← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

عليه، وطرح الحائط على إنسان فقتله، وعثر بالمطروح إنسان فعطب، يضمن صاحبه جميع ذلك (١)؛ لما ذكرنا أن إشراع الكنيف والجناح مباشرة الجناية (٢)، كأنه ألقاه بيده على الحائط، وشغل الطريق بنفسه، فيضن جميع ذلك وإن (٣) كان لا يملك رفعه (٤). عبد لرجل نام، أو جلس في الطريق، فأعتقه مولاه، ثم عثر به إنسان، وعطب، كان ديته على عاقلة المولى (٥)، لأن النوم والقعود فعل يستدام، ولهذا يصح توقيته، والدوام على ما يستدام بمنزلة الإنشاء، فإذا مكث من غير مانع صار كأنه جلس بعد العتق، ولو جلس بعد العتق فعطب به إنسان كانت الدية على عاقلته، وعاقلته عاقلة مولاه، كذلك هنا. ولو كان العبد يمشي في الطريق، فعثر وانكسر رجله أو اندقت عنقه وصار لا يقدر على أن ينزح عن مكان ثم أعتقه مولاه ثم عثر (٦) به إنسان، فعطب كان على المولى قيمته لورثة القتيل، لأن مشيه في الطريق كان مباحا بشرط السلامة، ولهذا لو وطئ شيئا من ملك الغير ضمن. فإذا عثر، وسقط صار جانيا بشغله طريق المسلمين بأصل الفعل لا بالدوام عليه لسقوط اختياره، وإذا لم يصر جانيا بعد العتق، وجنايته قبل العتق توجب الدفع أو الفداء، فإذا أعتقه، تعذّر عليه الدفع على وجه لم يصر مختارًا للفداء لعدم الجناية

стр. 1472

يوم الإعتاق (١)، فكان عليه قيمته. كما لو وضع حجرا في الطريق، أو حفر بئرا في الطريق، ثم أعتقه مولاه، ثم عطب إنسان بالحجر، كان على المولى قيمته (٢) لما قلنا، كذلك هنا. ولو أوقف العبد دابةً في الطريق، ثم أعتقه مولاه، فلم يحول الدابة حتى عطب بها إنسان، كان على المولى قيمته (٣)؛ لأنَّه صار جانيا بإيقاف الدابة في الطريق، وبعد العتق لم يبق له ولاية تحويل دابة المولى بغير أمره، فلا يصر جانيا بعد العتق، وجنايته قبل العتق توجب الدفع أو الفداء، فإذا أعتقه على وجه لم يصر مختارا للفداء كان عليه قيمته، كما في المسألة المتقدمة. ولو أن رجلا قَمَط (٤) عبدا لغيره، وألقاه في الطريق، فأعتقه مولاه، ثم عثر به رجل، ومات، كانت الدية على عاقلة القامط والرامي (٥)؛ لأن إلقاء العبد في الطريق على الوجه الذي لا يقدر على البراح، وإلقاء الحجر دواء. ولو أجلسه في الطريق من غير قِمَاط (٦)، ثم أعتقه مولاه، فلم تحوّل عن ذلك

стр. 1473

المكان حتى عثر به إنسان، ومات، كانت الدية على عاقلة المولى (١)؛ لأن دوامه بعد العتق مع القدرة على البراح بمنزلة ابتداء الجناية، فينفسخ به حكم جناية الأجنبي، وجنايته بعد العتق توجب الدية على عاقلته، وعاقلته عاقلة مولاه. سفل لرجل، وعلوه لآخر، وهما مائلان، فأشهد عليهما، فسقط السفل، ورمى بالعلو على إنسان فقتله، فدية القتيل تكون على عاقلة صاحب السفل (٢)، ويضمن صاحب السفل قيمة العلو؛ لأن العلو مدفوع، فما تلف به يكون مضافا إلى الدافع. فمن عثر إنسان بنقض العلو، كان هدرا (٣)، لما قلنا في الحائطين، ومن عثر بنقض السفل فديته على عاقلة صاحب السفل (٤) لما قلنا. حائط مائل أشهد على صاحبه، فوضع صاحبه أو غيره عليه جَرّة (٥) فسقط الحائط، ورمى بالجرة، فأصابت إنسانا فقتلته، كان ذلك على عاقلة صاحب الحائط (٦)؛ لأن الجرة مدفوعة، فما تلف بها يضاف إلى صاحب الحائط.

стр. 1474

ولو عثر بالجرة إنسان، وهلك كان هدرا، ولو كانت الجرة ملكا لصاحب الحائط كان عليه ضمان من عثر بها (١). وعن أبي يوسف: إذا وضع جرةً على حائطه، فسقط على رجل، وأتلفه لا يضمن، لأن الجرة انتقلت عن موضعها، وهو في الوضع لم يكن متعديا، فلا يضاف ما تلف بها إلى أحد (٢). وعنه أيضا: لو مرّ رجل في ملكه، أو ملك غيره، وهو يحمل نارا، فوقعت شرارة من ناره على ثوب إنسان فأحترق، كان ضامنا (٣)؛ لأنَّه لم يتخلل بين حمل النار وبين سقوطه واسطة، فلا ينقطع حكم فعله، ويجعل كأنه أسقطه على ثوب الغير. ولو طارت الريح بشرر النار، وألقته على ثوب إنسان لا يضمن (٤)؛ لأن الإحتراق حصل بفعل الريح لا بفعله، وهو لم يكن متعديا في حمل النار، فلا يضاف التلف إليه. ولو مرّ رجل، وهو يحمل حملا، فوقع الحمل على إنسان فأتلفه، ضمن (٥)؛ لأنَّه أثر فعله. ولو عثر إنسان بالحمل، وعطب ضمن أيضا (٦)؛ لأنَّه هو الذي وضع الحمل في

стр. 1475

الموضع الذي وقع؛ فلم ينقطع أثر فعله. هذه زوائد ذكرها في "النوادر" عن أبي يوسف، عدنا إلى الأصل (١)، قال: حائط مائل لصغير أشهد على أبيه، أو وصيه، فلم ينقضه حتى سقط، وأتلف إنسانا كانت الدية على عاقلة الصبي (٢)؛ لأن الإشهاد عليهما، وهما يملكان النقض بمنزلة الإشهاد على المالك، وهو كبير. فإن مات الأب أو الوصيّ بطل الإشهاد حتى لو سقط بعد ذلك، وأتلف شيئا كان هدرا (٣)؛ لأنَّه زالت ولايتهما بالموت، والإشهاد عليهما بمنزلة الإشهاد على المالك حكما ما دام لهما ولاية النقض، فإذا لم تبق، ولم يوجد الإشهاد على المالك حقيقةً صار كأنه لم يكن. وكذا لو بلغ الصغير بطل الإشهاد؛ لأن بلوغه في إبطال ولايتهما بمنزلة الموت. ولو أشهد على الصبي بعد البلوغ، كان ضامنا لما عطب لوجود الإشهاد على من يملك النقص (٤)، ولو أشهد على الأب، ثم مات الصبي قبل البلوغ، وورثه الأب، فسقط الحائط على إنسان، فأتلف كان هدرا؛ لأن الإشهاد على الأب قبل البلوغ كان إشهادا على

стр. 1476

الصبي (١)، وملك الصبي زال بالموت، وانتقل (٢) إلى الأب، ولم يوجد الإشهاد على الأب بطريق الأصالة، فصار كان لم يكن. ولو أشهد (٣) على رجل عاقل بالغ في حائط له مائل، ثم جنّ جنونا مطبَقا (٤)، أو ارتدّ - والعياذ بالله - ولحق بدار الحرب، وقضى القاضي (٥) بلحاقه، ثم أفاق المجنون، وعاد المرتدّ مسلما، وردّت عليه دارُه، ثم سقط الحائط، وأتلف شيئا، كان هدرا؛ لأن اعتراض هذه العوارض في إبطال الولاية بمنزلة الموت، كما في الوكالة، والإذن في

стр. 1477

التجارة وغيرهما. وبعد ما بطل الإشهاد لا يعود أبدا. وكذا لو (١) بيعت الدار بعد الإشهاد، ثم ردّت عليه بعيب بقضاء، أو بغير قضاء، أو بخيار رؤية، أو بخيار الشرط للمشتري، ثم سقط الحائط أن هدرا لما قلنا، فمن كان (٢) خيار الشرط للبائع لا يبطل الإشهاد؛ لأنَّه لا يزول ملك البائع (٣) وولايته، وإشراع (٤) الكنيف والجناح لا يبطل بشيء من ذلك لما قلنا. - والله أعلم - (٥)

стр. 1478

باب من الجناية التي يقرّ فيها بالعمد فيجب القصاص أو لا يجب بنى الباب على أصل عُرف غير مرّة أن تكذيب (١) المقرّ في بعض ما أقرّ لا يُبطل إقرارَه بما بقي، وتكذيب الشاهد في بعض ما شهد به يُبطل شهادته فيما بقي؛ لأن التكذيب تفسيق، وشهادة الفاسق (٢) مردودة، وإقراره صحيح. قال محمد ﵀: شاهدان شهدا لرجل أن هذا الرجل قتل وليّه عمدا بالسيف، وأقرّ رجل آخر أنه هو الذي قتله وحده عمدا بالسيف، وقال المشهود له: قتلتماه جميعا، كان له أن يقتل المقرّ، وشهادة (٣) الشهود على الآخر باطلة، أما بطلان الشهادة؛ فلأنهما شهدا عليه بالقصاص والقتل على وجه التفرّد، والوليّ ادّعى القصاص والقتل بصفة الاجتماع والشركة، فصار (٤) مكذبا لهما في بعض ما شهدا به، فبطلت شهادتهما. كما لو شهدا بالقتل بآلة غير ما يدعيه المدّعي، وكما لو ادّعى ألفا من ثمن بيع، وضهد الشهود بألف من قرض. ولهذا لو ادعى القتل الخطأ على رجلين (٥)، فشهد (٦) على أحدهما أنه قتله وحده،

стр. 1479

لا تقبل كذلك في العمد (١)، وله أن يقتل المقرّ، لأنَّه يدعي القصاص على المقر (٢) والقتل على وجه (٣) الاجتماع، وهو أقر على نفسه بالقصاص، والقتل بصفة التفرّد فكان مكذبا له في بعض ما أقرّ، وفي سببه وتكذيبه في بعض ما أقر لا يبطل إقراره بالباقي. كما لو ادّعى ألفا من قرض فأقرّ المدّعي عليه بألف من ثمن بيع، فلهذا كان له أن يقتله قصاصا، وكذا لو (٤) لم يكن له بينة، له أن يقتل المقرّ. وكذا لو كان القتل خطأ يقضي (٥)، له بنصف الدية على المقر. ولو وجد المقتول مقطوع اليدين (٦)، فقال وليه (٧): قطع فلان يده اليمنى عمدا، وفلان آخر يده اليسرى عمدا، فمات منهما، وقال صاحب اليسرى: أنا قطعت يده اليسرى وحدي عمدا فمات منها (٨)، وأنكر الآخر، كان له أن يقتل المقرّ، لأنَّه صدقه في وجوب القصاص، وكذبه في البعض. ولو قال الولي (٩): قطع فلان يده اليسرى عمدا، ولا أدري من قطع اليمنى، فلا

стр. 1480

شيء له على المقر من قصاص ولا دية؛ لأن الوليّ لما جهل الثاني يحتمل أن يكون الثاني صبيًّا أو مجنونا أوَ مَن لا يجب القصاص عليه، فأورث ذلك شبهة في حق المقرّ، فإذا تعذّر (١) إيجاب القصاص لمعنى من جهة الوليّ بطل أصلا، كما لو ادعى الوليّ الخطأ، فأقرّ القاتل بالعمد. ولو قال الوليّ: قطعتَ أنت (٢) يده اليسرى عمدا، وقطع فلان يده اليمنى عمدا، ومات منهما، وقال صاحب اليسرى: أنا قطعت يده اليسرى عمدا، ولا أدري من قطع اليمنى، فعلى المقرّ نصف الدية في ماله، أما لا قصاص عليه؛ فلأنه لما جهل الشريك، فقد ادعى شبهة في القصاص لما بينا فلا يقتل، ويقضى بنصف الدية؛ لأنَّه تعذر استفاء (٣) القصاص لمعنى من جهة القاتل فيقضى بالمال. وإنما يقضى بنصف الدية؛ لأن الوليّ لما ادعى القتل على رجلين، فقد ادعى على كل واحد منهما نصف الدية عند السقوط، ويكون في ماله؛ لأنَّه وجب بإقراره كما لو ادعى (٤) العمد فأقرّ بالخطأ، وقد ذكرنا فيه القياس والاستحسان في الأبواب المتقدمة. ولو قال الوليّ: أنتَ قطعت وحدك عمدا (٥)، فقال المدّعي عليه: أنا قطعتُ يده اليسرى عمدا، ولا أدري من قطع رجله، يقضى عليه بالدية استحسانا؛ لأنَّه يدعي عليه القودَ بالقتل على وجه التفرّد، وهو أقرّ على نفسه بالقتل، وادعى الشبهة، فيقضى بالدية.

стр. 1481

رجل ادّعى أن فلانا (١) شجّ وليّه موضحة عمدا، فمات منها، وأنكر المدّعي عليه، فأقام المدعي شاهدين (٢)، فهو على وجوه: إن شهدا أنه شجّه موضحة عمدا، وبرأ منها (٣)، ثم مات بعد ذلك (٤)، فإنه يقضى بالموضحة، والقصاص فيها؛ لأن الوليّ ادّعى الموضحة والسراية، الشهود (٥) شهدوا (٦) بالموضحة، فإنما شهدا ببعض ما ادعاه المدعي فيقضي له بالشجة (٧). وكذا لو شهد (٨) أحدهما بالموضحة والسراية، والآخر بالموضحة والبرء منها لأن الولي ادعى الموضحة والسراية وقد شهد بالموضحة (٩)، وتفرّد أحدهما بالزيادة، فيقضى بما اتفقا عليه الشاهدان. فإن قيل: وجب أن لا يقضى بشيء في قول (١٠) أبي حنيفة؛ لأن عنده الشجة عند اتصال السراية تصير قتلا حتى يبطل العفو عن الشجة.

стр. 1482

قلنا: قال بعضهم: هذا قولهما، لا قول أبي حنيفة (١)، ولئن (٢) كان هذا قول الكل إلا أن المدعي لا يستغني عن دعوى الشجة حتى يمكنه دعوى السراية، فيشهد له الشهود بذلك، فدعوى السراية لا يُعدم ذكر الشجة، فلهذا جازت الشهادة على ما اتفقا عليه، ويقضي بحكمه، كما لو كانت الموضحة خطأ، فشهدوا بالموضحة (٣) والبرء، يقضى له بخمسمائة درهم، وإن كان المدّعي يدعي عشرة آلاف درهم. وكذا لو شهدا بالموضحة عمدا (٤)، وقالا: لا ندري إنه مات منها (٥) أو برأ، يقضى له بالقصاص في الموضحة؛ لأنهما شهدا بالموضحة، ولم يشهدا بالسراية. ولو كان (٦) الوليّ يدعي أنه شجّه موضحة، فبرأ منها، فشهد أحدهما بذلك، والآخر أنه مات منها، كانت باطلة (٧)، لأنه كذّبه في بعض ما شهد به، فبطلت. ولو ادعى (٨) الوليّ سببا لا يعقله العاقلة نحو السمحاق (٩) والباضعة خطأ، وادعى

стр. 1483

أنه مات، الشهود (١) بالبرء، قبلت شهادتهما، ويقضى له بأرش السمحاق في مال الجاني، وإن كان المدعي يدعي الدية على العاقلة؛ لأنَّه يدعي السمحاق مع السراية، ويدعي وجوب المال على الجاني أيضا؛ لأن العاقلة يتحملون عنه، فلهذا جازت شهادتهم. وكذا لو ادعى الموضحة مع السرية عمدا على المرأة أو خطأ، الشهود بالموضحة والبرءي يقضى بأرش الموضحة؛ لأنَّه لا قصاص (٢) بين الرجل والمرأة في الطرف. وكذا لو كان القتيل (٣) عبدا فادعى مولاه الموضحة مع السراية عمدا، والشهود (٤) بالبرء، فإنه يقضى بأرش الموضحة؛ لأن القصاص (٥) لا يجرى في العبد في الطرف. وإن كان المولى يدعى القصاص في النفس، ومع ذلك، جازت شهادتهم لما قلنا. أوضح بهذه المسائل أن المخالفة على هذا الوجه لا تمنع قبول الشهادة على أصل الفعل. - والله أعلم - (٦)

стр. 1484

باب أمر الصبي الحر وأمر العبد المحجور بالجناية ما يلزم من ذلك وما لا يلزم بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن غصب الصبي الحر إذا اتصل به التلف بما يمكن الاحتراز عنه في الجملة (١) سبب للضمان بمنزلة الجناية عليه؛ لأن الصبي محفوظ بغيره لا بنفسه (٢)، فقطعُ يدِ الحافظ عنه يكون تسبيبا للتلف، فيلحق بالجناية عليه (٣). والثاني: أن فعل الحر البالغ لا ينتقل إلى غيره بمجرّد الأمر إذا لم يكن مكرها. وفي الباب فصول أربعة: فصل في الحر البالغ، وفصل في العبد، وفصل في الصبي الحر، وفصل (٤) في المكاتب.

стр. 1485

وكل ذلك على وجوه: إما إن كان المأمور صبيا حرا، أو عبدا، أو مكاتبا. أما الفصل الأول قال [محمد ﵀] (١): رجل أمر صبيا حرا ليقتل رجلا، فقتله، فالدية على عاقلة الصبي، ثم ترجع عاقلة الصبي بذلك (٢) على عاقلة الأمر في ثلاث سنين (٣). أما وجوب الدية (٤) على عاقلة الصبي؛ لأنَّه قتل شخصا معصوما، والقتل كما يتحقّق من البالغ يتحقق من الصبي، ومحمد الصبي (٥) وخطأه سواء (٦)، لنقصان قصده، فيكون على العاقلة، كما لو قتله ابتداءً لا بأمر غيره، ويرجع عاقلة الصبي على عاقلة

стр. 1486

الآمر (١). [وأما الرجوع] (٢)؛ لأن الصبي يتحامى عن القتل عادة، ولا يتجاسر عليه، فإنما أقدم على القتل بأمره، فكان الأمر تسبيبا، والتسبيب بصفة التعدي ملحق بالمباشرة في إيجاب الضمان عليه، كما في حافر البئر، فإذا لحقهم الغرم بأمره يرجعون بذلك عليه. وليس في هذا إيجاب الضمان على المتسبب مع المباشر؛ لأن ذلك إنما لا يجوز في ضمان واحد، أما في ضمانين مختلفين فلا، وهنا ضمان القتل يجب على عاقلة المباشر، ثم ترجع عاقلته على عاقلة الأمر بضمان آخر في ثلاث سنين (٣). كمن ربط بعيرا في قطار غيره، ولم يعلم به صاحب القطار، فقاد صاحب القطار الإبل، فوطئ البعير رجلا فقتله، تجب الدية على عاقلة صاحب القطار (٤)، ثم ترجع عاقلته على عاقلة الرابط (٥)، لما قلنا، ولأنه لما استعمله بالأمر صار غاصبا، فإذا لحقه حكم الجناية يرجع به على الغاصب، كالعبد المغصوب إذا جنى جناية يرجع مولاه بحكم الجناية على الغاصب (٦). ولا يقال: بأن الأمر جناية من حيث القول، فلا يجب على عاقلة الأمر، كما لو أقرّ بالقتل، وكما لو رجع الشهود عن الشهادة.

стр. 1487

لأنا نقول: ذلك في قول يحتمل الصدق والكذب، والإقرار بالقتل قول يحتمل الصدق والكذب، فيكون متّهما في حق العاقلة، وكذلك الرجوع. أما الأمر بالجناية لا تهمة فيه، فيكون على العاقلة، كمن أمر رجلا ليحفر له بئرا في فناء داره، فحفر، ووقع فيها إنسان ومات (١)، وجبت (٢) الدية على عاقلة [الحافر، ثم عاقلته يرجعون على عاقلة] (٣) الآمر (٤)، كذلك هنا. والوجه الثاني من هذا الفصل: لو أمر عبدا صغيرا أو كبيرا، أو مأذونا في التجارة (٥) أو مكاتبا، أو محجورا عليه ليقتل رجلا خطأ، فقتل، يخاطب مولى المأمور بالدفع أو الفداء (٦)، لوجود القتل حقيقة. وحكم جناية العبد إذا لم تكن موجبة للقصاص ما قلنا (٧)، خلافا لما قاله بعض الناس إنه يباع في الجناية، ثم يرجع المولى بالأقل من القيمة ومن دية المقتول (٨) على الأمر في ماله حالا (٩)؛ لأن العبد محل للغصب، والغصب إثبات اليد عليه، فإذا استعمله بأمره

стр. 1488

فقد أثبت يده عليه، فصار غاصبا. ولهذا لو تلف في حالة الاستعمال كان ضامنا قيمته، والعبد الغصب إذا جنى جناية عند الغاصب، يخير مولاه بين الدفع والفداء لوجود القتل حقيقة، ثم يرجع بذلك على الغاصب كذلك هنا. وإنما يرجع بالأقل؛ لأنَّه كان يتخلص عن الجناية بالأقل، فإنما لزمته الزيادة باختياره، فلا يرجع بالزيادة، ويرجع بالأقل (١)، ويرجع في ماله حالا. [وإنما يرجع في ماله] (٢)، لا على العاقلة؛ لأن الواجب (٣) ضمان الغصب، ولهذا سَوّى بين الصغير، والكبير، والمأذون، والمحجور، لاستوائهم في حكم الغصب. وضمان الغصب يكون في مال (٤) الغاصب حالا في ماله بمنزلة ثمن البيع (٥) وغيره، بخلاف ما إذا كان المأمور صبيا حرا؛ لأن ذلك ضمان جناية بطريق التسبيب، لا ضمان الغصب حقيقة، لأن الحر ليس محلًا للغصب إلا أن إثبات اليد عليه في حكم الضمان صار ملحقا بالجناية عليه، وضمان الجناية يكون على العاقلة (٦). والوجه الثالث من هذا الفصل: لو أمر مكاتبا صغيرا أو كبيرا ليقتل رجلا فقتل، يجب على المكاتب قيمة نفسه؛ لأن

стр. 1489

جناية المكاتب إذا لم تكن موجبة للقصاص تكون في كسبه، يلزمه الأقل من أرش الجناية ومن قيمته، ولا يرجع بذلك على الأمر (١)؛ لأن الأمر جناية إثبات اليد، والمكاتب وإن كان صغيرا فهو في يد نفسه ملحق بالحر الكبير في ذلك (٢)، وثبتت يده على نفسه بعقد الكتابة، فلا يتصور إثبات اليد عليه، ولهذا لو غصب مكاتبا صغيرا، وقرّبه إلى المهالك حتى عطب، لا يضمن (٣). ولو غصب صبيا حرا، وقرّبه إلى المهالك حتى نهَشته (٤) حيّةٌ وما أشبه ذلك، كان على عاقلته دية الصبي استحسانا (٥)، خلافا لزفر (٦)؛ لأن الصبي الحر ليس في يد نفسه بل هو محفوظ بغيره (٧)، بخلاف المكاتب الصغير.

стр. 1490

فإن كان الآمر عبدا، وهو الفصل الثاني من الباب فهو على وجهين: إما إن كان مأذونا في التجارة، أو محجورا عليه. فمن كان مأذونا في التجارة (١) وهو صغير أو كبير، فأمر عبدا صغيرا، أو كبيرا مأذونا، أو محجورا ليقتل رجلا، فقتل، يخاطب مولى المأمور بالدفع أو الفداء إذا لم يكن موجبة للقصاص، لما قلنا (٢)، ثم يرجع مولى المأمور في رقبة الآمر بالأقل من الأرش ومن قيمة المأمور (٣)؛ لأن المأمور إذا كان عبدا كان الآمر غاصبا، والعبد (٤) المأذون أهل لوجوب ضمان الغصب، ويقول يجر إليه ضمان الغصب (٥). ولهذا لو أقرّ بغصب مال يلزمه، لأنه ضمان مبادلة، فيكون من التجارة، فلهذا سوّى بين ما إذا كان المأمور صغيرا أو كبيرا، مأذونا أو محجورا لاستوائهم في حكم الغصب. وإن أمر بذلك (٦) صبيا حرا تجب الدية على عاقلته (٧)، لما قلنا، ولا شيء على الآمر،

стр. 1491

لأن الحر لا يكون محلا للغصب، فكان الواجب باستعماله في معنى ضمان الجناية عليه، وجناية العبد لو تحقق تكون على مولاه، ولا يكون على العبد (١)، ولا شيء على المولى هنا؛ لأنها جناية من حيث القول، والمأذون في الجناية بمنزلة المحجور، لأن الجناية ليست من التجارة، فلم يكن المأذون من أهل قول يجر إليه ضمان الجناية، ويظهر أثر الحجر في أقواله. ولهذا لو أقرّ على نفسه بجناية لا توجب القصاص لا يلزمه شيء، لأن الإقرار بالجناية إقرار على مولاه، فبطل، ولا يلزمه شيء لا قبل العتق، ولا بعده، كذلك هنا. هذا إذا كان الآمر عبدا مأذونا في التجارة (٢)، فإن كان محجورا عليه، وهو صغير أو كبير، فأمر عبدا صغيرا، أو كبيرا مأذونا، أو محجورا ليقتل رجلا فقتل، يخاطب مولى المأمور بالدفع أو الفداء، ولا يرجع على مولى الآمر بشيء (٣)، لأنه لو رجع عليه (٤) إنما يرجع بحكم الآمر. وقول الحجور باطل لا يوجب شيئا على المولى (٥)، كما لو أقرّ بدين على نفسه، أو كفل بمال. فإن عتق الآمر، فإن كان كبيرا وقت الأمر رجع عليه مولى المأمور بالأقل من قيمة

стр. 1492

المأمور ومن الأرش، لأنه كان محجورا في حق المولى (١)، فإذا زال حقه بالعتق ظهر أثر التزامه على نفسه، كما لو أقرّ بمال أو بغصب أو كفل بمال، بخلاف ما أقرّ بالجناية، لأن الإقرار بالجناية (٢) إقرار على المولى، فلم يصح أصلا. وإن كان صغيرا وقت الأمر لا يؤاخذ (٣) به وإن عتق (٤)، لأن الصغير (٥) ليس من أهل الالتزام، فلا يؤاخذ بشيء (٦) كما لو أقرّ على نفسه بالدين. ولو كان الآمر صبيا حرا، وهو الفصل الثالث من الباب فهو على وجهين: إما إن كان الصبي مأذونا في التجارة، أو محجورا. فإن كان مأذونا (٧)، فإن أمر عبدا صغيرا، أو كبيرا مأذونا، أو محجورا ليقتل رجلا فقتله خطأ، يخاطب مولى المأمور بالدفع أو الفداء لما ذكرنا (٨)، ثم يرجع مولى المأمور بالأقل من قيمة المأمور ومن الفداء على الآمر في ماله، لأن الواجب باستعمال العبد ضمان غصب، والصبي المأذون أهل لوجوب ضمان الغصب حرا كان أو عبدا؛ لأنه ضمان تجارة.

стр. 1493

ولو أمر بذلك صبيا حرا لا يلزم الآمر شيء (١)، لأن ما يجب بحكم الأمر بالجناية (٢) ضمان جناية معنى، وأمر الصبي المأذون في ذلك وأمر الصبي المحجوب سوا (٣)، لأن الإذن لا يظهر إلا في التجارة، ولهذا لو أقرّ على نفسه بجناية لا يصح. هذا إذا كان الآمر صبيا مأذونا، فإن كان محجورا لا يجب على الآمر شيء من ضمان الجناية والغصب لفساد أمره. ولو كان الآمر مكاتبا، وهو الفصل الرابع من الباب: قال: (٤) مكاتب أمر عبدا مأذونا، أو محجورا صغيرا، أو كبيرا ليقتل رجلا فقتل، فإن كان لا يجب فيه القصاص، يخاطب مولى المأمور بالدفع أو الفداء، ثم يرجع على المكاتب بقيمة المأمور، إلا أن يكون الأرش أقل من قيمته، لأن الواجب باستعمال العبد ضمان الغصب، والمكاتب أهل لوجود ضمان الغصب (٥)، إلا أن تكون قيمة المأمور عشرة آلاف أو أكثر، فيرجع على المكاتب بعشرة آلاف إلا عشرة دراهم. وفيه نوع إشكال: وهو أن الواجب لو كان ضمان الغصب ينبغي أن تجب قيمة المأمور بالغة ما بلغت كما في الغصب، ولو كان الواجب ضمان لجناية ينبغي أن تجب قيمة المكاتب لا قيمة المأمور، فإن المكاتب إذا جنى جناية لا توجب القصاص، كان عليه قيمته. والجواب عنه: أن استعمال الجد في الجناية، وإن كان غصبا إلا أن ضمان الغصب

стр. 1494

فيه لا يتأكّد إلا (١) بالجناية، فيجب اعتبار الجناية فيه أيضا، كمن غصب عبدا، فقتل عنده رجلا خطأ (٢)، ثم ردّه على المولى، ودفعه مولاه بالجناية، رجع المولى (٣) على الغاصب بقيمة العبد (٤)، فإن كانت قيمته عشرة آلاف أو أكثر يرجع عليه بعشرة آلاف إلا عشرة، كذلك ههنا. وإن أمر المكاتب حرا صغيرا بالقتل (٥)، وجبت الدية على عاقلة الصبي، ثم ترجع عاقلة الصبي على المكاتب بقيمة المكاتب (٦) حالا، لأنه بالأمر صار جانيا على الحر، أو كالمقرّ بالجنابة، وموجب جناية المكاتب قيمته في كسبه، لأنه في حكم الاكتساب (٧) ملحق بالأحرار إلا أنه يقدر بقيمته؛ لأنه مملوك رقبة، ولو كان محلا للدفع يجب دفعه بالجناية، فإذا تعذّر دفعه قامت القيمة مقامه، وتكون حالًا، لأن القيمة خلف عن الرقبة، ولو وجب تسليم الرقبة يكون حالا فكذا خلفها. والمكاتب الكبير والصغير فيه سواء، لأن المكاتب (٨) الصغير ألحق بالحر الكبير لانقطاع ولاية المولى عنه، ولهذا لا يملك المولى تزويج مكاتبته الصغيرة.

стр. 1495

فإن عجز المكاتب (١)، وردّ في الرقّ، ينظر إن عجز قبل أن يقضي القاضي عليه بقيمته لعاقلة الصبي يبطل حق العاقلة أصلا، لأن القيمة لا تصير دَينا على المكاتب (٢) بدون القضاء، فإذا عجز قبل القضاء صار كالعبد المحجور. وحكم جناية العبد على المولى يخاطب بالدفع أو الفداء، وتعذّر إيجاب حكم هذه الجناية (٣) على المولى، لأنه محجور، فبطل أمره (٤) في حق المولى (٥)، وإذا بطل في حق الولي بطل في حق العبد أيضا حتى لا يؤاخذ به بعد العتق، كما لو جنى جناية ثم أعتقه. وإن كان بعد ما قضى عليه بقيمته، إن أدى كله أو بعضه إلى العاقلة سلم لهم ذلك، وبطل ما بقي، وإن لم يؤدّ شيئا يبطل حق العاقلة (٦) في الحال حتى لا يطالب المولى بشيء، ويؤاخذ به العبد بعد العتق في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يبطل حق العاقلة بل يؤاخذ به للحال. أصل المسألة في "كتاب الديات" (٧): المكاتب إذا أقر بالقتل خطأ ثم عجز، إن كان قبل القضاء بطل، وإن كان بعده فعلى الخلاف:

стр. 1496

لهما (١): أن القيمة صارت دينا بالقضاء، فلا تبطل بعوده إلى الرق (٢) كضمان الغصب والاستهلاك. ولأبي حنيفة: أنه لما بطلت الكتابة صار محجورا، والعبد (٣) المحجور لا يؤاخذ بضمان الجناية. فإن أعتقه المولى بعد العجز (٤)، وبعد القضاء بالقيمة فعاقلة الصبي بالخيار، إن شاؤا ضمنوا المولى، لأنه أعتق عبدا مديونا، وإن شاؤا ضمنوا العبد عند أبي يوسف ومحمد، لأن عندهما للعاقلة ولاية التضمين قبل العتق، فبعده أولى، وعند أبي حنيفة ليس لهم تضمين المولى، لأن عنده لم يكن العبد مؤاخذا بذلك (٥) قبل العتق، فلم يكن العبد مديونا في حق المولى. ولو لم يعجز (٦)، ولكنه أدّى الكتابة فعتق، للعاقلة أن يرجعوا عليه حالة، سواء كان ذلك قبل قضاء القاضي (٧) عليه بالقيمة أو بعده، لأنهم يرجعون عليه قبل العتق فبعده أولى، إلا أنهم يرجعون بحسب أدائهم، فما لم يؤدّوا شيئا لا يرجعون بشيء، وهم يؤدون في ثلاث سنين، فكلما أدّوا شيئا رجعوا عليه بذلك القدر من القيمة.

стр. 1497

ولو [أمر] (١) المكاتب عبدا صغيرا (٢)، أو كبيرا مأذونا، أو محجورا بالقتل فقتل، فإن كان قتلا لا يوجب القصاص، يخيّر مولى المأمور على ما قلنا، ثم يرجع على المكائب بقيمة المأمور بالغا ما بلغت، لأنه ضمان غصب، إلا أن تكون قيمة المأمور عشرة آلاف أو أكثر، فحينئذ يرجع عليه بعشرة آلاف إلا عشرة لما مر. فإن عجز المكاتب هنا (٣)، بيع في ذلك إلا أن يفديه المولى، لأن هذا (٤) ضمان غصب بخلاف ما إذا كان المأمور حرًا، فيباع فيه، كما في سائر الديون (٥)، فإن عتق بعد ما عجز فمولى العبد بالخيار، إن شاء رجع على مولى المكاتب، لأنه أعتق عبدا مديونا، وإن شاء رجع على المعتق بقيمة المأمور، لأن هذا دين لزمه بغصبه، فيكون بمنزلة سائر الديون الواجبة عليه: فإن أراد الرجوع على المولرو المعتق رجع (٦) عليه بالأقل من قيمة المأمور ومن الأرش، ثم يرجع بالفضل إلى تمام قيمة المأمور على المعتق. وإن أمر المكاتب مكاتبا صغيرا (٧)، أو كبيرا ليقتل رجلا فقتل، فالجناية تكون في عنق القاتل، وذلك قيمته، عجز الآمر بعد ذلك أو عتق، لأن المكاتب وإن كان صغيرا فهو

стр. 1498

بمنزلة الحر الكبير على ما قلنا. ولو كان المأمور رجلا حرا كانت الجناية عليه، ولا تنتقل إلى غيره إذا لم يكن مكرها، وكذا إذا كان مكاتبا، ألا ترى أن المولى لا يزوّج المكاتبة الصغيرة والمكاتب الصغير بغير إذنهما، ويزوج معتقته الصغيرة بغير رضاها، لأن المكاتب وإن كان صغيرا فهو بمنزلة الحر الكبير. - والله أعلم -

стр. 1499

باب ما يجب فيه القصاص فيبطل بحق أو بغير حق ويجب مكانه مال وما لا يجب بنى الباب علي أن مَن عليه القصاص في الطرف، إذا قضي بطرفة حقا عليه يتقوّم عليه، ويغرم أرش الطرف في ماله، وإن فات طرفه من غير أن يقضى حقا عليه لا يتقوم، ولا يغرم شيئا. ومَن عليه القصاص في النفس إذا قضي بنفسه حقا عليه لا يضمن شيئا؛ لأن القياس يأبى تقويم القصاص لفقدان المماثلة بينهما، وإنما عرفنا ذلك شرعا في الصلح، وعفوٍ بعض الشركاء، فيلحق به ما كان في معناه (١)، وثمّة تعذّر استيفاء القصاص (٢) لا لِمعنى من قِبل من له الحق مع سلامة محل الحق لمن عليه. فإذا قضي بطرفه حقا عليه، وصرَفه إلى حاجته، سلم له الطرف معنى، فيجب عليه الأرش رعاية للمستحق، أما إذا فات من غير أن يقضى به حقا لم يسلم له الطرف معنى. وكذا إذا قضي بنفسه حقا عليه لا تسلم له النفس معنىً؛ لأن سلامة النفس بعد الهلاك محال، بخلاف الطرف حال بقاء النفس. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل قطع يمينَ رجل عمدا (٣)، فوجب عليه القصاص، ثم قطعت يد القاطع في

стр. 1500

سرقة، أو قصاص لآخر، غرم القاطع الأول أرش اليد في ماله لوليّ القصاص، لأنه قضى بطرفه حقا عليه فيغرم أرش اليد (١). وكذا لو قطع الطريق (٢)، وأخذ المال، فقطعت يده ورجله من خلاف، فإنه يغرم لوليّ القصاص في ماله مؤجّلا إلى سنتين، ثلثاه في السنة الأولى، وثلثه في السنة الثانية. أما وجوب الأرش؛ لأنه قُضي (٣) بطرفه حقا عليه، ويكون في ماله؛ لأنه عَمدٌ صار مالا، ويجب في سنتين (٤)، لأن أرش اليد نصف الدية، والدية تجب في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها، وثلث الدية ثلثا النصف، فلهذا يجب ثلثا النصف في السنة الأولى، وما زاد عليه إلى النصف في السنة الثانية. وإن قُطعت يدُ القاطع (٥) ظلما عمدا أو خطأ، بطل القصاص لفوات محله، ولا يصير مالا، لأنه ما قُضى بطرفه حقا عليه،. وله القصاص على القاطع الثاني إن كان عمدا، وأرش اليد عفى عاقلته إن كان خطأ؛ لأن يد من عليه القصاص كانت معصومةً في حق سائر الناس، فيجب فيها ما يجب في سائر الأيدى، ولا حق للمقطوعة يده الأول في هذا الأرش، لأن حقه كان في القصاص، فلا ينقلب مالا لما قلنا. وهذا لأن الأرش بدل اليد الثانية، ولا حق لمن له القصاص في بدل اليد، وملك القصاص ملك ضرورى يظهر في الاستيفاء، وما كان من توابعه كالعفو والصلح لا في ملك البدل كملك النكاح للزوج، لا يظهر في ملك البدل حتى لو وطئت المنكوحة بشبهة،

стр. 1501

ووجب العقر، لا يكون للزوج. ولا يقال: بأن القاطع الأول لما أخذ أرش اليد (١) سلمت له اليد معنىً لسلامة بدلها، فيجب عليه الأرش لوليّ القصاص، لأنا نقول: الأرش بدل ضروري يظهر في حق الأخذ، ومن عليه لا في حق غيرهما، بل لجعل في حق غيرهما كأنه أخذ بجهة أخرى، ولأن اليد لا تسلم له من كلل وجه، وإنما تسلم له من وجه، إلا أن السلامة من وجه ألحقت بالسلامة من كل وجه إذا حصل بفعله واختياره، ولا اختيار له هنا، فلا يتقوّم عليه، ويجعل في حق من له القصاص كأنها سقطت. ولو أن من عليه القصاص في اليد عَدَا على قوم ليأخذ أموالهم، فضربوه، فانقطعت يده، لا شيء له عليهم (٢)، لأنه لما عدا عليهما بطلت عصمته في حقهم، ولهذا لو قتلوه كان هدرا، فكذا طرفه، ولا شيء عليه لوليّ القصاص، لأنه ما قُضِي بطرفه حقا عليه، وإنما قطعت يده على الإباحة. وكذا لو قتل رجلا عمدا، فدفع إلى وليّ القتيل (٣) ليقتله، فضربه، وقطع يده، ثم عفا عن النفس، لا يغرم القاتل الأول لصاحب اليد شيئا. أما عند أبي حنيفة؛ فلأن يده قطعت ظلما حتى يجب له الأرش على الثاني، فلم يكن قاضيا بطرفه حقا عليه، وعد أبي يوسف ومحمد (٤) حق وليّ القتيل يثبت في الأطراف تبعا لا قصدا، فلم يصر قاضيا بطرَفه حقا عليه، إلا أن ثبوت الحق في الطرف تبعا يمنع وجوب الأرش على وليّ القصاص في النفس.

стр. 1502

وكذا لو ارتدّ من عليه القصاص (١) في الطرف - والعياذ بالله - فقطعت يده بإذن الإمام، أو بغير إذنه، ثم أسلم المرتدّ، لا يغرم المرتد شيئا، لأنه ما قضى بطرفه حقا عليه، وإنما قطعت يده على الإباحة. وكذا لو قطع الطريق، وقتل، ولم يأخذ المال، فأمر الإمام بقتله (٢)، فضربه رجل (٣) وقطع يده، لا شيء على القاطع (٤) لأن الإمام أبطل عصمة نفسه فتبطل عصمة أطرافه، ولا يغرم من عليه القصاص شيئًا (٥) لوليّ اليد، لأنه ما قضى حقا عليه. وكذا لو زنى وهو محصن، فأمر الإمام برجمه (٦)، فقطع رجل يده، لا يغرم شيئا، ولا شيء لوليّ القصاص على القاطع الأول، لأنه ما قضي بطرفه حقا عليه. ولو أن الذي عليه القصاص في الطرف قَطَعَ الطريق، وأخَذَ المالَ، وقَتَلَ، كان الإمام بالخيار عند أبي حنيفة، إن شاء قطع يده ورجله من خلاف، ثم قتله، وإن شاء قتله (٧)، ولا يقطع. فإن قطع يده ورجله، ثم قتله، وترك مالا، كان لمن له القصاص في الطرف أرش

стр. 1503

الطرف في ماله، لأن القاضي (١) قضى في فصل مجتهد فيه، فنفذ قضاؤه، فيصير قاضيا بطرفه حقا عليه، فيغرم الأرش في ماله مؤجلا، فإذا مات يبطل التأجيل، فيؤخذ الأرش من ماله. ولو رأى الإمام أن يقتله، ولا يقطع يده ورجله، فأمر بذلك، فقطع رجل يده، لا يغرم من عليه القصاص في الطرف لوليّ القصاص شيئا، لأن القاضي لما قضى بالقتل لم يصر قطع اليد حدّا، فلم يصر قاضيا حقا عليه بل مات هدرا. وكذلك مرتدّ قطع يد رجل عمدا فقتل بالردّة، أو قطعت يده، لا يغرم لوليّ اليد شيئا، لأنه لم يُقض (٢) بطرفه حقا عليه. ثم استشهد محمد ﵀، فقال: ألا ترى أن رجلا لو قطع يميني (٣) رجلين عمدا، ثم ارتدّ - والعياذ بالله. فقتل بالردّة، لم يكن للمقطوع يمينهما إلا دية واحدة في ماله. ولو قطعت يمينه لأحدهما ثم قتل بالردّة، كان للثاني الذي لم تقطع يده دية كاملة، لأن في الوجه الأول ما قضي بيده حقا عليه، فبطل حقهما أصلا لفوات محله، بقي حقهما في دية واحدة، أما إذا قطعت يده بأحدهما فقد أوفى حق أحدهما، فبقيت دية اليد للآخر. ولو سرق قبل الردّة، ثم ارتدّ، - والعياذ بالله - (٤) فقَطَعَ الإمام يدَه في السرقة،

стр. 1504

كان (١) لكل واحد من صاحبي القصاص في اليد دية يد (٢) كاملة، لأنه قضى بطرفه حقا عليه، فيغرم لكل واحد من صاحبي القصاص (٣) دية يد كاملة. رجل قتل رجلا عمدا، فقتل ظلما أو حدًا، أو رجما أو قصاصا برجل آخر، لا يجب (٤) شيء لوليّ القصاص في ماله، والفرق بين النفس والطرف ما قلنا. وأشار في الكتاب إلى حرف آخر فقال: في النفس الواحدة وفاء بالحقين، ألا ترى أنهما لو حضرا وقتلاه، كان كل واحد منهما مستوفيا كل حقه حتى لا يقضى لهما بشيء، فإذا قتله أحدهما فإنما تعذّر على الآخر استيفاء حق لغيبته (٥) لا لصرف محل حقه إلى غيره، فلا يقضي له بالمال، أما الطرف الواحد يضيق عن الحقين. ألا ترى أنهما لو قطعا لا يكون كل واحد (٦) منهما مستوفيا كل حقه حتى يقضى لهما بدية اليد، فإذا قطعت يده بأحدهما، فإنما تعذّر على الآخر استيفاء حقه لمعنىً مَن جهة من عليه بصرف محل حقه إلى غيره، فانقلب حقه مالا. - والله أعلم -

стр. 1505

باب الورثة والموصى له الذي يدّعي بعضهم القتلَ عمدا وبعضهم خطأ ويدعي بعضهم شركة بعض بنى الباب على أصول: منها: أن الإقرار حجة في حق المقرّ، فيعامَل بإقراره كأنَّ (١) ما أقرّ به حق. والثاني: أن الحق يختلف باختلاف السبب. والثالث: أن الموصى له بالثلث لا حقّ له في القصاص (٢)، وله الحق إذا انقلب مالا، لأن حقه ثبت بالوصية، والوصية تناولت المال، والقصاص إذا انقلب مالا يكون للميت كسائر أمواله، يقضى منه ديونه، فيتعلق به الوصية. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل مات عن ابنين، وأوصى لرجل بثلث ماله، فأقام أحد (٣) الابنين البينةَ أن فلانا قتل أباه عمدا، وأقام الآخر البينة أن فلانا آخر قتله خطأ، فإنه لا قصاص. أما على المشهود عليه بالخطأ فظاهر، وكذا الآخر، لأن القتل ممّا (٤) لا يتكرر،

стр. 1506

فصارت شهادة شهود الخطأ شبهة في حقه. ثم المسألة بعد ذلك (١) على وجوه: إما إن صدّق الموصى له بالثلث مدعي الخطأ أو مدعي العمد أو كذّبهما، أو قال لا أدري. فإن صدّق مدّعي الخطأ، يقضي له ولمدّعي (٢) الخطأ بثلثي الدية على عاقلة القاتل في ثلاث سنين، لأن مدّعي الخطأ أثبت كل الدية على العائلة بين الابنين والموصى له أثلاثا، إلا أن مدّعي العمد لما أنكر ذلك (٣) فقد أبطل حق نفسه عما وجب له على العاقلة، فبقي حق الآخرين. ويقضي لمدّعي (٤) العمد على المشهود عليه بالعمد بثلث الدية في ماله في ثلاث سنين، لأن مدعي العمد (٥) أثبت القودَ لنفسه، وللابن الآخر؛ لأنه لا حق للموصى له فيه، إلا أن مدّعي الخطأ لما أنكر ذلك، فقد أبطل نصف القود، وصار (٦) كأنه عفا، فانقلب النصف الباقي مالا، فيتعلق به حق الموصى له، لأنه مال الميت وجب بدلا عن ذمته، فيكون للموصى له ثلث هذا النصف (٧)، وهو سدس الدية، وثلثا النصف لمدّعي العمد،

стр. 1507

إلا أن الموصى له لما صدق مدّعي الخطأ فقد أبطل حقه عن هذا السدس (١) بتصديق مدّعي الخطأ، ولأنه لا يستحق أكثر من ثلث الدية، وقد أخذ ذلك عن عائلة الآخر، فيبطل السدس عن المشهود عليه بالعمد، يبقى عليه ثلث الدية لمدّعي العمد. ولو كان الموصى (٢) له صدّق مدّعي العمد فلمدّعي الخطأ ثلث الدية على عاقلة الخاطئ في ثلاث سنين لما قلنا، ولمدّعي العمد والمولى له نصف الدية في مال العامد في ثلاث سنين، السدس للموصي له، والثلث لمدّعي العمد، لأن مدّعي العمد أثبت القود بينه وبين الابن الآخر، إلا أن مدّعي الخطأ أبطل نصفه، فانقلب النصف مالا بينه وبين الموصى له أثلاثا، لأن حق الابن ضعف حق الموصى له. [وإن كذّب الموصى (٣) له الابنين] (٤)، لا شيء له، لأنه لما كذّبهما فقد زعم أنه مات حتفَ أنفه، فيعامل بزعمه، ولا يقضى له بشيء، ويقضي لمدعي العمد بثلث الدية في مال القاتل، ويقضي (٥) لمدّعي الخطأ بثلث الدية على عائلة الخاطئ لما قلنا. [وإن صدّقهما (٦) الموصى له] (٧) فكذلك، لأن في تصديقهما تكذيبهما، لأن كل

стр. 1508

فريق شهدوا بقتل تفردّيه المشهود عليه، وقتل الواحد لا يتكرّر، فكان في تصديقهما تكذيبهما ضرورةً. ولو قال الموصى له: "لا أدري (١) قتل عمدا أو خطأ"، فحق الابنين ما قلنا، ويقال للموصى له: لا شيء لك حتى تدّعي أحد الأمرين، لأن الواجب له أحد الشيئين، إما ثلث الدية على عاقلة الخاطئ، أو سدس الدية في مال العامد، والقضاء بالمجهول، وبدون الطلب متعذّر، فلا يقضى له بشيء. فإن صدق أحدهما بعد ذلك صح (٢) تصديقه (٣)، ويقضي له بما قلنا، ولا يبطل حقه بقوله "لا أدري" لجواز أن يشتبه عليه، أو لا يدري ثم علم بعد ذلك، فيثبت في الكلام تحرّزا عن الكذب والخطأ، ولا يكون ذلك تكذيبا لأحدهما. كرجل قال لغيره: لك عليّ ألف درهم، فقال المقرّ له: "لا أدري"، كان له أن يصدّقه بعد ذلك، وكذا لو قال: لي على فلان ألف درهم، وأنت شاهد به، فقال الشاهد: "لا أدري"، ثم شهد بعد ذلك (٤)، جازت شهادته، ويحمل ذلك على علم حادث، كذلك هنا. ولو كان (٥) مكان الموصى له ابن آخر، والمسألة بحالها، فهذا والأول سواء إلا في خصلة، إذا صدق الابن الثالث مدّعي العمد يقضى لهما بثلثي الدية في مال العامد، لأن

стр. 1509

الابن الثالث يستحق القصاص كما يستحق المال، بخلاف الموصى له، ففي زعمهما أن القود كان بينهما أثلاثا إلا أن مدّعي الخطأ أبطلَ حقه، وانقلب نصيب الباقيين مالا، وذلك ثلثا الدية. ثم في (١) هذه (٢) المسائل لو تَوَى ما على العاقلة، ولمدعي الخطأ (٣) خرج ما كان لمعدي العمد في مال العامد (٤)، أو على العكس، لم يكن لمن توى نصيبُه أن يشارك الآخر، لأن حقهما مختلف لاختلاف المحل والوقت والسبب، فإن حق أحدهما في مال العامد، وحق الآخر على العاقلة، وسبب أحدهما عمد، والآخر خطأ، وهما غيران، وفي الخطأ تجب الدية كما وجد القتل، وفي العمد لا يجب المال إلا بعد سقوط القصاص (٥)، وباختلاف أحد هذه الأسباب يختلف الحق، فباختلاف الكل أولى، فلا يشارك أحدهما صاحبه. كعبد بين رجلين باع أحدهما نصيبه من زيد، وباع الآخر نصيبه من عمرو أو من زيد، فقبض أحدهما شيئا لا يشاركه الآخر. وكذا لو ادّعيا العمد والخطأ على رجل لا عاقلة له، فقبض أحدهما، لا يشاركه الآخر، لأن السبب مختلف، وإن اتّحد المحل.

стр. 1510

وكذا لو ادعيا جراحةً لا يستطاع فيها القصاص، وأرشها دون أرش الموضحة (١)، فإن (٢) ادّعى أحدهما أنه كان عمدا، وبرأ، ثم مات، وادّعى الآخر أنه كان خطأ، فإن القاضي يقضى (٣) بأرش الجناية نصفين في مال الجاني (٤) حالا، لأن ما دون أرش الموضحة لا يكون على العاقلة ويكون في مال الجاني حالًا (٥) وهو بمنزلة ضمان الأموال، فإن قبض أحدهما شيئا لا يشاركه الآخر، لأن سبب حقهما مختلف باختلاف العمد والخطأ، فيختلف الحق. قال: ألا ترى أن أحد الابنين لو أقام البينة أنه كان لأبيهما على هذا الرجل ألف درهم من قرض (٦)، وأقام الآخر البينةَ أنه كان لأبيهما على هذا الرجل (٧) ألف درهم من ثمن جارية باعها، وسلّمها إليه (٨)، وتصادقا أنه لم يكن لأبيهما على هذا الرجل إلا ألف درهم، فقضى لكل واحد منهما بخمسمائة، ثم قبض أحدهما شيئا، لا يشاركه الآخر، لأن السبب مختلف، وكل واحد منهما يُنكر ما يدّعيه الآخر.
следующие страницы →