فتبطل (١).
ولأبي حنيفة: أن الوصيّة أوسع بابا من غيرها، يتحمّل فيها ما لا يتحمل في غيرها، حتى لا يصح تمليك المعدوم إلا بطريق الوصيّة، فيجب تصحيحها بناء على اعتقادهم (٢)، كما لو أوصى للذمي (٣) بثلث ماله، وهو خمر أو خنزير، هذا كما قال أبو حنيفة: المسلم إذا وقف داره ثم مات تورث عنه (٤)، ولو كان الوقف موصى به لا تورث عنه (٥).
ثم سأل في الكتاب على نفسه سؤالا فقال: إذا أوصى بما يتقرب به إلى الله تعالى كيف [يصح] (٦) ذلك منه، وهو يعتقد المسيح إلهًا، ثم أجاب عن هذا (٧) فقال: تبنى الأحكام على ما يظهرون لا على ما يضمرون، ألا ترى أنه لو ذبح، وسمّى تحل ذبيحته، ولو أظهر ما في اعتقاده، وسمّى المسيح لا تحلّ.
стр. 1542
ولو أن رجلا دخل في بعض هذه الأهواء فأوصى بوصايا، فحكمه حكم المسلم، يجوز منه ما يجوز من المسلم سواء كان هوى يُكفر أهلها أولا.
أما إذا كان لا يكفّر فظاهر، وأما إذا كان هوى (١) يكفّر؛ لأنه يدعي الإسلام، وينتحل إلى ملة الإسلام، ولم يسمّ نفسه بغيره، فيعامل بظاهره كما نعاملهم في البياعات، والشهادات، والأنكحة، والصلاة عليهم، والدفن في مقابر المسلمين، ألا ترى أن رسول الله ﷺ كان يعرف المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٢)، ويُعاملهم بظاهر الإسلام، ويترك باطنهم إلى دار الآخرة.
ولو أن مسلما ارتدّ إلى النصرانية أو إلى اليهودية، فأوصى بوصايا قال: ما يجوز من المسلم، ومن أهل دينه الذي انتقل إليه يجوز منه، وما لا فلا (٣).
وعند أبي حنيفة إن أسلم يجوز منه ما يجوز من المسلم، وإن قتل على ردته، أو مات، أو لحق بدار الحرب، وقضي القاضي (٤) [بلحاقه] (٥) بطل في الكل، بناءً على أن تصرفات المرتد نافذة عندهما، موقوفة عند أبي حنيفة (٦).
стр. 1543
فإذا توقف ما باشره بنفسه في قول أبي حنيفة، فَلأن يتوقف الوصيّة، وإنها مضافة إلى ما بعد الموت كان أولى.
وعندهما إذا فعل شيئًا يجوز من أهل دينه ينفذ، فكذا إذا أوصى به.
وأما المرتدة إذا أوصت بشيء قال محمد: وصيتها (١) جائزة إلا بما تقربت به إلى ربها في الدين الذي انتقلت إليه لقوم بغير أعيانهم، فإنه لا يحفظ عنه في ذلك شيئًا.
بأس قوله (٢) أن تكون كالذمية، يجوز منها ما يجوز من الذمية، وأما عندهما: فالصحيح أن تكون كالذمية (٣)، ما لا يجوز من الذمية عندهما لا يجوز منها، لأن تصرفات المرتدة نافذة لا تردد فيها، ولا نصّ عنهما في وصيّتها بالخمر والخنزير.
والله أعلم بالصواب (٤)
стр. 1544
باب من الكفارات في الحج إذا حجّ الرجل عن الرجل
الأصل فيه أن الدماء التي تجب في الحج أنواع أربعة (١):
منها: ما يجب بطريق النُسْك (٢) كدم المتعة، والقران.
ومنها: ما يجب جزاء ارتكاب المحظور، كقتل الصيد: وحلق الرأس، ولبس المخيط، والطيب، والطواف على غير وضوء.
ومنها: ما يجب بترك شيء من أفعال الحج، كرمي الجمار ونحوه.
ومنها: دم الإحصار (٣).
стр. 1545
وجميعها يجب على الحاج (١)، وهو المأمور إلا دم الإحصار، فإنه يكون على الآمر، وفي مالك المحجوج عنه (٢) في قول أبي حنيفة ومحمد (٣).
وقال أبو يوسف: دم الإحصار يكون (٤) على المأمور أيضا، أما دم المتعة والقران؛ فلأنه وجب على المتمتّع بالنص شكرا، والممتّع هو الفاعل حقيقة، وللآمر ثواب النفقة، ولهذا كان بدل الدم وهو الصوم علي المأمور (٥)، فكذلك الأصل.
стр. 1546
وكذا الواجب بالجناية على المأمور، لأنه هو المرتفق والمرتكب لمحظور الإحرام، وكذا ما وجب بترك شيء من أفعال الحج؛ لأن الأفعال وجبت عليه بالتزامه فكذا ما يكون بدلا عنها.
والحاصل: أن كل دم يدخل فيه الصوم فهو على الحاج، ودم الإحصار لا يدخل فيه الصوم، فهو على الآمر في قول أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف (١).
وجه قوله: إن هذا دم شرع للتحليل عن الإحرام، يخكون على من يرتفق بالتحليل كدم الحلق والتطيب، ولأنه بدل عن الطواف، والطواف عليه فكذلك البدل.
ولهما: أن هذا دم شرع للخلاص عن عهدة الإحرام، وهو في الإحرام موافق أمر آمره غير مخالف (٢)، فكان إخراجه على من أدخله في العهدة (٣)، ولهذا كانت نفقته في الرجوع بعد ما أحصر على الآمر؛ لأنه عامل له في السفر، فكذلك هذا، كدم الإحصار (٤).
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
رجل أمر رجلا بأن يحج عنه، أو أوصى بذلك، ومات، فاحجّوا عنه رجلا، فأحرم
стр. 1547
المأمور، ثم أحصر بعدوّ أو مرض، فدم الإحصار في مالك المحجوج عنه، (١) لما قلنا.
قوله: "أمر رجلا أن يحج عنه"، تأويله أنه كان عاجزا، أو كان الحج (٢) نفلا، أما حَجّة الإسلام هو واجب لا يجوز فيه النيابة إلا عند العجز (٣).
والجملة فيه أن العبادات ثلاثة أنواع (٤):
منها: بدنية لا تعلق لها بالمال كالصوم والصلاة، فلا تجري فيها النيابة بحال.
ومنها: ما يتعلق بالمال كالزكاة والصدقات، يجوز فيها النيابة على كل حال.
ومنها: ما يتادّى بالبدن، ولها تعلق بالمال أيضا كالحج، تجوز فيها النيابة عند العجز، ولا تجوز عند القدرة؛ لأن لها حظًا من الشَبهين، فكان حكمها بين حكمين.
هذا هو ظاهر مذهب أصحابنا (٥)، فقد ذكر محمد ﵀ فيمن يحج عن غيره
стр. 1548
حجة الإسلام، جاز عن المحجوج عنه.
وذكر في موضع آخر: للمحجوج عنه (١) ثواب النفقة (٢).
стр. 1549
فلو أن المأمور بالحج أحرم، ووقف بعرفة، ثم منعه سلطان أو غيره (١) عن الوقوف بمزدلفة، وعن رمي الجمار، وعن طواف الصدر، ومكن من طواف الزيارة، كان عليه لترك الوقوف بمزدلفة دم، ولترك الرمي دم، ولترك طواف الصدر دم، وكل ذلك يكون على الحاج (٢) وهو المأمور (٣)؛ لأنها وجبت بترك أفعال كانت عليه (٤).
وكذا لو حلق رأسه وهو نائم، أو طيب وهو نائم، كان عليه الدم لحصول الارتفاق له.
ولا يقال بأن ترك طواف الصدر بعذر لا يوجب الدم، كالمرأة إذا تركت بعذر الحيض (٥)؛ لأنا نقول: ذلك فيما إذا كان العذر سماويا لا من قِبل العبد، أما إذا كان من قِبل العبد، فأمره في رفع الإثم لا غير.
стр. 1550
ألا ترى أن المريض إذا صلى قاعدا ثم برأ، لا تلزمه الإعادة، والمقيّد إذا صلى قاعدا ثم رفع عنه القيد تلزمه الإعادة.
ألا ترى أن الحاج لو كان امرأة، فحجت عن امرأة، فجومعت مكرهةً قبل الوقوف يلزمها الدم، ويفسد حجّتها حتى يلزمها القضاء، ولو جومعت بعد الوقوف يلزمها البَدَنة (١)، لما قلنا (٢).
ولو مرض الحاج (٣) فطاف بالبيت راكبا، أو محمولا، أو زحف للطواف زحفا، لم يكن عليه ولا على المحجوج عنه شيء، لأن الطاعة بحسب الطاقة، وقد صح أن رسول الله ﷺ طاف على ناقشه، وكان يستلم الأركان بمحْجَنه (٤) حين وثبت رجله (٥)، فاستدللنا لجواز ذلك من المعذور.
стр. 1551
وكذا لو أغمي عليه، فأوقفوه بعرفة، ورمى عنه الجمار، أو رُمِي بذلك من كفه، وهو مغمى عليه، لم يكن (١) على واحد منهما شيء؛ (٢) لأن فعل غيره في حالة العجز كفعله بنفسه، ولهذا لو مرض في وطنه، وحج عنه غيره بأمره جاز لما قلنا، فهذا أولى.
وهذا قول أصحابنا ﵏؛ إنما الخلاف بينهم فيما إذا أغمي عليه قبل الإحرام فأحرم عنه أصحابه، عند أبي حنيفة يجوز، [وعندهما لا] (٣)، أما بعد الإحرام يجوز عندهم جميعا (٤).
فإن قيل: لو جازت النيابة في هذا ينبغي أن يطوف عنه أصحابه، ويقفون عنه، ولا
стр. 1552
يطاف به، ولا يوقف بعرفة.
قلنا: فعله بنفسه أكمل من فعل غيره، وإنما يصار إلى الناقص عند العجز عن الأكمل (١)، لا حالة العجز لا يلزمه الأكمل، فيجوز الناقص، وفي الوقوف والطراف لم يعجز عن الأكمل؛ لأنه إذا وقف بعرفة كان هو الواقف، وإذا طافوا به كان هو الطائف، كما لو طاف على دابته، بخلاف الرمي؛ لأن الرامي فيه غيره على كل حال.
ولو طاف وهو على غير وضوء، أو جنبا ولا يعلم به، يجب الدم على الحاج في ماله، لأنه دم جبر لنقصان تمكن فيه، فيكون على الحاج، وإنما قال: "لا يعلم به" ليبين أنه وإن لم يلحقه الإثم كان الدم عليه لما قلنا.
والله أعلم بالصواب
стр. 1553
باب من الوصايا بالبيع والثلث مع ذلك والرقبة
يسمى هذا الباب "باب العروس" لتزيين مسائله بحسن الولاء والترتيب، كتزيين العروس بألوان الثياب.
جمع في الباب بين فصلين:
الوصيّة ببيع ليس فيه محاباة (١)، والثانى (٢): الوصيّة ببيع فيه محاباة، وضمّ إلى كل فصل ثلاث مسائل: الوصيّة بالرقبة، والوصيّة بالمال، والوصيّة بثلث المال.
وبنى الباب على أصول ثلاثة (٣):
أحدها: أن الوصيّة متى بطلت فيما زاد على الثلث بردّ الورثة، عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله عليها تبطل استحقاقا (٤)، ولا تبطل (٥) ضربا، وعند أبي حنيفة تبطل
стр. 1554
استحقاقا وضربا إلا في ثلاث مسائل: الوصية بالمحاباة، والوصيّة بالعتق، والوصيّة بألف مرسلة.
لهما: أن بطلان الوصيّة فيما زاد على الثلث لحق الورثة لدفع الضرر عنهم، والضرر في الاستحقاق دون الضرب، فلا تبطل في (١) الضرب [ضرورة] (٢).
ولأبى حنيفة ﵀ أن للضرب حكم الاستحقاق فإذا بطل الاستحقاق يبطل الضرب ضرورة (٣).
والثاني: أن الوصيّة ببيع ليس فيه محاباة لا تتوقف على إجازة الورثة، وإن استغرقت المال، لأن تصرف الإنسان في خالص حقه لا يتوقف على إجازة الغير، والوصيّة بالبيع صادفت حق الميت؛ لأن حق الورثة في معاني التركة لا في أعيانها، ولهذا لو باع لمريض جميع ماله بمثل القيمة نفذ بيعه (٤).
والثالث: أن الوصيّة بألفين إذا بطلت في شيء منه باستحقاق أو نحوه تبطل أصلا، وإن لم نبطل لكن تعذّر تنفيذها لفوات العين، فإن فاتت العين إلى بدل ينفذ في بدلها تنفيذا الوصيّة بقدر الإمكان.
стр. 1555
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل مات، وترك عبدا قيمته ألف درهم لا مال له غيره، وقد أوصى بأن يباع من فلان بألف درهم، وأوصى برقبته لآخر، وكانت الوصيّة بالرقبة قبل الوصيّة أو بعدها.
نقول: الوصيّة بالبيع لا تتوقف على إجازة الورثة، والوصيّة بالرقبة فيما زاد على الثلث تتوقف، فإن أبت الورثة أن يجيزوها، على قول أبي حنيفة يعطى للموصى له بالرقبة نصف سدس جزء من اثني عشر جزءًا من العبد، ويباع الباقي من الموصى له بالبيع بأحد عشر جزء من اثني عشر جزءا من الثمن (١)؛ لأنه كما مات الموصي، عملت (٢) الوصية بالبيع؛ لأنها لا تتوقف على إجازة الورثة (٣).
والوصيّة بالرقبة لا حكم لها فيما زاد على الثلث قبل الإجازة، فيعلق حق الموصى له بالثلثين بلا مزاحمة، ويجعل في حقه كأن الميت أوصى للثاني بثلث الرقبة، فينصرف إلى الثلث الشائع كما هو قضية الثلث المطلق، والنصف المطلق، وإنما تنصرف الوصية بالثلث المطلق إلى الثلث الذي هو خالص حق الميت تصحيحا لتصرفه، إذا لم يكن هناك وصيّة أخرى بالكل: تنفذ من غير إجازة، وههنا في صَرف وصيّته إلى الثلث الذي هو خالص حق الميت زيادة إبطال الوصية بالبيع، فينصرف إلى الثلث الشائع.
والعبد ثلثه حق الميت، وثلثاه حق الورثة، فالموصى له بالرقبة في الثلث الذي هو
стр. 1556
خالص حق الميت يضرب بثلث الثلث، والموصى له بالبيع يضرب بجميع الثلث، فصار هذا الثلث بينهما على أربعة.
وإذا صار ثلث العبد أربعة صار الكل على اثني عشر؛ يعطى للموصى له بالرقبة جزء من اثني عشر جزءا من العبد؛ ويتوقف استحقاق الزيادة على إجازة الموصى له بالبيع والورثة، ويباع الباقي من الموصى له بالبيع بأحد عشر جزءا من اثني عشر جزءا من الثمن؛ لأنه أوصى ببيع العبد بألف، فكان موصى ببيع كل جزء منه بقسطه من الثمن.
وعلى قول أبي يوسف ومحمد يعطى للموصى له بالرقبة سدس العبد، ويباع خمسة أسداس العبد من الموصى له بالبيع بخمسة أسداس الثمن؛ لأن عندهما الموصى له بالرقبة إن كان لا يستحق الزيادة على الثلث قبل إجازة الورثة يستحق الضرب بذلك، لما ذكرنا أنه لا ضرر للورثة (١) في الضرب، وإذا ضرب بجميع العبد في الثلث، والموصى له بالبيع كذلك؛ صار الثلث بينهما نصفين، للموصى بالرقبة نصف الثلث، ويباع الباقي من الموصى له بالبيع بخمسة أسداس الثمن، ويكون الثمن للورثة؛ ولا يكون للموصى له بالرقبة شيء من الثمن في قولهم.
فرق بين هنا وبين ما إذا أوصى برقبة عبده لإنسان، فقتل العبد خطأ، ووجبت القيمة، كانت القيمة للموصى له بالرقبة (٢)، وكذا لو بيع العبد الموصى برقبته لقضاء دين الميت، ثم أبرأ الغرماءُ الميتَ عن دَينهم، فإن الثمن يكون للموصى له بالرقبة (٣).
والفرق أن في مسألة الباب حق الموصى له بالرقبة كان في عين العبد، وبقدر ما بيع
стр. 1557
استحقه الموصى له باليع سابقا على البيع، فبطلت الوصيّة بالرقبة في ذلك القدر بحكم الاستحقاق كما لو استحق كله، وقد ذكرنا أن الوصيّة متى بطلت لا تتحول إلى البدل بخلاف مسألة (١) القتل؛ لأن ثمّة القاتل ما أستحق عليه محل الوصيّة، بل القتل صادف ملك الموصى له، وفات محل حقه إلى بدل فكان البدل له.
وكذلك في مسألة الدين، صاحب دين الميت لم يستحق العبد؛ لأن حقه في ذمة الميت إلا أن الدين مقدم على الوصية مع قيام الوصيّة، فإذا سقط الدين بالإبراء، ووصيّته قائمة تنفذ في بدلها.
هذا إذا لم تجز الورثة الوصيّة بالرقبة، فإن أجازت الورثة والموصى له بالرقبة ولم يجز الموصى له بالبيع فكذلك، لأن الموصى له بالبيع كان يستحق بيع خمسة أسداس العبد عندهما.
وعند أبي حنيفة بيع (٢) خمسة أسداسه ونصف سدسه قبل إجازة الورثة فلا يتغير بإجازة الورثة، لأن إجازتهم تعمل في حقهم لا في حق غيرهم، فلا يتغير حقه إلا بإجازته؛ وإجازة الموصى له بالرقبة في ذلك لا تعتبر.
وإن أجازت الورثة الوصيّة بالرقبة، وأجاز الموصى له بالبيع الوصيّتين كان للموصى له بالرقبة نصف العبد، ويباع نصفه من الموصى له بالبيع بنصف الثمن، لأن الموصى له بالبيع لما أجاز الوصيّتين أبطل (٣) حقه عن (٤) نصف الرقبة، ولو أبطل حقه عن الكل يسلم
стр. 1558
له كل العبد؛ فإذا أبطل عن (١) النصف يسلم له النصف، وإذا بيع النصف كان الثمن للورثة؛ لأن الموصى له بالبيع استحق عليه النصف، فبطلت وصيّته في النصف فلا تتحول إلى الثمن.
وإن أوصى بأن يباع عبده من فلان بألف درهم، وأوصى بجميع ماله لآخر، وأبت الورثة أن يجيزوا، يعطى للموصى له بالرقبة (٢) ربع الثلث سهم من اثني عشر عند أبي حنيفة، ويباع الباقي من الموصى له بأحد عشر جزءا من اثني عشر جزءا من الثمن؛ لأن عنده الموصى له بالمال لا يضرب في الثلث إلا بالثلث، والموصى له بالبيع يضرب بالكل في الثلث على الوجه الذي ذكرنا في المسألة الأولى.
وعند محمد يعطى للموصى له بالمال سدس العبد، ويباع خمسة أسداس العبد من الموصى له بالبيع لأن عنده الموصى له بالمال في حكم الضرب بمنزلة الآخر، فيكون الثلث بينهما نصفين لاستوائهما في حكم الضرب، ثم يكمل حقه إلى تمام الثلث من الثمن، يعطى له سدس الثمن في قول محمد، وثلاثة أسهم من الثمن في قول أبي حنيفة.
فرق بين هذا وبين ما تقدم في الفصل الأول، لا يعطى له شيء من الثمن، وههنا يكمل حقه إلى تمام الثلث من الثمن.
والفرق أن فيما تقدم كان حقة في العهد لا في مالك الآخر. ولا وجه أن يعطى من الثمن لكونه بدلا عن العبد، لأن الوصيّة بطلت في البعض بحكم الاستحقاق فلا تتحول إلى البدل، وههنا حقه في ثلث مالك الميت والثمن مالك الميت؛ كما أن العبد مالك الميت، ولو ظهر للميت مال آخر كان له الثلث، من ذلك المال فكذلك الثمن.
стр. 1559
فإن أجازت الورثة، ولم يجز الموصى له بالبيع الوصيّتين، عند أبي حنيفة يعطى للموصى له بالمال ربع ثلث العبد وثمن الباقي، وعند محمد يعطى له نصف الثلث من العبد، وخمسة أسداس الثمن، وإجازة الورثة تعمل في حقهم، ولا تعمل في حق الموصى له بالبيع لما قلنا.
ولو أجازت الورثة، والموصى له بالبيع الوصيّتين يعطى للموصى له بالمال نصف العبد، ونصف ثمنه بالاتفاق لما قلنا.
ولو كان مكان الوصيّة بالمال الوصيّة بثلث المال والمسألة بحالها، فإن لم يجز الموصى له بالبيع، يعطى للموصى له بالثلث ربع الثلث من العبد سهم من اثني عشر، وثلاثة أسهم من الثمن في قول أبي حنيفة لما ذكرنا. وأما عند محمد فلأنه خالف أبا حنيفة فيما إذا كانت وصيّته بأكثر من الثلث، فقال: يضرب بجميع وصيته، فأما إذا كانت وصيّته بقدر الثلث لا يضرب بأكثر من الثلث فكان جوابه كجواب أبي حنيفة.
ثم لا تعتبر إجازة الورثة في هذه المسألة، لأن الوصيّة بقدر الثلث لا تتوقف على إجازة الورثة، وإنما تعتبر إجازة الموصى له بالبيع.
فإن أجاز الموصى له بالبيع وصيّة الثاني، يعطى للموصى له بالثلث ربع الرقبة لحما ودما ثلاثة من اثني عشر، ويباع الباقي من الموصى له بالبيع بثلاثة أرباع الثمن، ويعطى للموصى له بالثلث ما بقي إلى تمام الثلث، وهو سهم من اثني عشر من الثمن؛ لأن الموصى له بالثلث عند إجازة الموصى له بالبيع يضرب بالثلث، والموصى له بالبيع يضرب بجميع الرقبة ثلاثة أسهم، فيصير العبد بينهما على أربعة يعطى للموصى له بالثلث ربع العبد، ويباع الباقي من الموصى له بالبيع بثلاثة أرباع الثمن، ثم يكمل حق الآخر في الثلث، فيعطى له سهم من اثني عشر سهما من الثمن.
стр. 1560
وعند أبي يوسف في هذه المسألة، والمسألة التي قبلها يباع كل العبد من الموصى له بالبيع، ويعطى حق الآخر من الثمن لا من عين العبد، بخلاف الموصى له بالرقبة لما نذكر بعد هذا.
وأما الفصل الثاني: وهو ما إذا أوصى ببيع فيه محاباة:
صورته: إذا أوصى بأن يباع عبده من فلان بمائة، وقيمته ألف لا مالك له غير العبد، فهذه على وجوه ثلاثة:
أحدها إذا أوصى برقبة العبد لآخر، أو بجميع ماله، أو بثلث ماله.
أما في الوجه الأول: وهو ما إذا أوصى برقبة العبد لآخر، فإن لم يجز الموصى له بالبيع وصيّة الآخر، ففي قياس قول أبي حنيفة يعطى للموصى له بالرقبة ربع ثلث العبد سهم من اثني عشر، ويباع الباقي منه بثلثي الثمن، وهو ثمانية أسهم من اثني عشر سهما، أما يعطى للموصى له بالرقبة (١) سهم من اثني عشر سهما من العبد؛ لما ذكرنا في المسائل المتقدمة أن الموصى له بالبيع في الوصيّة بالبيع يضرب بجميع العبد. وكذلك في المحاباة يضرب بجميع وصيّته عند الكل، وإن كان لا يستحق عند رد الورثة إلا ثلثها.
وإنما يباع الباقي بثلثي الثمن؛ لأنه حابى بأكثر من الثلث؛ لأنه أمر ببيع العبد بمائة، والمائة عُشر قيمته، فكانت المحاباة بتسعة أعشار قيمته والمحاباة وصية؛ فإذا لم تجز الورثة لا تنفذ إلا بقدر الثلث، لأن في الزيادة إبطال حق الورثة؛ وثلث اثني عشر أربعة، إلا أن الموصى له بالرقبة استحق عليه ربع الثلث، والمحاباة وصية في ضمن البيع، فإذا بطلت وصيته في ربع الثلث من العبد بطل من المحاباة بقدر ذلك، وبقي حقه في ثلاثة أسهم، فيحط عنه ثلاثة أسهم من الثمن، ويباع الباقي من العبد بثلثي الثمن، وذلك ثمانية من اثني
стр. 1561
عشر، ويكون ذلك للورثة لما مرّ.
وعند أبي يوسف ولمحمد يعطى للموصى له بالرقبة سدس العبد، ويباع خمسة أسداس العبد من الموصى له (١) بالبيع بثلثي الثمن، وذلك أربعة من ستة، ويكون ذلك للورثة، فيكون الثلث بين صاحبي الوصية نصفين؛ لأن عندهما كل واحد منهما يضرب بجميع وصيته في الثلث.
ولو أوصى بأن يباع العبد من فلان بمائة درهم، وأوصى بجميع ماله لآخر، وأبت الورثة أن يجيزوا، عند أبي حنيفة يعطى للموصى له بالمال ربع ثلث العبد سهم من اثني عشرا ويباع الباقي من الموصى له بالبيع بمائتي سهم، وثلاثة وثمانين سهما، وربع سهم من أربعمائة سهم، وسبعة عشر سهما من قيمة العبد، فيكون للورثة من ذلك مائتا سهم، وثمانية وسبعون سهما، ويكون للموصى له بالمال خمسة أسهم، وربع سهم تمام وصيته.
أما يعطى للموصى له بالمال سهم من اثني عشر سهما من العبد لما عرف أنه الموصى له بالبيع يضرب في الثلث لجميع العبد والموصى له بالمال يضرب (٢) بثلث شائع على الوجه الذي قلنا، فيعطى له سهم من اثني عشر سهما من العبد، وبطلت وصية الآخر في ذلك، يبقى أحد عشر سهما، وقد أوصى بأن يباع الباقي منه بعشرة؛ لأنه لما أوصى بأن يباع العبد بمائة، والمائة عُشر العبد، فقد أوصى بأن يباع كل جزء منه بعشرة، وليس لما باقي من العبد وذلك أحد عشر عُشر صحيح، فضربنا أصل المسألة (٣)، وهو اثني عشر في مخرج العشر، وذلك عشرة، فصار مائة وعشرين.
стр. 1562
أعطينا للموصى له بالمال ربع الثلث عشرة، بقي مائة وعشرة، وقد أوصى بأن يباع هذا بعشرة، وعشر ذلك أحد عشر، فكانت وصيته بتسعة وتسعين، ووصية الآخر في ثلث كامل، وذلك أربعون؛ لأن قدر ما لا يسلم له من عين العبد يعطى إلى تمام الثلث من الثمن، لأن الثمن والعبد مالك الميت، وحقه في ثلث مال الميت (١)، فإذا جعلنا العبد مائة وعشرين كان ثلثه أربعين، فوصية أحدهما أربعون، ووصية الآخر بتسعة وتسعين، فكان جملة سهام الوصايا مائة وتسعة وثلاثين، اجعل هذا ثلث المال، وللورثة ضعف ذلك، فيكون أربعمائة وسبعة عشر.
أعطينا للموصى له بالمال من عين العبد ربع الثلث، وذلك أربعة وثلاثون، وثلاثة أرباع بقي من حقه إلى تمام الأربعين خمسة وربع، وبقي من العبد بعد ما أعطينا ربع الثلث ثلثمائة واثنان وثمانون سهما، وربع سهم يحط عن الموصى له بالبيع قدر وصيته من الثمن، وذلك تسعة وتسعون، يبقى من ثمن العبد مائتان وثلاثة وثمانون سهما، وربع سهم، ويباع منه ما بقي من العبد بمائتين وثلاثة وثمانين سهما، وربع سهم من أربعمائة سهم، وسبعة عشر سهما.
فيعطى للموصى له بالمال من الثمن خمسة وربع تكميلا لحقه، ويسلم للورثة ثلثا الثمن، وذلك مائتان وثمانية وسبعون سهما من أربعمائة سهم وسبعة عشر، وسلم الثلث للموصى لهما أربعون سهما، للموصى له بالمال أربعة وثلاثون سهما من عين العبد، وخمسة وربع من الثمن، وحط عن الموصى له بالبيع تسعة وتسعون، فاستقام الثلث والثلثان.
وإنما يباع ما بقي من العبد بعد ما أعطينا منه ربع الثلث بالزيادة على ثلثي الثمن،
стр. 1563
وفرقنا بينه وبين ما إذا أوصى بالبيع بمائة وبالرقبة لآخر؛ فإن ثمّة يعطى للموصى له بالرقبة ربع الثلث، ويباع الباقي من الموصى له بالبيع بثلثي الثمن لا بالزيادة، وهنا يباع بأكثر من الثلثين، لأن ثمة حق الموصى له بالرقبة في عين العبد، فإذا أعطينا له ربع الثلث من العبد بطلت وصيته فيما زاد على ذلك أصلا.
أما هنا حق الموصى له بالمال في عين العبد وثمنه أيضا، فإذا أعطينا له ربع الثلث من عين العبد يكمل حقه إلى تمام الثلث من الثمن، فلهذا ضمَمنا ما بقي من حقه إلى ثلثي المال (١)، وبِعنا ما بقي من العبد بالزيادة على الثلثين، وهذا كله قول أبي جنيفة.
وعلى قول محمد يعطى للموصى له بالمال سدس العبد، ويباع خمسة أسداس العبد من الموصى له بالبيع بتسعة وعشرين سهما من اثنين وأربعين سهما من قيمة العبد، ويسلم للورثة ثمانية وعشرون سهما من ذلك، ووجهه أن الموصى له بالمال يضرب في الثلث بالجميع أيضا (٢)، والموصى له بالبيع يضرب بالجميع أيضًا (٣)، فيقسم الثلث بينهما نصفين، فكان للموصى له بالمال سدس العبد، بقي قيمة (٤) خمسة أسداس العبد، وقد أوصى بأن يباع بعشرة؛ لأنه أوصى بأن يباع العبد بمائة، والمائة عشره، فكان موصي بأن يباع كل جزء منه بعشره، وليس لخمسة الأسداس عُشر صحيح.
فضربنا أصل المسألة، وهي ستة في عشرة، فتصير ستين؛ للموصى له بالمال سدس العبد، وهو عشرة، بقي خمسون، وقد أوصى بأن يباع بعشرة، وذلك خمسة، بقيت
стр. 1564
وصيته بخمسة وأربعين، فهو يضرب بخمسة وأربعين (١) والموصى بالمال يضرب بكل العبد، وذلك ستون إلا أن بين خمسة وأربعين، وبين ستين موافقة بالثلث، فاختصرنا على الثلث، وجعلنا ثلث خمسة وأربعين، وذلك خمسة عشر سهما، فصارت خمسة وأربعين.
ثلاثة أسهم، وستين أربعة أسهم، فصار سهام الوصايا سبعة. اجعل هذا ثلث المال.
وإذا جعلنا ثلث المال سبعة صار جميع المال أحدا وعشرين، فجعلنا ثلث المال، وذلك سبعة بين الموصى لهما نصفين، فانكسر بالإنصاف، فضعفنا لزوال الكسر، فصار الثلث أربعة عشر، والكل اثنين وأربعين، أعطينا للموصى له بالمال نصف الثلث سبعة، بقي إلى تمام حقه سهم واحد، لأن حقه قبل التضعيف كان في (٢) أربعة، فبعد التضعيف يكون في ثمانية، ويحطّ عن الموصى له بالبيع قدر وصيته ستة؛ لأن حقه قبل التضعيف وإن في ثلاثة، فبعده يكون في ستة، بقي من قيمة العبد العبد تسعة وعشرون، ويباع خمسة أسداس العبد بتسعة وعشرين، يعطى للموصى له من ذلك سهم واحد تمام حقه، ويسلم للورثة ثمانية وعشرون، وذلك ثلثا المال.
أو نقول: لما جعلنا العبد على ستة، وأعطينا سدسًا للموصى له بالمال، بقي خمسه أسداس العبد، وقد أوصى بأن يباع هذا بعشره، فكانت وصيته بتسعة أعشار خمسة أسداسه، وذلك أربعة ونصف، وحق الموصى له بالمال في كل العبد، وذلك ستة، فاجعل تفاوت ما بينهما، وذلك سهم ونصف بينهما، فصار أربعة ونصف ثلاثة أسهم، وستة أربعة أسهم، فصار سهام الوصايا سبعة، اجعل هذا ثلث المال، وإذا جعلنا ثلث المال سبعة، وقسّمنا السبعة بينهما تكسر بالإنصاف، فضعفنا فصار ثلث المال أربعة عشر،
стр. 1565
والكل اثنين وأربعين، والتخريج إلى آخره.
وهذا إذا أوصى بالبيع على هذا الوجه، وبجميع ماله لآخر، فإن أوصى بالبيع بمائة، وأوصى بثلث ماله لآخر، والمسألة بحالها، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد الجواب فيه كالجواب فيما إذا كانت وصية الآخر بجميع المال.
أما على قول أبي حنيفة فظاهر لأن الموصى له بالبيع يضرب في الثلث بالكل، والموصى له بالثلث لا يضرب إلا بالثلث، ومحمد وافقه في هذا الوجه؛ لأن الموصى له بالثلث يضرب بالثلث، والموصى له بالبيع يضرب بالكل، فكان جوابه كجواب أبي حنيفة.
أما على قول أبي يوسف إذا أوصى بالبيع بمائة، وأوصى بالمال أو بثلث المال لآخر يباع كل العبد من الموصى له بالبيع، ويوفى حق الآخر من الثمن إلا أن في هذا (١) الوجه الأول، وهو ما إذا أوصى ببيع العبد، وبجميع ماله لآخر، يباع العبد بثمانية وأربعين سهما، من (٢) سبعة وخمسين سهما من قيمته؛ لأنه لما أوصى ببيع العبد بمائة فقد أوصى له بتسعمائة؛ لأنه لا محاباة في قدر العوض، ووصيته للآخر بجميع ماله، وهو ألف درهم، فاجعل كل مائة سهما، فصار الألف عشرة أسهم، وسبعمائة تسعة أسهم، فيصير سهام الوصايا ثلث المال.
وإذا صار ثلث المال تسعة عشر كان كل المال سبعة وخمسين، يحطّ عن الموصى بالبيع قدر وصيته تسعة، ويباع العبد منه بثمانية وأربعين من سبعة وخمسين من قيمته، ويعطي للموصى له بالمال وصية عشرة أسهم، بقي للورثة ثمانية وثلاثون.
стр. 1566
وفي المسألة الثانية: إذا أوصى بالبيع بمائة، وبثلث ماله لآخر، حق الموصى له بالبيع في تسعمائة، وحق الآخر في ثلث الألف ثلاث مائة وثلاثة وثلاثين وثلث، فاجعل كل ثلاثة وثلاثين وثلث سهم سهما، فيصير كل مائة ثلاثة أسهم، وثلث الألف عشرة، ويصبر تسعمائة الألف سبعة وعشرين، فتصير سهام الوصايا سبعة وثلاثين، فيجعل هذا ثلث المال، وجميع المال مائة وأحد عشر، يحطّ عن الموصى له بالبيع سبعة وعشرون، ويباع العبد منه بأربعة وثمانين من مائة وأحد عشر من قيمته، يعطى من ذلك للموصى له بالثلث غيره، ويسلم للورثة أربعة وسبعون، وهذا ثلثا المال.
وجه قوله في هذه المسائل أن الموصى له بالمال، والموصى له بثلث المال شريك الوارث؛ لأنه كما يزداد حق الورثة بزيادة المال، ويقلّ بقلّته يزداد حق الموصى له بزيادة المال ويقلّ بقلته، ثم حق الورثة لا يمنع الوصية ببيع العبد (١)، وإنما يعتبر حقهم في المالية، فكذلك حق الموصى له بالمال، ويكون غرض الموصي إيصال عَين العبد إلى أحدهما، وماليته إلى الآخر، فلا تجوز الشركة بينهما، لأن الشركة في الأعيان عيب.
ولأبي حنيفة ومحمد أن حق الموصى له ثبت بإيجاب الموصى، وإيجابه تناول العين والمعنى جميعا، فلا يجوز إبطال حق أحدهما عن العين بخلاف الوارث، لأنه خَلف عن الميت مطلقا، لا يثبت له ملك حادث، ولهذا يردّ بالعيب، ويردّ عليه، فإنما ينتقل إليه مال الميت بشرط الفراغ عن حاجة الميت، والإنسان قد يحتاج إلى نقل الأعيان وصورها إلى غيره، فلا يمتنع ذلك لحق الوارث.
ألا ترى أنه لو أوصى بعبده لإنسان، وهو يخرج من الثلث، كان العبد له،
стр. 1567
ولا يزاحمه الوارث، وإن كان حق (١) الوارث في ثلثي المال شائعا، وبمثله لو أوصى بعبده لإنسان، وهو سدس ماله، وبسدس ماله لآخر، فإن الموصى له بالسدس يزاحم الموصى له بالعبد في العبد؛ لأن حقه ثبت بإيجاب الموصى، وإيجابه يشمل العينَ والمالَ (٢) جميعا، والله أعلم (٣).
وروى بِشر في الأمالي عن أبي يوسف: رجل أوصى بأن يباع عبده من فلان بألف درهم، وقيمته ألف درهم، وأوصى لآخر بثلث ماله، وأبت الورثة أن يجيزوا، قال: يباع العبد من الموصى له بألف، ويعطى للموصى له بالثلث ألف درهم.
وصورة المسألة: إذا ترك ألفي درهم سوى العبد حتى يكون ماله ثلاثة آلاف، أمّا يُباع كل العبد من الموصى له؛ لأن الوصية بالبيع إذا لم يكن فيه محاباة لا تتوقّف على إجازة الورثة، ويعطى للآخر ألف درهم، لأنه أوصى له بالثلث، وثلث ماله ألف، ولا يعطى له شيء من عين العبد لما عرف من مذهبه.
فإن وجد المشتري بالعبد عيبا، فردّه على الورثة، رجع بثلث الثمن على الموصى له، وبثلثي الثمن على الورثة؛ لأن البيع بحكم الوصية كبيع الموصى في حياته، ولو باع العبد في حياته، واقتسموا المال بينهم أثلاثا، ثم ردّ العبد بعيب، كان الثمن في مالك الميت على هذه السهام كذلك ههنا.
ولو أوصى بأن يباع العبد من فلان بخمسمائة، وقيمته ألف، فلم تجز الورثة، يباع العبد من الموصى له بالبيع بستمائة وستة وستين وثلثي درهم؛ لأنه أوصى له بالمحاباة
стр. 1568
بخمسمائة، وأوصى لآخر بألف درهم، وهذه وصية بأكثر من الثلث، فإذا لم تجز الورثة عادت إلى الثلث.
ويقسّم الثلث بينهما على قدر حقهما، وحق الموصى له بالثلث في ألف، وحق الموصى له بالبيع في خمسمائة، فيصير الثلث بينهما أثلاثا، لصاحب الثلث ثلثا الألف، ولصاحب البيع ثلث الألف، فيحط في الموصى له بالبيع ستمائة وستة وستون وثلثا سهم (١)، فإن وجد المشتري بالعبد عيبا فردّه على الورثة، أمروا بدفع ثلث العبد إلى الموصى له بالثلث؛ لأن حقه كان في ألف، وإنما وصل إليه ثلثا الألف، ولم يصل إليه تمام الألف لمكان المزاحمة، فإذا بطلت الوصية بالبيع بردّ العبد زالت المزاحمة، فكمل حقه، ويعطى ثلث العبد.
وإن لم يوص بالثلث ولكن أوصى لرجل برقبة العبد، وأوصى لآخر ببيعه بألف درهم نفذت الوصيتان جميعا، لأنه ليس في تنفيذهما إبطال حق الورثة، فيقسم العبد بينهما نصفين؛ يعطى نصفه لصاحب الرقبة، ويباع النصف من الآخر بنصف الألف لاستوائهما. ولا يعطى للموصى له بالرقبة شيء من الثمن.
والله أعلم بالصواب
стр. 1569
باب الوصية التي تكون لواحد ثم تصير لاثنين أو تصير وصيتين
بنى الباب على: أن الوصية بالعين تتعدّى إلى ما يحدث من الزوائد بعد موت الموصي قبل القسمة، وكذا الوصية بفعل يثبت ملك العين للموصى له نحوَ الوصية بالهبة، والصدقة.
والوصية بفعل لا يثبت ملك العين للموصى له نحوَ الوصية بالإعتاق، وما يجري مجراه لا تتعدّى إلى الزوائد.
أما الوصية بالعين فلأنها سبب لملك العين، فكما مات الموصي يملكها الموصى له، فما يحدث من الزوائد يحدث على ملكه، فيكون له (١).
وكذا الوصية بفعل يثبت ملك العين؛ لأنها تثبت ملك العين عند التنفيذ، وتنفيذ الوصية بقدر الثلث واجب، فكان موجبا حقا في العين قبل التنفيذ، والحقوق المتعلقة بالعين تتعدّى إلى أجزائه، وإلى ما يتولّد، كحق الكتابة والرهن والتدبير وغير ذلك، ولهذا لو هلك قبل القسمة إلى بدل تنفذ في بدلها.
أما الوصية بفعل لا يثبت الملك لا يثبت حقا في العين، إنما العين محل لإقامة الوصية، قبل إقامة الفعل (٢) كان المحل خاليًا (٣) عن الحق، فلا يتعدّى إلى الزوائد،
стр. 1570
ولهذا لو هلك العين قبل القسمة إلى بدل، لا يجب تنفيذ الوصية في بدلها.
والأصل (١) الثاني: أن الوصية بالمال إذا بنيت على الوصية بفعل مقصود كانت لوصية بالمال تبعا للوصية بالفعل، حتى لو بطلت الوصية الأولى بردّ الموصى له بطلت الثاني لفَوات ما ينبنى عليها، ويتعلق به غرض الموصي.
ثم الزوائد أقسام ثلاثة:
زيادة متولّدة من العين، منفصلة عنه، كالولد واللبن والثمر.
وزيادة غير متولدة من العين، ولكنها بدل عن أجزاء العين، كالأرش والعقر، وزيادة غير متولدة من العين، وليست ببدل عن العين، كالكسب والغلة.
والوصايا ثلاثة أنواع (٢):
نوع منها يدخل فيها الكل، وهي الوصية بعين يخرج (٣) من ثلث ماله.
ونوع منها يدخل فيها الولد، وبدل الجزء، ولا يدخل الكسب والغلة.
ونوع منها لا يدخل فيها شيء من الزوائد.
أما الأول: إذا أوصى بجاريته لإنسان ثم مات، فولدت الجارية ولدا (٤)، أو وطئت بشبهة، فوجب العقر، أو جني عليها ووجب الأرش، أو جنى عليها عبد ودفع بالجناية،
стр. 1571
أو اكتسبت أكسابا بأن احتطبت أو احتشت، أو وهبت لها هبة، أو اغلت غلةً، إن كان يخرج الكل من ثلث ماله (١)، كان جميع ذلك للموصى له (٢).
وإن كان لا يخرج الكل من الثلث، عند أبي حنيفة ﵀ تنفذ الوصية أولا في الأصل ثم في الزيادة (٣).
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تنفذ الوصية (٤) في الأصل والزيادة بقدر الثلث (٥).
ومحمد ﵀ لم يذكر هذه المسألة هنا، وإنما ذكرها في موضع آخر (٦)؛ وإنما بدأ محمد البابَ بالوجه الثالث قال:
стр. 1572
رجل أوصى أن تعتق جاريته هذه بعد موته بمال أو بغير مالك، ثم مات الموصي. فولدت الجارية ولدا قبل الإعتاق، والجارية مع ولدها يخرجان من الثلث، قال: تعتق الجارية، ولا يعتق ولدها لوجوه:
أحدها: أن الوصية بالإعتاق وصية بما لا يثبت ملك العين، إنما المقصود ابتغاء مرضات الله بتخليصها عن ذل الرق، فلا يثبت فيها حكم قبل الإعتاق، ولهذا لو هلكت إلى بدل بأن قتلها عبد، ودفع بها لا تنفذ الوصية في البدل حتى لا يعتق العبد.
ولأن الوصية بالإعتاق وصية مجازاةً على حسن الخدمة، فلو نفذت الوصية (١) في الولد لم يكن ذلك تنفيذًا (٢) لمن وقعت له الوصية؛ ولأنا لو أعتقنا الولد عن الميّت يلزم الميّت ولاؤه من غير التزامه، فإذا لم يكن الولد ظاهرا وقت الوصية لم يكن ملتزما ولاء الولد، فلا يجوز إلزام الولاء.
وكذا لو أوصى بأن يباع من فلان بكذا، أو أوصى بأن يباع من فلان نسمة، فهي والوصية بالإعتاق سواء؛ لأن البيع نسمة بيع ممن لا يريد الإعتاق.
وكذا الوصية ببيعها من رجل بعينه حق الجارية، يوصى ببيعها عند قلّة ماله ممن يحسن إليها أو يعتقها، فكانت هي والوصية بالإعتاق سواء، فلا يتعدى (٣) إلى الأولاد، ولأنه لو بيع الولد إما أن يباع مع الأم (٤) بألف أو بثمن على حدة، لا وجه إلى الأول؛ لأنه
стр. 1573
لو بيع مع بألف كان بيع الجارية بأقلّ من ألف، فلم يمكن تنفيذ الوصية، ولا وجه الثاني لأنه لو بيع بثمن على حدة يصير الولد مقصودا [بالبيع] (١)، وهو لم يجعل الولد مقصودا في الوصية فلا يباع الولد.
ولهذا قتلها عبد، ودفع بها لا يباع العبد المدفوع؛ لأن هذه الوصية ما أوجبت حقا في المحل قبل البيع.
وكذا لو قطع عبد يدها، ودفع بها، أو وطئها رجل بالشبهة، ووجب العقر، لا يدخل الأرش والعقر (٢) في الوصية، إلا أن في قطع اليد تباع الجارية من الموصى له بالبيع (٣) بنصف الثمن إن شاء، لأنه فات نصفها، واحتبس عنده، فيباع الباقي بنصف الثمن.
وكذا لو وطئت وهي بكر، تحطّ حصة البكارة من الثمن، وتباع الجارية بما بقي، ولو كانت ثيبا لم ينقصها الوطء، لا يحط شئ من الثمن، لأنه ما احتبس عنده شئ يقابله الثمن.
وكذا لو ذهبت عينها أو يدها بآفة سماوية، تباع بجميع الثمن إن شاء المشتري، لأن أطراف الحيوان إذا لم تصر مقصودة بالإتلاف لا يقابلها شيء من الثمن.
فرق بين الجارية التي أوصى بعتقها، وبين ولد المكاتبة، والمدبرة، وأم الولد.
في الكتابة والتدبير والاستيلاء يحدث الولد على صفة الأم، وفي الوصية بالإعتاق
стр. 1574
لا يحدث.
والفرق ما قلنا إن الوصية بالإعتاق لا أثر لها في المحل قبل الإعتاق، فلا تتعدّى إلى الأولاد، وفي تلك المسائل ظهر أثرها في المحل بثبوت حرية اليد فتتعدّى إلى أولادها.
والدليل على أن الوصية بالعتق وبيعها نسمة ونحوهها لا يوجب حقًّا في العين أن سهام الوصية والميراث إذا لم تخرج من ثلث ماله (١) يعتبر من السعاية حتى لو كانت قيمة الجارية أكثر من ثلث ماله يعتق كلها، وسقط عنها السعاية (٢) بقدر الثلث، ويلزمها السعاية في الباقي، وفي بيع النسمة تعتبر سهام الوصية من الثمن، وفي الوصية بالكتابة يحطّ فقدر الثلث من بدل الكتابة، ويكاتب بما بقي.
ولو كانت هذه الوصايا موجبة حقا في العين تعتبر الثلث والثلثان من عين الجارية، كما لو أوصى بجاريته لإنسان، وهي لا تخرج من الثلث، فإنه تنفذ الوصية في ثلثها، ويعتبر الثلث والثلثان من عين الجارية، ولهذا لو ردّت الجارية الوصيةَ أو ردّ الموصى له بالبيع، تبطل الوصية، ولو كانت موجبة حق الحرية لا تبطل بالرد (٣).
وأما الوجه الثاني: إذا أوصى بأن توهب جاريته من فلان، أو يتصدق بها على فلان، أو يتصدق بها (٤) على المساكين، ومات الموصي، ثم ولدت الجارية ولدًا (٥)، وهي
стр. 1575
وولدها يخرجان من الثلث، تنفذ الوصية فيهما.
وكذا الأرش والعقر والعبد المدفوع بالجناية؛ لأنها وصية لو نفذها الموصي يملكها الموصى له في الحال.
فإذا أمر غيره بالتنفيذ ولم ينفذ بنفسه (١)، وتنفيذ الوصية بقدر الثلث مستحق بحيث لو امتنع الوارث أو الوصي يجبره القاضي، كانت الوصية سببا للملك، فيتعلق بها حق الوصى له قبل التنفيذ، وتراخى الملك إلى وقت التنفيذ، والحقوق المتعلقة بالعين تتعدّى إلى ما يتولد منه، وإلى ما يكون بدلا عن أجزائه.
والدليل على أن هذه وصية بالعين أن سهام المواريث والوصية إذا لم تخرج الجارية من الثلث تعتبر من العين، وتنفذ الوصية في ثلثها ولا تنفذ في الباقى (٢)، وفيما تقدم تعتبر سهام المواريث والوصية من السعاية، فكانت تلك الوصايا وصية بالسعاية، ووصية بالبدل لا بالعين.
ولأن في هذا الوجه (٣) لو نفذنا الوصية في الولد ونحوه، لا يكون تنفيذا لغير من وقعت له الوصية، بل يكون تنفيذا لمن وقعت له الوصية بالجارية، وليس فيه إلزام، لأن ما لم يلزم الموصى لا يلزم ما قلنا.
الجارية الجانية إذا ولدت ولدا، ثم دفعت بالجناية فإنه لا يدفع ولدها معها، لأن دفع
стр. 1576
المملوك بالجناية (١) غير لازم على المولى، بل هو مخيّر بين الدفع والفداء، فلا يتعلق بها حق وليّ الجناية قبل الدفع، فلا يتعدّى إلى الولد.
أما تنفيذ الوصية لازم فيتعلق بها حق الموصى له قبل التنفيذ، فيتعدّى إلى الزوائد، ولا يتعدّى إلى الكسب والغلة، لأنها ليست من الوصية، ولا من أجزائها.
وقد ذكرنا هذا (٢) في باب الكسب والغلة.
فرق بين الوصية وبين الغصب، إذا ولدت المغصوبة ولدا، واكتسبت أكسابا، ووهب لها هبة، وقطعت يدها، وغرم القاطع أرش اليد (٣) الأرش، ووطئت بالشبهة، وغرم العقر، ثم ماتت، وقضى القاضي على الغاصب بقيمتها يوم الغصب، روي عن أبي يوسف أن الغاصب يملك الأرش والعقر ولا يملك (٤) الكسب والولد.
وفي ظاهر الرواية: الغاصب يملك الكسب والغلة، ولا يملك ما سوا ذلك، وعن محمد أنه يملك الأولاد أيضا.
وفي مسئلة الوصية هذه يدخل الولد والأرش والعقر في الوصية إذا خرج الكل من الثلث، ولا يدخل الكسب والغلة.
ووجه الفرق أن الوصية عقد شرعيّ أضيفت إلى الجارية، وحكم العقد إذا ثبت في عين يثبت فيما يرتد منه؛ وفيما كان من أجزائه تبعا، والغلة والكسب ليسا من أجزائها،
стр. 1577
ولا بدل عن جزء هو عين، بل هو كسب ملكه، فلا يدخل في الوصية.
أما الغصب لم يوضع سببا للملك، وإنما يثبت الملك للغاصب عند أداء الضمان تحقيقا للمعادلة، فلا يوجب حقا قبل الملك، لو ثبت الملك له في الزوائد إنما يثبت تبعا للملك في الأصل، وعند قضاء القاضي (١) بالقيمة يوم الغصب يملك المضمون مستندا إلى وقت الغصب، والمستند ثابت من وجه دون وجه، ولو ملكها من وقت الغصب من كل وجه كانت الزوائد كلها لمن يملك الأصل، كمن اشترى شيئا من فضوليّ ثم أجاز المالك البيع بعد حدوث الزيادة، كانت الزوائد كلها للمشتري، ولو ملكها الغاصب وقت القضاء من كل وجه كانت الزوائد (٢) للمولى.
كما لو اشتراها المالك، أو صالحه على قيمتها للحال، فإذا ملكها من وقت الغصب من وجهٍ، ظَهَر ما ملك الغاصب في الكسب والغله، ولم يظهر فيما عداه توفيرا على الشبهين حظهما، والعمل على هذا الوجه أولى، لأن الملك في الكسب والغلة أسرع ثبوتا من الملك في الولد.
ألا ترى أن الغاصب إذا أجر المغصوب كانت الأجرة للغاصب (٣)، ولو استولدها ثم ردّ المغصوبة على المالك كان الولد للمولى، فلهذا يدخل الولد في الوصية، ولا يدخل في الكسب والغلة.
قال: ألا ترى أنه لو نذر أن يتصدق بجاريته على المساكين فولدت ولدا، أو وجب
стр. 1578
لها عقد أو أرش، أو قتلها عبد ودفع بها، لزمه التصدّق بجميع ذلك، ولا يلزمه التصدق بالكسب والغلة، فكذا في الوصية بالصدقة.
فرق بين النذر بالصدقة، وبين ما إذا كانت الجارية للتجارة فولدت ولدًا بعد وجوب الزكاة (١)، لا تتعدّى الزكاة إلى الولد.
ومن الناس من قال: يتعدّى وجوب الزكاة.
وجه الفرق على ظاهر الجواب أن وجوب النذر حق الناذر؛ لأنه يجب بإيجابه، فكان شبها بحق العباد، وحقوق العباد تعتبر في عين المال، ويجعل الفعل وسيلة، أما الزكاة حق الله تعالى، وفي حقوق الشرع يعتبر الفعل؛ لأن الابتلاء والانقياد يحصل بالفعل (٢)، فيعتبر المحل خاليا عن الحق.
ولو أوصى بأن تباع جاريته، ويتصدق بثمنها على المساكين، أو قال: "على فلان" فولدت بعد موت الموصى (٣)، تنفذ الوصية في الجارية والولد جميعًا (٤)؛ لأنه إذا لم يبين المشتري، كان مقصوده التصدق دون البيع؛ وذكرُ البيع يكون لتسهيل التصدق على الورثة أو لإنفاع الوارث، حتى لو كانت قيمة العبد (٥) ألف، وثلث ماله ألفا درهم، فكلّف الوارث، وباعها بألف ومائة، يبقى الفضل للوارث، ولهذا لو تصدق الوارث أو الوصي
стр. 1579
بالعين على الفقراء من غير بيع جاز.
والدليل على أن هذه وصية بالصدقة أنه لو قال: "لله عليّ أن أبيع هذه الجارية"، لا يصح، لأن البيع لا يلزم بالنذر، ولو قال: "لله على أن أبيع هذه الجارية" (١)، وأتصدق بثمنها على المساكين يصح، فثبت أن هذه وصية بالصدقة، والوصية بالصدقة (٢) تتعدّى إلى الولد والأرش والعقر، ولا تتعدّى إلى الكسب والغلة، لما قلنا.
ثم استشهد فقال: ألا ترى أنه لو قال: "لله علي أن أبيع هذه الجارية، وأتصدق بثمنها على المساكين"، فقتلها عبد، فدفع بها، لزمه بيع العبد المدفوع بالجناية والتصدق بثمنه، وهذا يدل على أن المقصود الصدقةُ لا نفس البيع، إذ لو كان المقصود هو البيع لما صح النذر.
وقال أيضا: ألا ترى أنه لو قال: "لله عليّ أنّ أبيع هذه الجارية، وأتصدق بثمنها على المساكين" فباعها بعشرة، وقيمتها ألف، لزمه التصدق بألف درهم (٣)، وهذا يدل على أن المقصود هو الصدقة حتى تعلق حق المساكين بالجارية، إذ لو كان المقصود هو البيع فإذا باع بعشرة لا يلزمه التصدق بأكثر من ثمنها.
قال: ولو أوصى بأن تباع جاريته من فلان، ويتصدق بثمنها على المساكين، أو أوصى بأن يكاتب، ويتصدق بالمكاتبة على المساكين، أو تباع من نفسها، ويتصدق بثمنها على المساكين، فردّ الموصى له بالبيع البيعَ، أو أبَت الجارية أن تقبل، بطلت الوصيتان
стр. 1580
جميعًا (١).
لأنه إذا بيّن المشتري كانت الوصية بالبيع مقصودة، وكذا الكتابة والبيع من نفسها، والصدفة مقصودة أيضا، إلا أن الوصية بالصدقة بناء على الوصية الأولى، فإذا بطلت الأولى بطلت الثانية ضرورة؛ لأنها لو بقيت، ويتصدق برقبتها، لم يكن هذا تنفيذًا لتلك الوصية.
وكذا لو قتلت الجارية بعد موت الموصى (٢)، وغرم القاتل قيمتها، أو قتلها عبد، ودفع بها، بطلت الوصيتان، لأن الوصية بالبيع تبطل بهلاك الجارية، وإذا بطلت الوصية بالبيع، وإنها مقصودة بطلت الوصية بالصدقة؛ لأنها بناء على الأولى.
وذكر الزعفراني (٣) في هذا الباب مسائل ذكرها القدوري (٤) في "المختصر"، فقال: