← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الوكيل بينة على الوكالة، وقضى بها القاضي، أو لم يقض، ثم عزله، ثم شهد الوكيل لمؤكله بتلك الألف أو بغيرها، لا تقبل شهادته (١)؛ لأن القاضي إذا لم يعلم بالوكالة، يحتاج الوكيل إلى إثبات الوكالة بالبينة. وإنما يُثبتها بالبينة علي الوجه الذي أثبتها الموكل؛ لأن الشاهد إنما يشهد بما عاين، لا بغيره، فإذا كانت الوكالة عامّة، لا يشهد الشاهد إلا بوكالة عامّة، والبينة لا تقبل إلا بعد الدعوى، فكانت الخصومة في الألف خصومة في سائر الحقوق تقديرا، ضرورة إثبات الوكالة في سائر الحقوق (٢). ولهذا لو قضى القاضي بوكالته عَقيب الدعوى في حقٍ، لا يحتاج إلى إثباتها بعد ذلك في كلّ حقٍ يدّعي، فبطلت شهادته في الكل ضرورة. فإن (٣) شهد بمال حادثٍ بعد التوكيل، جازت شهادته؛ لأن التوكيل لم يتناول الحادث، فلم يصر خصما في ذلك. والدليل على الفرق بين علم القاضي وحكمه ما ذكر في الكتاب: أنه لو مات القاضي، أو عزل بعد ما قضَى بوكالته بالبينة، فإن القاضي الثاني يجعله خصما ووكيلا بقضاء الأول فيما خاصم فيه وفيما لم يخاصم، ولا يجعله القاضي الثاني وكيلا بالتوكيل الذي كان عند القاضي الأول، لأن حكم القاضي حجّة في حقّ الكلّ، وعلمه حجّة في

стр. 1262

حقّ نفسه دون غيره (١). وكذلك رجل ادّعى عند القاضي على رجل أن فلانًا وكّله بالخصومة في كلّ حق له قِبل هذا المدّعى عليه، وقبِل فلان وفلان، وأقام البينة على الوكالة بالصفة التي ادّعى، وقضى القاضي بذلك، أو لَم يقض، ثم عزله المؤكل، فشهد المعزول للمؤكل بحق قِبَل هذا الذي أحضره، أو قِبَل الآخرين، لا تقبل شهادته (٢). لأن هذا الوكيل حين خاصَم واحدًا من الغُرماءِ لإثبات الوكالة، كانت الخصومة مع الحاضر خصومة مع الغائبين؛ لأن الوكالة واحدة، لا يتوصّل إلى إثباتها علي الحاضر إلا بإثباتها علي الغائبين، ولهذا لو أحضر الغائبين بعد ذلك، وادّعى عليهما مالًا للمؤكل، لا يكلّف إعادة البينة على الوكالة، فإذا بطلت شهادته على الحاضر بالخصومة معه بطلت على الغائبين. وفي هذا لا فرق بين تخصيص الواحد في الوكالة، وبين تخصيص الجماعة، فلا تقبل شهادته، إلا أن يشهد بحقّ حادث بعد التوكيل، أو على رجل آخر غير النفس الثلاثة، فتقبل شهادته؛ لأن التوكيل لم يتناول ذلك. وأما الذي يتناول الموجود والحادث بعد التوكيل، صورته: رجل أقام البينة أن فلان بن فلان وكّله بكلّ حقٍ له في مصر كذا (٣)، وبالخصومة فيها، وأحضر رجلًا من أهل ذلك المصر، وادّعى عليه حقًا لمؤكله، فجَحَد المدّعى عليه المالَ

стр. 1263

والوكالةَ، فأقام الوكيل البينة على ما ادّعى، وقضى القاضي بالوكالة، أو لم يقض حتى عزل، فشهد (١) لمؤكله بحق أو مالٍ على ذلك الرجل، أو على غيره من أهل ذلك المصر، لا تقبل شهادته. لأن الوكالة واحدة، لا يملك إثباتها على الحاضر إلا بإثباتها على الكلّ، فانتصب الحاضر خصمًا عن الكلّ، فإذا خاصم الواحد فقد خاصم الكلّ، ولهذا لا يحتاج إلى إعادة البينة على الوكالة، على كلّ من يدّعي عليه (٢) مِن أهل ذلك المصر حقا. وكذا لو شهد بحق حادث بعد التوكيل، لا تقبل شهادته (٣)؛ لأن التوكيل على هذا الوجه يتناول الموجود والحادث جميعا، وهذا استحسان، والقياس أن لا يتناول الحادث؛ لأنه وكّله بحقوقه (٤)، والحادث ما كان من حقوقه وقت التوكيل. وجه الاستحسان: أن المتعارف فيما بين الناس أن الرجل يؤكل غيره بقبض غَلاته وحقوقه في المصر، ويريد به الموجود، وما يحدث بعد ذلك من الغلات والحقوق والثمرات. ولو احتاج إلى تجديد الوكالة بعد حدوث كلّ غَلّة وثمرة تخرج فيه، فيتناول الكلّ، وإذا دخل الكلّ في (٥) التوكيل، بطلت شهادته في الكلّ، فلا تقبل شهادته إلا أن يشهد

стр. 1264

بحق حادث بعد العزل، لأن الحادث بعد العزل لا يدخل في التوكيل، فلا يصير خصما [فيه] (١)، فتقبل شهادته في ذلك (٢). وكذلك رجل حضر مجلس القاضي، وادّعى أن فلانًا الغائبَ وكّله وفلانا الغائبَ بالخصومة في كلّ حق له قِبل الناس، وأحضر رجلا، وادّعى عليه حقا لمؤكله (٣)، وأقام البينة، فإن القاضي يقضي بكونهما وكيلين،؛ لأن الوكالة واحدة، فإن أحد الوكيلين، إن كان ينفرد بالخصومة عندنا، لا ينفرد بالقبض، فلا يُتوصّل إلى إثبات حقه إلا بإثبات حق الغائب، فانتَصّب الحاضر خصما عن الغائب، وصارت خصومة أحدهما كخصومتهما، ولهذا لو حضر الغائب، لا يكلّف إعادة البينة على الوكالة. فإن عزلهما المؤكل، ثم شهدا للمؤكل بحقٍ، لا تقبل، الموجود والحادث بعد التوكيل فيه سواء؛ لأن قوله: "قِبَل الناس" أعمّ من التقييد بالمصر، وذلك يتناول القائم والحادث استحسانًا لما قلنا، فكذلك هذا، ولا تقبل شهادتهما إلا فيما يحدث بعد العزل (٤). وقوله: "وكّلتك بكلّ حقٍ لي" بمنزلة قوله: "وكلتك بطلبه وبالخصومة فيه" استحسانًا، وقد عرف هذا في كتاب الوكالة. وأما فصل كيفية الخصومة: رجل أحضر رجلا، وادّعى أن فلانا وكّله بالخصومة معه في كلّ حق له قِبلَه، وادعى

стр. 1265

عليه مالا لمؤكّله، فجحد المدعى عليه المال والوكالة، فأقام المدّعي بينةً على الوكالة، فقَبْل أن تعدل بينة الوكالة، ويقضي بها، أقام البينة علي المال، القياس أن لا تقبل البينة على المال، لأن البينة على المال (١)، إنما تقبل من الخصم (٢)، وقبل القضاء بالوكالة لم يثبت (٣) كونه خصما. وجه الاستحسان: أن الوكيل قد يحتاج إلى ذلك؛ لأن شاهد المال قد يكون مسافرا لا يتوقّف، فلو قلنا بأنه لا تقبل إلى أن نظهر عدالة شهود الوكالة، ويقضى بها، يفوت حق المؤكل، ولأن القاضي إذا قضى بالوكالة يصير خصما من حين أقام البينة على الوكالة، فكانت البينة قائمة من الخصم. ذكر (٤) القياسَ والاستحسان، ولم يذكر فيه خلافا. وذكر الخصّاف ﵀: أن على قول أبي حنيفة لا تقبل البينة على المال حتى يقضي بالوكالة (٥).

стр. 1266

وعلى قول أبي يوسف ومحمد (١) تقبل البينة (٢) على المال، إلا أن عند أبي يوسف إذا آل الأمر إلى القضاء، يقضي بالوكالة أوّلًا، ثم يقضي بالمال (٣). وكذا لو أقام البينة على الوكالة والمال جملةً، وهذه ثلاث مسائل، إحداها هذه. والثانية: إذا ادّعى رجل أنه وصيّ فلان بن فلان الميّت، وأن للميّت قِبَل هذا الرجل الحاضر ألف درهم، فأقام البينة على الوصاية والمال (٤). والثالثة: إذا ادّعي رجل أن أباه فلان بن فلان مات، ولا وارث له غيره، وأن له على

стр. 1267

هذا الرجل الحاضر ألف درهم، أو ادّعى عَينا لأبيه في يد رجل، فأقام البينة على النسب والوفاة والدَين (١)، وتمامه في "أدب القاضي" وغيره. وإذا قُبلت البينة في الاستحسان على المال، فالمسألة بعد ذلك على وجوه: إما أن عُدّلت البينتان جميعا، أو عدّلت (٢) بينة الوكالة لا غير، أو عدّلت بينة الحق لا غير. فإن عُدّلت البينتان، يقضي بالوكالة أوّلًا، ثم يقضي بالمال، ويراعي الترتيب في القضاء؛ لأن القضاء بالمال حكم كونه وكيلا وخصما، فيرتب عليه (٣). وفي الوجه الثاني يقضي بالوكالة، ولا يقضي بالمال. فإنْ عُدّلت بينة المال بعد ذلك، يقضي بالمال، وإلّا فلا، وإن عُدّلت البينة على المال لا غير، لا يقضي بشيء؛ لأنه لم يصر خصمًا، والبينة على المال لا تقبل إلا من الخصم (٤). فإن لم يقض بالمال حتى حضر المؤكل، وعزل الوكيلَ، أو جحد أن يكون وكيلًا، فشهد له الوكيل المعزول بذلك الحق، لا تقبل شهادته، أما إذا عزله؛ فلأنه صار خصما فيه بالدعوى وإقامة البينة، فبطلت شهادته.

стр. 1268

وأما إذا جحد الموكل وكالته؛ فلأن الشاهد لما ادّعى الوكالة، فقد أقرّ ببطلان شهادته، وأنه إقرار على نفسه، فيصحّ إقراره، وتبطل شهادته (١). ألا ترى أن الوكيل لو ادّعى الوكالة، وأقام البينة، فلم يقض القاضي بوكالته حتى ادّعي المطلوب أن الموكل (٢) أبرأه عن الدّين، لا ينبغي أن يقضي القاضي بالبراءة قبل ثبوت الوكالة، فإن قضى، ثم جاء المؤكل، وأقرّ بالوكالة، وجحد الإبراء، ينفذ قضاء القاضي بالإبراء (٣)، لأن إقرار المؤكل بالوكالة إقرار على نفسه، فصحّ، كذلك ههنا، إقرار الوكيل يُبطلان شهادته إقرار على نفسه (٤). وكذلك لو كان الوكيل أقام البينة على الوكالة، فظهر أنهم عبيد، ثمّ عزله المؤكل، لا تقبل شهادة الوكيل لمؤكله فيما ادّعي الوكيل، لأن الوكيل لما ادّعى الوكالة، فقد أقرّ أنه خصم، وذاك يكفي لبطلان الشهادة (٥). وكذا لو خاصم في شيء مما قلنا، وادّعى الوكالة، ولم يقم البينة علي ذلك، لكنه حلف الخصم، بطلت شاهدته، لما قلنا (٦).

стр. 1269

رجل أحضر رجلا، وادّعى أن فلانا وكّله بالخصومة في كل حق له في مصر كذا، أقام البينة على ذلك، فغاب المدّعى عليه قبل تزكية الشهود، ثم عُدّلت البينة، فإن القاضي لا يقضي بالوكالة إلا على خصمٍ حاضرٍ، كما لا تقبل البينة إلا على خصم (١) [حاضر] (٢). فإن أحضر رجلًا آخر، وادّعى عليه حقا لمؤكله، والمدّعى عليه يجحد وكالته، فإن القاضي يقضي بتلك البينة على هذا الرجل (٣)؛ لأن الأول كان نائبا عن سائر الغرماء، حتى كان القضاء عليه قضاء علي الكلّ، فكان حَضرة الأول وقت البينة كحَضرة الكل. ونظيره: ما لو قامت البينة على الوكيل، فغاب الوكيل، وحضر المؤكل (٤). أو قامت البينة على المؤكل، فغاب المؤكل، وحضر الوكيل (٥). أو قامت البينة على المورث، فمات، وحضر الوارث.

стр. 1270

أو قامت البينة علي وارث بدَين على الميّت، فغاب ذلك الوارث، وحضر وارث آخر (١). أو أقام رجل البينة على وارث أنه وصيّ الميّت، فغاب ذلك الوارث، وحضر وارث آخر (٢). أو أقام البينة بالوصاية علي غَريم للميت، فغاب ذلك الغريم، وحضر غريم آخر، فإنه يقضي بتلك البينة على الثاني (٣)؛ لأن القضاء علي الأول يكون قضاء علي الثاني، فكذلك البينة. -والله تعالى أعلم -

стр. 1271

باب من الشهادة التي تجوز في الوصية بعد الموت والدّين قبل القضاء وما لا تجوز بعد القضاء بني الباب على أصلين: أحدهما: أن الشهادة إذا تضمّنت جَرّ مغنمٍ إلى الشاهد، أو دفع مغرمٍ عنه، لا تقبل لمكان التهمة (١). والثاني: أن الوصايا إذا اجتمعت، وفيها عتق، يقدّم العتق (٢)، روي ذلك عن ابن عمر ﵁، ولأن العتق أقوى؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، وغيره يحتمل [الفسخ] (٣)، والأدنى لا يزاحم الأقوى.

стр. 1272

وفي الباب فصلان: الشهادة بعد الشهادة، والشهادة بعد الإقرار. أما الفصل الأول: فهو علي وجهين: إما إن كان في العبد، أو في الثلث. بدأ بما إذا كان في العبد، فقال: رجل مات وترك ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء، لا مال له غيرهم، فشهد رجلان أن الميت أوصى بهذا العبد لهذا الرجل، ثم شهد وارثان أن الميت أوصى لهذا الرجل بهذا العبد (١)، وإنه على وجهين (٢): إما إن شهدا بعبدٍ آخر، أو شهدا بذلك العبد، وكل ذلك على وجهين: إما أن ذكرا في شهادتهما الرجوع عن الوصية الأولى، أو لم يذكرا ذلك، وكان ذلك بعد القضاء للأول أو قبله. فإن شهدا بعبد آخر قبل القضاء للأول، قِبلت شهادة الوارثين؛ لأنهما شهدا للثاني باستحقاق الوصية، ولم يجرّا إلى أنفسهما مَغنَما، ولا دفعا مَغرَما، ولا نقضا قضاءً قضى عليهما، فانتَفت التهمة عن شهادتهما، [فتقبل] (٣). وإذا قبلت شهادتهما، فإن لم يذكرا الرجوع عن الوصية الأولى، قضى لكل واحد من الموصى لهما بنصف عبده، لأن كل واحد منهما أثبَت وصيته (٤) بالبينة، والوصايا إذا اجتمعت، لا تنفذ إلا في الثلث، فيجعل الثلث بينهما، كما لو ثبتت وصيتهما عَيانًا (٥).

стр. 1273

ولا يقال: لولا شهادتهما، لكان للموصى له الأول كل عبده، فإنما عاد نصف العبد إلى الورثة بشهادتهما، فوجب أن لا تقبل شهادتهما لمكان التهمة. لأنا نقول: بنفس الشهادة لا يثبت الاستحقاق، بل التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، حتى يقضي منها ديونه، فكانت شهادتهما شهادة على المورّث فتقبل، كما لو شهدا عليه في مرضه بعَين من أعيان ماله. وإن شهدا بالوصية للثاني، وذكرا الرجوع عن الأولى، جازت شهادتهما أيضا، وللموصى له الثاني كل العبد، ولا شيء للأول؛ لأن الرجوع عن الأولى ثبت بشهادتهما، فبطل وصيته، كما لو ثبت ذلك عَيانا. وعَود العبد الأول إلى الورثة، لا يمنع قبول شهادتهم، لما مرّ أن حق الأول لا يثبت قبل القضاء. ألا ترى أن الوارثين لو شهدا أن الميّت أعتق هذا العبد الاخر في مرضه، جازت شهادتهما (١)، لأنهما يشهدان للعبد الثاني بالعتق، وإذا جازت شهادتهما، يقضي بالعتق، لما مرّ أن الوصايا إذا اجتمعت، وفيها عتق، يقدم العتق. وإذا قضى بالعتق، تبطل وصية الأول، لأن الثلث الذي هو محل الوصية صار مستحقا بالعتق، فتبطل وصيته الأول ضرورةً (٢)، ويسلّم العبد الأول للورثة، وسلامة العبد لهم لا يمنع قبول شهادتهم على العتق؛ لأن استحقاق الأول لا يثبت قبل القضاء، كذلك ههنا.

стр. 1274

ولو كان القاضي قضى للأول، ثم شهد الوارثان بشيء مما قلنا، لا تقبل (١)؛ لأن استحقاق الأول يثبت بقضاء القاضي، وصار الوارث مقضيّا عليه بطريق الخلافة عن الميت، حتى لو ادّعاه الوارث بعد ذلك لنفسه مِلكا مطلقًا، لا تسمع دعواه؛ لأنه صار مقضيّا عليه، فإذا شهدا بعد ذلك، فإن ذكرا رجوعا عن الوصيّة الأولى، فقد أعادا كلّ العبد الأول إلى أنفسهما بالعبد الثاني. وإن لم يذكرا رجوعًا عن الوصية، فقد أعادا نصف العبد (٢) الأول إلى أنفسهما بنصف العبد الثاني، فتمكنت التهمة في شهادتهما على كلّ حال، وفيه إبطال قضاء قضى عليهما، ولا شيء للموصى له الثاني، وإن أقرّ له بالوصية، لأن العبد الأول تعيّن محلًا للوصية بقضاء القاضي، وزال عن مِلك الورثة. وكذا لو شهدا بعد القضاء الأول: أن الميّت أعتق هذا العبد الآخر في مرضه، لا تقبل شهادتهما؛ لأنا لو قبِلنا شهادتهما، والعتق مقدّم على غيره من الوصايا، يبطل القضاء الأول، فلا تقبل شهادتهما، لكن يعتق العبد بإقرارهما؛ لأنهما مالكان، أقرّا بحرّيته، ويسعى لهما في قيمته؛ لأن محل الوصية صار مستحقًّا بقضاء القاضي، والعتق بعد وقوعه لا يحتمل الفسخ، فتجب السعاية، ليكون ردًّا للعتق من حيث المعنى. هذا إذا شهد الوارثان بعبدٍ آخر، فإن شهدا أن الميّت أوصى بذلك العبد للثاني، ولم يذكرا رجوعا عن الأول، جازت شهادتهما (٣)، سواء شهدا بذلك قبل القضاء الأول أو

стр. 1275

بعده، ويكون العبد بين الأول والثاني (١). أما قبل القضاء فظاهر، وأما بعد القضاء: فلأنهما (٢) لا يحوّلان إلى أنفسهما شيئًا بشهادتهما، ولا يبطلان قضاء القاضي، وإنما يثبتان حق الثاني، ولا تنافي بينهما؛ لأن اجتماع الوصيتين لكل واحد منهما على الكمال في عَين واحدة جائز، حتى لو رَدّ أحدهما كان الكل للآخر. وإذا قبلت شهادتهما، يضرب كل واحد منهما بجميع وصيته، ويجعل العبد (٣) بينهما، كما لو ثبت ذلك عَيانا، بخلاف الفصل الأول؛ لأن ثَمّة بعد القضاء يحولان إلى أنفسهما نصف العبد أو كلّه. وإن ذكرا الرجوع عن الوصية الأولى، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يظهران أن القاضي أخطأ في قضائه حيث قضى للأول بغير حق، فلا تقبل شهادتهما على الرجوع للأول (٤)، وتقبل شهادتهما على الوصية الثانية؛ لأنه ليس فيها إبطال القضاء، وهما شهادتان منفصلتان، فبطلان أحدهما لا يوجب بطلان الأخرى، فتثبت الوصيّة الثانية، ويجعل العبد بينهما، ولا يضمن الورثة شيئًا لما قلنا في الفصل الأول. ولو كان القاضي قضى للأول، ودفع إليه العبد، ودفع العبدين الباقيين إلى الورثة،

стр. 1276

ثم شهد الوارثان أن الميّت أوصى بذلك العبد للثاني، لا تقبل شهادتهما (١)، وإن لم يذكرا رجوعًا عن الأول؛ لأن فيها إبطال القسمة التي هي في معنى القضاء؛ لأن القاضي قَسَم التركة بين الأول والورثة أثلاثًا، ولو قُبلت هذه الشهادة، كانت القسمة بين الموصى لهما وبين الورثة أسداسا، وفيه نَقض تسليم القاضي في النصف، وتسليمه قَضاء منه، فلا تقبل شهادتهما. وكذا لو شهدا أن الميّت أعتق العبد المقضيّ به في مرضه، لا تقبل شهادتهما، [لأنها لو قبلت] (٢)، والعتق مقدّم علي غيره، كان فيه إبطال القضاء، فلا تقبل، كمالو شهدا بعد القضاء أنه رجع عن تلك الوصية، وأوصى للثاني. وأما القسم الثاني من هذا الفصل: وهو ما إذا كانت الوصية بالثلث: رجل مات، فشهد شاهدان أن الميت أوصى لهذا الرجل بثلثِ ماله، فقضى القاضي بذلك، ثم شهد وارثان أن الميت أوصى لهذا الرجل الآخر بثلثِ ماله، فشهادتهما جائزة (٣) إن لم يذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى، ويكون الثلث بينهما، لأنه ليس في شهادتهما نقض قضاءٍ قد قضى به (٤) عليهما، بل في شهادتهما استحقاق الثاني، ويتضاربان (٥) في الثلث.

стр. 1277

وإن ذكرا رجوعا عن الوصية (١) الأولى، لا تقبل شهادتهما، لأن هذه الشهادة تتضمّن إبطال القضاء. وكذا لو شهدا أن الميت أعتق هذا العبد نفسه (٢) في مرضه، لا تقبل (٣)؛ لأن فيها إبطال القضاء، لما قلنا، لكن يعتق العبد؛ لأنهما مالكان أقرّا بعتقه، ويسعي العبد في قيمته؛ لأن محلّ الوصية صار مستحقًّا بقضاء القاضي، ويكون ثلثا (٤) السعاية للورثة، والثلث للموصى له بالثلث؛ لأن حق الموصى له بالثلث يثبت في ثلث مال الميت سابقا، والسعاية مال الميت. فإن قال الموصى له بالثلث: أن العبد بحكم الوصية بالثلث صار مشتركًا بيني وبين الورثة؛ لأنه مال الميّت، ولي ثلث مال الميّت، وقد أعتقاه الورثة (٥)، فلي أن أضمنها، ليس له ذلك؛ لأنهما ما أعتقاه، بل أضافا العتق إلى غيرهما، فلا يضمنان، كجماعةٍ أشترو عبدًا، ثم أقرّ أحدهم أن البائع كان أعتقه قبل البيع، لا يضمن لشركائه شيئا. ولو شهد الوارثان أن الميت أعتق هذا العبدَ في مرضه، إن شهدا بذلك (٦) قبل القضاء الأول، جازت شهادتهما، لأنه ليس في شهادتهما جَرّ مَغنمٍ، ولا دفع مَغرَمٍ، ولا إبطال

стр. 1278

قضاءٍ قد قضى، وإذا جازت شهادتهما، كان العتق (١) مقدّمًا على الوصية بالثلث، فتبطل الوصية بالثلث (٢). فإن لم يكن للميت مال سِوى العبد، عتق ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته للورثة. فلو كان القاضي قضى بشهادة الأجنبيّين، وقسم التركة، وأعطى للموصى له الثلث، ثم شهد الوارثان بالوصية بالثلث لرجل آخر، لا تقبل (٣)، وإن لم يذكرا رجوعا عن الأول، لأن شاهدتهما تضمّنت إبطال القسمة التي هي قضاء معنىً، ولا يأخذ الموصى له الثاني شيئًا من الورثة، وإن أقرّا له بالوصية بشهادتهما؛ لأن الثلث الذي هو محلّ الوصية تعيّن للأول بقضاء القاضي. ثم استشهد لبيان الفرق بين ما قبل القضاء وما بعده، فقال: ألا تري: أن وارثَين لو أقرّا لرجلٍ بدينٍ على الميت، ومعهما وارث آخر، لم يقرّ بذلك، ثم شهد المقرّان على الميت بذلك الدَين عند القاضي، جازت شهادتهما (٤)، ولو كان القاضي قضى عليهما بإقرارهما، ثم شهدا عند القاضي، لا تقبل شهادتهما. وهذه المسألة احتجّ بها الشافعي ﵀ علينا في مسئلة أحد الورثة إذا أقرّ بدَين

стр. 1279

على الميت، عندنا: يستوفى كل الدين من نصيب المقرّ (١)، وعند الشافعي: يستوفى منه قدر نصيبه من التركة (٢). فاحتجّ وقال: لو كان يلزمه جميع الدين في نصيبه، لكان هو محوّلًا بشهادته بعض ما لزِمَه إلى غيره، فيجب أن لا تقبل شهادته، كما لو قضى القاضي عليه بإقراره، ثم شهد، لا تقبل، وهذا لأن الإقرار ملزم بنفسه، فكان الحال فيه قبل القضا بمنزلة ما بعد القضاء، بخلاف الشهادة، فإنها لا توجِب شيئا قبل القضاء، فجاز أن يختلف الحكم فيما قبل القضاء وبعده. وإنا نقول: بأن هذا إقرار على غيره، وهو الميت، فلا ينفذ في الحال، لأن قبل القضاء، الأمر متردّد: يحتمل أن يجدَ بينة، أو يساعده الورثة، فلا يجب كل الدين في نصيبه لمكان الاحتمال، وإنما ينقطع هذا الاحتمال بقضاء القاضي (٣). فإذا لم يجد بينة، ولم تساعده الورثة، يأمره القاضي بقضاء الدّين من نصيبه. لأن الدّين يقضي من أيسَر المالين قضاءً (٤).

стр. 1280

ولهذا لو ترَك الميت عَرضا أو عَينا، ودينا، يقضي من النقود، ومن العين، وأيسر المالين قضاءً نصيب المقرّ، فيتعيّن ذلك لِقضاء الدين، ويجعل نصيب الورثة بمنزلة العدم، وإن كان الدين متعلّقا بكل التركة، فكانت شهادته قبل القضاء تقريرا لما أقرّ به، ولا يكون تحويلا، أما بعد القضاء: فشهادته تحويل عن نصيبه إلى جميع التركة، فلا تقبل، ولهذا اختلف الحكم قبل القضاء وبعده. ونظير هذا: ما لو قذَف رجلا، ثم جاء مع نفَرٍ ليشهدون عليه بالزنا، فإن كان ذلك بعد ما قضى القاضي عليه بحدّ القذف، لا تقبل شهادته على مقذوف (١)، وإن كان (٢) قبل القضاء، جازت شهادته بالزنا على المقذوف، كذلك ههنا. واستشهد أيضا فقال: أرأيت لو أن رجلا مات، فشهِد شاهدان أن الميت أوصى إلى هذا الرجل، ولم يقض القاضي، حتى شهد وارثان أن الميت رجع عن ذلك، وأوصى إلى هذا الثاني، والثاني يدّعي ذلك، جازت شهادة الوارثين، لما عُرف في غير هذا الموضع أن شهادة الوارثين، والموصى لهما، والغريمين لهما على الميت دينٌ، مقبولة على الإيصاء، إذا كان الموت معروفا (٣)، والوصيّ يدعى، لأنها شهادة على الميت بإثبات الولاية للوصيّ في تركته. وإن شهد الوارثان بذلك بعد ما قضى القاضي بالإيصاء للأول، لا تقبل (٤)، لأنها

стр. 1281

قامت لإبطال قضاءٍ واقع (١) على الميت وورثته. وإذا لم تقبل شهادتهما على الرجوع عن الأول، هل تقبل على الإيصاء للثاني كما قلنا قبل هذا؟ قال مشايخنا: يجب أن يكون على الاختلاف: على قول أبي يوسف تقبل، لأن عنده كل واحد من الوصيّين ينفرد بالتصرّف، فلم يكن في جعل الثاني وصيًا إبطال القضاء، فتقبل (٢) شهادتهما في جَعل الثاني وصيًا، ولا تقبل (٣) في الرجوع عن الأول، لأن في ذلك ابطال القضاء. أما على قول أبي حنيفة ومحمد: أحد الوصيّين لا ينفرد بالتصرّف إلّا في أشياء مخصوصة عُرفت، فكانت شهادتهما بالإيصاء للثاني إبطالًا للقضاء (٤)، فلا تقبل. وأما الفصل الثاني، وهو فصل الإقرار: رجل مات، وترك ثلاثة أعبدٍ، قيمتهم على السواء، لا مال له غيرهم (٥)، وترك ابنًا لا وارث له غيره، فأقرّ الابن أن الميت أوصى بهذا العبد الآخر (٦) لهذا الرجل، فسمع

стр. 1282

القاضي إقراره، ولم يقض بذلك، حتى شهد الابن مع رجل (١) أجنبيّ أن الميت أوصى بهذا العبد الآخر لهذا الرجل الآخر، فإن القاضي يقبل شهادته، ويقضي بالعبد المشهود به للمشهود له. لأنّ إقرار الوارث بالوصيّة إقرار على الميت، فلا يوجب (٢) الحق قبل القضاء، بمنزلة الشهادة التي لم يتصل بها القضاء، فلا يكون الوارث بشهادته محوّلًا شيئًا إلى نفسه، فجازت شهادته، ويقضي للثاني بوصيته، وتبطل وصية الأول (٣)؛ لأن وصية الثاني ثبتت (٤) بالبينة، والبينة أقوي من الإقرار، وصاحب أدنى الحجّتين لا يعارض صاحب (٥) الأقوى. ولو كان القاضي قضى للأول بإقراره، وقبَضه أو لم يقبضه، حتى شهد الوارث مع غيره بما قلنا، لا تقبل (٦)؛ لأنا لو قَبِلنا الشهادةَ، والوصيةُ الثابتةُ بالشهادة (٧) فوق [الوصية] (٨) الثابتة بالإقرار، يبطْل قضاء القاضي، فيصير ساعيًا في نقض قضاءٍ قضى

стр. 1283

عليه، دافعًا عن نفسه ما وجب عليه من التسليم، فلا تقبل شهادته، وإذا بطلت شهادته، سلمّ العبد الثاني للوارث. لأن محلّ الثلث صار مستحقًّا بالقضاء، فيبطل وصية الثاني ضرورةً، ولا يضمن الوارث للثاني شيئًا، لأنه لو ضمن، لا يخلو: إما أن يضمن بإقراه الأول، أو بالقضاء، لا وجهَ للأول؛ لأن الحق لا يثبت للأول بمجرّد إقراره، فلم يكن إتلافا على الثاني، ولا وجهَ للثاني (١)؛ لأن القضاء فعل القاضي، فلا يوجب الضمان على الوارث. هذا إذا شهد الوارث بعبدٍ آخر، فإن كانت شهادته بذلك العبد الذي أقرّ به للأول، فكذلك الجواب. إن شهد قبل القضاء للأول، جازت شهادته، وإن شهد بعد القضاء، لا تقبل، ولا ضمان عليه، لما ذكرنا في الفصل الأول. فإن كان الوارث أقرّ بما ذكرنا، وسلّم العبد المقرّ به إلى المقرّ له بنفسه، ثم شهد بذلك العبد بعينه لرجلٍ آخر، لا تقبل شهادته (٢)؛ لأنه سَاعٍ (٣) في نقضِ تسليمٍ تمّ به، وإذا لم تُقبل شهادته، يضمن نصف قيمة العبد للمشهود له؛ لأنه لما شهد للثاني، فقد أقرّ أن العبد كان وصيةً لكل واحد منهما، وأنه سلّم إلى الأول بغير حقٍ، فيضمن نصفه للثاني، وإن دفعه إلى الأول بقضاءٍ، لا يضمن، لأن دفعه يضاف إلى القاضي، وهو محمول عليه من جهته، فلا يضمن.

стр. 1284

ولو كان الوارث أقرّ بثلث المال وصيةً لرجل، ثم شهد مع رجل بوصية الثلث لرجل آخر، فإن كان ذلك قبل القضاء للأول تقبل (١)، وإن كان بعد القضاء لا تقبل، لما ذكرنا. ولو شهد الوارث مع رجل أن الميت أوصى بثلثِ ماله لهذا الرجل، وقضى القاضي بذلك، ثم شهدا لرجلٍ آخر بالوصية بالثلث، قبلت شهادتهما؛ لأنه لا منافاة بين الوصيتين لما قلنا، فلم يكن في الشهادة الثانية إبطال القضاء، بل فيها إثبات الوصية للثاني، فيتحاصّان (٢). بخلاف ما لو أقرّ للأول بالوصية، وقضى به القاضي، ثم شهد بالوصية للثاني، لأنّا لو قَبِلنا شهادته للثاني، والثابت بالبينة فوق الثابت بالإقرار (٣)، يبطل القضاء. قال (٤): ألا ترى أنه لو شهد الوارث مع رجل بدَين على الميت، وقضى القاضي، ثم شهد بالدَين لرجل آخر، وليس في التركة وفاء بالدينين، إن القاضي يقضي بالثاني (٥)، لأنه ليس فى هذه الشهادة نقض القضاء، بل يتحاصّان. ولو أقرّ بدينٍ على الميّت أوّلًا، وقضى القاضي، ثم شهد للثاني، لا تقبل، لأنا (٦) لو قضينا بالشهادة، والثابت بالشهادة فوق الثابت بالإقرار، يبطل القضاء.

стр. 1285

ولو كان الوارث أقرّ بالدين، وسلّم بنفسه، ثم شهد بالدين لرجل آخر، لا تقبل (١)، لأنه ساعٍ في نقض تسليمٍ تمّ به، وأنه متناقض، لأنه حين دفع إلى الأول، فقد أقرّ أنه ليس في التركة دَين آخر، والمتناقِض لا تقبل شهادته. لكنه يضمن للثاني نصف المال، إذا كان دَين كل واحد منهما ألفا، والتركة ألف درهم، لأنه أتلف النصف على الثاني، ولا يضمن، إذا كان التسليم من القاضي لما قلنا. -والله أعلم-.

стр. 1286

كتاب الدعوى باب دعوى أحد الشريكين الولد لنفسه ولشريكه فيصدّقه الشريك أو يكذّبه بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن دعوة النسب كما تصحّ في المِلك الكامل، تصحّ في الملك الناقص؛ لأنه تصح بحق الملك، وهو استيلاد الأب جارية الابن، فلأن تصح في الملك النقص، وأنها أقوى، كان أولى. والثاني: أن دعوة الاستيلاد مع دعوة التحرير إذا اجتمعتا، تترجّح دعوة الاستيلاد؛ لأن دعواه (١) الاستيلاد تَستَند إلى العلوق، ودعوة التحرير تقتصر، فكانت دعوة الاستيلاد سابقة معنىً، فتترجّح (٢)، كما لو كانت سابقة حقيقة. إذا عرفنا هذا قال محمد [﵀]: جارية بين رجلين، ولدت ولدين في بطنين مختلفين، فقال أحدهما: الأصغر ابني، والأكبر ابن شريكي، وصدّقه الشريك، فالجارية أمّ ولد لمدّعي الأصغر، ويضمن

стр. 1287

مدّعي الأصغر لشريكه نصف قيمتها، ونصف عقرها، والولد الأصغر حرّ بغير شيء (١)، ويثبت نسب الأكبر من مدّعي الأكبر، ويضمن مدّعي الأكبر لشريكه نصف عقرها، وعليه أيضا قيمة نصف الأكبر إن كان موسرا، وإن كان معسرا يسعى الأكبر في نصف قيمته (٢). أمّا الجارية: أمّ ولد لمدّعي الأصغر؛ لأنه ادّعى الاستيلاد في محلّ مشترَك، فصحّت دعوته، كما لو أقرّ من غير تصديق، واستَند إلى حالة العُلوق؛ لأنها دعوة استيلاد، وعلق الولد حرّ الأصل، فلا يضمن شيئا من قيمته. فإذا صارت الجارية أمّ ولد له، والاستيلاد لا يتجزّأ (٣)، صار متملّكا نصيب الشريك، فيضمن نصف قيمتها، موسرا كان أو معسرا (٤)؛ لأن ضمان التملّك لا يختلف باليَسَار والإعسار، وعليه نصف عقرها؛ لأنّ الدعوة وإن اسْتندتْ إلى وقت العلوق، بقي أول الفعل في محل مشتركٍ، فيضمن عقرها، بخلاف الاستيلاد من الأب حيث لا يلزمه العقر عندنا (٥)؛ لأن ثمّة قدّمنا الملك على الوطيء لتصيح (٦) الاستيلاد، وهنا لا حاجة إلى

стр. 1288

تقديم الملك على الوطيء، لأن الملك في النصف يكفى لصحة الاستيلاد، ويثبت نسب الأكبر من مدّعى الأكبر بتصادقهما. والقياس: أن تكون الجارية أمّ ولد له؛ لأن استيلاده سابق (١) إلا أن نفاذ دعوة مدّعي الأصغر كما أقرّ، وصَيرورة الجارية أمّ ولد له صار مانعًا استناد دعوة مدّعي الأكبر إلى وقت العلوق، فبقيَت دعوة مدّعي الأكبر دعوة تحرير، فلم تصر الجارية أمّ ولد له، ويضمن لمدّعي الأصغر نصف عقرها، لأنه أقرّ بوطيء جارية مشتركة، وإذا اقتصرت دعوة مدّعي الأكبر صارت تحريرا للأكبر، فيضمن لشريكه نصف قيمته إن كان موسرا، وسعى الغلام في ذلك إن كان معسرا (٢)، كما لو أعتقه من غير دعوى النسب. ولا يقال: وجب أن يضمن مدّعي الأصغر جميع العقر، وجميع قيمة الأصغر، لأنه أقرّ أنه حين وطئها كانت أمّ ولد لشريكه، فيضمن جميع العقر، وزعتم أنه كان مغرورا في الاستيلاد، وولد المغرور حر بالقيمة. لأنا نقول: بلى! أقرّ بذلك، إلا أنه صار مكذبا في إقراره شرعا حيث جعلها أمّ ولد له. وإن بدأ في الإقرار بالأكبر، فقال: الأكبر ابن شريكي والأصغر ابني، وصدّقه الشريك في ذلك، فالجارية أمّ ولد لمدّعي الأكبر، ويضمن مدّعي الأكبر لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها، والولد الأكبر حرّ بغير شيء.

стр. 1289

أمّا الجارية: أمّ ولد لمدّعي الأكبر، لأنه لما صدّقه استند التصديق إلى وقت الإقرار، وتقدّمت على دعوة مدّعي الأصغر، فتصير أمّ ولد له، كما لو ادّعيا على التعاقب. أمّا في الفصل الأول: دعوى (١) الأصغر كان سابقا على الإقرار بالأكبر، فإذا صدّقه الأكبر، واستند تصديقه إلى وقت الإقرار، لا يُعتبر دعواه سابقا على دعوى الأصغر بل يكون بعده، فكانت الجارية أمّ ولد لمدّعي الأصغر، كما لو ادّعى مدّعي الأصغر، ثم مدّعي الأكبر، فإذا صارت الجارية أمّ ولد لمدّعي الأكبر ههنا، كان حكمه كحكم مدّعي الأصغر في الفصل الأول. وكان ينبغي أن لا تصحّ دعوة مدّعي الأصغر، لأنه ادّعى ولد أمّ ولد شريكه، وإنما صحّت دعوته استحسانا، لأنه حين ادّعى الأصغر، كانت الجارية مملوكة بينها (٢)، وإنما صارت أمّ ولد لصاحبه بعد التصديق (٣)، فيصير مغرورا، فيثبت النسب منه، ويضمن قيمة الولد لشريكه، موسرا كان أو معسرا، وهو والمغرور سواء. ويضمن عقر الجارية أيضا في رواية هذا الكتاب، لأنه أقرّ أنه وطيء أمّ ولد الغير، وفي روايةٍ قال: يضمن نصف العقر. قالوا: ليس في المسألة روايتان، بل يجب عليه العقر كاملا، إلا أن صاحبه يضمن نصف العقر أيضا، فصار نصف العقر قْصاصا بنصف العقر، يبقى عليه نصف العقر، فما

стр. 1290

ذكر أنه في بعض الروايات يضمن نصف العقر، فذاك جواب الحاصل (١). هذا إذا صدّقه الشريك، أمّا إذا كذّبه الشريك: ففي الفصل الأول: وهو إذا بدأ بدعوى الأصغر، فالجارية أمّ ولد لمدّعي الأصغر، وعليه نصف قيمتها ونصف عقرها، ولا يضمن من قيمة الأصغر شيئا (٢)؛ لأن دعوة مدّعي الأصغر، نفَذت ما وجدت من غير توقّف، ولا تتغيّر بالتصديق والتكذيب. وأمّا الأكبر: لا يثبت نسبه من الشريك عند التكذيب، بقي حكمه حكم عبدٍ بين شريكين، شهد أحدهما على صاحبه بالإعتاق، وأنكر الشريك الآخر، عند أبي حنيفة ﵀: يسعى في قيمته لهما على كل حال. وعند أبي يوسف ومحمد: إن كانا معسرين، أو كان المنكر معسرا:، فكذلك، وإن كانا موسرين، أو كان المشهود عليه موسرا سَعى للمنكر، ولا يسعى للشاهد (٣)، لأن الشاهد يدّعى الضمان، ويبرأ عن السعاية. وعند أبي حنيفة ﵀: يَسَار المشهود عليه لا يمنع الاستسعا، وعندهما: يمنع الشاهد بين الاستسعا ولا يمنع الشهود عليه. وأما إذا بدأ بشريكه، وثني بنفسه، وكذّبه الشريك: ذكر ههنا أن الجواب فيه كالجواب في الفصل الأول: تصير الجارية أمّ ولد لمدعي الأصغر، والأصغر حرّ بغير شيء،

стр. 1291

ويضمن لشريكه نصف قيمة الجارية ونصف عقرها، وحكم الأكبر كحكم عبد بين رجلين شهد أحدهما على صاحبه بالإعتاق، لأن الإقرار بنسب الأكبر بطل بالتكذيب، فصار كأن لم يكن. قيل: هذا على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. أما على قول أبي حنيفة: ينبغي أن لا تصح دعوة مدّعي الأصغر، ولا تصير الجارية أمّ ولد له؛ لأنه أقرّ بإبنية الولد لصاحبه، وأنه حقٌّ لا ينفسخ؛ فلا يبطل بالتكذيب، كمن أقرّ بنسب ولد جاريته لعبده، وكذبه العبد، ثم ادّعي لنفسه بعد ذلك، لا تصح دعوته في قول أبي حنيفة، وعندهما تصح، فهذا علي ذلك الخلاف (١). - والله أعلم -

стр. 1292

باب من الدعوى والخصومة والاستيثاق للخصم والإقرار عند القاضي بنى الباب على أن القاضي مأمور بالنظر والاحتياط، لأنه نُصب لدفع الظلم، وأيصال الحقوق إلى أربَابها، فيحتاط لا بقائها (١)، ويحترز عن تعطيلها (٢). وفي الباب فصول ثلاثة: أحدها: أن يكون المدّعَى حقا قائما بالمدّعى عليه، نحو الطلاق، والعتاق، والدَين، ونحو ذلك. والثاني: أن يكون منقولا. والثالث: أن يكون عقارا. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: إذا تقدّم الخصَمان إلى القاضي، فادّعى أحدهما على صاحبه مالًا أو حقًّا، وجَحَد خصمه، فأقام البينة على ذلك، وطلب من القاضي أن يكفل المدّعى عليه، فالقاضي يُجيبه إلى ذلك، ويأمر بإعطاء الكفيل بنفسه (٣)، وهذا استحسان. والقياس أن لا يأمر، لأن إعطاء الكفيل تبرّع، والإنسان لا يجبر على التبرّع، ولأن

стр. 1293

فيه ترجيح جانب المدّعي علي المدعى عليه قبل ظهور الحق (١). وجه الاستحسان: أن القاضي مأمور بالقضاء عند ظهور العدالة، ولو لم يكفل ربما تَغيّب، والقضاء لا يجوز إلا بحَضرة الخصم (٢)، فيتعذّر عليه القضاء، وليس في التكفيل كبيرُ ضررٍ بالمدعى عليه، لأنه إن لم يكن من قصده الاختفا لا يتضرّر، وإن كان قصده الاختفا، كان ظالما، فلا ينظر له، فيكفله احتياطا (٣). وإن طلب التكفيل قبل إقامة البينة، هل يجيبه القاضي إلى ذلك؟ فالمسألة على وجهين: إن قال: بيّنتي غائبة، لا يجيبه (٤)، لأنه عسى يجد بينةً، وعسى لا يجد، فيتضرّر المدعى عليه بالتكفيل من غير نفع ظاهر. وإن قال: بيّنتي في المصر، القياس أن لا يجيبه القاضي إلى ذلك، لأن الحق لا يثبت بمجرّد الدعوى (٥)، فكان الحال بعد الدعوى كالحال قبله، وقبل الدعوى لا يكفله. وفي الاستحسان: يكفله (٦)، لأن المدعي قد لا يُحضر الشهود في الابتداء لرجاء

стр. 1294

الإقرار، فإذا حَجد الخصم يحتاج إلى البينة، فلو لم يكفل ربما تغيّب، فلا يتوصّل إلى حقه، ولو كفله إلى إقامة البينة، لا يتضرّر المدعى عليه ضررا ظاهرا (١)، فيكفله، ويمهله لإحضار الشهود بقدر ما يرى (٢). ألا تري أن في الابتداء يستحضره لسماع الدعوى احتياطا لإحياء الحقوق، فكذلك التكفيل. وإنما يكفله بطلب المدَّعي؛ لأن حقوق العباد لا تستوفى إلا بطلبهم، ولهذا قالوا: إن القاضي لا يأمر المدعى عليه بجواب الخصم إلا بطلب المدعي (٣). وحكي: أن رجلا ادّعى على بِشر بن غياث (٤) شيئا عند القاضي، فقال القاضي

стр. 1295

لبِشر: أجب خصمَك، فقال بشر: حرام عليك مسألتي، وحرام علي إجابتك، وإنما قال ذَلك؛ لأن القاضي أمرَه بجواب الخصم قبل طلب المدعي. وحكى ابن سماعة (١) عن محمد ﵀: أنه قال: لو كان الخصم لا يهتدي إلى ذلك، أو يدخله حَصر لمهَابَة القاضي، لا بأس للقاضي أن يسأله الجواب من غير طلب الخصم؛ ليكون إعانةً للعاجز عن استيفاء الحق (٢). وينبغي أن يكون الكفيل معروفا: معروف الدار، معروف التجارة (٣)، ليحصل التوثّق (٤).

стр. 1296

فإن أعطاه كفيلا ثقةً لكنه ليس بتاجرٍ، فقال: المدّعي أريد كفيلا تاجرا معروفا عند الناس، لا يلتفت إليه، لأن المقصود هو الاستيثاق، يحصل بالكفيل إذا كان ثقةً لا يخاف منه الهرب، فما وراء ذلك من شهوات النفس، ولا غاية لها. فإن امتنع مِن إعطاء الكفيل، يُجبِره القاضي على ذلك، وليس الجبر ههنا بالحبس (١)؛ لأن الحبس نهاية في العقوبة، لو امتنع عن أداء المال بعد القضاء، لا يعاقبه إلا بالحبس. ولا يَحبسه قبل ظهور الحق (٢)، لكن يأمره بالملازَمة، وليس تفسير "الملازَمة": هو المنع عن الذهاب؛ لأنه حَبس، لكن يذهب المدّعي مع المدّعى عليه، ويدور معه أينما دار كيلا يغيب (٣). فإذا انتهى إلى باب داره، وأراد الدخول، يستأذنه المدعي في الدخول، فإن أذن له يدخل معه، ويسكن حيث يسكن، وإن لم يأذن له بالدخول يجلسه على باب داره، ويمنعه من الدخول كيلا يختفي (٤).

стр. 1297

فإن كان المدعي عليه امرأة، لا يحفظها بنفسه، لكن يستأجر امرأة ثقةً حتى تحفظها (١). وإن طلب المدعي أن يعطيه كفيلا بنفسه، ووكيلا بالخصومة، أجابه القاضي إلى ذلك؛ لأنه لو أعطاه كفيلا بنفسه، وغاب، لا يمكنه القضاء على الكفيل، فتمام (٢) النظر لا يحصل إلا بالتوكيل. ويجوز أن يكون الكفيل والوكيل واحدا لحصول المقصود (٣). فإذا أعطاه كفيلا بنفسه، وامتنع عن التوكيل لا يجبره القاضي، ولا يأمره بالملازَمة، لأنه لما أعطاه كفيلا، فقد أوفاه حقّه، وحصل التوثّق (٤). وإن أعطاه وكيلا بالخصومة، وامتنع عن إعطاء الكفيل، أجبره القاضي على إعطاء الكفيل؛ لاحتمال أن يغيب الوكيل والمدعي عليه، فلا يحصل المقصود (٥). وإن أعطاه وكيلا بالخصومة، وكفيلا بنفس الوكيل، قُبِل ذلك منه في سائر الحقفوق لحصول المقصود (٦)، وهو التوثق، ولا يقبل في الدَين؛ لأنه وإن قضى القاضي على

стр. 1298

الوكيل، لا يمكنه استيفاء المال من الوكيل، فيحتاج إلى أن يأخذ كفيلا بنفس المدعى عليه حتى يحضره، فيستوفي (١) منه المال (٢). وإن أعطاه وكيلا، وكفيلا بنفس الوكيل، وكفيلا بالمال المدّعى به، لا يقبل منه، إلا أن يرضي (٣) به المدعي، لأن الناس يتفاوتون في الأداء؛ فربما يكون الاستيفا من الأصيل أيسَر، فلا يقبل ذلك إلا برضى المدعي (٤). لأن كان الدعوى في عَينٍ فاته، يأخذ مع ذلك كفيلا بالعين المدّعى به (٥)؛ لأنه كما لا يمكنه القضاء إلا بحضرة الخصم، لا يمكنه الفضاء إلا بحضرة العين المدعى به، فلو لم يأخذ منه كفيلا [بالعين] (٦) المدعى به، ربما تغيّب ذلك العين، فيتعذّر القضاء، فإن لم يُعطِ كفيلا بالعَين، كان للمدعي أن يلازم ذلك العَين كيلا يغيبه. فإن أعطاه وكيلا بالخصومة، وكفيلا بنفس الوكيل، وسلّم العين المدعى به إلى الوكليل، لا يقبل ذلك منه، حتى يعطيه كفيلا بالعين المدعى به؛ لأنه كما يتوهّم تغييب العين من الأصيل، يتوهّم تغييبه من الوكيل، دفعا للخصومة عن نفسه، فيأخذ منه كفيلا بذلك

стр. 1299

العين، أو بضعه على يدَي عَدلٍ (١). فإن كانت الدعوى في العقار، فأعطاه المدعى عليه كفيلا بنفسه، ووكيلا بالخصومة، أو أعطاه وكيلا بالخصومة، وكفيلا بنفس الوكيل، قُبل ذلك منه؛ لأن العقار لا يقبل التغييب، ولا يشترط إحضاره في مجلس القفضاء، فلا يحتاج إلى الكفيل بالمدعى به. وإن غاب المدّعى عليه بعد ما جحَد، وأقيم عليه البينة، ثم عُدّلت البينة، لا يقضى عليه حال غَيبته (٢). وعن أبي يوسف ﵀: أنه يقضى عليه، لأن حضرته شرط لإنكاره، ولسماع البينة (٣)، وقد تحقّق، فيجوز القضاء، كما لو أقرّ، ثم غاب (٤). وجه ظاهر الرواية: أن حَضرة المقضيّ عليه إنما كان شرطا؛ ليكون القضاء على من كان في ولايته، والغائب ليس في ولايته، ولأنّ صيانة القضاء عن البطلان واجبٌ ما أمكن. فلو قضى عليه حال غيبته، ربما يأتي المدّعى عليه بما يبطل قضاءهُ، بأن يثبت أن

стр. 1300

الشهود كانوا كفارا، أو عبيدًا، أو لهم شركة في المال المدعى به، فيبطل القضاء (١). ولأن القاضي مأمور بالنظر للكل، ومِن أسباب الدفع ما يُسمَع قبل القضاء، ولا يُسمع بعده، فلو جاز القضاء حال غَيبته قبل عجزه عن الدفع، لا يمكنه التدارك، فيؤدّي ذلك إلى إبطال حقه. بخلاف الإقرار: فإن به لا يقبل منه ما يُبطل إقراره، إنما يقبل منه دعوى الإيفاء والإبراء، وذاك لا يبطل بالقضاء، فيجوز القضاء (٢) حال غيبته (٣). قال: ألا ترى أن المرأة إذا ادّعت [الطلاق] (٤) على زوجها، أو ادّعت الأمة العتق على مولاها، وأقامت البينة، فغاب المدعى عليه، لا يقضى عليه بتلك البينة، ولو أقرّ ثم غاب، يقضى عليه بإقراره.
следующие страницы →