← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

قضاء دين الميت (١) كان الباقي بعد دين العبد بحكم الميراث أثلاثا، خمسمائة لأحدهما، ومائتان وخمسون للآخر، وقد قضى منها دين الميت، فيقسم الباقي بينهما أثلاثا. فإن قيل: القسمة بين الورثة شرعت للمعادلة، ولا معادلة؛ لأن أحدهما ملك نصيبه فارغا، والآخر مشغولا بالدين. قلنا: كل واحد منهما ملك نصيبه مشغولا، إلا أنه زال الشغل عن نصيب أحدهما بعد وقوعه في ملكه، وبقي نصيب الآخر مشغولا. فإن قيل: أن الله تعالى جعل الميراث بين الابنين نصفين، فكيف يقسم (٢) الباقي بينهما أثلاثا؟ قلنا: قسمنا الميراث بينهما نصفين، إلا أن أحدهما قضى بنصف نصيبه دين عبده، فيجعل ذلك كالقائم في يده، أو كالمصروف إلى حاجة له أخرى. وهذا كله قول أصحابنا، أما على قول الحسن، وهو رواية الأمالي عن أبي يوسف: دين العبد إذا كان مستغرقا، يمنع الإرث كدين المولى، فإذا لم يكن كل واحد منهما مستغرقا، فإذا ضم أحدهما إلى الآخر يكون مستغرقًا (٣) وبالضمّ يصير مستغرقا، يضمّ، ويمنع الإرث، كدين المولى، فإذا لم يكن للابن الغريم شيئًا من العبد لا يسقط شيء من دينه (٤) فيأخذ [الابن الغريم] (٥) كمال حقه خمسمائة، والباقي لغريم المولي.

стр. 1892

وعلى قول بشر: الدين القليل يمنع بقدره، فإذا كان دين الميت خمسمائة، منع الإرث في نصف العبد فيتوقف نصف العبد (١)، وملك الابنان نصف العبد بينهما (٢)، كل واحد منهما ربعه، فيسقط ربع دين العبد، وذلك خمس (٣) مائة وخمسة وعشرون، ويبقى من دينه ثلاثمائة وخمسة وسبعون، يباع العبد بألف، ويعزل نصف الثمن لغريم المولى، ويقسم النصف بين الابنين، لكل واحد منهما مائتان وخمسون، ثم يجيء غريم العبد إلى أخيه، ويقول: بقي من ديني ثلثمائة وخمسة وسبعون، وفي يدك من ثمن العبد مائتان وخمسون، فيأخذ منه ذلك، بقي من دينه مائة وخمسة وعشرون، ثم يجيء إلى غريم المولى، ويقول: بقي من ديني مائة وخمسة وعشرون، آخذ ذلك مما وقف لك من ثمن العبد (٤)؛ لأن دين العبد مقدم على دين المولى في القضاء. ثم يقول غريم المولي لغريم العبد: بقي من ديني مائة وخمسة وعشرون، وفي يدك بحكم الميراث ربع الثمن، والدين مقدم على الميراث، فيأخذ منه مائة وخمسة وعشرين، فيصير في الحاصل لغريم الميت خمسمائة، ولغريم العبد خمسمائة، ولا شيء للابن الآخر. قال علي الرازي: هذا خطأ فاحش، فإنه قال: ملك الابن الغريم ربع العبد، فيسقط ربع دينه، وفي الحاصل ملك ثمن العبد؛ لأن غريم الميت أخذ منه مما وصل إليه بحكم الميراث مائة وخمسة وعشرين، وبقي له بحكم الميراث مائة وخمسة وعشرون، وأنَّه

стр. 1893

ثمن العبد، فينبغي أن يسقط ثمن دينه. الفصل الثاني: رجل مات، وترك عبدا قيمته ألف درهم لا مال له غيره، وترك ابنين لا وارث له غيرهما، ولرجل عليه ألف درهم، ولآخر على العيد خمسمائة، وأوصى بثلث ماله لغريم العبد، وقبل الموصى له الوصية، قال: يباع العبد، فيأخذ الموصى له جميع دينه، وما بقي يكون لغريم المولى؛ لأن دين المولي مستغرق للتركة، فلم يملك الموصى له شيئا من العبد، فلا يسقط شيء من دينه، ودين العبد مقدم على دين المولى في القضاء، ويصرف الباقي إلى غريم المولى (١). ولو كان دين المولى خمسمائة، والمسئلة بحالها: يأخذ الموصى له ثلثي دينه، وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ لأن دين المولى غير مستغرق، فلم يمنع الوصية، فملك الموصى له ثلث العبد، فيسقط ثلث دينه، وذلك مائة وستة وستون وثلثان، ويصرف إلى غريم المولى خمسمائة؛ لأن الدين مقدم على الميراث، يبقى من ثمن العبد مائة وستة وستون وثلثان، يقسم ذلك (٢) بين الابنين وبين (٣) الموصى له نصفين، نصفه للموصى له، ونصفه للابنين؛ لأنَّه لو لم يكن هناك دين المولى لكان للموصي له ثلث العبد، فيسقط ثلث دينه، ويأخذ ثلثي دينه من الورثة، وذلك ثلث العبد، ويسلم للورثة ثلث العبد مثل ما سلم للموصى له بحكم (٤) الوصية، فإذا كان حق الموصى له (٥) عند عدم دين المولى (٦)

стр. 1894

مثل الحق الابنين كان الباقي بعد قضاء الدين بينهم نصفين. الفصل الثالث: فصل الهبة: وهو على وجهين: أحدهما: أن تكون في الصحة، والآخر: أن تكون في المرض ذكر فصل المريض وهو بناء على الآخر، فيذكر ذلك أولًا ليكون أوضح (١). [أما الأول] (٢)، قال: صحيح له عبدٌ مأذونٌ مديونٌ، فوهب العبد من غريمه، وسلم، سقط الدين؛ لأنَّه ملك مديونه، فإن أراد الواهب أن يرجع في الهبة، في ظاهر الرواية: له أن يرجع، وهذا استحسان، وفي القياس: لا يرجع، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، والمعلى عن أبي يوسف، وهشام عن محمد. ولو كان على العبد جناية خطأ، فوهبه لوليّ الجناية، ثم أراد أن يرجع، فهو على القياس والاستحسان، وكذا لو كان موهوب جارية وهبها (٣) من زوجها حتي فسد النكاح، ثم أراد أن يرجع في الهبة (٤). وجه القياس: أن الدين والجناية والنكاح عيب، حتى كان للمشتري أن يردّ بهذه الأشياء، وزوال العيب يمنع الرجوع في الهبة، كما لو كان به جرح فداواه حتى برأ، لم

стр. 1895

يكن للواهب أن يرجع. وجه ظاهر الرواية: أن هذه عيوب حكمية لا أثر لها في العين، فزوالها لا يوجب زيادة وتغيرا في العين، فلا يمنع الرجوع، كزيادة السعر والنقل من بلد إلى بلد يباع فيه بأكثر، بخلاف الزيادة الحقيقية؛ لأنها تغير العين. وإذا رجع الواهب في الهبة يعود الدين والجناية عند أبي يوسف، ولا يعود عند محمد. لمحمد: أنه سقط الدين والجناية، والساقط يتلاشى، فلا يتصور عوده، وبالرجوع لا يظهر أن الهبة لم تكن، ولهذا لو وهب دارا ثم رجع في نصفها لا تبطل الهبة فيما بقي ولو صارت الهبة في النصف كأن لم تكن، تصير كهبة المشاع، فتبطل في الباقي، بخلاف الحوالة؛ لأن ثَمّة لم يسقط الدين، وإما تحوّل من ذمة إلى ذمة. وبخلاف ما إذا صالح من الدين على عين، أو باع عينا بالدين الذي عليه ثم استحق العين، أو هلك قبل التسليم حيث يعود الدين؛ لأن ثمة لم يسقط الدين، أما في البيع: فلأنه صار قصاصا بالثمن، وسقطت المطالبة مع بقاء الدين، وفي الصلح تحول الدين إلى بدله، ولم يسقط، وفي مسئلتنا سقط الدين؛ لأنَّه لو بقي بقي (١) لنفسه على نفسه، وذلك ممتنع، وبعد ما سقط لا يتصور عوده. ولأبي يوسف: أن هذه براءة وقعت حكما للهبة، فإذا انتقضت الهبة، وعاد إليه قديم ملكهـ، عاد ما كان متعلقا به، كالعبد المديون إذا أسره العدو، ثم وقع في سهم واحد من الغانمين، فأخذه المالك القديم بالقيمة، يعود الدين.

стр. 1896

كذا لو باع العبد المديون بإذن الغرماء، حتى تحول الدين إلى الثمن، أو وهب حتى سقط الدين عن ذمة العبد، ثم انفسخ البيع بما هو فسخ من كل وجه، أو رجع إلى الهبة يعود الدين إلى رقبة العبد وكذا لو باع العبد الجاني وهو لا يعلم بالجناية وصار مستهلكا ضامنا قيمته ثم انفسخ البيع بما هو فسخ من كل وجه (١) تعود الجناية، ويبطل الضمان. وأما انتقاض الهبة؛ فلأن الرجوع في الهبة نقض، وإعادة إلى قديم ملكهـ، يستوي فيه القضاء وعدمه، ولهذا لو رجع الواهب في الهبة، ثم وجد به عيبا كان له أن يرد على بائعه، وللواهب الأول أن يرجع في الهبة بعد ما رجع الواهب الثاني. وكذا لو اشترى شيئا شراء فاسدا، وقبض، ووهب لإنسان، وسلم، يبطل حق البائع في الاسترداد، فإن رجع الواهب في الهبة عاد حق البائع في الاسترداد. وما قال محمد: أن الساقط لا يحتمل العود (٢)، فيبطل بالإبراء، فإنه يرتدّ بالرد، وكذلك [الهبة] (٣) تتمّ من غير قبول، ثم تبطل بالرد. وحكى البلخي عن أبي يوسف أنه استفحش قول محمد، فقال: أرأيت لو كان الدين ليتيم، فوهب العبد لليتيم، وقبل الوصيّ، سقط الذين، فإن رجع الواهب (٤) في الهبة هل يعود الدين؟ إن قال: "لا"، كان

стр. 1897

تصرف الوصي ضررا في حق اليتيم، وإن قال: "يعود"، فأيّ فرق بين المسئلتين. إذا عرفنا هذا جئنا إلى مسئلة المريض، قال: مريض له عبد مديون، فوهبه لغريمه، وسلّمه إليه، سقط دينه؛ لأن تصرفات المريض ممالا (١) يحتمل النقض [بعد النفاذ] (٢) تنفذ في الحال؛ لأن الملك قائم، وتعلق حق الورثة ليس بمعلوم؛ لأن ذلك في مرض الموت، ومرض الموت لا يعلم إلا بالموت، وأنَّه موهوم، فلا يمنع النفاذ؛ ولهذا لو كان الموهوب جارية حلّت للموهوب له، وإذا نفذت الهبة، وثبت الملك، سقط الدين ضرورة. فإن مات الواهب، ولا مال له سواه، ولم تنجز الورثة، تنقض الهبة في الثلثين؛ لأن تبرعات المريض تعتبر من الثلث كالوصية، وإذا مات ظهر أنه كان مرض الموت، فتنقض في الثلثين. ثم قال: ولا يعود الدين، ولم يذكر فيه خلافا، قال عامة مشايخنا: هذا قول محمد، أما على قول أبي يوسف: يعود ثلثا الدين، وهذا وفصل الصحيح سواء، وإذا لم يُعد الدين في قول (٣) محمد سلم ثلثا العبد للوارث، والثلث للموهوب له، وعند أبي يوسف إذا عاد الدين بقدر ما انتقضت فيه الهبة يباع فيه، وإذا بيع ذلك يبقى مال الميت ثلث العبد؛ لأن المصروف إلى الدين بمنزلة المستحق، فيعتبر الثلث والثلثان في ذلك، فتنقض الهبة في ثلثي هذا الثلث، وهو تسعا العبد، فيعود تسعا الدين، فيباع تسعا العبد في الدين. ثم يعتبر الثلث والثلثان فيما بقي، هكذا إلى أن تبطل الهبة في الكل، ولا يسلم

стр. 1898

للورثة شيء، فيقال للموهوب له: لا نسلم لك الهبة والدين، فلا بدّ من إبطال أحدهما، فيخيّر، فإن اختار الهبة تنتقض الهبة (١) في الثلثين، فيأخذ الموهوب له ثلث العبد، ويسقط ثلثا دينه، ويسلم ثلثا العبد للورثة. وحكي عن الكرخي أنه قال: ما ذكر في مسئلة المريض أن الهبة تنقض في الثلثين، ولا يعود الدين قول الكل، وفرق لأبي يوسف بينه وبين الصحيح إذا رجع في الهبة. والفرق أن ثمّة الهبة انتقضت بحق ثابت مقارب للهبة، وهو حق الرجوع للواهب، فلم يكن ملك الموهوب له متقررا، ولا سقوط الدين متقررا، بل كان مترددا، فإذا انتقض صار كأن لم يكن، أما في فصل (٢) المريض الهبة إنما انتقض لحق الورثة، وحقهم يثبت عند الموت، فلا يظهر أن الهبة وسقوط الدين لم يكن. نظير هذا ما لو اشتري دارا بدار، وللدار المشتراة شفيع، والمشتري أيضا شفيعها، فقبض المشتري الدار المشتراة، ووهبها لرجل، ثم جاء الشفيع، ونقض الهبة في نصف الدار، وأخذ نصف الدار بالشفعة، بطلت الهبة فيما بقي؛ لأن للشفيع نقض الهبة بحق مقارن للهبة، وهو حق الشفعة، فيصير كأن لم يكن، فتبطل الهبة في الباقي؛ لأنها هبة المشاع فيما يحتمل القسمة. وبمثله: لو أن المشتري لم يقبض الدار المشتراة، وسلم داره إلى البائع، ثم أن البائع وهب الدار التي قبضها لرجل، وسلمها إليه، ثم جاء شفيع الدار المشتراة، وأخذ نصفها من البائع بالشفعة، فرجع المشتري (٣) في نصف داره، ونقض هبة الدار (٤) في نصف الدار

стр. 1899

لا تبطل الهبة فيما بقي؛ لأن هبة البائع انتقضت في النصف بحق متأخر، وهو انتقاض البيع في نصف الدار المبيعة، فلم تصر الهبة في الباقي هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، كذلك هنا. هذا إذا وهب المريض كل العبد من لغريم العبد (١)، فإن وهب له ثلث العبد، وسلم، سقط ثلث دينه اعتبارا للبعض بالكل، فإن مات المريض في مرضه يباع ثلثا العبد بثلثي دينه، ويخرج ذلك القدر من مال الميت؛ لما عرف أن المصروف إلى الدين بمنزلة التاوي، فيعتبر الثلث والثلثان الثلث (٢) في الباقي، فتنقض الهبة في ثلثي هذا الثلث (٣)، وهو التسعان، فيسلم ذلك للورثة، والتسع للموهوب له، ولا يعود الدين في قول محمد، وكذا في قول أبي يوسف على قول الكرخي، وعلى قول عامة المشايخ إذا نقضت في تسعي العبد يعود تسعا الدين، ثم بخير الموهوب له على الوجه الذي ذكرنا، فصار الثلث هنا بمنزلة الكل فيما تقدم. ولو كان على العبد دين يحيط بقيمته، وأوصى به لغريمه، ثم مات المولى، وقبل الموصى له الوصية، ولا مال له غير العبد، ولم تنجز الورثة، نفذت الوصية في ثلث العبد ويسقط دينه لأنَّه ملك ثلثه، ويباع ثلث العبد فثلثي الدين ويسلم (٤) للموصى له، ولا يرجع عليه الورثة بشيء.

стр. 1900

فرق بين هذا وبين الهبة من وجهين: أحدهما: إنه لو وهب كل العبد في مرضه لغريم العبد يسقط جميع الدين وفي الوصية إذا انفذت في الثلث يسقط ثلث دينه (١). والثاني: أن في الهبة إذا نقضت الهبة في الثلثين (٢) بعد موته فعاد ثلثا الدين في قول أبي يوسف، وبيع ثلثا العبد بالدين، لا يسلم ثلث العبد للموهب له بل يرجع عليه الورثة على الوجه الذي ذكرنا في الوصية إذا انفذت الوصية في ثلث العبد وبيع ثلثا العبد بالدين يسلم ثلاث العبد (٣) للموصى له، أما الأول؛ لأن في الهبة الملك يثبت قبل الموت، فملك الموصى له (٤) كل العبد، [فسقط كل الدين] (٥)، وإنما تنقض الهبة بعد موته، في الثلثين، وإذا ملك كل العبد سقط دينه. أما في الوصية الملك يثبت بعد الموت؛ لأن الوصية إيجاب بعد الموت، فكان ثبوت الملك للموصي له مقارنا لثبوت الملك للورثة، فلم يملك إلا الثلث، فلا يسقط إلا ثلث الدين. وأما الثاني: في القسمة تعتبر المعادلة وقت القسمة لا بعدها، وفي الوصية تحققت المعادلة في القسمة؛ لأن نصيب الكل كان مشغولا بالدين، إلا أنه زال الشغل عن نصيب

стр. 1901

الموصى له بعد القسمة. أما في الهبة إنما تقع القسمة بين الورثة والموهوب له بعد الموت، فتعتبر المعادلة في هذه الحالة، وفي هذه الحالة ملك الورثة مشغول بالدين، وملك الموهوب له فارغ عن الدين، فلهذا كان لهم حق الرجوع فيما بقي للموهوب له. هذا إذا كان الدين على العبد للموصي له، فإن كان الدين للوارث، والمسئلة بحالها، نفذت الوصية في ثلث العبد، ويسقط ثلثا دينه؛ لأن الوارث ملك ثلثيه، ويباع نصيب الموصى له بالدين؛ لأن الدين مقدم (١) على الوصية، ولا يرجع الموصى له على الوارث بشي؛ لأن الوارث ملك نصيبه مشغولا بالدين، كما ملك الموصى له، فلا يرجع على الوارث، ولا يزاحمه في شيء. وكذا لو مات عن ابنين، ولأحدهما على العبد دين، سقط نصف دينه، ويبقى نصف الدين في نصيب صاحبه، فيباع نصيبه (٢) بالدين، ولا يكون له أن يزاحم شريكه في نصيبه؛ لما قلنا. - والله أعلم -

стр. 1902

باب العبد المأذون له في التجارة إذا اشتري لغيره ولَحقه دين بني الباب على أصول ثلاثة: أحدها: أن العبد المستأجر للبيع والشراء وكيل في حق المستأجر؛ لأن حكم عقده يقع للمستأجر بحكم الأمر، لا بحكم الملك، فكان وكيلا، فتراعي أحكام الوكالة بينهما، حتى برجع بالعهدة على المستأجر، ويطالبه بالثمن، كما يرجع الوكيل على المؤكل. وهو في حق مولاه بمنزلة العبد المأذون في التجارة، حتى تباع رغبته بما يلحقه من الديون، ولا يرجع بالعهدة ونحو ذلك؛ لأن مولاه (١) يملك الإذن في التجارة، فإذا أجره للتجارة فقد رضي بتجارته، والإذن في التجارة يثبت بأقل من هذا، وهو السكوت، فيثبت بالإجارة للتجارة بطريق الأولى. والثاني: أن الإجارة لا تصح إلا بإعلام البدلين؛ لأنها نوع بيع، فيراعى فيها إعلام البدلين، والمبدل في الأجير المشترك هو (٢) العمل، لا نفس المنفعة، حتى [لا] (٣) يستحق الأجر إلا بالعمل، فيشترط إعلام العمل ببيان القدر والجنس والصفة، والمبدل في الأجير الخاص نفس المنفعة، حتى يستحق الأجر بتسليم النفس من غير عمل، فيراعي إعلام المنفعة بيان المدة.

стр. 1903

والثالث: أن حقوق العقد ترجع إلى العاقد عندنا إذا كان من أهل الحقوق. وفي الباب فصول ثلاثة: العبد، والمدبر، والحر. بدأ بفصل العبد، فقال ﵀: رجل استأجر عبدا مشاهرة، كل شهر [ببدل] (١) معلوم ليشتري له ويبيع العبد (٢) ما بدا له، جاز؛ لأن العبد أجير، وحد في هذا العقد، حتى لو سلم العبد، ولم يعمل استحق الأجر، فكان المعقود عليه منافع العبد، فإذا بين المدة استجمعت الإجارة بشرائطها فصحت، كما لو استأجره شهرا ليخيط له، أو ليخدمه، ويصير العبد مأذونا في التجارة؛ لأنَّه لما أجره للتجارة، فقد رضي بتجارته، وتعلق الدين برقبته، والإذن في التجارة لا يقبل التخصيص، فيصير مأذونا في التجارات كلها. فإن قبض المستأجر العبد، وأمره بالبيع والشراء، فباع واشترى، ولحقه ديون، رجع العبد بذلك على المستأجر، ويطالبه به، ذكر محمد قبض المستأجر العبد؛ لأن الإجارة عقد يحتمل الانتفاض، فلا يجوز التصرف فيها قبل القبض، كما في بيع المنقول، وإنما يرجع العبد على المستأجر بالديون لما ذكرنا أنه وكيله، فيرجع كما يرجع الوكيل، بخلاف العبد المأذون إذا لحقه دين فإنه لا يرجع على المولى؛ لأن المأذون يتصرف لنفسه، وإنما الإذن لفكّ الحجر، ويثبت له الملك في أكساب العبد بحكم ملك الرقبة، وإذا كان منصرفا لنفسه لا يرجع على مولاه. أما العبد هنا يعمل للمستأجر بحكم الأمر بمنزلة الوكيل، وللغرماء أن يطالبوا العبد

стр. 1904

بديونهم، وليس لهم مطالبة المستأجر؛ لأن العقد ما جرى بينهم وبين المستأجر، إنما جرى بينهم وبين العبد، والعبد المأذون في حقوق العقد بمنزلة الحر. فإن كان المستأجر مفلسا لا يجد شيئا، وقد ملكت الأموال في يد العبد، فإنه يباع العبد بديونهم؛ لأن المولى لما أجره للتجارة فقد رضي بتعلق الدين برقبته، وأسقط حق نفسه عن المالية، فإن فداه المولى، لا يباع؛ لأن حق الغرماء في استيفاء الدين، وقد حصل، ثم يرجع المولى على المستأجر بما فدي؛ لأنَّه فداه لتخليص ملكهـ، فكان مضطرًا، لا متبرعا، كمعير الرهن إذا قضى دين الراهن، والوارث إذا قضي دين الميت من ماله لتخليص التركة، فإنه (١) لا يكون متبرعا حتى يرجع في التركة، كذلك هنا، ويرجع المولى بما فدي، لا يرجع (٢) بالأقل من قيمته وما فدى. فرق بينه وبين العبد المغصوب إذا جنى جناية، ثم رد على مولاه، بخاطب مولاه بالدفع أو الفداء، [فإن اختار الدفع أو الفداء] (٣) يرجع بالأقل من قيمته ومما فدى. والفرق أن في مسئلتنا المولى صار مضطرا بسبب عقد باشره للمستأجر بأمره، فكان المولى مأذونا في قضاء الدين من قبل المستأجر، والمأمور بقضاء الدين يرجع بما قضى. أما في مسئلة الغصب: لم يصر المولي مضطرًا في قضاء الدين (٤) بعمل باشره للغاصب، بل المولى أصل في موجب الجناية، وهو الدفع أو الفداء؛ لأن الخطاب [به] (٥).

стр. 1905

يتوجه على المالك، وإنما يرجع المولى (١) على الغاصب؛ لأنَّه لم يرده كما قبض، فيرجع بالأقل؛ لأنَّه متيقن، ولا يرجع بالزيادة، والذي يلي قبض ذلك من المستأجر هو المولى؛ لأنَّه هو الذي أدانه، فكان حق الأخذ له، كمعير الرهن إذا قضى دين الراهن، وإن أبى المولى أن يفدي، فبيع بألف، والدين عشرة آلاف، قسم الألف بين الغرماء بالحصة؛ لأن الثمن بدل مالية تعلق بها حق الغرماء، فيكون بينهم بالحصة، ولا سبيل للغرماء على العبد ما بقي حتى يعتق لوجهين: أحدهما: أنهم استوفوا بدل المالية مرة، فانقطع حقهم عن الرقبة، والثاني: أن المشتري إنما التزم الثمن لسلامة العبد والأكساب، فلو بقي حق الغرماء في الرقبة لا يجوز البيع، ولا يسلم الثمن المقبوض للغرماء إلا بانقطاع حقهم عن الرقبة، فزال حقهم عن الرقبة، وبقي في الذمة، وبقاء الدين في الذمة لا يمنع جواز البيع، كالعبد المحجور إذا أقر على نفسه بدين. فإن أعتق العبد يتبع بما بقي؛ لأن المانع من الاتباع قد زال، وهو حق المشتري، وقد تقوت ذمته بالإعناق، فينبع بما بقي، ويرجع المولى على المستأجر بالثمن؛ لأنَّه قضى بثمن عبده دينا على المستأجر عن اضطرار، فيرجع عليه، كالرهن المستعار إذا هلك عند المرتهن يرجع صاحب الرهن بقيمته على المستعير، كذلك هنا. وينصب القاضي للغرماء وكيلا يقبض ما بقي من دينهم على المستأجر؛ لأن للغرماء دينا على العبد، وله على المستأجر، وقد عجز العبد عن الاستيفاء؛ لأنَّه صار محجورا حكما، لخروجه عن ملك المولى، وهذا عجز حكميّ يعمل في إبطال حقوق العقود الماضية، كما يعمل في المستقبل، بخلاف ما إذا حجره قصدا، فإن ذلك يعمل في

стр. 1906

المستقبل، لا في إبطال حقوق العقود التي باشرها في حالة الإذن؛ لأن ذاك حق مستحق عليه، فلا يملك المولى إبطاله قصدا، كما لا يملك المؤكل نهي الوكيل عن إيفاء الحقوق. فإذا عجز العبد عن إيفاء الحقوق واستيفائها، ومولاه لا يملك المطالبة والاستيفاء، لأنَّه أجنبي عن كسب عبده المستغرق عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه إن كان يملك الكسب لا يملك التصرف فيه مادام مشغولا بالدين، ولا سبيل للغرماء على المستأجر؛ لأنَّه لا دين لهم على المستأجر، إنما دينهم على العبد، فإذا عجز صاحب الحق عن استيفاء حقه بنفسه، والقاضي نصب ناظرا لكل من عجز عن النظر بنفسه، ينصب القاضي وكيلا. كرجل جنّ عليه، وعليه دين، وله دين على آخر، فإن القاضي بنصب عنه وكيلا يقبض ديونه، ويقضي [عنه] (١)، وكما لو مات الوكيل، وعليه دين، وله على المؤكل دين، فإن القاضي ينصب خصما يستوفي دينه، ويقضي دين الغرماء، كذلك هنا. هكذا ذكرها، وذكر في "المأذون" في العبد إذا مات، وعليه دين، وله ديون على الناس: أن المولى يقوم مقام العبد في المطالبة وإثبات الديون، فإذا آل الأمر إلى الاستيفاء يكون الاستيفاء إلى الغرماء. قالوا: ليس في المسئلة اختلاف الروايتين، لكن ما ذكر هنا محمول على ما إذا أبى المولى أن يطالب، ويحتمل أن يختلف الجواب لاختلاف الموضوع، وضع المسئلة ثمة فيما إذا مات العبد، وذكر في "الوكالة": إذا مات العبد، وعليه ديون، فإن المطالبة والاستيفاء يكون إلى الغرماء.

стр. 1907

وجه تلك الرواية: أن المقصود من المطالبة الاستيفاء، [وأنَّه حق] (١) الغرماء لأنَّه ملكهم (٢)، فكانت المطالبة لهم، وجه رواية المأذون: أن المولى مع العبد فيما كان للعبد، ولم يصر مشغولا بحق الغير بمنزلة الوارث مع المورث فيما كان يورث، فيقوم المولى مقامه. وإنما جعلنا الاستيفاء إلى الغرماء؛ لأن الاستيفاء يلاقي المستوفي، وذلك حقهم، وهو لا يؤتمن في حقهم، فجعلنا الاستيفاء إلى الغرماء، والمطالبة إلى المولى، كالحر إذا مات، وله ديون، وعليه ديون، وترك وارثا أو وصيا، كانت المطالبة للوصي والوارث، والاستيفاء للغرماء، كذلك هنا. ثم وكيل الغرماء يرجع على المستأجر بتسعة آلاف درهم، ومولى العبد يرجع بألف درهم ثمن العبد، وأيهما قبض شيئا لا يشاركه الآخر فيما قبض؛ لأن دينهما مختلف الاختلاف السبب؛ فإن سبب وجوب دين المولى قضاء دين المستأجر بسبب عبده، وسبب دين العبد عقد باشره العبد للمستأجر، فلا يشارك أحدهما صاحبه فيما قبض. فإن لم يقبض المستأجر شيئا حتى مات، وترك خمسة آلاف درهم، يقسم ذلك بين مولى العبد ووكيل الغرماء على عشرة أسهم؛ لأن ما في ذمة المستأجر تحول بموته إلى تركته، وحق الغرماء كان في تسعة آلاف، وحق المولى في ألف، فيجعل كل ألف سهما، فيصير عشرة، فيقسم التركة بينهما على عشرة أسهم. وإن لم يبع المأذون في الدين حتى وهب له عبد يساوي ألفا، يباع العبدان جميعا بالدين، أما المأذون فلما ذكرنا، وأما الموهوب فلأنه كسبه، فيباع في دينه سواء اكتسبه

стр. 1908

بالتجارة أو بغير التجارة، وسواء وهب له قبل لحوق الدين أو بعده. فرق بين هذا وبين العبد المحجور، إذا استهلك مال إنسان، ووهب له هبة، إن كانت الهبة قبل لحرق دين الاستهلاك يباع المحجور، ولا تباع الهبة معه بدين الاستهلاك، وإن كانت الهبة بعد لحوق دين الاستهلاك يباع العبدان جميعا، وعلى قول زفر في المأذون أيضا يباع الهبة بعد لحوق (١) الدين لا قبله، فهو سوّى بينهما، وأصحابنا فرقوا. ووجه الفرق: أن العبد (٢) المحجور ليس له يد على أكسابه، فما وقع في يده صورة يقع في يد مولاه معنى، فإذا كانت الهبة قبل الدين وقع في يد مولاه فارغا عن الدين، والتحق بسائر أمواله، فلا يتعلق به حق الغرماء، أما إذا كانت الهبة بعد الدين كما وقعت في يد العبد تعلق به حق الغرماء، فيباع بدينه، أما المأذون: له بد معتبرة على أكسابه، فلا يقع في يد المولى إلا بالدفع، لا جرم [أنه] (٣) لو أخذه مولاه ثم لحقه دين، لا يباع ذلك في دينه. فإن لم يقبض المولى شيئا حتى بيع العبدان بألفي درهم ودفع إلى الغرماء، فإن المولى يرجع على المستأجر بثمن المأذون، وهو ألف درهم، لما ذكرنا، ولا يرجع بثمن الموهوب؛ لأن ثمن الموهوب بدل كسب المأذون، وأكساب المأذون لا يملكها المولى، ولا بد للمولى (٤) عليها ما لم يفرغ عن دينه، بخلاف ثمن المأذون؛ لأن ذلك ملك المولى، وللغرماء حق الاستيفاء منه.

стр. 1909

فإذا صرف إلى الغرماء كان المولى قاضيا دين الغرماء (١) من ماله، فيرجع بذلك على المستأجر، فينصب القاضي للغرماء وكيلا، فيرجع على المستأجر بتسعة آلاف [درهم] (٢)؛ لأن الوكيل قائم مقام العبد المأذون، وقد بقي على المستأجر دين العبد تسعة آلاف [درهم] (٣)، فيأخذها الوكيل، وكل ما يقبض شيئا يدفع إلى الغرماء حتى يصل إليهم تمام حقهم، وتكون الألف الباقية للمولى؛ لأنَّه كسب عبده، وقد فرغ عن الدين، فيكون للمولى. وإن مات المستأجر قبل أن يقضي شيئا، وترك خمسة آلاف درهم، كان ذلك بين المولى والغرماء على عشرة أسهم، سهم للمولى، وتسعة أسهم للغرماء؛ لأن حق المولى كان في ألف، وحق الغرماء في تسعة آلاف، ثمانية آلاف بقية دينهم، والألف الأخرى كسب العبد، فيصير مشغولًا (٤) بحق الغرماء ما لم يصل إليهم حقهم. فإن لم يقبض الغرماء شيئا من دينهم حتى ابرأوا العبد عن ديونهم، أو وهبوه للعبد، وقد بيع العبد المأذون، أو لم يبع، ومات المستأجر، أو لم يمت، لم يبرأ المستأجر عما عليه، ويصير ما عليه ملكا المولى العبد، يقبضه العبد إن كان لم يبع، وإن بيع يقبضه المولى؛ لأن العبد كان وكيلا للمستأجر في الشراء، وعقد الوكيل بالشراء يوجب دينين، [دينا] (٥) للبائع على الوكيل، ودينا للوكيل على المؤكل؛ لأن الوكيل مع الموكل بمنزلة

стр. 1910

البائع مع المشتري، ولهذا كان للوكيل أن يقبض الثمن من الموكل، ويطالبه به. فإن كان لم ينفده البائع، فسقوط دين البائع عن الوكيل لا يوجب سقوط دين الوكيل عن الموكل، وإذا بقي الدين على المستأجر، فهو كسب العبد، وقد فرغ عن دينه، فيكون لمولاه. ولو كان المستأجر أمر العبد أن يشتري له البز خاصة، فاشترى البز، وباع، وربح، واشترى الخز، وباع، وربح فيه، فما ربح في البز فهو للمستأجر، والوضيعة في ذلك على المساجر (١)، وما ربح في الخز فهو للمولى، وما كان فيه من وضيعة، فهو في عنق العبد؛ لأن العبد وكيل في حق المستأجر، فيراعى بينهما أحكام الوكالة (٢)، والوكالة (٣) تقبل التخصيص، فيقتصر الوكالة على البز، وهو مأذون في حق مولاه، والمأذون إذا ربح في تجارته كان الربح لمولاه، والوضيعة في عنقه، يباع فيه، ولا يرجع بذلك (٤) على مولاه. [المولى إذا أمر عبده بشراء جارية بعينها، أو بشراء شيء آخر بعينه، فاشترى، ولحقه دين، يؤخذ العبد بذلك، ويرجع على مولاه قبل أن يؤدي، ويباع فيه، فإن فضل شيء من الدين يؤخذ به المولى]؛ لأن العبد لا يصير مأذونا بمثل هذا الأمر، ويكون وكيلا عن المولى، فكان حكمه ما قلنا. الفصل الثاني:

стр. 1911

رجل أذن لمدبره في التجارة، فأمر المدبر رجل أن يشتري له جارية بخمسة آلاف درهم، أولًا نقول: المأذون إذا توكل عن غيره بالشراء بثمن نقد، يجوز استحسانا، والقياس أن لا يجوز، قِنًا كان المأذون أو مدبرا؛ لأن الشراء يوجب الثمن في ذمة العاقد، وإن كان له حق الرجوع على الآمر فصار بمنزلة الكفالة بأمره، والمأذون لا يملك الكفالة، ولهذا لا يملك التوكيل بالشراء نسيئة، فكذلك بالنقد. وجه الاستحسان: أن هذا من صنيع التجار، فإنهم يبيعون، ويشترون لغيرهم، كما يشترون لأنفسهم، والشراء بالنقد ليس بتبرع من كل وجه؛ لأنَّه كما يوجب الثمن في ذمته يثبت له اليد على المبيع، حتى كان له حبس المبيع من الموكل لاستيفاء الثمن، بخلاف الشراء بثمن مؤجل، فإنه لا يثبت له بدا على المبيع، بل كما يقبض يلزمه التسليم إلى الموكل، وبخلاف الكفالة أيضا. ثم إذا جاز التوكيل استحسانا، فإن اشترى جارية للآمر كما أمره، ورفعها إليه فأعتقها، أو دبرها، أو هلكت عند الآمر أو الوكيل، هلكت من مال الآمر؛ لأن يد الوكيل يد الموكل ما لم يحدث حبسا عن الموكل، وللبائع أن يأخذ المدبر بثمنها، ويستسعيه في ذلك، ولا سبيل له على الآمر؛ لأن حقوق العقد ترجع إلى العاقد. ولو كان العاقد محلا للبيع يباع فيه، فإذا تعذر البيع يقضى دينه من كسبه، ويرجع المدبر على الآمر بالثمن؛ لما قلنا أن شراء الوكيل يوجب دينين، وله أن يطالب الموكل قبل الأداء وبعده، بخلاف الكفيل، فإنه لا يرجع على الأصيل قبل الأداء؛ لأن في الكفالة (١) أصل الدين واجب على الأصيل، والمطالبة متوجهة عليه، وما يجب للكفيل على الأصيل مؤجل إلى وقت الأداء؛ كيلا يجتمع دينان على واحد بسبب واحد.

стр. 1912

أما في الوكالة ليس للبائع دين على الموكل (١)، بل عند الوكيل يوجب دينين حالين: أحدهما للبائع على الوكيل، والثاني للوكيل على الموكل، لا يتعلق أحدهما بالآخر، فإن لم يكن عند الآمر ولا عند المدبر شيء، فجاء عبد، وقطع يد المدبر، ودفع به، أو وهب للمدبر عبد، يباع العبد المدفوع، والموهوب لدين المدبر، إلا أن يفديهما المولى، فإن فداهما كان جميع ما فدى على الآمر، والذي يرجع بذلك هو المولى دون المدبر؛ لأنَّه قضى بماله دين الآمر عن اضطرار، فكان كالمأمور من قبله. وإن أبي أن يفدي، يباع العبد المدفوع والموهوب، أما الموهوب؛ فلأنه كسب المدبر، ودين المدبر يقضي من كسبه؛ لأنَّه لو كان المدير محلا للبيع يباع بالدين، فإذا تعذر بيعه يقضى دينه من كسبه، وأما العبد (٢) المدفوع كان ينبغي أن لا يباع بدين المدبر؛ لأنَّه بدل عن اليد، والمدير وأجزاؤه لا يباع بالدين، فكذا ما قام مقام الحر (٣)، لكنا نقول: بأن الدين تعلق برقبته، فيتعلق بجميع أجزائه، وإنما لا يباع المدبر؛ لأنَّه لا يقبل البيع، وبدل أجزائه قابل فيباع فيه؛ ألا ترى أن دين الحر لا يقضى من نفسه، ويقضي من ديته. وإذا بيع الموهوب والمدفوع صرف ثمنهما إلى البائع (٤)، ويرجع المولى على الآمر بثمن المدفوع، ولا يرجع بثمن الموهوب لأن المدفوع كان ملكا للمولي؛ لأنَّه بدل جزء المدبر (٥)، بل المدبر بجميع أجزائه كان للمولى لا من جهة المدبر، إلا أنه تعلق به حق

стр. 1913

الغرماء، وحق الغرماء ينقطع بقضاء الدين منه مرة، فلا يتعلق بما يجب على الآمر بدلا عن ذلك الثمن، كما قلنا في ثمن [القِن] (١) المأذون. أما الموهوب فملكه المولى من جهة المدبر، فكان من أكسابه، فما يجب بدلا عن ثمنه في ذمة المستأجر يكون من أكسابه، فلا يسلم لمولاه ما لم يفرغ عن الدين، فلهذا يرجع المدبر بذلك على الآمر، دون المولى، ويرجع المدبر أيضا على الآمر بما بقي من دين البائع؛ لأنَّه عاقد، فترجع الحقوق إليه ما بقي مأذونا، وقد بقي، بخلاف العبد المأذون إذا بيع؛ لأنَّه تحجّر بالبيع، فلا يبقى له ولاية الاستيفاء، فينصب القاضي وصيا، أما هنا بخلافه، فيرجع بأربعة آلاف، ويصرف ثلاثة آلاف إلى البائع، والألف الباقية للمولى؛ لأنَّه كسب المدير، وقد فرغ عن الدين، فيكون لمولاه. فإن لم يقض الآمر شيئا حتى مات، وترك ألفي درهم، كان ذلك بين البائع ومولى المدبر على خمسة أسهم؛ لأن حق البائع كان في خمسة آلاف، وقد وصل إليه من ثمن العبدين ألفا درهم، بقي حقه في ثلاثة آلاف، وحق المدبر في ألف درهم - ثمن الموهوب - ولم يفرغ من دينه، وحق المولى في ألف - ثمن المدفوع - فلهذا يقسم الباقي على خمسة، سهم للمولى، وأربعة للمدبر، يأخذها ويصرف إلى البائع ثلاثة آلاف (٢)، ويسلم الآخر لمولاه، ولو لم يكن ذلك لكن قتل المدبر خطا، تصرف قيمته إلى غريمه وهو (٣) البائع؛ لأن دينه كان متعلقا برقبته، فإذا مات، وأخلف بدلا، يقضى منه دينه، كالحر المديون إذا قتل خطأ يقضي دينه من ديته، ثم يرجع مولي المدبر على الآمر بقيمته؛ لما قلنا.

стр. 1914

الفصل الثالث: حر استأجره إنسان مدة معلومة ليبيع له، ويشتري ما بدا له، فباع واشترى، ولحقه ديون، ثم قتل خطأ، وترك ألف درهم، يقضي دينه من [تركته ومن ديته] (١)؛ لأنها تركة الميت، والدين مقدم على الميراث. ثم ينظر إن قضيت الديون، ولم يبق منها شيء، يرجع وارث الحر (٢) بما وجب لمورثه على المستأجر؛ لأنَّه تركة الميت، وقد خلا عن الدين، وإن بقي شيء من ديونهم لا يرجع على المستأجر؛ لأن ما في ذمته تركة الميت، فلا يسلم للوارث ما لم يفرغ عن الدين، ولكن القاضي ينصب وكيلا حتى يرجع على المستأجر بما في ذمته، ويقضي دين الغرماء، فإن فضل شيء يصرفه إلى الوارث؛ لأنَّه تركة الميت، وقد فضل (٣) عن الدين، فإن لم يقض المستأجر شيئا حتى مات، وترك مالا يفي بالديون، يصرف ذلك إلى الغرماء، فإن قال وارث الحر: أنا أضرب مع الغرماء بدية الحر، وبالألف المتروكة في مال المستأجر، لا يلتفت إليه. فرق بين هذا وبين قيمة المدبر وثمن العبد المدفوع، فإن مولي المدبر يضرب في ذلك مع الغرماء في تركة المستأجر. والفرق: أن قيمة المدبر وثمن المدفوع لا يملكه المولى من جهة المدبر، وليس من أكساب المدبر، بل كان للمولى؛ لأنَّه بدل ملكهـ، وما في ذمة المستأجر يدل عنه، فكان المولى أسوة الغرماء في ذلك، أما ما وجب للحر المأمور في ذمة المستأجر كسب الحر

стр. 1915

وتركته، فلا يسلم للوارث ما لم يفرغ عن الدين. ثم استدل في الكتاب لبيان الفرق بينهما فقال: مدبر مأذون عليه دين، قطع عبد يده، ودفع به، فأعتق المولى المدبر، لا يضمن للغرماء شيئا؛ لأنَّه بالاعتاق لم يتلف على الغرماء حقا؛ لأن حق الغرماء كان في استيفاء الدين من كسبه لا في بيعه، وبالاعتاق تأكد حقهم في اكتسابه، فلو اكتسب أكسابا بعد الحرية، وأدّى الدين من ذلك الكسب، لم يكن له أن يرجع بذلك في العبد المدفوع، ويسلم العبد المدفوع لمولى المدبر. ولو كان وهب للمدبر جارية قبل الحرية، واكتسب بعد الحرية أكسابا، فلم تصل يد المدبر إلى الجارية الموهوبة، أو لم يشترها أحد، فأدّى الدين من كسب الحرية، كان للمدبر أن يرجع في الجارية الموهوبة، فإن فدى المولى وإلا بيعت الجارية الموهوبة (١) للمدبر؛ لأن المدبر أدّى الدين من كسب الحرية عن اضطرار، وما اكتسبه قبل الحرية لا يسلم للمولى إلا بشرط الفراغ عن الدين، ولم يفرغ، أما العبد المدفوع باليد لا يملكه المولى من جهة المدبر؛ لتعلق سلامته للمولي بشرط الفراغ عن الدين، لكن المولى يتحمل عن المدبر بيع المدفوع، وفإنه (٢) يتحمل إذا لم يقض دينه من مال آخر، أما إذا قضى الدين من مال آخر، لا يلزمه التحمل. قال: ألا ترى أنه لو كان مكان الجارية الموهوبة ألف درهم، وهبت له قبل العتق، فطولب المدبر بقضاء الدين، ولم تصل يده إلى الألف الموهوبة، فأدّى الدين من مال اكتسبه بعد الحرية، أو من ألف استقرضها، أما كان للمدبر أن يرجع بذلك في تلك الألف

стр. 1916

الموهوبة كان له ذلك. قال: وألا ترى أن المولى إذا أعتق المأذون المديون يضمن قيمته للغرماء؛ لأنَّه أبطل حق البيع عليهم، والغرباء بالخيار، إن شاؤا أخذوه، وإن شاؤا أخذوا المديون، فإن اختاروا اتباع المديون، فأدّى الدين من كسب الحرية، وأراد أن يرجع بذلك على مولاه لم يكن له ذلك؛ لأن المولى كان يتحمل عنه بقضاء الدين، فإذا أدّى الدين من مال آخر لا يرجع على المولى، فلو أن الغرماء أبرؤا العبد بعد الحرية يسلم المدفوع والموهوب للمولى؛ لأنَّه كسب عبده، وقد فرغ عن الدين. ثم ذكر مسئلة الكفالة: إذا كفل العبد بإذن مولاه بعشرة آلاف، وقيمته ألف جاز، فإن قضاه المولى لا يكون متبرعا، وذكر أيضا مسئلة العارية: إذا أدّى صاحب الرهن دين المستعير لا يكون متبرعا، وقد مرت في أثناء المسائل. والله أعلم.

стр. 1917

باب الرجل يأذن لعبده في التجارة في مرض موته ويقرّ بالدين بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن تصرف المأذون إذا لم يكن عليه دين يكون (١) كتصرف المولى بنفسه، وإن كان عليه دين لا يكون تصرفه كتصرف المولى؛ لأن العبد يتصرف بأهلية نفسه، وينعقد العقد بعبارته، إلا أن تصرفه لا ينفذ إلا بإذن المولى وتسليطه، فكان مترددا بين الأصالة والنيابة، فتترجح جهة النيابة بحكم الملك والولاية، فما دام المولى ملك التصرف في رقبته وأكسابه يجعل تصرفه كتصرف المولى، فإذا لحقه دين تنقطع يد المولى عن أكسابه، ويحجر عن بعض التصرفات في رقبته، فلا يجعل تصرفه كتصرف المولى. ولهذا لو أقر المأذون له في مرض مولاه بدين، أو عين الوارث مولاه لا يصح، كما لو أقر المولى، وكذا لو مرض المولى وعليه دين الصحة، ثم أقر العبد على نفسه بغصب، أو بيع، أو وديعة قائمة، أو مستهلكة، لا يصح إقراره، كما لو أقر المولى المريض بذلك، وعليه دين الصحة. والثاني: أن دين العبد مع دين المولى إذا اجتمعا، إن وجب دين العبد بسبب لا تهمة فيه، كالاستهلاك ونحوه يقدم دينه، سواء تقدم وجوبه على دين المولى أو تأخر عنه، اتفق حال وجوبهما أو اختلف؛ لأن دين العبد أقوى، وتعلق دينه بماليته أولى من تعلق دين المولى بماليته.

стр. 1918

فإن وجب دين العبد بسبب هو متّهم فيه كالإقرار، ينظر: إن أنفق (١) حال وجوبهما، وتعلقهما بماليته، بأن كانا في مرض المولى، وكان إقرار المولى مقدما، تَحاص الغريمان في المالية؛ لأن دين المولى تعلق بماليته كما وجب، فإذا أقر العبد بعده لا يبطل ذلك تعلق حق المولى، وتعلق حق المولى لا يدفع ثبوت دين العبد؛ لأن دين المولى وإن كان أسبق تعلقا، فدين العبد في نفسه أقوى من دني المولى لما عرف، وحالة المرض كحالة واحدة، فتبنا جميعا، وجعلا كإقرار المولى. وإن تقدم إقرار العبد على إقرار المولى يبقي دين العبد مقدما، وإن اختلف حال الوجوب بأن كان دين المولى في صحته، ودين العبد ثبت بإقراره في مرض المولى، يقدم دين المولى على دين العبد؛ لأن سبب دين المولى وجد في حالة قوية، وهي حالة الصحة؛ لأنها حال نفاذ كل التصرفات، وسبب دين العبد وجد في حالة ضعيفة، وهي حال مرض المولى؛ لأن العبد يعجز بمرض مولاه عن بعض التصرفات حتى لا يملك الإقرار لوارث المولى ونحو ذلك، فيقدم دين المولى لقوة سببه، كما يقدم دين الصحة على دين المرض. وفي الباب فصول أربعة: الأول: قال محمد ﵀: مريض لحقه في حال صحته دين يحيط بماله، وله عبد، فأذن لعبده في التجارة، فأقر العبد الأجنبي بدين (٢) ألف درهم، ثم مات المولى، فإن العبد يباع، ويصرف ثمنه إلى غريم المولى؛ لما ذكرنا أن إقرار العبد الذي لا يدري عليه دين قبل الإقرار كإقرار المولى.

стр. 1919

ولو كان على المولى دين الصحة، فأقر في مرضه بدين، فإنه يصرف المال إلى دين الصحة؛ لما عرف كذلك هنا، ولأن دين المولى لما مرض تعلق بماله، ودين العبد يتعلق بعد ذلك، فيبدأ بأسبقهما. ولو كان المولى أذن في الصحة ثم مرض، وعليه دين، فأقر العبد في مرض المولى بدين ألف درهم على نفسه، ثما مات المولى، بصرف المال إلى دين المولى أيضًا؛ لأن المعنى يجمعها. ولو أذن لعبده في الصحة، فأقر العبد على نفسه بدين، ثم مرض المولى، فأقر العبد على نفسه بدين آخر، ثم مات المولى، فإنه يباع، ويصرف ثمنه إلى الدينين جميعا. فرق بين هذا وبين ما تقدم، أما على الأصل الأول؛ فلأن تصرف المأذون إذا كان عليه دين لا يكون كتصرف المولى، وقد اقر العبد بهما في صحته، [فيصرف] (١) المال (٢) إليهما، وأما على الأصل الثاني؛ فلأن إقراري العبد جمعتهما حالة واحدة، وهي حالة الإطلاق؛ لأن حق الغريم الأول وإن تعلق بمالية العبد [لكن] (٣) لم يحجر العبد عن التصرف، وبمرض المولى لم يتعلق بماليته شيء لم يكن، ولم يحجر العبد عن التصرف أيضًا، فإنما أقر للثاني في حالة الإطلاق، فلا يقدم الأول، بخلاف ما تقدم؛ لأنَّه كما مرض المولى تعلق بمالية العبد شيء لم يكن، وهو دين المولى في الصحة، وصار العبد محجورًا عن الإقرار؛ لأن إقراره يبطل حق غريم المولى، فلم تجمعهما حالة واحدة، فيبدأ بالأول، كما لو وجد الإقراران من المولى، أحدهما في الصحة والآخر في المرض.

стр. 1920

ثم أوضح الفرق بما لو أذن لعبده في التجارة، فأقر العبد على نفسه بدين، ثم مات المولى، فأذن له وارث المولى، صح إذنه؛ لأنَّه دين العبد، [ودين العبد] (١) لا يمنع الملك للوارث، فإذا ملكهـ الابن صح إذنه، فإن أقر العبد على نفسه بدين آخر، فإنه يباع، ويصرف ثمنه إلى الدينين؛ لأن الإقرارين جمعتهما حالة الإذن، فصار كما لو وجدا معا. ولو أن العبد لم يقر على نفسه بدين في حياة المولى، ثم مات المولى، وعليه ديون تحيط بماله، ثم أذن له الوارث، فأقر على نفسه بدين، فإنه يباع ويصرف ثمنه إلى غريم المولى؛ لأن المولى لما مات، وعليه دين يحيط بماله، لم يملكه الوارث؛ [لأن دين المولى يمنع الملك للوارث] (٢) فلم يصح إذن الوارث، فلم يصح الإقرار الثاني، فيصرف المال إلى غريم المولى. بين بهذا أن في إقراري العبد بحكم الإذن وإن تخلّلهما موت المولى تحاص الغريمان، ففي الإقرارين بإذن واحد لأن يتحاصا، ولم يتخللهما إلا مرض المولى، ولم يختلف الملك حقيقة، كان أولى. الفصل الثاني: رجل أذن في صحته لعبده في التجارة، فأقر العبد على نفسه بدين ألف درهم، ثم مرض مولاه، وعليه دين الصحة ألف درهم، ثم أقر العبد بدين ألف درهم، وقيمته ألف (٣)، ثم مات المولى، وبيع العبد بألف درهم، يدفع ثمنه إلى الغريم الأول؛ لأن

стр. 1921

إقراره في صحة المولى صح مطلقا، وإن صح كان [غريم] (١) العبد أحق من غريم المولى؛ لما عرف أن دين العبد مقدم (٢) المولى في القضاء، ولأن دين العبد أسبق تعلقا؛ لأنَّه كما يجب يجب متعلقا بماليته، ودين المولى ودين الغريم الثاني للعبد يتعلق بماليته في مرض المولى، فيتقدم دين المقر له الأول، كما يقدم دين المرتهن على دين سائر الغرماء. ثم لا يزاحمه الغريم الثاني للعبد، وإن كان لولا دين المولى لزاحمه؛ لأنَّه لولا دين العبد في الصحة، لكان دين المولى في الصحة أولى من دين الغريم الثاني للعبد، لما عرف. فلو أخذ المقر له الثاني حصته لاستحقه عليه غريم المولى، ثم يستحقه المقر له الأول على غريم المولى، فيعود إلى المقر له الأول، فلهذا قطعنا المسافة، وصرفنا المال إلى الغريم الأول للعبد، فإن بيع العبد بألف وخمسمائة، صرف الألف إلى المقر له الأول؛ لما قلنا، والباقي لغريم المولى لأن دينه أسبق تعلقا؛ لأنَّه تعلق به في أول مرض المولى، وما بعده تأخر عنه. الفصل الثالث: لو كانت قيمة العبد ألفي درهم، فأقر العبد في صحة المولى على نفسه بدين ألف درهم، [ثم مرض المولى، فأقر على نفسه بدين ألف درهم] (٣)، ثم أقر العبد على نفسه بألف درهم، ثم مات المولى، وبيع العبد بألفي درهم، قسم الثمن بين غريمي العبد وغريم المولى أثلاثا؛ لأن الإقرار الأول من العبد صح مطلقا، وكذا إقرار المولى؛ لأن إقراره إنما لا

стр. 1922

يصح بعد إقرار العبد إذا لم يجد محلا فارغا، وقد وجد هنا محلا فارغا (١) وهو الألف الثانية، فصح إقراره، وتعلق بماليته، كما تعلق إقرار العبد، وكذا الإقرار الثاني من العبد؛ لأنَّه لو لم يصح، أما أن لا يصح لإقرار العبد أو لإقرار المولى، لا وجه للأول؛ لأن إقرار العبد في صحته لا يمنع إقراره في مرض المولى، ولا وجه للثني: لأن إقرار المولى في مرضه لا يمنع إقرار المولى بعده، فلا يمنع إقرار العبد؛ لما ذكرنا أن إقرار العبد بعد إقرار المولى في مرضه كإقرار المولى. فإن قيل: ما استحقه الذي أقر له العبد ثانيا يستحق عليه غريم المولى؛ لأنَّه أسبق تعلقا فيؤدي إلى الدور، كما في المسئلة الأولى من هذا الفصل. قلنا: ما يأخذه الغريم الثاني لا يستحق عليه غريم المولى؛ لما قلنا أن إقرار الثاني من العبد كإقرار المولى بخلاف المسألة الأولى لأنَّه ثمة دين غريم (٢) المولى دين الصحة، وذلك يمنع إقرار المولى في مرضه، فيمنع ما كان في معناه. فإن قيل: لو كان الإقرار الثاني من العبد كإقرار المولى وجب أن يستويا مع المولى، ولا يزاحما للذي أقر له العبد أولًا، كما لو أقر المولى في مرضه بإقرارين كل واحد بألف. قلنا: وأما الإقرار الثاني من العبد وإن كان كإقرار المولى، إلا أن هذا الإقرار يظهر في حق الذي أقر له العبد أولًا؛ لأن إقرار العبد في صحة مولاه لا يمنع إقراره في مرض مولاه، فإذا ظهر دين غريم المولى، ودين الذي أقر له العبد ثانيا في حق الأول، يقسم المال بينهم أثلاثا.

стр. 1923

هذا إذا بيع العبد بألفي درهم، فإن بيع بألف وخمسمائة بقسم الثمن بينهم على خمسة أسهم، سهم لغريم المولى، ولكل واحد من غريمي العبد سهمان؛ لأن إقرار المولى لا يصح إلا في الفارغ عن دين الذي أقر له العبد أولًا، والفارغ من دينه خمسمائة، فيصح بقدر خمسمائة، والإقرار الأول من العبد صح بألف، وكذا إقراره الثاني؛ لأن إقرار العبد لا يمنع إقراره الآخر، فيجعل كل خمسمائة سهما، فصار سهامهم خمسة، فيقسم المال بينهم على خمسة، فإن بيع العبد بألف صرف إلى غريمي العبد؛ لأن إقرار المولى لم يجد محلا فارغا، فبطل إقرار العبد (١) [بقي إقرار العبد] (٢)، وإقراره للثاني (٣) فكان الثمن بينهما. فإن قيل: إقرار المولى إن لم يظهر في حق الأول وجب أن يظهر في حق الثاني، حتى لا يستحق الثاني شيئا، كما في المسئلة الأولى من هذا الفصل. قلنا: في المسئلة الأولى إقرار المولى في الصحة صح في حق الكل، وأفاد حكمه، وهو وجوب الدين في الذمة، فإذا مرض، وجاء أوان التعلق بماله لم يتعلق، لا لعدم وجوب الدين، بل لسبق محل تعلق به دين العبد، بقي على المولى دين الصحة، ودين الصحة على المولى يمنع إقرار العبد في مرض المولى، فلا يصح إقرار العبد، أما في مسئلتنا إقرار المولى في المرض، وحكم الإقرار في المرض التعلق بالمال، فإذا لم يجد مالا فارغا بطل، وصار كأن لم يكن، فلا يمنع إقرار العبد بعده. الفصل الرابع:

стр. 1924

رجل أذن لعبده في التجارة في الصحة، ثم مرض، فأقر على نفسه بعشرة آلاف، ثم أقر العبد على نفسه بدين ألف، ولا دين عليهما في الصحة، ثم مات المولى، فبيع العبد، تحاص الغريمان بقدر دينهما، [سواء] (١) بيع بألف أو بأكثر؛ لأن إقرار المولى صح لعدم ما يمنعه، وقد ذكرنا أن إقرار المولى صح لعدم ما يمنعه، وقد ذكرنا (٢) أن إقرار المولى في المرض لا يمنع إقرار العبد بعده، ويجعل إقرار العبد كإقرار المولى، فلهذا كان الثمن بينهما بالحصص. ولو أقر العبد في مرض المولى أولا، ثم أقر المولى، كان غريم العبد أولى؛ لما ذكرنا أن إقرار العبد إذا تقدم، منع إقرار المولى ما لم يفرغ المال عن دين العبد. وأشار في الكتاب إلى فرق آخر، وهو: أن إقرار العبد، ولا دين عليه قبل الإقرار، بمنزلة إقرار المولى برقبته أنها وديعة لصاحب الدين، فإذا أقر المولى في مرضه أولا، صح الإقرار وتعلق بمالية العبد، لانعدام دين العبد، فإذا أقر العبد بعد ذلك ظهر أن المولى استهلك الوديعة بالإقرار الأول، فكان إقرار العبد كإقرار المولى بوديعة مستهلكة، والإقرار بوديعة مستهلكة إقرار بالدين، فضار كديني المرض، فيستويان. فأما إذا أقر العبد أولا، فهو بمنزلة إقرار المولى بوديعة قائمة، فإذا أقر المولى بعد ذلك، فقد أقر بالدين بعد الوديعة، فكان الإقرار بالوديعة أولى. والله أعلم

стр. 1925

كتاب المكاتَب باب ما يجوز فيه أمر المكاتب والذمي والعبد على الولد الصغير في ماله بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن ما يملكه الموصى عند موته يملكه الوصي، وما لا فلا؛ لأنَّه خلافة، وإقامة الغير مقام نفسه. الثاني: أن كل تصرف لا مجيز له حال وقوعه لا ينعقد؛ لأن فائدة الانعقاد النفاذ، وما لا مجيز له لا يحتمل النفاذ، فلا يفيد انعقاده. والإجازة إذا لاقت عقدا موقوفًا تصح (١)، ولا تبطل إلا أن تجعل الإجازة إنشاء، وإذا صحت الإجازة يستند النفاذ إلى وقت العقد، وإذا جعل إنشاء يقتصر النفاذ على وقت الإجازة، وولاية الإجازة تستفاد بولاية الإنشاء، فكل من يملك الإنشاء يملك الإجازة، ومن لا فلا. ومسائل الباب على قسمين: قسم في الإيصاء، وقسم في تصرف من هو ناقص

стр. 1926

الولاية. أما القسم (١) الأول: قال محمد ﵀: مكاتب له ولد صغير حر من امرأة حرة ماتت الأم (٢)، وورثها الابن دُورا، أو (٣) عروضا، وكلَّ شيء، فأوصى المكاتب إلى رجل، ثم مات المكاتب وخَلَف عروضا وعقارا فيه وفاء ببدل الكتابة (٤)، فإن وصيّه يبيع العروض والعقار لقضاء المكاتَبة إذا لم يترك عينا؛ لأنَّه قام مقام المكاتب، والمكاتب يبيع جميع ذلك لقضاء المكاتبة، فكذلك وصية. وإذا قضيت المكاتبة يحكم بحرية المكاتب (٥) في آخر جزء من أجزاء حياته، حتى يرثه الإبن، ويكون وصي المكاتب على ولده الصغير فيما خلف المكاتب بمنزلة وصي الأم فيما خلفت الأم. ووصي الأب على الولد الكبير الغائب يملك ما هو من جملة الحفظ نحو بيع العروض وقسمتها؛ لأن حفظ الثمن عسى يكون أيسر، ولا يملك بيع العقار، ولا قسمته؛ لأن العقار محفوظ بنفسه، لا يرد عليه التوى والتلف، ولا يملك قسمة الدراهم، ولا يشتري عقارا بالدراهم؛ لأن الدراهم والدنانير بمنزلة العقار، لا يذهب بأصلها، ولا يأكلها التراب.

стр. 1927

وذكر في "كتاب القسمة" أن وصي المكاتب يقسم جميع التركة، ويأخذ نصيب الصغير، وهو في ذلك منزلة وصي الرجل الحر. قال بعض مشايخنا: ليس في المسألة اختلاف الروايتين، لكن ما ذكر في "كتاب القسمة" أنه (١) محمول على قسمة العروض، وما ذكر في هذا الكتاب أنه لا يقسم محمول على الدور والعقار. وقال بعضهم: في المسألة روايتان، وهو الصحيح، فإنه قال في "القسمة": وهو بمنزلة وصي الرجل الحر، وجه ما ذكر في "كتاب القسمة": أنه لما أديت كتابته حكم بحريته في حياته حتى يرث الولد منه، فكمل حاله عند الموت، فثبتت الولاية المطلقة لوصيه، كما لو أدى المكاتبة في حياته. وجه رواية هذا الكتاب: أن إسناد الحرية إلى ما قبل الموت أمر ضروري، فلا يظهر في ثبوت الولاية على أولاده، ولهذا لو قذفه قاذف لا يحد قاذفه، ولأن الحرية تثبت في آخر جزء من أجزاء حياته، (٢) وتلك زمان لا يسع التصرف، فلا تثبت ولاية التصرف؛ لأن ملك التصرف في زمان لا يسع التصرف محال، بخلاف ما إذا أدى بدل الكتابة في حياته؛ لأنَّه كمل حاله، وثبتت له ولاية كاملة، فتنتقل إلى وصيه. ولا يقال: بأن الإيصاء كان قبل الحرية، فلا تثبت الولاية لوصية، كالمجنون إذا أوصى، ثم أفاق، ثم مات. لأنا نقول: المعتبر في الإيصاء صحة العبارة وقت الإيصاء، وقيام الولاية عند الموت، وقد وجد ذلك في حق المكاتب دون المجنون، ألا ترى أن النصراني إذا أوصى إلى مسلم، وله ولد مسلم بإسلام الأم، ثم أسلم النصراني، ومات، كان وصيه على ولده،

стр. 1928

كوصي المسلم، وكذا العبد إذا أوصى، وله ولد حر من امرأة حرة، ثم عتق العبد ومات، كان وصيه على ولده، كوصي الحر. وكذلك رجل أوصى إلى رجل، ثم أوصى رجل آخر إلى هذا الموصى، ثم مات الموصى الثاني حتى ثبتت الولاية للموصي الأول في تركته، ثم مات الموصى الأول، كان وصيه وصيا في التركتين؛ لأنَّه قام مقام الموصى الأول فيما يملكه الموصى الأول عند موته، فكذلك هنا، ولا سبيل لوصي المكاتب (١) الأول فيما ورث الابن من أمه؛ لأنَّه لا سبيل المكاتب فيما خلفت الأم، فلا يكون لوصيه، وللمكاتب ولاية الحفظ فيما خلف المكاتب تثبت ذلك لوصيه (٢). وللموصي أن يشتري للولد الحر ما لا بد للصغير منه من الطعام والكسوة، ويملك قبول الهبة له إذا كان الولد في حجره؛ لأن ذلك يثبت بحكم اليد حتى يملكه الملتقط، فوصي المكاتب أولى، ولو كان لهذا المكاتب ولد صغير، كوتب معه، أو ولد في كتابته، كان هذا الولد بمنزلة الولد الحر، يجوز عليه من أمر الوصي ما يجوز على ولده الحر؛ لأنهما يعتقان بعتق المكاتب، فكان بمنزلة الولد [الحر] (٣). ولا يقال: بأن المكاتب يملك التصرف في كسب ولده المكاتب، فينتقل إلى وصيه. لأنا نقول: المكاتب لا يملك ذلك بعلّة الأبوّة، بل رقبة الولد وإن كان ملكا للمولى، حتى يعتق بإعتاقه، فكسبه منزلة كسب المكاتب مادام مكاتبنا، فإذا حكم بحريته لم يبق ذلك من أكسابه، ألا ترى أن المكاتب لا يملك تزويج ولده المولود في الكتابة، ولو كانت

стр. 1929

الولاية تصرف (١) في ماله بعلة الأبوة يملك تزويجه. وكذا لو أقر بالدين على ولده المولود في الكتابة صح، ولو كان ملك التصرف بعلة الأبوة لا ينفذ إقراره بالدين (٢)، كما لا ينفذ إقرار الحر على ولده. وأما القسم الثاني: وهو تصرف من هو ناقص الولاية، وهم ثلاثة: المكاتب، والصبي، والعبد، وكل ذلك على وجهين: إما أن تصرف بنفسه أو وكّل غيره. الفصل الأول: قال [محمد ﵀] (٣): المكاتب إذا زوّج عبده امرأة لا يجوز؛ لأنَّه عبد مملوك، وإنما صار مأذونا بحكم الكتابة في الإكتساب، وتزويج العبد ليس بإكتساب، بل هو شغل الرقبة بالمهر والنفقة، فلا يصح، ولا يتوقف؛ لأنَّه لا مجيز له حال وقوعه؛ لأن المولى لا يملك التصرف، وإيجاب الدين عليه. فرق بين هذا وبين مسائل ثلاث: إحداها: المكاتب إذا كفل بمال، ثم أعتق، نفذت كفالته، وإن لم يكن لها مجيز حال وقوعها؛ لأن المولى لا يملك الإجازة، حتى لا تصح إجازته. والثانية: المكاتب إذا وكل رجلا بأن يعتق عبده، ثم أجاز الوكالة بعدما عتق بأداء البدل (٤)، جاز، وإن لم يكن لها مجيز حال وقوعها. والثالثة: المكاتب إذا أوصى بعين من أعيان ماله، ثم عتق، فأجاز الوصية، صبحت

стр. 1930

إجازته، وإن لم يكن لهذه الوصية (١) مجيز حال وقوعها. والفرق أن كفالة المكاتب نافذة في حقه؛ لأنها التزام في الذمة، وذمته مملوكة له (٢)، ولهذا يؤاخذ بها بعد العتق من غير إجازة، وإنما لا يظهر في الحال لمانع، وقد زال بالعتق، أما مسألة (٣) التوكيل والوصية فالإجازة ثمة جعلت إنشاء لما نذكر بعد هذا (٤)، والإنشاء لا يستدعي عقدا قبله. قال (٥) ولو وكل المكاتب رجلا بأن يزوج عبده، لا يصح؛ لأن الوكيل في الإنكاح سفير محض، فإذا لم يملك المكاتب (٦) بنفسه تزويج العبد لا (٧) يملك التفويض إلى غيره، فإن فعل الوكيل ذلك قبل عتق المكاتب بطل؛ لأنَّه لا مجيز له حال وقوعه. وكذا لو تزوج عبد المكاتب امرأة لا يتوقف، وإن فعل الوكيل ذلك بعدما عتق المكاتب كان كفضولي زوج [عبد] (٨) الحر، إن أجاز المولى جاز، وإلا بطل. ولو قال المكاتب للوكيل بعدما عتق: "أجزت وكالتك"، فزوّجه الوكيل صح نكاحه (٩)؛ لأن الوكالة تنعقد بلفظة الإجازة، فإنه لو قال: "أجزت أن تطلق امرأتي، أو
следующие страницы →