الولاية.
أما القسم (١) الأول: قال محمد ﵀:
مكاتب له ولد صغير حر من امرأة حرة ماتت الأم (٢)، وورثها الابن دُورا، أو (٣) عروضا، وكلَّ شيء، فأوصى المكاتب إلى رجل، ثم مات المكاتب وخَلَف عروضا وعقارا فيه وفاء ببدل الكتابة (٤)، فإن وصيّه يبيع العروض والعقار لقضاء المكاتَبة إذا لم يترك عينا؛ لأنَّه قام مقام المكاتب، والمكاتب يبيع جميع ذلك لقضاء المكاتبة، فكذلك وصية.
وإذا قضيت المكاتبة يحكم بحرية المكاتب (٥) في آخر جزء من أجزاء حياته، حتى يرثه الإبن، ويكون وصي المكاتب على ولده الصغير فيما خلف المكاتب بمنزلة وصي الأم فيما خلفت الأم.
ووصي الأب على الولد الكبير الغائب يملك ما هو من جملة الحفظ نحو بيع العروض وقسمتها؛ لأن حفظ الثمن عسى يكون أيسر، ولا يملك بيع العقار، ولا قسمته؛ لأن العقار محفوظ بنفسه، لا يرد عليه التوى والتلف، ولا يملك قسمة الدراهم، ولا يشتري عقارا بالدراهم؛ لأن الدراهم والدنانير بمنزلة العقار، لا يذهب بأصلها، ولا يأكلها التراب.
стр. 1927
وذكر في "كتاب القسمة" أن وصي المكاتب يقسم جميع التركة، ويأخذ نصيب الصغير، وهو في ذلك منزلة وصي الرجل الحر.
قال بعض مشايخنا: ليس في المسألة اختلاف الروايتين، لكن ما ذكر في "كتاب القسمة" أنه (١) محمول على قسمة العروض، وما ذكر في هذا الكتاب أنه لا يقسم محمول على الدور والعقار.
وقال بعضهم: في المسألة روايتان، وهو الصحيح، فإنه قال في "القسمة": وهو بمنزلة وصي الرجل الحر، وجه ما ذكر في "كتاب القسمة": أنه لما أديت كتابته حكم بحريته في حياته حتى يرث الولد منه، فكمل حاله عند الموت، فثبتت الولاية المطلقة لوصيه، كما لو أدى المكاتبة في حياته.
وجه رواية هذا الكتاب: أن إسناد الحرية إلى ما قبل الموت أمر ضروري، فلا يظهر في ثبوت الولاية على أولاده، ولهذا لو قذفه قاذف لا يحد قاذفه، ولأن الحرية تثبت في آخر جزء من أجزاء حياته، (٢) وتلك زمان لا يسع التصرف، فلا تثبت ولاية التصرف؛ لأن ملك التصرف في زمان لا يسع التصرف محال، بخلاف ما إذا أدى بدل الكتابة في حياته؛ لأنَّه كمل حاله، وثبتت له ولاية كاملة، فتنتقل إلى وصيه.
ولا يقال: بأن الإيصاء كان قبل الحرية، فلا تثبت الولاية لوصية، كالمجنون إذا أوصى، ثم أفاق، ثم مات.
لأنا نقول: المعتبر في الإيصاء صحة العبارة وقت الإيصاء، وقيام الولاية عند الموت، وقد وجد ذلك في حق المكاتب دون المجنون، ألا ترى أن النصراني إذا أوصى إلى مسلم، وله ولد مسلم بإسلام الأم، ثم أسلم النصراني، ومات، كان وصيه على ولده،
стр. 1928
كوصي المسلم، وكذا العبد إذا أوصى، وله ولد حر من امرأة حرة، ثم عتق العبد ومات، كان وصيه على ولده، كوصي الحر.
وكذلك رجل أوصى إلى رجل، ثم أوصى رجل آخر إلى هذا الموصى، ثم مات الموصى الثاني حتى ثبتت الولاية للموصي الأول في تركته، ثم مات الموصى الأول، كان وصيه وصيا في التركتين؛ لأنَّه قام مقام الموصى الأول فيما يملكه الموصى الأول عند موته، فكذلك هنا، ولا سبيل لوصي المكاتب (١) الأول فيما ورث الابن من أمه؛ لأنَّه لا سبيل المكاتب فيما خلفت الأم، فلا يكون لوصيه، وللمكاتب ولاية الحفظ فيما خلف المكاتب تثبت ذلك لوصيه (٢).
وللموصي أن يشتري للولد الحر ما لا بد للصغير منه من الطعام والكسوة، ويملك قبول الهبة له إذا كان الولد في حجره؛ لأن ذلك يثبت بحكم اليد حتى يملكه الملتقط، فوصي المكاتب أولى، ولو كان لهذا المكاتب ولد صغير، كوتب معه، أو ولد في كتابته، كان هذا الولد بمنزلة الولد الحر، يجوز عليه من أمر الوصي ما يجوز على ولده الحر؛ لأنهما يعتقان بعتق المكاتب، فكان بمنزلة الولد [الحر] (٣).
ولا يقال: بأن المكاتب يملك التصرف في كسب ولده المكاتب، فينتقل إلى وصيه. لأنا نقول: المكاتب لا يملك ذلك بعلّة الأبوّة، بل رقبة الولد وإن كان ملكا للمولى، حتى يعتق بإعتاقه، فكسبه منزلة كسب المكاتب مادام مكاتبنا، فإذا حكم بحريته لم يبق ذلك من أكسابه، ألا ترى أن المكاتب لا يملك تزويج ولده المولود في الكتابة، ولو كانت
стр. 1929
الولاية تصرف (١) في ماله بعلة الأبوة يملك تزويجه.
وكذا لو أقر بالدين على ولده المولود في الكتابة صح، ولو كان ملك التصرف بعلة الأبوة لا ينفذ إقراره بالدين (٢)، كما لا ينفذ إقرار الحر على ولده.
وأما القسم الثاني: وهو تصرف من هو ناقص الولاية، وهم ثلاثة: المكاتب، والصبي، والعبد، وكل ذلك على وجهين: إما أن تصرف بنفسه أو وكّل غيره.
الفصل الأول:
قال [محمد ﵀] (٣): المكاتب إذا زوّج عبده امرأة لا يجوز؛ لأنَّه عبد مملوك، وإنما صار مأذونا بحكم الكتابة في الإكتساب، وتزويج العبد ليس بإكتساب، بل هو شغل الرقبة بالمهر والنفقة، فلا يصح، ولا يتوقف؛ لأنَّه لا مجيز له حال وقوعه؛ لأن المولى لا يملك التصرف، وإيجاب الدين عليه.
فرق بين هذا وبين مسائل ثلاث: إحداها: المكاتب إذا كفل بمال، ثم أعتق، نفذت كفالته، وإن لم يكن لها مجيز حال وقوعها؛ لأن المولى لا يملك الإجازة، حتى لا تصح إجازته.
والثانية: المكاتب إذا وكل رجلا بأن يعتق عبده، ثم أجاز الوكالة بعدما عتق بأداء البدل (٤)، جاز، وإن لم يكن لها مجيز حال وقوعها.
والثالثة: المكاتب إذا أوصى بعين من أعيان ماله، ثم عتق، فأجاز الوصية، صبحت
стр. 1930
إجازته، وإن لم يكن لهذه الوصية (١) مجيز حال وقوعها.
والفرق أن كفالة المكاتب نافذة في حقه؛ لأنها التزام في الذمة، وذمته مملوكة له (٢)، ولهذا يؤاخذ بها بعد العتق من غير إجازة، وإنما لا يظهر في الحال لمانع، وقد زال بالعتق، أما مسألة (٣) التوكيل والوصية فالإجازة ثمة جعلت إنشاء لما نذكر بعد هذا (٤)، والإنشاء لا يستدعي عقدا قبله.
قال (٥) ولو وكل المكاتب رجلا بأن يزوج عبده، لا يصح؛ لأن الوكيل في الإنكاح سفير محض، فإذا لم يملك المكاتب (٦) بنفسه تزويج العبد لا (٧) يملك التفويض إلى غيره، فإن فعل الوكيل ذلك قبل عتق المكاتب بطل؛ لأنَّه لا مجيز له حال وقوعه.
وكذا لو تزوج عبد المكاتب امرأة لا يتوقف، وإن فعل الوكيل ذلك بعدما عتق المكاتب كان كفضولي زوج [عبد] (٨) الحر، إن أجاز المولى جاز، وإلا بطل.
ولو قال المكاتب للوكيل بعدما عتق: "أجزت وكالتك"، فزوّجه الوكيل صح نكاحه (٩)؛ لأن الوكالة تنعقد بلفظة الإجازة، فإنه لو قال: "أجزت أن تطلق امرأتي، أو
стр. 1931
تعتق عبدي"، أو "أجزت أن تكون وكيلي في ذلك"، كان توكيلا، فكانت إجازته بعد العتق إنشاء للتوكيل.
ولو أعتق المكاتب عبده، أو وهب، أو تصدق، أو وكل بذلك وكيلا، ففعل الوكيل، لا يصح.
ولو أعتق المكاتب، فأجاز ما فعل بنفسه، أو فعل وكيله، لا يصح؛ لأن هذا (١) تصرف لا مجيز له حال وقوعه، فبطل، وإن أعتق الوكيل بعدما عتق المكاتب، فأجاز ما صنع الوكيل جاز. وكذا لو أجاز وكالته بعد ما عتق صح، ويكون إنشاءً للتوكيل.
ولو زوج المكاتب أمته جاز؛ لأنَّه من جملة الاكتساب؛ لأنَّه سبب لوجوب المهر، وكذا لو وكل بذلك وكيلا، ولو تزوج المكاتب بنفسه امرأة، أو وكل وكيلا، فزوجه الوكيل، ثم عتق المكاتب، جاز؛ لما نذكر في العبد.
ولو أوصى المكاتب بشيء بعينه، ثم عتق لم يجز؛ لأنَّه لا مجيز له حال وقوعه؛ لأنَّه تبرع محض، فيبطل، وإن أجاز وصيته بعد ما عتق جاز.
فرق بين الوصية بشيء بعينه وبين ما إذا وهب، أو تصدق، ثم أجاز بعد ما عتق، لا يجوز.
والفرق: أن الإجازة في فصل (٢) الوصية وصية مستقلة (٣)، وليست بإمضاء؛ لأن الإمضاء يعتمد موقوفًا، ولم يوجد، والوصية تنعقد بلفظة الإجازة، فإنه لو قال: "أجزت أن يكون [ثلث] (٤) مالي وصية لفلان" كانت وصية، فإذا تعذر جعل الإجازة إمضاء
стр. 1932
جعلت إنشاء، فأما الإعتاق والهبة لا ينعقد بلفظ الإجازة، [حتى] (١) لو قال: "أجزت عتق عبدي"، أو "أجزت لفلان من مالي كذا"، لا يعتق، ولا تكون هبة، ولا صدقة الرجل (٢)، فكما تعذر جعل الإجازة إمضاء، تعذر جعلها إنشاء.
ولأن الإجازة تستعمل في الإمضاء والإنشاء، فإن أضيفت إلى الموجود، يراد بها الإمضاء، صحيحا كان الموجود أو باطلا، وإن أضيفت إلى غير الموجود، يراد بها الإنشاء، ففي العتق والهبة ونحوهما أضيفت الإجارة (٣) إلى الموجود، فحملت على الإمضاء، فلم تعمل؛ لأن الإمضاء يعتمد بقاء العقد، ولم يبق، وفي الوصية أضيفت الإجارة (٤) إلى ما ليس بموجود؛ لأنها تنعقد عند الموت، فحملت على الإنشاء.
استشهد [﵀] (٥)، فقال: ألا ترى أن المكاتب لو قال: "أعتِقوا هذا العبد (٦) بعد موتي"، أو قال: "أعتق هذا العبد عني غدا" (٧)، ثم جاء غد، فأعتق الوكيل العبد لم يجز، وكذا لو مات عن وفاء، فأعتق الوكيل العبد لم يجز، وإن لم يعتفه الوكيل حتى قال للوكيل بعد ما عتق: قد أجزت الذي كنت أمرتك به، فأعتقه الوكيل جاز، وكان توكيلا مبتدأ، فصارت الإجازة للإنشاء في فصلين من التوكيل والوصية.
стр. 1933
ولو كان الوكيل أعتقه قبل عنق المكاتب، [فقال] (١) بعد ما عتق: أجزت ذلك الإعتاق كان باطلا؛ لأنها أضيفت إلى إعتاق باطل، ولو قال: جعلت ذلك العتق عتقا صحيحًا كان جائزًا؛ لأن الجعل عبارة للإنشاء، فيكون (٢) إعتاقًا مبتدأ.
ولو أوصى المكاتب بثلث ماله أو رقيقة، فإن مات عن وفاء، كانت الوصية باطلة في قولهم، وإن أدى بدل الكتابة في حياته (٣)، ثم مات، فكانت الوصية (٤) باطلة عند أبي حنيفة، وعندهما جائزة.
لهما: أن هذه وصية كما يوجد في المستقبل، وللمكاتب في المستقبل نوعا ملك، أحدهما لا يقبل الوصية، وهو ما قبل العتق، والآخر يقبله، وهو ما بعد العتق، فإما أن يصرف إلى ما يقبل الوصية تصحيحا لوصيته، أو يتناول النوعين جميعا (٥)، فيصح فيما يقبل، ولا يصح فيما لا يقبل، كالحر إذا قال: "كل عبد أشتريه فهو حر"، فاشترى عبدا لنفسه، واشترى عبدا لغيره، [ثم] (٦) تنصرف اللفظ (٧) إليهما، فتنحلّ اليمين فيما اشتراه لغيره لا إلى جزاء لفقد الملك، وفيما اشتراه لنفسه تنحلّ إلى جزاء لقيام الملك.
ولأبي حنيفة: أن المكاتب له في المستقبل نوعا ملك: أحدهما ظاهر، وهو أهل له في الحال، وهو ما قبل العتق؛ لأن الظاهر بقاء الرق، والآخر غير ظاهر، وهو ليس بأهل
стр. 1934
له في الحال، وهو ما بعد الحرية، فانصرف اللفظ إلى الظاهر، وقد ذكرنا هذا في "شرح الجامع".
وإذا انصرفت الوصية إلى ما قبل الحرية لا يصح، كما لو قال: "أوصيت لفلان بثلث ما أملك"، بخلاف مسألة الوكيل؛ لأن [ثمة] (١) يملك العقدين جميعا، فيتناولهما.
وهما فرقا بين الوصية بثلث المال، وبين الوصية بعين من أعيان ماله، ثم أدى الكتابة (٢) وعتق، فجوّزوا الأولى دون الثانية.
والفرق: أن الوصية بعين من أعيان ماله وصية بالوجود، والملك القائم للحال لا يقبل الوصية، فلا يصح، كما لو أوصى بعين لا يملكه، ثم ملكهـ (٣)، فإنه لا يصح، أما الوصية بالثلث المال (٤) وصية بما يملك عند الموت، فإذا أعتق في حياته جازت الوصية لقيام محلها، وهو الملك الكامل.
ولو قال المكاتب: "إذا أعتقت فقد أوصيت بثلث مالي لفلان"، ثم أدى بدل الكتابة، وعتق، ثم مات، وترك مالا جازت الوصية في قولهم؛ لأنَّه صرح بإضافة الوصية (٥) إلى ملك (٦) يقبل الوصية.
ولو أنه لم يؤدّ بدل الكتابة في حياته (٧)، ولكنه مات عن وفاء، فأديت كتابته،
стр. 1935
وحكم بحريته، لا تصح وصيته؛ لأنَّه أضاف الوصية إلى ما يملكه بعد العتق مطلقا، ولم تثبت الحرية في حياته مطلقا، وإنما تثبت بطريق الضرورة، فلا يظهر في حق نفاذ الوصية.
الفصل الثاني:
صبي زوج عبده، أو أعتقه على مال، أو بغير مال، أو وهب هبة، أو تصدق بصدقة لا يصح، فإن بلغ وأجاز، فهو باطل؛ لأن هذه تصرفات ضارة ليس لها مجيز (١) حال وقوعها، فلا تتوقف.
وكذا لو وكل بذلك وكيلا ففعل الوكيل قبل بلوغه، فهو باطل، وإن فعل الوكيل (٢) بعد بلوغ الصغير (٣) كان فضوليا، إن أجاز جاز، وإلا فلا؛ لأن توكيل الصغير (٤) كان باطلا، فكان وجوده كعدمه، وإن أجاز الوكالة بعد بلوغه كان توكيلا مبتدأ لما قلنا.
ولو زوج الصبي أمته، أو باع، أو تزوج الصبي (٥) امرأة، ثم بلغ، فأجاز، جاز؛ لأن هذا عند ملكهـ الولي، فكان له مجيز حال وقوعه (٦) فيتوقف، فإذا أجاز بعد البلوغ جاز.
وقال زفر: لا ينفذ بإجازته؛ لأنَّه توقف على إجازة الولي، فلا ينفذ بإجازة غيره،
стр. 1936
كالعبد المحجور إذا اشترى شيئا ثم أعتقه المولاة (١)، لا ينفذ ذلك (٢) العقد بإجازته.
ولنا: أن حكم هذا العقد، وهو الحل يقع للصبي، فكان العقد واقعا له من كل وجه، وإما اعتبرت إجازة الولي بطريق النيابة، فإذا كمل رأيه بالبلوغ، وقع الاستغناء عن النائب، فتعتبر إجازة من وقع له العقد، بخلاف شراء العبد؛ لأن حكم عقده، وهو الملك يثبت للمولى، فكان العقد واقعا للمولى، فلم يكن نائبا في الإجازة، فلو نفذت بإجازة العبد كان تنفيذا بإجازة من لا يتوقف على إجازته.
ثم فرق بين الصبي والعبد، فالصبي إذا تزوج ثم بلغ، لا يجوز نكاحه إلا بإجازة، والعبد إذا تزوج بغير إذن مولاه، ثم عتق يجوز نكاحه (٣) من غير إجازة.
والفرق: أن العبد له أهلية كاملة، وقوله ملزم؛ لأنَّه مخاطب، ولهذا لو أقر على نفسه بدين يصح إقراره، [لأنَّه امتنع النفاذ] (٤) لحق المولى، فإذا زال نفذ، أما أهلية الصبي قاصرة، فلا بدّ للنفاذ العقد (٥) من انضمام رأيٍ كامل إليه، وهو رأي الولي، أو رأيه بعد البلوغ.
ولو أوصى الصبي بثلث ماله لم يجز، كما لو تصدق، وكذا إذا بلغ؛ لما قلنا من نقصان الأهلية، بخلاف المكاتب إذا أوصى بثلث ماله، ثم عتق، فإنه تصح وصيته عندهما، لكمال الأهلية، ولو أجاز الصبي وضينه بعد بلوغه كان إنشاء للوصية (٦)،
стр. 1937
كالوكالة سواء (١).
ولو قال الصبي: "إذا بلغت فقد أوصيت بثلث مالي لفلان"، لا يصح، لنقصان الأهلية، وكما لا يصح منه التنجيز لا تصح الإضافة، كما لو أضاف العتق إلى ما بعد بلوغه.
الفصل الثالث:
العبد إذا تزوج امرأة، أو وكل بذلك وكيلا، فزوجه الوكيل، ثم عتق نفذ لما قلنا في حق (٢) المكاتب.
ولو وكل العبد المحجور رجلا أن يشتري له عبدا، فاشترى الوكيل (٣) بعد ما عتق الموكل مشتريا للموكل (٤)؛ لأن العبد أهل للشراء، فكان أهلا للتوكيل به، وإنما التوقف كان لحق المولى، وقد زال، وإن اشترى الوكيل حال رق الموكل (٥) كان مشتريا لنفسه؛ لأنَّه تعذر تنفيذه على الموكل لمكان (٦) حق المولى، فينفذ على الوكيل.
فإن اشترى العبد المحجور شيئا لنفسه، ثم أذن له مولاه صح؛ لأنَّه نصرف صدر من الأمل، وإنما لا ينفذ بدون الإذن كيلا يتعلق الدين بماليته، فإذا أذن له مولاه زال المانع، وإن لم يأذن له المولى (٧)، ولكنه أعتقه لا ينفذ؛ لأن عقد العبد وقع على وجه يكون العقد له،
стр. 1938
والملك لمولاه، فلو نفذ بنفس العنق، أو بإجازته بعد العنق كان الملك له، فلم يكن تنفيذا لذلك العقد، بل يكون تغييرا.
بخلاف ما لو تزوج العبد امرأة؛ لأن حكم العقد واقع له على كل حال، وبخلاف ما لو وكل رجلا بشراء شيء، فاشترى الوكيل بعد عتق الموكل كان مشتريا للموكل؛ لأن مجرد (١) الوكالة بالشري (٢) لا حكم لها في حق المولى، فلم يكن ذلك تغييرا.
ولو أوصى العبد إلى رجل، وله ولد حر (٣) من امرأة حرة قد ماتت، وتركت مالا، فورثها الابن، ثم عتق العبد، ومات، صح الإيصاء، لقيام الولاية عند الموت.
وإن كان مولى العبد قال للعبد (٤): "إن لم أضربك فأنت حر"، ولم يضربه حتى مات العبد بعد ما أوصى إلى رجل (٥)، لم يصح الإيصاء، وإن عتق قبل موته في آخر حياته؛ لأن ذلك زمان يسير لا يسع فيه التصرف، فلا يصح إيصاؤه.
- والله أعلم -
стр. 1939
باب دعوة المكاتبين الولد وإعتاق المكاتبة المشتركة وتدبيرها واستيلادها وكتابة العبد المشترك
بنى الباب على أصول:
منها: أن الاستواء في سبب الاستحقاق يوجب الاستواء في الاستحقاق.
ومنها: أن حق الملك يلحق بحقيقة الملك في دعوى النسب احتياطا لأمر النسب.
ومنها: أن الإعتاق يتجزَّأ في قول أبي حنيفة، وكذا التدبير والكتابة، ولا يتجزأ في قولهما، واستيلاد الأمة لا يتجزأ عند الكل، واستيلاد المكاتبة يتجزأ عند أبي حنيفة، وعندهما لا يتجزأ.
ومنها: أن نصيب أحد الشريكين إذا عتق بصنعه يضمن لشريكه (١)، وإن عتق لا بصنعه لا يضمن؛ لأن سبب وجوب الضمان التعدي، فلا يجب بدون صنعه.
ومنها: أن إعتاق ولد المكاتب لا يوجب ضمانا، ولا سعاية؛ لأن عتق الأولاد من مقاصد المكاتب، فلا يصلح سببا للضمان والسعاية.
إذا عرفنا هذه الجملة (٢) قال محمد ﵀:
مكاتَبان بينهما جارية جاءت بولد، فادعياه معا، فهو ابنهما؛ لأن للمكاتب حقا في أكسابه، وحق الملك في دعوى النسب بمنزلة الملك، ولهذا صح استيلاد الأب جارية
стр. 1940
الابن، فإذا ادعياه معا استويا في سبب الاستحقاق، فيستويان [في الاستحقاق] (١).
فإن قيل: هذا باطل بدعوى المولى ولد جارية المكاتب، حيث لا يصح، وإن كان له حق في أكساب المكاتب (٢).
قلنا: وإنما لا يصح بدون التصديق؛ لأنَّه حجر نفسه عن التصرف في أكسابه، فلا يعتبر حقه قبل التصديق، وإذا ثبت النسب منهما يصير الولد مكاتبا معهما؛ لأنَّه ولد في الكتابة، فيكون مكاتبا، ويحرم بيع الأمة.
فإن قيل: لماذا يحرم بيعها، ولم يثبت لها حق الحرية؛ لأن المكاتب لا يملك إلحاق الحرية (٣)؟
قلنا: إنما حرم بيعها؛ لأن الولد في الاستيلاد أصل، والأم تبع، وقد حرم بيع الولد، فيحرم بيع الأم.
فإن أدى أحدهما بدل الكتابة عتق لأن عتقه كان معلقًا بالأداء، وقد وجد (٤) ويعتق معه نصف الولد؛ لأن نصف الولد كان مكاتبا معه فيعتق، ونصفه كان مكاتبا مع الآخر، فبقي مكاتبا، وهو قول أبي حنيفة بناءً على تجزي الإعتاق عنده، ولا يضمن لشريكه شيئا؛ لأن نصف الولد عتق على المولى حتى كان الولد للمولى، والمولى لو أعتق ولد المكاتب بغير بدل لا يضمن. فكذا إذا أعتقه (٥) ببدل، ولا يسعى الولد؛ لأنه لو سعى يسعى لأبيه،
стр. 1941
والأب لا يستوجب السعاية على ولده بالإعتاق، وتكون الجارية نصفها أم ولد للذي عتق، ونصفها أم ولد للآخر؛ لأن استيلاد الأمة، وإن كان لا يتجزأ لكن الجارية لما حرم بيعها بدعوة الولد خرجت من أن تكون محلا للتملك، فتعذر تكميل الاستيلاد، كالمدبرة بين اثنين إذا استولدها أحدهما.
وعند أبي يوسف ومحمد إذا أدى أحدهما عتق، وعتق معه كل الولد؛ لأن عندهما الإعتاق لا يتجزأ، ولا يجب ضمان، ولا سعاية؛ لما قلنا لأبي حنيفة، وتصير الجارية كلها أم ولد للذي عتق، لوجود الاستيلاد في محل لم يثبت فيه حق الحرية، وحرمة البيع بدون حق الحرية لا تمنع تكامل الاستيلاد، كما في المرهونة والمؤجرة، ويضمن الذي عتق لشريكه نصف قيمتها؛ لأنها لما صارت أم ولد له صار متملكا نصيب شريكه، فيضمن نصف قيمتها، موسرا كان أو معسرا.
فإن عجز الآخر بعد ذلك عن أداء بدل الكتابة، الآن تصير الجارية أم ولد للذي عتق في قول أبي حنيفة؛ لأن المانع من تكميل الاستيلاد قبل العجز بقاء الكتابة في نصف الولد ببقاء كتابة الآخر، فإذا عجز، وانفسخت الكتابة فيه، وفي نصف الولد، وصار كأن لم يكن، زال المانع من التكميل، فتصير كلها أم ولد للذي عتق، ويغرم نصف قيمتها لمولى العاجز، موسرا كان أو معسرا، ولا يضمن الذي أدى بدل الكتابة شيئًا من قيمة الولد؛ لأنَّه حين عتق نصف الولد بأداء الأول لم يجب عليه الضمان لما قلنا، فلا يجب بعده، كالعبد بين اثنين إذا أعتقه أحدهما، وهو معسر ثم أيسر، ويسعى الولد في نصف قيمته لمولى المكاتب الذي عجز؛ لأنَّه لما انفسخت كتابة العاجز، ونصف الولد كان مكاتبا معه، انفسخت الكتابة أيضا في نصف الولد، وعاد نصف الولد لمولى العاجز، وقد احتبس حقه عند الولد، فيسعى له، وإن لم يكن الاحتباس بصنعه، كالريح إذا هبت بثوب إنسان، وألقته في صبغ الغير.
стр. 1942
وإنما لا يسعى قبل عجز الآخر؛ لأنَّه لو سعى يسعى لأبيه، والأب لا يستوجب السعاية على ولده، أما بعد العجز يسعى لمولى الأب، فيسعى، كمن ورث بعض ولده يسعى الولد للشركاء، ويكون ولاء الولد بين الموليين.
وإن أدى أحدهما بدل الكتابة (١)، ثم أدى الآخر، لم يذكر محمد هذا في الكتاب، قالوا: هذا في قياس قول أبي حنيفة يعتق كل الولد، وتكون الجارية أم ولد للمكاتبين، وعلى قول أبي يوسف ومحمد حين أدى الأول بدل الكتابة عتق كل الولد، وصارت الجارية كلها أم ولد له، ولم يجب ضمان ولا سعاية، فلا يتغير بعد ذلك.
ولو لم يؤد أحدهما بدل الكتابة (٢) حتى عجز أحدهما، على قول أبي يوسف ومحمد: يصير الولد كله مكاتبا مع المكاتب الآخر؛ لأن الكتابة عندهما لا تتجزأ، ويضمن المكاتب الذي لم يعجز نصف قيمة الولد لمولى الذي عجز؛ لأنَّه لما صار كل الولد مكاتبا معه صار متملكا نصيب الشريك، فيضمن نصف قيمته، موسرا كان أو معسرا.
أما على قول أبي حنيفة: إذا عجز أحدهما يصير نصف الولد لمولى الذي عجز، ويبقى نصيب الآخر مكاتبا إلى أن يظهر حال الآخر (٣)، وليس لمولى العاجز أن يفسخ الكتابة في الولد؛ لأنَّه ثبت تبعا لكتابة الأصل، والأصل لازم، فكذلك التبع.
وأما الجارية: لم يذكر حكمها في الكتاب، قالوا: ينبغي أن تصير أم ولد للذي لم يعجز؛ لأن المانع من التكميل قد زال، وهو حرمة البيع في الولد لحق المكاتب الآخر.
стр. 1943
فإن رفع الأمر إلى القاضي، فقضى بنصف قيمة الجارية لمولى الذي عجز عن (١) الآخر، تقرر كون الجارية كلها أم ولد (٢) حتى لو عجز الآخر، كانت الجارية أمة لمولى الثاني.
وإن عجز الأول، ولم يقض القاضي علي الآخر بشيء من (٣) قيمة الجارية حتى عجز الآخر، كانت الجارية ملكا للموليين، وإن عجز أحدهما، وأدى الآخر البدل، تعتق، وتصير الجارية أم ولد له، ويغرم نصف قيمتها لمولى العاجز، موسرا كان أو معسرا؛ لأنَّه تملك نصيب الآخر.
وإن لم يؤد أحد المكاتبين شيئا، ولم يعجز حتى مات أحدهما، وترك وفاء وفضلا، تؤدى كتابته مما ترك، ويحكم بحريته في آخر أجزاء حياته عندنا، ويعتق نصف الولد معه، ويبقى نصفه مكاتبا مع الآخر في قول أبي حنيفة؛ لأن عنده الكتابة تتجزأ ثبوتا وبقاء.
فإن أدى الآخر عتق الولد كله، ولا يرث الولد أباه الميت؛ لأن نصفه وإن عتق بعتق الميت فنصفه بقي مكاتبا، فلم يكن الولد حرا حين مات الأول، فإن عجز الآخر سعى الولد في نصف قيمته لمولى الذي عجز، ويعتق، ولا يرث الولد أحد الأبوين، أما الأول فلما قلنا، وأما الثاني؛ فلأن نصف الولد إنما عتق بالسعاية بعد موت الثاني.
وأما حكم الجارية إذا مات الأول عن وفاء، عتق نصفها بموته حرا، وتسعى الجارية في نصف قيمتها للمكاتب الآخر، ولا يجب الضمان في مال الميت.
стр. 1944
فرق بينها وبين الجارية المشتركة إذا استولدها أحدهما، فإنه يضمن لشريكه نصف قيمتها على كل حال.
والفرق: أن الجارية المشتركة (١) تملك نصيب شريكه فيضمن، وفي مسألتنا (٢) لم يتملك الميت نصيب شريكه في حياته لما ذكرنا أن حرمة البيع لحق الولد تمنع الانتقال، وحين مات عن وفاء تقررت أمومية الولد في نصيبه بتقرر ملكه، وأم الولد تعتق بموت السيد، فلا تملك، وبدون التملك لا يضمن، وإذا لم يضمن، كان عليها السعاية في نصف قيمتها للمكاتب الحي؛ لأنَّه لما عتق نصفها صار نصيب الحي محتبسا عند الجارية، فيلزمها السعاية في نصف قيمتها.
فرق أبو حنيفة بين هذه وبين أم ولد بين حرين، أعتقها أحدهما أو مات، فإنها تعتق من غير ضمان ولا سعاية.
والفرق: أن في الحرين ثبت لها حق الحرية بالاستيلاد، وبطلت المالية والتقوم في قول أبي حنيفة ولا يجب ضمان ولا سعاية (٣) أما استيلاد المكاتب لا يوجب لها الحرية؛ لأن المكاتب لا يملك إيجاب الحرية، وإنما حرم بيعها فقط، ألا ترى أن المكاتب إذا استولد جارية من أكسابه ثم عجز، وردّ في الرق، كانت الجارية قِنة لمولاه، ولو ثبت لها حق الحرية لما جاز ردّها إلى الرق.
وإذا بقيت المالية والتقوم، وعتق نصفها بموت المكاتب، صار نصيب الحي محتبسا عند الجارية، فتسعى، أما عند أبي يوسف ومحمد إذا مات أحدهما عن وفاء فأدليت كتابته يعتق، ويعتق الولد؛ لأن العتق لا يتجزأ، ولا يجب ضمان ولا سعاية؛ لأنَّه لو وجب
стр. 1945
وجب للمكاتب الآخر، والأب بعتق ولده لا يستوجب ضمانا ولا سعاية (١)، إلا أن يعجز الآخر، فيسعى الولد في نصف قيمته لمولى الذي عجز (٢)؛ لأن المولى أحق بنصف الولد بعد عجز المكاتب، وقد احتبس عند الولد، فيسعى له، كالعبد بين اثنين إذا (٣) أعتقه أحدهما، وهو معسر، ولا يرث الولد أباه.
فإن قيل: ينبغي أن يرث عندهما؛ لأن الأب عتق في حياته، ونصف الولد كان مكاتبا معه، فيعتق بعتقه، و إذا عتق النصف عتق الكل؛ لأنه لا يتجزأ.
قلنا: إنما يعتق كل الولد في حياته، إذا كان كل الولد مكاتبا معه، أما إذا كان بعضه مكاتبا معه (٤) فلا؛ لأن الولد إذا كان مكاتبا معه يعتق بكتابة الأب، فكما تظهر حرية الأب إلى ما قبل الموت تظهر حرية الولد.
أما إذا كان الولد مكاتبا معهما، كان سبب عتقه كتابتهما، فإنما يعتق بكتابة أحدهما نصفه؛ ثم يعتق النصف الباقي بطريق السراية لتعذر التبعيض، والسراية إنما تكون بعد الثبوت، فلا يعتق كل الولد في حياة الميت، وإذا تعذر إعتاقه قبل الموت، لا يظهر استناد حرية الأب في حقه؛ لأنه أمر حكمي ثبت شرعا، فلا يظهر إلا فيما كان من حقوق كتابة الأب، وعتق كل الولد ليس من حقوق كتابة الأب، فلا يرث، إنما يرث الولد أباه إذا كان كله مكاتبا معه، يعتق بعتقه، ويرق برقه.
والدليل على أن الولد لا يعتق كله في حياة الأب ما قال في الكتاب: أنه لو مات
стр. 1946
أحد المكاتبين عن وفاء، فاكتسب الولد أكسابا قبل أداء الكتابة، أو قطعت يده أو فقئت عينه، ثم أدّيت كتابة الميت من التركة، كان نصف كسب الولد ونصف أرشه للمكاتب الحي، ولو أديت كتابة الميت، تم اكتسب الولد أكسابا، أو جنى عليه، كان الأرش وجميع الكسب للولد، ويجب أرش الأحرار عن الجاني، وعند أبي حنيفة: أرش العبيد؛ لأن عنده لا يعتق كل الولد.
وكذا لو شهد الولد بعد موت المكاتب قبل أداء المكاتبة لا تقبل شهادته.
وكذا عبد وابنه بين رجلين، كاتبهما أحد الموليين بغير إذن شريكه كتابة واحدة، وجعل نجومهما نجما واحدا، ثم مات الأب، وترك مالا، كان للشريك الذي لم يكاتب أن يأخذ نصف في ذلك المال؛ لأنه كسب عبده، ثم يؤدي كتابته من النصف الباقي، ويعتق المكاتب وابنه، ويغرم الشريك الذي كاتب للشريك الذي لم يكاتب (١) نصف قيمة المكاتب ونصف قيمة الولد (٢) إذا كان موسرا، ولا يرث الابن أباه؛ لأن أباه مات، ونصف الولد رقيق للشريك الذي لم يكاتب، كذلك هنا.
ولا يقال: في مسألة الاستشهاد الولد مقصود في الكتابة، فجاز أن يظهر استناد الحرية في حق الأب، ولا يظهر في حق الولد، أما في مسألة الكتاب: الولد تبع في كتابة الأب، فإذا ظهر الاستناد في حق الأصل يظهر في حق التبع.
لأنا نقول: في مسألة الكتاب نصيب الشريك من الولد ليس بتبع في كتابة الميت، كما أن جميع الابن ليس بتبع هنا.
стр. 1947
قال: ألا ترى أنه لو كان الولد مكاتبا مع الأب، ثم مات الأب عن وفاء، ثم مات قريب الابن بعد موت الأب (١)، ثم أديت كتابة الأب حتى بحرية المكاتب وحرية ولده كتابة الأب، فلا يظهر إسناد العتق فيه، كذلك هنا عتق نصيب الشريك ليس من حقوق كتابة الأب فلا يظهر الاستناد في حقه (٢)، والجارية حرة لا سبيل لأحد عليها؛ لأن نصيب الميت عتق بموته، فيعتق الباقي ضرورة أنه لا يتجزأ، ويأخذ المكاتب الحي نصف قيمتها من تركة الميت؛ لأن الميت صار متملكا نصيب الشريك، فيضمن نصف قيمتها.
الفصل الثاني:
مكاتب بين رجلين أعتقه أحدهما عتق نصيبه، ويبقى نصيب الآخر مكاتبا في قياس قول أبي حنيفة؛ لأن عنده الإعتاق يتجزأ، والعتق لا يمنع الإستسعاء الذي هو في معنى الكتابة، فلا يمنع الكتابة.
فإن اختار المكاتب المضيّ في الكتابة لا يضمن المعتق شيئا؛ لأن نصيب شريكه كان مكاتبا، وقد بقي كذلك، فلم يتلف المعتق عليه شيئا، بخلاف المدبر بين اثنين إذا أعتقه أحدهما فإنه يضمن صاحبه؛ لأنَّه حال بينة وبين خدمته، فصار متلفا على (٣) نصيبه.
وإن عجز المكاتب نفسه، تفسخ الكتابة في نصيب الشريك، وصار المعتق متلفا نصيب الشريك بالإعتاق السابق، فيصير حكمه حكم عبد بين اثنين، أعتقه أحدهما يخير الساكت إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء ضمن الشريك إن كان موسرا واستسحى العبد إن كان
стр. 1948
معسرا (١).
وأما عند أبي يوسف ومحمد: إدا أعتقه أحدهما يعتق كله.
ثم اختلف أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما، قال أبو يوسف: إن كان المعتق موسرا يضمن نصف قيمته، وإن كان معسرا سعى العبد في نصف قيمته بالغة ما بلغت، ولا ينظر إلى بدل الكتابة.
وقال محمد: إن كان المعتق (٢) معسرا يضمن الأقل من نصف قيمته، ومن نصف بدل الكتابة، وإن كان معسرا سعى العبد في أقلّ من نصف قيمته، ومن نصف بدل الكتابة.
لمحمد أن حق غير المعتق متردد قبل الإعتاق، إن أدى بدل الكاتبة كان حقه في نصف البدل، وإن عجز المكاتب (٣) نفسة كان حقه في نصف الرقبة، فإذا أعتقه أحدهما فقد اتلف على شريكه حقا مترددا (٤)، والأقل متيّقن، وفي الزيادة شكّ، فيجب المتيقن.
ألا ترى أن المريض مرض الموت إذا أعتق مكاتبه، ثم مات وعليه دين مستغرق، وكان على العبد السعاية للغرماء (٥) يسعى للغرماء في الأقل من قيمته، وفن بدل الكتابة، ويعتبر مال المريض (٦) أقلهما، كذلك هنا.
стр. 1949
وشنع على أبي يوسف ﵀، فقال: لو أن عبدا بين رجل وبين ابنه، كاتباه على ألف دينار، فأدى الكتابة إلا دينارا، ثم أعتقه الأب، فإن على قياس قول أبي يوسف، لوكان الأب معسرا سعى الابن في خمسمائة دينار، وكان يعتق قبل هذا بأداء دينار واحد، وهذا قبيح.
ولأبي يوسف: أنه أتلف نصف عبد متقوم؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، والإعتاق تصرف في العبد لا في بدل الكتابة، فلا يضمن بدل الكتابة، ولهذا لو كانت قيمته أقل من بدل الكتابة يضمن قيمته، ولو كان الإعتاق إتلافا للبدل يضمن البدل على كل حال.
تم اختلفوا في قول أبي يوسف، فقال بعضهم: يضن نصف قيمته قنا؛ لأن الكتابة بطلت لحصول العتق، لا بجهة الكتابة، ولهذا كان المعتق ضامنا، ولو كان العتق واقعا بجهة الكتابة لا يضمن المعتق؛ وإن شريكه راض بتلك الجهة، ووقوع العتق لا بجهة الكتابة يوجب بطلان الكتابة، ولهذا لو أعتق المكاتب عن كفارة يمينه يجوز، ويكون ذلك فسخا للكتابة، وكذا لو أعتق المكاتب كفارة يمينه بعد ما أدى بعض البدل يجوز، مروي ذلك عن أبي يوسف.
والدليل على بطلان الكتابة أن كل الولاء يكون (١) للمعتق، ولو لم تبطل الكتابة لا يتحول كل الولاء إليه، ألا ترى أن الوارث إذا أعتق المكاتب لا يستحق الولاء؛ وإن عتقه (٢) واقع بجهة الكتابة، فيكون للميت، فاستحقاق الولاء هنا دليل على أن المعتق تملك نصيب الشريك، فيضمن نصف قيمته قنا.
وقال بعضهم: يضمن نصف قيمته مكاتبا، وهو الصحيح؛ وإن سبب الضمان
стр. 1950
الإعتاق، وأنَّه صادف المكاتب، وإتلاف المكاتب لا يوجب قيمة القن.
ولا يقال: لما عتق كله ترتفع الكتابة، ويتملك القن.
لأنا نقول: لو ضار متملكا لا يصير متملكا للقن؛ لأن انفساخ الكتابة ما ثبت قصدا، فلا يظهر في حق تملكه قنا على أن العتق قد يتكامل بدون التملك، فإن المدبر بين اثنين إذا أعتقه أحدهما يعتق كله من غير تملك، إلا أن في المدبر إذا أعتقه أحدهما يكون الولاء لهما؛ لأن بالتدبير ثبت الولاء لهما، فلا يتحول إلى أحدهما، وفي المكاتب بين شريكين إذا أعتقه أحدهما يكون كل الولاء للمعتق؛ لأن الولاء ما كان ثابتا لهما قبل الإعتاق، فيثبت للمعتق.
وأما ما ذكر من التشنيع على ألف دينار (١) أبو يوسف يقول: "كلما يلزمني يلزمك "، فإنه لو كانت قيمته مائة درهم، فكاتباه على ألف دينار، ثم أخذ أحدهما منه شيئا يسيرا، أعتقه، يغرم المعتق نصف قيمته خمسين درهما، وإن كان فيه ضرر فاحش فلا ينظر إلى الصورة، وإنما ينظر إلى المتلف، والمستهلك نصف الرقبة، فيضمن نصف قيمته، وثبوت الولاء للمعتق دليل ظاهر لأبي يوسف.
ومحمد أجاب عن الولاء، فقال: الولاء ليس بشيء متقوم حتى يقال لما سلم الولاء للمعتق يضمن لشريكه نصف قيمته كاملة، وقال (٢): ألا ترى أنه لو شهد رجلان على رجل بإعتاق العبد، ثم رجعا بعد القضاء، فإنهما يضمنان القيمة للمولى، وثبوت الولاء للمولى لا يسقط عنهما شيئا من الضمان، وكذا المكره على الإعتاق يضمن قيمته كاملة للمكره، وإن كان الولاء للمكره، فكذلك هنا، وإن سلم الولاء للمعتق جاز أن لا يضمن إلا أقل من نصف قيمته، ومن نصف بدل الكتابة إن كان لم يؤد شيئا في بدل الكتابة.
стр. 1951
الفصل الثالث:
مكاتب بين اثنين، دبّره أحدهما، عند أبي حنيفة ينفذ التدبير في نصيبه، ويبقى نصيب الآخر مكاتبا من غير ضمان ولا سعاية، ويجتمع في نصفه للحرية سببان: الكتابة والتدبير، وفي النصف سبب واحد، وهو الكتابة.
فإن أدى البدل، أو مات المدبر، عتق نصفه، وحكمه حكم عبد بين شريكين، أعتقه أحدهما.
وعند أبي يوسف ومحمد إذا دبره أحدهما يصير كله مدبرا لأنَّه لا يتجزأ (١)، ويضمن الذي دبّره (٢) لشريكه نصف قيمته، موسرا كان أو معسرا؛ لأنَّه تملّكَ نصيب الشريك، وضمان التملك لا يختلف باليسار والإعسار.
ثم اختلفوا على قولهما أنه يضمن قيمته مكاتبا أو قنا، قال بعضهم: يضمن نصف قيمته قنا؛ لأنَّه تملك نصيب شريكه، والتملك لا يتحقق مع بقاء الكتابة، فتنفسخ الكتابة، وإذا انفسخت يضمن نصف قيمته قنا.
وقال بعضهم: يضمن نصف قيمته مكاتبا، وهو الصحيح لوجهين:
أحدهما: أن هذا تملك حكمي، والمكاتب يحتمل ذلك، ألا ترى أن الرجل إذا ارتدّ [- والعياذ بالله -] (٣) ولحق بدار الحرب، وترك أموالا وعبدا، وقضى بلحاقه، وقسم ماله بين ورثته، فكاتب الوارث العبد، ثم عاد مسلما يعود عبده إليه مكاتبا، وإذا ثبت أنه يحتمل التملك لا تنفسخ الكتابة.
стр. 1952
والثاني: أنه لو انفسخت، فهذا فسخ ضروري، فلا يظهر في قيمته، وإذا صار كله مدبرا مع بقاء الكتابة، تجمع لحريته سببان، إن أدى عتق، وإن عجز نفسه يعتق بالموت.
الفصل [الرابع] (١):
مكاتبة بين رجلين، ولدت ولدا، فادعاه أحدهما، تصح دعوته، ويثبت النسب منه، ويصير نصيبه منها (٢) أم ولد، ويبقى نصيب صاحبه مكاتبا عند أبي حنيفة؛ لأن المكاتبة. لا تقبل النقل، فيقتصر الاستيلاد على نصيبه، كما في المدبرة بين شريكين إذا استولدها أحدهما.
وعندهما: تصير كلها أم ولد؛ لأن الكتابة تحتمل الفسخ، ولا يمنع التملك حكما بخلاف المدبرة، وإذا صار كلها أم ولد له صار متملكا، وإذا تملك نصيب الشريك يضمن نصف قيمتها، ولها الخيار: إن شاءت مضت على الكتابة؛ وإن شاءت عجزت نفسها، فتعتق بموته؛ لأنَّه تصدى لعتقها جهتان: عاجل ببدل، وآجل بغير بدل، فتختار أيهما شاءت.
ذكر الخيار هنا، ولم يذكر في فصل التدبير، لكنه قال: إن أدى بدل الكتابة يعتق، وإن مات المولى يعتق؛ لأن في التدبير بموت المولى لا يعتق مجانا لا محالة؛ فإنه لو مات المولى؛ وعليه دين يسعى المدبر في قيمته؛ لأنه يعتق بطريق الوصية، فلا يفيد التخيير؛ فلا تظهر المغايرة، وفي أم الولد إذا مات المولى لا تلزمها سعاية؛ لأن عتقه ليس بومية فيتحقق المغايرة (٣) فيفيد التخيير.
стр. 1953
فإن اختارت الكتابة تكون مكاتبة بنصف البدل، أو بكل البدل، فيه روايتان: روى هشام عن محمد أنها تكون مكاتبة بجميع البدل، وذكر في "المنتقى" أنها تكون مكاتبة بنصف البدل، واختلاف الروايتين بناء على اختلاف القولين في انفساخ الكتابة، وعدم انفساخها.
ووجه رواية "المنتقى": أنه تملك نصيب الشريك، وذلك لا يكون إلا بعد انفساخ الكتابة، وإذا انفسخت في نصيب الشريك سقط نصف البدل، ثم سرت الكتابة القائمة في النصف إلي النصف الآخر، ضرورة أنه لا يتجزأ، فلا يزاد عليها البدل، فتكون مكاتبة بنصف البدل، فتتجزأ الكتابة في الابتداء، ثم تتكامل في الانتهاء؛ لأن تكميل الكتابة والعتق وجب احتياطا لحق الله تعالى، والاحتياط فيما قلنا.
وجه رواية هشام: أن بالاستيلاد تملك نصيب الشريك حكما، وأنَّه لا يوجب انفساخ الكتابة، وإذا لم تنفسخ الكتابة لا يسقط شيء من البدل، وهذا أصح (١)؛ لأن عندهما الكتابة كما لا تتجزأ ثبوتا لا تتجزأ فسخا، ولو انفسخت في الكل لا تعود إلا بالتجديد.
هذا إذا ولدت المكاتبة ولدا وادعاه أحدهما، وإن أقر أحدهما بالاستيلاد، ولم تلد فكذلك؛ لأن الإقرار بالاستيلاد في حق الحكم بمنزلة الإنشاء، حملا للكلام على الصحة.
الفصل الخامس:
عبد بين شريكين كاتَب أحدهما نصيبه بإذن الشريك على ألف، عند أبي حنيفة: يصير نصيبه مكاتبا، ويبقى نصيب الآخر على حاله، لما عرف من أصله، وأثر الإذن في
стр. 1954
شيئين: أحدهما: أنه لا يملك الفسخ؛ لأنَّه رضي بالضرر، والثاني: أنه لو أدى بدل الكتابة (١) يسعى للساكت في نصف قيمته؛ لأن نصيبة ضار محتبسا عنده، ولا يكون للساكت أن يضمن (٢)، موسرا كان أو معسرا؛ لأنَّه فعل بإذنه.
وإن أدى بدل الكتابة (٣) إن أذن الساكت لشريكه بقبض البدل يكون متبرعا بنصف الكسب، وليس له أن يرجع بذلك (٤)، وإن لم يأذن لشريكه (٥) بقبض البدل رجع الساكت (٦) على شريكه بنصف ما أخذ من البدل (٧)؛ لأنَّه كسب عبد مشترك، تم يرجع المكاتب على العبد بما أخذ منه الشريك؛ لأنَّه كاتب نصيبه على ألف درهم، ولم يسلم له نصف البدل، فيرجع عليه.
عند أبي يوسف ومحمد: يصير كله مكاتبا بينهما بالبدل الذي سمى؛ لأن الكتابة لا تتجزأ عندهما، وكذا الإذن بالكتابة، ويكون إذنه بكتابة النصف (٨) إذنا بكتابة الكل، وتوكيلا بالعقد في نصيبه، فيصير مكاتبا بينهما.
ولو كاتب أحدهما نصيبه بغير إذن شريكه على ألف درهم، كان للشريك حق
стр. 1955
الفسخ (١) عند الكل، أما عندهما؛ فلأن الكتابة (٢) لا تتجزأ، فكان له أن يفسخ العقد الذي باشره صاحبه في نصيبه بغير إذنه، وأما عند أبي حنيفة فلأن كتابة النصف وإن لم كتابة للكل (٣)، إلا أنه يتضرر بذلك عند الأداء، والكتابة عقد يحتمل الفسخ، فيفسخها دفعا للضرر عن نفسه.
فإن لم يفسخ حتى أدى البدل، يعتق نصفه عند أبي حنيفة، للساكت أن يرجع على شريكه بنصف ما أخذ من العبد؛ لأنَّه كسب عبد مشترك.
ثم هل يرجع هو على العبد بما أخذ منه الشريك؟ ينظر إن كاتب كله بألف لا يرجع؛ لأنَّه جعل الألف بدلا عن الكل، ولم يسلم للعبد من جهته إلا نصف الرقبة، فلا يجب عليه كل البدل، وإن كاتب نصيبه بألف، له أن يرجع على العبد بما أخذ الساكت منه؛ لأنَّه جعل الألف عوضا عن نصيبه، وقد سلم للعبد نصيبه، فإذا استحق عليه شيء من البدل يرجع بذلك على العبد.
وعندهما: إذا أدى بدل الكتابة (٤) يعتق كله، ويغرم المكاتب لشريكه نصف قيمته إن كان موسرا، ويسعى العبد (٥). في نصف قيمته إن كان معسرا، كما لو أعتقه أحدهما بغير عوض، وللساكت أن يأخذ من العبد نصف ما بقي في يده من الأكساب؛ لأنَّه كسب عبد مشترك، وكان الساكت متمكنا من أخذ ذلك قبل العتق، فكذلك بعده؛ لأن فسخ
стр. 1956
الكتابة إن تعذر في الرقبة لنفاذ العتق لم يتعذر في الأكساب، ويأخذ من الذي كاتبه (١) نصف البدل؛ لأنَّه كسب عبد مشترك، وقد كان الساكت متمكنا من أخذه.
ثم لا يرجع هو بذلك على العبد، أما إذا كان معسرا، وسعى العبد في نصف قيمته فظاهر؛ لأنَّه لم يسلم للعبد من جهته إلا نصف الرقبة، وأما إذا كان المكاتب (٢) موسرا، وضمن للساكت نصف القيمة فكذلك؛ لأن بدل الكتابة في الحقيقة مقابل تملك الأكساب، ولم يسلم للمكاتب إلا نصف الكسب، حيث أخذ الساكت منه نصف الكسب، فلا يرجع عليه بشيء.
قال (٣): عبد بين شريكين كاتب أحدهما نصيبه، أو كله بغير إذن الشريك على ألف درهم، ثم كاتب الآخر نصيبه، أوكله على مائة دينار، يصير كله مكاتبا بينهما).
أما عند أبي حنيفة: فلأنها تتجزأ فسخا وثبوتا، فإذا كاتب أحدهما كله نفذت الكتابة (٤) [في نصيبه] (٥)، وتوقّفت في نصيب الشريك، فإذا كاتب الآخر نصيبه، أو كله على مال آخر، كان إقدامه على الثانية فسخا للأولى، فنفذ الفسخ في نصيبه، ولم ينفذ في نصيب الشريك لقيام الكتابة في نصيب الشريك (٦)، فصار فكاتبا بينهما.
стр. 1957
وأما عندهما: فلأنها لا تتجزأ، فإذا كاتب الأول نصيبه صار (١)، وللآخر حق الفسخ، فإذا كاتبه الثاني على مال آخر، كان فسخا، فانفسخ العقد الأول في نصيبه.
فإن قيل: عندهما الكتابة كما لا تتجزأ ثبوتا لا تتجزأ فسخا، فوجب أن ينفسخ العقد الأول في كله.
قلنا: عندهما الكتابة لا تتجزأ لا لعينها، فإنهما لو كاتبا معا، صار مكاتبا بينهما، وإنما لا تتجزأ لأجل التنافي والتضاد في الأحكام؛ لأن بين خلوص رقبته للمولى، وبين كونه مكاتبا تضادًا وتنافيا، ولا تنافي هنا؛ لأن هنا إنما تنفسخ الكتابة في نصيبه ضرورة الكتابة الثانية، فلا يظهر التنافي، فلهذا يصير مكاتبا بينهما.
فإن أدى أحدهما شيئا لا يعتق نصيب أحدهما ما لم يؤد إليه جميع البدل الذي سماه؛ لأن كل واحد منهما علّق عتقه بأداء كل المال، فلا يعتق بأداء بعضه، سواء كاتب كله على ألف، أو نصيبه على ألف.
فإن قيل: لما انفسخت الكتابة الأولى في نصفه وجب أن يسقط نصف البدل.
قلنا: الفسخ ما ثبت نصا، وإنما ثبت ضرورة ثبوت (٢) الكتابة الثانية؛ فلا يظهر ذلك في سقوط شيء من البدل، كما لو حطّ البائع بعض الثمن لا ينفسخ البيع في شيء من المبيع، وأيهما قبض البدل لا يشاركه الآخر فيما قبض؛ لأن المال وجب لكل واحد منهما بعقد باشره في نصيبه، وقد أبطل كل واحد منهما حقه عن أكسابه بكتابة باشرها، فإذا قضى المكاتب دين أحدهما من خالص ماله سلم له، كما لو باع كل واحد من الشريكين
стр. 1958
نصيبه من العبد المشترك بعقد على حدة، ولا يشبه هذا ما تقدم؛ لأن الشريك (١) الذي لم يكاتب ما أبطل حقه عن الكسب، فكان له حق المشاركة.
وإن أدى البدل إليهما معا عتق، ويكون الولاء بينهما، كلما لو أعتقاه معا، وإن أدى إلى (٢) أحدهما أوّلا، عتق نصيبه في قول أبي حنيفة، ويبقى نصيب صاحبه مكاتبا، ولا ضمان ولا سعاية، إلا أن يعجز المكاتب، فيضمن القابض نصيب صاحبه إن كان موسرا، ويسعى العبد في نصف قيمته إن كان معسرا.
وعند أبي يوسف ومحمد: إذا أدى البدل إلى أحدهما أولا عتق كله، ويضمن نصيب صاحبه إن كان موسرا، ويسعى المكاتب لي نصف قيمته إن كان معسرا.
وهذا وما لو أعتقه أحدهما سواء، وقد مر منا الكلام فيه أن عند أبي يوسف يضمن نصف قيمته، أو يسعى العبد فيه، وعند محمد يضمن الأقل من نصف قيمته، ومن نصف بدل الكتابة إن كان موسرا، وإن كان معسرا يسعى في الأقل من نصف قيمته، ومن نصف بدل الكتابة، [أو يسعى في الأقل] (٣)، إلا أن هنا يضمن نصف قيمته مكاتبا في قول أبي يوسف.
واختلف المشايخ في قوله فيما تقدم، فمن قال: ثمة يضمن نصف قيمته مكاتبا، لا يحتاج إلى الفرق، ومن قال: يضمن نصف قيمته قنا، يحتاج إلى الفرق.
ووجهه أن فيما تقدم عتق بإعتاق مبتدأ، لا بجهة الكتابة، وإعتاق المكاتب [لا بجهة
стр. 1959
الكتابة] (١) يوجب انفساخ الكتابة، فيضمن نصف قيمته قنا، وهنا حصل العتق بجهة الكتابة، فلا تنفسخ، ووقوع العتق في نصيبه بجهة الكتابة يوجب تقرير الكتابة في نصيبه، فلا تنفسخ في نصيب صاحبه.
الفصل السادس:
(مكاتبان لرجلين، كل واحد منهما لرجل، بينهما جارية جاءت بولد، فادعياه، فهو ابنهما لما قلنا، فإن ماتا، أو قتلا معا، أو على التعاقب، وترك كل واحد منهما وفاء، بقيت الكتابة)؛ لأنها تبقى ببقاء المال، وبقاء الولد المولود في الكتابة، فلأن تبقى ببقائهما كان أولى.
فإن أديت كتابتهما معا عتقا، وعتق الولد معهما تبعا، ويكون مولًى لمولاهما، ولا يرث الولد من أبويه (٢)، ولا من أحدهما؛ وإن نصفه كان تبعا لهذا، ونصفه كان تبعا للآخر، فإنما يعتق بكتابة كل واحد منهما نصفه، وما يعتق من الولد بكتابة ذاك لا يظهر في حق هذا؛ لأنَّه ليس من أحكام كتابته، فكان الولد عند موت كل واحد منهما معتق البعض في قول أبي حنيفة، فلا يرث من أحدهما.
وكذلك عندهما، وإن عندهما إنما لا يتجزأ العتق لتضاد الأحكام والتنافي، ولا تنافي هنا، إذ عتق كله في ساعة واحدة، وإن كان لا يستند؛ ولا يظهر عتق كله في حق كل واحد منهما.
وكذا لو كان المكاتبان لرجل (٣) واحد، إلا أنه كاتب كل واحد منهما بكتابة على
стр. 1960
حدة؛ لأن نصف الولد دخل في عقد هذا، ونصفه في عقد هذا، وإنما يعتق بكتابة كل واحد منهما (١) نصفه، فيكون اختلاف العقد كاختلاف المولى.
وإن كانا لرجل كاتبهما كتابة واحدة، وأديت كتابتهما، ورث الابن منهما؛ لأنهما يعتقان بحكم عقد واحد في حالة [واحدة] (٢)، لا يعتق أحدهما إلا ويعتق الآخر معه؛ لأن عتقهما معلّق بأداء مال واحد، فلا يعتق أحدهما ما لم يصل البدل كله إلى المولى، فإذا استند عتق كل واحد منهما إلى حالة واحدة، وظهر عتق كل واحد منهما في حق صاحبه، ظهر عتقهما في حق الولد، وعتق الولد في حق كل واحد منهما، فيرث منهما، كما في المكاتب الواحد إذ أديت كتابته بعد موته، واستندت حريته في حقه يستند في حق الولد، حتى يرث منه، كذلك هنا.
ثم ينظر: إن أديت الكتابة من مالهما لا يرجع البعض على البعض، وإن أديت الكتابة كلها (٣) من مال أحدهما يؤخذ نصيب الآخر من ماله؛ لأن أداء البدل من مال أحدهما بعد الموت بمنزلة الأداء في حالة الحياة، ولو أدى أحدهما البدل في حياتهما يرجع الآخر بحصته، فكذا إذا أديت من بال أحدهما بعد الموت (٤).
ثم هذا الولد يرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل عندنا، وعند زفر يرث منهما ميراث ابن واحد؛ لأن الأب في الحقيقة أحدهما، إلا أنه أضيف إليهما بحكم الاشتباه، ولهذا لو مات الابن كان لهما ميراث أب واحد، فكذا في حقه.
стр. 1961
وإنا نقول: بأن البنوة لا تتجزأ، فثبتت في حق كل واحد منهما كاملا، ولهذا ينفرد كل واحد منهما بتزويجه، وإنما يرث الأبوان منه ميراث أب واحد؛ لأن نصيب الأب مقدر في كتاب الله تعالى، فلو أخذ كل واحد منهما ميراثا كاملا، يصير زيادة على المفروض في كتاب الله تعالى، أما ميراث الابن غير مقدر، فاستحقاقه ميراث ابن كامل من كل واحد منهما لا يؤدي إلى التغيير.
هذا إذا ماتا، وأديت كتابتهما معا، فإن كانا لرجلين، أو لرجل واحد، وكتابتهما مختلفة؛ فقتلا معا، أو على التعاقب، أو ماتا معا، أو على التعاقب، وترك كل واحد منهما وفاء، وبينهما ولدٌ وُلِد في كتابتهما من جارية مشتركة بينهما، فأديت كتابة أحدهما، ثم أديت كتابة الآخر، على قول أبي حنيفة هذا وما لو أديت كتابتهما معا سواء، يعتق الولد تبعا لهما، وولاؤه لمولى الكاتبين (١)؛ وإن عنده العتق يتجزأ، فإنما يعتق بعتق كل واحد منهما نصف الولد الذي هو تبع له، وكذا الجارية تعتق من جهة المكاتبين، وولاؤها لمولى الكاتبين (٢)، ولا يرث الابن مع المكاتبين، ولا من أحدهما لما قلنا.
وعلى قول أبي يوسف ومحمد (٣): يعتق الولد كله تبعا للذي أديت كتابته أولا، سواء مات هو أولا أو آخرا؛ لأن عندهما العتق لا يتجزأ، فإذا أديت كتابة أحدهما عتق، وعتق معه من الولد النصف الذي كان تبعا له، ويعتق الباقي ضرورة، فإنه لا يتجزأ، ويظهر استناد العتق في النصف دون النصف لما قلنا، فلا يرث منهما، ويكون (٤) ولاء الولد لمولى الأب الذي أديت كتابته أولا؛ لأنَّه عتق من جهته، ولا سعاية على الولد في
стр. 1962
نصيب الذي أديت كتابته آخر خرة (١)؛ لأنَّه لو سعى لَسعى لأبيه، والوالد لا يستحق السعاية على ولده.
وأما أم الولد فقد صارت حرة بموت المكاتب (٢) الذي أديت كتابته أولا؛ لأن نصفها أم ولد له، فتعتق بموته، وإذا عتق النصف بالاستيلاد يعتق الباقي ضرورة عدم التجزي، ويجب نصف قيمتها في تركة الذي أديت كتابته أولا لورثة المكاتب الذي أديت كتابته آخرا؛ لأنَّه تقرر استيلاده، فصار متملكا نصيب الشريك (٣)، فيضمن نصف قيمتها، اعتبر حالة الأداء في هذه المسائل لا حالة الموت؛ لأن العتق تعلق بالأداء، فينزل عنده.
الفصل السابع:
(مكاتبان لرجل أو لرجلين، وكتابتهما مختلفة، بينهما ولد، فمات أحدهما عن وفاء، ثم قطعت يد الابن، ثم أديت كاتبة (٤) الذي مات، كان على القاطع أرش العبيد)؛ لأنها قطعت وهو عبد، أما عند أبي حنيفة: فلأن العتق يتجزأ، فإنما يعتق من الولد بعتق الميت نصفه، فكان معتق البعض، وأما عندهما: وإن عتق كل الولد (٥) مستندا، إلا أنه إنما يظهر الاستناد فيما كان من حقوق ذلك العقد، ووجوب الأرش على القاطع ليس من حقوق ذلك العقد، فلا يظهر عتق الولد فيه؛ لأن الاستناد إنما يعمل في القائم لا في الفائت، فلا يعمل في اليد المبانة.
стр. 1963
ألا ترى أن الجارية المبيعة إذا ولدت ولدا لأقل من ستة أشهر، وقطعت يده، فادعى البائع نسب الولد، ثبت النسب، وعتق الولد، ولا يظهر ذلك في الأرش حتى كان الأرش للمشتري، كذلك هنا، يجب أرش العبيد، ويكون نصف الأرش للمكاتب الحي، ونصفه للولد، ولا يكون شيء منه من كسب الميت.
ولو كان الميت (١) حيا كان نصف الأرش له، ويكون من أكسابه؛ لأن نصف الولد تبع لهذا الولد، ونصفه تبع لذاك، وبعد ما مات أحدهما، فالنصف الذي كان تبعا له صار أصلا بنفسه (٢)، ولهذا يطالب الولد بأداء حصة الميت من البدل بعد أن لم يكن مطالبا، وهذا أمارة الأصالة، فكان نصف الكسب للولد، أما النصف الذي كان تبعا للحي منهما بقي تبعا، فلهذا كان نصف الأرش للحي، وكذا لو اكتسب الولد أكسابا في هذه الحالة، كان نصف الكسب له، والنصف للمكاتب الحي لما قلنا.
وإن قطعت يده بعد ما أديت كتابة الميت، كان على القاطع أرش الحر عند أبي يوسف ومحمد؛ لأنَّه لما عتق نصفه تبعا للميت عتق الباقي؛ لأنَّه لا يتجزأ، ويكون للولد، وكذا لو اكتسب الولد أكسابا كان جميع الكسب (٣) الكل له، وعند أبي حنيفة يجب أرش العبد؛ وإن عنده العتق يتجزأ، فإنما يعتق من الولد بعتق أحد الأبوين (٤) نصفه، ونصفه للمكاتب، ويكون الأرش للولد الحي، وكذلك الكسب، وهذا وما لو قطعت يده قبل أداء البدل سواء.
ولا يقال: ينبغي أن يكون كل الأرش والكسب للولد؛ لأن معتق البعض مكاتب
стр. 1964
مقصودًا، فيستحق الأرش والكسب كله (١).
لأنا نقول: معتق البعض إنما يكون مكاتبا مقصودًا إذا لم يكن مكاتبا قبل أن يعتق بعضه، وهنا النصف الباقي من الولد كان مكاتبا تبعًا للحي، فيبقى كذلك.
هذا إذا قطعت يد الولد، فإن قطعت يد الام بعد ما مات أحدهما عن وفاء، فإن قطعت يدها (٢) قبل أداء البدل، كان على القاطع أرش الإماء، ويكون نصفه (٣) للمكاتب الحي، ونصفه يكون من (٤) تركة الميت، بمنزلة (٥) سائر أكسابه؛ لأنها لا تعتق بموت أحدهما ما لم يحكم بحرية الميت، وإذا لم يعتق (٦) كان نصف كسبها للحي منها، ونصيب الميت من الجارية لم يصر مكاتبا مقصودا؛ لأن أم الولد لا تتكاتب على المكاتب حتى يصير مقصودا بموته، وإنما حرم بيعها لا غير، ولهذا لا يطالب بأداء البدل، بخلاف الولد، وإذا بقي تبعا للميت كان نصف أرشها من مكاتب الميت، وكذلك الحكم في أكسابها (٧).
وإن قطعت يدها بعدما أديت مكاتبة الميت، فأرشها أرش الأحرار عندهما؛ لأنَّه لما حكم بعتق الميت عتق نصفها، فتعتق كلها، فكان على القاطع أرش الحرة (٨)، ويكون لها، وكذلك أكسابها، وعند أبي حنيفة يجب على القاطع أرش الإماء؛ لأنها معتقة البعض،
стр. 1965
ويكون نصفه للحي منهما؛ لأن نصفها بقي على ملكه، والنصف يكون (١) لها.
وفيه نوع إشكال: وهو أنها ما كانت مكاتبة، فإذا عتق نصفها تصير مكاتبة مقصودا، فينبغي أن يكون كل الأرش والكسب لها.
والجواب عنه: أن يقول (٢) إن معتق البعض إذا صار في حكم المكاتب إنما يستحق الكسب والأرش بعلة أنه يملك من نفسه ما كان نصيب الساكت، وملك الكسب تبع لملك الرقبة، فإذا ملك رقبة نفسه يملك الكسب ضرورة، وهاهنا نصيب الحي لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، فلا ينتقل إلى المملوك، وإنما وجبت عليها السعاية لا لأنها تملكت نصيب الحي، بل لتعذر إبقائها على حكم الرق، كأم ولد النصراني إذا أسلمت، تخرج إلى العتق بالسعاية.
عبد وابنه بين رجلين، كاتبهما أحد الموليين (٣) على ألف درهم مكاتبة واحدة بغير إذن الشريك، فمات الأب، وترك ما لا كثيرا، تم اكتسب الابن بعد موته اكتسابًا (٤)، أو قطعت يده، وأخذ الأرش، ثم علم المولى الآخر بالكتابة، فأراد أن ينقض الكتابة، ليس له ذلك؛ لأن نقض العقد يعتمد بقاء العقد، فلا يصح بعد هلاك المحل، كنقض البيع بعد هلاك المبيع.
وإنما حكمنا ببقاء الكتابة بعد موت المكاتب (٥) ضرورة صحة الأداء، وإمكان استناد