← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

المستحق، فإذا ضمّن المستحق قيمتها، فقد ملكها بالقيمة، فيكون نقضًا للبيع السابق، ولأنه لما ملكها من جهة المستحق، فقد طرأ المِلك الباتّ على الملك الموقوف فيبطله. وإذا انتقض البيع بينهما، يرجع المشتري بالثمن على البائع، وإنما يدفع القيمةَ إلى أولياء الجناية؛ لأن المشتري ملكها بأداء الضمان مستندا إلى وقت قبضه من البائع، والجناية كانت بعد القبض، فلا تتحوّل إلى هذه القيمة، كما في تضمين البائع. ووجه ما ذكر في الكتاب: أن زوال المغصوب عن ملك المالك يقتصر على التضمين في حق غير المالك والغاصب، وإذا اقتصر كان التضمين بمنزلة ابتداء التمليك بعد الجناية، فتتحوّل الجناية إلى بدلها، وإنما بطلت الجناية في تضمين البائع؛ لأنه لما ضمن البائع، ثبت الملك له من وقت الغصب من وجهٍ، والملك من وجهٍ يكفي لنفاذ البيع كملك المكاتب. وإذا حكمنا بنفاذ البيع لم يكن التضمين تمليكا مبتدأ بعد الجناية، فكانت الجناية حاصلة على ملك المشتري، فكانت القيمة بدل ملك فارغ، لا بدل ملك مشغول. أما هنا لم يتعلق بالاستناد حكم شرعيّ يمنعنا من الاقتصاد، فبقي التضمين تمليكا مبتدأ بعد الجناية، فيتحوّل إلى القيمة، فيؤمر بالدفع إلى أولياء الجناية، ثم يرجع عليه بقيمة أخرى؛ لأن المشتري قبض جاريةً فارغة، فلا يبرأ بردّ قيمةٍ مشغولة. فإذا استحقّت القيمة من يد المستحق بسبب كان عند المشتري، صار كأنه لم يردّ، فيرجع عليه بقيمة أخرى، فإن قال المستحقّ: أنا أَرجع بالقيمة الأخرى على البائع، لا على المشتري، لم يكن له ذلك، لأن اختياره تضمين المشتري كان إبراء للبائع. ولو لم تمُت الجارية عند المشتري لكنها أبقَت من يده ثم استحقت، كان المستحق بالخيار لما قلنا، فإن ضمن البائع نفذ البيع، وبطل حقّ وليّ الجناية لما قلنا في المسألة الأولى، فإن عادت من الإباق، عادت على ملك المشتري لنفاذ البيع، ويخاطب المشتري

стр. 1367

بالدفع أو الفداء، لأن الجناية حصلت على ملك المشتري، فيخاطب بالدفع أو الفداء، كما هو حكم جناية المملوك. وإن اختار المستحق تضمين المشتري، دفع المستحق القيمة إلى أولياء الجناية، ثم يرجع عليه بقيمة أخرى لما مرّ. ولا يقال: إذا ضمن المشتري، فقد ملكها منه بعد العلم بالجناية، فوجب أن يصير مختارًا للفداء؛ لأنا نقول بلى! ملكها بعد الجناية لكنه عاجز عن الدفع، فلا يصير مختارا للفداء. فإن أخذ المستحق القيمة من المشتري، أو لم يأخذ حتى عادت الجارية من الإباق، عادت على ملك المشتري، لا سبيل لوليّ الجناية عليها؛ لأن القاضي لما قضى على المشتري بالقيمة للمستحق، فقد قضى بهلاك الجارية ببدل، وتحوّل حق وليّ الجناية إلى بدلها، فلا يتغيّر بعد ذلك. وإن كانت الجارية قائمة في يد المشتري، ولم تمُت، ولم تأبق، حتى جاء رجل، وادّعاها، وقضى القاضي للمستحق، بطل البيع، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، كما هو الحكم في استحقاق المبيع. ويقال للمستحق: ادفع الجارية بالجناية، أو أفدها؛ لأنه لما ثبت الاستحقاق، ظهر أنها جنَت في ملكه (١)، وهو قادر على الدفع، فيخاطب بالدفع أو الفداء، وأيّهما فعَل يرجع بالأقل من قيمتها ومن أرش الجناية، إن شاء على البائع، أو على المشتري. أما الرجوع بالأقل؛ لأنه كان يتخلّص بالأقل، وإنما لزمته الزيادة باختياره، فلا

стр. 1368

يرجع بها على غيره، وإنما يخيّر في الرجوع على البائع أو المشتري؛ لأن كلّ واحد منهما غصب منه جاريةً فارغةً، وردّها مشغولة بالجناية، فيجعل كان لم يردّ. فإن رجع على المشتري، لا يرجع المشتري على البائع بما ضمن؛ لأنه ضمن بجناية كانت عنده، فلا يرجع على غيره، وإن رجع على البائع، يرجع هو على المشتري بما غرم؛ لأن البائع غاصب، والمشتري غاصب الغاصب؛ لأن البائع إنما رضي بقبض المشتري بجهة البيع يشرط سلامة الثمن له، فإذا انتقض البيع بينهما، ولم يسلم له الثمن، بقي القبض بغير إذنه، فيكون بمنزلة غاصب الغاصب، والغاصب إذا ضمن، يرجع على غاصب الغاصب، أما غاصب الغاصب لا يرجع على أحد. الفصل الثاني: وهو فصل الهبة: (رجل وهب لرجل جاريةً، وقبضها الموهوب له، فقتَلت عنده قتيلا، ثم ماتت، ثم استحقها رجل بالبينة كان المستحق بالخيار (١)، فإن شاء ضمن الواهب، وإن شاء ضمن الموهوب له)؛ لأن كل واحد منهما غاصب في حقه، وأيّهما ضمن لا يرجع على صاحبه. أما الموهوب له؛ فلأنه ضمن بفعل باشَره لنفسه، وهو القبض على جهة التمليك، فلا يرجع على غيره، وإنما يرجع المشتري على البائع بالثمن؛ لأنه تملّكها بعوض، فإذا استحقّ المبيع من يده معنى، يرجع بالثمن، أمّا الموهوب له تملّكها بغير عوض، فلا يرجع على أحد، وإن ضمن الواهب لا يرجع الواهب على الموهوب له. فرّق بينه وبين البيع، فإن ثمّة إذا كانت الجارية قائمة، وأخذها المستحقّ، يخاطب

стр. 1369

بالدفع أو الفداء ثم يرجع بالأقل. على أيهما شاء، فإن رجع على البائع (١)، رجع البائع على المشتري، والواهب لا يرجع؛ لأن قبض المشتري قبض ضمان بمنزلة الغصب. ألا ترى أن في بيع المقايَضة إذا استحق أحد العوضين أو ردّه بالعيب (٢)، وقد هلك الآخر عند صاحبه، كان للمستحقّ عليه، والرادّ بالعيب أن يرجعَ على صاحبه بقيمة الهالك، فثبَت أن قبض المشتري قبض ضمان، فكان بمنزلة الغصب. أمّا قبض الموهوب له قبضُ أمانة بمنزلة الوديعة، ولهذا لو هلك الموهوب حتى بطل حقّ الراهب في العين، لا يرجع عليه بشيء، والغاصب إذا ضمن لا يرجع على مودعه، فكذلك هنا، وفيما سِوى ذلك الهبة بمنزلة البيع. هذا إذا كانت الجناية بعد البيع، فإن جنَت قبل البيع، ثم باعها، وسلّمها إلى المشتري، وهو يعلم بالجناية، أو لا يعلم، ثم استحقّت بالبينة، فإن كانت قائمة أخذها المستحق، ويخاطب بالدفع أو الفداء كما هو حكم جناية المملوك (٣). وأيّما فعل لا يرجع على المشتري؛ لأنها غصبها مشغولةً بالجناية، وردّها مشغولةً، فبرئ عن الضمان، ويرجع على البائع؛ لأنه لحِقَه غرم بسببٍ كان عند البائع، فيرجع عليه بالأقل.

стр. 1370

وإن كانت الجارية هلكت عند المشتري، ثم استحقت يرجع المستحق بقيمتها على أيّهما شاء، لأن كل واحد منهما غاصب في حقّه. فإن ضمن البائع نفذ البيع، وسلّمت القيمة للمستحق، لا حقَّ لوليّ الجناية فيها؛ لأن البائع ضمن القيمة من وقت الغصب فكانت القيمة واجبة قبل الجناية فلا يتحول إليها الجناية (١)، ثم يضمن البائع قيمة أخرى لأولياء الجناية؛ لأن البائع (٢) ملكها من وقت الغصب، فظهر أن الجناية كانت في ملك البائع، وقد أخرجها عن ملكه بالبيع على وجهٍ لا يصير مختارا للفداء. أما إذا لم يكن عالما بالجناية فظاهر، وإن كان عالما فكذلك؛ لأنه لم يكن مالكا وقت البيع ظاهرا، واخيار الفداء لا يتحقّق إلا من المالك، فإذا أخرجها عن ملكه على وجه لا يصير مختارا، كان عليه القيمة لأولياء الجناية. وإن ضمن المستحق المشتري، بطل البيع، ويرجع المشتري بالثمن على البائع لما مرّ، ولا تسلم القيمة للمستحق، بل يدفعها إلى وليّ الجناية؛ لأنها بدل جارية مشغولة بالجناية، فتتحوّل إليها الجناية. ثم يرجع المستحق على البائع بقيمة أخرى، لا على المشتري؛ لأنه أخذ جارية مشغولة، وردّ قيمة مشغولة، فيخرج عن الضمان، وإنما يرجع على البائع؛ لأن القيمة استحقّت من يده بسبب كان في ضمانه، فيرجع عليه بالقيمة، والهبة في هذا بمنزلة البيع إلا أنه إذا ضمن الواهب لا يرجع على الموهوب له.

стр. 1371

وإن ضمن الموهوب له، ودفع القيمة إلى أولياء الجناية، يرجع على الواهب بقيمة أخرى؛ لأنه قبضها فارغةً، فلا يبرئ بردّ قيمة مشغولة. وأما فصل الغصب: رجل غصب جاريةً، فغصبها منه آخر، فقَتلت عند الثاني قتيلا خطأ، ثم ماتت، واستحقها (١)، كان له أن يضمن قيمتها أيّهما شاء لوجود سبب الضمان من كل واحد منهما، وهو الغصب، فإن ضمن أحدهما كل القيمة، لا يبقى له ولاية تضمين الثاني؛ لما عرف. وإن ضمن أحدَهما نصف القيمة، أو ثلثها، أو ربعها كان له أن يضمن الثاني ما بقي من القيمة؛ لأنه ملك الأولَ قدر ما ضمن، فملك تمليك الباقي من غيره. فإن ضمن الأول كل القيمة دفعها إلى وليّ الجناية، لأن التضمين في حق وليّ الجناية تمليك مبتدأ بعد الجناية، إلا إذا اتصل بالإسناد حكم شرعيّ، ولم يتصل هنا، فكان تضمين الأول في حق وليّ الجناية كتضمين الثاني. ولو ضمن الثاني لا تسلم له القيمة، بل يدفعها إلى وليّ الجناية؛ لأنها بدل جارية مشغولة، فكذا إذا ضمن الأول، ثم يرجع المالك (٢) على الغاصب الأول بقيمة أخرى؛ لأن القيمة الأولى استحقّت من يده بسبب كان في ضمان الأول؛ لأنها لا تخرج عن ضمان الأول بغصب الثاني.

стр. 1372

وإن أراد المستحق أن يرجع بالقيمة الثانية على الغاصب الثاني، لا على الأول، لم يكن له ذلك؛ لأن اختياره تضمين الأول، تضمن إبراء الثاني، فلا يرجع على الثاني، بل يرجع على الأول، ثم الأول يرجع على الغاصب (١) الثاني بالقيمتين. أما القيمة الأولى فلأن الغاصب (٢) الأول ملكها بالضمان، فكان الثاني غاصبًا مال الأول، وقد هلكت عنده، فيرجع عليه بقيمة ملكه، وأما القيمة الثانية فلأنها وجبت على الغاصب الأول بجناية كانت عند الثاني، فيرجع بها عليه. وإن اختار المستحق تضمين الثاني أولًا، يدفع القيمة إلى أولياء الجناية؛ لما ذكرنا؛ ثم يرجع عليه بقيمة أخرى، وليس له أن يرجع بالقيمة الثانية على الأول؛ لأن تضمينه تضمن إبراء الأول. ولو لم تمُت الجارية عند الغاصب (٣) الثاني حتى أخذها المستحق، ودفعها إلى أولياء الجناية؛ كان (٤) له أن يرجع بقيمتها، إما على الأول أو على الثاني؛ لأنها استحقت عليه بجناية كانت في ضمانها فإن رجع بها على الأول بها على الثاني لأن الثاني حصتها (٥) فارغة، وردها مشغولةً فلا يبرئ بردها (٦)، وإن رجع المستحق بقيمتها على الثاني، لا يرجع الثاني على الأول.

стр. 1373

ولو كانت الجناية عند الأول، فغصبها الثاني، وماتت عنده ضمّن المولى أيهما شاء، فإن ضمن الثاني قيمتها، ودفع إلى أولياء الجناية، يرجع بقيمة أخرى على الغاصب الأول دون الثاني؛ لأن الثاني غصَبها مشغولة، ورد قيمة مشغولة، فيبرئ، أما الأول غصبها فارغةً، فكان للمولى أن يرجع عليه بضمان الجناية (١). وإن اختار المستحق تضمين الغاصب الأول دفع القيمةَ إلى أولياء الجناية؛ لأن التضمين تمليك مبتدأ في حق ولي الجناية، ثم يرجع بقيمة أخرى على الأول؛ لما عرف. ثم الغاصب (٢) الأول يرجع على الغاصب (٦) الثاني بقيمة واحدة؛ لأنه ملكها بالضمان، وغصبها منه الثاني، وهلكت عنده، فيرجع عليه بقيمتها، أما القيمة الأخرى وجبت على الأول بجناية كانت عند الغاصب الأول، فلا يرجع بها على غيره. ولو لم تمُت عند الثاني حتى أخذها المولى من الثاني واختار الدفع أو الفداء (٣) يرجع بالأقل على الغاصب (٤) الأول، لأن الجناية كانت في يده، ثم لا يرجع الأول على الثاني، لأن ما وجب على الأول وجب بجناية كانت عنده، فلا يرجع بذلك على غيره. ولو كانت الجناية عند الغاصب الثاني، ثم جاء المولى (٥) وأخذها، ودفع أو فدى يرجع بالأقل على أيهما شاء لوجود الجناية في ضمانهما، لأن بغَصْب الثاني لا تَخرج الجاريةُ عن ضمان الأول، فإن رجع على الأول، يرجع هو على الثاني؛ لوجود الجناية في

стр. 1374

يده، وإن رجع على الثاني، لا يرجع هو على الأول؛ لما تقدم. وأما فصل الوديعة: رجل غصب جارية، وأودَعها رجلًا، فقتَلت عنده قتيلا خطأ، ثم ماتت، في مستحق واستحقها بالبينة (١) فهو بالخيار، يضمن أيهما شاء؛ لأن كل واحد منهما غاصب في حقه. وهذا والغصب سواء، إلا في خصال ثلاثة: أحدها: أن هناك إذا ضمن الغاصب لا يرجع على مودعه؛ لأنه ملكها بأداء الضمان، فيصير مودعًا مالَ نفسه. والثاني: أنه إذا اختار المستحق تضمين المودَع (٢)، يدفع القيمة إلى أولياء الجناية، ثم يرجع عليه بقيمة أخرى، ثم المودع يرجع بجميع ما غرم على الغاصب؛ لأنه عامل له، فيرجع عليه بجميع ما غرم، فإن قال المستحق: أنا أرجع بالقيمة الثانية على الغاصب لم يكن له ذلك، كما في الغصب. فإن قيل: ينبغي أن يكون له ذلك؛ لأن الملك في المغصوب عند تضمين المودع يثبت للغاصب؛ لأن قرار الضمان عليه، فلم يكن تضمين المودع تمليكا للمغصوب من المودع، حتى يمتنع تضمين الغاصب. قلنا: المودَع في حق المستحق بمنزلة غاصب الغاصب، وفي حق الغاصب لما كان قرار الضمان عليه، كان المودع عند تضمينه بمنزلة الوكيل بالشراء، فإذا ضمن المودع،

стр. 1375

ويثبت الملك في المغصوب للغاصب بسبب باشره المودَع، وهو أداء الضمان، فلو رجع المستحق بالقيمة الثانية على الغاصب، يصير الغاصب مالكا بسبب باشره بنفسه، وبعد ما ملكه بسبب باشره وكيله لا يتصور تملكه بفعل باشره بنفسه، كما لو وكل إنسانا بشراء شيء، فاشتراه الوكيل، ثم اشتراه الموكل بنفسه لا يصح، كذلك هنا. والخصلة الثالثة: أنها لو أبقت من المودع، ثم عادت من الإباق بعد التضمين، عادت على ملك الغاصب في الأحوال كلها؛ لأن قرار الضمان على الغاصب. وأما فصل القتل: رجل غصب عبدًا قيمته ألف درهم، فازدادت قيمته، وبلغت ألفي درهم، فقتَل عنده قتيلا خطأ، ثم جاء رجل وقتله (١) خطأ، ثم استحق، فالمستحق بالخيار، إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب ألف درهم حالة، وإن شاء ضمن عاقلة القاتل قيمته يوم القتل ألفي درهم لكن (٢) في ثلاث سنين؛ لأن الغصب والقتل كلاهما وجدا على ملكه. وفي التخيير فائدة لاختلاف الواجب، واختلاف من وجب عليه، فضمان الغصب قيمته يوم الغصب حالّة في مال الغاصب، وضمان القتل قيمته يوم القتل على عاقلة القاتل مؤجلا في ثلاث سنين، فيخير المستحق. فإن قال الغاصب أو القاتل: أنا لا أرضى بما اختار المستحق، لا يلتفت إليه لما تقدم، فإن اختار المستحق تضمين الغاصب، يأخذ القيمة، ويدفعها إلى ولي الجناية؛ لما قلنا: إن التضمين في حق ولي الجناية بمنزلة التمليك المبتدأ.

стр. 1376

ثم يرجع عليه بقيمة أخرى؛ لأن الأولى استحقت من يده بسبب كان في ضمانه، ثم يرجع الغاصب على عاقلة القاتل؛ لأن الغاصب ملك العبد بأداء الضمان، فيصير قاتلا ملكه، فيجب على العاقلة قيمته يوم القتل ألفي درهم، فيسلم ذلك للغاصب، ولا يتصدق بشيء، لأنه غرم ألفي درهم بدفعتين، وأخذ ألفي درهم، فلا يظهر الربح. وإن اختار المستحق تضمين العاقلة يضمنهم قيمته يوم القتل (١) ألفي درهم في ثلاث سنين، وإنما تجب في ثلاث سنين، لأنه ضمان جناية الخطأ، فيكون مؤجلا، فيكون على العاقلة. أما ضمان الغصب بدل الملك، فيكون حالًا في مال الغاصب، ويأخذ من العاقلة في كل سنة ثلت القيمة، ويدفعها إلى ولي الجناية؛ لأن المأخوذ بدل رقبة كانت مشغولة بالجناية، فلا يسلم له. ولا يقال: بأن الواجب على العاقلة ضمان الدم، وحق ولي الجناية يتعلق بماليته لا ببدل الدم. لأنا نقول: الواجب بقتل العبد ضمان آدمي هو مال، وحق أولياء الجناية، كان متعلقا برقبة هي مال، فيتحول إلى بدلها، كما تُقضى ديونه من قيمته، وكلما دفع ثلث القيمة إلى أولياء الجناية، يرجع على الغاصب بثلث الألف، وهو ثلث قيمته يوم الغصب. أما الرجوع؛ لأن القيمة استحقت من يده بسبب كان في ضمانه، وهو الجناية، لكن يرجع بعد الدفع إلى أولياء الجناية لا قبله، لأن الرجوع على الغاصب حكم استحقاق ما

стр. 1377

أخذ من العاقلة، فلا يرجع ما لم يستحق. وكلما دفع ثلث الألفين إلى وليّ الجناية يرجع على الغاصب بثلث الألف، وإنما يرجع بثلث الألف، لا بالزيادة؛ لأنه مضمون عليه بقيمته يوم الغصب، والزيادة أمانة في يده، فلا يرجع بالزيادة. ولا يرجع على العاقلة ثانيًا؛ لأن القتل صادف محلا مشغولا، فتحصل لهم البراءة ببدل مشغول، ولا ترجع العاقلة على القاتل بشيء؛ لأنهم قاموا مقام القاتل بطريق التحمل عنه. فإن كانت قيمته يوم الغصب ألفًا، وقيمته حين قُتل أكثر من ألفين، وضمن المالك الغاصب ألف درهم، ودفعها إلى ولي (١) الجناية، ثم رجع عليه بألف أخرى، رجع الغاصب على العاقلة بقيمته يوم القتل؛ لما ذكرنا، ويتصدق بالفضل على الألفين؛ لأنه ربح حصل بسبب خبيث. ولو كان قاتل العبد (٢) هو الغاصب، والمسألة بحالها، فالمستحق بالخيار، إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب ألف درهم حالة، وإن شاء ضمن عاقلة الغاصب ألفي درهم في ثلاث سنين قيمته يوم القتل. أما تخيير المستحقّ لما ذكرنا من الفائدة، فإن ضمن الغاصب ألفًا دفعها إلى ولي الجناية؛ لما مر، ثم يرجع عليه بألف أخرى لما قلنا. وتبرئ العاقلة عن ضمان القتل، ولا يرجع الغاصب على عاقلته بشيء لوجهين:

стр. 1378

أحدهما: أنه ملكه بأداء الضمان، فيصير قاتلا عبدَ نفسه، والثاني: أنهم يتحملون عنه، فلا يغرمون له. وإن اختار المستحق تضمين العاقلة، وأخذ منهم القيمة يدفعها إلى وليّ الجناية، ثم يرجع على الغاصب بقيمته يوم الغصب ألف درهم؛ لأن القيمة الأولى استحقّت من يده بسبب كان في يد الغاصب، وهو الجناية، فيرجع عليه بقدر ما هو بدل الملك، وهو ضمان الغصب، ولا يرجع بالزيادة. ثم كيف يرجع المستحق على الغاصب؟ كلما يأخذ ثلث القيمة من العاقلة، ويدفع إلى وليّ الجناية، يرجع على الغاصب بثلث الألف لما قلنا. وأما فصل الغرور: رجل اشترى جارية بألف درهم، وتقابضا، فوطئها المشتري، وحبلت منه، ثم ضربت الجارية بطنها، فألقت جنينا ميتا، ثم استحقها رجل بالبينة، فإنه يأخذها وعقرها، كما هو حكم استحقاق الجارية الموطوءة، ويرجع المشتري على البائع بالثمن لانتقاض قضية (١) البيع بسبب الاستحقاق، ولا يرجع بالعقر؛ لأن الثمن بدل الملك، فإذا لم يسلم له الملك يرجع بالبدل، أما العقر بدل ما نال من لذة الوطء، وقد سلمت له اللذة، فلا يرجع بذلك على غيره. ثم يقال للمستحق: إن أمتَك قتلت ولدها، وهو حر، وغرة الجنين الحر عبد أو فرس قيمته خمسمائة درهم، فادفع أمتك بالغرة، أو افدها بها، فإن دفع أو فدى، يقال للمغرور، وهو المشتري: إنك أخذتَ بدل الولد، فسلم لك الولد من حيث المعنى.

стр. 1379

ولو قتله إنسان بعد الولادة، وأخذت الدية من القاتل، كان عليك جميع قيمته للمستحق؛ لأن ولد المغرور مضمون على المستولد بقيمته، فإذا سلم لك الغرة تغرم بحسابها من القيمة، والغرة خمسمائة درهم، وهو نصف عشر دية الغلام، أو عشر دية الجارية، فيضمن نصف عشر قيمة الجنين حيا لو كان غلاما، وعشر قيمتها حية لو كانت جارية، ثم يرجع المشتري على البائع بما غرم من قيمة الولد بحكم الغرور. ثم يرجع المستحق إن كان دفع، أو فدى بأقلهما، إن شاء على البائع، وإن شاء على المشتري لما ذكرنا أن الجارية دخلت في ضمانهما فارغة، فإذا استحقت على المولى بسبب كان في ضمانهما كان له الرجوع، فإن رجع على المشتري لم يرجع المشتري على البائع، وإن رجع على البائع يرجع البائع على المشتري؛ لأنه لما انتقض البيع، صار المشتري بمنزلة غاصب الغاصب. ثم شُرط لوجوب الغرة العمدُ في فعل الجارية، لأن معالجتها نفسها مباح مطلق، بخلاف فعل الأجنبي، وصار هذا كحَفر البئر في ملك نفسه مع الحفر في قارعة الطريق، فإن تعمدت الطرحَ يصير فعلها جناية، وكذا لو شربت دواء لطرح الولد، لأن من الأدوية ما يعمل في الطرح، إلا أنه يشترط قصد الطرح؛ لأن شرب الدواء لإصلاح البدن مباح مطلق، فلا تغرم شيئا ما لم تتعمد طرح الولد. وكذا لو وضعت شيئًا في قبلها مما يطرح به الولد، وأدخلتْه في الرحم، وسقط الجنين، وهذا أحرى أن يكون قتلا، ولا توجد هذه المسألة إلا في هذا الكتاب. والهبة في هذا بمنزلة البيع إلا في خصلتين: إحداهما: أن ما غرم الموهوب له للمستحق من أرش الجنين، لا يرجع به على الواهب، والمشتري يرجع؛ لأن الغرور إنما يوجب حق الرجوع على الغار إذا كان في عقد

стр. 1380

المعاوضة؛ لأنه ملتزم للسلامة، أما إذا لم يكن في عقد المعاوضة لا يكون ملتزما للسلامة، فلا يوجب حق الرجوع. ألا ترى أن من أخبر إنسانا بأمن الطريق، فسلك، وأخذ اللصوص ماله، لا يرجع عليه، كذلك هنا. والخصله الثانية: أن المستحق إذا رجع على الواهب بأقل مما دفع، أو فدى لا يرجع الواهب بذلك على الموهوب له، وفي البيع يرجع البائع بذلك على المشتري، لأن البائع إنما رضي بقبض المشتري بشرط أن يسلم له الثمن، فإذا لم يسلم له الثمن (١) كان المشتري في حقه بمنزلة غاصب الغاصب. أما الواهب تبرّع بالتسليم، وقبضُ الموهوب له قبض أمانة في حقه، لا قبض ضمان، وفيما سوى ذلك الهبة بمنزلة البيع. وأما فضل الوكالة: رجل غصب جارية، فأودعها رجلا، فأبقت منه، ثم استحقت، كان له الخيار يضمن أيهما شاء، فإن ضمن الغاصب برئ المودَع، وكانت الجارية ملكا للغاصب، وإن ضمن المودع كان للمودع أن يرجع على الغاصب بما ضمن؛ لأنه عامل له، وتصير الجارية بنفس تضمينه ملكا للغاصب، حتى لو أعتقها الغاصب جاز، ولو أعتقها الودع لا يجوز. ولو كانت ذا رحم محرم منه، عتقت على الغاصب دون المودع؛ لأن قرار الضمان على الغاصب، والمودع في حقه عند تضمين المستحق بمنزلة الوكيل بالشراء. فإن أخذ المستحق القيمة من المودع، ثم عادت من الإباق قبل رجوع المودع على

стр. 1381

الغاصب بما ضمن، كانت ملكا للغاصب، وللمودع أن يرجع على الغاصب بما ضمن قبل الأداء بنفسه، كالوكيل بالشراء. فإن قال المودع بعد ما عادت من الإباق: أنا آخذ الجارية بالقيمة التي ضمنت، ولا أرجع على الغاصب بالقيمة، لم يكن له ذلك لما قلنا إنه بمنزلة الوكيل بالشراء، والوكيل بالشراء لا يملك تحويل العين إلى نفسه، فكذا المودع. وإن هلكت في يده بعد العود من الإباق، تهلك أمانةً، وكان حقه في الرجوع على الغاصب كما كان، وكذا إذا ذهبت عينها عنده هلك أمانةً، كما لو وجد ذلك في يد الوكيل بالشراء قبل الحبس. فإن طلبها الغاصب من المودع من غير أن يؤدي القيمة إلى المودع، كان للمودع حق الحبس، كما يكون للوكيل بالشراء، فإن هلكت بعد الحبس، هلكت بالقيمة بالإجماع. وفي الوكيل بالشراء إذا حبس المبيع لاستيفاء الثمن، فهلك العين في يده، يهلك بالثمن عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يهلك هلاك الرهن، فيهلك بالأقل من قيمته ومن الثمن، وهنا الثمن والقيمة واحد، فلا يظهر الخلاف. وإن ذهبت عينها عنده بعد الحبس، لم يكن مضمونا، كما لو ذهبت عين المبيع في يد الوكيل بالشراء بعد الحبس؛ لأن الفائت وصفٌ، والأوصاف لا يقابلها الثمن إذا فاتت بآفة سماوية، ولكن يتخير الغاصب، إن شاء أخذها، وأدى جميع القيمة، وإن شاء ترك كما في الوكيل بالشراء. ولو كان الغاصب آجرها، أو رهنها، فهو والوديعة سواء؛ لأنها أمانة في يدهما، ومنفعة العقد تعود إلى الآجر والراهن. وإن أعارها من إنسان أو وهبها، فإن ضمن الغاصب كان الملك له، وإن ضمن

стр. 1382

المستعير، أو الموهوب له، كان الملك لهما؛ لأنهما لا يستوجبان الرجوع على الغاصب، ومنفعة قبضهما تتمحّض لهما، فكانا عاملين لأنفسهما، فكان قرار الضمان عليهما، فيكون الملك لهما. ولو كان مكانهما مشترٍ فضمن، سلمت الجارية له، وكذا لو كان مكان المشتري غاصب الغاصب، فإن ضمن الثاني ملك الجارية؛ لأنه لا يرجع على الأول، حتى لو كانت ذات رحم محرم من الأول لا تعتق. وإن ضمن الأول، ملكها الأول حتى لو كانت ذات رحم محرم من الأول (١)، عتقت عليه، وإن كانت أجنبية، كان للأول إذا ضمنه المستحق أن يرجع على الثاني؛ لأن الأول (٢) ملكها، فيصير الثاني غاصبًا ملك الأول، وللأول أن يرجع على الثاني بما ضمن قبل أن يودي ما عليه من الضمان (٣). وكذا لو أبرأه المستحق من القيمة بعد التضمين، أو وهبها له، كان للأول أن يرجع على الثاني، وهو بمنزلة من اشترى شيئا، وقبضه، ثم باعه [من غيره] (٤)، كان له أن يرجع على الثاني قبل أن يؤدي الثمن، فإن ضمن المستحق الغاصب الأول، ولم يرجع الأول على الثاني، حتى ظهرت الجارية، كانت ملكا للأول. فإن قال الغاصب (٥) الأول: أنا أرجع بالقيمة على الغاصب الثاني، وأسلم له

стр. 1383

الجارية، لم يكن له ذلك؛ لأن الثاني قدر على رد العين، فلا يجوز تضمينه، وإن كان الغاصب الأول رجع على الغاصب الثاني (١) ثم ظهرت الجارية (٢)، فهي للغاصب (٣) الثاني؛ لأن الأول لما ضمن الثاني، فقد ملك الجارية (٤) منه بقضاء القاضي، وتحوّل حقه من ألفين إلى القيمة، فلا يتحول بعد ذلك إلى الجارية. وأما فصل الكفالة: رجل ادّعى جارية في يد رجل، وجحَد المدعى عليه (٥)، فكفل بها رجل للمدعي بأمر المدعى عليه، أو بغير أمره، جازت الكفالة؛ لأنها إن كانت غصبا، فهى كفالة بالمضمون، وإن كانت وديعةً [تصير] (٦) مضمونة بالجحود، فتجوز الكفالة على كل حال. فإن أحضرها الكفيل، وسلمها إلى المدعي برئ عن الكفالة، وإن أخذها المدعى عليه بعد ذلك واستردها من المدعي (٧)؛ لأنه التزم التسليم بالكفالة، وقد سلم، وإن لم يحضرها الكفيل حتى أبقت، وأقام المدعي بينة أنها له قبلت بينته (٨)، وإن كانت الجارية (٩)

стр. 1384

غائبة؛ لأنها التحقت بالهالكة لتعذر إحضارها، وللمقضي له أن يأخذ بالقيمة؛ أيهما شاء المدعى عليه، أو الكفيل؛ لأن الكفيل قام مقام المطلوب (١)، وله أن يطالبهما، وإن طالب أحدَهما، كان له أن يطالب الآخر. فرّق بين هذا، وبين الغاصب مع غاصب الغاصب، إذا ضمن أحدهما برئ الآخر؛ لأن ضمان الغصب ضمان إتلاف المال حكما بإزالة اليد، وحكمه ثبوت الملك في المضمون، وبعد ما زالت يد المالك بالأول، لا يتصور إزالتها من الثاني. وإنما يثبت له ولاية تضمين الثاني بطريق إقامة يد الأول مقامَ يد نفسه، وإذا قامت يد الأول مقام يد المالك، برئ الأول عن الضمان ضرورة. أما الكفالة شُرعت للتوثق بضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل تحقيقا لمعنى الكفالة، وهو الضم، وإذا صارت الذمتان في حق المطالبة كذمة واحدة، كان له أن يطالبهما، ولأن تضمين الكفيل لو أوجب براءة الأصيل يوجب براءة الكفيل، لأن براءة الأصيل يوجب براءة الكفيل، فإن أخذ القيمة من المدعى عليه (٢) براءة الكفيل الأصيل، وكانت الجارية للمدعى عليه بالقيمة، وإن أخذ القيمة من الكفيل برئ الأصيل. ثم ينظر: فإن كانت الكفالة بأمر الأصيل، كانت ملكا للأصيل، لأن الكفيل يرجع على الأصيل بالقيمة التي ضمن، فكان قرار الضمان على الأصيل، وكان أداء الكفيل كأداء الأصيل، وإن كانت الكفالة بغير أمر الأصيل، كانت الجارية ملكا للكفيل؛ لأنه أدى القيمة جبرا، ولا رجوع له على الأصيل، فكان قرارًا للضمان عليه.

стр. 1385

بخلاف ما إذا قضى القاضي بالقيمة على المدعى عليه، فتبرع رجل بأداء القيمة، فإنها تكون للمدعى عليه، ولا تكون للمتبرع؛ لأن القاضي لما قضى عليه بالقيمة، وليس هناك أحدٌ سِواه يطالب بالقيمة، فقد ملك الجارية منه من غير تردد، فإذا تبرع إنسان بأداء القيمة، لا يتحول الملك عنه إلى غيره، وصار أداء المتبرع كأداء المقضيّ عليه. أما قضى عليه بالقيمة على وجه يطالب به الأصيل وغيره، فكان قضاء بثبوت الملك في الجارية لمن يستقر عليه الضمان، فإن كانت الكفالة بأمر الأصيل لم يكن للكفيل أن يرجع بالقيمة على الأصيل ما لم يؤد القيمة بنفسه، ثم إذا طولب الكفيل، كان له أن يطالب الأصيل، وإذا لوزم يلازم، وإذا أدى يرجع على الأصيل. فرّق بين هذا وبين الوكيل بالشراء، ومودع الغاصب وغاصب الغاصب، فإنهم يرجعون قبل الأداء. والفرق: أن في فصل الكفيل (١) للطالب أن يطالب الأصيل مع مطالبة الكفيل، فلو طالبه الكفيل لاجتمعت المطالبتان من شخصين على واحد بالدين الواحد، وذلك ممتنع، أما في (٢) مودَع الغاصب إذا اختار المستحق تضمين المودع، لا يبقى له ولاية مطالبة الغاصب. وكذا إذا اختار تضمين الغاصب (٣) الأول لا يبقى له ولاية تضمين الثاني، فلا يجتمع المطالبتان من شخصين على واحد بالدين الواحد.

стр. 1386

وكذلك في (١) الوكيل بالشراء، لا يملك البائع مطالبة الموكل؛ لأن حقوق العقد (٢) ترجع إلى العاقد، لا إلى الموكل، فلو رجع الوكيل على الموكل قبل الأداء، لا يؤدي إلى ما قلنا. فإن قضى القاضي بالقيمة على المدّعى عليه، ثم ظهرت الجارية، لم يكن للمدعي أن يأخذ الجارية (٣)؛ لأنها زالت عن ملكه بقضاء القاضي بالقيمة. فإن وهب الطالب القيمة للكفيل، رجع الكفيل على الأصيل إن كانت الكفالة بأمر الأصيل، وكانت الجارية للأصيل، وإن كانت الكفاية (٤) بغير أمره، كانت الجارية للكفيل، وبرئ الأصيل، وإن أبرأ الكفيل، لا يرجع الكفيل على الأصيل، وكان (٥) للمدعي أن يطالب الأصيل بدَينه، لأن الهبة تمليك، ومجرد المطالبة لا يقبل التمليك، إنما يقبله الدين. فإذا وهب من الكفيل، ولا دين عليه، انتقل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمته، وانقلبت الكفالة حَوالةً مقتضى صحة الهبة. ولو احتال بأمره، ولا دين عليه، فوهب المحتال (٦) المال من المحتال عليه، رجع المحتال عليه على المحيل، فكذا إذا انقلبت الكفالة حوالةً، وصار هذا (٧) كما لو أدى

стр. 1387

الكفيل، وملك ما في ذمته، يرجع على الأصيل، ويبرأ الأصيل عن دين الطالب، كذا هاهنا (١). أما إبراء الكفيل إسقاط محض، ليس فيه معنى التمليك، ولهذا قلنا: إن الهبة من الكفيل ترتد بالرد، وإبراء الكفيل لا يرتد بالرد، وإذا كان إبراء الكفيل إسقاطا للمطالبة، وإخراجا للكفيل من الكفالة (٢)، بقي الدين في ذمة الأصيل على حاله، ولا يكون للكفيل أن يرجع على الأصيل بشيء (٣). فرق بين إبراء الكفيل، وبين إبراء الوكيل بالشراء إذا أبرأ الوكيل، كان للوكيل أن يرجع (٤) على الموكل؛ لأن إبراء الوكيل تمليك بمنزلة الهبة، ولهذا يرتد بالرد، وإبراء الكفيل لا يرتد بالرد. ولو أبرأ الطالب الأصيلَ عن القيمة بعد ما قضى القاضي عليه بالقيمة، برئ الكفيل لأن براءة الأصيل وجب براءة الكفيل (٥)، وتكون الجارية للأصيل؛ لأن القاضي قضى عليه بالقيمة، وتقرر بالإبراء. ولو أبرأهما جميعًا (٦) كانت الجارية للأصيل، سواء كانت الكفالة بأمر أو بغير أمرٍ، لأنها تملك بالضمان، وملك الضمان ثبت للأصيل، لما قلنا: إن إبراء الأصيل تمليك،

стр. 1388

وإبراء الكفيل ليس بتمليك. ولو لم يبرئ واحدا منهما حتى أدى الكفيل القيمة، وثبت له حق الرجوع على الأصيل، فأراد الكفيل أن يحبس الجارية (١) عن الأصيل لاستيفاء القيمة، لم يكن له ذلك. فرّق بين هذا وبين ما مرّ من فصل الوديعة وغيرها (٢)، والفرق أن هاهنا (٣) القيمة في ذمة الأصل بقضاء القاضي، وإنما ملكها الأصيل بسبب باشَره بنفسه، فلم يصر الكفيل بمنزلة الوكيل بالشراء. أما في فصل (٤) الوديعة عند اختيار المستحق تضمين المودع، لا تجب القيمة في ذمة الغاصب بقضاء القاضي، وإنما ثبت الملك للغاصب في الجارية بسبب باشره المودع، فكان المودع بمنزلة الوكيل بالشراء، فيملك حبس الجارية بالثمن. فإن كانت الجارية ذات رحم محرم من الأصيل، فإن كانت الكفالة بأمر الأصيل، عتقت على كل حال؛ لأن (٥) قرار الضمان على الأصيل، وإن كانت الكفالة (٦) بغير أمره، فإن ضمن الأصيل عتقت، وإن ضمن الكفيل لا تعتق، لأنها مملوكة للكفيل (٧) لقرار

стр. 1389

الضمان عليه. وإن كانت ذات رحم محرم من الكفيل، فإن كانت الكفالة بأمره لا تعتق بحال ما؛ لأن قرار الضمان على الأصيل، وإن كانت بغير أمر، فإن ضمن الكفيل عتقت لقرار الضمان عليه، وإن ضمن الأصيل لا تعتق. وإن كانت ذات رحم محرم منهما عتقت؛ لأنها مملوكة للقريب قطعا، فإن كانت الكفالة بأمر، كان الولاء للأصيل؛ لأنها عتقت عليه، وإن كانت الكفالة (١) بغير أمر، فأيهما ضمن كان الولاء له. وهذا بخلاف ما إذا أوصى بأمة لإنسان (٢)، هي ذات رحم محرم من الموصى له، ومن وارث الميت أيضًا بأن ملك أمة، لها ابن حر من أبيه، ولها ابن حر (٣) آخر من رجل آخر، فأوصى لها لابنها (٤) الذي هو من الأخير، فمات الموصي عن ابن الأمة الذي هو أخوه لأمه، فإنها لا تعتق في الحال، حتى يرد الوصية، أو [يقبلها] (٥)، وإن كانت هي (٦) تخرج من الثلث؛ لأن الموصى له لا يملك الموصى به إلا بالقبول حقيقةً أو حكما، بأن مات قبل القبول، والوارث لا يملك أيضًا لمكان الوصية، فتبقى على ملك الميت إلى أن يرد أو يقبل.

стр. 1390

أما هنا القاضي لما قضى بالقيمة للمستحق، فقد أزال ملكه إلى أحدهما، فيعتق، ويتوقف الولاء، إن استقر الملك للكفيل كان الولاء له، وإن استقر للأصيل كان الولاء له. ثم فرع على ما إذا كانت أجنبية، وكانت الكفالة بغير أمر، فقال: إن أعتقها أحدهما لا تعتق ما لم يوجد الأداء، فإن أدى الذي أعتقها عتقت لاستقرار الملك له بسبب سابق على الإعتاق، وهو قضاء القاضي (١) بالقيمة، كالتركة المستغرقة بالدين إذا أعتق الوارث منها عبدا، ثم سقط [الدين] (٢) بالإبراء أو نحو ذلك (٣) ينفذ إعتاق الوارث (٤)، فكذا هنا. وإن أدّى غير المعتق لا تعتق؛ لأنها لم تصر ملكا للمعتق، وإن أعتقاها جميعًا (٥) عتقت لوجود الإعتاق من المالك؛ لأن أحدهما مالك قطعا، وولاءها (٦) موقوف، فأيهما أدّى القيمة كان الولاء له، وإن أدّيا معًا كان الولاء بينهما، وإن أعتقاها، ثم أدى أحدهما نصف القيمة قبل الآخر، عتق عليه النصف، فإن أدى الآخر النصفَ الآخر، عتق النصف الباقي عليه، ولا ضمان عليه، ولا سعاية في قول (٧) أبي حنيفة ﵀؛ لأن عنده

стр. 1391

العتق يتجزّأ، فكان حكمه حكم (١) عبدين اثنين أعتق أحدهما نصفه، ثم أعتق الآخر النصف الباقي. وعند أبي يوسف ومحمد (٢) رحمهما الله: إذا أدّى أحدهما النصف عتق كله من جهته، فيضمن للآخر نصف قيمته إن كان موسرا، ويسعى العبد إن كان معسرا؛ لأن عندهما العتق لا يتجزأ، فإذا أعتق النصف، على الأول عتق الكل. وإن أعتقها المستحق بعد ما قضى القاضي له بالقيمة لم يجز؛ لأنها زالت عن ملكه، وإنما الجهالة في المتملّك، فلا يصح إعتاقه، كما لو (٣) باع عبدا على أن المشتري بالخيار ثلاثة أيام، ثم أعتقه البائع كان باطلا. ولو لم يعتقها أحد (٤) حتى باعها الأصيل أو الكفيل بعد ما قضى القاضي (٥) بالقيمة للمستحق، ثم أدّى البائع قيمتها نفذ بيعه؛ لأنه باع بعد تمام سبب الملك، وهو قضاء القاضي بالقيمة (٦) فإذا ثبت الملك عند الأداء استند إلى وقت سببه وهو قضاء القاضي بالقيمة (٧)، فيصير بائعًا ملك نفسه من وجه وذلك يكفي لنفاذ البيع (٨)، [فينفذ] (٩)،

стр. 1392

كالتركة المستغرقة بالدين إذا باع الوارث منها شيئًا، ثم سقط دين الميت (١) بالإبراء ونحوه، ينفذ بيع الوارث (٢). وإن أدّى قيمتها (٣) عن البائع بطل بيع [الوارث] (٤)؛ لأنها صارت ملكا لمن أدّى القيمة، وطَريان الملك الباتّ على الملك الموقوف يبطل الموقوف. ولو أعتقها أحدهما، ثم قتلها رجل خطأ، فإن أدّى المعتق القيمة كان على عاقلة القاتل قيمتها لورثة الجارية؛ لأنها قتلت خطأ، وهي متردّدة الحال بين أن تعتق إن أدّى المعتق القيمة، وبين أن لا تعتق إن أدّى غيره، فكانت كالمكاتبة. والمكاتب إذا قتل خطأ كان على عاقلة القاتل قيمته، وإن قتل عن وفاء، ويظهر استناد العتق في حق المقتول، حتى يكون الواجب لورثة المقتول (٥)، ولا يظهر في حق القاتل (٦) حتى تجب القيمة دون الدية، كذلك هنا. وإن قتلها عمدا لا يجب القصاص لاشتباه الوليّ عند الجناية؛ لأنه إن أدّى المعتق القيمة (٧) فوليّها المعتق، وإن أدّى الآخر فوليها الآخر، واشتباه الوليّ وقت القتل يمنع

стр. 1393

القصاص كالمكاتب إذا قتل عبدا عن وفاء، وله ورثة سوى المولى لا يجب القصاص، وتجب القيمة في مال القاتل في [ثلاث] (١) سنين؛ لأن العاقلة لا تعقل عمدا كذلك (٢). ولو قتلها المعتق عمدا، أو خطأ، ثم أدى القيمة، كان عليه قيمتها لورثتها، ولا قصاص عليه؛ لأنه لما أدّى القيمة، ظهر أنه قتل ملك نفسه، وهو بمنزلة المكاتب، ومن قتل مكاتب نفسه عمدًا أو خطأ، لا يجب القصاص، وتجب القيمة في ماله في ثلاث سنين، كذلك هنا. فإن كان وارثها المولى لا غير، لا يرثها المولى؛ لأنه قاتل، ويرثها أقرب العصبات إليه؛ لأنه لما لم يرِث يلتحق بالميت، فيكون ميراث المعتق (٣) لأقرب عصَبة المعتق. وإن لم يكن شيء مما قلنا، حتى وهب المستحق القيمة منهما جميعًا (٤) بعد ما قضى القاضي (٥) له بالقيمة، كانت الجارية لهما، لأن هبة القيمة توجب الملك لكل واحد منهما في الجارية على الانفراد، فعند الاجتماع تكون الاجارية (٦) بينهما، كما لو أدّيا القيمة.

стр. 1394

ثم عاد [محمد ﵀] (١): إلى فصل الغاصب: وغاصب الغاصب إذا أبقت الجارية (٢) من يد الثاني، فأراد المالك أن يضمن كل واحد منهما نصف القيمة، أو يضمن أحدهما الثلثين، والآخر الثلث، أو يضمنهما أرباعا، كان له ذلك اعتبارا للبعض بالكل، وإن كان فيه تفريق الملك عليهما؛ لأن الملك في المغصوب شرط وتَبع، والخيار في التضمين إلى المالك، فتَبِعه الملك، ولا يخيّر الغاصب. - والله أعلم -

стр. 1395

باب من غصب المدبّر المعروف والعبد الذي يغرم قيمته بقول الغاصب بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن المدبّر يضمن بالغصب؛ لأنه مال متقوّم كالقنّ، ولا يملك بالضمان؛ لأنه لا يحتمل النقل من ملك إلى ملك، بخلاف القنّ. والثاني: أن المال الخبيث إذا استقرّ على ملكه يُتصدّق به، لما عرف. وفي الباب فصلان: فصل في المدبر، وفصل في القن. أما الأول: [قال محمد ﵀] (١): رجل غصب مدبرا قيمته ألف درهم، فازدادت قيمته، فبلغت ألفي درهم، ثم غصبه آخر، فأبَق منه، فحضر المولى والغاصبان، كان له أن يضمن أيهما شاء. أما الأول: فلأنه أزال يده من ماله، وأما الثاني: فلأنه فوّت عليه إمكان الأخذ من الأول، فكان له للمالك (٢) أن يضمن بإقامة يد الأول مقام يد نفسه، فإن ضمن أحدهما برئ الآخر؛ لأن الواجب ضمان واحد، ولأنه لما اختار تضمين الثاني، فقد أقام يدَ الأول مقام يد نفسه، فبرئ الأول ضرورة.

стр. 1396

وإن اختار تضمين الأول لم يجعل يد الأول يد نفسه، فلم يكن فعل الثاني إزالة ليده، فبرئ عن ضمانه، فإن اختار تضمين الأول ضمنه ألف درهم (١) قيمته يوم غصب الأول (٢)؛ لأنه لم يغصب إلا ألفا. وإن اختار تضمين الثاني ضمنه ألفي درهم قيمته يوم غصب الثاني (٣)؛ لأنه اغتصب ألفي درهم (٤)، فإن ضمن الأول ألف درهم، رجع الأول على الثاني بألفي درهم؛ لأنه لما ضمن الأول، فقد أقام الأول مقام نفسه في تضمين الثاني، وقد كان للمالك أن يضمن الثاني ألفي درهم، فيثبت ذلك للغاصب (٥) الأول، ولأن الغصب إذا اتصل به التضمين يصير سببا من أسباب الملك (٦)، والمدبر مال محلّ للملك، ولهذا لو قضى القاضي بجواز بيعه نفذ قضاؤه (٧). ولو جمع بين مدبّر وقنّ، وباعهما صفقةً واحدة، جاز في القنّ، ولو لم يكن المدبر محلا للملك (٨) والبيع أصلا، كان هذا ابتداء البيع في القن بحصته من الثمن، فوجب أن لا يجوز، كما لو جمع بين حر وعبد، وباعهما صفقة واحدة، لا يجوز البيع في القن،

стр. 1397

وإذا كان المدبر (١) محلا للملك ينعقد غصبه عند التضمين (٢) سببا للملك، فإذا لم يُفد الملك لمانع، وهو التدبير، يفيد في خلفه، وهو الضمان كشاهدي الكتابة إذا رجعا عن الشهادة بعد القضاء، وضمنهما المولى، كان لهما أن يرجعا على المكاتب ببدل الكتابة، ويقومان مقام المولى في ذلك (٣)، وإن لم يملكا عين المكاتب. فإذا أخذ الأول من الثاني ألفي درهم يصنع بألف من ذلك ما شاء؛ لأنه أدّى مثلها، كأنه اشترى بالضمان فتسلم له، والألف الثانية موقوفة، لا يلزمه التصدّق بها. فرّق بين هذا وبين ما لو كان المغصوب قنا، فضمن الأول ألفا واحدا من الثاني ألفي درهم (٤)، فإنه يسلم له أحد الألفين، يتصدق بالثانية. ووجه الفرق (٥): أن في المدبر حق الغاصب الثاني عن القيمة التي دفعها إلى الأول (٦) لم ينقطع، فإن المدبّر لو عاد من الإباق يعود على ملك المولى، ويدفع القيمة التي أخذها من الغصب الأول إليه، ويردّ الأول على الثاني ما أخذ منه، فلبقاء حق الغاصب في القيمة، قلنا بأنه لا يتصدق؛ لأنه لو تصدق يغرم مثلها للثاني، فيلزمه ضمان لم يلتزم (٧)، أمّا في القنّ لو عاد من الإباق (٨) يعود على ملك الغاصب الثاني، لا على ملك

стр. 1398

المولى. فإذا انقطع حقّ الغاصب الثاني عن القيمة، استقرّ ملك الأول، وأحد الألفين ربح حصل بسبب خبيث، فيلزمه التصدّق، كمن اشترى عبدا بألف يساوي ألفين، فقتل العبد (١)، واختار المشتري اتباع القاتل، وأخذ منه ألفي درهم، يتصدق بألف، لأنه ملك القيمة ملكا تامًّا، وأحد الألفين ربح حصل في ضمان غيره، وهو البائع، فيلزمه التصدق، ويسلم له أحد الألفين؛ لأنه أدّى عوضها، كذلك هنا. فإن عاد المدبر من الإباق، أخذه مولاه لأنه (٢) لا يملك بسبب ما، فلا يملك بالغصب، ويردّ على الغاصب ما أخذ منه؛ لأنه أخذ الضمان بسبب إزالة اليد، فإذا عاد إلى يده، بطل الضمان لبطلان سببه، ويرجع الغاصب الثاني على الغاصب (٣) الأول بألفي درهم، إن كان أدّى إليه ذلك لانتقاض سبب الضمان أيضًا، وليس لواحد من الغاصبين أن يحبس المدبّر عن المولى لاسترداد الضمان. فرّق بينه وبين ما لو كان المغصوب قِنا، وأخذ المولى القيمة بقول الغاصب، وعاد العبد من الإباق، كان للمولاه (٤) أن يأخذ العبد، وللغاصب أن يحبسه لاسترداد الضمان. ووجه الفرق (٥) أن حقّ الحبس لا يثبت إلا في محله، ومحله ما هو محلٌ لثبوت

стр. 1399

ملك اليد ابتداء، والمدبر لا يحتمل ذلك، ولهذا لا يجوز رهنه، أما القنّ محل لثبوت ملك اليد، ولهذا يصحّ رهنه. فإن كان المولى اختار (١) تضمين الأول، وقضى القاضي له بالقيمة، فقبضها أو لم يقبض حتى عاد المدبر من الإباق إلى (يد) (٢) الثاني، كان للمولى أن يأخذه لما قلنا (٣)، فإن مات في يد الثاني قبل أن يطالبه المولى بالردّ، لم يكن للمولى أن يضمن الثاني، لأن الغاصب ما أحدث فيه سبب الضمان بعد ما عاد من الإباق، فلو ضمنه لَضمنه بالغصب الأول، وقد برئ الثاني عن المولى (٤) حين اختار المولى تضمين الأول. وكذا لو كان المولى (٥) اختار تضمين الثاني أوّلا، ثم عاد من الإباق إلى يد الأول، ومات عنده، لم يكن للمولى (٦) أن يضمّن الغاصب (٧) الأول؛ لأنه برئ عن ضمان الغصب الأول، وبعد ما عاد من الإباق لم يحدث فيه سبب الضمان. ولو كان المولى (٨) اختار تضمين الأول، ثم ظهر المدبر في يد الثاني، فطالبه المولى

стр. 1400

بالردّ، فمنعه حتى مات، أو أبق ثانيا، فللمولى أن يردّ القيمة على الغاصب (١) الأول، ويضمن الثاني قيمته يوم المنع ألفي درهم؛ لأنه لما منعه من المولى بعد الطلب صار غاصبا غصبًا مبتدأ، فيضمن قيمته يوم المنع، لكن يردّ المولى القيمة على الغاصب الأول أولا، ثم يضمن الثاني، كيلا يجتمع البدلان عنده عن مبدل واحد. وكذا لو لم يطالبه المولى بالردّ، ولم يمنعه حتى قتله الثاني خطأ، كان للمولى (٢) أن يردّ القيمة على الغاصب (٣) الأول، ويضمن عاقلة الثاني ألفي درهم في ثلاث سنين، لأنه جدّد سبب الضمان، فالبراءة عن ضمان الغصب الأول، لا توجب البراءة عن ضمان القتل. وعن أبي يوسف: أنه ليس للمولى أن يضمن عاقلة القاتل، لأن من مذهبه أن الواجب بقتل العبد ضمان المال، فلا يكون على العاقلة، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأنه ضمان الآدميّ. وإن أراد المولى أن يضمن الغاصب (٤) الثاني ألفي درهم في ماله لم يكن ذلك؛ لأن ذلك ضمان الغصب، وقد برئ عن ضمان الغصب (٥) بتضمين الأول، وإن أراد المولى أن يُرضيَ بالتضمين الأول، ويمسك القيمة التي أخذها من الأول، ولا يضمن عاقلة الثاني،

стр. 1401

كان (١) له ذلك. ولو أن المولى لم يضمن أحد الغاصبين (٢) حتى قتله الغاصب (٣) الثاني، ثم اختار المولى تضمين الأول، وهو لا يعلم بغصب الثاني ولا بقتله، صحّ تضمينه، وكان ذلك إبراء للثاني عن ضمان الغصب (٤) والجناية؛ لما قلنا: إن تضمين أحدهما إبراء للآخر، والجهالة لا تمنع صحة الإبراء. ألا ترى أنه لو أبرأ غريمه عن ما عليه، ولا يعلم بذلك، صحّت البراءة، وذكر في الرجوع عن الشهادات: إذا شهد شاهدان بالكتابة، وقضى القاضي بذلك، ثم رجعا، ولم يعلم المولى برجوعهما، حتى اتبع المكاتب ببدل الكتابة، كان ذلك إبراء للشاهدين عن الضمان، كذلك هنا. ثم الغاصب الأول بالخيار، إن شاء ضمن الثاني قيمته ألفي درهم في ماله بالغصب، وإن شاء ضمن عاقلة الثاني بالقتل ألفي درهم في ثلاث سنين؛ لأن الملك ظهر في حق البدل، إن لم يظهر في نفس المدبر، وأيهما اختار بطل الآخر؛ لتعذر الجمع بين الضمانين. وأما الفصل الثاني: رجل غصب عبدا قنّا يساوى ألف درهم، فزادت قيمته في يده، فصار يساوى ألفي درهم، ثم غصبه آخر، فأبَق منه، ثم اختصموا إلى القاضي فقال المولى: غصبه الأول

стр. 1402

وقيمته ألف، وغصبه الثاني وقيمته ألفان، وقال الغاصب الأول: لا، بل غصبته وقيمته خمسمائة، وزادت في يدى، قصار يساوى ألفي درهم، فغصبته، وصدّقه الثاني، فالقول قول المولى، وله الخيار، إن شاء ضمن الأول ألف درهم (١)، وإن شاء ضمن الثاني ألفي درهم (٢). أما له أن يضمن الثاني ألفي درهم (٣)؛ لأنهم تصادقوا على أنّ الثاني غصبه وقيمته ألفان، وله أن يضمن الأول ألف درهم؛ لأن الأول (٤) أقرّ بكون العبد في يده، وقيمته ألفان عند غصب الثاني، ويده يد ضمان وغصب، فما كان في يده يكون مضمونا عليه ما لم يثبت حدوثه، ولهذا لو ادّعى المولى أن قيمته كانت ألفي درهم عند غصب الأول، كان القول قوله، وإنما سقط أحد الألفين بإقراره، فبقي الآخر. ونظير هذا: ما لو اشترى عبدين بألف، وقبضهما، فهلك أحدهما، ووجد الآخر معيبا، وهو يساوى ألف درهم، فأراد أن يردّه بعيب، فقال البائع: كانت قيمته يوم البيع خمسمائة، وانقسم الثمن عليه وعلى الهالك أثلاثا، وقال المشتري؛ لا، بل كانت قيمته يوم البيع ألفا، وانقسم الثمن عليه وعلى الهالك (٥) نصفين، كان القول في ذلك (٦) قول المشتري، ويجعل الحال دليلا على ما مضى كذلك هنا.

стр. 1403

فإن ضمن الأول ألفا، رجع الأول على الثاني بألفي درهم؛ لأنه قام مقام المولى في تضمينه، فيضمنه ألفي درهم. ولو قال الغاصب (١) الأول: مع غصبتُه أنا وقيمته خمسمائة، وغصبه منى الثاني وقيمته خمسمائة، وقال المولى: لا، بل غصبه الأول وقيمته ألف، فالقول في ذلك (٢) قول الغاصبين؛ لأنهما ينكران (٣) ثبوت يدهما، وقيامها على الزيادة على خمسمائة، فكان القول قولهما مع اليمين. فإن اختار تضمين الأول، وحلفه على ما ادّعى، وأخذ منه خمسمائة درهم (٤)، ثم ظهر العبد في يد الثاني، وقيمته ألفان، كان للمولى أن يردّ على الأول ما أخذ منه، ويأخذ العبد؛ لأنه [ظهر] (٥) أنه لم يرضَ بزوال العبد عن ملكه بخمسمائة، وإنما أخذ دون حقه لفقد الحجّة، فإذا ظهر العبد، وقيمته ألفان، فإذا (٦) ظهر أنه لم يصل إليه كمال حقّه، فكان له الخيار، إن شاء رضى بتلك القيمة، وإن شاء ردّها، وأخذ العبد، كالمكره على البيع، والمشتري إذا وجد بالمبيع عيبا ونحوهما. فإن أراد المولى أن يمسك الخمسمائة، ويرجع عليه بالفضل إلى تمام الألف، ليس له ذلك؛ لأنه قدر على الأصل، والقدرة على استرداد الأصل تمنع التضمين.

стр. 1404

وإن أراد أن يردّ القيمة، ويأخذ العبد كان للغاصب أن يحبس العبد لاسترداد الضمان؛ لأنه دفع الضمان عوضًا عن ما يملك بالبيع، ويجوز رهنه، فيملك حبسه إلى أن يصل إليه الضمان، بخلاف المدبر. فإن اختار أخذ العبد بمَحضر من الغاصب الأول، ولم يقبضه حتى قتله الثاني خطأ، كان المولى بالخيار (١)، إن شاء رجع على الأول بتمام الألف، وإن شاء رجع على عاقلة الثاني بألفي درهم في ثلاث سنين، لأنه لما اختار أخذ العبد بمحضر الأول، فقد نقض تمليك العبد بقيمته، ولم يقبضه حتى قتل، فكان له الخيار، إن شاء أمضى ذلك الفسخ، وإن شاء نقضه. كما لو اشترى عبدا، وتقابضا، ثم تقايلا، ولم يتقابضا حتى قتل، كان للبائع الخيار، إن شاء أمضى [الإقالة] (٢)، واتبع القاتل، وإن شاء نقض الإقالة، كذلك هنا. فإن اختار المولى نقض الفسخ، عاد تمليك العبد بقيمته، وقد ظهر أن قيمته يوم الغصب الأول كانت ألفا، كما قال المولى، فيرجع عليه بتمام الألف، وإنما لا يرجع عليه (٣) بتمام الألف قبل القتل لقدرته على الأصل، فإذا قتل تعذّر الوصول إلى عبده، فيرجع بتمام القيمة، كما لو أقرّ الغاصب الأول أن قيمته كانت ألف يوم غصبه الأول، ولم يظهر العبد، كان له أن يضمنه تمام الألف، كذلك هنا.

стр. 1405

وأن اختار المولى إمضاء ذلك (١) الفسخ، بقي القتل جنايةً على ملك المولى، فكان له أن يرجع على عاقلة القاتل بألفي درهم في ثلاث سنين، فإن أراد المولى أن يضمن الثاني ألفي درهم في ماله، ليس له ذلك؛ لأن ذلك (٢) ضمان غصب، وقد أبرأه عن ضمان الغصب حين اختار تضمين الأول (٣). فإن نقض الفسخ، ورجع على الغاصب الأول بخمسمائة أخرى، كان (٤) الأول بالخيار، إن شاء رجع على الثاني بقيمته يوم غصبه الثاني، كما اتفقا (٥) عليه حالة، وإن شاء رجع على عاقلته بألفي درهم في ثلاث سنين؛ لأن الأول ملكه بالضمان، فتَبيّن أن السببين حصلا من الثاني على ملك الأول، فيضمنه بأيّ السببين شاء. ولو ظهر العبد عند الثاني، وقيمته ألفان، وقد كان المولى أخذ من الأول [شيئًا] (٦) بخمسمائة بقوله، فلم يختر المولى شيئا حتى قتله الغاصب (٧) الثاني خطأ، أو قتله أجنبيّ خطأ، كان للمولى أن يأخذ من الغاصب (٨) الأول تمام ألف درهم (٩) على ما ادّعى، ليس
следующие страницы →