← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

كان (١) له ذلك. ولو أن المولى لم يضمن أحد الغاصبين (٢) حتى قتله الغاصب (٣) الثاني، ثم اختار المولى تضمين الأول، وهو لا يعلم بغصب الثاني ولا بقتله، صحّ تضمينه، وكان ذلك إبراء للثاني عن ضمان الغصب (٤) والجناية؛ لما قلنا: إن تضمين أحدهما إبراء للآخر، والجهالة لا تمنع صحة الإبراء. ألا ترى أنه لو أبرأ غريمه عن ما عليه، ولا يعلم بذلك، صحّت البراءة، وذكر في الرجوع عن الشهادات: إذا شهد شاهدان بالكتابة، وقضى القاضي بذلك، ثم رجعا، ولم يعلم المولى برجوعهما، حتى اتبع المكاتب ببدل الكتابة، كان ذلك إبراء للشاهدين عن الضمان، كذلك هنا. ثم الغاصب الأول بالخيار، إن شاء ضمن الثاني قيمته ألفي درهم في ماله بالغصب، وإن شاء ضمن عاقلة الثاني بالقتل ألفي درهم في ثلاث سنين؛ لأن الملك ظهر في حق البدل، إن لم يظهر في نفس المدبر، وأيهما اختار بطل الآخر؛ لتعذر الجمع بين الضمانين. وأما الفصل الثاني: رجل غصب عبدا قنّا يساوى ألف درهم، فزادت قيمته في يده، فصار يساوى ألفي درهم، ثم غصبه آخر، فأبَق منه، ثم اختصموا إلى القاضي فقال المولى: غصبه الأول

стр. 1402

وقيمته ألف، وغصبه الثاني وقيمته ألفان، وقال الغاصب الأول: لا، بل غصبته وقيمته خمسمائة، وزادت في يدى، قصار يساوى ألفي درهم، فغصبته، وصدّقه الثاني، فالقول قول المولى، وله الخيار، إن شاء ضمن الأول ألف درهم (١)، وإن شاء ضمن الثاني ألفي درهم (٢). أما له أن يضمن الثاني ألفي درهم (٣)؛ لأنهم تصادقوا على أنّ الثاني غصبه وقيمته ألفان، وله أن يضمن الأول ألف درهم؛ لأن الأول (٤) أقرّ بكون العبد في يده، وقيمته ألفان عند غصب الثاني، ويده يد ضمان وغصب، فما كان في يده يكون مضمونا عليه ما لم يثبت حدوثه، ولهذا لو ادّعى المولى أن قيمته كانت ألفي درهم عند غصب الأول، كان القول قوله، وإنما سقط أحد الألفين بإقراره، فبقي الآخر. ونظير هذا: ما لو اشترى عبدين بألف، وقبضهما، فهلك أحدهما، ووجد الآخر معيبا، وهو يساوى ألف درهم، فأراد أن يردّه بعيب، فقال البائع: كانت قيمته يوم البيع خمسمائة، وانقسم الثمن عليه وعلى الهالك أثلاثا، وقال المشتري؛ لا، بل كانت قيمته يوم البيع ألفا، وانقسم الثمن عليه وعلى الهالك (٥) نصفين، كان القول في ذلك (٦) قول المشتري، ويجعل الحال دليلا على ما مضى كذلك هنا.

стр. 1403

فإن ضمن الأول ألفا، رجع الأول على الثاني بألفي درهم؛ لأنه قام مقام المولى في تضمينه، فيضمنه ألفي درهم. ولو قال الغاصب (١) الأول: مع غصبتُه أنا وقيمته خمسمائة، وغصبه منى الثاني وقيمته خمسمائة، وقال المولى: لا، بل غصبه الأول وقيمته ألف، فالقول في ذلك (٢) قول الغاصبين؛ لأنهما ينكران (٣) ثبوت يدهما، وقيامها على الزيادة على خمسمائة، فكان القول قولهما مع اليمين. فإن اختار تضمين الأول، وحلفه على ما ادّعى، وأخذ منه خمسمائة درهم (٤)، ثم ظهر العبد في يد الثاني، وقيمته ألفان، كان للمولى أن يردّ على الأول ما أخذ منه، ويأخذ العبد؛ لأنه [ظهر] (٥) أنه لم يرضَ بزوال العبد عن ملكه بخمسمائة، وإنما أخذ دون حقه لفقد الحجّة، فإذا ظهر العبد، وقيمته ألفان، فإذا (٦) ظهر أنه لم يصل إليه كمال حقّه، فكان له الخيار، إن شاء رضى بتلك القيمة، وإن شاء ردّها، وأخذ العبد، كالمكره على البيع، والمشتري إذا وجد بالمبيع عيبا ونحوهما. فإن أراد المولى أن يمسك الخمسمائة، ويرجع عليه بالفضل إلى تمام الألف، ليس له ذلك؛ لأنه قدر على الأصل، والقدرة على استرداد الأصل تمنع التضمين.

стр. 1404

وإن أراد أن يردّ القيمة، ويأخذ العبد كان للغاصب أن يحبس العبد لاسترداد الضمان؛ لأنه دفع الضمان عوضًا عن ما يملك بالبيع، ويجوز رهنه، فيملك حبسه إلى أن يصل إليه الضمان، بخلاف المدبر. فإن اختار أخذ العبد بمَحضر من الغاصب الأول، ولم يقبضه حتى قتله الثاني خطأ، كان المولى بالخيار (١)، إن شاء رجع على الأول بتمام الألف، وإن شاء رجع على عاقلة الثاني بألفي درهم في ثلاث سنين، لأنه لما اختار أخذ العبد بمحضر الأول، فقد نقض تمليك العبد بقيمته، ولم يقبضه حتى قتل، فكان له الخيار، إن شاء أمضى ذلك الفسخ، وإن شاء نقضه. كما لو اشترى عبدا، وتقابضا، ثم تقايلا، ولم يتقابضا حتى قتل، كان للبائع الخيار، إن شاء أمضى [الإقالة] (٢)، واتبع القاتل، وإن شاء نقض الإقالة، كذلك هنا. فإن اختار المولى نقض الفسخ، عاد تمليك العبد بقيمته، وقد ظهر أن قيمته يوم الغصب الأول كانت ألفا، كما قال المولى، فيرجع عليه بتمام الألف، وإنما لا يرجع عليه (٣) بتمام الألف قبل القتل لقدرته على الأصل، فإذا قتل تعذّر الوصول إلى عبده، فيرجع بتمام القيمة، كما لو أقرّ الغاصب الأول أن قيمته كانت ألف يوم غصبه الأول، ولم يظهر العبد، كان له أن يضمنه تمام الألف، كذلك هنا.

стр. 1405

وأن اختار المولى إمضاء ذلك (١) الفسخ، بقي القتل جنايةً على ملك المولى، فكان له أن يرجع على عاقلة القاتل بألفي درهم في ثلاث سنين، فإن أراد المولى أن يضمن الثاني ألفي درهم في ماله، ليس له ذلك؛ لأن ذلك (٢) ضمان غصب، وقد أبرأه عن ضمان الغصب حين اختار تضمين الأول (٣). فإن نقض الفسخ، ورجع على الغاصب الأول بخمسمائة أخرى، كان (٤) الأول بالخيار، إن شاء رجع على الثاني بقيمته يوم غصبه الثاني، كما اتفقا (٥) عليه حالة، وإن شاء رجع على عاقلته بألفي درهم في ثلاث سنين؛ لأن الأول ملكه بالضمان، فتَبيّن أن السببين حصلا من الثاني على ملك الأول، فيضمنه بأيّ السببين شاء. ولو ظهر العبد عند الثاني، وقيمته ألفان، وقد كان المولى أخذ من الأول [شيئًا] (٦) بخمسمائة بقوله، فلم يختر المولى شيئا حتى قتله الغاصب (٧) الثاني خطأ، أو قتله أجنبيّ خطأ، كان للمولى أن يأخذ من الغاصب (٨) الأول تمام ألف درهم (٩) على ما ادّعى، ليس

стр. 1406

له غير ذلك، حتى لو أراد أن يضمن عاقلة القاتل، لم يكن له ذلك. فرّق بين هذا وبين ما تقدم، إذا اختار المولى أخذ العبد بمحضر من الغاصب (١) الأول، ولم يقبضه حتى قتله الثاني، كان للمولى أن يرجع على عاقلة القاتل، وهاهنا ليس له ذلك. ووجه ذلك: أن الغاصب الأول ملك العبد بما أدّى من الضمان بزعمه مِلكا فاسدا، بمنزلة المشتري من المكره، كان لمولاه (٢) حق النقض، فإذا لم ينقض حتى قتل، تعذّر نقض الملك (٣) لفوات محله، فبقى حقه في القيمة، وقد ظهر أن قيمته يوم الغصب الأول (٤) كانت ألفا، كما قال المولى، فيرجع عليه بتمام الألف، فبقي القتل حاصلا على ملك الغاصب (٥) الأول، فلا يكون للمولى أن يرجع على عاقلة القاتل، وهو كما لو باع عبدا بيعا فاسدا، وسلّم، فقتل العبد أو مات يبطل حق النقض، وكان حق البائع في قيمته على المشتري (٦)، ولا سبيل له على العاقلة، كذلك هنا. أما فيما تقدم: لما اختار المولى أخذ العبد بمحضر من الغاصب (٧) الأول، فقد نقض الملك الفاسد، وعاد العبد إلى ملك المولى، فإذا لم يقبضه حتى قتل، كان له الخيار على

стр. 1407

الوجه الذي ذكرنا. والعبد (١) القنّ في هذا يفارق المدبر، فالمدبر إذا قتل، كان لمولاه (٢) أن يضمن العاقلة على كل حال؛ لأن المدبر باقٍ على ملك المولى، فكان القتل حاصلا على ملكه. ألا ترى أن الغاصب الأول، لو أعتق القنّ بعد ظهوره قبل الفسخ، جاز عتقه، وفي المدبر لا يجوز. وأمّ الولد عند أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما بمنزلة المدبر تضمن بالغصب، وعند أبي حنيفة ﵀ لا تضمن؛ لأنها غير متقوّمة عنده، والمسألة معروفة. - والله أعلم - تم كتاب الغصب (٣)

стр. 1408

كتاب الجنايات باب من الجناية التي يدعي فيها الوليّ الخطأ أو العمد فيجب له (١) الأرش بنى الباب على أصول: منها: أن القصاص إذا تعذّر استيفاءه لمعنىً من جهة الوليّ، لا يجب شيء (٢)، وإذا تعذّر لمعنىً من جهة القاتل يصار إلى الدية؛ لأن القياس يأبى وجوب المال بمقابلة النفس لفقدان المماثلة. (٣) وإنما عرفنا وجوب الدية نصًا في فصل الخطأ، والخطأ معني من جهة القاتل، فما كان في معناه كان ملحقا به (٤)، وما لا فلا. ومنها: أن القصاص إذا لم يتعلّق بفعل أحد الشريكين، كان كالخاطئ مع العامد لا يتعلق بفعل الآخر لمكان الشبهة (٥).

стр. 1409

ومنها: أن الدية وكلّ جزء منها إذا وجبَت على العاقلة، أو في مال القاتل تجب في ثلاث سنين؛ لأن عمر ﵁ قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين (١)، وكان ذلك بمَحضر من الصحابة، فكان إجماعا، وإنما يجب على كل واحد منهم جزءها (٢). إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: وليّ القتيل إذا قال لرجلين: أنتما قتلتماه (٣) معمّدا بحديدتين، فصدّقه أحدهما، وقال الآخر: أنا ضربته بالعصا، وكان ضربي إياه خطأ، فللوليّ عليهما الدية في مالهما في ثلاث سنين (٤)؛ لأنه لما ادّعي أحد القائلين (٥) الخطأ تعذّر استيفاء القصاص منه بدعواه الخطأ، وقد تصادقوا على الشركة، فإذا لم يتعلق بفعل أحدهما القصاص لا يتعلق بفعل الآخر، كالخاطئ مع العامد، ويجب الدية في

стр. 1410

مالهما (١)؛ لأن القتل ثبت بالإقرار، فلا تجب على العاقلة. وذكر في "الديات" (٢): إذا ادّعي الوليّ العمد، فأقرّ القائل بالخطأ، في القياس لا يجب شيء، وهو قول زفر (٣)، ورواية أخرى عن أبي حنيفة، وفي الاستحسان تجب الدية (٤)، ولم يذكر القياس والاستحسان ههنا. (٥) وجه القياس: أن ما ادعاه الوليّ أنكره القاتل، وما أقرّ به القاتل أنكره الوليّ، فلا يجب شيء، كما لو ادّعي الوليّ الخطأ، فأقرّ القاتل بالعمد (٦). وجه الاستحسان: أن دعواه العمدَ لا يمنع دعوى المال، لأن القصاص ينقلب مالا، فمن حجته أن يقول: كان حقّي في القصاص لكن لمّا أقررت بالخطأ، والتزمت المال، فلي أن أساعد على ذلك، وآخذ منك الدية (٧).

стр. 1411

كما لو ادّعي على رجل بيعا، فأنكر البائع البيعَ (١)، ثم صدّقه يصح تصديقه؛ لأن من حجة البائع أن يقول: لا بيع بيننا لكن لما أقررت بالبيع، والتزمت الثمن ساعدتك على ذلك، فكان بيعا مستقبلا، كذلك هنا. بخلاف ما لو ادّعي الوليّ الخطأ، فأقرّ القاتل بالعمد (٢)؛ لأن دعواه الخطأ يمنع دعوى القصاص، فإن المال لا ينقلب قصاصًا، و (٣) لا يمكنه أن يقول: "كان حقي في الدية" (٤)، لكن لمّا أقررت الدية (٥) بالقصاص، فلي أن أساعدك على ذلك. ولو كان الوليّ ادّعي الخطأ عليهما، فأقرّ أحدهما بالخطأ (٦)، والآخر بالعمد، فكذلك يقضى بالدية في مالهما (٧). فإن قيل: إذا ادّعي الوليّ الخطأ، لا يمكنه استيفاء القصاص، وإن أقرّ بالعمد، فلِم كان إحالة امتناع القصاص إلى إقرار القاتل بالخطأ أولى من إحالته إلى دعوى الوليّ، قلنا: لأن الحكم يضاف إلى الحجّة ثبوتا وامتناعا، والحجة إقرار القاتل، لا دعوى الوليّ،

стр. 1412

فلهذا أضيف إلى إقرار القاتل. ولو ادّعي الوليّ العمد عليهما، فصدّقه أحدهما في ذلك (١)، وأنكر الآخر القتل أصلا، كان للوالي (٢) أن يقتل المقرّ (٣)؛ لأنهما تصادقا على وجوب القصاص عليه، وإنكار الآخر لم يصر شبهة؛ لأن إنكاره لا يمنع وجود القتل من غيره. فإن كان الولي ادّعي (٤) الخطأ عليهما، فأقرّ أحدهما بالعمد، وجحد الآخر القتل أصلا، لا شيء على المقرّ (٥)؛ لأنه لولا دعواه الخطأ عليهما، كان له القصاص على الذي أقرّ بالعمد (٦)، وإنكار الآخر لا يورث شبهة، فإنما امتنع القصاص بدعوى الوليّ الخطأ، فلا يقضى بالدية (٧). وإن قال أحدهما: قتلته أنا وفلان عمدا بالحديد، فقال الوليّ: "قتلتَه وحدَك"، وقال فلان: "قتلته (٨) أنا والمقرّ خطأ"، له أن يقتل المقرّ بالعمد (٩)؛ لأنهما تصادقا على وجوب القصاص عليه، وشركة الآخر لم تثبت عند إنكار الوليّ، فلم تثبت الشبهة.

стр. 1413

رجل قطعت يده ورجله، ومات من ذلك، فقال رجل: أنا قطعت يده عمدا، وقطع فلان رجله عمدا، ومات من جميع ذلك، وقال الوليّ: لا، بل أنت قطعت يده ورجله عمدا، ومات، كان له أن يقتل المقرّ (١)؛ لأنهما اتفقا على وجوب القصاص عليه، ولم تثبت الشبهة في ذلك. وإن قال الوليّ: بلى! أنت قطعت يده، ولا أدري من قطع رجله، لم يكن [له] (٢) على المقرّ شيء (٣)؛ لأن الوليّ لما جهل قاطع الرجل، واحتمل أن يكون قاطع الرجل صبيًا، أو مجنونا، أو رجلا لا يجب عليه القصاص، صار ذلك شبهة في حق المقرّ، وقد ذكرنا أن القصاص إذا (٤) سقط بمعنى من جهة المقرّ (٥) لا يجب شيء. فإن قال الوليّ بعد ذلك: إن فلانا قطع رجله معك عمدا، فلان من أهل أن يجب عليه القصاص إلا أنه ينكر، كان له أن يقتل المقرّ؛ لأنه يدّعي القوَد عيهما، وصدّقه فيه أحدهما، والآخر يجحد، فله أن يقتل المقرّ (٦)، وإنما صح بيانه بعد الإبهام؛ لأن الوليّ قد يشتبه عليه القاتل، ثم يظهره، أو ينسى شيئا بعارض عقله، ثم يتذكّر (٧)، فلا يكون متناقضا.

стр. 1414

قال: هذا إذا بيّن قبل أن يقضي القاضي ببطلان حقه، فإن رفع الأمر إلى القاضي (١) قضى ببطلان حق الولي (٢) لا يعود حقه بعد ذلك (٣)؛ لأن القاضي أبطل حقه حالَ قيام ولاية الإبطال فيبطل (٤)، كما لو فسخ البيعَ بإباق العبد قبل القبض، ثم عاد العبد من الإباق، فإنه لا يعود البيع؛ لأنه أبطل البيع حال قيام الولاية، كذلك ههنا. - والله أعلم - (٥)

стр. 1415

باب ما يجب فيه القود وما لا يجب من قطع المفاصل من الإصبع وغيرها بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن (١) وجوب القصاص في الأطراف يعتمد التكافؤ والتساوي (٢)، حتى لا تقطع الصحيحة بالشَلاء (٣)، ولا يد الرجل بيد المرأة، ولا اليدان بيد واحدة؛ لأن الأطراف لها حكم الأموال؛ لأنهما خلقت وقاية للنفس (٤). ولهذا كان للوصيّ استيفاء القصاص في الطرف، ويستوفى في الحرم وغير ذلك، ولا يجب القصاص في كسر (٥) العظم لتعذّر المساواة فيه، ويجب القصاص في الأسنان

стр. 1416

لإمكان المساواة فيه، وقيل بأن السنّ عصب (١). وأصل آخر: أن المعتبر في الجنايات مآلها، لا حالها؛ لاختلاف الأحكام بسرايتها ومآلها، فإذا لم يتخلّل البُرء بين الجنايتين كانت جناية واحدة؛ لأن حكم الأولى لا يَثبت قبل البُرء، فكانت الثانية متمّمة، وإن تخلّل بينهما برء، كانت كل واحدة جناية على حدة (٢)؛ لأن الأولى انتهت بالبرء، واستقرّ حكمها، فلا يمكن جعل الثانية متمّمة للأولى، فتجعل جناية على حدة، كما لو حصلت الجناية الثانية على شخص آخر، واختلف محل الجناية باختلاف الشخص. إذا عرفنا هذا الجملة (٣)، قال محمد ﵀: رجل قطع المِفصَل الأعلى عمدا من إصبع رجل، فبرأ من ذلك، ولم يقتصّ حتى عاد القاطع، وقطع المفصل الثاني من تلك الإصبع عمدا، ثم رفع إلى الإمام بعد ما برأ، فإنه يقضي على القاطع بالقصاص في المفصل الأعلى، وبالأرش في المفصل الثاني. (٤) أما القصاص في الأعلى؛ لأنه حين قطع المفصل الأعلى كان إصبع كل واحد منهما كاملا، فيجب القصاص لوجود شرطه، وهو التساوي، ولا يجب القصاص في الثاني؛ لأنه حين قطع المفصل الثاني كانت إصبع القاطع صحيحة، وإصبع المقطوعة إصبعه ناقصة

стр. 1417

بمفصل، فلا يجب القصاص لفقدان شرطه، ويجب الأرش (١). ولا يقال: بأن المفصل الأعلى من إصبع القاطع كانت مستحقة بالجناية الأولى وقت الجناية الثانية، والمستحق كالفائت حقيقة (٢)، فتحقّقت المساواة؛ لأنا نقول: المستحق قائم حقيقة، وإنما يتحقق الفوات عند الاستيفاء (٣)، فيلحق بالفائت، والذاهب فيما يغلب استيفاءه، والغالب في القصاص هو (٤) العفو دون الاستيفاء، فلا يلحق المستحق بالفائت. ألا ترى أن رجلا لو قطع إصبع القاطع بعد وجوب القصاص يجب القصاص على الثاني، ولو كان المستحق كالفائت لا يجب القصاص على الثاني. ثم استشهد في الكتاب، فقال: ألا ترى أن هذا القاطع لو قطع المفصل الأسفل من إصبع رجل آخر هو مقطوع المفصل الأعلى، كان عليه الأرش للثاني، ولا يجب القصاص (٥)، لعدم المساواة بينهما، وإن كان المفصل الأعلى من القاطع مستحقا للأول. ثم سأل في الكتاب على نفسه سؤالا، فقال في مسألة الاستشهاد: "الجنايتان حصلتا على شخصين مختلفين، وفي مسألة الكتاب الجنايتان حصلتا على شخص (٦)

стр. 1418

واحد، ومستحقها واحد، ثم أجاب عن هذا (١) فقال: "لا فرق بين الواحد والاثنين". قال: ألا ترى أن رجلا لو قطع المفصل الأعلى من إصبع رجل، فبرأ، ولم يقتصّ حتى مات المقطوعة إصبعه، فورثه رجل هو مقطوع المفصل الأعلى من تلك الإصبع، فجاء القاطع، وقطع المفصل الأسفل من إصبع الوارث، كان للوارث أن يقطع المفصل الأعلى بالميراث عن أبيه (٢)، وليس له أن يقطع المفصل الأسفل قصاصا لنفسه لما بينا (٣)، وإن كان مستحق الجنايتين واحدا، كذا ههنا (٤). ولو قطع المفصل الأعلى من إصبع رجل، فبرأ، واقتصّ، ثم جاء القاطع الأول، وقطع المفصل الأسفل من إصبع الأول، فإنه يُقتصّ منه (٥)؛ لأن إصبع كل واحد منهما عند الجناية الثانية ناقصة بمفصل، وأرشها واحد. بخلاف ذِراع لا كفّ له حيث لا يقطع بذراع مثله (٦)، لأن أرش الذراع غير مقدّر، بل فيه حكومة عدل، وأرش المفاصل مقدّر. ولو قطع المفصل الأعلى من إصبع رجل، فلم يبرأ حتى عاد، فقطع المفصل الثاني

стр. 1419

من إصبعه، فبرأ، كان عليه القصاص بقطع إصبعه من المفصل الاسفل (١)، لأنه إذا لم يتخلّل بين الجنايتين بُرء، وكان الثاني متمّما للأول، فكأنه قطع الكلّ بضربة واحدة. وهذه المسألة حجة لهما على أبي حنيفة فيمن قطع يدَ إنسان عمدا، ثم قتله عمدا، [عنده] (٢) للوليّ أن يقطع يده ثم يقتله، وعندهما يقتله، ولا يقطع (٣). قيل: ما ذكر هنا قولهما، لا قول أبي حنيفة، وإن كان قول الكل، فالعذر لأبي حنيفة أن في مسألة القتل لو ميّزنا بين الجنايتين أمكن إيجاب القصاص فيهما، فميّزنا تشديدا وتغليظا على الجاني. وهنُا لو ميّزنا بين الجنايتين لا يجب القصاص في الثانية، فجعلنا الثانية جناية واحدة تشديدا وتغليظا. رجل قطع نصف المفصل من إصبع رجل، وكسر العظم كسرا، فبرأ، ثم قطع الباقي من المفصل، وبرأ، لا قصاص عليه (٤). أما في الجناية الأولى، فلأنها كسر العظم، وقد ذكرنا أن القصاص (٥) لا يجب في كسر العظم (٦)، وأما في الثانية؛ فلأن إصبعه صارت بالأولى شلًّا، فانعدمت المساواة

стр. 1420

بينهما عند التانية. فإن قطع الثاني من المفصل قبل البرء، وجب القصاص (١)؛ لأنه إذا لم يتخلّل البُرء كانتا جناية واحدة، فكأنه قطع المفصل بضربة واحدة. وإن قطع المفصل أوّلا، ثم كسر العظم بعد ذلك، إن تخلّل بينهما بُرء، كان في الأولى قصاص (٢)؛ لأنه قطع، وقد وجدت المساواة بينهما، وفي الثانية حكومة عدل؛ لأنه كسر. وإن لم يتخلّل البُرء، لا قصاص أصلا (٣)؛ لأن الجناية تمّت بكسر العظم. وكذا لو ضرب رجلا ضربةً، وقطع أصابعه، ثم عاد قبل البرء، وقطع الكف من المفصل، قطعت كفه من المفصل (٤). ولو قطع الأصابع فبرأ، ثم قطع الكف، يجب القصاص في الأصابع، وفي الكف حكومة عدل (٥). وكذا لو قطع الأصابع خطأ (٦) (٧)، فبرأت، ثم قطع الكف خطأ، كان في الأصابع

стр. 1421

دية اليد، وفي الكف حكومة عدل، ولو لم يتخلّل بينهما بُرء يجب دية اليد لا غير. وكذا لو قطع الحشفة خطأ، ثم قطع الباقي، إن لم يتخلّل بينهما برء يجب دية كاملة، وإن تخلل بينهما بُرء (١) يجب في الحشفة الدية، وفي الباقي حكومة عدل (٢). وكذا لو (٣) شجّ رجلا موضحة خطأ، فلم يبرأ حتى شجّه أخرى، ثم شجّه (٤) أخرى، حتى شجّه تمام (٥) عشرين موضحة، ثم برأت، كان على عاقلته دية كاملة في ثلاث سنين؛ لأن دية الكل وجبت في حالة واحدة، فيجب في ثلاث سنين. ولو كان كلّما شجّه شجةً برأت، كان على العاقلة دية كاملة في سنة واحدة (٦)؛ لأن عند تخلّل البُرء يعتبر كل شجّة جناية على حدة، ويستقرّ حكمها عند وجودها، فيجب بكل موضحة خمسمائة في تلك السنة؛ لأن (٧) ما دون ثلث الدية يجب في سنة واحدة، فلهذا كان على العاقلة دية كاملة في سنة واحدة (٨). وكذا لو شجّ رجلا موضحة عمدا، فلم يبرأ حتى ضربه ضربةً أخرى، فجعلها

стр. 1422

منقِّلة: وهي التي تنقل العظم، كان عليه أرش المنقّلة (١)، ولا شيء في الموضحة؛ لأن الجنايتين صارتا جناية واحدة، وهي المنقّلة، وإن تخلّل البرء كان عليه القصاص في الموضحة (٢). وفي المنقّلة الحاصلة بالضربة الثانية حكومة عدل. ذكر هذه المسائل لبيان أن الجنايات إذا لم يتخلّل بينهن بُرء، كانت جناية واحدة، وإن تخلّل بينهن برء يعتبر كل جناية على حدة (٣). -والله أعلم - (٤)

стр. 1423

باب جناية أمّ الولد على مولاها وعلى غيره من العمد الذي يجب فيه القصاص وما لا يجب فيه قصاص والمدبّر والقنّ والعُقر في ذلك بنى الباب على أصول: أحدها: ما تقدّم أن القصاص إذا تعذّر استيفاءه لمعنى مِن قِبل مَن له الحق، لا ينقلب مالًا، وإن تعذّر لمعنى مِن غيره ينقلب مالا. (١) والثاني: أن جناية المملوك على مولاه يعتبر إن كان موجِبا للقصاص، وإلا فلا؛ لأن اعتبار ما يوجب القصاص يوجب حقًّا لم يكن، وهو إباحة الدم؛ لأن المملوك في حق الدم مبقى على أصل الحرية (٢)، واعتبار ما لا يوجب القصاص لا يوجب إلا ما كان ثابتا، وهو استحقاق الرقبة، فلا يعتبر. والثالث: أن جناية المملوك إذا ترادَفت، ودفع بها، عند أبي حنيفة ﵀ (٣) يقسم الجاني بين أولياء الجناية بطريق العَول (٤) والمضاربة، وعند صاحبيه (٥) بطريق

стр. 1424

المنازعة. (١) والرابع: أن العبد إذا قَتل مولاه عمدا، وله وليّان، فعفا أحدهما، بطل كله، ولا ينقلب نصيب الباقي مالا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. عند (٢) أبي يوسف ﵀: ينقلب نصيبه مالا، فيقال للعافي: ادفع نصف نصيبك، وهو الربع إلى شريكك، أو افده بربع الدية (٣). والخامس: أن أم الولد إذا قتلت مولاها عمدا، فإن لم يكن لها منه ولد يرثه، تقتل به (٤)؛ لقوله ﵇: "العمد قود" (٥)، ولما ذكرنا أن المملوك في حق الدم بمنزلة الحر،

стр. 1425

وإن كان لها منه ولد يرثه، لا تقتل؛ لأن نصيب ولدها يبطل (١) ضرورة أن الولد لا يستحق القصاص على والدته، وإذا بطل حقه سقط حق الباقين ضرورة أنه لا يتجزّأ. والسادس: أن جنايات أم الولد أو المدبر وإن كثُرت، لا توجب إلا قيمة واحدة (٢)، لأنها لو كانت محلا للدفع لا تدفع إلا مرة واحدة، وإذا لم تكن محلا للدفع لا تجب (٣) إلا قيمة واحدة. وفي الباب فصول ثلاثة: جناية أم الولد، وجناية المدبّر، وجناية القنّ. أما الفصل (٤) الأول: قال محمد ﵀: أمّ ولد قتلَت سيدَها عمدا (٥)، ورجلا (٦) أجنبيا عمدا، فإن لم يكن لها ولد من مولاها يرثه، تقتل بهما (٧)؛ لأنها تقتل بكل واحد منهما (٨) عند الانفراد، لما ذكرنا أن

стр. 1426

المملوك في حكم الدم (١) مبقى على أصل الحرية (٢)، فكذلك عند الاجتماع. فإن لم تقتل حتى عفا أحد وليّى كل واحد منهما، فهو على وجهين: إما أن عَفَوا معًا، أو على التعاقب، فإن عفَوا معًا سقط القصاص، وتسعى في نصف قيمتها لغير العافيين (٣)، أما سقوط القصاص؛ فلأنه كان مشتركا بينهم، فإذا سقط نصيب العافيين يسقط الكل لعدم التجزّئ. وأما وجوب نصف السعاية؛ لأن القصاص كان أرباعا بينهم، فإذا سقط نصيب العافين وهو النصف بالعفو (٤)، انقلب نصيب الباقيين مالا. وفيه إشكال، وهو أنه لو وجبت السعاية عليها في نصف القيمة، إما أن تجب بالجناية، أو بالعفو، لا وجه للأول (٥)؛ لأنها جنَت وهي رقيقة، وأم الولد إذا جنت جناية موجبة للمال، لا يكون عليها، بل يكون (٦) على المولى (٧). ولو جاز أن يجب عليها لوارث الأجنبي، لا وجه لوجوبها لوارث المولى؛ لأن

стр. 1427

الوارث (١) يستحق المال بطريق الخلافة والوراثة عن الميت، ولهذا تقضى منه ديون الميت. وجناية المملوك إذا كانت موجبة للمال لا تعتبر، ولهذا لو كانت خطأ كانت هدرا (٢)، فإذا لم تعتبر في حق المولى لا تعتبر في حق الوارث، ولا وجه للثاني؛ لأنه لو وجب بالعفو لوجب نصف الدية، كالحر إذا قتل حرا، وله وليان، فعفا أحدهما، كان للآخر نصف الدية (٣). والجواب عنه: إنما أوجبنا السعاية في نصف القيمة؛ لأن هذا المال وجب خلفا عن القصاص، وحكم الخلف حكم الأصل، يجب بسببه عند انعدام الأصل، والمولى يستحق القصاص بجناية أم الولد (٤)، فيستحق الخلف، ولأن المولى إنما لا يستحق المال على مملوكه بسبب (٥) الجناية لمكان الاستحالة، وانعدام (٦) الفائدة، وذاك في مال يجب عليها قبل الحرية، لا في مال يجب عليها بعد الحرية، والسعاية تجب عليها بعد العتق. وإنما قدّر بالقيمة، لا بالدية؛ لأنه وجب بجناية وجدت قبل العتق، فيقدّر بالقيمة، كما لو (٧) قتلت رجلا خطأ، ولأنا إن نظرنا إلى السبب، فالسبب وجد في الرق، وإن

стр. 1428

نظرنا إلى الوجوب، فوجوب المال كان (١) بعد العتق، فوفّرنا على الشبهين حظّهما، فقدّرنا الواجب من القيمة (٢) اعتبارا للسبب، وأوجبنا المال عليها نظرا إلى حالة الوجوب توفرا على الشبهين، واعتبارا للحالين. وإن عفَوا على التعاقب، بأن عفا أحد وليّى المولى مثلا (٣) أوّلا، ثم عفا أحد وليّى الأجنبي، كان عليها السعاية في ثلاثة أرباع قيمتها (٤)؛ لأنه لما عفا أحد وليّى المولى أولا (٥) انقلب نصيب صاحبه مالا، وهو نصف القيمة (٦)؛ لأن حق كل قتيل في كل القصاص، فكان حق كل واحد من وارثه في نصف القصاص، فإذا انقلب مالا كان حقه في نصف القيمة، لو انتقص عن ذلك إنما ينتقص بحكم المزاحمة، ولا مزاحمة ههنا؛ لأن حق الأجنبي بقي في القصاص، ولا مزاحمة بين المال والقود. فلهذا كان حق الشريك العافي في نصف القيمة، فصار نصف قيمتها مشغولا بحق شريك العافي، ونصف قيمتها فارغًا، فإذا عفا أحد وليّى الأجنبي بعد ذلك انقلب نصيب الساكت من وليّى الأجنبي مالا، وهو نصف القيمة شائعا نصف هذا النصف، وهو ربع القيمة وقع في النصف الفارغ من قيمتها، فيثبت، ويكون ذلك له، ونصفه، وهو الربع

стр. 1429

وقع في النصف الذي كان مشغولا بحق وارث المولى (١). فما أصاب المشغول لا يزيده شغلا، بل يظهر أثر اجتماع الحقّين في المزاحمة، فلهذا كان عليها السعاية في ثلاثة أرباع قيمتها، بخلاف ما إذا عفوا معًا حيث يجب نصف القيمة (٢)؛ لأنه ما دام حق الكل في القصاص، كان حق كل واحد منهم في الربع لمكان المزاحمة، فإذا عفوا معا بقي كذلك، ولا يزيد. وهنا بالتقديم ظهرت الزيادة لعدم المزاحمة على ما ذكرنا، فلهذا وجبت السعاية في ثلاثة الأرباع. ثم اختلفوا في كيفية قسمة هذه الثلاثة الأرباع: قال أبو حنيفة ﵀: يعطى ربع القيمة للساكت من ولييّ الأجنبي خاصة، ويقسم نصف القيمة (٣) بين الساكت من وليّى المولى، وبين الساكت من وليّى الأجنبي أثلاثًا بطريق العول والمضاربة (٤)، ثلثا النصف وهو سدسا القيمة لوليّ المولى، وثلث النصف وهو سدس القيمة لوليّ الأجنبي، وقد أخذ وليّ الأجنبي مرة ربع القيمة، فإذا ضمّمت سدس القيمة إلى ربع القيمة يكون سدسين ونصف سدس، وسلم لوليّ المولى سدسا القيمة، فاجعل كل نصف سدس سهما، فيصير ثلاثة أرباع القيمة تسعة أسهم،

стр. 1430

خمسة أسهم منها (١) لوليّ الأجنبي، وأربعة لوليّ المولى. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يعطى ربع القيمة أوّلا لوليّ الأجنبي، كما قال أبو حنيفة ﵀، ثم يقسم نصف القيمة بينهما بطريق المنازعة، نصف هذا النصف لوليّ المولى بلا منازعة (٢)؛ لأن وليّ الأجنبي أخذ ربع القيمة، فهو لا يدعي من هذا النصف إلا ربع القيمة، فيسلم ربع القيمة لوليّ المولى [بلا منازعة] (٣)، واستوَت منازعتهما في الربع الآخر (٤)، فيكون بينهما، فيصير لكل واحد منهما ثلاثة أثمان القيمة. وكذا لو عفا أحد وليّي الأجنبي أوّلا، ينقلب نصيب صاحبه مالا، وهو نصف القيمة، فإذا عفا أحد ولي المولى ينقلب نصيب الساكت منهما مالا، وهو نصف القيمة، نصفه في النصف المشغول بحق ولي الأجنبي، ونصفه في النصف الفارغ، فيجب عليهما ثلاثة أرباع القيمة، ويقسم ذلك عند أبي حنيفة ﵀ بطريق العول والمضاربة، وعندهما بطريق المنازعة كما في الوجه الأول (٥). وجنس (٦) مسائل القسمة أربعة:

стр. 1431

منها ما يقسم بطريق العول والمضاربة عند الكل. ومنها ما يقسم بطريق المنازعة عندهم. ومنها ما يقسم بطريق المنازعة عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما بطريق العول والمضاربة. ومنها ما يقسّم على عكس ذلك. أما ما يقسّم بطريق العول عندهم ثمانية: إحداها: الميراث، إذا اجتمعت سهام الفرائض في التركة، وضاقت التركة عن الوفاء بها، تقسم بطريق العول (١). والثانية: إذا اجتمعت الديون المتفاوتة في التركة (٢)، وضاقت التركة عن الوفاء بها تقسم التركة بين أرباب الديون بطريق العول (٣). والثالثة: إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بربع ماله، ولآخر بسدس ماله، ولم تجز الورثة حتى عادت الوصايا إلى الثلث، يقسم الثلث بينهم على طريق العول (٤). والرابعة: الوصية بالمحاباة (٥)، إذا أوصى بأن يباع العبد الذي قيمته ثلاثة آلاف درهم من هذا الرجل بألفي درهم، وأوصى لآخر أن يباع منه العبد الذي يساوى ألفي

стр. 1432

درهم بألف درهم، حتى حصلت المحاباة لهما بألفي درهم، كان الثلث بينهما بطريق العول. والخامسة: الوصية بالعتق، إذا أوصى بأن يعتق من هذا العبد نصفه، وأوصى بأن يعتق من هذا الآخر ثلثه، وذاك لا يخرج من الثلث، يقسم ثلث المال بينهما بطريق العول، ويسقط من كل واحد منهما حصته من السعاية. والسادسة: الوصية بألف مرسلة، إذا أوصى لرجل بألف، ولآخر بألفين كان الثلث بينهما بطريق العول (١). والسابعة: عبد فقأ عين رجل حر، وقتل آخر خطأ، فدفع بها، يقسم الجاني بينهما بطريق العول، ثلثاه لوليّ القتل، وثلثه للآخر (٢). والثامنة: مدبّر جنى على هذا الوجه، ودفعت القيمة إلى أولياء الجناية، كانت القيمة بينهما بطريق العول (٣). وأما ما يقسم بطريق المنازعة: مسألة واحدة ذكرها في "الجامع": فضوليّ باع عبدا من رجل بألف درهم، وفضوليّ آخر باع نصف ذلك العبد من رجل آخر (٤) بخمسمائة درهم (٥)، فأجاز المولى

стр. 1433

البيعين جميعًا (١)، يخيّر المشتريان، فإن اختارا الأخذَ، أخذا بطريق المنازعة، ثلاثة أرباعه لمشتري الكل، وربعه لمشتري النصف عندهم جميعًا. وأما ما يقسم بطريق المنازعة عند أبي حنيفة، وعندهما بطريق العول، ثلاث مسائل: إحداها: دار تنازع فيها رجلان، أحدهما يدّعي كلها، والآخر يدعي نصفها، وأقاما البينة، عند أبي حنيفة ﵀ تقسم الدار بينهما بطريق المنازعة، ثلاثة أرباعها لمدعي الكل، والربع لمدعي النصف، وعندهما تقسم (٢) أثلاثا، ثلثاها لمدعي الكل، وثلثها لمدعي النصف. والثانية: إذا أوصى بجميع ماله لرجل، وبنصفه لآخر، وأجازت الورثة، عند أبي حنيفة ﵀ كان (٣) المال بينهما أرباعا، وعندهما أثلاثا. والثالثة: إذا أوصى بعبد بعينه لرجل، وبنصف هذا العبد لآخر (٤)، والعبد (٥) يخرج من ثلثه أو لا يخرج، وأجازت الورثة، كان العبد بينهما أرباعا بطريق المنازعة (٦)

стр. 1434

عند أبي حنيفة، وعندهما أثلاثا بطريق المنازعة (١). وأما ما يقسم بطريق العول عند أبي حنيفة، وعندهما بطريق المنازعة، خمس مسائل: منها ما ذكره في المأذون: عبد مأذون بين رجلين، أدانه أحد الموليَين مائة، يعني باعه شيئا بنسيئة، وأدانه أجنبي مائة، فبيع العبد بين الإثنين (٢). عند أبي حنيفة يقسم ثمن العبد بين المولى المدين، وبين الأجنبي أثلاثا، ثلثاه للأجنبي، وثلثه للمولى المدين (٣)؛ لأن إدانته تصحّ في نصيب شريكه، ولا يصح في نصيب نفسه (٤). والثانية: إذا أدانه أجنبي مائة، وأجنبي آخر خمسين، وبيع العبد، عند أبي حنيفة يقسم الثمن بينهما أثلاثا، وعندهما أرباعا. والثالثة: عبد قتل رجلا خطأ، وآخر عمدا، وللمقتول عمدا وليّان فعفا أحد وليه (٥)، يخيّر مولى العبد بين الدفع والفداء، فإن فدَى المولى يفدى بخمسة عشر ألفا، خمسة آلاف لشريك العافي، وعشرة آلاف لوليّ الخطأ، وإن دفع يقسم العبد بينهما أثلاثا

стр. 1435

عند أبي حنيفة ﵀ (١)، وعندهما أرباعا بطريق المنازعة (٢). والرابعة: لو كان الجاني مدبرا، والمسألة بحالها، ودفع المولى القيمة، عند أبي حنيفة ﵀ يقسم القيمة بينهما بطريق العول أثلاثا، وعندهما أرباع بطرق المنازعة (٣). والخامسة: مسألة الكتاب: أم الولد قتلت مولاها عمدا (٤)، وأجنبيا عمدا، ولكل واحد منهما وليان، فعفا أحد وليّي كل واحد منهما على التعاقب، سعت في ثلاثة أرباع قيمتها، كان للساكت من وليّى الأجنبي ربع القيمة، ويقسم نصف القيمة بينهما بطريق العول أثلاثا عند أبي حنيفة، وعندهما أرباعا بطريق المنازعة (٥). والأصل لأبي يوسف ومحمد: أن الحقين متى ثبتا على الشيوع في وقت واحد كانت القسمة عولية، وإن ثبتا على وجه التمييز، أو في وقتين مختلفين كانت القسمة نزاعية (٦). والمعنى فيه: أن القياس يأبي القسمة بطريق العول؛ لأن تفسير العول أن يضرب كل واحد منهما بجميع حقه، أحدهما بنصف المال، والآخر بالكل، والمال الواحد لا

стр. 1436

يكون له كل ونصف آخر، ولهذا قال ابن عباس ﵄: "من شاء بَاهَلْتُه أن الله تعالى لم يَجعل في المال الواحد ثلثين، ونصفا، ولا نصفين وثلثا" (١). إنما تركنا القياس في الميراث بإجماع الصحابة، فيلحق به ما كان في معناه، وفي الميراث حقوق الكل تثبت على وجه الشيوع في وقت واحد، وهو حالة الموت، فيلحق به ما كان في معناه (٢)، وفي التركة إذا اجتمعت حقوق متفاوتة، حق أرباب الديون يثبت في وقت واحد، وهو حالة الموت أو المرض، فكانت في معنى الميراث (٣). وكذلك في الوصايا، وفي العبد والمدبر إذا فقأ عين إنسان، وقتل آخر خطأ، حق أصحاب الجناية يثبت في وقت واحد (٤)، وهو وقت دفع العبد الجاني أو قيمة المدبر؛ لأن موجب جناية الخطأ لا يملك قبل الدفع، ولهذا لا تجب فيه الزكاة قبل القبض، ولا تصح به

стр. 1437

الكفالة، وإنما يملك عند التسليم، ووقت الدفع واحد. وفي مسألة دعوى الدار الحق إنما ثبت بقضاء القاضي (١)، ووقت القضاء واحد، فكانت في معنى الميراث، وفي مسألة بيع الفضوليّ وقت ثبوت الحقين مختلف، لأن الملك ثبت عند الإجارة مستندا إلى وقت العقد، ووقت العقد مختلف. وفي القسم الرابع وقت ثبوت الحقين مختلف، أما في مسألة الإدانة؛ فلأن الحق ثبت بالإدانة، ووقت الإدانة مختلف، وفي العبد إذا قتل رجلا عمدا، وآخر خطأ، وللمقتول عمدا وليّان فعفا أحدهما، واختار المولى دفع العبد، أو كان الجاني مدبرا، والمسألة بحالها، فدفع المولى القيمة (٢). عندهما: يقسم بطريق المنازعة؛ لأن وقت ثبوت الحقين مختلف، لأن حق الساكت من وليّ الدم كان في القصاص، لأنه سئل، والمال بدل عن القصاص، ووجوب البدل مضاف إلى سبب الأصل، وهو القتل، فكان وقت ثبوت حقه القتل، وحق وليّ الخطأ في القيمة، إذ العبد المدفوع يثبت عند الدفع لا قبله، لأنه صلة معنى، والصّلات لا تملك قبل القبض، فكان وقت الحقين مختلفا، فلم يكن في معنى الميراث، فكانت القسمة نزاعية. وفي جناية أم الولد وجوب الدية للذي لم يعفُ مضاف إلى القتل لما قلنا، والقتلان وجد في وقتين مختلفين، فكانت القسمة نزاعية عندهما. والأصل لأبي حنيفة: أن قسمة العين متى كانت لحق ثابت في الذمة، أو لحق ثبت في العين على وجه الشيوع في البعض دون الكل، كانت القسمة عولية، ومتى وجبت

стр. 1438

قسمة العين لحق ثبت على وجه التمييز، أو كان حق أحدهما في البعض الشائع، وحق الآخر في الكل، كانت القسمة نزاعية (١). والمعنى فيه أن الحقوق متى وجبت في الذمة، فقد استوت في القوة، لأن الذمة متّسعة (٢)، فيضرب كل واحد منهما بجميع حقه في العين، وكذا إذا كان حق كل واحد منهما في العين لكن في الجزء الشائع، فقد استوت في القوة، لأن ما من جزء ثبت فيه حق أحدهما، وللآخر أن يزاحمه، فكانت الحقوق مستوية في القوة. والأصل في قسمة العول الميراث كما قالا، وثمّة حق كل واحد منهم ثبت في البعض الشائع، وإذا ثبت الحقان على وجه التمييز لم يكن في معنى الميراث، وكذا إذا كان حق أحدهما في البعض الشائع، وحق الآخر في الكل لم يكن في معنى الميراث، لأن صاحب الكل يزاحم صاحب البعض في كل شيء. أما صاحب البعض لا يزاحم صاحبه في الكل، فلم يكن في معنى الميراث، ولأن حق كل واحد منهما إذا كان في البعض الشائع، وما يأخذ كل واحد منهما بحكم القسمة غير مقرّر، وأنّه غير الشائع، كان المأخوذ بدل حقه، لا أصل حقه، فيكون في معنى الميراث والتركة التي اجتمعت فيها الديون، وفي مسائل العفو (٣) القسمة إنما وجبت لحق ثابت في الذمة، لأن حق كل واحد منهما في موجب الجناية، وموجب الجناية يكون في الذمة، فكانت القسمة فيها عولية، فعلى هذا تخرج المسائل. هذا إذا لم يكن لها ولد من المولى، فإن كان لها ولد من المولى يرثه، فلا قصاص

стр. 1439

عليها بدم المولى (١)، لأن الولد لا يستوجب القصاص على والدته، ولهذا لو قتلت المرأة ولدها لا يجب عليها القصاص (٢)، لأن الوالدة سبب لوجوده، فلا يستحق قتلها. ولهذا لا يباح له قتل واحد من أبويه، وإن كان حربيا، أو مرتدّا، أو زانيا محصَنا، فإذا سقط حق ولدها من القصاص (٣) سقط حق الباقي، وانقلب الكلّ مالا، لأن القصاص تعذّر استيفاؤه لا لمعنى من جهة القاتل، بل حكما بن جهة الشرع، فانقلب الكل مالا (٤)، بخلاف ما تقدم؛ لأن ثمة العافي أسقط حق نفسه، فلا ينقلب نصيبه مالا. فإن قيل: إذا لم تكن هذه الجناية موجبة للقصاص عليها بدم المولى ينبغى أن تكون هدرا، كما لو قتلته خطأ. قلنا: الجناية وقعت موجبة للقصاص؛ لأنه تجب للمقتول، والمولى يستوجب القصاص على مملوكه، وإنما سقط القصاص ضرورة الانتقال إلى الوارث، وهي حرة وقت الانتقال، فينقلب مالا، ويلزمها القيمة دون الدية اعتبارا لحالة القتل. هذا كمن قتل رجلا عمدا، وابن القاتل وارث المقتول، كان لإبن المقتول الدية على والده القاتل (٥)، كذلك ههنا. ولورثة الأجنبي القصاص كما كان؛ لأن حقهما يمتاز عن حق ورثة المولى، فكان

стр. 1440

لهما القصاص، إن شاءا أخّرا حتى يؤدي القيمة إلى ورثة المولى، وإن شاءا عجّلا القتل، لأن القصاص حقهما (١)، ولو أخّرا إلى أن يؤدي السعاية، ربما لا يؤدي مخافة القتل، فيبطل حق الورثة الأجنبي في القصاص (٢)، فكان لهما التعجيل، فإن عفا أحد وليّي الأجنبي وجب للساكت منهما نصف القيمة أيضا. وجنايات أم الولد وإن كثرت لا توجب إلا قيمة واحدة، فصارت القيمة مشتركة بين ورثة المولى، وبين (٣) وارث الأجنبي. ثم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى تقسم قيمتها بينهما أثلاثا بطريق العول والمضاربة، ثلثها لورثة المولى، وثلثها لوارث الأجنبي (٤)، وعندهما يقسم أرباعا بطريق المنازعة (٥)، ثلاثة أرباعها لورثة المولى، وربعها لوارث الأجنبي لما ذكرنا (٦). فإن كانت سعت في قيمتها لورثة المولى، ثم عفا أحد وليّ الأجنبي، إن دفعت القيمة إلى ورثة المولى بقضاء القاضي لا سبيل لوارث الأجنبي عليها، لأن الواجب عليها قيمة واحدة، وقد أدّت بقضاء القاضي فتفرغ ذمتها عن الجناية، وكان للساكت من ورثة
следующие страницы →