استوجب عليه الرجوع بالجياد، فإذا لم يعلم بالمقبوض، ووجده زيوفا كان له أن يردّه، ويرجع عليه (١) بحقه، وكذا لو علم الوكيل أن المقبوض (٢) زيوف وهي قائمة في يده، واشترى بالجياد جاز الشراء (٣) على الآمر لما قلنا إن الوكالة تعلقت بالجياد [لانصراف] (٤) مطلق اسم الدراهم ينصرف (٥) إليها، فلا تتغير بعد ذلك.
فإن دفع الوكيل الزيوف إلى البائع الجارية (٦)، وتجوز بها البائع لا يرجع الوكيل على الآمر بشيء؛ لإن الوكيل حين قبض الزيوفَ قبضها لاستيفاء الجياد منها، وصحّ قبضه، لكنه غير لازم لمكان (٧) لجهله، فلا يبطل ذلك القبض إلا بالرد على الآمر، وبعد ما دفع إلى البائع (٨) وتجوز بها البائع تعذّر الرد على الآمر، فلا يرجع الوكيل على الآمر بشيء.
ولو كان الموكل بيّن للوكيل حال دراهمه أنها زيوف، وسلمها إليه، أو لم يسلم حتى اشترى الوكيل بألف جياد، لزم الوكيل، لأنه لما بيّن له حال الدراهم انتفى الغرور، وزال الاشتباه، وصار كأنه قال اشتر لي جارية بألف بزيوف أو بألف ستوقة، فإذا اشترى بالجياد
стр. 1218
كان مخالفا.
وكذا لو اشترى الوكيل بألف درهم، ولم يذكر جياد، ولا غيرها، لأن مطلق الدراهم في البياعات تنصرف إلى الجياد.
ولو قال اشتر لي جارية بهذه الألف والدراهم (١) ستوقة أو زيوف، ولا يعرفها واحد منهما كانت الوكالة على المسمى لا على الداراهم (٢) التي عينها، سلمها إلي الوكيل أو لم يسلم، ولا تتعلق بالمشار إليه إلا أن يعلم كل واحد منهما بحال الدراهم، ويعلم أيضا أن صاحبه يعلم بذلك، فحينئذ يتعلق الوكالة (٣) بالمشار إليه لا بالمسمى.
والحاصل أن التوكيل لا يتعلق بالمشار إليه إلا بعلوم أربعة: علمهما بحال الدراهم (٤)، وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه، لأن دفع الغرور عن الوكيل واجب، والقدرة على الامتثال شرط لصحة التوكيل، وذلك لا يحصل إلا بهذا (٥) العلوم الأربعة.
أما علم الوكيل؛ لأنه إذا كان لا يعلم بحال الدراهم يعتمد على التسمية، فإذا ظهر بخلافه، لو لزمه شراؤه دون الآمر يتضرّر به الوكيل.
وأما علم (٦) الموكل؛ فلأنه إذا كان لا يعلم كان مراده ما سمّى، فإذا اشترى الوكيل بغير ما سمى لا يحصل مقصوده؛ لأن التي تساوي ألفا جيادا غير التي تساوي ألفا زيوفا،
стр. 1219
فيقول الموكل: خالفتَني في الوكالة.
وإن كانا يعلمان جميعا بحال الدراهم لكن الوكيل لا يعلم بعلم صاحبه، كان مراد الموكل عند التوكيل المسمى دون المشار إليه.
وإن كان الموكل لا يعلم بعلم الوكيل، كان في علم الموكل أن الوكيل لا يعلم مراده، فيتمسك بظاهر التسمية، ويتعلق التوكيل بالمسمى، وهي الجياد، فلا يتعلق التوكيل بالدراهم التي عيّنها إلا أن يعلم كل واحد منهما بحال الدراهم، ويعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه، وعند ذلك لو اشترى بالزيوف جارية تساوي ألفا جيادا لزم الآمر، لأنه خالفه إلى خير.
وإن اشترى بألف جياد، ثم تصادقا أنهما كانا يعرفان صفة الدراهم، وأن كل واحد منهما كان عالما بعلم صاحبه، فالوكالة تكون (١) على تلك الدراهم التي عينها؛ لأن الثابت بتصادقهما كالثابت عيانا، وعند المعاينة يتعلق التوكيل (٢) بالدراهم التي عينها.
وإن تصادقا أن الآمر يعرفها دون الوكيل، يتعلق التوكيل بالمسمى دفعا للغرور عن الوكيل، وإن تصادقا أن الوكيل (٣) كان يعرفها دون الآمر، فالتوكيل يتعلق بالمسمى كما في حالة المعاينة، وأيهما ادعى أنه لم يعلم كان القول قوله مع اليمين، لأنه متمسك بالأصل، وهو الجهل.
الفصل الثاني:
стр. 1220
رجل أتى بيّاعا بدراهم، وقال: بعني بهذه الألف كذا وكذا، فباعه بها، فإذا الدراهم زيوف، أو بنهرجة، أو ستوقة، فإن كان البائع يعلم أنها زيوف أو نبهرجة (١)، وقبضها (٢) لم يكن له إلا ذلك، وإن كان لا يعلم فله الجياد؛ لأن مطلق البيع يقع على الجياد التي تقع (٣) بها المعاملات في تلك البلدة، ولا يعتبر علم المشتري، وجهله (٤)، ولا علم كل واحد منهما بعلم صاحبه.
فرق بين هذا وبين الوكالة، والفرق أن الوكالة أمانة يعتبر فيها نفي الغرور عن الوكيل، والقدرة على الأئتمان، وإنها تتوقف على الوقوف بمراد الآمر، وذلك لا يحصل إلا بالعلوم الأربعة على ما قلنا (٥)، فيشترط [فيها] (٦) العلوم الأربعة.
أما في مسألتنا: صاحب الحق بائع، وهو المالك (٧) والمتملك، فيعتبر دفع الضرر عنه، فإذا لم يعلم صفة الدراهم لم يكن راضيا بنقصان حقه، فكان له أن يرد الزيوف (٨)، ويستوفي الجياد، وإن تجوَّز بالزيوف والنبهرجة جاز، لأنه أبطل حقه في الجودة، وإن
стр. 1221
كانت ستوقة فتجوّز لا يجوز إلا برضى المشتري؛ لأنه (١) ليس من جنس الدراهم، فاستيفاء الجياد بالستوق يكون مبادلة، فلا يتم إلا بالتراضي.
فإن علم البائع بصفة الدراهم قبل البيع، ثم باعه لا شيء له غيرها؛ لأن أخذ الزيوف بالجياد استيفاء الناقص بالكامل، فيتم بالبائع وحده، وفي الستوقة لا يصح البيع ما لم يعلما بذلك؛ لأن الستوقة (٢) ليست من جنس الدراهم، بل هي من العروض، فكان أخذها معاوضة، فلا يتم إلا بالتراضي، فيشترط علمها، ولا يشترط علم كل واحد منهما بعلم صاحبه لتعلق العقد بالمشار إليه بخلاف الوكالة.
والفرق ما قلنا إن في الوكالة إنما (٣) شرطنا العلوم الأربعة لنفي الغرور، والقدرة علي الامتثال، وذلك لا يحصل إلا بالعلوم الأربعة، وهنا شرطنا علمهما لتحقيق التراضي، فإذا علما فقد تراضيا، فلا يعتبر ذلك. وعن محمد ﵀ رجل جاء إلى قصاب بدراهم، وقال: بعني هذا العاتق بها، فأتاه الدراهم، فباعه بها، ولم يعلم بالدراهم، ثم وجدها زيوفا أو بنهرجة كان له أن يردّها، ويرجع بالجياد؛ لأن الإشارة إلى الدراهم بمنزلة التنصيص على الدراهم، فتنصرف إلى الجياد، فإذا وجدها زيوفا، والدراهم لا تتعين في البياعات، يردّها، ويرجع بالجياد، وإن وجدها ستوقة فالبيع فاسد، لأنها ليست من جنس الدراهم، والمعاوضة لا تتم بدون الرضى.
رجل دفع إلي رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فقبضها، ولم يعلم بها، فهو على
стр. 1222
وجوه: إما إن كانت زيوفا، أو بنهرجة، أو ستوقة، أو كانت ناقصة عن الألف.
فإن كانت زيوفا، أو بنهرجة ولم يعلم بذلك، أو علم أحدهما، أو علما ولم يعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه حتى اشترى المضارب جارية بألف جياد (١)، جاز شراؤه على المضارب، لأن المضاربة وكالة.
[وقد ذكرنا] (٢) في الوكالة أن التوكيل يتعلق بالمسمى، ولا يتعلق المشار إليه إلا بالعلوم الأربعة، فكذا هنا تتعلق المضاربة بالمسمى، ويكون قبض الزيوف استيفاء لرأس المال؛ لأنه من جنس رأس المال، فتتم المضاربة.
فإذا اشترى بالجياد كان ممتثلا لرب المال، فكانت الجارية على المضاربة.
فإن دفع المقبوض إلى البائع، وتجوّز بها البائع جاز، ولا يرجع المضارب بشيء على رب المال، ويكون رأس المال ما قبض المضارب؛ لأن رأس المال ما خرج عن ملكه بجهة المضاربة، فعند القسمة يأخذ رب المال مثلها برأس ماله، وما بقي ربحٌ بينهما على ما شرطا.
وإن لم يتجوّز البائع كان له أن يردها؛ لأنه دون حقه، فإن ردها، ردها المضارب على رب المال، ويرجع بالجياد كما في الوكالة، ويكون رأس ماله الجياد؛ لأنه دفع الجياد بحكم المضاربة.
هذا إذ لم يبيّن صفة الدراهم للبائع، فإن بيّن أنها زيوف، واشترى بها جارية كانت الجارية على المضاربة.
стр. 1223
فرق بين هذا وبين الوكالة، لو اشترى جارية بألف درهم (١) زيوف كان مشتريا لنفسه، والفرق أن في الوكالة مقصود الموكل عين الجارية، وقد رضي بجارية تساوي ألفا جيادا، فلا يكون راضيا بجارية تساوي ألفا زيوفا.
أما في المضاربة: مقصود ربّ المال (٢) الربح، لا عين الجارية، والربح حاصل، وإذا اشترى (٣)، جاز شراؤه على المضاربة كان رأس المال ألفا زيوفا كما قبض، وإن هلكت الزيوف عند المضارب قبل الشراء بطلت المضاربة، كما لو هلك المال عند الوكيل قبل الشراء.
هذا إذا كانت الدراهم زيوفا أو بنهرجة، فإن كانت ستوقة، أو رصاصا، فاشترى المضارب بألف جياد، كان مشتريا لرب المال، فإن باعها، وربح كان الريح كله لرب المال، لأن المضاربة تعلقت بالمسمى لما قلنا، والمسمى ألف درهم، وقبضُ الستوقة لا يصلح استيفاء لرأس المال؛ لأنها ليست من جنس الدراهم، فتفسد المضاربة؛ لأن قبض رأس المال شرط لصحة المضاربة، ولم يوجد.
وإذ فسدت المضاربة بقيت وكالة؛ لأن في المضاربة توكيلا وزيادة، فإن فسدت المضاربة لا يفسد التوكيل؛ لأن قبض رأس المال ليس بشرط لصحة الوكالة، وإذا بقيت الوكالة فما اشترى يكون للآمر، وللمضارب أجر مثله، لأنه ابتغى بعلمه عوضا، وهو نصف الربح، فإذا لم يسلم له ذلك، كان له أجر مثله، كما هو الحكم في المضاربة الفاسدة.
стр. 1224
وإن لم يكن المقبوض ستوقة، ولكنها كانت خمس مائة درهم (١)، فاشترى المضارب بالألف جاريةً جاز شراؤه على رب المال، ويكون نصف الجارية (٢) للمضارب، والنصف لرب المال خاصة، ويرجع علي رب المال بخمس مائة؛ لأن قبض رأس المال شرط لصحة المضاربة، وقد وجد ذلك في النصف، فتمّت المضاربة في النصف، وبطلت في النصف اعتبارا للبعض بالكل، وما بطلت المضاربة فيه بقيت وكالة، وإذا بقيت الوكالة في النصف صار (٣) مشتريا لرب المال.
فإن باعها، وربح فيها، فنصف الثمن مع نصف الربح يكون لرب المال خاصة؛ لأنه بدل ملكه، والنصف الأخر يكون للمضاربة، يأخذ رب المال من ذلك رأس ماله خمس مائة، وما بقي فهو ربح بينهما، ولا أجر للمضارب فيما اشترى لرب المال ههنا؛ لأنه شريك في نصف ربح الجارية (٤)، ومن عمل (٥) فيما هو فيه شريك لا أجرَ له.
ولو كانا يعلمان بنقصان الدراهم، ويعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه، وكان ذلك ظاهرا غير مشكل، فالمضاربة على ما قبض من المال خاصة، حتى لو اشترى بأكثر من المقبوض جارية يكون المضارب مشتريا تلك [الزيادة] (٦) لنفسه؛ لأن عند اجتماع العلوم الأربعة تتعلق المضاربة والوكالة بالمشار إليه.
стр. 1225
وكذا لو كان المقبوض زيوفا كانت هي رأس المال لما قلنا إن عند انتفاء الغرور يتعلق العقد بالمشار إليه، فإن اشترى بها شيئا يكون للمضاربة، وما اشترى بأجود منها يكون مشتريا لنفسه لمكان الخلاف.
وإن كانت ستوقة [أو رصاصا] (١)، فإن اشترى بها شيئا كان ذلك لرب المال خاصة، لأن الستوقة لا تصلح رأس مال المضاربة (٢)؛ لأنها بمنزلة العروض، فما اشترى بها يكون لرب المال؛ لأنه بدل ملكه باع وكيله بإذنه (٣)، وللمضارب أجر [مثل] (٤) عمله، لأنه عمل لغيره بعوض، فكان بمنزلة بالوكيل بالأجر، وإن اشترى بدراهم يكون مشتريا لنفسه لأن الأمر تعلق بالستوقة (٥).
وإن كانت الدراهم خمس مائة، وقد سمّاها (٦) ألفا، فاشترى المضارب جارية بألف كان نصفها للمضاربة، والباقي للمضارب هنا، ويكون تسمية الألف مجازا عن الترويج والترغيب، فكأنه لم يسمّ إلا خمس مائة.
-والله أعلم -
стр. 1226
باب من الوكالة (١) على العبد والعتق على ذلك والوكالة فيه والنكاح والخلع والبيع والإجارة
في الباب فصلان: فصل في مباشرة العقود، وفصل في التوكيل بها.
وأدار الباب على أصلين:
أحدهما: أن جهالة جنس البدل تمنع صحة التسمية في العقود كلها، وجهالة النوع والصفة تمنع في معاوضة المال بالمال، ولا تمنع في غيرها؛ لأن الجهالة لا تمنع الصحة لعينها، بل للإفضاء إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلّم.
وجهالة الجنس فاحشة تفضي إلى المنازعة في العقود كلها؛ لأن الجنس إذا اختلف يختلف المقصود؛ وفوات المقصود يفضي إلى المنازعة.
أما جهالة النوع والصفة في الجنس الواحد لا تُفضي إلى المنازعة على كل حال؛ لأن في الجنس الواحد يحصل أصل الغرض، وإنما يفوت كماله، فكانت هذه جهالة يسيرة، إلا أن معاوضة المال بالمال بُنيت على المماكسة، والاستقصاء، والمضايقة، فكان اليسير فيها بمنزلة الفاحش (٢).
стр. 1227
أما معاوضة المال بما ليس بمال بُنيت على التوسعة، والمساهلة في البدل، فالتفاوت اليسير فيها لا يُفضي إلى المنازعة، فلا يمنع صحة التسمية.
والثاني: ما عُرف أن الغبن اليسير يتحمّل من الوكيل بالشراء، ولا يتحمل منه الفاحش عند الكل، وكذا الوكيل بالبيع عندهما، وعند أبي حنيفة ﵀ يتحمّل منه الفاحش [أيضا] (١).
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل قال لعبده: كاتبتك على عبد، ولم يسم شيئا جاز.
لما روي عن عمر ﵁ أنه أجاز الكتابةَ على الوصفاء، ولأنه لو كاتبه على مال معلوم يصح، فلو لم يصح هذا (٢) إنما لا يصح لجهالة العبد، وهذا عقد بني على المساهلة (٣) والإرفاق بالعبد، فجهالة النوع والصفة لا تمنع الصحة، فيصح، وينصرف إلى الوسط نظرا للجانبين، كما فيي الزكاة والدية [والمهر] (٤).
و"الوسط" عند أبي حنيفة: هو الذي قيمته أربعون دينارا، وعندهما: على قدر الغلاء والرخص في كل عصر، وقد ذكرنا هذا في كتاب النكاح (٥)، جعل العبد جنسا واحدا في هذا النوع، وفي الوكالة جعله بين الجنس والنوع عملا بالشبَهين بقدر الإمكان.
стр. 1228
والخلع، والنكاح، والصلح عن دم العمد، والعتق على مال في هذا بمنزلة الكتابة.
وكذا لو كاتب عبده على عشرة أثواب يهودية جاز، وينصرف إلى الوسط، ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب؛ لأن عقد الكتابة عقد إرفاق بالمكاتب، فلا يبلغ بدل الكتابة قيمته من حيث الظاهر.
وفي البيع، والإجارة، والصلح عن الخطأ، والصلح عن الدين لا يجب الحيوان في الذمة لما قلنا وكذا الثوب لا يجب دينا في الذمة في هذه (١) العقرد إلا بشرائط السلم، سواء أضيف إليه البيع، أو جعله ثمنا (٢) بإدخال حرف الباء، والمكيل والموزون إذا كان ثمنا، وبيّن وصفه يجب في الذمة، وإن لم يكن بدلا لا يجب إلا بشرائط السلم.
ولو قال لعبده: كاتبتك على دراهم فقبل، كانت الكتابة فاسدة حتى لا يعتق المكاتب بهذا العقد أبدا، لأن جهالة القدر فاحشة بمنزلة جهالة الجنس، وهذه جهالة لا يمكن رفعها بتحمّل الأقصى، لأن أقصى الدراهم ليس بمعلوم، فلا يفيد حكمه.
وكذا لو كاتبه علي وصفا، ولم يبين العدد، أو على ثياب هروية، وكذا لو تزوج امرأة على دراهم، أو على وصفا، أو أعتق العبد (٣) على ذلك، أو صالح من دم العمد على ذلك لا تصح التسمية في شيء من هذه العقود لما قلنا، ولأن فساد التسمية على هذا الوجه يبطل الكتابة، فلا يثبت حكمها، وفي النكاح يصح النكاح، ويجب مهر المثل، وفي العتق على ذلك يوعتق العبد، ويلزمه قيمته، وفي الصلح عن القصاص تجب الدية؛ لأن في الكتابة يثبت العتق عند الأداء، وقد تعذّر الأداء.
стр. 1229
أما النكاح كما وُجد، واتصل الإيجاب بالقبول يفيد حكمه، وكذا العتق على مال، والصلح عن القصاص، وهذه العقود بعد وقوعها لا تحتمل الفسخ، فإذا تعذر استيفاء البدل وردّ المبدَل، يصار إلى قيمة الممبدل ردّا للمبدل من حيث المعنى، كما لو اشترى عبدا بعرض فأعتق العبد المشتري، وهلك العرض قبل التسليم، فإنه يجب قيمة العبد كذلك ههنا.
فرق بين هذه العقود وبين الخلع إذا خالع امرأته على دراهم، أو على وصفا، كان عليها ثلاثة دراهم، أو ثلاثة وصفا أو ساط.
والفرق أن قضية الدليل عند تعذر استيفاء البدل إعادة المبدل، أو إعادة قيمته عند العجز عن إعادة المبدل ليكون إعادة للمبدل من حيث المعنى؛ لأن صاحب المبدل لم يرض بزوال حقه إلا بالبدل، وفي النكاح والصلح عن القصاص والعتق أمكن اعتبار هذا الأصل؛ لأن البضع حالة الدخول في ملك الزوج متقوّم، والقصاص متقوم، وهو يعرض أن يصير مالا عند عفو أحد الشريكين ونحوه.
ونفس العبد في الاعتاق متقوم؛ فأمكن إيجاب قيمة البدل أما البضع حالة الخروج عن ملك الزوج غير متقوم (١)، فكما تعذر إيجاب المسمى بكماله تعذر إيجاب قيمة المبدل، وهو البضع، فيجب عليها أدنى الجمع؛ لأنه متيقّن رعايةً لحق الزوج بقدر الإمكان، وصار التزام الدراهم فيي الخلع بمنزلة التزامها بالإقرار، ولو أقر رجل (٢) على نفسه بدراهم، ولم يبين شيئا يلزمه ثلاثة دراهم كذلك ههنا.
стр. 1230
ثم استشهد محمد (١) رحمه الله تعالى لبيان أن البضع حالة الدخول في ملك الزوج متقوم، وحالة الخروج عن ملكه غير متقوم بمسائل:
منها: أن المريض إذا تزوج امرأة بمقدار مهر المثل يعتبر من جميع ماله؛ لأنه قابَل المتقوّم بالمتقوم.
والأب إذا زوّج ابنَه الصغير امرأةً بمقدار مهر مثلها (٢) يصح، ويعتبر معاوضة.
والمريض إذا صالح عن قصاصٍ عليه، على الدية، يعتبر من جميع المال.
والمريضة إذا اختلعت من زوجها بمال يعتبر من الثلث بمنزلة الوصية.
والأب إذا خالع ابنته الصغيرة من زوجها على مالها لا يصح، ويصير تبرعا.
الفصل الثاني: فصّل التوكيل:
وإنه على وجهين: إما أن وكله بمعاوضة المال بما ليس بمال، أو بمعاوضة المال بالمال.
فإن وكلّه بإن يكاتب عبده على ثوب هرويّ، أو على عبد، أو كرّحنطة جاز، وينصرف إلى الوسط، كما لو باشر الموكل بنفسه، ثم الوكيل إن سمّى في الكتابة عبدًا بغير عينه جاز، وينصرف إلى الوسط لما قلنا.
وإن كاتبه على عبد بعينه، فإن كان وسطًا أو مرتفعًا جاز؛ لأنه وافقه أو خالفه إلى خير، وإن كان دون الوسط لا يجوز؛ لأنّ المذكور لما انصرف إلى الوسَط صار كأنه نصّ علي الوسَط، ولو نصّ على الوسط فكاتبه على ما دون الوسط لا يجوز؛ لأنه خلاف إلى شر، كذلك ههنا.