ثلاثة عشر فهو الثلث.
وأمّا معرفة النصيب أن تضرب النصيب الأول، وذلك اثنان في الخطأ الثاني، وذلك سبعة، فيكون أربعة عشر، واضرب النصيب الثاني، وذلك ثلاثة في الخطأ الأول، وهو ثمانية، فيكون أربعة وعشرين، تنقص أقلّهما من أكثرهما، يبقى عشرة، فهو النصيب، والتخريج إلى آخره (١).
ومنها طريق الجامع الأكبر: وذلك أن تذكر طريق الخطائين، فإذا ظهر الخطأ الأول والثاني، نضرب المال الأول، وهو خمسة عشر في الخطأ الثاني، وذلك سبعة، فيكون مائة وخمسة. ونضرب المال الثاني، وذلك ثمانية عشر في الخطأ الأول، وذلك ثمانية، فيكون مائة وأربعة وأربعين، ثم تنقص أقلّهما من أكثرهما، يبقى تسعة وثلاثون، فهو المال الكامل، والثلث ثلاثة عشر.
وأما معرفة الوصية (٢) أن تضرب النصيب الأول، وذلك (٣) اثنان في المال الثاني، وهو ثمانية عشر، فيكون ستة وثلاثون، ويضرب النصيب الثاني وهو ثلاثة في المال الأول، وهو خمسة عشر (٤)، فيكون خمسة وأربعين، ثم تطرح أقلّهما وهو ستة وثلاثون من خمس وأربعين، يبقى تسعة، فإذا ظهر الثلث وظهرت الوصية خرجت المسألة (٥).
стр. 1612
الفصل الثاني:
إذا أوصى بمثل نصيب أحد بنيه إلا ثلث ما يبقى من الثلث بعد الوصية الحاصلة، قال: (١) للموصي له ستة أسهم (٢) سبعة وعشرين سهما، وتخريجه بطريق الحشو أن تأخذ عدد البنين، وذلك ثلاثة، وتزيد عليه لمكان الوصية واحدا، فتصير أربعة، ثم تضربها في سهمين، فتصير ثمانية.
وإنما ضربنا الأربعة هنا في سهمين، وفي الفصل الأول ضربنا الأربعة (٣) في ثلاثة، لأن في الفصل الأول جعل المسترجع ثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب، والنصيب عبارة عن المدفوع بالوصية قبل الاسترجاع، فإذا كان المسترجع ثلث ما يبقى بعد النصيب قبل الاسترجاع لا بدّ أن يكون الباقي بعد النصيب قبل الاسترجاع عددا له ثلث صحيح ليمكن الاسترجاع قدر ثلثه من النصيب (٤)، وأقلّ عدد له ثلث صحيح ثلاثة، فجعلنا بقية الثلث بعد النصيب ثلاثة، أما في الفصل الثاني جعل المستثني قدر ثلث ما يبقى بعد الوصية الحاصلة، ومن ضرورة ذلك أن لا يكون بقية الثلث قبل الاسترجاع ثلاثة، بل من ضرورته أن يكون الباقي من الثلث قبل الاسترجاع اثنين ليكون ذلك مع المسترجع ثلاثة.
أما لو كان بقية الثلث قبل الاسترجاع ثلاثة، ويصير ذلك مع المسترجع أربعة، يكون المسترجع بعد الوصية الحاصلة قدر ربعه لا قدر ثلثه، فلهذا ضربنا الأربعة في الفصل الثاني في سهمين، وفي الفصل الأول ضربناها في ثلاثة، فإذا ضربنا الأربعة ها هنا في سهمين
стр. 1613
يصير ثمانية، ثم تزيد واحدا كما زدنا في الفصل الأول (١) فيصير تسعة فهو ثلث المال، ثم اضرب في ثلاثة ليكمل المال، فيصير سبعة وعشرون.
وأما معرفة النصيب أخذنا ثلث المال، وأعطينا بالنصيب سبعة، بقي معنا من الثلث سهمان، استرجعنا من النصيب قدر نصف ما بقي وذلك واحد، فيصير معنا من الثلث (٢) ثلاثة ضمّمناها إلى ثلثي المال، وهو ثمانية عشر، فيصير أحدا وعشرين تقسم بين البنين الثلاثة، لكل ابن سبعة مثل ما أعطينا بالنصيب. .
وأما التخريج (٣) بطريق الجبر والمقابلة: أن نأخذ محل الوصية، وهو ثلث المال، فأخذنا ثلث مال مجهول، وأعطينا بالنصيب شيئا مجهولا (٤)، بقي معنا ثلث مال إلا شيء، استرجعنا بالاستثناء قدر نصف ما بقي، وذلك نصف الثلث إلا نصف شيء، فصار معنا ثلاثة أسداس مال إلا شيء، ونصف شيء، ونضمّ ذلك إلى ثلثي المال، وهو أربعة أسداس المال، فيصير معنا مال وسدس إلا شيء ونصف شيء، وإنه يعدل ثلاثة أشياء، لأنه نصيب الورثة، لأنا إذا أعطينا بالوصية شيأ ينبغي أن يكون للورثة ثلاثة أشياء، غير أن المال ناقص شيء ونصف شيء، فأجبره بزيادة شيء ونصف شيء.
وإذا زدت في المال ستا (٥)، زد فيما يعدله مثله، فيصير معك مال وسدس مال كامل يعدل أربعة أشياء ونصف شيء، غير أن المال زائد بسدس فاطرح الزيادة حتى يبقى مال
стр. 1614
كامل (١)، وذلك بأن نطرح عنه مثل سبعه.
وإذا طرحت سبع المال اطرح عما يعدله، وهو أربعة أنصبا ونصف سبع، وليس له (٢) سبع صحيح، فاضرب أربعة ونصفا في سبعة، فيصير احدا وثلاثين ونصفا، اطرح سبعه، وذلك أربعة ونصف، يبقى سبعة وعشرون، فهو المال الكامل، والثلث تسعة، والنصيب سبعة؛ لأنا ضربنا أربعة أنصبا ونصف في سبعة، فيكون كل نصيب سبعة، وإذا ظهر ثلث المال والنصيب، خرجت المسئلة.
وطريقة الدينار والدرهم: أن تجعل ثلث المال دينارا ودرهمين لما قلنا، وأعط بالنصيب دينارا، واسترجع من الدينار (٣) مثل نصف ما بقي، وذلك درهم واحد، فيصير معك من الثلث ثلاثة دراهم (٤)، ضمّ هذا إلى ثلثي المال، وهو ديناران وأربعة دراهم، فيصير معنا ديناران وسبعة دراهم، وحاجتنا إلى ثلاثة دنانير؛ لأنا أعطينا بالنصيب دينارا، فيجب أن يكون لكل ابن دينار، فالديناران بمثلها قصاص، بقي سبعة دراهم تعدل دينارا، فظهر أن الدينار سبعة، فعد إلى أصل، فاجعل أجزاء الدنانير أجزاء الدراهم، وأجزاء الدراهم أجزاء الدنانير، كل دينار بمعني سبعة، وكل درهم بمعنى واحد، وقد كنا جعلنا ثلث المال دينارا ودرهمين، والدينار سبعة، فيكون الثلث تسعة، أعطينا بالنصيب دينارا، وذلك سبعة، واسترجعنا منه سهما، فيصير معنا من الثلث ثلاثة ضمّمناها إلى ثلثي المال،
стр. 1615
وذلك ثمانية عشر، فيصير أحدا وعشرين، لكل ابن سبعة، مثل ما أعطينا بالنصيب (١).
وطريقة الخطائين: أن تجعل ثلث المال عددا لو أعطينا بالنصيب شيئا يمكننا استرجاع شيء منه، ويكون المسترجع مثل نصف ما بقي، وأقلّ ذلك (٢) أربعة، فجعلنا الثلث أربعة، لأنا أعطينا بالنصيب سهمين، واسترجعنا منه مثل نصف ما بقي سهما، وذلك واحد (٣)، فيصير معنا من الثلث ثلاثة ضمّمناها إلى ثلثي المال، وذلك ثمانية، فيصير أحد عشر، وحاجتنا إلى ستة؛ لأنا أعطينا بالنصيب سهمين، ينبغي أن يكون للبنين ستة، فظهر أنا أخطأنا بخمسة زائدة [فزد في النصيب، واجعله ثلاثة] (٤).
ولأجل أن الخطأ كان من حيث الزيادة زِدنا على النصيب، فجعلنا النصيب ثلاثة، وبقية الثلث على حالها، فيكون المال خمسة عشر، أعطينا بالنصيب ثلاثة، واسترجعنا من النصيب سهما واحدا (٥)، فصار معنا من الثلث (٦) ثلاثة ضمّمناها إلى ثلثي المال، وذلك عشرة، فيصير ثلثة عشر (٧) وحاجتنا إلى تسعة؛ لأنا إذا أعطينا بالوصية ثلاثة ينبغي أن يكون للبنين تسعة، فظهر أنا أخطأنا بأربعة زائدة، والحظّاء الأول كان بزيادة (٨) بخمسة.
стр. 1616
فإذا ذهب بزيادة سهم في النصيب واحد من الخطأ، علمنا أنا لو زدنا على النصيب الأول خمسة يذهب الخطأ كله، فنزيد على النصيب الأول خمسة، فصار النصيب (١) - سبعة، وبقية الثلث اثنان، وجميع (٢) الثلث تسعة، نعطي بالنصيب سبعة، ونسترجع واحدا، فيصير معنا من الثلث ثلاثة، نضمّها إلى ثلثي المال، وهو ثمانية عشر، فيصير أحدا وعشرون بين البنين الثلاثة أصاب (٣)، لكل ابن سبعة مثل ما أعطينا بالنصيب، والتخريج لسائر الطرق على هذا الوجه.
الفصل الثالث:
إذا أوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما يبقى من الثلث ولم يزد عليه.
قال محمد ﵀: قال عامة الحُسّاب: هذا والفصل الأول من الباب سواء، وأما أنا فأقول: هذا والفصل الثاني سواء.
أراد "بعامة الحُسّاب" أبا يوسف والحسن بن زياد وغيرهما، ممن كان معروفا بالحُسّاب من أصحاب أبي حنيفة (٤)، فعلى قول الحُسّاب يكثر الواجب، ويقلّ الاستثناء،
стр. 1617
وعلى قول محمد يكثر الاستثناء وتقلّ الوصية.
وبيان ذلك أنا لو ألحقنا هذا بالفصل الأول يكون ثلث المال عشرة، والوصية تسعة كما في الفصل الأول، فيكون للموصي له ثلثا الثلث، وزيادة ثلث سهم، ولو الحق هذا بالفصل الثاني يكون ثلث المال تسعة، وللموصى (١) ستة كما في الفصل الثاني، وهو ثلثا الثلث، فيكون للموصي له ثلثا الثلث لا غير، فتقلّ الوصية، ويكثر الاستثناء.
وجه قول الحُسّاب: أنه أوصى له بمثل نصيب أحد البنين، لو اقتصر عليه كان للموصى له ربع المال، لو انتقص حقه من الربع إنما ينتقص بالاستثناء، فإذا أطلق الاستثناء، ولم يبيّن يحتمل الوجه الأول ويحتمل الوجه الثاني، فلا يبطل من الوصية إلا القدر المتيقّن.
ونظيره ما ذكر في "كتاب الإقرار": رجل قال: "لفلان عليّ ألف إلا مائة أو خمسون" كان عليه تسعمائة وخمسين، لأنه أقر بالألف، وأدخل الشك في الاستثناء فلا يخرج من الإقرار (٢) إلا القدر المتيقن كذا هذا.
وقول الحُسّاب يوافق قول الشافعي، فإن عنده "الاستثناء": إخراج بطريق المعارضة (٣).
стр. 1618
حجته في ذلك قول أهل اللغة: "أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي"، والإثبات لا يكون إلا بدليل مثبت (١).
وقال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٢) أي: إلا خمسين عاما لم يلبثوا، إلا أنه لم يذكر ذلك إيجازا، فعنده لا يثبت الحكم في المستثنى مع أن صدر الكلام بوجبه لنصّ يعارضه لا لعدم الموجب، وإذا كان الاستثناء إخراجا بطريق المعارضة، لا يَخرج إلا القدرُ المتيقن.
ولمحمد في المسألة (٣) وجهان:
أحدهما: أن الاستثناء ليس بإخراج بطريق المعارضة (٤)، لأن ذلك جمع بين
стр. 1619
الدليلين المتنافيين، أحدهما يوجب، والآخر ينفي في زمان واحد، وأنه تناقض، وكلام الله تعالى منزّه عن ذلك، بل الاستثناء تكلّم بالباقي بعد الثُنْيا (١) بطريق البيان، وإنما يكون بيانا إذا لم يكن ثابتا من الأصل، لا أنه كان داخلا ثم خرج، دلّ عليه كلمة الشهادة (٢)، فإن المثبت فيها غير داخل في النفي أصلا.
وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٣)، فخمسون (٤) تعرّض للعدد المذكور أوّلا لا لحكمه، لأن "الألف" لو بقيت ألفا لا تصلح اسما لما دونها (٥).
والدليل عليه أنه لو قال: "لفلان عليّ ألف إلا مائة" يلزمه تسعمائة (٦)، وإنما لا
стр. 1620
يلزمه المستثنى لعدم الإقرار بها، لا لمسقطٍ ورَدَ عليه؛ لأن الرجوع عن الإقرار باطل، ويصح الاستثناء في الطلاق والعتاق، ولو كان الاستثناء إخراجا لا يصح؛ لأنهما لا يحتملان الرجوع.
إذا ثبت أن الكلام مع الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، فالشك في الاستثناء يكون شكا في الإيجاب، وإذا تمكّنت الجهالة في الواجب، لا يجب إلا المتيقن.
وأما مسألة الإقرار، فذاك رواية أبي سليمان (١)، أما في رواية أبي حفص (٢) لا يلزمه إلا تسعمائة، وهو الصحيح.
والدليل على أن الاستثناء تكلّم بالباقي، أنه لو قال لغيره: "بعت منك هذين العبدين بألف درهم إلا هذا العبد" (٣) فإنه يفسد البيع في العبد الآخر، ويكون ذلك ابتداء العقد فيه بحصته من الألف، ولو كان الاستثناء إخراجا كان هذا بقاء البيع (٤) في الآخر
стр. 1621
بحصته من الألف، فينبغي أن لا يفسد العقد في الآخر، كما لو باع عبدين بألف، ثم هلك (١) في ملك أحدهما قبل القبض.
والدليل عليه ما ذكر في المزارعة: إذا قال صاحب البذر للعامل: "شرطتُ لك نصف الخارج إلا خمسة أقفزة"، وقال العامل: "لا بل شرطت لي نصف الخارج"، كان القول فيه قول (٢) صاحب البذر، ولو كان الاستثناء إخراجا، وجب أن لا يقبل قوله، لأنه يدعي فساد العقد بإخراج البعض عن الشرط.
والوجه الثاني لمحمد: أنه استثنى من الوصية (٣) ثلث ما بقي من الثلث، وفي الفصل الثاني المستثنى ثلث ما بقي من الثلث، أما في الفصل الأول المستثنى بعد الاسترجاع يكون ربع ما بقي من الثلث، فإذا أطلق الاستثناء كان إلحاقه بالفصل الثاني أولى.
ولو أوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ربع ما يبقى من الثلث، فهو على الوجوه الثلاثة أيضا، ففي الوجه الأول: وهو ما لو قال: إلا ربع ما يبقى من الثلث بعد النصيب، يجعل ثلث المال سبعة عشرة، والنصيب الكامل ثلاثة عشر.
والتخريج بطريق الحشو: أن تأخذ عدد البنين، وذلك (٤) ثلاثة، وزِد عليهم لمكان الوصية واحدا، فتصير أربعة، واضرب ذلك (٥) في مخرج جزء المستثنى، وهو أربعة،
стр. 1622
فيصير ستة عشر، ثم زد واحدا فيصير سبعة عشر، فهو ثلث المال ثم، اضرب هذا (١) في ثلاثة لتكمل المال، فيصير أحدا أو خمسون.
وطريق معرفة النصيب: أن تأخذ النصيب، وذلك واحد، وتضربه في أربعة كما ضربت ثمّة، [ثم في ثلاثة] (٢)، فيصير اثني عشر، ثم زد عليه واحدا كما زدت ثمة، فيصير ثلاثة عشر، فإذا ظهر النصيب وظهر ثلث المال، أخذنا من الثلث أقل (٣) النصيب ثلاثة عشر، بقي معنا من الثلث أربعة، استرجعنا من النصيب مثل ربع ما بقي، وذلك واحد، فيصير معنا من الثلث (٤) خمسة ضممناها إلى ثلثي المال، وذلك أربعة وثلاثون، فيصير تسعة وثلاثين، إذا قسّمناها بين ابنين الثلثة، أصاب (٥) كل ابن ثلاثة عشر، كما أعطينا بالنصيب (٦).
والتخريج بطريق الدينار والدرهم: أن تجعل ثلث المال دينارا وأربعة دراهم لحاجتنا إلى ثلث لو رفعنا منه النصيب كان للباقي ربع صحيح، وأقلّ ذلك أربعة، فجعلنا ثلث المال دينارا وأربعة دراهم، أعطينا بالنصيب دينارا، بقي أربعة دراهم، استرجع من الدينار (٧) قدر ربع ما بقي، وذلك درهم واحد (٨)، فيصير معنا خمسة دراهم نضمّها إلى
стр. 1623
ثلثي المال، وذلك ديناران وثمانية دراهم، فيصير دينارا وثلاثة عشر درهما، وحاجتنا إلى ثلاثة دنانير حتى يكون لكل ابن دينار، فالديناران بمثلهما قصاص، يبقى ثلاثة عشر درهما تعدل دينارا، فعرفنا أن الدينار يعدل ثلاثة عشر درهما، وقد كنا جعلنا ثلث المال (١) دينارا وأربعة دراهم، فإذا كان الدينار ثلاثة عشر كان الثلث سبعة عشر درهما (٢)، والنصيب الكامل ثلاثة عشر، والتخريج إلى آخره.
وأما طريق الجبر والمقابلة: أن تأخذ ثلثا مجهولا، وتعطي بالنصيب شيئا، بقي معنا ثلث إلا شيء، تسترجع بالاستثناء مثلَ ربع ما بقي سهم من اثني عشر، وهو نصف السدس إلا ربع نصيب، فيصير معنا خمسة أسهم إلا نصيب وربع نصيب، ضمّ هذا إلى ثلثي المال، وهو ثمانية ثلثا اثني عشر؛ لأن أقلّ عدد له ثلث، ولثلثه [ربع اثني] (٣) عشر، فيصير معنا مال ونصف سدس مال إلا نصيب، وربع نصيب [يعدل] (٤) أنصباء الورثة، غير أن المال ناقص بنصيب وربع نصيب، فأجبره بأن تزيد عليه نصيبا وربع نصيب، وإذا زدت ذلك على المال زِد فيما يعدله نصيبا وربع نصيب (٥)، فيصير معنا مال، ونصف سدس مال يعدل أربعة أنصبا و [ربع (٦)] نصيب.
стр. 1624
غير أن المال زائد بنصف السدس، فاطرح الزيادة حتى يعود إلى مال كامل، وذلك بأن تطرح من المال جزءا من ثلاثة عشر جزءا من المال، وإذا [طرحت] (١) هذه الزيادة عن المال اطرح عما يعدله مثل ذلك، وليس لأربعة أنصبا وربع نصيب جزء من ثلاثة عشر، فاضرب أربعة وربع في مخرج ذلك الجزء، وذلك ثلاثة عشر، فصار خمسة وخمسين وربعا، ثم اطرح عنه الجزء الثالث عشر، وذلك أربعة وربع، يبقى أحد وخمسون، فتبين أن المال الكامل أحد وخمسون، والتخريج إلى آخره.
وطريقة الخطائين: أن تجعل ثلث المال (٢) عددا، إذا رفعنا منه النصيب كان للباقي منه ربع، ويمكن استرجاع شيء من النصب، وأقلّ ذلك ستة، فجعلنا ثلث المال ستة، رفعنا بالنصيب اثنين، يبقى أربعة، استرجعنا من النصيب واحدا، ونضمّه إلى ما بقي من الربع، فيصير معنا خمسة نضمّها إلى ثلثي المال، وذلك اثني عشر بلغ سبعة عشر، وحاجتنا إلى ستة، لأنا إذا أعطينا بالنصيب اثنين، ينبغي أن يكون للبنين ستة، فظهر أنا أخطأنا بزيادة أحد عشر، ولأجل أن الخطأ من حيث الزيادة زدنا على النصيب، وجعلنا النصيب ثلاثة، وبقية الثلث أربعة، ثم أعطينا بالنصيب ثلاثة، واسترجعنا من النصيب واحدا، فيصير معنا خمسة، نضمها إلى ثلثي المال، وذلك أربعة عشر، وحاجتنا إلى تسعة، لأنا أعطينا بالنصيب ثلاثة (٣)، ينبغي أن يكون لكل ابن ثلاثة، فاخطأنا بعشرة زائدة، وقد كان الخطأ الأول بأحد عشر، فكلما زدنا على النصيب واحدا ذهب من الخطأ واحد، فزدنا على النصيب الأول أحد عشر، فيصير النصيب ثلاثة عشر، والثلث سبعة.
стр. 1625
عشر، والتخريج إلى آخره.
والوجه الثاني من هذا الفصل أن نقول: إلا ربع ما يبقى من الثلث بعد الوصية الحاصلة، فثلث المال هنا ثلاثة عشر، والنصيب عشرة، وطريق تخريجها على الطرق ما قلنا.
والوجه الثالث أن تقول: "إلا ربع ما يبقي من الثلث"، ولم تزد عليه، فهو على الاختلاف على قول الحُسّاب ..
هذا بمنزلة قوله: "إلا ربع ما يبقى من الثلث بعد النصيب"، وعلى قول محمد هو بمنزلة قوله: "إلا ربع ما يبقي من الثلث بعد الوصية الحاصلة"، ولو قال: "إلا خمس ما يبقى من الثلث، أو إلا سدس ما يبقى من الثلث"، فهو على هذه الوجوه الثلاثة، وطريق تخريجها على الطرق ما قلنا فلا نعيد.
ولو مات، وترك خمسة بنين، وأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما يبقى من الثلث وربعه، وهذه المسألة أيضا (١) على وجوه ثلاثة:
أحدها: أن يقول: "إلا ثلث ما يبقى من الثلث وربعه بعد النصيب"، وفي هذا الوجه الفريضة من مائتين وسبعة وثلاثين، وثلث المال تسعة وسبعون، والنصيب الكامل ثلاثة وأربعون، والمسترجع أحد وعشرون.
وتخريجه بطريقة الكتاب: أن تأخذ عدد البنين وذلك خمسة، وتزيد عليه واحدا لمكان الوصية فيصير ستة، ثم تضرب ستة في مخرج الثلث والربع، وذلك اثني عشر، يكون اثنين وسبعين، وزد عليه ثلث وربع اثني عشر فيصير تسعة وسبعين، فهو ثلث المال، والثلثان ضعفه، فالكل مائتان وسبعة وثلاثون.
стр. 1626
وأما معرفة النصيب: أن نأخذ النصيب، وذلك واحد، ونضربه في اثني عشر كما ضربنا ثمة، يصير اثني عشر، ثم نضرب ذلك في ثلاثة كما ضربنا ثمة، صار ستة وثلاثين، ثم نزيد عليه ثلث وربع اثني عشر، وذلك سبعة كما زدنا ثمة، يصير ثلاثة وأربعين، فهو النصيب الكامل.
أخذنا ثلث المال، وأعطينا منه بالنصيب ثلاثة وأربعين، يبقى من الثلث ستة وثلاثون، استرجعنا بالاستثناء من النصيب مثل ثلث الباقي، وذلك اثني عشر، ومثل ربع الباقي، وذلك تسعة، فيكون المسترجع أحدا وعشرين، ضمّ هذا مع بقية الثلث إلى ثلثي المال، وذلك مائة وثمانية وخمسون، فيصير مائتين وخمسة عشر، إذا قسّمتها بين خمسة بنين، أصاب كل ابن ثلاثة وأربعون مثل ما أعطينا بالنصيب.
وتخريجه بطريق الجبر والمقابلة: أن تجعل ثلث المال عددا له ثلث وربع، وذلك اثني عشر، وأعط بالوصية نصيبا مجهولا، يبقى معك ثلث مال إلا نصيب، استرجع بالاستثناء مثل ثلثه ومثل ربعه، وذلك سبعة إلا ثلث نصيب وربع نصيب، فيصير معك ثلث مال وثلث الثلث وربع الثلث، وذلك تسعة عشر إلا نصيب وثلث نصيب وربع نصيب، ضمّ هذا إلى ثلثي المال، وذلك أربعة وعشرون فيصير معك ثلاثة وأربعون إلا نصيب وثلث نصيب وربع نصيب، وأنه يعدل خمسة أنصبا، غير أنه ناقص بنصيب وثلث نصيب وربع نصيب، فأجبره بأن تزيد عليه نصيبا وثلث نصيب وربع نصيب، وإذا زدت عليه ذلك زد فيما يعدله، وهو خمسة أنصبا مثل الذي زدت، فيصير ستة أنصبا وثلث نصيب وربع نصيب، والمال زائد بثلث الثلث وربع الثالث، وهو سبعة من ثلاثة وأربعين، لأن ثلث المال إذا كان اثني عشر كان المال الكامل ستة وثلاثين، وثلث الثلث وربع الثلث سبعة، فتصير الجملة ثلاثة وأربعين، فاطرح الزيادة، وهي سبعة، من ثلاثة وأربعين حتى يعود [المال] (١)
стр. 1627
إلى مال كامل.
وإذا طرحت ذلك فاطرح عما يقابله، وهو ستة أنصبا وثلث نصيب وربع نصيب، سبعة من ثلاثة وأربعين؛ وليس لستة أنصبا وثلث نصيب وربع نصيب سبعة من ثلاثة وأربعين، فاضرب ستة أنصبا في ثلثة وأربعين، فيكون مائتان وثمانية وخمسون، وثلث نصيب، وربع نصيب، وذلك سبعة من اثني عشر، إذا ضربت في ثلاثة وأربعين يكون خمسة وعشرين ونصف سدس، فيكون الجملة مائتين وثلاثة وثمانين ونصف سدس (١)، اطرح سبعة من كل ثلاثة وأربعين، وذلك ستة وأربعون ونصف سدس، يبقى مائتان وسبعة وثلاثون، فهو المال الكامل، وثلثه تسعة وسبعون.
وطريق معرفة النصيب: أنا ضربنا ستة أنصبا وثلث نصيب وربع نصيب في ثلاثة وأربعين، فكان كل نصيب ثلاثة وأربعين، وإذا ظهر ثلث المال، والنصيب خرجت المسألة.
وطريقة أخرى من الجبر والمقابلة: أن نجعل ثلث المال نصيبا واثني عشر لحاجتنا إلى أن يكون للباقي بعد النصيب ثلث وربع، وندفع بالوصية نصيبا، ونسترجع منه ثلث وربع ما بقي، وذلك سبعة، فيصير (٢) معنا من الثلث تسعة عشر، نضمّه إلى ثلثي المال، وذلك نصيبان وأربعة وعشرون، يصير معنا نصيبان وثلاثة وأربعون، وأنه يعدل خمسة أنصبا، فنصيبان بنصبين، يبقى ثلاثة وأربعون تعدل ثلاثة أنصبا، كل نصيب أربعة عشر وثلث، وقد كنا جعلنا ثلث المال نصيبا واثني عشر، والنصيب أربعة عشر وثلث، فذلك ستة
стр. 1628
وعشرون وثلث، انكسر بالأثلاث، فاضربه في ثلاثة، فيصير الثلث تسعة وسبعين، والنصيب ثلاثة وأربعين.
وطريقة الدينار والدرهم: أن نجعل ثلث المال دينارا واثني عشر درهما لحاجتنا إلى أن يكون للباقي من الثلث بعد النصيب ثلث وربع، ثم أعطينا بالنصيب دينارا، يبقى معنا اثني عشر، استرجعنا من الدينار ثلث وربع ما بقي، وذلك سبعة، فيصير معنا تسعة عشر درهما نضمّها إلى ثلثي المال، وذلك ديناران وأربعة وعشرون درهما، وحاجتنا إلى خمسة دنانير، فالديناران بمثلهما قصاص، يبقى ثلاثة وأربعون درهما (١) تعدل ثلاثة دنانير، فاقلب القصة، واجعل أجزاء الدنانير أجزاء الدراهم، وأجزاء الدراهم أجزاء الدنانير، كل دينار بمعنى ثلاثة وأربعين، وكل درهم بمعني ثلاثة، وقد كنا جعلنا ثلث المال دينارا واثني عشر درهما، والدينار ثلاثة وأربعون، وكل درهم بمعني ثلاثة، فكان ثلث المال تسعة وسبعين، والنصيب ثلاثة وأربعين.
والوجه الثاني من هذه المسئلة: أن يقول: "أوصيت بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث وربع ما يبقى من الثلث بعد الوصية الحاصلة"، فالفريضة من مائة وأحد عشر، وثلث المال سبعة وثلاثون، والنصيب اثنان وعشرون.
وتخريجه بطريق الكتاب: أن تأخذ عدد البنين، وذلك خمسة، وزد عليهم لمكان الوصية واحدا، فيصير ستة، ثم اضرب ستة في عدد لو ضمّمت إليه كان المستثنى ثلث الجملة وربعه، وأقلّ ذلك خمسة، فإنا إذا ضمّمنا سبعة إلى خمسة، يصير اثني عشر، وسبعة من اثني عشر ثلثه وربعه، فضربنا ستة في خمسة، فصار ثلاثين، ثم زدنا عليه الجزء المستثنى، وهو الثلث والربع، وذلك سبعة، فيصير سبعة وثلاثين، فهو ثلث المال، ثم
стр. 1629
نضرب هذا في ثلاثة لتكميل المال، فيصير مائة وأحد عشر.
وطريق معرفة النصيب: أن تأخذ (١) النصيب، وذلك واحد في خمسة كما ضربت ثلث المال، فيصير خمسة، ثم اضرب الخمسة في ثلاثة كما ضربت ثمة، فيصير خمسة عشر، ثم زد عليه سبعة، فيصير اثنين وعشرين، فهو النصيب الكامل.
وأعط بالوصية اثنين وعشرين، بقي من الثلث خمسة عشر، استرجع بالاستثناء مكان كل خمسة سبعة حتى يكون المستثنى ثلث الجملة وربعه، فاسترجعنا ثلاث مرات سبعة، فذلك أحد وعشرون، وضمّمنا هذا إلى خمسة عشر، فيصير ستة وثلاثين، ضمّنا ذلك إلى ثلثي المال، وذلك أربعة وسبعون، فيصير مائة وعشرة، إذا قسمت بين خمسة بنين، أصاب كل ابن اثنان وعشرون مثل ما أعطينا بالنصيب، وصار للموصى له سهم واحد من مائة وأحد عشر سهما.
وتخريجها بطريق الجبر والمقابلة: أن تأخذ ثلث مال مجهول، وأعط بالوصية نصيبا مجهولا، واسترجع بالاستثناء مثل ما بقي، ومثل خمسيه، حتى يكون المسترجع بعد الضمّ ثلث الجملة وربعها؛ لأنا نعلم أن كل عدد لو ضمّ إليه مثله ومثل خمسيه، يكون المضمّوم ثلث الجملة وربعه، والباقي ثلث مال إلا نصيب، فاسترجع بالاستثناء ثلث مال إلا نصيب، وخمسي الثلث إلا خمسي نصيب، فيصير معك ثلثا مال وخمسا ثلث مال إلا نصيبين وخمسي نصيب، ضمّ هذا إلى ثلثي المال، فصار مالا وثلث مال وخمسا ثلث مال إلا نصيبين وخمسي نصيب، وأنه يعدل خمسة أنصبا، وأنه ناقص بنصيبين وخمسي نصيب، فأجبره بأن تزيد عليه نصيبين وخمسي نصيب.
وإذا زدت في المال ذلك حتى صار مالا وثلث مال وخمسا ثلث مال، وهو بالأجزاء
стр. 1630
اثنان وعشرون، زد فيما يقابله، وهو خمسة أنصبا مثل ذلك، فصار خمسة أنصبا وخمسي نصيب، غير أن المال زائد فاطرح الزيادة، وذلك بأن تطرح سبعة من اثنين وعشرين، لأن المال خمسة عشر حيث جعلنا الثلث خمسة، واسترجعنا خمس الثلث، وإذا كان ثلث المال خمسة كان الكل خمسة عشر، وأنه زائد بالثلث، وهو خمسه وخمسا الثلث، وذلك سهمان، فتكون الزيادة سبعة، فكان الكل اثنين وعشرين، فاطرح منه سبعة حتى يبقى المال الكامل، واطرح عما يقابله، وذلك سبعة أنصبا، وخمسا نصيب أيضا سبعة من اثنين وعشرين، وليس له ذلك، فضرب سبعة أنصبا وخمس نصيب في اثنين وعشرين، فيكون مائة واثنان وستون أربعة أخماس؛ لأن سبعة أنصبا إذا ضربت في اثنين وعشرين، يكون مائة وأربعة وخمسين، وخمس النصيب إذا ضربت في اثنين وعشرين يكون خمس اثنان وعشرين، وذلك ثمانية أسهم وأربعة أخماس سهم، فتكون الجملة مائة واثنين وستين وأربعة أخماس [سهم] (١)، اطرح من كل اثنين وعشرين سبعة، فاطرح أحدا وخمسين وأربعة أخماس، يبقى مائة وأحد عشر،، هو المال الكامل، وثلثه سبعة وثلاثون.
وأما معرفة النصيب: ضربنا النصيب في اثنين وعشرين، فكان النصيب اثنين وعشرين، أعط بالنصيب اثنين وعشرين، بقي من الثلث خمسة عشر، استرجع من النصيب لكل خمسه من بقية الثلث سبعة، فيكون المسترجع أحدا وعشرين، ضمّ هذا مع بقية الثلث إلى ثلثي المال، فيصير مائة وعشرة، إذا قسمت بين البنين أصاب كل ابن اثنان وعشرون مثل ما أعطينا بالنصيب.
وتخريجها بطريق الدينار والدرهم: أن تجعل ثلث المال دينارا وخمسة دراهم لما قلناه، أعْط بالنصيب دينارا، واسترجع بالاستثناء سبعة دراهم، يصير معك اثني عشر درهما، ضمّ هذا إلى ثلثي المال، وذلك ديناران وعشرة دراهم، فصار دينارين واثنين
стр. 1631
وعشرين درهما، وحاجتنا إلى خمسة دنانير، فالديناران بمثلهما قصاص، بقي معنا اثنان وعشرون درهما تعدل ثلاثة دنانير، فاقلب القصة، واجعل أجزاء الدراهم أجزاء الدنانير، وأجزاء الدنانير أجزاء الدراهم، فصار كل دينار اثنين وعشرين درهما، وكل درهم ثلاثة، وقد كنا جعلنا ثلث المال دينارا، وذلك اثنان وعشرون وخمسة دراهم، وذلك خمسة عشر، كل درهم ثلاثة، فكان ثلث المال سبعة وثلاثين.
وأما معرفة النصيب: جعلنا النصيب دينارا، وذلك اثنان وعشرون، [فإذا] (١) ظهر النصيب وثلث المال، خرجت المسئلة.
والوجه الثالث: أن يقول: "إلا ثلث وربع ما يبقى من الثلث"، ولم يزد عليه، فيه اختلاف: على قول الحُسّاب هذا بمنزلة الوجه الأول، وعلى قول محمد هذا بمنزلة الوجه الثاني.
стр. 1632
باب الوصية تكون لواحد وقد سمّى معه غيره وما يكون له نصفها
بني الباب على أصلين:
أحدهما: أن الوصية بالثلث، أو بعَين من أعيان ماله إذا وقعت لإثنين أو لجماعة بكلمة توجب التبعيض بينهم، يقتصر على البعض ولا يتكامل، وإن زالت المزاحمة، حتى لا يستحق الواحد منهم كل الثلث، لأن للاستحقاق حكم الإيجاب، وإيجاب البعض لا يكون إيجابا للكل (١).
وإن وقعت الوصية لكل واحد منهم بكل الثلث، يدخل النقصان بحكم المزاحمة، فإن انعدم المزاحم من الأصل، سلّم للباقي منهما كل الثلث.
فإن خرج المزاحم بعد صحة الإيجاب يخرج بحصته، ولا يسلم للآخر كل الثلث، لأن الوصية صحت لهما، وثبتت الشركة، فبطلان حق أحدهما بعد الثبوت لا يوجب زيادة في حق الآخر.
стр. 1633
والأصل الثاني: أن جهالة الموصى له تمنع صحة الوصية (١)، لأنها تمليك، فلا يتمّ بدون القبول، والقبول من المجهول ممتنع (٢).
فإن كان الموصى له معيّنا وقت الوصية، كانت الوصية إيجابا وقت وجودها، وإن لم يكن معيّنا وقت الوصية، وتعيّن عند الموت صحّت الوصية (٣)، وتعتبر إيجابا عند الموت؛ لأن حكم الوصية ثبت عند الموت، فكان تعيّن الموصى له عند الموت كتعيّنه وقت الوصية، اعتبارا للموصي له بالموصى به، فإن الموصى به لو كان عينا يعتبر إيجابا للحال، وإن لم يكن عينا يعتبر إيجابا وقت الموت، حتى لو أوصى بعين لا يملكه، ثم ملكه قبل الموت، لا تصح الوصية، وتعتبر إيجابا وقت الوصية.
ولو أوصى بثلث ماله، ولا مال له، ثم ملك مالا قبل الموت صحت الوصية، وتعتبر إيجابا وقت الموت، كذلك هنا.
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
стр. 1634
رجل قال: "أوصيت بثلث مالي لفلان وفلان"، أو قال: "لفلان ولفلان"، وأحدهما ميّت، كان للحيّ منهما كل الثلث (١)، علم الموصي بذلك أو لم يعلم؛ لأن قوله: "أوصيت بثلث مالي لفلان" وصية بكل الثلث، فإذا عطف الثاني على الأول، ولم يذكر للثاني خبرا، كان خبرا للثاني، كأنه قال: "وأوصيت بثلث مالي لفلان"، ولو صرح بذلك يكون موصيا لكل واحد منهما بجميع الثلث، ولا يكون الثاني دافعا للأول، لأن حكم الوصية لا يثبت في الحال، فجاز أن ينعقد الثاني مع الأول.
كما لو وكل رجلا ببيع ماله، ثم وكل آخر، وإذا صار موصيا لكل واحد منهما بجميع الثلث، لو انتقص الحق إنما ينتقص بحكم المزاحمة، ولم تتحقق المزاحمة ههنا، لأن الميت ليس من أهل إثبات الملك له، فبقي للحيّ منهما كل الثلث.
وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إذا لم يعلم الموضي بموت أحدهما كان للحيّ منهما نصف الثلث (٢)، لأنه إذا علم كان هازلا لاعبا، فيبطل ذكر الميّت، كما لو ضمّ إليه
стр. 1635
حائطا أو دابة، وإذا لم يعلم كان قصده الشركة، وإيجاب الوصية لكل واحد منهما بنصف الثلث، وصحة الوصية تعتمد القصد، فلا يستحق كل الثلث.
ووجه ظاهر الرواية: ما قلنا إن نقصان حق كل واحد منهما عن الثلث حكم المزاحمة، والشركة في الإيجاب، والإيجاب للميّت باطل، فلا تثبت المزاحمة (١).
ولو قال: "ثلث مالي لفلان وفلان"، وهما حيان، فمات أحدهما قبل موت الموصي، كان للباقي منهما نصف الثلث، والنصف لورثة الموصي، لأن الوصية صحت لهما لقيام الأهلية عند الإيجاب، وإن تأخّر الاستحقاق إلى وقت الموت.
كما لو أوصى لوارثه ولأجنبي، كان للأجنبي نصف الثلث (٢)، لأن الوصية صحت
стр. 1636
لهما لقيام الأهلية، حتى لو أجازت الورثة جازت الوصية للوارث، فلا يتكامل الثلث للأجنبي، كذلك ههنا.
ولو قال: "ثلث مالي بين فلان وفلان"، وأحدهما ميّت، كان للحيّ نصف الثلث (١)، علم الموصي بذلك أو لم يعلم.
وكذا لو قال: "ثلث مالي بين فلان، وبين هذا الحائط"، كان لفلان نصف الثلث؛ لأن كلمة "بين" في الأصل للتنصيف (٢)، ولهذا لو قال: "ثلث مالي بين فلان"، ولم يزد عليه، كان لفلان نصف الثلث، وكذا لو قال لامرأتين له: "بينكما تطليقان"، يقع على كل واحدة واحدة.
وقد ذكرنا أن الوصية إذا وقعت بكلمة التبعيض لا يتكامل، بخلاف الفصل الأول؛ لأن ثمة الوصية وقعت لكل واحد منهما بالثلث، وإنما يدخل النقصان بحكم (٣) المزاحمة،
стр. 1637
فإذا لم تثبت المزاحمة لا ينتقص، ولهذا لو قال: "ثلث مالي لفلان"، ولم يزد عليه كان لفلان كل الثلث.
وكذا لو قال: "ثلث مالي لفلان ولعَقِبه"، كان لفلان كل الثلث؛ لأن "عقبه": من يخلفه بعد موته، ولا يكون العقب في حياته (١)، وإذا لم توجد المزاحمة بقي له كل الثلث، كما لو قال: "أوصيت بثلث مالي (٢) لفلان وفلان"، وأحدهما ميّت.
ولو قال: "ثلث مالي بين فلان وبين عقبه"، كان لفلان نصف الثلث، اعتبارا لكلمة "بين".
ولو قال: "ثلث مالي لفلان ولولد عبد الله"، فمات (٣) ولد عبد الله قبل موت الموصي، كان لفلان كل الثلث، لأنه إذا أبهَمَ ولد عبد الله، ولم يعيّن بالإشارة، كانت الوصية إيجابا لولده الموجود عند موت الموصي، فإذا لم يكن لم تثبت المزاحمة، والوصية كانت بلفظ يستحق بها الثلث، فسلم للأول كل الثلث.
فإذا لم يكن لعبد الله ولد وقت الوصية، ثم ولد له أولاد، أو كان له ولد وقت.
стр. 1638
الوصية فماتوا، ثم ولد له عشرة أولاد، ثم مات الموصي، كان الثلث بين فلان وبين ولد عبد الله على عدد رؤسهم؛ لأنه أبهَمَ ولد عبد الله، فكانت الوصية إيجابا عند الموت.
ولو قال عند موته: "ثلث مالي لفلان ولولد عبد الله"، ولعبد الله عشرة أولاد، كان الثلث بينهم على أحد عشر على عدد رؤسهم؛ لأن اسم "الولد" اسم جنس يتناول الكل، فكذلك هنا.
وكذا لو قال: "ثلث مالي لفلان ولمن كان في هذا البيت"، ولم يكن في البيت أحد، كان لفلان كل الثلث، لأنه أشرَك غير المعيّن، فاعتبر إيجابا عند الموت، فإذا لم يكن في البيت أحد وقت الموت لم يثبت الإشراك.
وكذا لو قال: "ثلث مالي لفلان ولفقراء ولد عبد الله" فمات الموصي، وليس في ولد عبد الله فقير، أو كانوا فقراء وقت الوصية، واستغنوا قبل الموت، كان الثلث لفلان؛ لأنه أوصى لفقراء ولد عبد الله غير معيّن، فيعتبر إيجابا عند الموت.
ولو كان فيهم فقراء عند الوصية، فاستغنوا، وافتقر قوم آخرون، كان الثلث بين فلان وبين من كان من ولد عبد الله فقيرا يوم مات الموصي على عدد رؤسهم لما قلنا.
ولو قال: "ثلث مالي لفلان ولأولاد عبد الله هؤلاء" فمات أولاد عبد الله، ثم مات الموصي، كان لفلان حصته من الثلث؛ لأن الوصية وقعت لمعيّن كان من أهل الاستحقاق، فتثبت المزاحمة، فبعد ذلك إن زالت المزاحمة لا يتكامل حق الآخر.
ولو قال: "ثلث مالي لفلان وفلان ابن عبد الله إن متّ وهو فقير"، فمات الموصي، وفلان بن عبد الله غني، كان لفلان نصف الثلث، لأنه أشرك المعيّن إلا أنه علّق ثبوت حكم الوصية بالشرط، والوصية لم تشرع إلا مضافا أو معلقا، فتعلق الحكم بالشرط لا
стр. 1639
يمنع انعقاد الوصية، كتعلقه بشرط بقاء الموصى له إلى أن يموت الموصي (١).
وإذا انعقدت الوصية، كان موجبا لكل واحد منهما بنصف الثلث، فإن بطل استحقاق أحدهما لفقد شرطه، وهو الفقر، لا يزداد حق الآخر، كما لو أوصى بثلث ماله لفلان وفلان، ثم مات أحدهما قبل موت الموصي.
وكذا لو قال: "ثلث مالي لفلان ولعبد الله إن كان عبد الله في هذا البيت"، ولم يكن عبد الله في البيت، كان لفلان نصف الثلث؛ لأنه أشرك المعيّن في الإيجاب، وعلّق الحكم بالشرط.
لو قال: "ثلث مالي لفلان ولعبد الله إن كان عبد الله حيا"، فإذا عبد الله كان ميّتا قبل ذلك، كان للأول (٢) كل الثلث.
فرق بين هذا وبين قوله: "ثلث مالي لفلان ولعبد الله إن كان عبد الله في البيت" ثمّة يصح الإيجاب.
والفرق أن الحياة شرط صحة الإيجاب، فيراعى وجودها وقت الإيجاب، فإذا لِم توجد لا يصح، أما كونه في البيت ليس بشرط لصحة الإيجاب، فيجعل شرطا لثبوت الحكم، فيراعى وجوده وقت ثبوت الحكم.
ولو قال: "ثلث مالي لفلان ولعبد الله إن متّ وهو حيّ، فمات عبد الله بعد ذلك قبل موت الموصي، كان لفلان نصف الثلث، لأن الوصية وقعت للمعين، فتثبت المزاحمة، فلا يتكامل حق الآخر بعد ذلك.
стр. 1640
ولو قال: "ثلث مالي لفلان ولمن افتقر من ولد عبد الله"، فمات الموصي، وولد عبد الله كلهم أغنياء، كان للأول كل الثلث؛ لأن الوصية وقعت لغير المعيّن، فإذا لم يفتقر أحد من ولد عبد الله لم تثبت المزاحمة، فسلّم الثلث للأول.
ولو افتقر بعضهم ثم مات الموصي، كان الثلث بين الأول وبين من افتقر من ولد عبد الله على عدد رؤسهم لما قلنا.
وإن مات الموصي وولد عبد الله فقراء من الأصل لم يزالوا كذلك، أشار في الكتاب إلى أن كل الثلث يكون للأول، وحكي عن الشيخ الإمام أبي القاسم الصّفار (١) ﵀: أن الثلث يقسم بينهم على عدد رؤسهم؛ لأن المقصود من هذه الوصية التقرب إلى الله تعالى بسَدّ خلّة المحتاج، وفي هذا الفقرُ الأصليّ والعارضُ سواءٌ.
والصحيح جواب الكتاب، لأن هذا اللفظ لا يتناول مَن كان فقيرا في الأصل، وفي اعتبار هذا الشرط فائدة، لأن الفقر بعد الغني أشدّ من الفقر الأصلي، فكان هو أولى بالبرّ.
وإن مات أولاد عبد الله، ثم ولد له أولاد، فاستغنوا، ثم افتقروا قبل موت
стр. 1641
الموصي، قسم الثلث بينهم وبين فلان على عدد رؤسهم، لأن الوصية وقعت لغير المعين، فيراعى وجوده وقت موت الموصي.
ولو قال: "ثلث مالي لفلان، ولولد عبد الله هؤلاء إن افتقروا فلم يفتقروا حتى مات الوصي، كان لفلان حصته من الثلث على عدد رؤسهم؛ لأن الإيجاب وقع للمعين، إلا أنه معلق بالشرط، وأنه لا يمنع ثبوت المزاحمة، والله أعلم.
وذكر في "الأمالي" عن أبي يوسف ﵀: لو قال: "ثلث مالي لفلان ولمن يولد لفلان ما دام فلان حيا" فمات الموصي، ثم ولد لفلان أولاد بعد سنين، كان كل الثلث لفلان، لأن المولود بعد سنين معدوم وقت موت الموصي، فلا يصلح مزاحما لفلان.
وإن ولد لفلان ولد بعد موت الموصي لأقل من ستة أشهر كان الثلث مشتركا بين فلان وبين من ولد لفلان؛ لأن المولود لأقل من ستة أشهر موجود في البطن عند موت الموصي، وهو من أهل الوصية، لأن الوصية للجنين جائزة (١)، فصلح مزاحما.
وذكر أيضًا لو قال: "ثلث مالي بين أعمامي وأخوالي، وله عمِّ واحد، وخال واحد، فالثلث بينهما، لأنه جعل الثلث مشتركا بين الأعمام والأخوال، وعند أبي يوسف في مثل هذا لا يعتبر الجمع، ولو كان له عمّان وخال، كان الثلث بينهم بالسوية لما قلنا.
ولو قال: "ثلث مالي لأخويّ، وله أخ واحد، وهو يعلم بذلك أو لا يعلم، فله نصف الثلث، لأنه أوجب الثلث للأخوين إيجابا واحدا، فكان موصيا لكل واحد بنصف الثلث.
ولو قال: "ثلث مالي لأخي هذا"، أو "لأخي الآخر"، فإذا أحدهما ميت، كان
стр. 1642
للحّي منهما كل الثلث، لأنه أوصى بكل الثلث لكل واحد من الأخوين، فكان النقصان بحكم المزاحمة، والميت لا يصلح مزاحما فلا ينتقص.
ولو قال: "ثلث مالي بين بني فلان وبني فلان" ولأحدهما ثلاثة بنين، وللآخر ابن واحد، فالثلث بينهم على عدد رؤسهم؛ لأن الكل أهل للوصية، فصار كأنه قال: "ثلث مالي بين هؤلاء".
وإن كانت لأحدهما بنون، وليس للآخر ابن، فالثلث كله لهم، لأنه لو اقتصر على قوله: "ثلث مالي بين بني فلان" كان إيجابا لكل الثلث لهم (١) بالسوية، فإذا ضمّ إليهم المعدوم، صار كأنه اقتصر على الأول.
هذه زوائد ذكرها في الأمالي.
-والله أعلم-
стр. 1643
باب من الوصايا التي تتغيّر عما أوصى بها
بني الباب على أن الرجوع عن الوصية صحيح (١)، لأنها تبرّع مضاف إلى ما بعد الموت، والتبرّع النافذ يحتمل الرجوع، فالمضاف أولي.
ثم الرجوع كما يكون بالصريح، يكون بطريق الضرورة، وبطريق الدلالة.
أما الصريح: فظاهر (٢)، والضرورة: أن يتغيّر قبل موت الموصي، فيزول اسمه (٣)، كما لو أوصى بحنطة، فهبّت بها الريح، وألقتها في طاحونة، فصارت دقيقا ونحو ذلك؛ لأن حكم الوصية تثبت عند الموت بالإيجاب السابق، والإيجاب وقع في مسمّى باسم،
стр. 1644
فلا يتناول غير ذلك المسمّى (١).
والرجوع بطريق الدلالة: أن يتصرّف في الوصية تصرفا يدل ذلك على الاعداد لحاجته (٢).
وإذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل أوصى لرجل بما في نخله من الكُفَرَّي (٣)، فصار بُسرا قبل موت الموصي، بطلت الوصية؛ لأن الوصية قد تغيّرت بتغيّر الإسم والمعنى، فتعذَّر تنفيذها في مسمّى آخر، وفي غير ما أوصى.
ألا ترى أن مثل هذا التغيّر لو طرأ على الوكالة، بأن وكل رجلا ببيع الكفري،
стр. 1645
فصار بُسرا (١)، تبطل الوكالة، فكذلك الوصية؛ لأنها تغيّرت من النقصان إلى الزيادة، والرضى بتمليك الأدنى لا يكون رضي بتمليك الأعلى، كما قلنا في الوكالة.
ولأنه لما صار بسرا قبل التمام، صار كأنه قال عند الموت: أوصيت لك بهذا الكفري، وهو بسر، وبه لا تصح الوصية؛ لأنهما جنسان مختلفان لاختلاف الاسم والمعنى، فإن الكفري عددي، والبسر وزني، ولهذا يجوز بيع أحدهما متفاضلا، وفي الجنسين إذا اجتمعت الإشارة والتسمية في العقد، يتعلق العقد بالمسمّى، والمسمّى معدوم فلا يصح.
وكذا لو قال: أوصيت لك بهذا البسر، فصار رطبا قبل موت الموصي، بطلت الوصية، لما قلنا في الفصل الأول
فإن قيل: في الفصل الأول اختلف الجنس، وههنا لم يختلف، ولهذا لا يجوز يبع البسر بالرطب متفاضلا، بخلاف الفصل الأول.
قلنا: لا، بل اختلف الجنس لاختلاف الاسم والمعنى، وإنما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا لمكان شبهة المجانسة في الحال، لفرضية المجانسة بينهما في الثاني، بأن يصير البسر رطبا، وشبهة المجانسة بعد أن تبدل الاسم والمعنى لا تكفي لنفاذ الوصية، ألا ترى أنه لو أوصى بالحنطة، فصارت دقيقا قبل موت الموصي، بطلت الوصية، لتبدّل المجانسة بتبدل الاسم والمعنى، وإن كان بينهما شبهة المجانسة، حتى لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا.
ولأن الوصية تغيّرت من النقصان إلى حالة الكمال، والإنسان قد يوصي بشيء
стр. 1646
لتَفَاهَته، ثم يَضِنّ به إذا كمل حاله، فإذا تركه على النخيل حتى تمّ حاله، كان ذلك دلالة لرجوع.
فرق بين الوصية وبين البيع: إذا باع كفري على أنه بالخيار لشهرين، جاز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فإن ترك على النخيل حتى صار بسرا أو رطبا لا يبطل البيع.
والفرق أن الوصية تصير سببا عند الموت؛ لأنها تعليق بالموت، والمعلق بالشرط عدمٌ قبله، ولهذا يثبت الملك في الوصية بعد الموت مقصورا عليه، ولا يستحق الموصي له شيئا من الزوائد التي حدثت قبل موت الموصي، فلو أبقينا الوصية بعد التغيّر، لَنَفذنا الوصية في غير ما أضيف إليه الوصية، فلا يجوز.
أما البيع بشرط الخيار سبب في الحال؛ لأن البيع لا يقبل التعليق والإضافة، وأثر الخيار في منع الحكم، ولهذا يثبت الملك بعد سقوط الخيار من وقت العقد، حتي كانت الزوائد كلها للمشتري، فتغيّر المبيع قبل سقوط الخيار لا يبطل البيع.
ولهذا لو اشترى عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام، أو عصيرا، فقتل العبد، وتخلّل العصير قبل سقوط الخيار، لا يبطل البيع.
ولو أوصى بعبد أو عصير، فقتل العبد قبل موت الموصي، وتخلل العصير تبطل الوصية، لما قلنا.
ولو أوصى ببسر صغار، فكبرت قبل موت الموصي، لا تبطل الوصية؛ لأن العين لم تتبدل بدليل بقاء الاسم والمعنى، ولم تخرج من التفاهة إلى الكمال، فلا تبطل الوصية.
وكذا لو أوصى بحمل، فصار كبشا قبل موت الموصي، لا تبطل الوصية.
وكذا لو أوصى بوصيفة، فكبرت؛ لأن الحيوان بمضيّ الزمان لا يصير جنسا آخر؛
стр. 1647
لأن معناه لا يتغيّر، وكذا الاسم لا يزول، يقال: "هذا الكبش حمل هذه النعجة"، فلا تتبدل عنه.
ولو أوصى بالرطب، فصار تمرا قبل موت الموصي، في القياس تبطل الوصية، وفي الاستحسان لا تبطل (١).
وجه القياس أنه زال الاسم والمعنى، فيختلف جنسه (٢)، ولهذا لو حلف: لا يأكل رطب، فأكل تمرا، لا يحنث.
وجه الاستحسان: أن الجنس لم يختلف؛ لأنه لم يحدث له اسم لم يكن؛ لأن الرطب له اسمان: الرطب والتمر، وبالجفاف زال أحدهما، وبقي الآخر، فإذا لم يحدث له اسم، لم يكن، كان الاسم باقيا من وجه دون وجه، ولم يبطل معناه أيضًا، بل فات بعض المعاني، وبمثل هذا لا يختلف الجنس، ولهذا جاز استيفاء أحدهما بالآخر في السَلم، فلا تبطل الوصية الشك.
وإنما لا يحنث في اليمين، لا لتبدل الجنس، بل لزوال الداعي؛ لأن اليمين تتقيد بالداعي ألا ترى أن الأمير إذا حلّفَ رجلا أن يرفع إليه كل داعر يعرفه في البلد، تتقيّد اليمين بحال قيام السلطنة.
ولو قال: أوصيت لك بهذا العنب، فصار زبيبا قبل موت الموصي، بطلت الوصية
فرق بينه وبين الرطب إذا صار تمرا، واختلفوا في الفرق بين الفصلين، قال بعضهم: إنما افترقا؛ لأن التفاوت بين العنب والزبيب فاحش، ولهذا ينقطع حق المالك في الغصب،
стр. 1648
أما التفاوت بين الرطب والتمر يسير، ولهذا لا ينقطع حق المالك في الغصب، بل بخير (١).
وقال بعضهم: إنما افترقا لأن العنب لا يصير زبيبا إلا بالمعالجة، والمعالجة (٢) والإعداد للحاجة دلالة الرجوع، كما لو ذبح الشاة الموصى بها، أما الرطب يصير تمرا بدون المعالجة، فلم توجد دلالة الرجوع، وعن هذا انقطع حق المالك في غصب العنب، ولم ينقطع في التمر؛ لأنه يعتمد إحداث الصنعة المتقومّة.
ولو أوصى ببقل، فصار حبا، أو بِقَصيل (٣)، فانعقد الحب، وصار شعيرا، أو ببَيض، فحضنت عليه الدجاجة، وأخرجت فرخا، بطلت الوصية.
وكذا لو أوصى بحنطة في أرض، فأصابها ماء فنبتَت، بطلت الوصية؛ لأن العين قد تبدلت لزوال الاسم والمعني.
ثم شبّه في الكتاب الوصيةَ بهذه الأشياء بالتوكيل بالبيع، فما يبطل به التوكيل بالبيع، تبطل به الوصية، وما لا فلا، لأن كل واحد منهما عقد غير لازم، لا يفيد الحكم في الحال، وإنما يفيد المقصود في الثاني، فاستويا.
هذا إذا تغيّرت الوصية قبل موت الموصي، فإن تغيّرت بعد موته، لا تبطل
стр. 1649
الوصية (١)؛ لأن السبب قد تمّ، فالتغيّر بعد ذلك لا يبطل العقد، كالتغيّر في البيع بشرط الخيار، ولهذا لو حدثت الزيادة قبل موت الموصي من ولد أو نحوه، [لا تبطل] (٢)، ولا يدخل الولد في الوصية.
ولو حدثت الزيادة بعد موت الموصي، تدخل الزيادة في الوصية ثم الأمر بعد ذلك على وجهين: إن حصل التغيّر بعد القسمة، فهو للموصي له خاصة، لأن قسمة الكفري على رأس النخيل جائزة، لإمكان تعديل الأنصباء؛ لأنه عددي، وإذا جازت القسمة كان التغيّر حاصلا على ملكه.
فإن كان الترك على النخيل بإذن الورثة، طاب الفضل، وإن ترك بغير إذن، لا يطيب، ويتصدق بالزيادة لما عرف في البيع.
وإن حصل التغيّر قبل القسمة، لا تبطل أيضا، لما ذكرنا، لكن يعتبر بخروج الكل من الثلث، لما مرّ قبل هذا: أن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، حتى تقضى منه ديونه، وتنفذ منه وصاياه، فيعتبر خروج الكل من الثلث.
فإن ضاق [الثلث] (٣) عن الأصل والزيادة، عند أبي حنيفة ﵀ تنفذ الوصية أوّلا في الأصل، ثم تكمل من الزوائد.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تنفذ الوصية في الأصل والزوائد بقدر الثلث شائعا، كما في الولد المولود قبل القسمة، بعد موت الموصي، وتطيب الزيادة للموصى له على كل حال؛ لأن الأصل مع الزيادة مبقاة على حكم ملك الميت، والموصي رضي بتركهـ
стр. 1650
على النخيل، فكان الترك حاصلا بحق
ألا ترى أنه لو أوصى بالكفري، فصار الكفري رطبا، بعد موت الموصي، قبل القسمة، ولم يخرج من الثلث، حتي ردّ البعض على الورثة، طاب الفضل لهم، مع أن الأصل لم يكن ملكا لهم، وإنما طاب لهم، لما قلنا. كذلك الموصي له، وكذلك سائر الزوائد.
ولو أوصى ببُسر، فصار بعضه رطبا قبل موت الموصي، وبقي البعض بسرا، كان لكل بعض حكم نفسه، تبطل الوصية فيما صار رطبا، وتبقى فيما بقي، إلا أن يكون ذلك رطبة، أو رطبتان، فذلك لا يبطل الوصية استحسانا، ويكون الكل للموصي له.
وكذا لو قال: أوصيت لك بهذا البسر، وفيها رطبة أو رطبتان، دخل الكل في الوصية استحسانا؛ لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه، فلا يعتبر (١).
كما لو حلف لا يشتري رطبا، فاشترى كِبَاسَة (٢) بُسر، فيها رطبة أو رطبتان، لا يحنث. وكذا لو حلف لا يشتري شعيرا، فاشترى حنطة، فيها حبات شعير، لا يحنث، لما قلنا (٣).
-والله أعلم-.