← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بأمان، واستهلك رجل ماله ضمن (١). وكذا لو أمن الإمام أهلَ حِصن أو مطمورة أو بلدة، فاستهلك رجل مال واحد منهم ضمن، وكذا لو دخل المسلم دارَ الحرب بأمان، فأتلف مالَهم، يفتى بالضمان فيما بينه وبين الله تعالى. فدلّ أن كونه حربيًا لا ينافي الضمان، فهو بالإضافة إلى تلك الحالة يكون مدّعيًا للبراءة والسقوط، بخلاف الوطيء والغلّة؛ لأن بوطء المملوك لا يجب العُقر على المولى بحال ما (٢)، ألا ترى أن الراهن إذا وطء المرهونةَ أو المديونة، لا يجب العقر، فكان منافيًا للضمان. وذكر في كتاب الإقرار رجل باع عبدًا من رجل، ثم قال البائع: قطعت يده قبل البيع حين كان ملكي، وقال المشتري: لا، بل قطعتَ بعد ما صار لي، ولي عليك الأرش، على. قول أبي حنيفة وأبي يوسف: القول قول المشتري، وله الأرش على البائع، وعلى قول محمد: القول قول البائع، ولا أرش عليه (٣)، والهبة في ذلك بمنزلة البيع، والإقرار بعد البيع بمنزلة الإقرار بعد العتق. ولو قال: قطعتُ يد عبدي هذا ثم بعته منك، كان القول قوله، ولا أرش عليه في قولهم، والفرق ظاهر. ثم إن محمد ذكر في الباب فصولا، وذكر عَقيب كل فصل: وهذا من أبي حنيفة

стр. 1332

وأبي يوسف تركٌ لمذهبهما في مسألة العبد والحربي (١). منها: عبد عتق، فقال برجل: قطعتُ يدك وأنا عبده، وقال المقرّ له: لا، بل قطعتَ بعد العتق، كان القول قول المقرّ بالإجماع (٢). وعُذر أبي حنيفة وأبي يوسف عن هذا أن ثَمّة ما أقرّ على نفسه بسبب الضمان؛ لأن موجب جناية العبدا فيما لا يوجب القصاص يكون على المولى، يخاطب بالدفع أو (٣) الفداء، ولا يخاطب العبد به، وإن عتق، فكان منكرا للضمان على نفسه، فيكون القول قوله (٤). ومنها: قاضٍ عُزِل، فقال لرجل: أخذت مالك، وسلّمته إلى فلان حال ما كنت قاضيًا، قضاء قضيته عليك، وقال المقرّ له: لا، بل فعلتَ بعد العزل، أو قال (٥) فعلتَ في حالة القضاء لكن لا على وجه القضاء، كان القول قول المعزول (٦). ولو كان المال قائمًا في يد القاضي، أو في يد المقضيّ له، وهو يُصدّق القاضي يؤمَر بالردّ على المقرّ له. وعذرهما أنه ما أقرّ على نفسه بالضمان؛ لأن فعل القاضي على وجه القضاء

стр. 1333

لا يوجب عليه الضمان (١)، أما إذا كان صوابًا فظاهر، وإن كان خطأ فالضمان على من وقع له القضاء، أو على بيت المال، فكان القاضي منكرا للضمان. وإن كان المال قائمًا أمر بالردّ؛ لأنه يدّعي التمليك على المأخوذ منه، فلا يصدّق إلا بحجة (٢). ومنها: رجل وكّل رجلا يبيع عبده، ثم عزله، فقال الوكيل: قد كنت بعت العبد قبل العزل، ورفعته إليه، وقبضت الثمن، وهلك عندي، وقال الموكل: لا، بل بعتَ بعد العزل. إن كان العبد قائمًا يردّ عليه، وإن كان هالكًا كان القول قول الوكيل، وعُذرهما أن الوكيل أمين، فإذا أخبر عن (٣) الأمانة كان القول قوله، ولأن فعل الوكيل لا يوجب الضمان، فكان منكرا للضمان. ومنها: أن الوصيّ إذا قال بعد بلوغ اليتيم: أنفقتُ عليه كذا وكذا من ماله، وهو نفقة مثله، وادّعى اليتيم أنه استهلك بعد البلوغ، كان القول قول الوصيّ. ولو قال الوصيّ لعبد بعينه: بعته في صِغر اليتيم لا يصدّق. وعذرهما أن فعل الوصيّ على وجه الموافقة لا يوجب الضمان بمنزلة فعل الوكيل والقاضي. وأبو حنيفة وأبو يوسف ذكرا فصلا هو حجة لهما على محمد، فقالا: رجلٌ ذاهبةٌ عينه اليمنى، قال لرجل ذاهبة عين اليمنى: فقأت عينَك اليمنى وعينَيّ

стр. 1334

صحيحة فذهبت، وقال المقرّ له: لا، بل فقأتَ عيني وعينك ذاهبة، ولي عليك الأرش، كان القول قول المقرّ له، وعلى المقرّ أرش عينه (١). وعُذر محمد أنه أقرّ بوجوب الضمان، وادّعى ما يسقطه، فإن فَقْأ العين يوجب الضمان، إما القصاص أو الأرش، ولو فقأ عيني رجلين يجب القصاص والأرش أيضًا، فكان مقرًا بوجوب الضمان (٢)، مدّعيًا ما يسقطه، فلا يصدّق، أما هنا بخلافه. وذكر في الباب فصلا آخر، فقال: رجل باع عبدًا، ثم قال البائع لرجل: قطعتَ يد العبد قبل البيع، ولي عليك الأرش، وقال المشتري: لا، بل قطعتُ بعد البيع، والأرش لي (٣)، كان القول قول المشتري، والأرش له؛ لأن الأرش يملك بملك الرقبة. وملك الرقبة للمشتري، فالمقرّ أقرّ بوجوب الضمان على نفسه، وأراد تحويل ذلك إلى البايع، فلا يصدّق في التحويل (٤).

стр. 1335

باب ما يقرّ به الشريك على الشريك فيجوز عليه دون شريكه وما يكون موقوفًا بنى الباب على أصل واحد: وهو أن الكلام إذا وجد نفاذًا على المتكلم ينفذ، وإن تعذر تنفيذه، وأمكن توقيفه يتوقف ترتيبًا للحكم بقدر الإمكان. وفي الباب فصول أربعة: فصل في النسب، وفصل في الإعتاق، وفصل في الاستيلاد، وفصل في التدبير. أما الفصل (١) الأول: قال محمد (٢) ﵀: غلام بين رجلين، فقال أحدهما: هو ابني وابنك، أو ابنك وابني، أو ابننا، وذلك على وجوه: إما أن كان الغلام صغيرا لا يعبّر عن نفسه، أو كان صغيرا يعبّر عن نفسه، أو كان كبيرا، وكل ذلك على وجهين: إما أن صدّقه الشريك أو كذّبه، وذلك على وجهين: إما أن قال موصولًا أو مفصولا. فإن كان صغيرا لا يعبّر عن نفسه، فقال أحدهما: "هو ابني وابنك"، أو "ابنك

стр. 1336

وابني"، أو "ابننا" موصولًا، فالغلام ابن المقرّ (١)، صدّقه الشريك أو كذّبه. أما إذا بدأ بنفسه، فقال: هو ابني وابنك، أو قال: هو ابننا، فهو ابن المقرّ، وصَل أو فصَل؛ لأنه كما قال: "ابنْي" ثبَت النسب منه؛ لأنه أقرّ على نفسه بالنسب لمن يحتاج إلى النسب حالَ قيام الولاية عليه، فيصحّ إقراره، وإذا ثبت النسب منه بطل آخر كلامه (٢)، لأن النسب لا يحتمل الشركة؛ لأن سببه انخلاق الولد من مائه، وذلك لا يحتمل الشركة، وإنما يضاف إلى الرجلين إذا ادّعيا معًا لتعذر تعيين أحدهما، فيضاف إلهما، والنسب في الحقيقة من أحدهما، أما هنا بخلافه، وإذا بطل آخر كلامه كان تصديق شريكه وعدمه سواء، وكذا إذا قال: "هو ابننا". وإن بدأ بشريكه، ووصل (٣)، فقال: "هو ابنك فابني"، كان ابنا للمقرّ، لأنه ذكر في آخر كلامه ما يغيّر الأول، فيجعل الكلّ كلاما واحدا، ولا يفصل البعض عن البعض كما في الشرط والاستثناء، وإذا صار الكلّ كلاما واحدا (٤) بطل التقديم والتأخير، وصار كأنه قال: هو ابننا، فيثبت النسب منه، ولا تثبت من الآخر. فرّق بين هذه المسألة وبين مسألة ذكرها في كتاب الدعوى من هذا الكتاب: جارية

стр. 1337

بين رجلين، ولدت ولدين في بطنين مختلفين، فقال أحدهما: "الأكبر ابن شريكي، والأصغر ابني"، وصدّقه الشريك، كانت الجارية أمّ ولد لشريكه، ويثبت نسب الأكبر من مدّعي الأكبر، ونسب الأصغر من مدّعي الأصغر، [ولو بدأ بنفسه] (١) ولو (٢) قال الأصغر ابني، والأكبر ابن شريكي، وصدّقه الشريك، كانت الجارية أمّ ولد لمدّعي الأصغر، ويثبت نسب كل واحد من الولدين من مدّعيه (٣). ثمة (٤) فرّق بين ما إذا بدأ بنفسه أو بشريكه، وهنا سوّى بينهما، والفرق أن ثمّة الدعوى والإقرار وُجدا في ولدين، فثبوت نسب أحدهما منه لا يمنع توقف نسب الآخر على التصديق، لجواز أن يكون أحد الوالدين منه (٥)، والآخر من غيره، أما هنا: الدعوى والإقرار وُجدا في ولد واحد، فإذا ثبت نسبه من أحدهما يبطل الآخر، ولا يتوقف، ومحلّ الاستيلاد وإن كان واحدا، وهي الجارية، إلّا أن الاستيلاد تَبع للنسب، فإذا توقّف الأصل، وهو نسب الأكبر على تصديق الشريك، توقف الاستيلاد (٦). ولو قال: "هو ابنك"، وسكت، ثم قال: "وابني معك": قال بعد ذلك: "ابننا"

стр. 1338

إن صدّقه صاحبه بأن قال: "هو ابني" أو "ابننا" أو قال: "ابني دونك" أو قال هو (١) "ابنك وابني" ثبت النسب من صاحبه؛ لأنه لما أقرّ على صاحبه، توقّف على تصديقه، وتعلّق به حق صاحبه، فإذا قال "وابني معك" أراد تغيير الأول، فلا يصح مفصولا، كما في الشرط والإستثناء (٢). وهذا لأن توقّف أول الكلام على آخره أمر ضروريّ، جُوّز عند الوصل لحاجة الناس إلى التكلّم بالشرط والإستثناء، وما كان في معناه، فإذا اتصل المغيّر بأول كلامه يبطل أوّل الكلام. أما إذا فصَل لم يصحّ الكلام الثاني، فلا يبطل الأول، وإذا بقي الإقرار، فإذا صدّقه صاحبه، استند التصديق إلى وقت الإقرار، وصار كأنه هو الذي ابتدأ بالدعوى، فلا تصحّ دعوة الآخر (٣). وإن كذّبه صاحبه بأن قال: "ليس بابن لي ولا لك"، أو قال "هو ابنك دوني"، لا يثبت النسب من صاحبه؛ لأنه لا يملك حمل النسب على غيره، ولا يثبت النسب من المقرّ في قول أبي حنيفة. ويثبت في قول صاحبيه. أصل المسألة (٤) ما ذكر في البيوع: إذا أقرّ بنسب ما في بطن أمه من عبده، وكذّبه

стр. 1339

العبد ثم ادّعاه لنفسه، لا تصحّ دعوته عند أبي حنيفة، وعندهما تصحّ (١). ولو قال المقرّ له لشريكه: "هو ابنك دوني"، وسكت، ثم قال: "هوابني"، لا يثبت النسب [منه لأنه جحدا أولًا وأقر به لغيره فلا يصح دعوته بعد ذلك ولا يثبت النسب] (٢) من واحد منهما في قول أبي حنيفة، وعندهما يثبت من المقرّ؛ لأنه لما نفاه وسكت، تمّ نفيه، وبطل إقرار صاحبه له، وصار كان لم يكن. هذا إذا كذّبه المقرّ له في حياته، وإن كذّبه بعد ما مات المقرّ، عندهما يثبت النسب من المقر؛ لأن المانع من ثَبات النسب من المقرّ قد زال، فعمِل إقراه، كما لو كذّبه في حياته. هذا كله إذا كان الغلام صغيرًا لا يعبّر عن نفسه، فإن كان يعبّر عن نفسه، أو كان كبيرًا (٣)، فإن لم يكن أقرّ على نفسه بالرقّ لهما يرجع إلى تصديقه؛ لأنه حرّ بحكم الدار، فلا تصح الدعوة إلا بتصديقه، فبعد ذلك المسألة على وجهين: إما أن ينكر جميع ذلك أو يقر، فإن أنكر لا يكون ابنا لأحدهما، وإن أقرّ فهو على وجهين: إن أقرّ أنه ابن المقرّ، كان ابنا له لوجود الدعوة والتصديق، وكذا لو أقرّ أنه ابنهما يكون ابن للمقر؛ لأن تصديقه اتصل بالإقرار؛ فثبت النسب منه، وإذا ثبت النسب منه لا يثبت من الآخر، لما قلنا (٤). وإن أقرّ أنه ابن الشريك، وصدّقه الشريك في ذلك، ثبت النسب منه، وبطل إقرار

стр. 1340

الآخر، وإن كان الغلام أقرّ بالرقّ على نفسه لهما، فهو بمنزلة من لا يعبّر عن نفسه، لأنه لما أقرّ على نفسه بالرقّ، فقد أقرّ أنه لا يدَ له، ولا قول، فلا يرجع إليه، فإذا قال المقرّ: "هذا ابني وابنك"، أو "ابنك وابني" أو "ابننا"، كان ابنا للمقرّ، لما قلنا في الفصل الأول، ثم بعد ذلك إن قال المقرّ له "هو ابن دونك"، أو قال: هو ابننا لا ضمان على المقرّ، ولا سعاية على العبد، وإن عتق على المقرّ، وثبت نسبه من المقرّ، لأن المقرّ له لما ادعى نسبه، فقد أقرّ بحريته، وزعم أن شريكه ما أفسَد عليه شيئا. وإن قال المقرّ له: "ليس بابن لي، أو قال: ليس باب لي ولا لك"، كان عتق الغلام مضافا إلى المقرّ، لأن عتوق الغلام (١) لم يكن في ملكهما، فكانت دعوة المقرّ دعوة تحرير، كأنه اعتقه، ومن أعتق عبدًا بينه وبين غيره، إن كان موسرا ثبت لشريكه خيارات ثلاثة عند أبي حنيفة، وعندهما يضمن إن كان موسرا، ويسعى الغلام إن كان معسرا (٢) كذلك هنا. ومن هذا الفصل: جارية بين رجلين جاءت بولد، فقال أحدهما لشريكه: هو ابني وابنك، أو ابنك وابني، أو قال: ابني، أو ابننا، وصدقة الشريك، فهو ابن للمقرّ خاصّة، وصارت الجارية أمّ ولد له، ويضمن لشريكه نصف قيمتها أمّ ولد، ولا عقر لأحدهما على الآخر، ولا يرجع إلى تصديق الغلام، وإن كان الغلام وقت الإقرار كبيرا يعبّر عن نفسه (٣). أما إثبات النسب من المقرّ؛ فلأنه أقرّ على نفسه بنسب مَن يحتاج إلى النسب، فينفذ

стр. 1341

إقراره، وإنما لا يرجع إلى تصديق الغلام؛ لأنه وُلد في ملكها، فكان ملكا لهما من حيث الظاهر، فلا يلتفت إليه، ولا عقر لإحدهما على الآخر، لأنه لما صدّقه صاحبه، فقد أقرّ كل واحد منهما بوطء الجارية المشتركة، ويجب نصف العقر على كل واحد منهما لصاحبه، وصار قصاصا حتى لو كذّبه صاحبه، غرم المقرّ نصف العقر، لأن صاحبه أنكر الوطء، فلا يعتبر قصاصا (١). وإذا ثبت نسبه من المقرّ صارت الجارية أمّ ولد له؛ لأن علوق الولد (٢) كان في ملكهما، فكانت دعوته دعوة استيلاد، وإذا صارت أمّ ولد له، ويصير متملّكا نصيب الشريك، يحل له وطيئها، فيضمن نصف قيمتها (٣). ولا يقال: لما صدّقه الشريك في ذلك، فقد أقرّ أنها أمّ ولد لهما، فينبغي أن لا يضمن، ألا ترى أن في مسألة أوّل الباب إذا صدّقه الشريك لا يضمن شيئًا من قيمته؛ لأنا نقول: بلى (٤)! إلا أن القاضي كذبه فيما أقرّ حيث جعلَها أمّ ولد للمقرّ، فيبطل إقراره (٥). فإن قيل: لو بطل إقراره تكذيب القاضي، ينبغي أن يضمن نصف قيمتها أمّ قنه (٦)

стр. 1342

[وقد قال في الكتاب إذا صدقه الشريك يضمن قيمتها أم ولد] (١). قلنا: إنما يضمن نصف قيمتها أمّ ولد؛ لأن المصدّق أقر الولد لهما، وينقصان قيمتها، والقاضي كذّبه في أحدهما حيث جعلها أمّ ولد للمقرّ، وليس من ضرورة تكذيبه في أحدهما تكذيبه في الآخر، فبقي إقراره بنقصان القيمة، فإذا جعلها أمّ ولد للمقرّ، ونقل نصيب الشريك إليه، ومال المسلم لا يملك إلا بضمان يعادله، وجب عليه قيمة نصيبه بقدر ما أقرّ به صاحبه، ويكون إقرار صاحبه بمنزلة الإبراء من ذلك القدر، حتى لو كذّبه صاحبه يضمن نصف قيمتها قنّة. قال بعض مشايخنا: هذا قولهما، أما على قول أبي حنيفة لا يضمن شيئًا؛ لأنّ عنده أمّ الولد غير متقوّمة، ومن المشايخ من قال لا يضمن شيئًا في قولهم جميعًا؛ لأن شريكه زعم أن صاحبه لم يتملّك عليه نصيبه، لأنّ أمّ الولد لا تحتمل النقل من ملك إلى ملك، فاعتبر زعمه إبراء لصاحبه عن الضمان، ووجه جواب الكتاب ما قلنا إن إقراره بعدم تملك نصيبه بطل بالتكذيب، وإذا ثبَت الملك ثبت بضمان يُقابله، بخلاف مسألة أول الباب؛ لأن ثمّة أقرّ بحريّة الولد، وما صار مكذبًا في ذلك (٢). واستوضَح الفرق بين المسئلتين بمسألة ذكرها في الكتاب، قال: عبد بين رجلين ادّعى أحدهما أنه ابنه، ثم قال لصاحبه: إنك كنت اعتقته قبل هذا، فإن كذّبه صاحبُه ضمن، وإن صدّقه لا ضمان عليه، لأن القاضي ما قضى إلا بحرية الغلام، فلم يصر مُكذّبًا في إقراره بالحرية السابقة.

стр. 1343

ولو اشتريا جارية، فادّعى أحدهما أنها أمّ ولد له، وقال الآخر: قد كنت أعتقتها قبل إقرارك، وكذبه مدّعي الإستيلاد في ذلك، كان مدّعي الاستيلاد ضامنًا لشريكه نصف قيمته؛ لأنّ إقراره بأمية الولد نفذ، وصار متملكًا نصب صاحبه بالضمان، وقضاء القاضي يجعلها أمّ ولد (١) له يُبطل كل عتق قبله، فكان ذلك تكذيبًا لصاحبه في الإقرار بحرّيتها قبل ذلك، فإذا صار مكذّبًا فيما أقرّ، لا يبطل ضمان الاستيلاد عن المستولد، كذلك هنا. واستوضح أيضًا: برجلين اشتريا جاريةً، فحبَلت عندهما، وولدت ولدًا، فادّعى أحدهما الولدَ والآخر الأمّ، وخرج الكلامان معًا، ثبت نسب الولد ممن ادّعاه، وصارت الجارية أمّ ولد له؛ لأن دعوة مدعي الولد دعوة استيلاد؛ لأن علوقه كان في ملكهما، ودعوة صاحبه دعوة تحرير؛ لأن العلوق لم يكن في ملكه، فاستندت دعوة الإستيلاد إلى وقت العلوق؛ ويصير سابقًا حكمًا، فتصير الجارية أمّ ولد له، ويضمن لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها (٢)، ولا يبرأ من ذلك بإقرار شريكه فإن الجارية ابنته، لما قلنا إن الشرع لمّا جعلها أمّ ولد له، وكذّبه، بطل إقرار صاحبه بحريّة الجارية قبل ذلك، كذلك هنا. الفصل الثاني: قال: عبد بين رجلين، قال أحدهما لصاحبه: اعتقته أنا وأنتَ، أو أنتَ وأنا، أو قال اعتقناه، إن صدّقه صاحبه عتق كله، ويصير مولى لهما؛ لأن الإعتاق يحتمل الشركة عند الكل، فإن الشريكين إذا اعتقًا عبدًا معًا كان كلّ واحد منهما معتقًا نصيبه، ويكون الولاء

стр. 1344

لهما، فإذا صدّقه صاحبه استند التصديق إلى وقت الإقرار، ويصير كأنهما أعتقاه معا (١). وإن كذّبه صاحبه عتق نصيب المقرّ، وهو بمنزلة عبد بين اثنين أعتقه أحدهما، عند أبي حنيفة يعتق نصفه، ويخيّر شريكه، وعندهما يعتق كله، ونصف الولاء للمقرّ، ونصفه موقوف، لأن في زعم المقرّ أن نصف الولاء لصاحبه، وهو منكر، فبقي نصف الولاء موقوفا، فإن صدّقه صاحبه بعد ذلك يصير مولى لهما، لأن العتق والولاء لا يحتمل النقض، فلا يبطل بالتكذيب، فإذا عاد إلى التصديق، والإقرار قائم صحّ، ويجب على المصدّق ردّ ما أخذ من الضمان أو السعاية، لأنه أقرّ انه أخذ بغير حق (٢). الفصل الثالث: جارية بين رجلين، قال أحدهما: "هي أمّ ولد لي ولك"، أو "لك ولي" أو قال: "أمّ ولدنا"، فإن صدّقه صاحبه فهي أمّ ولد بينهما؛ لأن الاستيلاد يحتمل الشركة، ألا ترى أن الجارية المشتركة إذا ولدت فادّعياه معا، تصير أمّ ولد لهما، فإذا صدّقه صاحبه، صار كأنهما أقرّا معا، ولا شيء لأحدهما على الآخر (٣). بخلاف ما لو ولدت ولدا، وقال أحدهما: "هو ابني وابنك" أو "ابنك وابني" أو قال: "ابننا"، فإنه يثبت النسب من المقرّ من غير توقّف، وتصير الجارية أمّ ولد له؛ لأنه أقرّ بنسب الولد مقصودا، وأنه لا يحتمل الشركة، فإذا وجد نفاذا على المقرّ، نفذ عليه، وبطل ما زاد عليه.

стр. 1345

وإذا ثبت النسب منه تَبعتْه أمومية الولد؛ لأنها تَبع للنسب، أما هنا أقرّ بأمومية الولد مقصودا، وإنها تحتمل الشركة، فثبت على الوجه الذي أقرّ به، فلهذا نفذ في نصيبه، وتوقّف في حق الشريك على تصديقه، فإذا صدّقه يصير كأنهما أقرّا بذلك معا (١). وإن كذّبه صاحبه فقال: ليست بأمّ ولدي، فإنها تصير أمّ ولد للمقرّ، وعليه لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها موسرا كان أو معسرا؛ لأنها صارت أمّ ولد له بإقراره، لأن إقراره على شريكه بطل بالتكذيب، فبقي إقراره (٢)، ولو تفردّ بالإقرار كانت كلها أمّ ولد له، ويلزمه نصف قيمتها ونصف عقرها، كذلك هنا. ويكون نصف خدمتها للمقرّ، والنصف موقوف، تَخدم المقرّ يوما، ويوما لا، لأن المقرّ زعم أن نصف خدمتها لشريكه، وهو إن ضمن لصاحبه نصف قيمتها، إلا أن نصيب صاحبه لا يحتمل النقل من ملك إلى مِلك في زعمه، فبقي نصيب المقرّ على حكم ملكه، فيتوقّف نصف الخدمة، كمَن اشترى جاريةً، وزعم أن البائع كان استولدها قبل البيع، وكذّبه البائع، توقف خدمتها (٣)، كذلك هنا. فإن عاد الشريك إلى تصديقه بعد ذلك، كانت أمّ ولد لهما، ويردّ المصدّق على الشريك ما أخذ من الضمان؛ لأن نصيبه كان موقوفا، فإذا عاد إلى تصديقه صحّ تصديقه. فإن مات أحدهما بعد ذلك، عتقت من غير سعاية، لأنها كانت أمّ ولد لهما، فإذا مات أحدهما عتق نصيبه من غير شيء، كما لو كانت كلها أمّ ولد له فمات، وإذا عتق

стр. 1346

نصيب الميت عتق الباقي، لان أمّ الولد لا قيمة لها في قول أبي حنيفة، فإذا أعتق نصيب أحدهما، عتق الباقي بغير شيء (١)، كما لو أعتقها أحدهما. وعند أبي يوسف ومحمد إذا مات أحدهما، تسعى للآخر في نصف قيمتها، لأن ماليتها متقوّمة في قول أبي يوسف ومحمد، فإذا مات أحدهما، أو أعتقها أحدهما تسعى للآخر (٢). هذا إذا مات أحدهما بعد التصديق، وإن مات أحدهما قبل التصديق، فإن مات المقرّ عتقت بغير سعاية، أما نصيب المقرّ؛ لأنها أمّ ولد له، فتعتق بموته، ولا تسعى لغريم ولا لوارث، وأما نصيب المنكر؛ فلأنّ في زعم المنكر أن كلها كانت أمّ ولد للمقرّ بإقراره، وقد عتقت بموته، ولي عليه الضمان دون السعاية، فلهذا تعتق كلها من غير سعاية. وإن مات المنكر دون المقرّ عتقت أيضًا؛ لأنها أمّ ولد للمقرّ من حيث الحكم، وفى زعمه أن نصيب المنكر عتق بموته من غير سعاية، ونصيبي منها غير متقوّم، في قول أبي حنيفة تعتق كلها من غير سعاية (٣)، وعندهما تسعى للمقرّ في نصف قيمتها؛ لأن في زعم المقرّ أن نصيب المنكر عتق بموته، ونصيبي منها متقوّم، ولي عليها السعاية، فتسعى عندهما في نصف القيمة، ولم يشترط في الكتاب تصديق الجارية المقرّ فيما قال لوجوب السعاية للمقرّ (٤)، وهو الصحيح، بخلاف التدبير على ما نذكر.

стр. 1347

الفصل الرابع: أمة بين رجلين قال أحدهما: دبّرتها أنا وأنت، أو أنت وأنا، أو قال: دبّرناها، فإن صدّقه صاحبه، فهي مدبّرة بينهما؛ لأن التدبير يحتمل الشركة بمنزلة الإعتاق (١)، وإن كذّبه فهي أمة بين رجلين دبّرها أحدهما، وحكمه معلوم أن عند أبي يوسف ومحمد يصير الكل مدبرًا؛ لأن التدبير عندهما لا يتجزّ، فيضمن لشريكه إن كان موسرًا، وتسعى الجارية إن كان معسرًا. وعند أبي حنيفة: إن كان موسرًا كان للساكت خيارات خمسة: إن شاء اعتق، وإن شاء دبّر، وإن شاء تركها كذلك، وإن شاء استسعى، وإن شاء ضمن شريكه (٢). فإن ضمن فنصفها مدبرٌ للذي ضمن، ونصفها موقوف، تخدم المقرّ يومًا، ويومًا لا؛ لأن المقرّ أقرّ بنصف الخدمة لشريكه، وصاحبه يقول إن نصيبي زال عن ملكي إلى شريكي بالضمان، فيتوقّف نصيب الآخر. فإن فات أحدهما بعد ذلك، إن مات المقرّ، والجارية مصدّقة له، عتق نصفها بموته؛ لأن نصيب المقرّ كان مدبرًا فيعتق بموته بحكم التدبير، فإن كان له مال يخرج نصفها من ثلثه، عتق نصفها، ولا سعاية عليها، وإن لم يكن له مال آخر سعَت لورثة المقرّ في ثلثي نصف قيمتها (٣)؛ لأن التدبير وصية، والوصايا تنفذ من الثلث، وماله نصف الجارية،

стр. 1348

فيعتق ثلث النصف، وتسعى في ثلثي (١) النصف لورثة المقرّ، والنصف الذي هو نصيب الجاحد موقوف كما كان قبل ذلك، ولا يعتق، وإن أقرّ الجاحد أن جميعها مدبرة للميت؛ لأن في زعم الجاحد أن نصيبه زال عن ملكه إلى المقرّ بالضمان، فتعذر تصحيح العتق في ذلك النصف (٢) بإقرار الجاحد، وتعذر إعتاقه بإقرار المقرّ؛ لأن في زعمه أن نصيب الجاحد ما انتقل إليه؛ لأنه مدبر فبقي موقوفا. فإن مات المنكر بعد ذلك عتقت، وسعت في هذا النصف لورثة المقرّ (٣)، لأنها إذا صدقت المقرّ فقد زعمت أنها كانت مدبرة بينهما، وأن ما أخذ الجاحد من الضمان من المقرّ أخذ بغير حق، وكان ذلك دَينا عليه، فما دام حيا لا يتعلق بماله، فإذا مات تعلق بماله، والتدبير وصية، والموصى له إذا أقرّ بدَين على الميت، وفي يده شيء من مال الميت، يلزمه قضاء الدين منه، ونصفها كان ملكا للجاحد، وعليه دين مستغرَق لذلك النصف، فيلزمها قضاء الدين من ذلك النصف، فلهذا سعت لورثة المقرّ في نصف قيمتها. وإذا وجبت السعاية عليها في نصف القيمة ازداد مال المقرّ، وظهر أن ماله نصف الجارية، ونصف قيمتها على الشريك، فيعتق ثلث جميع الرقبة، وتسعى في الباقي (٤). وإن كانت مكذبة للمقرّ وقالت: دبَرتني أنت فكما مات المقرّ عتقت، وسعت في ثلثي قيمتها؛ لأنها زعمت أنها كانت مشتركة بينهما، وقد دبرها المقرّ، وانتقل نصيب

стр. 1349

صاحبه إليه بالضمان، فنفذ تدبيره في الكل (١). فإذا مات المقرّ عتق ثلثها، وتسعى في الباقي من غير توقف، وإن مات المنكر أولا، فإن كانت الجارية صدقت المقر، تسعى في جميع قيمتها للمقر. أما في نصيب المكذب فلأن في زعمها أن نصيبه مدبر، وأن ما أخذ الجاحد من الضمان أخذ بغير حق، وهو دَين في تركته، والدين مقدم على الوصية، فتسعى في نصيب الجاحد لقضاء دينه، وتسعى في نصيب المقر (٢). وأما في نصيب المقرّ فلأن في زعمها أنها كانت مدبرة بينهما، والمدبر بين شريكين إذا مات أحدهما يسعى للباقي منهما في قيمة نصيبه، كالعبد بين شريكين إذا أعتقه أحدهما، فلهذا تسعى للمقرّ بقيمتها (٣). وإن كذبته الجارية، وقالت: دبرتني أنت، أو قالت: تدبرت عليك بإقرارك، سعَت للمقرّ في نصف قيمتها، لأن الجارية تزعم (٤) أنها مدبرة للمقرّ خاصة. وإن نصيب الجاحد انتقل إليه بالضمان، وإنما عتق نصيب الجاحد، لا بموت الجاحد، بل بإقرار المقر، فإن المقرّ يزعم أن نصفها عتق بموت الجاحد، فلا يلزمها السعاية في نصيب الجاحد في زعم الجارية، وإنما يلزمها السعاية في نصيب المقرّ، لأن جميعها مدبرة للمقرّ، وقد عتق نصفها للمقرّ بإقراره، فيلزمها السعاية في النصف، كما لو كان كلها مدبرة له فأعتق

стр. 1350

نصفها. فإن مات المقرّ بعد ذلك قبل أداء السعاية، لم بذكر هذا في الكتاب، قالوا في الوجه الأول: وهو ما إذا كانت الجازية صدقت المقر، سقط عنها ثلث السعاية، وتسعى في ثلثي قيمتها لورثة المقرّ (١)، لأن نصيب الجاحد عتق بموته، ولزمتها السعاية في هذا النصف لقضاء دين الميت، ولزمتها السعاية في النصف الباقي ضرورة عتق النصف، إلا أن العتق عند أبي حنيفة يتجزأ، والمستسعى بمنزلة المكاتب، فبقي نصيب الجاحد قبل أداء السعاية مدبرا كما كان، فإذا مات المقرّ وجب تنفيذ الوصية في ثلث ماله، وماله عند الموت نصف السعاية بدين الجاحد، ونصف رقبتها، فتنفذ الوصية في ثلث ذلك، فيسقط عنها ثلث السعاية، وتسعى في الثلثين لورثة المقرّ (٢). وإن كانت الجارية كذبته، سعت لورثة المقرّ في ثلث قيمتها، لأن في زعمها أنها مدبرة للمقرّ، وعتق نصيب الجاحد بغير شيء بإقرار المقرّ لا بموت الجاحد، ووجبت عليها السعاية في النصف ليعتق الباقي، فإذا مات المقرّ قبل أداء السعاية، تنفذ الوصية في ثلث ماله، وماله نصف رقبتها، فيعتق ثلث النصف، وتسعى في ثلثيه، وهو ثلث الكل، وهذا كله قول أبي حنيفة. أما عند أبي يوسف ومحمد: إذا أقر أحدهما بالتدبير تصير كلها مدبرة؛ لأنه لا يتجزأ، فإن صدّقه الشريك كانت مدبرة بينهما، ويكون الحكم ما قلنا، وإن كذّبه الشريك

стр. 1351

ضمن المقرّ لشريكه نصف قيمتها موسرًا كان أو معسرًا، ويصير الكل مدبرًا (١)؛ لأن التدبير لا يتجزأ، فإذا صار نصيب المقر مدبرًا، صار الكل مدبرًا، وإذا صار الكل مدبرًا بإقراره انتقل إليه نصيب الشريك بالضمان، ويصير الكل مدبرًا. وانتقل نصيب الشريك إليه بأداء الضمان، وضمان التملك لا يختلف باليسَار والعَسار، فيضمن على كل حال، ويكون النصف مدبرًا له، والنصف موقوف؛ لأنه في النصف يحمل التدبير على الغير، وهو ينكر، فيتوقف (٢). فإن صدّقه الشريك بعد ذلك صح تصديقه، وتصير مدبرة بينهما؛ لأن الإقرار بالتدبير لا يبطل بالرد، وإذا عاد تصديقه، والإقرار قائم، صح تصديقه، ويبطل الضمان عن المقرّ إن كان لم يأخذ، وإن كان إخذ الضمان رد ما أخذ. وإن مات أحدهما قبل التصديق، فإن مات المقرّ سعت في ثلثي نصف قيمتها لورثة المقر (٣)، صدقته الجارية في ذلك أو كذبته. أما إذا صدقته فلِما قلنا إن المقرّ مع الجارية تصادقا إن نصفها مدبر له، فيعتق ذلك النصف من الثلث، فتسعى في ثلثي ذلك النصف، ولا سعاية عليها في نصف المنكر ما دام حيا، ولأن دَين الحي لا يتعلق بماله، فتؤخر السعاية عليها في نصف الباقي إلى أن يموت الآخر. وأما إذا كذبته فكذلك أيضًا؛ لأنها تقول أنا مدبرة المقرّ، وعليّ السعاية لورثته في

стр. 1352

الثلثين، والورثة يصدقون المقرّ، فكان في زعم الورثة أن نصفها مدبر للشريك الآخر، ولا سعاية لباقي ذلك النصف، وهذا إقرار مَحض، فيبطل بالتكذيب. بخلاف ما قلنا لأبي حنيفة، فإن عنده إذا كذبته الجارية، ثم مات المقرّ، سعت في ثلثي قيمتها لورثة المقرّ، وعندهما تسعى في ثلثي نصف قيمتها؛ لأن عند أبي حنيفة بعتق البعض لا يعتق الكل عنده (١)، فكانت طالبة بأداء السعاية حقا لها، وهو عتق الكل، فالقاضي قضى لها بعتق الكل عند أداء السعاية، فلا يبطل ذلك بالتكذيب، وكان ذلك بمنزلة إقامة البينة على ذلك. أما عندهما: إذا عتق بعضها بموت المقرّ عتق كلها (٢)، فبقي إقرارها بالسعاية محض إقرار بالمال، فيبطل [بالتكذيب فلهذا اسعت في ثلثي نصف قيمتها ويؤخذ السعاية في النصف الباقي] (٣) لاحتمال أن يعود المكذب إلى التصديق، فإن رجع إلى التصديق، ردما أخذ من الضمان، وسعت له في نصيبه (٤)، كما لو صدّقه في الإبتداء، ثم مات أحدهما فإنها تعتق، وتسعى للباقي منهما، كذلك ههنا. وإن لم يرجع المكذب إلى تصديقه حتى مات، والجارية صدقت المقرّ، أو كذبته، فإنها تسعى في ثلثي قيمتها لورثته، أما إذا صدقت المقرّ: فلأنها مع المقرّ تصادقا أنها مدبرة بينهما، فإذا مات المنكر وجبت عليها السعاية في نصيبه لقضاء الدين من الوجه الذي قلنا،

стр. 1353

فازداد مال المقرّ، فوجب تنفيذ وصيته في ثلث ماله، وهو ثلثا النصف (١)، فيلزم السعاية في ثلثي قيمتها. وأما إذا كذبته: فلأن في زعمهم أنه يجب عليها السعاية في ثلثي قيمتها، أما في زعم ورثة المقرّ فلما قلنا في وجه التصديق، وأما في الجارية فلأنها تزعم أنها كانت مدبرة المقرّ، وعتقت بموته، ووجبت عليها السعاية في ثلثيها. وإن مات المنكر أولًا، ذكر على قولهما خاصةً أنها إن صدقت المقرّ سعت في جميع قيمتها لورثته (٢)؛ لأنها زعمت أنها كانت مدبرة بينهما، وبموت أحدهما عتق كلها عندهما، ونصف القيمة كان دَينًا على المنكر فتلزمها السعاية في ذلك لقضاء الدين، وتلزمها السعاية في نصيب المقرّ ضرورة أن العتق لا يتجزء (٣)، كالمدبرة بين اثنين إذا مات أحدهما، تسعى للباقي منهما في نصيبه، فإذا عتق كلها وجبت السعاية في جميع الرقبة، لا تسقط بموت المقرّ بعد ذلك. وإن كذبته الجارية سعت للمقرّ في نصف قيمتها لا غير؛ لأن في زعمها أنها كانت مدبرة للمقرّ خاصة، وإنما عتق نصفها بعد موت المكذب بإقرار المقرّ، لا بموت المكذب، فلم تجب عليها السعاية في ذلك النصف، وإنما وجبت عليها السعاية في نصيب المقرّ، فيلزمها السعاية في نصف قيمتها لا غير، وإذا عتقت، ووجبت السعاية في نصف القيمة، لا تسقط بعد ذلك (٤).

стр. 1354

باب من الإقرار بالدين لقول الوارث أن أباه قبض من غريمه ويجحد الوارث الآخر بنى الباب على أصول: منها: أن الإقرار بالاستيفاء إقرارٌ بالدين؛ لأن قبض عين الدين لا يتصور (١)؛ لأنه وصف الذمة، وإنما الديون تقضى بأمثالها، لا بأعيانها (٢). وطريق ذلك أن يجب للمديون على صاحب الدين مثلُ ما عليه؛ فيلتقيان قصاصًا، ويكون آخرهما قضاء عن الأول، وإذا كان طريق الاستيفاء هذا، كان الإقرار بالإستيفاء إقرار بالدين. والثاني: أن المقرّ يعامَل بإقراره، كأن ما أقرّ به حق؛ لأن إقراره حجة عليه (٣). والثالث: أن بيع المريض في وارثه وصية عند أبي حنيفة، وعندهما: إن لم يكن فيه محاباة لا يعتبر وصية (٤). إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل مات، وترك ابنين لا وارث له غيرهما،

стр. 1355

وله على رجل ألف درهم دَين، فقال الغريم: قبض مني الميت خمس مائة درهم، وصدقه أحدهما، وكذّبه الأخر، قال يأخذ المكذب من الغريم خمس مائة درهم، ولا شيء للمصدق؛ لأن المصدق لما صدقه في الأستيفاء فقد أقرّ على مورثه بدين خمس مائة، لما ذكرنا أن الإقرار بالاستيفاء إقرار بالدين (١). ولو أقرّ على مورثه بدين خمس مائة، وكذّبه الآخر يقضي ذلك من نصيبه (٢)، ولا يسلم له شيء من الميراث لكون الدين مقدمًا على الميراث، فكذلك هذا. فإن قال المصدق الابن للغريم: إنك أقررتَ على نفسك بخمس مائة للميت، نصفها لي، ونصفها للابن الآخر، فلي أن أرجع عليك بمائتين وخمسين، لا يلتفت إليه، لأن القاضي صرَف إقرارَه إلى نصيبه، فلا يبقى له حق المطالبة شيء. كما لو أقرّ أنه استوفى بنفسه خمس مائة ولأن المصدق لو رجع على الغريم شيء لا يفيد، فكذا إذا أقرّ بالاستيفاء (٣)، ينصرف الإقرار إلى نصيبه؛ لأنه لا يفيد الرجوع؛ لأنه لو أخذ منه شيئًا تَنتقض المقاصة بذلك القدر، فيصير ذلك القدر دَينًا للغريم على الميت، فكان له أن يرجع بذلك في نصيب المصدّق من التركة فلا يفيد، وليس للمصدق أن يشارك المكذب فيما قبض من الغريم؛ لأن من حجة المكذب أن يقول: إنك قد أتلفتَ حقك

стр. 1356

بإقرارك، فيسلم لي الباقي (١). ولو كان الغريم ادعى أنه أوفاه جميع الألف، وصدقه أحدهما، وكذبه الآخر، بريء الغريم عن خمس مائة، ويرجع المكذب على الغريم بخمس مائة بعد ما يحلف المكذب: بالله ما يعلم أن الميت قبَض منه (٢). أما براءة الغريم عن نصيب المصدّق، ورجوع المكذب على الغريم لما قلنا في الفصل الأول، وإنما يحلف المكذب هنا، ولا يحلف في الفصل الأول (٣). لأن في الفصل الأول الغريم ادعى البراءة عن خمس مائة، وقد حصل له البراءة عن خمس مائة بإقرار المصدّق، فلا يحلف المكذب لحق الغريم. أما هنا: الغريم يدعي البراءة عن الألف، وقد برئ عن خمس مائة، فيحلف المكذب لحق الغريم لرجاء النكول، وإنما يستحلف على العلم؛ لأنه استحلاف على فعل الغير. فإن كان الميت ترك ألفًا أخرى، واقتسم الابنان يرجع الغريم على المصدّق بالخمس مائة التي أخذها المكذب من الغريم، وذكر في الأمالي أنه لايرجع؛ لأن الغريم زعَم أنه بريء عن جميع الألف، إلا أن الابن الجاحد ظلمه، ومن ظلم ليس له أن يظلم غيره، وما أخذ الجاحد من الغريم دَين على الجاحد، ودين الوارث لا يقضى من تركة الميت، فلا يرجع (٤).

стр. 1357

وجه ظاهر الرواية أن المصدّق أقرّ على أبيه بدين ألف درهم ضرورة الإقرار بالاستيفاء، فإذا كذبه الآخر، وأخذ منه خمس مائة، لم تسلم له البراءة إلا عن خمس مائة (١)، فبقيت الخمس مائة دينا على الميت، فيرجع بذلك (٢) على المصدق؛ لأن الدين مقدم على الميراث. وما قال: "بأن الغريم أقرّ أنه استفاد البراءة عن جميع الألف إلا أن الجاحد ظلمه. قلنا: بلى! إلا أن القاضي لما قضى على الجاحد بخمس مائة، فقد كذّبه فيما أقر، فيبطل إقراره بقضاء القاضي. ونظير هذا ما ذكر في "الجامع الكبير": رجل عليه دين لرجل، أمر رجلا أن يقضي دينه، فقال المأمور: قد قضيتُ، وصدقه الأمر، وكذّبه صاحب الدين، وحلف، وأخذ دينه من الغريم (٣)، لم يكن للمأمور أن يرجع على الأمر، وإن أقرّ الأمر (٤) على نفسه للمأمور بالدين لما صدّقه في القضا، وإنما لا يرجع؛ لأن المقصود من القضاء هو البراءة، فإذا لم تحصل له البراءة، وصار مكذبا، لا يرجع عليه (٥) المأمور، كذلك هنا. واستشهد هذا الأصل بمسائل: منها: لو قال الغريم: كنت أقرضتُ الميت ألف درهم بعد ما كان له علي ألف،

стр. 1358

وصار القرض قصاصا بدَينه، وصدقه أحدهما، وكذّبه الآخر، وأخذ (١) منه خمس مائة، وقد اقتسما ألفًا أخرى بينهما، أما كان لهذا الغريم أن يرجع على المصدق بخمس مائة؟ بل (٢) كان له ذلك؛ لأنه لما صدقه في القرض، فقد أقرّ على الميت بدين ألف درهم، وإنما يبرأ عن الدين بالمقاصة، ولم تقع المقاصة في خمس مائة، فبقي دينا على الميت، فيستوفي من تركته. ومنها: لو قال الغريم: كان لي على أبيكما ألف درهم مؤجلا قبل دينه، فحل الأجل، فصار ذلك قصاصا بدينه، وصدقه أحدهما، وكذّبه الآخر، وأخذ منه الجاحد. ومنها: لو قال الغريم: إني قضيتُ أباكما في حياته هذه الألف التي تركها لكما، فصدقه أحدهما، وكذّبه الآخر، وقد اقتسما الألف بينهما، وأخذ المكذب من الغريم خمس مائة، كان للغريم أن يرجع على المصدق بالخمس مائة التي في يده. ومنها: رجل حضَره الموت، وله ثلاث بنين، وله على أحدهم ألف درهم، فأقر باستيفائها، وكذّبه الإبنان الأخران، لا يصدق، لأن الإقرار بالاستيفاء إقرار بالدين (٣)، وهو في معنى الوصية، فلا يصح للوارث إلا بتصديق الورثة، فإذا صدّقه أحد الابنين، وكذّبه الآخر، بريء الإبن المقرّ له عن نصيبه، وهو الثلث، وعن نصيب المصدق، وذلك ثلث، ويغرم للمكذب ثلث الألف. فإن ترك الميّت ألفًا أخرى، واقتسموها بينهم، يأخذ الإبن الغريم ثلث الألف من

стр. 1359

نصيبه، ونصيب المصدق، ولأن في زعم المصدق والإبن المقر له أن الميت أخذ من الغريم ألفًا على وجه الاقتضاء، وكان ذلك دينًا عليه ما لم تقع المقاصة، وقد بطلت المقاصة في الثلث الذي أخذه منه المكذب، فبقي ذلك دينًا على الميت، فيقدم على الميراث، يبقى ثلث الألف بينهما نصفين (١). قال: (٢) ولو لم يكن له دين على وارثه، ولكن في يده عبد قيمته ألف، فقال في مرضه: بعته من ابني هذا بألف درهم في صحتي، واستوفيت الثمن، وسلمت العبد إليه، ثم أودَعَنيه، وصدقه المقرّ له وأحد الباقين، وكذّبه الثالث (٣) ثم مات الأب (٤). فإن قياس قول أبي حنيفة: يأخذ المكذب ثلثَ العبد؛ لأنه متهم في إسناد البيع إلى حالة الصحة، فيجعل كأنه أنشأ البيع في المرض، وأنه وصية، فلا يصح إلا بإجازة الورثة (٥)؛ فإذا كذّبه أحدهم كان للمكذب أن ينقض البيعَ في نصيبه، وهو الثلث فإذا أخذ المكذب ثلثَ العبد، خير المقرّ له: إن شاء أمضى البيع في الثلثين، وإن شاء ترك؛ لأن الشركة في الأعيان المجتمعة عيب (٦).

стр. 1360

فإن أمضي البيع في الثلثين، وقد كان الميت ترك مالًا آخر لورثته (١)، رجع المقرّ له بثلث الثمن في نصيب المصدق ونصيب المقر له من ذلك المال؛ لأن الميت (٢) أقرّ باستيفاء الثمن، فإذا استحق ثلث العبد على المشتري، رجع بثلث الثمن في تركة الميت (٣). وإن اختار المقرّ له نقضَ البيع، صار العبد بينهم أثلاثًا، ورجع المقرّ له بجميع الثمن في نصيبه ونصيب الأخ (٤) المصدق من العبد، ومن مال آخر إن كان للميت مال آخر؛ لأن جميع الثمن صار دينًا على الميت عند انفساخ البيع بتصادقهما (٥). وعلى قول أبي يوسف ومحمد: لا يفسخ البيع في شيء من العبد؛ لأن نفس البيع عندهما ليس بوصية، إنما الوصية في المحاباة، ولا محاباة ههنا، لكن يغرم المقرّ له ثلث الثمن للجاحد؛ لأن إقرار المريض بإستيفاء الثمن لم يصح في حق الجاحد؛ لأنه وصية؛ فيرجع بثلث الثمن على المقرّ له، ولا يخير المقرّ له في نقض البيع، وإن غرم ثلث الثمن زيادة على ما التزم؛ لأن المقر له يرجع بما غرم في نصيبه ونصيب المصدق، فلا يعد ذلك غرماء (٦).

стр. 1361

وكذا لو كان المريضُ باع العبدَ (١) من أحدهم بمعاينة الورثة بمثل قيمته، ثم أقرّ باستيفاء الثمن، كان الجواب ما قلنا. هذا إذا لم يكن في البيع محاباة، فإن كان فيه محاباة بأن كانت قيمته ألفي درهم، فأقر بالبيع بألف درهم، وبقبض الثمن، وصدقه أحد الاثنين (٢)، وكذّبه الآخر، على قول أبي حنيفة لا يختلف الجواب: يفسخ البيع في الثلث، ويردّ على المكذب، وهذا والفصل الأول سواء؛ لأن عنده نفس البيع وصية. أما على قول صاحبيه (٣): نفس البيع ليس بوصية، إنما الوصية في المحاباة، فإذا أقرّ بذلك في مرضه صار كأنه أنشأ البيع، وحابى، فيخيّر المقرّ له: إن شاء فسخ البيعَ، وإن شاء أمضى، وبلغ الثمن إلى تمام القيمة في نصيب المكذب، فيغرم ثلث الألفين، ثم يرجع المقرّ له بنصف ما غرم للمكذب في نصيبه ونصيب المصدق (٤)؛ لأن المقر له والأخ (٥) المصدق تصادقا أن الميت استوفى منه ألف درهم، وقد بطلت المقاصة في نصيب الجاحد، وهو ثلثي الألف بقضاء القاضي، فصار ذلك القدر (٦) دينا على الميت باتفاقهما، فيقدم على الميراث (٧).

стр. 1362

أما الزيادة على ثلث الألف، فإنما غرم لإزالة المحاباة في نصيب المكذب، لا بسبب استيفاء الميت، فلا يرجع بذلك على أحدٍ، وإذا لم يرجع المقر له في التركة إلا بنصف ما غرم، وهو ثلث الألف، بقي ثلث الألف غرمًا محضًا، لزمه بسبب البيع، فيخير المقر له إن شاء فسخ البيع (١)، وإن شاء أمضى (٢)، بخلاف ما تقدم؛ فإن فيما تقدم (٣) يرجع في نصيب نفسه ونصيب المصدق من الميراث بجميع ما غرم فلا يخير (٤). وإذا ثبت له الخيار ههنا، فإن فسخ البيعَ، ورد العبدَ، صار العبد ميراثا بينهم، ويرجع المقر له بجميع الثمن على الوجه الذي ذكرنا لأبي حنيفة في الوجه الأول. وإن شاء فسخ البيعَ في حصة (٥) المكذب، وهو ثلث العبد؛ لأن زيادة الثمن إنما تلحقه في هذا الثلث، فكان له أن يفسخ البيع في الثلث (٦)، وإن كان فيه تفريق على الجاحد؛ لأن المقر له لو نقض البيعَ في الكل، لا يسلم للجاحد إلا ثلث العبد، فضرر التفريق مستحق عليه على كل حال، وإذا فسخ البيع في ثلث العبد رجع بثلث الألف في حصته، وحصة المصدّق لا غير (٧)، لما قلنا. - وَالله أعلم -

стр. 1363

كتاب الغصب (١) باب من الغصب (٢) والجناية مع الشراء ذكر في الباب فصولا ثمانية: البيع، والهبة، والغصب، والوديعة، والغرور، والعفو مع القتل، والوكالة، والكفالة. وبناها على أصول ثلاثة: أحدها: أن زوال المغصوب عن ملك المالك عند أداء الضمان، يستند إلى وقت الغصب في حق المالك والغاصب، وفي حق غيرهما يقتصر على التضمين، إلا إذا تعلق بالاستناد حكم شرعي يمنعنا من أن نجعلَ الزوالَ مقصورا على الحال، فحينئذ يستند في حق الكل؛ لأن الزوال في حق المالك والغاصب استنَدَ لا لكون الغصب سببًا للملك وضعًا، حتى يستند في حق الكل، بل ضرورة وجوب الضمان من وقت الغصب، فلا يظهر ذلك

стр. 1364

في حق غيرهما إلا إذا اتصل بالاستناد حكم شرعي، لأن حكم الشرع يظهر في حق الكل، فيظهر الاستناد في حق الكل. والثاني: أن هلاك الجاني، لا إلى الخلف يبطل في حق ولي الجناية، وهلاكه إلى خلف لا يبطل؛ لأن موجب الجناية يتعلق بنفس الجاني، وبطلان محلّ الحق موجب بطلان الحق، إلا إذا فات إلى خلَف؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل، فيتحول الحق إليه. والثالث: أن المخير بين أمرَين إذا اختار أحدَهما، بطل الآخر؛ لأن ما اختاره تعين حقا له من الأمر (١). إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل اشترى جاريةً بألف درهم، فقبضها، فقتلت عنده قتيلا خطأ، ثم ماتت، فاستحقها رجل بالبينة، وقضى له القاضي، فهو بالخيار إن شاء ضمن البائعَ قيمتها، وإن

стр. 1365

شاء ضمن المشتري؛ لأن كل واحد منهما غاصب في حقه، البائع بالغصب السابق (١)، والمشتري بالقبض بغير إذنه، فإن ضمن البائع برئ المشتري، وجاز البيع، وسلم الثمن للبائع، والقيمة المأخوذة (٢) للمستحق. وأما براءة المشتري عن الضمان؛ لأن الشرع أثبت له ولايةَ التضمين بشرط تمليك المغصوب من الضامن، وبعد ما ملكها من البائع لا يمكن التمليك من المشتري، فيبرأ المشري ضرورةً. وأما نفاذ البيع؛ فلأنه لما ضمن البائع، ملكها البائع من وقت الغصب، فيصير بائعا مالَ نفسه، وإذا نفذ البيع سلم الثمن للبائع ضرورة. وأما سلامة القيمة للمستحق؛ فلأنها وجبت بالغصب السابق، ووقت الغصب (٣) لم تكن جانية، فكانت هذه القيمة بدل ملك فارغ، لا بدل ملك مشغول بالجناية، فلا تتحوّل إليها الجناية، وتسلم للمستحق، ويبطل حق وليّ الجناية ضرورة فوات محلّ الجناية لا إلى بدل. وإن ضمن المشتري قيمتها انتقض البيع، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، [ولا تسلم القيمة للمستحق بل يدفعها] (٤) إلى وليّ الجناية. أمّا انتقاض البيع، فلأنه لما ظهر الاستحقاق ظهر أن البيع كان موقوفا على إجازة

стр. 1366

المستحق، فإذا ضمّن المستحق قيمتها، فقد ملكها بالقيمة، فيكون نقضًا للبيع السابق، ولأنه لما ملكها من جهة المستحق، فقد طرأ المِلك الباتّ على الملك الموقوف فيبطله. وإذا انتقض البيع بينهما، يرجع المشتري بالثمن على البائع، وإنما يدفع القيمةَ إلى أولياء الجناية؛ لأن المشتري ملكها بأداء الضمان مستندا إلى وقت قبضه من البائع، والجناية كانت بعد القبض، فلا تتحوّل إلى هذه القيمة، كما في تضمين البائع. ووجه ما ذكر في الكتاب: أن زوال المغصوب عن ملك المالك يقتصر على التضمين في حق غير المالك والغاصب، وإذا اقتصر كان التضمين بمنزلة ابتداء التمليك بعد الجناية، فتتحوّل الجناية إلى بدلها، وإنما بطلت الجناية في تضمين البائع؛ لأنه لما ضمن البائع، ثبت الملك له من وقت الغصب من وجهٍ، والملك من وجهٍ يكفي لنفاذ البيع كملك المكاتب. وإذا حكمنا بنفاذ البيع لم يكن التضمين تمليكا مبتدأ بعد الجناية، فكانت الجناية حاصلة على ملك المشتري، فكانت القيمة بدل ملك فارغ، لا بدل ملك مشغول. أما هنا لم يتعلق بالاستناد حكم شرعيّ يمنعنا من الاقتصاد، فبقي التضمين تمليكا مبتدأ بعد الجناية، فيتحوّل إلى القيمة، فيؤمر بالدفع إلى أولياء الجناية، ثم يرجع عليه بقيمة أخرى؛ لأن المشتري قبض جاريةً فارغة، فلا يبرأ بردّ قيمةٍ مشغولة. فإذا استحقّت القيمة من يد المستحق بسبب كان عند المشتري، صار كأنه لم يردّ، فيرجع عليه بقيمة أخرى، فإن قال المستحقّ: أنا أَرجع بالقيمة الأخرى على البائع، لا على المشتري، لم يكن له ذلك، لأن اختياره تضمين المشتري كان إبراء للبائع. ولو لم تمُت الجارية عند المشتري لكنها أبقَت من يده ثم استحقت، كان المستحق بالخيار لما قلنا، فإن ضمن البائع نفذ البيع، وبطل حقّ وليّ الجناية لما قلنا في المسألة الأولى، فإن عادت من الإباق، عادت على ملك المشتري لنفاذ البيع، ويخاطب المشتري

стр. 1367

بالدفع أو الفداء، لأن الجناية حصلت على ملك المشتري، فيخاطب بالدفع أو الفداء، كما هو حكم جناية المملوك. وإن اختار المستحق تضمين المشتري، دفع المستحق القيمة إلى أولياء الجناية، ثم يرجع عليه بقيمة أخرى لما مرّ. ولا يقال: إذا ضمن المشتري، فقد ملكها منه بعد العلم بالجناية، فوجب أن يصير مختارًا للفداء؛ لأنا نقول بلى! ملكها بعد الجناية لكنه عاجز عن الدفع، فلا يصير مختارا للفداء. فإن أخذ المستحق القيمة من المشتري، أو لم يأخذ حتى عادت الجارية من الإباق، عادت على ملك المشتري، لا سبيل لوليّ الجناية عليها؛ لأن القاضي لما قضى على المشتري بالقيمة للمستحق، فقد قضى بهلاك الجارية ببدل، وتحوّل حق وليّ الجناية إلى بدلها، فلا يتغيّر بعد ذلك. وإن كانت الجارية قائمة في يد المشتري، ولم تمُت، ولم تأبق، حتى جاء رجل، وادّعاها، وقضى القاضي للمستحق، بطل البيع، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، كما هو الحكم في استحقاق المبيع. ويقال للمستحق: ادفع الجارية بالجناية، أو أفدها؛ لأنه لما ثبت الاستحقاق، ظهر أنها جنَت في ملكه (١)، وهو قادر على الدفع، فيخاطب بالدفع أو الفداء، وأيّهما فعَل يرجع بالأقل من قيمتها ومن أرش الجناية، إن شاء على البائع، أو على المشتري. أما الرجوع بالأقل؛ لأنه كان يتخلّص بالأقل، وإنما لزمته الزيادة باختياره، فلا

стр. 1368

يرجع بها على غيره، وإنما يخيّر في الرجوع على البائع أو المشتري؛ لأن كلّ واحد منهما غصب منه جاريةً فارغةً، وردّها مشغولة بالجناية، فيجعل كان لم يردّ. فإن رجع على المشتري، لا يرجع المشتري على البائع بما ضمن؛ لأنه ضمن بجناية كانت عنده، فلا يرجع على غيره، وإن رجع على البائع، يرجع هو على المشتري بما غرم؛ لأن البائع غاصب، والمشتري غاصب الغاصب؛ لأن البائع إنما رضي بقبض المشتري بجهة البيع يشرط سلامة الثمن له، فإذا انتقض البيع بينهما، ولم يسلم له الثمن، بقي القبض بغير إذنه، فيكون بمنزلة غاصب الغاصب، والغاصب إذا ضمن، يرجع على غاصب الغاصب، أما غاصب الغاصب لا يرجع على أحد. الفصل الثاني: وهو فصل الهبة: (رجل وهب لرجل جاريةً، وقبضها الموهوب له، فقتَلت عنده قتيلا، ثم ماتت، ثم استحقها رجل بالبينة كان المستحق بالخيار (١)، فإن شاء ضمن الواهب، وإن شاء ضمن الموهوب له)؛ لأن كل واحد منهما غاصب في حقه، وأيّهما ضمن لا يرجع على صاحبه. أما الموهوب له؛ فلأنه ضمن بفعل باشَره لنفسه، وهو القبض على جهة التمليك، فلا يرجع على غيره، وإنما يرجع المشتري على البائع بالثمن؛ لأنه تملّكها بعوض، فإذا استحقّ المبيع من يده معنى، يرجع بالثمن، أمّا الموهوب له تملّكها بغير عوض، فلا يرجع على أحد، وإن ضمن الواهب لا يرجع الواهب على الموهوب له. فرّق بينه وبين البيع، فإن ثمّة إذا كانت الجارية قائمة، وأخذها المستحقّ، يخاطب

стр. 1369

بالدفع أو الفداء ثم يرجع بالأقل. على أيهما شاء، فإن رجع على البائع (١)، رجع البائع على المشتري، والواهب لا يرجع؛ لأن قبض المشتري قبض ضمان بمنزلة الغصب. ألا ترى أن في بيع المقايَضة إذا استحق أحد العوضين أو ردّه بالعيب (٢)، وقد هلك الآخر عند صاحبه، كان للمستحقّ عليه، والرادّ بالعيب أن يرجعَ على صاحبه بقيمة الهالك، فثبَت أن قبض المشتري قبض ضمان، فكان بمنزلة الغصب. أمّا قبض الموهوب له قبضُ أمانة بمنزلة الوديعة، ولهذا لو هلك الموهوب حتى بطل حقّ الراهب في العين، لا يرجع عليه بشيء، والغاصب إذا ضمن لا يرجع على مودعه، فكذلك هنا، وفيما سِوى ذلك الهبة بمنزلة البيع. هذا إذا كانت الجناية بعد البيع، فإن جنَت قبل البيع، ثم باعها، وسلّمها إلى المشتري، وهو يعلم بالجناية، أو لا يعلم، ثم استحقّت بالبينة، فإن كانت قائمة أخذها المستحق، ويخاطب بالدفع أو الفداء كما هو حكم جناية المملوك (٣). وأيّما فعل لا يرجع على المشتري؛ لأنها غصبها مشغولةً بالجناية، وردّها مشغولةً، فبرئ عن الضمان، ويرجع على البائع؛ لأنه لحِقَه غرم بسببٍ كان عند البائع، فيرجع عليه بالأقل.

стр. 1370

وإن كانت الجارية هلكت عند المشتري، ثم استحقت يرجع المستحق بقيمتها على أيّهما شاء، لأن كل واحد منهما غاصب في حقّه. فإن ضمن البائع نفذ البيع، وسلّمت القيمة للمستحق، لا حقَّ لوليّ الجناية فيها؛ لأن البائع ضمن القيمة من وقت الغصب فكانت القيمة واجبة قبل الجناية فلا يتحول إليها الجناية (١)، ثم يضمن البائع قيمة أخرى لأولياء الجناية؛ لأن البائع (٢) ملكها من وقت الغصب، فظهر أن الجناية كانت في ملك البائع، وقد أخرجها عن ملكه بالبيع على وجهٍ لا يصير مختارا للفداء. أما إذا لم يكن عالما بالجناية فظاهر، وإن كان عالما فكذلك؛ لأنه لم يكن مالكا وقت البيع ظاهرا، واخيار الفداء لا يتحقّق إلا من المالك، فإذا أخرجها عن ملكه على وجه لا يصير مختارا، كان عليه القيمة لأولياء الجناية. وإن ضمن المستحق المشتري، بطل البيع، ويرجع المشتري بالثمن على البائع لما مرّ، ولا تسلم القيمة للمستحق، بل يدفعها إلى وليّ الجناية؛ لأنها بدل جارية مشغولة بالجناية، فتتحوّل إليها الجناية. ثم يرجع المستحق على البائع بقيمة أخرى، لا على المشتري؛ لأنه أخذ جارية مشغولة، وردّ قيمة مشغولة، فيخرج عن الضمان، وإنما يرجع على البائع؛ لأن القيمة استحقّت من يده بسبب كان في ضمانه، فيرجع عليه بالقيمة، والهبة في هذا بمنزلة البيع إلا أنه إذا ضمن الواهب لا يرجع على الموهوب له.
следующие страницы →