باب من الوكالة (١) على العبد والعتق على ذلك والوكالة فيه والنكاح والخلع والبيع والإجارة
في الباب فصلان: فصل في مباشرة العقود، وفصل في التوكيل بها.
وأدار الباب على أصلين:
أحدهما: أن جهالة جنس البدل تمنع صحة التسمية في العقود كلها، وجهالة النوع والصفة تمنع في معاوضة المال بالمال، ولا تمنع في غيرها؛ لأن الجهالة لا تمنع الصحة لعينها، بل للإفضاء إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلّم.
وجهالة الجنس فاحشة تفضي إلى المنازعة في العقود كلها؛ لأن الجنس إذا اختلف يختلف المقصود؛ وفوات المقصود يفضي إلى المنازعة.
أما جهالة النوع والصفة في الجنس الواحد لا تُفضي إلى المنازعة على كل حال؛ لأن في الجنس الواحد يحصل أصل الغرض، وإنما يفوت كماله، فكانت هذه جهالة يسيرة، إلا أن معاوضة المال بالمال بُنيت على المماكسة، والاستقصاء، والمضايقة، فكان اليسير فيها بمنزلة الفاحش (٢).
стр. 1227
أما معاوضة المال بما ليس بمال بُنيت على التوسعة، والمساهلة في البدل، فالتفاوت اليسير فيها لا يُفضي إلى المنازعة، فلا يمنع صحة التسمية.
والثاني: ما عُرف أن الغبن اليسير يتحمّل من الوكيل بالشراء، ولا يتحمل منه الفاحش عند الكل، وكذا الوكيل بالبيع عندهما، وعند أبي حنيفة ﵀ يتحمّل منه الفاحش [أيضا] (١).
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل قال لعبده: كاتبتك على عبد، ولم يسم شيئا جاز.
لما روي عن عمر ﵁ أنه أجاز الكتابةَ على الوصفاء، ولأنه لو كاتبه على مال معلوم يصح، فلو لم يصح هذا (٢) إنما لا يصح لجهالة العبد، وهذا عقد بني على المساهلة (٣) والإرفاق بالعبد، فجهالة النوع والصفة لا تمنع الصحة، فيصح، وينصرف إلى الوسط نظرا للجانبين، كما فيي الزكاة والدية [والمهر] (٤).
و"الوسط" عند أبي حنيفة: هو الذي قيمته أربعون دينارا، وعندهما: على قدر الغلاء والرخص في كل عصر، وقد ذكرنا هذا في كتاب النكاح (٥)، جعل العبد جنسا واحدا في هذا النوع، وفي الوكالة جعله بين الجنس والنوع عملا بالشبَهين بقدر الإمكان.
стр. 1228
والخلع، والنكاح، والصلح عن دم العمد، والعتق على مال في هذا بمنزلة الكتابة.
وكذا لو كاتب عبده على عشرة أثواب يهودية جاز، وينصرف إلى الوسط، ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب؛ لأن عقد الكتابة عقد إرفاق بالمكاتب، فلا يبلغ بدل الكتابة قيمته من حيث الظاهر.
وفي البيع، والإجارة، والصلح عن الخطأ، والصلح عن الدين لا يجب الحيوان في الذمة لما قلنا وكذا الثوب لا يجب دينا في الذمة في هذه (١) العقرد إلا بشرائط السلم، سواء أضيف إليه البيع، أو جعله ثمنا (٢) بإدخال حرف الباء، والمكيل والموزون إذا كان ثمنا، وبيّن وصفه يجب في الذمة، وإن لم يكن بدلا لا يجب إلا بشرائط السلم.
ولو قال لعبده: كاتبتك على دراهم فقبل، كانت الكتابة فاسدة حتى لا يعتق المكاتب بهذا العقد أبدا، لأن جهالة القدر فاحشة بمنزلة جهالة الجنس، وهذه جهالة لا يمكن رفعها بتحمّل الأقصى، لأن أقصى الدراهم ليس بمعلوم، فلا يفيد حكمه.
وكذا لو كاتبه علي وصفا، ولم يبين العدد، أو على ثياب هروية، وكذا لو تزوج امرأة على دراهم، أو على وصفا، أو أعتق العبد (٣) على ذلك، أو صالح من دم العمد على ذلك لا تصح التسمية في شيء من هذه العقود لما قلنا، ولأن فساد التسمية على هذا الوجه يبطل الكتابة، فلا يثبت حكمها، وفي النكاح يصح النكاح، ويجب مهر المثل، وفي العتق على ذلك يوعتق العبد، ويلزمه قيمته، وفي الصلح عن القصاص تجب الدية؛ لأن في الكتابة يثبت العتق عند الأداء، وقد تعذّر الأداء.
стр. 1229
أما النكاح كما وُجد، واتصل الإيجاب بالقبول يفيد حكمه، وكذا العتق على مال، والصلح عن القصاص، وهذه العقود بعد وقوعها لا تحتمل الفسخ، فإذا تعذر استيفاء البدل وردّ المبدَل، يصار إلى قيمة الممبدل ردّا للمبدل من حيث المعنى، كما لو اشترى عبدا بعرض فأعتق العبد المشتري، وهلك العرض قبل التسليم، فإنه يجب قيمة العبد كذلك ههنا.
فرق بين هذه العقود وبين الخلع إذا خالع امرأته على دراهم، أو على وصفا، كان عليها ثلاثة دراهم، أو ثلاثة وصفا أو ساط.
والفرق أن قضية الدليل عند تعذر استيفاء البدل إعادة المبدل، أو إعادة قيمته عند العجز عن إعادة المبدل ليكون إعادة للمبدل من حيث المعنى؛ لأن صاحب المبدل لم يرض بزوال حقه إلا بالبدل، وفي النكاح والصلح عن القصاص والعتق أمكن اعتبار هذا الأصل؛ لأن البضع حالة الدخول في ملك الزوج متقوّم، والقصاص متقوم، وهو يعرض أن يصير مالا عند عفو أحد الشريكين ونحوه.
ونفس العبد في الاعتاق متقوم؛ فأمكن إيجاب قيمة البدل أما البضع حالة الخروج عن ملك الزوج غير متقوم (١)، فكما تعذر إيجاب المسمى بكماله تعذر إيجاب قيمة المبدل، وهو البضع، فيجب عليها أدنى الجمع؛ لأنه متيقّن رعايةً لحق الزوج بقدر الإمكان، وصار التزام الدراهم فيي الخلع بمنزلة التزامها بالإقرار، ولو أقر رجل (٢) على نفسه بدراهم، ولم يبين شيئا يلزمه ثلاثة دراهم كذلك ههنا.
стр. 1230
ثم استشهد محمد (١) رحمه الله تعالى لبيان أن البضع حالة الدخول في ملك الزوج متقوم، وحالة الخروج عن ملكه غير متقوم بمسائل:
منها: أن المريض إذا تزوج امرأة بمقدار مهر المثل يعتبر من جميع ماله؛ لأنه قابَل المتقوّم بالمتقوم.
والأب إذا زوّج ابنَه الصغير امرأةً بمقدار مهر مثلها (٢) يصح، ويعتبر معاوضة.
والمريض إذا صالح عن قصاصٍ عليه، على الدية، يعتبر من جميع المال.
والمريضة إذا اختلعت من زوجها بمال يعتبر من الثلث بمنزلة الوصية.
والأب إذا خالع ابنته الصغيرة من زوجها على مالها لا يصح، ويصير تبرعا.
الفصل الثاني: فصّل التوكيل:
وإنه على وجهين: إما أن وكله بمعاوضة المال بما ليس بمال، أو بمعاوضة المال بالمال.
فإن وكلّه بإن يكاتب عبده على ثوب هرويّ، أو على عبد، أو كرّحنطة جاز، وينصرف إلى الوسط، كما لو باشر الموكل بنفسه، ثم الوكيل إن سمّى في الكتابة عبدًا بغير عينه جاز، وينصرف إلى الوسط لما قلنا.
وإن كاتبه على عبد بعينه، فإن كان وسطًا أو مرتفعًا جاز؛ لأنه وافقه أو خالفه إلى خير، وإن كان دون الوسط لا يجوز؛ لأنّ المذكور لما انصرف إلى الوسَط صار كأنه نصّ علي الوسَط، ولو نصّ على الوسط فكاتبه على ما دون الوسط لا يجوز؛ لأنه خلاف إلى شر، كذلك ههنا.
стр. 1231
وكذا لو وكّله بالصلح عن القصاص على عبد جاز، وينصرف إلى الوسط لما قلنا، وكذا لو وكّله بالنكاح أو بالخلع فسميي الوكيل عبدًا بغير عينه جاز، وينصرف إلى الوسط، ولو صالح على عبد (١) بعينه فهو على ما قلنا.
قالوا هذا إذا كان وكيل الطالب، أما إذا كان وكيل المطلوب فسمّى الوكيل عبدًا بعينه لموكّله لا يجوز؛ لأن فيه زيادة ضرر بالموكل، والصحيح أنهما سوآء لإطلاق اللفظ.
وإن وكّل بشيء من هذه العقود على دراهم هذه (٢)، أو على وصفا، أو على ثياب هروية إن ذكَر القدرَ والعددَ جاز، وينصرف إلى ذلك القدر، والعدد لا يتناول ما دونه، وإن لم يذكر الموكّل عدد الوصفاء والثياب وقدر الدراهم صحّ التوكيل أيضًا، فإنه لو وكل بالبيع، ولم يسم البدل جاز، فهذا أولى.
وإذا صح التوكيل، فإن كاتبه الوكيل على وصفا أو على الدراهم أو على الثياب ولم يسم العدد لا يجوز، كما لو باشر الموكل بنفسه.
وإن سمّى الوكيل عددًا دون الثلاثة لا يجوز أيضًا؛ لأنه ذكر الجمع فلا بدّ من أعتباره، وإن سمّى الثلاث فما فوقها، في الكتابة والعتق يجعل قيمة عبد الموكل أصلًا ومعيارًا، وفي النكاح مهر المثل، وفي الصلح عن القصاص الدية، وفي الخلع ما ساق إليها من الصداق يجعل أصلًا [ومعيارًا] (٣) ومبدلًا.
ثم ينظر إلى ما سمّى الوكيل في عقده: إن كان ذلك مثل قيمه المبدل، أو فوقها، أو أقلّ منها قدر ما يتغابن الناس فيه يجوز، وإلّا فلا؛ لأنّ ذكر الدارهم والوصفا والثياب في
стр. 1232
التوكيل كان لبيان جنس ما يقع به التوكيل، لا لبيان القدر، فصار في حق القدر كأنه وكله بالعقد، ولم يسمّ البدل فيه، [ولو وكّله بالعقد ولم يسمّ البدل] (١) يجعل قيمة عبد الموكل في الكتابة، والعتق، ومهر المثل في النكاح، والدية في الصلح عن دم القصاص (٢)، وقيمة ما ساق إليها من الصداق في الخلع معيارًا على الوجه الذي ذكرنا، فلا يملك الغبن الفاحش [كذلك ههنا] (٣).
ونصّ في الكتاب أن على قول أبي حنيفة ﵀ يتحمل [الغبن] (٤) الفاحش من الوكيل بالخلع من قِيل الزوج، كما يتحمل من الوكيل بالبيع.
فرق بين عقد الوكيل، وبين عقد الموكل إذا خالع الموكل امرأته على دراهم يلزمها ثلاثة دراهم، وفي خلع الوكيل لا ينصرف إلى ثلاثة دراهم.
ووجه ذلك أن الزوج يتصرف بحكم الملك، وهو يملك الأقل والأكثر، فينصرف عقده إلى الأقل؛ لأنه متيقن، أما الوكيل يتصرف بحكم الأمر فلا يملك إلّا ما تناوله الأمر، وإنه مجهول، إن كان (٥) تناول الأكثر لا يملك الأقل، وإن كان (٦) تناول الأقل يملك الأكثر؛ لأنه خلاف إلى خير، فيجعل ذكر الدراهم في التوكيل لبيان جنس ما يقع به التوكيل لا لبيان القدر، ويجعل في حق القدر كأنه وكل بالخلع ولم يسمّ شيئًا فكان حكمه
стр. 1233
ما قلنا.
ولو وكّل رجلًا بأن يخلع امرأته على عبد بعينه، يريد على عبد يُعيّنه الوكيل، أو على عبد يعيّنه الموكل، أو وكله بالكتابة، أو بالصلح عن دم العمد على ذلك، ليس للوكيل أن يخلع على عبد بغير عينه. لأنه قيّد بالعين، والتقييد مفيد؛ لأن العين خير من الدينَّ.
فإن خلعها على عبد بعينة، فإن كانت قيمة العبد مثل المهر الذي تزوجها عليه، أو أقلّ منه قدر ما يتغابن الناس فيه جاز، وإلّا فلا.
قالو: هذا على قولهما (١)، أما على قول أبي حنيفة رحمة الله يجوز كيف ما كان؛ لما عُرف من مذهبه في الوكيل بالبيع.
فرق على قولهما بين هذا وبين ما إذا وكله بالكتابة على عبدٍ كاتبَه الوكيل على عبد بغير عينه، ينصرف إلى الوسط، قيّده بالوسط، وههنا لم يقيده بالوسط، لكنه قال: إن كانت قيمة العبد الذي جعل بدلًا مثل قيمة عبد الموكل، أو أقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه يجوز وإلّا فلا.
ووجه ذلك أن الغائب يختلف باختلاف الوصف، فينصرف إلى الوسط؛ لأنه اعدل، أما العين لا يختلف باختلاف الوصف فلا يمكن اعتبار الوساطة فيه، فيعتبر قيمة المعقود عليه.
والوجه الثاني من هذا الفصل:
إذا وكّله بمعاوضة المال بالمال بإن وكله بالصلح عن الخطأ على عبد، أو بالصلح عن دين له على رجل بعبد جازت الوكالة؛ لأنه وكله بشراء العبد بثمن مسمّى، وهو الدية أو
стр. 1234
الدين فيصح، كما لو وكّله بالشراء حقيقة وبيّن الثمن.
وإذا صحّ التوكيل، فإن صالح الوكيل على عبد بغير عينه لا يجوز؛ لأنّ الموكل لو باشر العقد على هذا الوجه كان فاسدًا؛ لما عرف أن الحيوان لا يجب دينًا في الذمّة بدلًا عن ما هو مال. فكذا إذا فعل الوكيل، ولو صالح على عبد بعينه جاز كما لو صالح الموكل، إلا أن عقد الموكل يصح، قلّت قيمة العبد أو كثرت؛ لأنه يتصرف بحكم الملك.
وفي صلح الوكيل بنظر: إن كانت قيمة العبد مثل الدية أو الدين أو أقل من ذلك قدر ما يتغابن الناس فيه يجوز، وإلّا فلا؛ لأنه وكيل بالشراء.
وكذا لو دفع عبدًا إلى رجل، وقال: بع عبدي هذا بعبد، أو قال: اشتر لي به عبدًا، فاشترى به عبدًا بغير عينه لا يجوز لما قلنا، وإن اشترى عبدًا بعينه، إن كانت قيمة المشترى مثل قيمة عبد الموكل أو أقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه يجوز، وإلّا فلا.
قيل: هذا قولهما؛ لأن عندهما لا يتحمل الغبن الفاحش من الوكيل سواء كان وكيلًا بالبيع أو بالشراء، أما على قول أبي حنيفة يتحمل منه [الغبن] (١) الفاحش كما يتحمل من الوكيل بالبيع.
وقال بعضهم: إن كان الموكل قال: "بع عبدي هذا (٢) بعبد" يتحمل منه الفاحش عنده، وإن قال: "اشتر لي عبدًا بهذا العبد" لا يتحمل منه الفاحش، ويعتبر وكيلًا بالشراء، وقال بعضهم: لا يتحمل الفاحش في مسألتنا.
والمذكور في الكتاب قول الكل، وهو الصحيح؛ لأنه وكله بالمقايضة، وكل واحد
стр. 1235
من العاقدين في بيع المقايضة يعتبر مشتريًا مال صاحبه، ولهذا لو تبايعا دارًا بدار، كان لكل واحد منهما الشفعة فيما اشترى، وإنما يتحمل الفاحش من الوكيل في قول (١) أبي حنيفة إذا باعه بالدراهم أو بالدنانير؛ لأنه بيع من كل وجه.
وإن باعه بعشرة أثواب هروية فكذلك، سوآء كانت الأثَواب بعينها أو بغير عينها، أما إذا كانت بعينها فلما قلنا في البيع بعبد، وأما إذا كانت بغير عينها فلان الثياب لا تثبت في الذمة بدلًا عن المال إلّا سلَما. ولهذا يراعى فيها شرائط السّلم من الأجل ونحوه، فكان مبيعًا.
فإن باع بمكيل أو موزون بعينه فكذلك، وإن باعه بمكيل أو موزون بغير عينه اختلفوا فيه على قول أبي حنيفة، قال بعضهم: يتحمل الغبن (٢) الفاحش، وقال بعضهم: لا يتحمل.
والإجارة فيما ذكرنا بمنزلة البيع؛ لأن المنافع التحقت [بالأعيان] (٣) والأموال، ولهذا تصلح صداقًا، فلا يثبت الحيوان بدلًا عنها في الذمة، ويعتبر أجر المثل، ولا يتحمل الغبن الفاحش، وقيل: على قول أبي حنيفة يتحمل.
стр. 1236
باب المضاربة تنفسخ بالفدى والثمن ولا تنفسخ بالنفقة والجعل
في الباب فصول أربعة: الجناية، والشراء، والنفقة، والجُعل (١).
وبنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن المضارب لا يبقى مضاربا فيما ضمن لوجهين:
أحدهما: أن المضاربة أمانة، فإذا صار ضمينًا لا يبقي أمينًا لمكان التنافي.
والثاني: أن "المضارب" من يستحق الأجر بعمله لا بالمال، وإذا ضمن ملك المضمونَ بالضمان لا بالعمل، فتبطل المضاربة ضرورة، ويكون المضمون له خاصة، ورب المال إذا ضمن إن ضمن ضمانًا هو مِن التجارة كضمان الثمن ونحوه لا تبطل المضاربة، وإن ضمن بما ليس من التجارة والشراء كضمان الجناية تبطل المضاربة؛ لأن المضاربة تجارة، فضمان التجارة يكون ملائما لها، أما الجناية ليست بتجارة، فضمانها لا يكون ملائمًا للتجارة.
وحقيقة الفقه في ذلك أن ضمان التجارة لا يخرج المضمون من أن يكون ملكًا لرب المال بعقد المضاربة، فلا يخرجه من المضاربة، أما ضمان الجناية يجعل المضمون ملكًا له
стр. 1237
بضمان الجناية معنى، فيخرجه من أن يكون مستفادًا بعقد المضاربة ضرورة.
والثاني: أن مؤنة الملك تدور مع الملك.
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل دفع إلى رجل ألفًا مضاربة بالنصف، فاشترى المضارب بها عبدا يساوي ألفي درهم، فقتل العبد رجلًا خطأ لم يدفع العبد بالجناية حتى يحضر المضارب وربّ المال؛ لأن نصف الربح للمضارب، فكان العبد مشتركًا بينهما، ربعه للمضارب، والباقي لرب المال، فلا ينفرد أحدهما بالدفع.
ولا يقال: بأن ولاية التصرف في مال المضاربة للمضارب، فينبغي أن ينفرد بالدفع، كالعبد المأذون له إذا جنى عبدٌ من اكسابه جنابة، كان له أن يدفعه بالجناية.
لأنا نقول: المضارب يتصرف بحكم النيابة والأمر، ولهذا يرجع بالعهدة على رب المال، فلا يتصرف إلّا بما فوض إليه، وأنه فوّض إليه التجارة، والدفع ليس بتجارة؛ لأن المقصود من التجارة الاسترباح، والدفع إتواء، فلا يملكه المضارب.
أما العبد المأذون يتصرف بحكم الأصالة، والتحق بالأحرار في التصرفات المالية سِوى التبرّع، ألا ترى أن المأذون (١) يملك الفدىَ من كسبه، والمضارب لا يملك الفدى من مال المضاربة.
فإن حضرا ودفعاه بالجناية بطلت المضاربة لهلاك رأس المال لا إلى خلف، فإن اختار الفدى (٢) كان الفدى عليهما أرباعًا، الربع على المضارب، والباقي على ربّ المال؛ لأن الفدى مؤنة الملك، والعبد بينهما أرباعا، فكذلك الفدى كالزكاة، ويخرج العبد عن
стр. 1238
المضاربة حتى لا يكون للمضارب أن يبيع نصيب ربّ المال إلّا بإذن مستأنف (١)، لأن العبد كان مستحقا بالجناية لا يسلم لهما إلا بالفدى، فإذا فدياه فإنما يسلم لكل واحد منهما نصيبه بالفدى، وضمان الفدى ليس من المضاربة، ولهذا لا يكون للمضارب أن يفدي من مال المضاربة، فصار كل واحد منهما مشتريا متملكا بالفدى، فلا يكون للمضاربة.
فإن قال أحدهما: أنا أدفع نصيبي، وقال الآخر: أنا أفدي (٢) نصيبي، كان لكل واحد منهما ما شاء؛ لأن كل واحد منهما متصرف في ملك نفسه كما في العبد المشترك.
وإن اشترى المضارب بمال المضاربة عبدا يساوي الفا، فجنى جناية كان خطاب الدفع والفدى على رب المال خاصةً، لأنه إذا لم يكن في المال ربح كان كل العبد له، وأيّا ما كان اختار يخرج العبد عن المضاربة لما قلنا.
الفصل الثاني في الشراء:
لو تصرف المضارب في مال المضاربة حتى بلغ ألفي درهم، واشترى بها عبدًا، ولم ينقد الثمن حتى هلك المضاربة (٣)، كان للبائع أن يحبس العبد لاستيفاء الثمن، ويكون الثمن على رب المال والمضارب أرباعًا؛ لأن مال المضاربة إذا بلغ ألفي درهم ملك المضارب نصفَ الربح خمس مائة، ولرب المال ألف وخمس مائة.
فإذا اشترى بالمال المشترك عبدًا يثبت لهما ملك العبد أرباعًا، فيكون الثمن عليهما بقدر ملكهما، ينقد المضارب من نفسه خمس مائة، يرجع على رب المال بألف وخمس مائة؛ لأنه اشترى له ثلاثة أرباع العبد بأمره وتوكيله.
стр. 1239
فإذا هلك المال المدفوع إليه يرجع على رب المال بثمن ما اشترى له، كما يرجع الوكيل بالشراء على الموكل إذا هلك الثمن، ويخرج ربع العبد عن المضاربة؛ لأن المضارب استحق ربع العبد بالضمان، فيخرج ذلك عن المضاربة، ويبقى ثلاثة أرباع العبد للمضاربة؛ لأن ربّ المال ملك ثلاثة أرباع العبد بشرآء المضارب وتجارته، وضمان الثمن لا يُبطل المضاربة بل يقرّرها.
ألا ترى أنه لو كان في يد المضارب مال آخر من المضاربة، كان له أن ينقد ثلاثة أرباع الثمن من ذلك المال (١)، بخلاف الفدى؛ لأن ضمان الفدى لا يوجبه شراء المضارب وتجارته، فلم يكن ذلك من أحكام المضاربة، ويكون رأس ماله ألفين وخمس مائة؛ لأن ربّ المال دَفَع (٢) مرةً ألفًا، ومرةً ألفًا وخمس مائة بحكم المضاربة، فيكون رأس ماله ألفين وخمس مائة.
فإن بيع بعد ذلك، يكونُ ربع الثمن للمضارب خاصةً؛ لأنه بدل ملكه، يبقى ثلاثة أرباع الثمن، يدفع ربّ المال من ذلك ألفين وخمس مائة، فإن فضل شيء يكون بينهما؛ لأنه ربح فيكون على ما شرَطا.
ولو اشترى بألف المضاربة عبدًا يساوي ألفًا، فجنى جنايةً، ففداه المولى، يخرج عن المضاربة؛ لأنه استحقّه بضمان الفدى، وضمان الفدى ليس من التجارة، وإنّ فداه المضارب من ماله كان متطوعًا لأنه أمين بمنزلة المودع.
стр. 1240
ولو اشترى بألف المضاربة (١) عبدًا يساوي ألفًا فهلك مال المضاربة في يد المضارب، يرجع المضارب على ربّ المال بجميع الثمن؛ لأنه ليس في قيمته فضل على رأس المال، فيكون كل العبد لربّ المال فكان الثمن عليه، ويصير رأس ماله ألفي درهم لما قلنا.
الفصل الثالث: فصل النفقة:
رجل دفع مضاربةً ألفًا بالنصف، فاشترى المضارب بها جاريةً تساوي ألفي درهم، واحتاجت إلى النفقة، فإن نفقتها تكون على ربّ المال خاصة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنها تكون عليهما أرباعًا بقدر الملك اعتبارًا بالثمن والفدى.
وجه ظاهر الرواية أن ملك المضارب في الربح قبل القسمة متردّد غير مستقرّ، ألا ترى أنه لو انتقصت قيمتها فصارت ألفًا كانت الجارية كلها لربّ المال، فلو وجبنا عليه النفقه لأوجبنا عليه النفقةَ لمال الغير، وهو ممتنع.
أما ملك ربّ المال متقرّر، وهو أصل، وملك المضارب تَبع؛ لأن الربح تَبع لرأس المال، ولهذا لو هلك شيء من المال يصرف إلى الربح، بخلاف ضمان الفدى؛ لأن الفدى وضمان الثمن يخرج نصيبه عن المضاربة، فكان بمنزلة القسمة، أما النفقة لا تقرر الملك؛ لأنها لا تجب بدلًا عن الرقبة، ولا تقابل الملك، بل تقابل المنفعة، ولهذا تجب النفقة على المستعير.
ولو كان العبد موصى بخدمته لرجل، وبرقبته لآخر كانت النفقة على صاحب الخدمة، ولأن لربّ المال أصل مال، فلو أوجبنا النفقة عليه تلتحق برأس ماله؛ لأنها من توابع التجارة، ولهذا تلتحق بالثمن في بيع المرابحة، فلو أوجبنا عليه النفقة لا يكون غرمًا
стр. 1241
محضًا، أما المضارب ليس له أصل تلتحق النفقة به، فلو وجبت عليه النفقة كان غُرما محضا.
الفصل الرابع: فصل الجُعْل (١):
وهو بمنزلة النفقة، حتى أن عبد المضاربة إذا أبق، وفيه ربح، فردّه رجلٌ من مسيرة سفر، كان الجعل على ربّ المال خاصة؛ لأن الجعل لا يقابل الرقبة، فإن رادّ الآبق لا يستحق الرقبة بحالٍ ما، فكان بمنزلة النفقة، بخلاف الفدى لأن وليّ الجناية يستحق الذات.
-والله أعلم- (٢)
стр. 1242
كتاب الشهادات (١)
باب من الوارث الذي يقضي له القاضي ولا يعلم سببه ولا ما يشهد (٢) به الشهود
بنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن جهالة المشهود به تمنع (٣) صحة الشهادة (٤)؛ لأن المقصود من الشهادة القضاء، والقضاء (٥) إلزام، وإلزام المجهول لا يتحقق (٦).
والثاني: أن القاضي لا يقضي بدليل فيه شبهة (٧)، ولا ينقض قضاؤه بدليل فيه
стр. 1243
شبهة (١)؛ لما عرف أن الثابت لا يبطل بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك.
وفي الباب فصلان: أحدهما في القضاء (٢)، والثاني في افضاء القضاء (٣).
أما الأول: قال محمد ﵀: رجلان شهِدا أن هذا الرجل وارث فلان الميت، لا وارث له غيره، ثم ماتا، أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن السبب، لا تُقبل شهادتهما (٤)؛ لأنهما شهِدا بالوراثة، وأسباب الوراثة كثيرة، وأحكامها مختلفة اختلافا فاحشا، فمنهم مَن هو حاجب لغيره، ومنهم من هو محجوب، فكان المشهود به مجهولا، وجهالة المشهود به تمنع القضاء (٥).
يوضحه أنه لو قضى له القاضي (٦)، ثم جاء آخر، وادّعى أنه ابن الميّت أو أبوه أو زوجها أو زوجته، لا يدري بماذا يقضي (٧)، بخلاف ما لو شهدوا بملك عَين أو دَين مطلق
стр. 1244
حيث يقبل؛ لأن المشهود به ملك العين وملك الدين، وذلك معلوم، أما الشهادة بالوراثة شهادة بسبب مجهول، فلا تقبل (١).
وكذا لو شهدوا أنه مولاه، ووارثه، لا نعلم له (٢) وارثا غيره، لا تقبل (٣)؛ لأن اسم "المولى" مشترك يتناول الناصر، و [مولى للعتاقة] (٤) الأعلى والأسفل، ومن الناس من يورث الأسفل، ويتناول مولى الموالاة، ألا تَرى أنه لو جاء آخر، وادّعى مثل ذلك، لا يدري القاضي بماذا يقضي، فلا بد من البيان.
فإن شهدوا أنه مولاه أعتقه، وهو وارثه لا نعلم له وارثا غيره، قُبلت (٥) لزوال الاشتباه (٦)، وقولهم "لا نعلم له وارثا غيره"؛ لإسقاط التلوّم عن القاضي، لا مِن نفس الشهادة؛ لأنه نفي.
ولو شهدوا أنه أخوه، ووارثه، لا تقبل شهادتهم (٧) حتى يقولوا "أخوه لأبيه وأمه"، أو "لأبيه أو أمه"؛ لأن الأخ قد يكون من الرضاع، وقد يكون من حيث الدّين، وقد يكون
стр. 1245
من حيث النسب (١)، والأخ من النسب مجهول. فمنهم من يكون عصبة، ومنهم من يكون صاحب فرض، فلا بد من البيان (٢).
ولو شهدوا أنه عمه أو ابن عمه، لا بدّ أن ينسبوا الميّت والوارث (٣) حتى يلتقيا إلى أب واحد، ثم يبيّنوا أنه عمّه لأبيه وأمه، أو لأبيه، وأنه وارثه، لا وارث له غيره.
ولو شهدوا أنه أبوه أو ابنه، أو شهدوا أنها أم الميّت، أو ابنته، لا يعلمون له وارثا غيرها، جازت هذه الشهادة (٤)؛ لأن الأبوّة والبنوّة معلومة لا تختلف، ولم يذكر في الكتاب في هذا الفصل "وهو وارثه"، وهذه الزيادة يشترط ذكرها فيمن يحجب بغيره بالاتّفاق.
وهل يشترط ذكرها لقبول الشهادة فيمن لا يحجب بغيره، كالأب والابن ونحوهما؟ اختلفوا (٥)، قال بعضهم: يشترط؛ لأن الأب والابن قد يكون من النسب، وقد يكون من الرضاع، فلا بد أن يقولوا "ووارثه" حتى يزول الاشتباه، كما في الأخ ونحوه (٦).
ومنهم من أبى اشتراط هذه الزيادة فيمن لا يحجب، وهو المختار؛ لأن الأب والابن من الرضاع، لا يذكر أبًا وابنًا مطلقًا، وإنما يذكر مقيّدا بقيد الرضاع، فلا يشترط أن يقولوا:
стр. 1246
"وارثه" (١)، ولو ذكروا كان أحوط، وأبعد عن الخلاف (٢).
ولو شهدوا أنه ابنه، أو بنت ابنه (٣)، أو جده أبو أبيه، أو جدته أم أمه، [أو أم أبيه] (٤) يشترط أن يقولوا: "وارثه"؛ لأن هؤلاء يحجبون بغيرهم (٥).
وإن شهدوا أنه جدّه أبو أبيه، ووارثه لا وارث له غيره، أو شهدوا أنه أخوه لأبيه وأمه، ووارثه لا وارث له غيره، جازت الشهادة، ولا يشترط في شيئ من هذا ذكر الأسماء إذا قالوا: "لأبيه وأمه أو جدّه أبو أبيه ووارثه لا وارث له غيره" (٦)، كفي ذلك، وإن لم يذكروا أسماؤهم، جازت الشهادة (٧)؛ لحصول الإعلام بدون الاسم (٨).
فإن قضى القاضي أنه جدّ الميت أبو أبيه، ووارثه، ثم جاء آخر، وأقام البينة أنه
стр. 1247
أبو الميت، يقضي القاضي ببينته (١)؛ لأنه يجوز أن يكون الأول جدًّا، والثاني أباه، ويجعل الميراث للثاني، ويبطل قضاؤه بالميراث للأول؛ لأن الجد يحجب بالأب.
فإن قال الأب الذي أقام البينة أنه جد الميت (٢): "ليس بأبٍ لي، فمُرْهُ حتى يعيد البيّنة عليّ" (٣)، فإن القاضي لا يجيبه، ولا يكلّف الأول إعادة البينة؛ لأن الأول أقام البينة على خصمٍ، فنفَذ قضاء القاضي ببينته، إلا أنه انتقض ذلك القضاء في حق الميراث، فلا يبطل القضاء بالنسب.
وكذا لو كان مكان الجد أخ، فقضى القاضي له بالأخوة والميراث، ثم جاء آخر، وادعى أنه ابن الميت، وأقام البينة، قُبلت بينته (٤)، وبطل القضاء الأول بالميراث، ولا يبطل القضاء بالأخوة؛ لأن القاضي قضى بأخوة الأول (٥) بشهادة العدل على خصمٍ حاضرٍ بشرطها، وهو دعوى الميراث، فلا يبطل ذلك، وإن بطل القضاء بالميراث، ليكون الانتقاض بقدر الناقض.
стр. 1248
ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في هذه الفصول (١) لأن النسب يحتاط في إثباته فجاز إثباته (٢) بكتاب القاضي، إلا أن القاضي المكتوب إليه يَنظر في الكتاب (٣)، فإن كانت الشهادة المكتوبة في الكتاب على صفةٍ لو شهدوا بين يديه لا تقبل، لا ينفذ الكتاب (٤)؛ لأن القاضي الكاتب ينقل بكتابه عبارةً الشهود إلى مجلس القاضي المكتوب إليه، فيعمل القاضي المكتوب إليه (٥) بتلك الشهادة، ما يعمل بالشهادة القائمة بين يديه.
الفصل الثاني:
رجل مات، فأقام رجل البينةَ أنه وارثه، وأن قاضي بلد كذا فلان ابن فلان قضى بأنه وارثه، لا وارث له غيره (٦)، وقالوا: ما شهدنا على قضائه (٧)، ولا ندري بأيّ سبب قضى بوَراثته، فإن القاضي يسأل المدّعي عن السبب الذي قضى به.
وهذا السؤال ليس بشرط لتنفيذ ذلك القضاء، فإنه لو لم يسأل، ينفذ القضاء
стр. 1249
أيضًا (١)؛ لأن قضاء القاضي محمول على الصحة؛ وإنما يسأل صيانةً لقضائه، ونظرًا لمن يجيء بعده (٢)، حتى لو جاء آخر، وادعى أنه وارث، يعرف القاضي أنه حاجب للأول، أو محجوب به.
فإن أخبره بسبب يكون وارثًا من أخوّة، أو عمومة، أو ولاء عتاقة، أو ولاء (٣) موالاة، قضي القاضي له بالميراث، ولا يقضي بالسبب الذي ذكر؛ لأنه لم يوجد على السبب إلا مجرّد الدعوى، لكن لما احتمل أن القاضي الأول قضى بذلك، أنفذ الثاني قضاء الأول، ولا يبطله حتى يستيقن بفساده.
فلو أن هذا القاضي قضى له بالميراث، وأمضى قضاء الأول، ثم جاء آخر (٤)، وأقام البينة على سبب أقوى من الأول، بأن ذكر الأول أنه جدّ الميت أبو أبيه، ثم جاء آخر، وأقام البينة أنه أبو الميت، قضى القاضي بالميراث للثاني؛ لأن المدعي الأول لما بيّن السبب، فقد أقرّ أنه محجوب بمن كان قبله، فيؤاخذ بإقراره.
وإن ذكر الثاني سببًا أبعد من الأول، لا يقضي للثاني (٥)؛ لاحتمال أن القاضي الأول قضى للأول بالسبب الذي ذكره، وصيانة القضاء واجب، فلا يجوز إبطاله ما لم يستيقن
стр. 1250
بفساده.
وإن ذكرالثاني سببًا يزاحم الأول (١)، بأن كان الأول ذكر أنه ابن الميت، ثم جاء الثاني، وأقام البينة أنه أبو الميت، فإن القاضي يجعل للثاني سدس المال، ويكون الباقي للأول، كما لو ثبت ذلك عيانًا.
وإن كان الأول ذكر أنه أبو الميت، فجاء الثاني، وأقام البينة أنه أبو الميت، فإن القاضي يقضي بالميراث للثاني (٢)؛ لأن أبوّة الثاني ثبتت بالبيت، وأبوّة الأول عند هذا القاضي ثبتت بخبره، لا بالبينة، فكان الأول (٣) أولى؛ لأن الأب في الحقيقة أحدهما، إلا أن عند (٤) استواء الحجة، يجعل الميراث بينهما لتعذّر الترجيح، ولا مساواة ههنا، لما ذكرنا.
واستوضح هذا برجلٍ أقام البينةَ أنه أب الميت، ووارثه، وقضى القاضي (٥) له بالميراث، ثم جاء آخر، وأقام (٦) البينة أنه أبو الميّت، ووارثه، فإن القاضي لا يلتفت إلى الثاني، ولا يجمع بينهما، لأن الأب لا يتعدّد، وبيّنة الأوّل اتصل (٧) بها قضاء القاضي،
стр. 1251
وبينة الثاني لم يتصل بها قضاء القاضي، فلا تعارضها بينة الثاني (١).
فلو أن القاضي سمع بينته في مسألتنا، ولم يقض بها، حتى أقام الأول بينة أنه أبو الميّت، قضي بالميراث بينهما لاستوائهما في الحجّة.
ولو أن القاضي قضي بالميراث للثاني، أو لم يقض، ثم أقام الأول البينة (٢) أن القاضي الأول كان (٣) قضى له بالميراث بسبب الأبوّة، فإن القاضي الثاني يقضي بالميراث للأول، لأن قضاء القاضي الأول (٤) بالأبوّة ثبت عند القاضي الثاني بالبينة، فصار كما لو ثبت عَيانًا، و [لو ثبت عَيانا] (٥) لا يزاحمه الثاني، كذلك ههنا (٦).
والجواب في وَلاء العَتاقة في جميع ذلك كالجواب في الأبوّة، لأن الشخص الواحد كما لا يتصوّر أن يكون ابنا لرجلين، لا يتصوّر أن يكون مُعتق رجلين علي وجه الكمال، فكان الولاء بمنزلة الأبوّة: إن سبق الحكم لأحدهما كان هو أولى، وإن اجتمعا يقضي القاضي بينهما (٧).
стр. 1252
ولو كان المقضيّ له الأول، ادّعى أنه ابن الميّت، ثمّ جاء آخر، وأقام البينة أنه ابن الميّت، قضى بالميراث بينهما، لأنه لا تنافي بينهما.
ولو أقامت امرأة البينة أنها ابنة الميّت، قضى لها بثلث الميراث، والقضاء بالبنوّة للأول لا يمنع القضاء للثاني لإمكان الجمع بينهما.
ولو ذكر الأول أنه أب الميّت، أو ذكر أنه ابن الميّت، وجاء آخر، وادّعى أنه أخو الميّت، لا شيء للثاني، لأن الأخ لا يرث مع الإبن (١)، وابن الإبن وإن سفل، ومع الجدّ علي الخلاف المعروف بين أصحابنا (٢).
ولو أقامت امرأة البينة أن قاضي بلد كذا، فلان ابن فلان، قضى بأنها وارثة الميّت، لا وارث له غيرها، وطلبت من القاضي تنفيذ القضاء، فإن (٣) القاضي الثاني ينفذ قضاء الأول، لما ذكرنا في جانب الرجل، فإن المرأة قد ترث جميع المال بولاء العتاقة ونحو ذلك (٤).
وكذلك البنت والأخت ترث كل المال (٥)، النصف بحكم الفرض، والباقي بحكم الردّ، فلعلّ القاضي الأول قضى لها بالميراث بذلك السبب، فكان على القاضي الثاني تنفيذ
стр. 1253
ذلك القضاء.
فإن أقام رجل البينة بعد ذلك أنه ابن الميّت، أو أبوه، أو أقامت المرأة البينة أنها زوجة الميّت، يسأل القاضي المرأة الأولى عن سبب ميراثها، فإن زعمت أنها ابنة الميّت، يعاملها القاضي الثاني بقولها، كأنها ابنة معروفة؛ لاحتمال أنها صادقة في دعوي السبب، فلا ينقض القضاء الأول بالشك.
فالحاصل أن القاضي الثاني (١) إذا نفذ القضاء (٢) الأول، ولم يسئل عن السبب، ثم جاء آخر، وأقام البينة على السبب، فإن القاضي يسأل الأول عن سببه:
إن ذكر سببًا لا يرث معه مَن أقام البينة، لم يكن لمقيم البينة -وهوالثاني- شيء، ويجعل الأول صادقا.
وإن ذكر الأول سببا لا يرث هو مع مقيم البينة، كان الميراث لمن أقام البينة.
وإن ذكر الأول سببا يجتمعان في الميراث، يجمع بينهما، وإن كان لا يتصوّر الجمع، يقضي بالميراث لمقيم البينة؛ لأن سببه عند هذا القاضي ثبت بالبينة، وسبب الأول لم يثبت (٣).
стр. 1254
فإن كان الأول معتوها أو صغيرا لا يقدر على البيان، أو مات قبل البيان، (١) يجعل القاضي للأول أفضل الأنصباء، ويقضي للثاني بأقلّ ما يكون، ويجعل الأول ممن لا يحجب بغيره، حتى لو كان الأول ذكرًا، يجعله ابنا.
فإن جاء الثاني، وأقام البينة أنه أبو الميّت، يجعل للثاني سدس المال، لأنه أقل ما يكون للابن (٢)، ولو كان الثاني زوجة الميت، يعطيها الثمن؛ لأنه أقلّ أنصباء المرأة.
وإن كان الثاني ممن يحتمل السقوط نحو الأخ والعمّ، يجعله ساقطا بالأول، وإن كان الأول امرأة، يجعلها ابنة الميت، ويجعل لها جميع المال بالفرض والردّ.
فإن جاء آخر، وادّعي أنه أخو الميت أو ابن الميت، يجعل الميراث بين الأول والثاني، ولا يقضي القاضي حتى يعلم أنه بأيّ سبب يقضي، ولا ينقض قضاء قد سبق بالشك والاحتمال (٣).
-والله أعلم-
стр. 1255
باب في (١) شهادة الوصيّ والوكيل قبل الخصومة وبعدها
بنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن من صار خَصمًا في حادثة، بطلت شهادته فيها (٢)؛ لقوله ﵇: "لا شهادة لخصم" (٣).
стр. 1256
والثاني: أن من انتَصَب خَصمًا عن غائب، وقضى عليه، كان القضاء عليه قضاء على الغائب لقيامه مقامه (١).
وفي الباب فصول ثلاثة: فصل في شهادة الوصيّ، وفصل في شهادة الوكيل، وفصل في كيفية الخصومة.
أما الأول: قال محمد ﵀: رجل أوصى إلي رجل، ومات، فقبِل الوصيّ (٢) الوَصاية، ولم يخاصم إلي القاضي في شيءٍ حتى عزله القاضي، وجعل للميّت وصيّا غيره، ثمّ شهد الوصيّ الأول للميّت بشهادة في مال أو غيره، فشهادته باطلة (٣).
أولا نقول: هذه المسألة رواية أن للقاضي أن يعزل وصيّ الميّت، وقال بعض مشايخنا: ليس له أن يعزل (٤)، ولكن يضمّ إليه وصيّا، وإنما بطلت شهادته؛ لأنه لما مات الموصي، صار الوصيّ خَصما في حقوقه قائما مقامه؛ لأن الوصاية خلافة، فيتعلّق ثبوتها بفوات الأصل.
ولهذا لو تصرّف الوصي بعد موته قبل أن يعلم بالوصاية، نفذ تصرّفه، وإذا
стр. 1257
صار خصمًا خرج من أن يكون شاهدا، فلا تقبل شهادته فيما صار خصما أبدًا، كما لا تقبل شهادة الموصي لنفسه، وعزل القاضي إيّاه إخراج بعد الثبوت، وليس بإبطالٍ من الأصل.
وإن كان الوصيّ لم يقبل الوصاية، ولم يردّ، حتى شهد للميت بمال عند دعوى بعض الورثة، يسأله القاضي (١): أتقبل الوصاية أم تردّها؟ إن قبِل بطلت شهادته؛ لأنه صار خصما من وقت الموت، وإن ردّ قبلت (٢) شهادته لبطلان الوصاية من الأصل، كا لشفيعين إذا شهدا بالبيع يسألهما القاضي عن الشفعة، فإن طلباها بطلت شهادتهما، وإن سلّما الشفعة جازت شهادتهما، كذلك ههنا.
وإن لم يخبر الوصيّ بشيء، يتوقّف القاضي في شهادته؛ لأن حاله متردّد، وسبب الردّ، وهو الوصاية محتمل، فيتوقّف حتى يرتفع التردّد، ويستبين حاله.
وأما فصل الوكالة: فهو على وجهين:
أحدهما أن يكون خاصًّا، والآخر أن يكون عامًّا، والعامّ على نوعين: أحدهما أن يكون في الموجود (٣)، دون الحادث بعد التوكيل، والثاني أن يتناول الموجود والحادث من الحقوق (٤).
أما الأول: رجل وكّل رجلا بالخصومة في شيء، ثمّ أخرجه من الوكالة قبل أن
стр. 1258
يخاصم عند القاضي، تمّ إن هذا المعزول شهد لمؤكّله بما وكّل فيه (١)، جازت في قول أبي حنيفة، ومحمد، و [قول] (٢) أبي يوسف الأول، ولا تجوز في قول أبي يوسف الآخر، بناءً علي أن عند أبي يوسف بنفس التوكيل يصير قائما مقامه، حتى لو أقرّ على مؤكله في غير مجلس القاضي، يصحه إقراره (٣).
وعندهما: بنفس التوكيل لا يصير قائما مقام المؤكل، ولا يصح (٤) إقراره علي مؤكله في غير مجلس القاضي.
لأبي يوسف: أن المؤكل أقامه مقام نفسه في حياته، فيعتبر بالإنابة بعد الموت، وهو الإيصاء، وثَمّة (٥) يصير خصما قبل الخصومة، فكذلك ههنا.
ولهما: أن الوصاية خلافة، فيتعلّق ثبوتها بفوات الأصل، أما التوكيل ليس بإنابة، بل هو أمر بالخصومة، والخصومة لا تكون إلا في مجلس القضاء (٦)، فما لم يخاصم لا يصير خصمًا.
ألا ترى أن الإيصاء من الميّت لا يقبل التخصيص؛ لأنه خلافه، والتوكيل يقبل،
стр. 1259
ولا ينفذ تصرّف الوكيل قبل العلم بالتوكيل، وينفذ تصرّف الوصيّ قبل العلم بالإيصاء (١).
وأما الوكالة العامّة في الموجود، دون الحادث، صورتها: إذا وكّل رجلا بالخصومة مع فلان في كلّ حق له قِبَله، فهو توكيل بالحقوق القائمة (٢)، لا بما يحدث بعده، ثمّ هذا علي وجهين: إما إن كان مؤكّدا بعلم القاضي، أو بحكمه (٣).
أما الأول: رجل وكّل رجلًا بالخصومة مع فلان في كلّ حقّ له قِبَله، بمحضرٍ من القاضي، والقاضي يعرفهم جميعًا، فلم يخاصم الوكيل في شيء حتى عزله المؤكل، ثمّ شهد الوكيل بحق كان له قبل فلان قبل التوكيل، جازت شهادته في قول أبي حنيفة ومحمد، ولا تجوز في قول أبي يوسف الآخر (٤)، وهذا والفصل الأول سواء.
وفائدة التوكيل عند القاضي علم القاضي بالتوكيل، حتى لو خاصم الوكيل عند هذا (٥) القاضي لا يحتاج إلى إثبات الوكالة، إما أن يصير خصما قبل الخصومة، فلا، وهذا والأول في ذلك سواء.
وإنما ذكر: "والقاضي يعرفهم"؛ لأن القاضي إذا كان لا يعرف (٦) المؤكل، فوكل غيرَه بين يدي القاضي، لا يصحّ؛ لأن فائدة التوكيل بعلم القاضي القضاء للمؤكل عند غَيبة
стр. 1260
المؤكل بخصومة الوكيل. (١)
فإذا كان لا يعرف المؤكل، لا يمكنه القضاء، حتى لو أحضر عند القاضي خصمًا، وقال: وكّلتُ وكيلي هذا ليخاصم عني مع هذا الرجل، ومع كلّ مَن لي عليه حقّ بالكوفة، فإن القاضي يقبل توكيله ويجْعله وكيلا، وإن لم يعرف المؤكل؛ لأن التوكيل مفيد إذا كان بحَضرة الخصم، هكذا ذكَر شمس الأئمة الحَلواني (٢) ﵀ في شهادات "الجامع" (٣).
فلو أن المؤكل لم يعزل الوكيل حتى خاصم المطلوبَ عند القاضي في ألف درهم، وقضى القاضي بذلك المال، أو لم يقض حتى عزله الموكّل، ثم شهد للمؤكل بالألف التي خاصم فيه، لا تقبل (٤).
ولو شهد له بمائة دينار، جازت شهادته؛ لأنه لا يصير خصما بنفس التوكيل، وإنما يصير خصما بفعل الخصومة، والخصومة وُجدت في الألف، فبطلت شهادته في الألف، لا في غيرها.
وأما الوجه الثاني: إذا وكّله بغير محضر من القاضي بكلّ حق له قِبَل فلان، فخاصم الوكيل فلانا عند القاضي بألف درهم للمؤكل، فجحَد المدّعى عليه المالَ والوكالةَ، فأقام
стр. 1261
الوكيل بينة على الوكالة، وقضى بها القاضي، أو لم يقض، ثم عزله، ثم شهد الوكيل لمؤكله بتلك الألف أو بغيرها، لا تقبل شهادته (١)؛ لأن القاضي إذا لم يعلم بالوكالة، يحتاج الوكيل إلى إثبات الوكالة بالبينة.
وإنما يُثبتها بالبينة علي الوجه الذي أثبتها الموكل؛ لأن الشاهد إنما يشهد بما عاين، لا بغيره، فإذا كانت الوكالة عامّة، لا يشهد الشاهد إلا بوكالة عامّة، والبينة لا تقبل إلا بعد الدعوى، فكانت الخصومة في الألف خصومة في سائر الحقوق تقديرا، ضرورة إثبات الوكالة في سائر الحقوق (٢).
ولهذا لو قضى القاضي بوكالته عَقيب الدعوى في حقٍ، لا يحتاج إلى إثباتها بعد ذلك في كلّ حقٍ يدّعي، فبطلت شهادته في الكل ضرورة.
فإن (٣) شهد بمال حادثٍ بعد التوكيل، جازت شهادته؛ لأن التوكيل لم يتناول الحادث، فلم يصر خصما في ذلك.
والدليل على الفرق بين علم القاضي وحكمه ما ذكر في الكتاب: أنه لو مات القاضي، أو عزل بعد ما قضَى بوكالته بالبينة، فإن القاضي الثاني يجعله خصما ووكيلا بقضاء الأول فيما خاصم فيه وفيما لم يخاصم، ولا يجعله القاضي الثاني وكيلا بالتوكيل الذي كان عند القاضي الأول، لأن حكم القاضي حجّة في حقّ الكلّ، وعلمه حجّة في
стр. 1262
حقّ نفسه دون غيره (١).
وكذلك رجل ادّعى عند القاضي على رجل أن فلانًا وكّله بالخصومة في كلّ حق له قِبل هذا المدّعى عليه، وقبِل فلان وفلان، وأقام البينة على الوكالة بالصفة التي ادّعى، وقضى القاضي بذلك، أو لَم يقض، ثم عزله المؤكل، فشهد المعزول للمؤكل بحق قِبَل هذا الذي أحضره، أو قِبَل الآخرين، لا تقبل شهادته (٢).
لأن هذا الوكيل حين خاصَم واحدًا من الغُرماءِ لإثبات الوكالة، كانت الخصومة مع الحاضر خصومة مع الغائبين؛ لأن الوكالة واحدة، لا يتوصّل إلى إثباتها علي الحاضر إلا بإثباتها علي الغائبين، ولهذا لو أحضر الغائبين بعد ذلك، وادّعى عليهما مالًا للمؤكل، لا يكلّف إعادة البينة على الوكالة، فإذا بطلت شهادته على الحاضر بالخصومة معه بطلت على الغائبين.
وفي هذا لا فرق بين تخصيص الواحد في الوكالة، وبين تخصيص الجماعة، فلا تقبل شهادته، إلا أن يشهد بحقّ حادث بعد التوكيل، أو على رجل آخر غير النفس الثلاثة، فتقبل شهادته؛ لأن التوكيل لم يتناول ذلك.
وأما الذي يتناول الموجود والحادث بعد التوكيل، صورته:
رجل أقام البينة أن فلان بن فلان وكّله بكلّ حقٍ له في مصر كذا (٣)، وبالخصومة فيها، وأحضر رجلًا من أهل ذلك المصر، وادّعى عليه حقًا لمؤكله، فجَحَد المدّعى عليه المالَ
стр. 1263
والوكالةَ، فأقام الوكيل البينة على ما ادّعى، وقضى القاضي بالوكالة، أو لم يقض حتى عزل، فشهد (١) لمؤكله بحق أو مالٍ على ذلك الرجل، أو على غيره من أهل ذلك المصر، لا تقبل شهادته.
لأن الوكالة واحدة، لا يملك إثباتها على الحاضر إلا بإثباتها على الكلّ، فانتصب الحاضر خصمًا عن الكلّ، فإذا خاصم الواحد فقد خاصم الكلّ، ولهذا لا يحتاج إلى إعادة البينة على الوكالة، على كلّ من يدّعي عليه (٢) مِن أهل ذلك المصر حقا.
وكذا لو شهد بحق حادث بعد التوكيل، لا تقبل شهادته (٣)؛ لأن التوكيل على هذا الوجه يتناول الموجود والحادث جميعا، وهذا استحسان، والقياس أن لا يتناول الحادث؛ لأنه وكّله بحقوقه (٤)، والحادث ما كان من حقوقه وقت التوكيل.
وجه الاستحسان: أن المتعارف فيما بين الناس أن الرجل يؤكل غيره بقبض غَلاته وحقوقه في المصر، ويريد به الموجود، وما يحدث بعد ذلك من الغلات والحقوق والثمرات.
ولو احتاج إلى تجديد الوكالة بعد حدوث كلّ غَلّة وثمرة تخرج فيه، فيتناول الكلّ، وإذا دخل الكلّ في (٥) التوكيل، بطلت شهادته في الكلّ، فلا تقبل شهادته إلا أن يشهد
стр. 1264
بحق حادث بعد العزل، لأن الحادث بعد العزل لا يدخل في التوكيل، فلا يصير خصما [فيه] (١)، فتقبل شهادته في ذلك (٢).
وكذلك رجل حضر مجلس القاضي، وادّعى أن فلانًا الغائبَ وكّله وفلانا الغائبَ بالخصومة في كلّ حق له قِبل الناس، وأحضر رجلا، وادّعى عليه حقا لمؤكله (٣)، وأقام البينة، فإن القاضي يقضي بكونهما وكيلين،؛ لأن الوكالة واحدة، فإن أحد الوكيلين، إن كان ينفرد بالخصومة عندنا، لا ينفرد بالقبض، فلا يُتوصّل إلى إثبات حقه إلا بإثبات حق الغائب، فانتَصّب الحاضر خصما عن الغائب، وصارت خصومة أحدهما كخصومتهما، ولهذا لو حضر الغائب، لا يكلّف إعادة البينة على الوكالة.
فإن عزلهما المؤكل، ثم شهدا للمؤكل بحقٍ، لا تقبل، الموجود والحادث بعد التوكيل فيه سواء؛ لأن قوله: "قِبَل الناس" أعمّ من التقييد بالمصر، وذلك يتناول القائم والحادث استحسانًا لما قلنا، فكذلك هذا، ولا تقبل شهادتهما إلا فيما يحدث بعد العزل (٤).
وقوله: "وكّلتك بكلّ حقٍ لي" بمنزلة قوله: "وكلتك بطلبه وبالخصومة فيه" استحسانًا، وقد عرف هذا في كتاب الوكالة.
وأما فصل كيفية الخصومة:
رجل أحضر رجلا، وادّعى أن فلانا وكّله بالخصومة معه في كلّ حق له قِبلَه، وادعى
стр. 1265
عليه مالا لمؤكّله، فجحد المدعى عليه المال والوكالة، فأقام المدّعي بينةً على الوكالة، فقَبْل أن تعدل بينة الوكالة، ويقضي بها، أقام البينة علي المال، القياس أن لا تقبل البينة على المال، لأن البينة على المال (١)، إنما تقبل من الخصم (٢)، وقبل القضاء بالوكالة لم يثبت (٣) كونه خصما.
وجه الاستحسان: أن الوكيل قد يحتاج إلى ذلك؛ لأن شاهد المال قد يكون مسافرا لا يتوقّف، فلو قلنا بأنه لا تقبل إلى أن نظهر عدالة شهود الوكالة، ويقضى بها، يفوت حق المؤكل، ولأن القاضي إذا قضى بالوكالة يصير خصما من حين أقام البينة على الوكالة، فكانت البينة قائمة من الخصم.
ذكر (٤) القياسَ والاستحسان، ولم يذكر فيه خلافا.
وذكر الخصّاف ﵀: أن على قول أبي حنيفة لا تقبل البينة على المال حتى يقضي بالوكالة (٥).