← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فإن أعطاه كفيلا ثقةً لكنه ليس بتاجرٍ، فقال: المدّعي أريد كفيلا تاجرا معروفا عند الناس، لا يلتفت إليه، لأن المقصود هو الاستيثاق، يحصل بالكفيل إذا كان ثقةً لا يخاف منه الهرب، فما وراء ذلك من شهوات النفس، ولا غاية لها. فإن امتنع مِن إعطاء الكفيل، يُجبِره القاضي على ذلك، وليس الجبر ههنا بالحبس (١)؛ لأن الحبس نهاية في العقوبة، لو امتنع عن أداء المال بعد القضاء، لا يعاقبه إلا بالحبس. ولا يَحبسه قبل ظهور الحق (٢)، لكن يأمره بالملازَمة، وليس تفسير "الملازَمة": هو المنع عن الذهاب؛ لأنه حَبس، لكن يذهب المدّعي مع المدّعى عليه، ويدور معه أينما دار كيلا يغيب (٣). فإذا انتهى إلى باب داره، وأراد الدخول، يستأذنه المدعي في الدخول، فإن أذن له يدخل معه، ويسكن حيث يسكن، وإن لم يأذن له بالدخول يجلسه على باب داره، ويمنعه من الدخول كيلا يختفي (٤).

стр. 1297

فإن كان المدعي عليه امرأة، لا يحفظها بنفسه، لكن يستأجر امرأة ثقةً حتى تحفظها (١). وإن طلب المدعي أن يعطيه كفيلا بنفسه، ووكيلا بالخصومة، أجابه القاضي إلى ذلك؛ لأنه لو أعطاه كفيلا بنفسه، وغاب، لا يمكنه القضاء على الكفيل، فتمام (٢) النظر لا يحصل إلا بالتوكيل. ويجوز أن يكون الكفيل والوكيل واحدا لحصول المقصود (٣). فإذا أعطاه كفيلا بنفسه، وامتنع عن التوكيل لا يجبره القاضي، ولا يأمره بالملازَمة، لأنه لما أعطاه كفيلا، فقد أوفاه حقّه، وحصل التوثّق (٤). وإن أعطاه وكيلا بالخصومة، وامتنع عن إعطاء الكفيل، أجبره القاضي على إعطاء الكفيل؛ لاحتمال أن يغيب الوكيل والمدعي عليه، فلا يحصل المقصود (٥). وإن أعطاه وكيلا بالخصومة، وكفيلا بنفس الوكيل، قُبِل ذلك منه في سائر الحقفوق لحصول المقصود (٦)، وهو التوثق، ولا يقبل في الدَين؛ لأنه وإن قضى القاضي على

стр. 1298

الوكيل، لا يمكنه استيفاء المال من الوكيل، فيحتاج إلى أن يأخذ كفيلا بنفس المدعى عليه حتى يحضره، فيستوفي (١) منه المال (٢). وإن أعطاه وكيلا، وكفيلا بنفس الوكيل، وكفيلا بالمال المدّعى به، لا يقبل منه، إلا أن يرضي (٣) به المدعي، لأن الناس يتفاوتون في الأداء؛ فربما يكون الاستيفا من الأصيل أيسَر، فلا يقبل ذلك إلا برضى المدعي (٤). لأن كان الدعوى في عَينٍ فاته، يأخذ مع ذلك كفيلا بالعين المدّعى به (٥)؛ لأنه كما لا يمكنه القضاء إلا بحضرة الخصم، لا يمكنه الفضاء إلا بحضرة العين المدعى به، فلو لم يأخذ منه كفيلا [بالعين] (٦) المدعى به، ربما تغيّب ذلك العين، فيتعذّر القضاء، فإن لم يُعطِ كفيلا بالعَين، كان للمدعي أن يلازم ذلك العَين كيلا يغيبه. فإن أعطاه وكيلا بالخصومة، وكفيلا بنفس الوكيل، وسلّم العين المدعى به إلى الوكليل، لا يقبل ذلك منه، حتى يعطيه كفيلا بالعين المدعى به؛ لأنه كما يتوهّم تغييب العين من الأصيل، يتوهّم تغييبه من الوكيل، دفعا للخصومة عن نفسه، فيأخذ منه كفيلا بذلك

стр. 1299

العين، أو بضعه على يدَي عَدلٍ (١). فإن كانت الدعوى في العقار، فأعطاه المدعى عليه كفيلا بنفسه، ووكيلا بالخصومة، أو أعطاه وكيلا بالخصومة، وكفيلا بنفس الوكيل، قُبل ذلك منه؛ لأن العقار لا يقبل التغييب، ولا يشترط إحضاره في مجلس القفضاء، فلا يحتاج إلى الكفيل بالمدعى به. وإن غاب المدّعى عليه بعد ما جحَد، وأقيم عليه البينة، ثم عُدّلت البينة، لا يقضى عليه حال غَيبته (٢). وعن أبي يوسف ﵀: أنه يقضى عليه، لأن حضرته شرط لإنكاره، ولسماع البينة (٣)، وقد تحقّق، فيجوز القضاء، كما لو أقرّ، ثم غاب (٤). وجه ظاهر الرواية: أن حَضرة المقضيّ عليه إنما كان شرطا؛ ليكون القضاء على من كان في ولايته، والغائب ليس في ولايته، ولأنّ صيانة القضاء عن البطلان واجبٌ ما أمكن. فلو قضى عليه حال غيبته، ربما يأتي المدّعى عليه بما يبطل قضاءهُ، بأن يثبت أن

стр. 1300

الشهود كانوا كفارا، أو عبيدًا، أو لهم شركة في المال المدعى به، فيبطل القضاء (١). ولأن القاضي مأمور بالنظر للكل، ومِن أسباب الدفع ما يُسمَع قبل القضاء، ولا يُسمع بعده، فلو جاز القضاء حال غَيبته قبل عجزه عن الدفع، لا يمكنه التدارك، فيؤدّي ذلك إلى إبطال حقه. بخلاف الإقرار: فإن به لا يقبل منه ما يُبطل إقراره، إنما يقبل منه دعوى الإيفاء والإبراء، وذاك لا يبطل بالقضاء، فيجوز القضاء (٢) حال غيبته (٣). قال: ألا ترى أن المرأة إذا ادّعت [الطلاق] (٤) على زوجها، أو ادّعت الأمة العتق على مولاها، وأقامت البينة، فغاب المدعى عليه، لا يقضى عليه بتلك البينة، ولو أقرّ ثم غاب، يقضى عليه بإقراره.

стр. 1301

باب ما يكون خصما إذا لم يعلم ثم لا تردّ خصومته إذا علم وما لا يكون خصمًا إذا علم قبل القضاء بنى الباب على أصول ظاهرة: أحدها: أن المدعى عليه إذا أقرّ بما يجعله خصمًا ثم ادّعى ما يخرجه من أن يكون خصمًا، لا يقبل؛ لأنه يُبطل حقًّا أقر به، ولا يتمكن من ذلك إلّا بتصديق المدعي. والثاني: أن البينة على حقوق العباد لا تقبل إلّا من [خَصم] (١) حاضرٍ على خصم حاضر. والثالث: أن القضاء بالملك المطلق قضاء على المدعى عليه، وعلى من تلقّى الملك منه. وفي الباب فصول ثلاثة: فصل في دعوى الملك المطلق، وفصل في دعوى الملك بسبب مؤرّخ، وفصل في الشفعة. أما الأول: قال محمد ﵀: رجل ادّعى دارًا في يد رجل أنها له، وأقام البيّنة، فقال المدعى عليه: هي لفلان، بعثها منه منذ شهرٍ، وقبضها مني، ثم أودَعَنيها، وغاب، فإن القاضي يسأل المدعي عن دعوى صاحب اليد: إن صدّقه في ذلك، لا خصومة

стр. 1302

بينهما حتى يحضر المشتري (١)؛ لأنه أقر أن يدَه يدَ وديعةٍ، لا يدَ خصومة. وإن كذبه، وعلم القاضي بالبيع والإيداع فكذلك؛ لأن علم القاضي فوق تصديق الخصم. وإن لم يعلم القاضي بذلك، فقال ذو اليد: أنا أقيم البينة على ما قلت، لا يلتفت إليه (٢)؛ لأنه أقر أنه كان خصمًا في الزمان الماضي، ثم ادعى إخراج نفسه عن الخصومة ببيع جرَى بينه وبين الغائب، والقضاء بالبيع على الغائب لا يجوز إلا بمحضَر من الخصم، أو بحضرة من قام مقامَه (٣)، ولم يوجد. أما صاحب اليد: فلأنه يُثبت بيعًا جرى بينه وبين [الغائب] (٤)، والإنسان فيما يدّعي لنفسه على النائب، لا يكون خصمًا عن الغائب، والمدعي لا يصلح خصمًا عن الغائب أيضًا؛ لأنه يس بينهما اتصال بسبب حتى يكون خصمًا عنه، فيتعذر القضاء بالبيع، وما لم يثبت البيع، لا يخرج من أن يكون خصمًا للمدعي، وإذا لم تندفع عنه الخصومة يقضى بالدار للمدعي (٥). فإن حضر الغائب بعد ذلك، وادّعى أن الدار له، وأقام البينة على المقضيّ له، فإن

стр. 1303

القاضي يسأله: من أيّ وجه صارت له، فإن قال اشتريتها من ذي اليد، لا تسمع دعواه؛ لأن القاضي قضى بالملك على ذي اليد، والقضاء عليه قضاءٌ على من تلقّى الملك منه، والمدعى عليه لو أقام البينة علي الملك بعد (١) القضاء، لا تقبل بينته، فكذلك من ادّعى الشراء منه (٢). لأن لم يبيّن الذي حضر سببًا لملكه، وأقام البينة أنها له، قُبلت بينته، ويقضى بالدار له (٣)؛ لأن القضاء على ذي اليد لا يتعدّى إلى غيره إذا لم يتلقى الملك من جهته، ولهذا لو ادّعى واحد من عرض (٤) الناس على المقضيّ له، وأقام البينة على الملك المطلق، قُبلت، فكذلك الحاضر. وإن حضر الغائب قبل القضاء للمدعي، لم يذكر في الكاب، والجواب: أنه لو ادّعى ملكًا مطلقًا، صارا كخارجين (٥). وإن ادعى أنه اشتراها من ذي اليد منذ شهرٍ، وأقام البينة، قُبلت بينته لدفع بينة المدعى؛ لأن بينة الحاضر تُثبت أن بينة المدعى قامت على غير الخصم؛ ويقال للمدعي: أعد الشهود على الحاضر إن شئت (٦).

стр. 1304

وأما الفصل الثاني: رجل في يديه دار، ادّعى رجل أنه اشتراها من ذي اليد منذ سنةٍ، وقال صاحب اليد: هي لفلان بعها منه منذ شهر، وسلّمتها (١) إليه، ثم أودَعنيها، وغاب، فإن القاضي يسأل المدعي عمّا قال صاحب اليد، إن صدّقه فيما قال، فلا خصومةَ بينهما حتى يحضر الغائب، لما قلنا، وكذا إذا جَحد، وعلم القاضي (٢)، لما قلنا. وإن لم يكن شيء من ذلك، وأراد صاحب اليد أن يقيم البينة على ما قال، لا تقبل بينته لما مرّ؛ فإن أقام المدعي البينة على ما ادّعى (٣)، ثم حضر الغائب قبل القضاء، وأقام البينة على ما قال صاحب اليد، قُبلت بينته (٤)؛ لأنها تُثبت أن بينة المدعى قامت على غير الخصم، فتبطل بينة المدعي. فإن أعاد المدعى بينته على الحاضر، يقضى له لسَبق شرائه، فإن حضر الغائب يعد ما قضى للمدعي، لا تقبل بينته لأن قضاء القاضي بشراء المدعي منذ سنة يُبطل كلّ بيع كان بعده، فلا تقبل بينته إلّا أن يدعي شراء قبل سنة، فيقضى له؛ لأنه أسبق (٥).

стр. 1305

وأما الفصل الثالث: رجل اشترى دارا، وقبضها من الشفيع، وطلب الشفعة، وأقام البينة على المشتري، فقال المشتري: بعتها من فلان بكذا، وسلّمتها إليه، ثم أودَعينها، وغاب، فإن القاضي يسأل الشفيع عمّا قال، فإن صدّقه، أو جَحد، وعلم القاضي بالبيع والتسليم، لا تقبل بينة الشفيع عليه؛ لأنه مودع، وإن كذّبه، ولم يعلم القاضي بذلك، فأقام البينة على ما ادّعى، لا تقبل بينته، لما قلنا. فإن قضى بالشفعة، ثم حضر الغائب، وأقام البينة على الشراء، لا تقبل بينته؛ لأن القاضي لما قضي بالشفعة، وحق الشفيع مقدم على حق المشتري، صار المشتري مقضيًا عليه بحقٍ سابق على شرائه، فيبطل، البيع الثاني ضرورةً (١). وإن حضر الغائب قبل أن يقضى للشفيع، وأقام البينة على أنه اشتراها من المشتري، قُبلت بينته؛ لأنه أثبت ببيّنته أن بينة الشفيع قامت على غير خصم، فإن أعاد الشفيع البينة، قبلت بينته، ويأخذ بأيّ البيعين شاء، كما لو ثبت ذلك عيانا. وكذا لو صدّق الشفيع المشتريَ فيما قال قبل القضاء بالشفعة، بطلت بينة الشفيع؛ لأنه أقرّ أن بينته قامت على غير خصم، وإن صدّقه بعد القضاء بالشفعة، لا يبطل الفضاء بالشفعة؛ لأن القضاء بالشفعة نَقضٌ لكل عقدٍ باشَره المشتري، فإنما أقرّ الشفيع بشراء منتقَض، فلا يعتبر كذا الإقرار.

стр. 1306

وهذا على أصل أبي حنيفة ﵀ ظاهر؛ لأن القضاء بالشفعة بمنزلة القضاء بالبيع (١)، وهو قضاء بنقض البيع الثاني الذي يدّعيه المشتري، فينفذ ظاهرا وباطنا. وأما على قولهما: كان ينبغي أن يردّ هذا القضاء؛ لأنه أقرّ أنه وقع بغير حق، وإنما لا يردّ؛ لأن قضاء بنقض البيع الثاني على الغائب، وأنه مجتهَد، فلا يبطل (٢). - والله أعلم - (٣)

стр. 1307

كتاب الإقرار ما لا يصدّق المؤاجر على نقض الإجارة والمرأة على زوجها والمحبوس على ربّ الدين والمريض على غرمائه بنى البابَ على أصول ثلاثة: أحدها: أن الإجارة تُفسخ بالأعذار عندنا (١)؛ لأنه لا تمكّن من استيفاء المعقود عليه إلا بضرر. وقال الشافعي: لا تُفسخ، لأنه إبطال حق الآخر (٢).

стр. 1308

وقال شريح (١): تفسخ بعذر، وبغير عذر (٢)، وهي تعرف في الأصل. و"العذر": أن لا يمكنه الجَري على موجَب العقد إلا بضررٍ يلحقُه في غير المعقود عليه" (٣)؛ لأنه لم يلتزم ضررًا لم يتناوله العقد. والثاني: أن الإقرار إذا صادَف حق المقرّ نفَذ. وإن تعدّى ضررُه إلى الغير، وإن

стр. 1309

صادف حقَ الغير لا ينفذ. والثالث: أن الحَجر على الحرّ باطل في قول أبي حنيفة ﵀، خلافًا لصاحبيه رحمهما الله، والمسألة معروفة. وفي الباب فصول أربعة: الإجارة، والنكاح، والحجر، وإقرار المجهول بالرقّ. أما الأول: قال محمد ﵀: رجل آجَر أرضَه من رجل عشر سنين أو أكثر بأجرٍ معلومٍ إلى أجل معلوم، فهو جائز لاستجماع شرائط الجواز (١). أما جواز الإجارة: فهو ثابت بكتاب الله تعالى، وإجماع الأمَّة (٢)، وقال بعض الناس: لا يجوز، وإنه قول مردود؛ لكونه مخالفًا للكتاب، وإجماع الأمة. أما جوازها عشر سنين أو أكثر: مذهب أصحابنا (٣)،: قال الشافعي؛ لا تجوز الإجارة أكثر من ثلاث سنين (٤)، وظاهر الكتاب في قصة موسى وشعيب ﵉

стр. 1310

حجّة عليه. وأما جواز التأجيل في الأجرة لأنها دَين لا يجب قبضه في المجلس، فيجوز التأجيل، كثمن المبيع. قال: وليس لربّ الأرض أن ينقض الإجارةَ بغير رضى المستأجر إلا بعذر (١)، لما ذكرنا في أصل الباب. ومن الأعذار: أن يلحقه دَين [أقادح] (٢) لا وفاء له إلا من ثمن الأرض (٣)؛ لأنه لا يتمكّن من إمضاء العقد إلا بضرر لم يلتزم (٤)، وهو ضرر الملازَمَة، والمطالبة، والحبس بالدين؛ ولأنه اجتمع ههنا حقان: حق ربّ الدين في قضاء الدين، وهو من ثمنه، وحق المستأجر في الإجارة، وحق صاحب الدين أقوى؛ لأنه لا يسقط بعذر، ولا يبطل بالموت، وحق المستأجر يبطل، فيتحمّل الأدنى لدفع الأقوى (٥).

стр. 1311

ثم ذكر ههنا أنه لا يصح النقض إلا بقضاء أو رضى، وأشار في "الإجارات"، و"المزارَعة" إلى أن الآجر ينفردّ بالفسخ من غير قضاء القاضي، والأصحّ ما ذكر ههنا لوجهين: أحدهما: أن فسخ الإجارة بالعذر مجتهَد، فكل واحد منهما يتمسّك بنوع دليل، فلا يتمّ ذلك إلا بقضاء أو رضى (١)، كالردّ بالعيب بعد القبض، وفسخ النكاح بخيار البلوغ، والرجوع في الهبة. والثاني: أن العذر قد يكون مشتَبهًا، فيشترط القضاء لزوال الاشتباه حتى لو كان العذر ظاهرا بأن استأجر إنسانٌ طباخًا لوليمة، ومات العروس، أو لقطع يدٍ لوقوع الأكلة، فبرأت يده، أو ما أشبه ذلك، لا يحتاج إلى القضاء (٢). ثم إذا أراد أن يفسَخ ليَبيع بالدين، كيف يفسخ؟ يفسخ الإجارةَ أوّلا ثم يبيع؟ أو يبيع فيكون ذلك فسخًا للإجارة؟ تكلموا فيه: قال بعضهم: يفسخ الإجارة أولا ثم يبيع؛ لأن حق المستأجر يمنع التسليم، فلا يصح البيع قبل انتقاض الإجارة، إلا أنه لا يفسخ قبل حضور المشتري. وقال بعضهم: يبيع أوّلا ثم يفسخ الإجارة عند التسليم، وظاهر ما ذكر ههنا يدلُّ على هذا (٣)، ووجه ذلك أنه لا حق للغريم في نقض الإجارة، إنما حقّه في قضاء الدين

стр. 1312

والبيع لأجل ذلك. وهذا على الرواية التي تجوز بيع المستأجر، ويمتنع التسليم قبل انفساخ الإجارة، ويخيّر المشتري إذا علم بالإجارة، إن شاء فسخ البيع، وإن شاء صبر المشتري إلى أن تنفسخ الإجارة فيأخذ، كان له ذلك، فلهذا يباع أولا، ثم يفسخ لأجل التسليم. فإن طلب الآجر من القاضي أن ينقض الإجارة قبل البيع، لا ينقض القاضي، لما قلنا إنه لا حقّ للآجر والغريم في فسخ الإجارة، إنما حقه في البيع، فلو نقض قبل البيع ربما لا يتفق البيع، فيصير النقض مقصودا، وذلك باطل (١). فإن كان المؤاجر باعها قبل أن يتقدّموا إلى القاضي، ثم تقدّموا إلى القاضي، فإن القاضي يمضي البيع، وينقض الإجارة، لما قلنا، ويأخذ الثمن من المشتري، ويوفي به حق الغريم، ويسقط الأجر عن المستأجر حين نقض القاضي الإجارة لانفساخ الإجارة. وإلى أن ينقض القاضي الإجارة، فالأجرة واجبة على المستأجر قبل البيع وبعده لبقاء الإجارة، والتمكّن من الانتفاع بقيام يده، ويكون الأجر طيبا للآجر؛ لأن المنافع استُوفيت على ملكه بحكم إجارة جائزة، بخلاف الغاصب إذا أجر المغصوب وسلّم حيث يجب له الأجر، ويلزمه التصدّق به؛ لأن ثمّة استوفيت المنافع بحكم عقد حرام، فلا يطيب له الأجر (٢). وكذا لو كان القاضي أمر الآجر بالبيع فباع، يجب الأجر على المستأجر إلى أن يبيع، لأن أمر القاضي إياه بالبيع أمر بالنقض، وليس بنقض، فما لم يبع لا تنتقض الإجارة.

стр. 1313

وهذا إذا كان دين الآجر ظاهرا، فإن لم يكن ظاهرا، فأراد الآجر أن ينقض الإجارة وأبى المستأجر، فأقرّ الأجر لرجل بدَين كبير يأتي على قيمة الأرض والأجر، وصدّقه المقرّ له، وكذبه المستأجر، صحّ إقراره في قياس قول أبي حنيفة، وتُباع الأرض، ويوفّى دَين الغريم. وعلى قول صاحبيه لا يصح إقراره علي المستأجر، ولا تنتقض الإجارة (١). لهما أن هذا إقرار يبطل حق المستأجر، فلا يصدّق عليه، كما لو أقر الآجر برقبة الأرض لإنسان، وصدّقه المقرّ له، وكذّبه المستأجر. ولأبي حنيفة أن إقراره صادف حقّ المقرّ؛ لأنه أقرّ بالدّين في ذمّته، وذمّته خالص حقه، وإنما يتضرّر المستأجر بفعل اختياريّ يحدث بعد الإقرار من البيع، ونقض الإجارة، فلا يمنع صحّة الإقرار، ويظهر الدين في حق الكل، كالعبد المحجور إذا أقرّ على نفسه بقصاص، وكذّبه المولى، وكذا المرأة إذا أقرّت بذلك على نفسها، ويكون الثابت على نفسه بالإقرار كالثابت بالمعاينَة أو بالبينة، كذلك ههنا (٢). ولأن الإقرار إنما يردّ إذا لم يكن قادرا على إنشاء ما أقر به، والآجر يملك إيجاب الدين على نفسه باستهلاك المال معاينةً ونحوه، فلا يردّ إقراره، إما لعدم التهمة أو لخلوّه عن الفائدة، بخلاف ما لو أقر برقبة الأرض. أما على المعنى الأول: فلأن إقراره صادف محلا تعلق به حق المستأجر، ألا ترى أن الإقرار بالأرض لو سبق الإجارة، يمنع الإجارة والإقرار بالدين لو سبق الإجارة، لا يمنع

стр. 1314

الإجارة، لما عُرف أن الدين لا يتعلق بمال المديون في صحّته. وأما على المعنى الثاني: فلأن الآجر ممنوع عن مباشرة السبب في الأرض المستأجرة، فإنه لو باع أو وهب لا ينفذ فجاز أن يرد إقراره بالأرض. ثم إذا صحّ الإقرار في قول أبي حنيفة تباع الأرض، ويحبس إن لم يبع، كما لو ثبت الدين بالبينة. وعندهما: إذا لم ينفذ إقراره على المستأجر يخرج المقرّ من الحبس إن كان محبوسا لعجزه عن قضاء الدين (١)، إذا لم يكن له مال آخر، ولا يمنع الغريم عن ملازمته، لما قلنا، فإذا انقضت مدة الإجارة، يعاد إلى الحبس حتى يبيع الأرض، ويوفّى حقّ الغريم. وأما الفصل الثاني: رجل تزوّج امرأةً، وأوفاها مهرَها، وأراد أن يخرجها إلى بلد من البلدان، وكرهت المرأة ذلك، لا يلتفت إلى كراهيتها. وقال أبو القاسم الصّفار (٢): ليس له أن يخرجها إلى مدة السفر، لأن السفر مشقة

стр. 1315

وعذاب، وإنها لم تلتزم ذلك. ولنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١) ولأنه استحق منفعة بضعها، وقد أوفاها البدل، فكان له قبض المبدل، والانتفاع بها في أيّ مكان شاء، كما في البيع. فرّق بين هذا وبين ما لو استأجر عبدًا ليخدمه في الحضر، ليس له أن يسافر به؛ لأن خدمة السفر أشقّ من خدمة الحضر، فلا يمكن ذلك، أما المملوك للزوج هو الوطيء، وأنه لا يختلف في السفر والحضر. فإن أقرّت المرأة بدين على نفسها لرجل، وصدّقها المقرّ له، وكذّبها الزوج، وأراد المقرّ له أن يحبسها بالدين، أو يمنع عن المسافَرة، يصحّ إقرارها في قياس قول أبي حنيفة، وللمقرّ له أن يحبسها بدين، ويمنع عن المسافَرة (٢). وعلى قولهما لا يصحّ إقرارها على الزوج كما في الفصل الأول. وإذا لم يصحّ إقرارها عندهما لم يكن للقاضي أن يأمر الخصم بملازَمتها بخلاف ما تقدم، لأن فيما تقدّم المستأجر، لا يتضرّر بملازمته، ههنا يتضرر الزوج بملازمتها، لأن ذاك يمنعه من غشيانها، ولهذا لو حكَم القاضي بإفلاس رجل يأمر الغريمَ بالملازمة، ولو حكم بإفلاس امرأة، لا يأمر بالملازمة (٣).

стр. 1316

وأما الفصل الثالث الحجر (١) بسب الدين، ويقال: "الحجر بسبب الإفلاس": وصورته ما قال محمد: رجل حبس بديون لقوم، فقال غرماؤه للقاضي أنه يريد أن يقرّ بماله لولده، أو لمن يثق به حتى يقضي بعسرته، يخرج من السجن، وطلبوا من القاضي أن يحجر عليه، فالقاضي لا يُجيبهم إليه في قول أبي حنيفة، ولو حجَر، لا يعمل حجره حتى لو أقرّ بمال أو دَين باع أو وهب، جاز جميع ما صَنع (٢). وعند صاحبيه يحجر القاضي عليه، ويعمل حجره حتى لا يصحّ إقراره وبيعه وهبته

стр. 1317

في حق الغرماء، وعن أبي يوسف في رواية مثل قول أبي حنيفة، والمسألة معروفة. وعلى هذا الخلاف: لو طلبوا من القاضي بيع ماله بالدين، عند أبي حنيفة لا يبيع، عندهما له أن يبيع (١). ثم عند أبي حنيفة الحَجر على الحرّ باطل إلا على ثلاثة (٢): المفتي الجاهل الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، ويحجر القاضي على هؤلاء (٣)، ويمنعهم من تلك الحِرفة، ويمنع الناس من الرجوع إليهم؛ لأن فساد ذلك يرجع إلى العامة في دينهم وديناهم، فيحجر عليه، ولا يظهر أثر الحجر في تصرفاتهم حتى ينفذ منهم ما كان ينفذ قبل الحجر. وعندهما: كما يجوز الحجر بسبب الدين، يجوز بسبب السفه والتبذير نظرًا له، كيلا يفني ماله فيبتلي بالفقر، إلا أن الحجر بسبب السفه والتبذير يخالف الحجر بسبب الدَين (٤)، فالحجر بسب الدَين يظهر في المال القائم وقت الحجر، لا فيما يحدث بعده، والحجر بسبب السفه يظهر في المال القائم والحادث؛ لأن الحجر بسبب الدين إنما كان لتعلق

стр. 1318

حق الغرماء بماله، كحجر الراهن لحق المرتهن، ويحجر القاضي يتعلق حق الغرماء بالمال الموجود، فيقتصر عليه. أما الحجر بسبب السفه إنما كان لقصور رأيه، فيظهر في الكلّ، ويبطل تصرفاته، إلا ما يصحّ مع الهزل كالطلاق والعتاق والنكاح؛ لأن السفيه بمنزلة العاقل من وجه، وبمنزلة المجنون من وجه: من حيث أنه مُكلّف كان بمنزلة العاقل، ومن حيث أن تصرفاته تشبه تصرفات المجانين كان بمنزلة المجنون، فجعلناه بمنزلة الهازل عملًا بهما، فينفذ منه ما ينفذ من الهاذل. إلا أن المحجور بسبب الدين إذا تزوج امرأةً فالمرأة (١) تضرب مع الغرماء بقدر مهر مثلها، والزيادة على ذلك تكون فيما يكتسبه بعد الحجر (٢). والمحجور بسبب السفه إذا تزوج امرأةً بأكثر من مهر مثلها يصحّ النكاح بقدر مهر المثل، ويبطل الفضل، ولو طلق قبل الدخول، يقع الطلاق، ويلزمه نصف الصدر، ولو أعتق عبده يعتق، ويسعى في قيمته، وعن محمد أنه لا يسعى؛ لأن السفيه بمنزلة الهازل، والهازل إذا أعتق يقع (٣) العتق من غير سعاية. وجه ظاهر الرواية: أن المقصود من الحجر صيانة ماله عليه [ولا وجه لردّ العتق؛ لأنه صدر عن عاقلٍ مكلفٍ في ملكه، فتجب السعاية صيانةً لماله بقدر الإمكان. وفصل الطلاق والنكاح يقوّي مذهب أبي حنيفة، لأن المقصود من الحجر صيانة

стр. 1319

ماله] (١) فإذا لم يظهر الحجر في النكاح والطلاق يفني ماله في ذلك، والحجر بسبب الدين وإلا فلاس يتوقّف على قضاء القاضي (٢). وعن قاصم بن مَعن (٣) أن المحبوس بالدَين إذا أقرّ بمال، لا يصحّ إقراره، وعند أهل المدينة مَن كان عليه دين لا يصحّ إقراره، وبطلان هذا القول ظاهر؛ لأنا لو جعلنا الدين مانعا من الإقرار تبطل أقارير الناس، فإن الإنسان قلّما يخلو عن قليل دين. والحجر بسبب السفه والتبذير هل يتوقّف على القضاء؟ ذكر في "الكتاب": أنه يثبت من غير قضاء حتى لا يصح منه ما يبطله الهزل، كالبيع والإجارة والإقرار ونحوه، ولم يذكر خلاف (٤). وعن أبي يوسف أنه لا يكون محجورا إلا بقضاء، وتنفذ تصرفاته قبل الحجر، فكان ما ذكر في الكتاب قول محمد (٥). وجه قول محمد: إن سبب الحجر، وهو إفساد المال ثابت قبل القضاء، فيثبت الحجر بنفس السفه، كما يثبت بنفس الجنون، بخلاف الحجر بسبب الإفلاس، لأن إفلاسه

стр. 1320

محتمل، فلا يثبت إلا بقضاء (١). ولأبي يوسف: ما روي أن عليا (٢) ﵇ طلب من عثمان (٣) ﵁ أن يحجر (٤) على عبد الله بن جعفر (٥)، ولو كان يُحجر بنفس التبذير، لَما احتاج إلى

стр. 1321

الطلب (١). فإن حجَر ثم صار بعد ذلك مصلِحا لماله، هل يزول الحجر من غير قضاء؟ عند أبي يوسف: لا يزول، وعند محمّد: يزول اعتبارا للزوال بالثبوت. وإن بلغ الغلام سفيهًا مبذرا ماله، قال أبو حنيفة: تجوز تصرفاته، ولا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنةَ (٢)، فإن دفع الوصيّ إليه ماله، وضاع في يده، أو أتلفه

стр. 1322

ضمن الوصيّ، فإذا صار سِنّه خمسا وعشرين سنة (١)، يدفع إليه ماله، وإن بقي مفسِدا لماله. وقال أبو يوسف، ومحمد (٢)، والشافعي (٣): يمنع منه المال، ولا يدفع إليه أبدا، إلا أن عند محمد لا تجوز تصرفاته إلا ما يصح مع الهزل، ولا ينفذ تصرف الأب ووصيّ الأب عليه إلا بأمر الحاكم. وأن بلغ حافظا ماله إلا أنه فاسق لا تقبل شهادته، فإنه يدفع إليه المال عندنا، وتنفذ تصرفاته، وعند الشافعي (٤) لا يدفع إليه المال، وهل يحجر عن التصرفات لأجل الفسق؟ عندنا لا يحجر، وللشافعي فيه قولان، وهذه الجملة مسائل الأصل، وعُدنا إلى مسألة الكتاب. عند أبي حنيفة إذا لم يصحّ الحجر على المديون لو أقرّ على نفسه بدين أو بمال صحّ إقراره، ويقضى بعسرته، ويخرج من السجن (٥).

стр. 1323

وعندهما لما صحّ الحجر، فإذا أقرّ بعد ذلك، لا يصحّ إقراره، فيأخذ القاضي ماله، ويبيع، ويقسّم بين غرمائه الأوّلين، ولا يعطي للمقرّ له شيئا، أو يحبس حتى يبيع بنفسه. فإن قيل: الحجر بسبب الدين مجتهَد يه، فإذا قضى به القاضي وجب أن ينفذ قضاؤه، ويصير متفقا عليه (١)، فلا يصحّ إقراره بعد ذلك عند الكل. قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن نفس القضاء هنا مختلف، وفي مثله لا ينفذ قضاء القاضي، كما لو كان القاضي محدودا في قذف، فقضى في حادثة، لا ينفذ قضاءه (٢) ما لم يتصل به قضاء قاضٍ آخر، حتى لو اختصم المحجور، ومن أقرّ له، أو تصرّف معه إلى قاض آخر، فقضى القاضي الثاني بإبطال تصرفه، نقذ قضاؤه. والثاني: إن هذا فتوى، وليس بقضاء، لأن القضاء ما يُثبِت أمرا لم يكن ثابتا قبله، وعلى قول بعض الناس الإنحجار كان ثابتا قبل القضاء، فلم يكن القضاء إلزاما، وعندنا إن لم يكن الإنحجار ثابتا قبل القضاء، ويثيت بعده، لكن لم (٣) يوجد شرط القضاء، وهو الدعوى والإنكار، فلم يكن قضاء من كل وجه، فلا يصير المختلف متفقا عليه. قال: (ولو أن مريضا عليه دَين في الصحّة أقر في مرضه بدين، جاز إقراره عليه، ولا يجوز على غرماء الصحّة حتى لا يشارك غرماء الصحّة)، لأن حقهم كان ثابتا قبل إقراره، فلا يبطل بإقراره (٤).

стр. 1324

قال محمد: وهذا من أبي حنيفة ترك لمذهبه في مسألة المستأجر والزوج والمديون، فإن حقوقهم سابقة على إقراره، فينبغي أن لا تبطل بإقراره، والعذر لأبي حنيفة أن في مسألة المريض دين الصحّة تعلق بماله في مرضه، لأنه قرب إلى الموت، وبالموت يتعلق الدين بماله، ولهذا يمنع المريض من التبرع. وتعلق حق الغير يمنع صحّة الإقرار كما في الرهن، بخلاف المحبوس لأن دينه لا يتعلق بماله في الصحّة، فكان المحل خاليا عن حق الغير، فصحّ إقراره، ولأن إقرارا المريض صحيح، ولا تظهر الصحّة والبطلان قبل الموت، وبعدما مات يبدأ بدين الصحّة، لا لبطلان إقراره في المريض، بل لقوة دين الصحّة، ولهذا يبدأ بالتجهيز، والتكفين، ثم بالميراث. الفصل الرابع: مجهولة النسب إذا كانت تحت زوج، فأقرّت بالرقّ لإنسان، وصدّقها المقرّ له، وكذّبها الزوج، صارت أمةً للمقرّ له (١)، ولا تصدّق على إفساد (٢) النكاح، ولا على الأولاد الموجودين، ولا على كل ولد تأتي به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار. أما جواز إقرارها بالرق؛ لأن حريتها كانت بحكم الظاهر، فإذا أقرّت بخلاف الظاهر، صحّ إقرارها في حقها، ولا تصدّق على الزوج في إبطال حقه؛ لأنها متهمًا في حقه لاحتمال أنهما تواضعا على ذلك لتتخلص (٣) عن حباله.

стр. 1325

ولو أعتقها المقرّ له لم يكن لها خيار العتق لأجل التهمة، ولا تصدّق على أولادها بالرق؛ لأن حريتهم حقهم، فلا يبطل بإقرارها (١). وكذا الولد الذي تلده لأقل من ستة أشهر؛ لأنه كان موجودًا في البطن وقت الإقرار، مستحقًا للحرية بمنزلة المنفصل، والولد الذي تلده لأكثر من ستة أشهر رقيق في قول أبي يوسف، حرّ في قول محمد، وإن ولدت إلى عشرين سنة؛ لأن رق الأولاد يمنعه (٢) الزوج عن غشيانها، فلا تصدّق، كما لا تصدّق في إبطال النكاح، ولأبي يوسف إن هذا ولد الأمة، فيكون رقيقًا، كما لو ثبت رقها بالبينة، والاحتراز عن رق الأولاد ممكن بالعزل، فإن لم يفعل فهو الذي أضرّ بنفسه. والأصل في هذا (٣): أن كل ضرر يتمكّن الزوج من رفعه صدّقت المرأة، وكل من لا يتمكن الزوج من دفع الضرر بنفسه لا تصدّق المرأة، وقد ذكرنا هذا في الجامع الكبير، وللزوج أن يمنع المقرّ له عن استخدامها دفعًا للضرر عن نفسه. ولو جَنى عليها يجب أرش الإماء للمولى؛ لأن الزوج أجنبيّ عن أرشها، وإن جنَت هي، خُيّر المقرّ له بين الدفع والفداء، كما هو الحكم في جناية القنّ إذ لا ضرر للزوج (٤) في ذلك.

стр. 1326

إما اختيار الفداء فظاهر، وإن اختار الدفع فكذلك؛ لأن المدفوع إليه بمنزلة المقرّ له قائم مقامه، فلا يكون له أن يمنعها عن الزوج، ولو كان طلّقها ثنتين ثم أقرّت بالرق لا تحرم حرمة غليظة، وكان له أن يراجعها؛ لأن ثبوت الحرمة ضرر لا يتمكن الزوج من دفعه. ولو طلّقها واحدة، ثم أقرّت بالرقّ، صدّقت في حق الطلاق حتى يصير طلاقها ثنتين، ولو مضت من عدّتها حيضتان، ثم أقرّت بالرق (١) كان له أن يراجعها، ولا يتغيّر حكم العدة بإقرارها (٢). ولو حاضت حيضةً واحدةً من عدتها، ثم أقرّت بالرق، صدّقت في حق العدة، وكانت عدتها عدة الإماء. ولو آلى منها، فمضى شهران، ثم أقرّ بالرق، كان إيلاؤها إيلاء الحرّة، لا تَبين حتى تمضي أربعة أشهر، ولو آلى منها فمضى شهر، ثم أقرّت بالرق فإيلاؤها إيلاء الأمة؛ لأن الزوج كان متمكنًا من الفيء في الشهر بعد الإقرار (٣). ولو وكّل رجلا (٤) بأن يطلقها ثنتين فأقرّت بالرق، وعلم الزوج بإقرارها، ولم يعزل الوكليل حتى طلقها الوكيل ثنتين بانت منه؛ لأنه كان متمكنًا من دفع ضرر إقرارها بعزل الوكيل، فإذا لم يعزل فهو الذي أضرّ بنفسه (٥).

стр. 1327

وإن لم يعلم الزوج بإقرارها، فطلقها الوكيل ثنتين، كان له أن يراجعها ولا تبين؛ لأنه إذا لم يعلم بإقرارها، لم تكن البينونة مضافة إلى تقصيره (١). ولو قال لها طلقي نفسك ثنتين، أو قال لأجنبيّ طلّقها ثنتين إن شئت، ثم أقرّت بالرق، وعلم الزوج بإقرارها، ثم طلقت نفسها ثنتين، أو طلقها الأجنبي، كان للزوج أن يراجعها (٢)؛ لأن الرجوع عن التفويض لا يمكن، فلم يكن متمكنًا من دفع الضرر بخلاف الوكيل. ولو أقرّت بالرقّ، ولم يعلم الزوج بإقرارها حتى طلقها ثنتين، كان له أن يراجعها، ولو علم بإقرارها ثم طلقها ثنتين، لا يملك الرجعة. قال محمد ﵀: إقرارها باطل فيما بينها وبين الزوج في الطلاق والعدة والإيلاء وغير ذلك إذا لم يعلم الزوج (٣)، وذكَر في "الجامع" في فصل الإيلاء: إذا آلى منها، فمضى شهر، ثم أقرّت بالرق، كان إيلاؤها إيلاء الأمة، ولم يفصّل بين العلم والجهل، وهنا فرق بين العلم وبين الجهل. قال بعضهم: في المسألة روايتان، والصحيح ما ذكر في هذا الكتاب، وقال بعضهم: في فصل الإيلاء يسوّى بين العلم والجهل، وفي الطلاق يفرّق؛ لأنّ الإيلاء جزاء الظلم؛ وجزاء الظلم لا يختلف بالعلم والجهل، فإن من أتلف مال الغير ضمن، علم بذلك أو لم يعلم، بخلاف غيره من المسائل. - والله سبحانه أعلم -

стр. 1328

باب ما يصدّق الرجل إذا أقرّ أنه استهلك من مال العبد والحربيّ وما لا يصدّق بنى الباب على أن مَن أنكر حقا على نفسه، كان القول قوله، لأنه متمسّك بالأصل، وهو فراغ الذمة، ومن أقرّ بسبب الضمان وادّعى ما يُسقطه، لا يصدّق إلا بحجة (١)، لأن صاحبه متمسّك بالأصل في إبقاء ما كان. إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: (رجل قال لعبده بعدما أعتقه: قطعت يدك، واستهلكت من مالك كذا وكذا حال ما كنت عبدا لي، وقال العبد: لا، بل فعلتَ ذلك بعد العتق، كان القول قول العبد، ويضمن المولى في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵀ عليهما، وقال محمد وزفر ﵀ عليهما: لا ضمان عليه (٢). وعلى هذا الخلاف: لو قال لحربيّ أسلَم، أو صار ذميًا، أو مستأمنا: قطعتُ يدَك، وأخذتُ مالك حالَ ما كنتَ حربيا، وقال المقرّ له: لا، بل كان ذلك بعد الإسلام، أو بعد الأمان، أو الذمة (٣)، وأجمعوا على أنه لو كان المأخوذ قائما كان القول قول المقرّ له، ويجب على المقرّ ردّ المأخوذ، وكذا لو أقرّ أنه سبيَ ابنًا لهذا الحربيّ، لزمه الردّ بالإجماع. وأجمعوا على أنه لو قال لعبده بعد ما عتق: أخذتُ منك كذا وكذا درهما، غلة كذا

стр. 1329

كذا شهرا حالَ ما كنت عبدا، وقال العبد (١): لا، بل أخذتَ بعد العتق، كان القول قول المولى، ولا ضمان عليه، ولو كان المأخود قائما، كان على المولى أن يردّه عليه (٢). ولو أعتق أمتَه، فقال وطئتكِ حال ما كنتِ أمةً لي، وقالت: لا، بل فعلتَ بعد العتق، كان القول قول المولى، ولا عُقر عليه في قولهم. (٣) وجه قول محمد وزفر: أنه أقرّ بالقطع والاستهلاك في حالٍ لا يجب عليه الضمان، فكان منكرًا للضمان، فيكون القول قوله، كما في الوطيء والغلة، وكما لو قال: أعتقتكَ وأنا صبيّ أو مجنون، وذلك معهود، وقال العبد: لا، بل كان بعد البلوغ والإفاقة، كان القول قول المقر (٤). بخلاف ما لو كان المال قائما، لأنه يدّعي بملك (٥) المأخوذ على المقرّ له، وهو منكِر، فكان القول قول المأخوذ منه (٦)، وصار كالمودع إذا قال لصاحب الوديعة: ضاعت الوديعة أو ردّدت، كان القول قوله، ولو كانت الوديعة قائمة، فقال: وهبتها، وأنكر المودع، كان

стр. 1330

له أن يأخذها. وكذا وصي اليتيم إذا قال: أنفقتُ عليك من مالك بالمعروف في صغرك، كان القول قوله، ولو قال أنفقتُ عليك من مالي على أن أرجع عليك، وآخذ المال، لا يقبل قوله إلا بحجة. ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أنه أقرّ في الحال بسبب الضمان، وهو استهلاك المال، قال ﵇: "على اليد ما أخذَت حتى تردّ" (١)، وكذلك القطع، ثم بالإضافة إلى الحالة الماضية ادّعى ما يُسقطه، فلا يصدّق إلا بحجة، كما لو كان المأخوذ قائما (٢). وما قال إنه أضاف الإقرار إلى حالة معهودة تنافي الضمان فليس كذلك (٣)؛ لأن كونه عبدًا له لا ينافي الضمان، ألا ترى أنه لو كان العبد رهنًا أو مديونًا، كان قطع يده وإتلاف ماله سببًا للضمان. وكذا كونه حربيًا في دار الحرب لا ينفي (٤) الضمان، فإنه لو دخل عسكر المسلمين

стр. 1331

بأمان، واستهلك رجل ماله ضمن (١). وكذا لو أمن الإمام أهلَ حِصن أو مطمورة أو بلدة، فاستهلك رجل مال واحد منهم ضمن، وكذا لو دخل المسلم دارَ الحرب بأمان، فأتلف مالَهم، يفتى بالضمان فيما بينه وبين الله تعالى. فدلّ أن كونه حربيًا لا ينافي الضمان، فهو بالإضافة إلى تلك الحالة يكون مدّعيًا للبراءة والسقوط، بخلاف الوطيء والغلّة؛ لأن بوطء المملوك لا يجب العُقر على المولى بحال ما (٢)، ألا ترى أن الراهن إذا وطء المرهونةَ أو المديونة، لا يجب العقر، فكان منافيًا للضمان. وذكر في كتاب الإقرار رجل باع عبدًا من رجل، ثم قال البائع: قطعت يده قبل البيع حين كان ملكي، وقال المشتري: لا، بل قطعتَ بعد ما صار لي، ولي عليك الأرش، على. قول أبي حنيفة وأبي يوسف: القول قول المشتري، وله الأرش على البائع، وعلى قول محمد: القول قول البائع، ولا أرش عليه (٣)، والهبة في ذلك بمنزلة البيع، والإقرار بعد البيع بمنزلة الإقرار بعد العتق. ولو قال: قطعتُ يد عبدي هذا ثم بعته منك، كان القول قوله، ولا أرش عليه في قولهم، والفرق ظاهر. ثم إن محمد ذكر في الباب فصولا، وذكر عَقيب كل فصل: وهذا من أبي حنيفة

стр. 1332

وأبي يوسف تركٌ لمذهبهما في مسألة العبد والحربي (١). منها: عبد عتق، فقال برجل: قطعتُ يدك وأنا عبده، وقال المقرّ له: لا، بل قطعتَ بعد العتق، كان القول قول المقرّ بالإجماع (٢). وعُذر أبي حنيفة وأبي يوسف عن هذا أن ثَمّة ما أقرّ على نفسه بسبب الضمان؛ لأن موجب جناية العبدا فيما لا يوجب القصاص يكون على المولى، يخاطب بالدفع أو (٣) الفداء، ولا يخاطب العبد به، وإن عتق، فكان منكرا للضمان على نفسه، فيكون القول قوله (٤). ومنها: قاضٍ عُزِل، فقال لرجل: أخذت مالك، وسلّمته إلى فلان حال ما كنت قاضيًا، قضاء قضيته عليك، وقال المقرّ له: لا، بل فعلتَ بعد العزل، أو قال (٥) فعلتَ في حالة القضاء لكن لا على وجه القضاء، كان القول قول المعزول (٦). ولو كان المال قائمًا في يد القاضي، أو في يد المقضيّ له، وهو يُصدّق القاضي يؤمَر بالردّ على المقرّ له. وعذرهما أنه ما أقرّ على نفسه بالضمان؛ لأن فعل القاضي على وجه القضاء

стр. 1333

لا يوجب عليه الضمان (١)، أما إذا كان صوابًا فظاهر، وإن كان خطأ فالضمان على من وقع له القضاء، أو على بيت المال، فكان القاضي منكرا للضمان. وإن كان المال قائمًا أمر بالردّ؛ لأنه يدّعي التمليك على المأخوذ منه، فلا يصدّق إلا بحجة (٢). ومنها: رجل وكّل رجلا يبيع عبده، ثم عزله، فقال الوكيل: قد كنت بعت العبد قبل العزل، ورفعته إليه، وقبضت الثمن، وهلك عندي، وقال الموكل: لا، بل بعتَ بعد العزل. إن كان العبد قائمًا يردّ عليه، وإن كان هالكًا كان القول قول الوكيل، وعُذرهما أن الوكيل أمين، فإذا أخبر عن (٣) الأمانة كان القول قوله، ولأن فعل الوكيل لا يوجب الضمان، فكان منكرا للضمان. ومنها: أن الوصيّ إذا قال بعد بلوغ اليتيم: أنفقتُ عليه كذا وكذا من ماله، وهو نفقة مثله، وادّعى اليتيم أنه استهلك بعد البلوغ، كان القول قول الوصيّ. ولو قال الوصيّ لعبد بعينه: بعته في صِغر اليتيم لا يصدّق. وعذرهما أن فعل الوصيّ على وجه الموافقة لا يوجب الضمان بمنزلة فعل الوكيل والقاضي. وأبو حنيفة وأبو يوسف ذكرا فصلا هو حجة لهما على محمد، فقالا: رجلٌ ذاهبةٌ عينه اليمنى، قال لرجل ذاهبة عين اليمنى: فقأت عينَك اليمنى وعينَيّ

стр. 1334

صحيحة فذهبت، وقال المقرّ له: لا، بل فقأتَ عيني وعينك ذاهبة، ولي عليك الأرش، كان القول قول المقرّ له، وعلى المقرّ أرش عينه (١). وعُذر محمد أنه أقرّ بوجوب الضمان، وادّعى ما يسقطه، فإن فَقْأ العين يوجب الضمان، إما القصاص أو الأرش، ولو فقأ عيني رجلين يجب القصاص والأرش أيضًا، فكان مقرًا بوجوب الضمان (٢)، مدّعيًا ما يسقطه، فلا يصدّق، أما هنا بخلافه. وذكر في الباب فصلا آخر، فقال: رجل باع عبدًا، ثم قال البائع لرجل: قطعتَ يد العبد قبل البيع، ولي عليك الأرش، وقال المشتري: لا، بل قطعتُ بعد البيع، والأرش لي (٣)، كان القول قول المشتري، والأرش له؛ لأن الأرش يملك بملك الرقبة. وملك الرقبة للمشتري، فالمقرّ أقرّ بوجوب الضمان على نفسه، وأراد تحويل ذلك إلى البايع، فلا يصدّق في التحويل (٤).

стр. 1335

باب ما يقرّ به الشريك على الشريك فيجوز عليه دون شريكه وما يكون موقوفًا بنى الباب على أصل واحد: وهو أن الكلام إذا وجد نفاذًا على المتكلم ينفذ، وإن تعذر تنفيذه، وأمكن توقيفه يتوقف ترتيبًا للحكم بقدر الإمكان. وفي الباب فصول أربعة: فصل في النسب، وفصل في الإعتاق، وفصل في الاستيلاد، وفصل في التدبير. أما الفصل (١) الأول: قال محمد (٢) ﵀: غلام بين رجلين، فقال أحدهما: هو ابني وابنك، أو ابنك وابني، أو ابننا، وذلك على وجوه: إما أن كان الغلام صغيرا لا يعبّر عن نفسه، أو كان صغيرا يعبّر عن نفسه، أو كان كبيرا، وكل ذلك على وجهين: إما أن صدّقه الشريك أو كذّبه، وذلك على وجهين: إما أن قال موصولًا أو مفصولا. فإن كان صغيرا لا يعبّر عن نفسه، فقال أحدهما: "هو ابني وابنك"، أو "ابنك
следующие страницы →