← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وإنا نقول: بأن البنوة لا تتجزأ، فثبتت في حق كل واحد منهما كاملا، ولهذا ينفرد كل واحد منهما بتزويجه، وإنما يرث الأبوان منه ميراث أب واحد؛ لأن نصيب الأب مقدر في كتاب الله تعالى، فلو أخذ كل واحد منهما ميراثا كاملا، يصير زيادة على المفروض في كتاب الله تعالى، أما ميراث الابن غير مقدر، فاستحقاقه ميراث ابن كامل من كل واحد منهما لا يؤدي إلى التغيير. هذا إذا ماتا، وأديت كتابتهما معا، فإن كانا لرجلين، أو لرجل واحد، وكتابتهما مختلفة؛ فقتلا معا، أو على التعاقب، أو ماتا معا، أو على التعاقب، وترك كل واحد منهما وفاء، وبينهما ولدٌ وُلِد في كتابتهما من جارية مشتركة بينهما، فأديت كتابة أحدهما، ثم أديت كتابة الآخر، على قول أبي حنيفة هذا وما لو أديت كتابتهما معا سواء، يعتق الولد تبعا لهما، وولاؤه لمولى الكاتبين (١)؛ وإن عنده العتق يتجزأ، فإنما يعتق بعتق كل واحد منهما نصف الولد الذي هو تبع له، وكذا الجارية تعتق من جهة المكاتبين، وولاؤها لمولى الكاتبين (٢)، ولا يرث الابن مع المكاتبين، ولا من أحدهما لما قلنا. وعلى قول أبي يوسف ومحمد (٣): يعتق الولد كله تبعا للذي أديت كتابته أولا، سواء مات هو أولا أو آخرا؛ لأن عندهما العتق لا يتجزأ، فإذا أديت كتابة أحدهما عتق، وعتق معه من الولد النصف الذي كان تبعا له، ويعتق الباقي ضرورة، فإنه لا يتجزأ، ويظهر استناد العتق في النصف دون النصف لما قلنا، فلا يرث منهما، ويكون (٤) ولاء الولد لمولى الأب الذي أديت كتابته أولا؛ لأنَّه عتق من جهته، ولا سعاية على الولد في

стр. 1962

نصيب الذي أديت كتابته آخر خرة (١)؛ لأنَّه لو سعى لَسعى لأبيه، والوالد لا يستحق السعاية على ولده. وأما أم الولد فقد صارت حرة بموت المكاتب (٢) الذي أديت كتابته أولا؛ لأن نصفها أم ولد له، فتعتق بموته، وإذا عتق النصف بالاستيلاد يعتق الباقي ضرورة عدم التجزي، ويجب نصف قيمتها في تركة الذي أديت كتابته أولا لورثة المكاتب الذي أديت كتابته آخرا؛ لأنَّه تقرر استيلاده، فصار متملكا نصيب الشريك (٣)، فيضمن نصف قيمتها، اعتبر حالة الأداء في هذه المسائل لا حالة الموت؛ لأن العتق تعلق بالأداء، فينزل عنده. الفصل السابع: (مكاتبان لرجل أو لرجلين، وكتابتهما مختلفة، بينهما ولد، فمات أحدهما عن وفاء، ثم قطعت يد الابن، ثم أديت كاتبة (٤) الذي مات، كان على القاطع أرش العبيد)؛ لأنها قطعت وهو عبد، أما عند أبي حنيفة: فلأن العتق يتجزأ، فإنما يعتق من الولد بعتق الميت نصفه، فكان معتق البعض، وأما عندهما: وإن عتق كل الولد (٥) مستندا، إلا أنه إنما يظهر الاستناد فيما كان من حقوق ذلك العقد، ووجوب الأرش على القاطع ليس من حقوق ذلك العقد، فلا يظهر عتق الولد فيه؛ لأن الاستناد إنما يعمل في القائم لا في الفائت، فلا يعمل في اليد المبانة.

стр. 1963

ألا ترى أن الجارية المبيعة إذا ولدت ولدا لأقل من ستة أشهر، وقطعت يده، فادعى البائع نسب الولد، ثبت النسب، وعتق الولد، ولا يظهر ذلك في الأرش حتى كان الأرش للمشتري، كذلك هنا، يجب أرش العبيد، ويكون نصف الأرش للمكاتب الحي، ونصفه للولد، ولا يكون شيء منه من كسب الميت. ولو كان الميت (١) حيا كان نصف الأرش له، ويكون من أكسابه؛ لأن نصف الولد تبع لهذا الولد، ونصفه تبع لذاك، وبعد ما مات أحدهما، فالنصف الذي كان تبعا له صار أصلا بنفسه (٢)، ولهذا يطالب الولد بأداء حصة الميت من البدل بعد أن لم يكن مطالبا، وهذا أمارة الأصالة، فكان نصف الكسب للولد، أما النصف الذي كان تبعا للحي منهما بقي تبعا، فلهذا كان نصف الأرش للحي، وكذا لو اكتسب الولد أكسابا في هذه الحالة، كان نصف الكسب له، والنصف للمكاتب الحي لما قلنا. وإن قطعت يده بعد ما أديت كتابة الميت، كان على القاطع أرش الحر عند أبي يوسف ومحمد؛ لأنَّه لما عتق نصفه تبعا للميت عتق الباقي؛ لأنَّه لا يتجزأ، ويكون للولد، وكذا لو اكتسب الولد أكسابا كان جميع الكسب (٣) الكل له، وعند أبي حنيفة يجب أرش العبد؛ وإن عنده العتق يتجزأ، فإنما يعتق من الولد بعتق أحد الأبوين (٤) نصفه، ونصفه للمكاتب، ويكون الأرش للولد الحي، وكذلك الكسب، وهذا وما لو قطعت يده قبل أداء البدل سواء. ولا يقال: ينبغي أن يكون كل الأرش والكسب للولد؛ لأن معتق البعض مكاتب

стр. 1964

مقصودًا، فيستحق الأرش والكسب كله (١). لأنا نقول: معتق البعض إنما يكون مكاتبا مقصودًا إذا لم يكن مكاتبا قبل أن يعتق بعضه، وهنا النصف الباقي من الولد كان مكاتبا تبعًا للحي، فيبقى كذلك. هذا إذا قطعت يد الولد، فإن قطعت يد الام بعد ما مات أحدهما عن وفاء، فإن قطعت يدها (٢) قبل أداء البدل، كان على القاطع أرش الإماء، ويكون نصفه (٣) للمكاتب الحي، ونصفه يكون من (٤) تركة الميت، بمنزلة (٥) سائر أكسابه؛ لأنها لا تعتق بموت أحدهما ما لم يحكم بحرية الميت، وإذا لم يعتق (٦) كان نصف كسبها للحي منها، ونصيب الميت من الجارية لم يصر مكاتبا مقصودا؛ لأن أم الولد لا تتكاتب على المكاتب حتى يصير مقصودا بموته، وإنما حرم بيعها لا غير، ولهذا لا يطالب بأداء البدل، بخلاف الولد، وإذا بقي تبعا للميت كان نصف أرشها من مكاتب الميت، وكذلك الحكم في أكسابها (٧). وإن قطعت يدها بعدما أديت مكاتبة الميت، فأرشها أرش الأحرار عندهما؛ لأنَّه لما حكم بعتق الميت عتق نصفها، فتعتق كلها، فكان على القاطع أرش الحرة (٨)، ويكون لها، وكذلك أكسابها، وعند أبي حنيفة يجب على القاطع أرش الإماء؛ لأنها معتقة البعض،

стр. 1965

ويكون نصفه للحي منهما؛ لأن نصفها بقي على ملكه، والنصف يكون (١) لها. وفيه نوع إشكال: وهو أنها ما كانت مكاتبة، فإذا عتق نصفها تصير مكاتبة مقصودا، فينبغي أن يكون كل الأرش والكسب لها. والجواب عنه: أن يقول (٢) إن معتق البعض إذا صار في حكم المكاتب إنما يستحق الكسب والأرش بعلة أنه يملك من نفسه ما كان نصيب الساكت، وملك الكسب تبع لملك الرقبة، فإذا ملك رقبة نفسه يملك الكسب ضرورة، وهاهنا نصيب الحي لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، فلا ينتقل إلى المملوك، وإنما وجبت عليها السعاية لا لأنها تملكت نصيب الحي، بل لتعذر إبقائها على حكم الرق، كأم ولد النصراني إذا أسلمت، تخرج إلى العتق بالسعاية. عبد وابنه بين رجلين، كاتبهما أحد الموليين (٣) على ألف درهم مكاتبة واحدة بغير إذن الشريك، فمات الأب، وترك ما لا كثيرا، تم اكتسب الابن بعد موته اكتسابًا (٤)، أو قطعت يده، وأخذ الأرش، ثم علم المولى الآخر بالكتابة، فأراد أن ينقض الكتابة، ليس له ذلك؛ لأن نقض العقد يعتمد بقاء العقد، فلا يصح بعد هلاك المحل، كنقض البيع بعد هلاك المبيع. وإنما حكمنا ببقاء الكتابة بعد موت المكاتب (٥) ضرورة صحة الأداء، وإمكان استناد

стр. 1966

الحرية إليهما قبل الموت، فلا يظهر في حق النقض، لكن يأخذ المولى الساكت نصف ما ترك الميت (١)، ونصف ما اكتسب الابن؛ لأنَّه أحق بذلك في حياته، أما عند أبي حنيفة، فلأن الكتابة تتجزأ، وأما عندهما فلأنه يملك فسخ الكتابة، فلما كان نصف الكسب له في حياته، فكذلك بعد موته وينظر إلى النصف الباقي (٢). ويؤدى منه المكاتبة (٣)، ويعتق نصف كل واحد منهما في قول أبي حنيفة، وعندهما يعتق كلاهما، وعلى المكاتب نصف قيمتهما إن كان موسرا؛ لأنَّه صار معتقا لهما بالعقد السابق عند الأداء، وإن كان معسرا تجب عليهما السعاية في نصيب الساكت، غير أن ما يخص الميت من البدل يؤخذ من تركته لعجزه عن السعاية، وما فضل من ماله يكون لورثته الأحرار، وما يخص الإبن يجب عليه؛ لأنَّه قادر على السعاية. ولا يرث الابن أباه، أما عند أبي حيفة: فلأن نصيب الساكت منهما عتق بحكم السعاية عند أداء السعاية (٤)، لا بحكم الكتابة، فكان كل واحد منهما معتق البعض عند الموت، وأما عندهما؛ فلأن لم يعتق كل واحد منهما بحكم الكتابة، وإنما عتق ضرورة عدم التجزي، فلا يظهر ذلك (٥) في حق الميراث. - والله أعلم.

стр. 1967

باب من الدعوة في المكاتبة للولد أمةَ المكاتب وفي ولد مكاتبه (١) قبل عتق المكاتب أو بعده بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن دعوة الولد فيما له حق التملك يوجب ثبات النسب وحرية الولد، كدعوة الولد في الملك؛ لأنَّه إذا كان بسبيل من التملك عند الحاجة، وصيانة الولد عن الرق من الحوائج الأصلية يعتبر متملكا قبل الاستيلاد، فيكون (٢) مستولدا ملك نفسه. وإن لم يكن [له] (٣) ملك، ولا حق التملك عند (٤) العلوق، لا يثبت النسب إلا بتصديق من المالك، أو ممن كان ملحقا بالمالك؛ لأنَّه يدعى حقا في ملك الغير، فلا يصح [إلا بتصديقه] (٥)، وإذا صدّقه يثبت النسب، كالأجنبي إذا ادعى ولد جارية الغير. ثم ينظر: إن كان الاستيلاد بناء على سبب الملك، كان مغرورا، وقد مر قبل هذا أن ولد المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم -.

стр. 1968

فإن أمكن إيجاب قيمة الولد عليه يمكن إثبات حكم الغرور، فيعتق الولد، وإلا فلا يعتق (١)، وإن لم يكن الاستيلاد بناء على سبب الملك، لا يعتق الولد أصلا. والثاني: أن المولى في استيلاد جارية المكاتب مغرور؛ لأنَّه ليس له فيها ملك، ولا حق التملك؛ لأنَّه محجور عن تملك أكسابه، وعن التصرف فيها، إنما له سبب الملك، وهو ملك وقبة المكاتب. إذا عرفنا هذا نقول: في الباب فصول ثلاثة: الفصل الأول: قال محمد ﵀: مكاتب اشترى أمة، فحبلت في ملكه، وولدت ولدا، فادعى المولى ولدها، لم تصح دعوته إلا بتصديق المكاتب، وعن أبي يوسف أنه تصح، صدّقه المكاتب في ذلك أم (٢) كذّبه؛ لأن حق المولى في أكساب المكاتب أقوى من حق الأب في مال [الابن] (٣)، بدليل (٤) إن المولى لو تزوج بجارية من أكساب المكاتب لا يجوز، ولو تزوج الأب بجارية الابن يجوز، ثم حق الأب في مال الابن يكفي لصحة الإستيلاد، فحق المولى أولى. وجه ظاهر الرواية: وهو الفرق بين المسألتين (٥)، أن دعوة الأب ما صحت باعتبار أنها كسب ابنه، وإنما صحت باعتبار أن له حق تملك ماله الابن (٦) عند الحاجة، وقد مست الحاجة إلى صيانة ماله، فيصير متملكا مستولدا ملك نفسه، أما المولى محجوز عن التملك

стр. 1969

والتصرف، ولهذا لو أراد أن يأخذ شيئا من أكساب المكاتب لحاجة الأكل واللبس لا يملك ذلك، ولا يمكن تصحيح دعوته باعتبار أنها كسب كسبه؛ لأنَّه لما باشر (١) عقد الكتابة فقد (٢) حجر نفسه عن التصرف في أكسابه، وألحقَ نفسه بالأجانب، ورجح حق المكاتب على حق نفسه، وأثبت له ولاية التصرف، فلا تصح دعوته إلا بتصديق المكاتب (٣). وإنما وضع المسألة فيما إذا حبلت بعد الكتابة؛ لأنَّه كان علوق الولد في ملك (٤) المولى فإن المأذون إذا اشترى أمة، فكاتبه المولى على رقبته وأكسابه، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الكتابة، فادعاه المولى، صحت دعوته من غير تصديق؛ لأن علوق الولد حصل في ملكه (٥)، فلا يبطل حق الدعوة بالكتابة العبد (٦)، كما لو باع جارية، فولدت لأقل من ستة أشهر من وقت البيع، فادعاه البائع تصح دعوته؛ لما قلنا كذلك هنا (٧). فإن صدقه المكاتب ثبت النسب؛ لأن الحق لهما لا يعدو هما، فيصح تصديقه، كما لو ادعاه أجنبى، وصدقه المكاتب، ولأنه استولدها وهو مغرور، فإن سبب ملك الجارية قائم للمولى، وهو ملك رقبة المكاتب، إلا أنه لم يفد الملك لمانع، فيكون مغرورا كالمشترى إذا استولد الجارية، ثم استحقت.

стр. 1970

ولا يقال: إذا كان مغرورا في الاستيلاد وجب أن لا يتوقف ثبات النسب على التصدق؛ لأنا نقول: إنما اعتبرنا تصديق المكاتب ليثبت الإعلاق منه، حتى قالوا لو كان وطئ المولى ظاهرا لا يشترط تصديقه. وإذا ثبت النسب الولد (١) يضمن قيمة الولد للمكاتب؛ لأن ولد المغرور حر بالقيمة. وهذا وما لو اشترى جارية، واستولدها، ثم استحقت سواء، إلا أن ثمة يضمن قيمة الولد للمستحق (٢) يوم الخصومة، [وهنا يوم الولادة] (٣)، حتى لو هلك الولد قبل الخصومة لا يضمن، وهنا يضمن المولى قيمة الولد يوم الولادة. وفرق بين مسألتنا هذه وبين مسألة الشراء من وجوه ثلاثة (٤): أحدها: هذه، والثانى: أن في مسألتنا لا يثبت النسب إلا بتصديق المكاتب، وفي مسألة الشرى يثبت النسب، وإن كذبه لمستحق (٥)، والثالث: أن في مسألة الشرى إذا علم (٦) المشترى بعدم الملك، ويغصب البائع لا يثبت النسب، ولا يكون مغرورا، وفي مسألتنا هذه يكون مغرورا (٧)، علم بعدم الملك لنفسه أو لم يعلم. أما الأول يقول (٨): إنما يضمن قيمة الولد هنا يوم الولادة، وثمة (٩) يضمن قيمته

стр. 1971

يوم الخصومة؛ لأن في مسألة (١) الشراء المستولد غاصب في زعم المستحق، وولد المغصوب أمانة عندنا، وإنما يضمن بالمنع عند الطلب، ولم يوجد الطلب قبل الخصومة، فيضمن قيمته يوم الخصومة، أما في مسألة المكاتب (٢)، المولى ليس بغاصب في زعم المكاتب، بل هو مستولد بناء على سبب الملك، متلف الولد بإعتاقه من وقت العلوق، فكان سبب الضمان هو الاستهلاك عقيب العلوق إلا أنه لا يملك اعتبار قيمته قبل الولادة، فيعتبر قيمته في أول أوقات الإمكان، وذلك بعد الولادة، كأحد الشريكين في الجنين إذا اعتقه وهو موسر، يضمن نصف قيمته يوم الإنفصال. وأما وجه الفرق (٣) الثاني: أن في مسألة المكاتب المولى علم بحرمة الوطي، فكان الظاهر عدم الوطي والإعلاق، فلا يصدق في ذلك (٤) إلا بتصديق المكاتب، وفي مسئلة الشراء الوطئ حلال بزعم المشتري، فلم يكن في الوطئ والأعلاق مكذبا بحكم الظاهر، فلا يتوقف ثبوت النسب على التصديق المستحق (٥). وأما الثالث: أن سبب ثبات النسب في الفصلين الغرور، و في فصل (٦) الشراء إذا علم المشتري بغصب البائع، فقد علم أن هذا الشراء ليس بسبب للملك من حيث الظاهر، فلا يكون مغرورا، فلا يثبت النسب، ولا يكون مستحق النظر.

стр. 1972

أما في مسئلتنا سبب الغرور للمولى قيام ملك رقبة المكاتب، وذلك قائم على كل حال، فكان مغرورا، وإذا صدقه المكاتب. وثبت النسب من المولى، وغرم قيمة الولد، يغرم عقر الجارية، ولا تصير الجارية أم ولد. فرق بين هذا وبين الأب إذا استولد جارية ابنه، حيث تصير الجارية أم ولد له، ولا يلزم العقر. وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال في الأب أيضا: يغرم العقر، ولا تصير الجارية أم ولد له، قال ابن سماعة: وهذا قوله الآخر الذي استقرّ عليه، فعلى هذه الرواية سوّى بينهما. ووجه التسوية: أن الأب مغرور في هذا الاستيلاد؛ لأنَّه اعتمد دليلا للملك، وهو ظاهر قوله ﵇: "أنت ومالك لأبيك" (١)، وانعدم الملك، فكان بمنزلة المشتري والمتزوج. وإذا ثبت النسب بالغرور (٢)، وحصلت حرية الولد بالقيمة اندفعت الحاجة إلى تملك الجارية، فلا يتملكها، كما لو استولدها بنكاح، أو شبهة نكاح.

стр. 1973

وجه ظاهر الرواية، وهو الفرق بين الفصلين: أنه ليس للأب في مال الابن ملك، ولا سبب ملك، ولا حق ملك، ولهذا يملك الابن جميع التصرفات التي لا يبقى معها حق الغير بلا ضمان، إنما له مجرد إضافة ملك لا أثر لها إلا في إسقاط الحد، فلا يثبت النسب إلا بتملك الجارية، فيصير متملكا سابقا على الوطئ، فيصير واطئا ملك نفسه، فيثبت ما ذكرنا من الأحكام. أما المولى له حق ملك في أكساب المكاتب - ويعني بذلك سبب الملك - ولهذا لو تزوج بجارية من أكساب مكاتبه، لا يصح، إلا أنه لا يصدق (١) في الوطئ والإعلاق، فإذا ثبت ذلك بالتصادق لا حاجة إلى تملك الجارية، فلا يتملكها، فلا تصيرا جارية (٢) أم ولد له، ويلزمه العقر. هذا إذا جاءت بالولد لستة أشهر فصاعدا منذ ملكها المكاتب، فإن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر منذ ملكها المكاتب، فادعاه المولى، إن كذبه، لا يثبت النسب لما قلنا، وإن صدقه ثبت؛ لأنَّه لو ادعى ولد أمة أجنبي، فصدقه ثبت النسب، فهذا أولى، ولا يجب العقر للمكاتب، ولا يعتق الولد. أما عدم وجوب العقر، فلأنه أقر بالوطئ في ملك الأجنبي وهو البائع (٣)، ولا يعتق الولد؛ لأن العلوق إذا لم يكن في ملك المكاتب لم يكن المولى مغرورا، فلا يعتق بحكم الغرور، ولا يعتق ضرورة ثبات النسب، فإن المكاتب لو اشترى ابن مولاه لا يعتق؛ لأن الحرية لم تثبت وقت العلوق، لو ثبت بعد ذلك كان إعتاقا، والمولى لا يملك إعتاق عبد المكاتب؛ لأن الثابت للمولى في أكساب المكاتب شبهة الملك، وشبهة الملك لا تكفي

стр. 1974

لولاية الإعتاق، ولا لثبوت العتق بحكم القرابة. وكذا المكاتب إذا اشترى غلاما من السوق (١)، فادعى المولى نسبه، إن كذبه المكاتب (٢) لا يصح، وإن صدقه يثبت النسب، ولا يعتق لما قلنا. الفصل الثاني: في مكاتبة المكاتب: رجل اشترى عبدا، وكاتبه، ثم إن المكاتب اشترى أمة، فكاتبها، فجاءت بولد، فادعاه المولى لا يثبت النسب إلا بالتصديق لما قلنا، ويكون الولد مكاتبا مع أمه. ثم المسئلة بعد ذلك من وجوه (٣): إما إن صدقه المكاتب والمكاتبة، أو كذباه، أو صدقه أحدهما، وكذبه الآخر، وكلل ذلك على وجهين: أما إن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر منذ كوتبت المكاتبة، أو لأكثر. فإن كذباه لا يثبت النسب لما قلنا، وإن صدقته المكاتبة ثبت النسب؛ لأنها بعقد الكتابة اختصّت بمكاتبتها، وصارت أحق بها من المكاتب، والوالد من أكسابها، بخلاف ما تقدم، فإنه لا يعتبر تصديق الأمة؛ لأنَّه لا حق لها في نفسها؛ إنما الحق للمكاتب، فيعتبر تصديق المكاتب، أما هاهنا بخلافه (٤) فإذا صدقته ثبت النسب، ويحمل على أنها زوجت نفسها منه، فولدت بحكم نكاح الفاسد، ولا يعتق الولد؛ لأن وقد المغرور لا يعتق إلا بالقيمة، وتعذر إيجاب القيمة هاهنا؛ لأنها لو وجبت لا تخلوا (٥) إما أن تجب للمكاتب، أو للمكاتبة، كلاهما ممتنع.

стр. 1975

أما الأول: فلأن المكاتب حجر عن التصرف في أكساب المكاتبة، فلا يملك أخذ القيمة، وأما الثاني: فلأنها التزمت الكتابة لحرية نفسها وأولادها، فلا تستحق ضمانا بذلك، وتعذر إثبات الحرية بغير قيمة؛ لأن ولد المغرور لم يعرف حرا بدون قيمة. فإن قيل: يجوز أن تجب القيمة للمكاتب بحرية الولد، فإنه لو تزوج بمكاتبة على ظن أنها حرة، فولدت ولدا، ثم تبين أنها مكاتبة، كان الولد حرا بالقيمة، وتجب القيمة للمكاتبة على المولى (١). قلنا: مقصود المكاتبة بعقد الكتابة حصول حريتها، وحرية أولادها من جهة المولى، لا من جهة غيره؛ لأنها رضيت بولاء المولى لا ولاء غيره، وفي تلك المسئلة لم يحصل لها حرية الولد من جهة المولى، لو حصل إنما يحصل من جهة الزوج، فجاز أن تجب لها القيمة، أما هاهنا بخلافه (٢) لو وجبت القيمة تجب على من استحقت عليه العتق بالأداء إليه، وطلبت منه حرية الأولاد، ورضيت بولائه، وهو مولى المكاتب. ألا ترى أنها لو أدت البدل الكتابة قبل أداء المكاتب تعتق، ويكون ولاؤها للمولى، فلا يمكنها أخذ القيمة مع حصول المقصود، وإذا لم يعتق الولد بقي مكاتبا مع أمه. فإن أدت المكاتبة عتقت هي، وولدها، وإن عجزت المكاتبة، وردت في الرق عتق الولد بالقيمة؛ لأنها صارت أمة المكاتب، ودعوى المولى قائم، ونسب الولد ثابت بتصديق من كان له حق التصديق، وهي المكاتبة، فصار كأنه ادعى بعد العجز، وصدقه المكاتب، وثمة يثبت النسب، ويكون الولد حرا بالقيمة لما مر، كذلك هنا، ويعتبر قيمة الولد يوم العجز، بخلاف ما تقدم؛ لأن فيما (٣) عتق الولد يوم العلوق، فتعتبر قيمته يوم العجز لا

стр. 1976

يوم العلوق لتعذر إيجاب القيمة قبل العجز فيعتبر قيمته يوم العجز (١). وإن صدّقه المكاتب، وكذّبته المكاتبة، لا يثبت النسب؛ لأن المكاتب محجور عن التصرف في أكساب المكاتبة، فلا يصح تصديقه، ويكون الولد مع الأم مكاتبين للمكاتب، فإن أدت المكاتبة عتقا لوجود الشرط، وإن عجزت صحت الدعوة، ويثبت النسب من المولى، وكان الولد حرا بالقيمة؛ لأنها لما عجزت، وصارت أمة للمكاتب، ودعوة المولى قائمة، وقد صدقه المكاتب، وهو من أهل وجوب القيمة الولد، عتق الولد. ثم ينظر: إن كانت ولدته لأقل من ستة أشهر منذ كوتبت، كان على المولى قيمته يوم الولادة، وإن كانت ولدته لستة أشهر منذ كوتبت (٢) كان على المولى قيمته يوم العجز. والمعنى فيه: أنها إذا ولدته لأقل من ستة أشهر منذ كوتبت، كان علوق الولد في ملك المكاتب قبل ثبوت حق المكاتبة، فعند ثبات النسب يستند التصديق إلى وقت العلوق، ويكون التصديق في زمان هو غير محجور عن التصرف في أكساب الأمة، ويصير مستهلكا للولد من وقت العلوق، إلا أنه لا يمكن اعتبار قيمته [يوم العلوق] (٣)، فتضمن قيمته يوم الولادة، أما إذا ولدته لستة أشهر منذ كوتبت، كان العلوق الولد بعد ثبوت حق المكاتبة، والتحاق المكاتب بالأجانب، فتعذر إسناد التصديق إلى وقت العلوق؛ لأنَّه محجور عن التصرف في أكسابها وقت العلوق، فلم يكن مستهلكا للولد على المكاتب يوم العلوق، وإنما يصير مستهلكا عليه عند ثبات النسب، وذلك عند العجز علي الوجه الذي ذكرنا في وجه تصديق المكاتبة، وعجزها بعد ذلك، فلهذا يضمن قيمته يوم العجز.

стр. 1977

فإن قيل: إذا كان علوق الولد قبل كتابة المكاتب، ينبغي أن يثبت النسب بتصديق المكاتب؛ لأن علوق الولد كان في ملكه. قلنا: علوق الولد وإن كان في ملكه إلا أنه لما زال الملك بعقد الكتابة، والتحق بالأجانب لا يعتبر تصديقه، كالابن إذا باع جارية حاملا، فولدت لأقل من ستة أشهر، فادعاه الأب، لا تصح دعوته، كذلك هاهنا، وإن كذباه لا يثبت النسب؛ لأن في تكذيبهما تكذيب المكاتبة، وإن صدقه المكاتب والمكاتبة، يثبت النسب؛ لأن في تصديقهما تصديق المكاتبة، وتصديق المكاتبة يكفي لثبات النسب، فتصديقهما أولى. ثم ينظر: إن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر منذ كوتبت المكاتبة، كان الولد حرا بالقيمة؛ لأنهم تصادقوا على أن علوق الولد كان قبل ثبوت حق المكاتبة؛ وإنه حرام قبل كتابة المكاتب بحكم الغرور، وكان عليه قيمته للمكاتب يوم الولادة لما مرّ (١). وإن جاءت به لستة أشهر منذ كوتبت المكاتبة (٢)، كان الولد مكاتبا مع الأم؛ لأن علوق الولد كان بعد ثبوت حق المكاتبة، ولا يمكن إيجاب القيمة لها، فيكون الولد مكاتبا، فإن عجزت المكاتبة أخذ المولى الولد بقيته يوم العجز، لما مر. ثم عاد إلى الوجه الثاني، فقال: ولو صدقه المكاتب، وكذبته المكاتبة، ولم يثبت النسب، ثم أدى المكاتب، فعتق، ينظر إن كانت ولدته لأقل من ستة أشهر منذ كوتبت يثبت النسب، ويكون حرا بالقيمة؛ لأن المكاتب لما صدقه، فقد ظهر أن المولى كان مغرورا في الاستيلاد، وأن علوق الولد حصل في ملك المكاتب في حال أمكن جعله حرا بالقيمة، وهو ما قبل ثبوت حق المكاتبة، إلا أنه لا يعمل إقراره لمانع، وهر حق المكاتبة وقت الإقرار.

стр. 1978

فإذا أدى المكاتب، وعتق، وهو مصر على إقراره، عمل إقراره؛ لأن المولى الحر يملك إعتاق ولد المكاتبة، فيملك الإقرار بحريته أيضا، فيعتق الولد بإقراره، ويثبت النسب من المولى؛ لأن المكاتب كما أقرّ بحرية الولد أقرّ بنسبه، والولد في يده. ومن ادعى صبيا حرا في يد إنسان، وصدقه الذي في يده، ثبت النسب، ويضمن المولى قيمة الولد يوم (١) الولادة للمكاتب؛ لأنَّه أقر بإتلاف الولد على المكاتب، فيضمن له القيمة. هذا إذا كان الولد صغيرا لا يعبّر عن نفسه، فإن كان قد كبر الولد، فادعاه المولى، وصدقه المكاتب، عتق الولد بإقرار المكاتب، ويرجع في النسب إلى تصديق الولد، كما لو ادعى المولى نسب عبده، وهو كبير، يرجع إلى تصديق الغلام، إن صدقه يثبت النسب، وإلا فلا؛ لأن الإقرار بالنسب إقرار بما ينفع الولد، وقول الصغير معتبر فيما ينفعه. وذكر في "العتاق " (٢): إذا قال لعبده: "هذا ابني"، وانه مجهول النسب، وهو يصلح ولدا لمثله، إلا أنه كبير، يعبر عن نفسه، الصحيح أنه لا يتوقف ثبات النسب على تصديق الغلام، لكنه يرتد برده. وفرق بينه وبين ما إذا قال: "هذا أبي"، فإنه يتوقف النسب على التصديق. هذا إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من حين (٣) كوتبت، فإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر من وقت كتابة الأم، لا يعتق الولد، بل يكون مكاتبا مع أمه؛ لأن تصديق المكاتب في هذا الوجه لا يكون إقرارا بحرية الولد، لاحتمال أن علوقه كان بعد كتابة الأم، ولو كان العلوق بعد الكتابة لا يمكن إيجاب القيمة، وبدونه لا يعتق الولد، فلا يكون تصديق

стр. 1979

المكاتب في هذا الوجه إقرارا بحرية الولد بالشك. وإذا لم يعتق الولد لم يصر في يد المكاتب، بل يبقى في يد المكاتبة، فلا يثبت النسب إلا بتصديقها، ولم يوجد، بخلاف ما إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت [كتابة] (١) الأم؛ لأن ثمة إقرار المكاتب بعلوق الولد منه في زمان يمكن إيجاب القيمة، فكان إقراره (٢) إقرارا بحرية الولد، فإن عجزت المكاتبة بعد ذلك، وردّت في الرق، كان الولد حرا بالقيمة، ويثبت النسب من المولى؛ لأنها عجزت وانفسخت (٣) الكتابة من الأصل، صار العلوق في أمة المكاتب، وقد صدقه المكاتب، فيثبت النسب، ويغرم المولى قيمة الولد للمكاتب يوم عجزت، وهي مسئلة أول الباب. وإن لم يفجر المكاتبة ولكنها أدت بدل الكتابة، عتقت (٤)، وعتق الولد معها، لما عرف، ولا يثبت نسب الولد من المولى؛ لأن تصديق المكاتب لم يعمل في إثبات النسب قبل عتقها؛ فلا يعمل بعد عتقها، وتقرر حقها بطريق الأولى، إلا إذا كبر الولد، وصدق المولى، فحينئذ يثبت بتصديقه، ولا يلزمه قيمة الولد؛ لأن الولد عتق بعتق الأم قبل ثبات النسب من المولى، كمن ادعى نسب معتق إنسان، وصدقه المعتق، حتى ثبت النسب من المدعي، لا يغرم المدعي قيمته. وكذا لو كان صغيرا لا يعبر، فصدقته المكاتبة بعد عتقها يثبت النسب؛ لأن للأم ولاية على الصغير فيما ينفع الصغير، كقبول الهبة، وثبات النسب مما ينفع الولد، فكان تصديقها كتصديقه، ولا ضمان على المولى لما قلنا.

стр. 1980

ثم عاد إلى أصل المسئلة، فقال: لو أن المكاتب كاتب أمته، ثم أدى المكاتب، بدل الكتابة (١) وعتق، ثم ولدت المكاتبة ولدا، فادعاه المولى، فهذا على وجهين: إن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت العتق، ولأكثر من ستة أشهر منذ كوتبت، فهذا وما لو ولدت قبل عتق المكاتب سواء؛ لأنا تيقنا أبي علوق الولد كان بعد كتابة الأم، وثبوت حقها، والعبرة لحالة العلوق، لا لحالة الولادة. وإن ولدت لستة أشهر فصاعدا منذ عتق المكاتب ينظر: إن زعم المولى أنه وطئها بعد العتق، فصدقاه، أو صدقه أحدهما، لا يثبت النسب من المولى؛ لأنَّه أقر أنه استولدها بعد عتق المكاتب، وليس للإنسان في مكاتبة معتقه حق ولا تأويل، فكان زنا محضا، فلا يثبت النسب. وإن زعم أنه تزوجها بعد عتق المكاتب، فولدت مه على فراشه، فهر على ثلاثة أوجه: إن صدقته المكاتبة ثبت النسب؛ لأنها أقرت على نفسها بسبب الفراش، وهو النكاح. وإن كان فاسدا يصح إقرارها، وكذا إن صدقاه؛ لأن في تصديقهما تصديق المكاتبة، ويكون الولد مكاتبا مع أمه؛ لأنهم تصادقوا أنه استولد مكاتبة معتقه بحكم النكاح، ومن استولد مكاتبة معتقه بحكم النكاح لا يعتق الولد (٢)، و يكون مكاتبا مع أمه. فإن عجزت المكاتبة ردت إلى الرق، وتكون هي مع الولد ملكا للمكاتب، لا يأخذه المولى بالقيمة؛ لأنَّه استولدها بالنكاح، فلا تعتق، كما لو كان النكاح ظاهرا. وإن صدقه المكاتب، وكذبته المكاتبة، لا يثبت النسب؛ لأن تصديقه لا يعمل حال قيام الكتابة؛ لأنَّه لا يملك إثبات الفراش عليها أصلا، فإن عجزت المكاتبة (٣) بعد ذلك،

стр. 1981

وردت في (١) الرق، صارت أمة للمكاتب الذي عتق، وهو مصر على تصديقه بعد إقراره عليها، فيثبت النسب، ولا يعتق الولد؛ لأنَّه أقر بالاستيلاد بحكم النكاح، فلم يكن ذلك إقرارا بالحرية، بخلاف ما تقدم. وإن زعم المولى أنه علق منه بوطئ كان منه قبل عتق المكاتب، فهو على وجوه أيضا: إن صدقاه جميعًا، يثبت النسب من المولى، ويكون مكاتبا مع أمه؛ لأنهم تصادقوا (٢) أنه علق قبل عتق المكاتب، فكان مدعيا ولد مكاتبة المكاتب، ومن ادعى ولد مكاتبة المكاتب، وصدقته المكاتبة يثبت النسب، ويكون الولد مكاتبا مع أمه، كذلك هنا. فإن عجزت بعد ذلك (٣)، وردت في الرق، أخذ المولى الولد بقيمته يوم عجزت؛ لأنها لما عجزت (٤) انفسخت الكتابة من الأصل، وصارت الدعوة في ولد أمة المكاتب، وقد صدقه المكاتب، فتجب القيمة، وإن صدقته المكاتبة، وكذبه المكاتب يثبت النسب؛ لأن حق التصديق لها، ولا يعتق الولد لما مر. فإن عجزت، وردت في الرق، كان الولد مع الأم (٥) مملوكين للمكاتب؛ لأن المولى منكر علوق الولد قبل عتقه، فكان جاحدا للغرور وبجز المكاتبة (٦)، صار الحق للمكاتب في الجارية والولد، فلا يعمل تصديقها في حقه بإبطال ملكه عليه. وإن كذبته المكاتبة، وصدقه المكاتب، لا يثبت النسب لما مر، فإن عجزت

стр. 1982

المكاتبة (١)، وردت في الرق أخذ المولى الولد بقيمته يوم العجز؛ لأن المولى مصر على إقراره، فإذا صار الحق في الجارية والولد، صارت الدعوة دعوة ولد (٢) أمة المكاتب، فإذا صدقه المكاتب يثبت النسب، ويكون الولد حرا بقيمته يوم عجز المكاتبة؛ لما مر غير مرة. الفصل الثالث: مكاتب كاتب أمة له، ثم اشترت المكاتبة أمة، فولدت الأمة ولدا، فادعى مولى المكاتب الولد، لا يثبت النسب إلا بتصديق المكاتبة؛ لأن الجارية مع أولادها كسب المكاتبة، وقد صارت هي أحق بنفسها وأكسابها، والأمة لا حق لها في نفسها، فكان التصديق إلى المكاتبة (٣). فإن صدقته ثبت النسب؛ لأنها لو صدقت أجنبيا في دعوى ولد الأمة يصح، فهذا أولى، ولا يعتق الولد؛ لأن المكاتبة لو صدقت مولى المكاتب في ولد نفسها لا يعتق الولد، فولد الأمة أولى، وإذا لم يعتق الولد كان عبدا للمكاتبة (٤)، ولا يكون مكاتبا، بخلاف ولد المكاتبة؛ لأن الكتابة تسري إلى ولدها، ولا تسري إلى ولد الأمة. فإن عجزت المكاتبة (٥)، صارت هي وأمتها أمتين للمكاتب، ويصير المولى مدعيا ولد أمة المكاتب، فينظر: إن ولدت لأكثر من ستة أشهر منذ اشترتها المكاتبة، أخذ المولى الولد بالقيمة يوم العجز؛ لأن كتابة المكاتبة انفسخت من الأصل، وصار علوق الولد (٦)

стр. 1983

في أمة المكاتب، وقد يثبت النسب بتصديق المكاتبة قبل العجز، والنسب متي ثبت بتصديق من له ولاية التصديق لا يبطل بعد ذلك، وصار تصديقها كتصديق المكاتب، فيكون الولد حرًّا بالقيمة، كما لو ادعى ولد أمة المكاتب، وصدقه المكاتب. وإن ولدت لأقل من ستة أشهر منذ اشترتها المكاتبة، لا يعتق هذا (١) الولد أصلًا؛ لأنا تيقنا أن العلوق كان سابقًا على ملك المكاتبة، بل كان في ملك بائعها، فلم يكن المولى مغرورًا. فلو أن الجارية المكاتبة لم تعجز حتى أدى المكاتب البدل، وعتق، ثم عجزت المكاتبة، وردت في الرق، أو (٢) مات المكاتب عن وفاء، ثم عجزت المكاتبة، فالحكم فيه أنها إن جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر منذ اشترتها المكاتبة عتق الولد، وإلا فلا، لما مر أن المعتبر حالة العلوق، فيشترط قيام الحق، أو التأويل لثبوت الغرور وقت العلوق، ولو لم يكن شيء من ذلك لكن عجز المكاتب، أو مات عاجزًا، يصير قنا لمولاه، وتصير المكاتبة مكاتبةً للمولى، فيصير المولى (٣) مدعيا ولد أمة مكاتبته، وصدقته، فتصير هذه المسئلة، ومسئلة أول الباب سواء. - والله أعلم -

стр. 1984

باب الإقرار بالرق لمكاتبة المكاتب وغير ذلك بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن إقرار الإنسان يقتصر عليه (١)، ولا يتعدى إلى غيره إلا ما كان من ضرورات المقر به (٢)؛ لقيام ولايته على نفسه، وعدم ولايته على غيره. والثاني: أن الثابت بحكم الظاهر يجوز إبطاله بدليل أقوى منه.

стр. 1985

إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: مجهول النسب إذا اشترى عبدا فكاتبه، ثم إن المكاتب اشترى أمة، فكاتبها، ثم أقر المجهول أنه عبد المكاتبة السفلى، وصدقته المكاتبة، وكذبه المكاتب الأعلى، صح إقراره في نفسه، فيصير عبدا للمكاتبة السفلى، ولا يصح في حق المكاتب، والمكاتبة السفلى (١) مكاتبة على حالها، والمكاتب مكاتب على حاله. أما صحة الإقرار في نفسه؛ لأن حريته ثابتة بحكم الظاهر، لكونه في دار الأحرار، لا بدليل موجب، فكانت محتملة للبطلان، ولا يصدق في حق غيره؛ لأن المكاتب الأعلى (٢) استحق اليد على نفسه، ومكاسبه بعقد الكتابة، وكذا المكاتبة، فلا يصح إقراره في حقهما، هذا كمجهولة النسب إذا كانت تحت زوج (٣) فأقرت بالرق لإنسان (٤)، وصدقها المقر له، وكذبها الزوج؛ صح إقرارها في حق نفسها، ولا يبطل النكاح. ولا يقال: بأن (٥) المكاتب استحق العتق من جهة المقر، وقد صار عبدا للمكاتبة السفلى، فلو بقي المكاتب مكاتبا، يبقى مكاتبا لعبد مكاتبته، وبينهما تناف فلا يبقى، كمجهولة النسب إذا أقرت أنها بنت (٦) أب زوجها، وصدقها المقر له، يثبت النسب، ويبطل النكاح؛ لأنَّه لا وجه لبقاء النكاح بعد ثبات النسب، كذلك هنا؟

стр. 1986

لأنا نقول: الأختية لا تجامع النكاح، فكان فساد النكاح من لوازم النسب، فيبطل النكاح ضرورة، أما بطلان الكتابة ليس من ضرورات ثبوت (١) الرق، ألا ترى أن المكاتب الرجل إذا اشترى أمة، وكاتبها، ثم إن المكاتبة اشترت عبدا، وكاتبته، ثم عجز المكاتب الأول، فباعه المولى من المكاتب الأسفل، جاز، وبقيت كتابة المكاتبة، وكتابة المكاتبة الأسفل، وتصير المكاتبة مكاتبة من جهة عبد مكاتبتها، فلما كان متصورا في الجملة لم يكن من ضرورات ثبوته بطلان كتابة مكاتبته، فلا تبطل. وإذا بقيت الكتابتان يؤدي المكاتب بدل الكتابة إلى المكاتبة، فيعتق؛ لأن بدل الكتابة في ذمة المكاتب كان لمجهول النسب (٢)، فإذا أقر المجهول بالرق، صار هو وجميع كسبه ملكا للمكاتبة (٣)، ولا ضرر للمكاتب في ذلك، فصح إقراره بذلك، فيؤدي المكاتب بدل الكتابة إلى المكاتبة، فيعتق. وإن أدى المكاتب بدل الكتابة (٤) إلى المجهول هل يعتق؟ لم يذكر هذا في الكتاب، واختلفوا فيه، قال بعضهم: يعتق؛ لأنَّه كان يعتق بالأداء البدل (٥) إليه قبل الإقرار، فلا يبطل ذلك (٦) بإقراره، وقال بعضهم: لا يعتق، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني، والقاضي الإمام علي السغدي ﵀ عليهما. ووجهه ذلك: أنه لما بقيت الكتابتان، وصح إقراره بالرق، يجعل كأن المجهول كان

стр. 1987

وكيلا في عقد (١) الكتابة، والوكيل بالكتابة لا ترجع إليه الحقوق، فلا يعتق بالأداء إليه، ويجعل كأنه مات المجهول، وإنما يرد إقراره فيما يبطل على الغير حقا مقصودا، ومقصود المكاتب العتق، وهو حاصل له في الحالين، وكذا المكاتبة تؤدي البدل الكتابة (٢) إلى المكاتب، فتعتق؛ لأن المكاتب بعقد الكتابة (٣) استحق عبيها البدل، ولم يبطل الكتابة، فيؤدي كل واحد منهما بدل الكتابة إلى صاحبه. ثم بعد ذلك المسئلة على وجوه أربعة: إما أن يؤدي أحدهما أولا ثم الآخر، أو يؤديان معا، أو عجزا معا، أو على التعاقب. فإن أدت المكاتبة أولا، عتقت؛ لوجود شرطه، ولا ولاء عليها؛ لأنها عقت على المكاتب؛ المكاتب ليس من أهل الولاء؛ لأن أهل الولاء من كان أهلا للولاية والنصرة، والرق ينافي ذلك، وهو مصدق في حق نفسه، فلا يثبت له الولاء، ولا لمكاتبه أيضا؛ لمكان الرق. فإن أدى المكاتب إليها بدل الكتابة (٤) بعد ذلك عتق لوجود شرط العتق، وولاؤه للمكاتبة؛ لأن المكاتبة حرة وقت عتق المكاتب، فكانت من أهل الولاء وقت ثبوته فأيّهما أدى البدل أولا، يكون مولى (٥) عليه للآخر، ولو أديا معا، أو حلّ المالان معا؛ وهما من جنس واحد، حتى وقعت المقاصّة، وعتقا، فلا ولاء لأحدهما على الآخر؛ لأن الولاء إنما يثبت بالعتق، وكل واحد منهما ليس من أهل الولاء حال عتق صاحبه لمكان الرق، وكما لا

стр. 1988

ينعقد السبب إلا في محله، لا ينعقد إلا من الأهل. فإن عجز أحدهما صار رقيقا للمكاتبة؛ لأنَّه لولا إقرار المجهول بالرق، يصير رقيقا للمجهول (١)، والمجهول قد أقر برقيّة نفسه، وأكسابه للمكاتبة، والمكاتب من أكسابه، إلا أنه لم يعمل إقراره لحق المكاتب، فإذَا انفسخت كتابة المكاتب عمل إقراره، فصار ملكا للمكاتبة، وعتقت المكاتبة؛ لأن كتابتها كان حقا للمكاتب، فإذا صار المكاتب عبدا لها فرغت ذمتها عن البدل الكتابة، وفراغ ذمة المكاتب عن البدل يوجب العتق (٢)، كما لو أبرأ المولى كاتب عن البدل الكتابة (٣). وأما إذا عجزت المكاتبة (٤)، فلأنها كانت مملوكة للمكاتب؛ فعند العجز ترد إلى ملك المكاتب، وما في ذمة المكاتب من البدل الكتابة كان لها (٥) بإقرار المجهول، فإذا عادت المكاتبة إلى المكاتب، ملك المكاتب ما في ذمته؛ ففرغت ذمته عنه، فيعتق لما قلنا، فصار العاجز منهما رقيقا للآخر. وإن عجزا معا، كان المكاتب مع مجهول النسب مملوكين للمكاتبة؛ لأن المكاتب كان عبدا للمجهول، وقد أقر المجهول بنفسه؛ أكسابه للمكاتبة؛ ولم يعمل إقراره لحق المكاتب، فإذا زال المانع بالعجز، عمل إقراره برقبة المكاتب للمكاتبة. فإن قيل: عجز كل واحد منهما عند الانفراد يوجب عتق الآخر، فعند الاجتماع

стр. 1989

لماذا ترجح جانب المكاتبة؟ [قلنا] (١): لأن المكاتبة لما قبلت الكتابة، ففد أقرت بالرق للمكاتب، ولما أقر المجهول بعد ذلك برقبة نفسه للمكاتبة، والمكاتب يقر بالرق للمجهول كان إقرار المجهول (٢) بمنزلة إقرار المكاتب بنفسه للمكاتبة، وإقراره لها آخر الإقرارين، فيجعل آخرهما ناسخا للأول، كرجلين في يدهما عين، كل واحد منهما يقر به لصاحبه، إن أقرا معا بطلا، وإن أقرا على التعقب يبطل الإقرار الأول، فيؤخذ بالثاني، وكذلك رجل أقر أنه مملوك لعبد فلان، ثم أقر مولى ذلك (٣) العبد، وهو مجهول أيضا، أنه مملوك لهذا المقر، وخرج لكلامهما معا، كان الرجلان (٤) جميعا مملوكين للعبد إذا كان العبد يدعي أنه حر، ولا يقر بالرق لأحدهما لما قلنا (٥). وحكي أن عيسى بن أبان (٦) دخل على داود بن علي الأصفهاني (٧)، وكان داود

стр. 1990

يطعن على أصحابنا بين تلامذته، ويقول: إنهم مناقضون في كلامهم، فسأله عيسى عن هذه المسألة فقال داؤد: ماذا يقول القوم؟ يريد به اصحابنا فقال له عيسى: (١) ما تصنع بقولهم وإنهم مناقضون في كلامهم، إني أسألك حتى أسمع قول الشيخ، فجعل يتردد فيه، وبقي متحيّرا، لا يدري كيف يجيب (٢). وكذلك قال: مجهولان يقر كل واحد منهما بالرق لصاحبه، فإن خرج كلامهما معا بطلا؛ لأن كل واحد منهما رد إقرار الآخر، وإن تعاقبا، يجعل الآخر منهما عبدا للأول، كذلك هنا، ولم يذكر في الكتاب إذا عجز المكاتب والمكاتبة معا؛ لأنَّه لما عجز أحدهما عتق الآخر، وسقط عنه البدل، فلا يتصور عجز الثاني. - والله تعالى أعلم بالصواب -

стр. 1991

باب عدة امرأة المكاتب وأم ولده بنى الباب على ما عرف: أن حق التملك، وهو الملك من وجه يمنع ابتداء النكاح، ولا يمنع البقاء؛ لأن ملك اليمين مبطل للنكاح (١)، والملك من وجه ثابت من وجه دون وجه، فإذا قارن النكاح وقع الشك في انعقاد النكاح، فلا ينعقد بالشك، وإذا طرأ وقَع الشك في الارتفاع، فلا يرتفع النكاح بالشك. ولهذا قلنا إن المكاتب إذا اشترى امرأة مولاه، لا يفسد النكاح، ولو تزوج المولى بأمة من أكساب مكاتبه لا يجوز، وكذلك رجل باع جارية بيعا فاسدا، وسلمها إلى المشتري، ثم تزوجها، لا يصح النكاح، ولو تزوجها ابن البائع، ثم مات البائع، وصار حق الاسترداد للابن، لا يفسد نكاح الابن. إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: مكاتب اشترى امرأته، لا يفسد النكاح؛ لأن ما للمكاتب في أكسابه حق الملك؛ لأن رِقه يمنع ثبوت الملك له، فلا يرفع النكاح، وكان له أن يطأها، ولو بطل النكاح لا يحل له الوَطئ؛ لأن ملك المكاتب لا يفيد حل الوطئ؛ لأن حل الوطئ (٢) ثبت بالملك من كل وجه، وملك المكاتب ثابت من وجه دون وجه، لما مرّ. فإن وطئها، فولدت ولدا، كان الولد مكاتبا تبعا له، فإن كبر الولد، ثم مات المكاتب، ولم يدع وفاء، سعت الجارية وولدها فيما بقي من بدل الكتابة على نجوم المكاتب، أما الولد؛ لأنَّه ولد في الكتابة، فكان داخلا في الكتابة، فيسعى على نجوم

стр. 1992

الأب، وأما الأم، لأنها تبع الولد، فإذا ثبت في حق الولد ثبت في حقها. فرق أبو حنيفة بين الولد المولود في الكتابة، وبين الولد المشترى، فقال: المشترى لا يسعى على نجوم الأب، بل يقال له: إما أن تؤدي الكتابة (١) حالا، وإلا ترّد في الرق. والفرق ما عرف في الأصل: أن الولد (٢) في الكتابة داخل في عقد الكتابة؛ لأنه حين كان متصلا به جزى من اجزائه ثبت عقد الكتابة فيه كما ثبت في الاصل فإذا انفصل (٣) انفصل بتلك الصفة، ويبقى العقد ببقائه، نصار الأجل المشروط في العقد حقا له، بخلاف الولد المشترى؛ لأنه كان موجودا ولا عقد، وحين وجد العقد فهو منفصل، فلا يدخل في العقد. وإنما يثبت حكم الكتابة (٤) بسبب ملك المكاتب؛ لأن الحر لو اشترى ابنه يعتق، ليصير مثلا له، فكذا المكاتب إذا ملك ابنه يصير مكاتبا، تحقيقا للاستواء، والأجل المشروط في العقد لا يثبت لغير العاقد، هذا كمن اشترى دارا بثمن مؤجل، فأخذها الشفبع بالشفعة، فإنه يأخذها بثمن حال، ولا يظهر الأجل في حقه، ولأن الولد المولود في الكتابة لما كان داخلا في الكتابة، يبقى العقد ببقائه إذا لم يدع المكاتب مالا (٥)، فيسعى على النجوم. وكذا الأم؛ لأنها تبع، وعليها أن تعتدّ بشهرين وخمسة أيام؛ لأن النكاح انتهى بالموت، وهي أمة، وعدة الوفاة على الأمة شهران وخمسة أيام، فإن اعتدت بشهرين

стр. 1993

وخمسة أيام، ثم أن الولد والجارية أديا ما بقي من الكتابة عتق الولد والجارية (١)، ويحكم بعتق المكاتب، أما الولد فلأن عتقه تعلق بالأداء، كعتق المكاتب. وإذا عتق المكاتب صارت هي أم ولد له، فتعتق بموت السيد، ويجب عليها عدة العتاق ثلاث حيض، ولا تحتسب بما سبق؛ لأن عدة العتق لا تسبق العتق، وعتقها متعلق بموت السيد، والمكاتب وإن كان ميتا حقيقة، فهو حيّ إلى وقت الأداء حكما؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في أن الكتابة هل تبقى بعد الموت؟ قال علي وابن مسعود ﵄: تبقى، ويحكم بعتقه عند الأداء (٢). وقال زيد (٣) ﵁ (٤): لا تبقى (٥)، ولهذا أوجب عدة الوفاة بعد الموت،

стр. 1994

وعدة العتاق من وقت الأداء احتياطا، وعدة النكاح لا تمنع وجوب عدة العتق؛ لأن كل واحد منهما حقه، وحقه لا يمنع وجوب حقه. بخلاف ما إذا كانت أم الولد منكوحة الغير، أو معتدة الغير، ثم أعتقها المولاها (١)، لا يجب عليها عدة العتق؛ لأن ثمة حق الغير يمنع وجوب حق المولى، وصار كالحر إذا تزوج أمة، فولدت منه، ثم طلقها ثنتين، يجب عليها عدة الطلاق. فإن اشتراها لا يحل له وطؤها، فإن أعتقها يجب عليها عدة العتق؛ لأنها صارت أم ولد له حين اشتراها، وحقه لا يمنع حقه، فتعتدّ للعتق بثلاث حيض، وقد وجب علها حيضتان (٢) بسبب النكاح حيضتان عند الطلاق يتداخلان؛ لأنهما لو كانتا لاثنتين يتداخلان، فإذا كانتا لواحد أولى. ويجب (٣) عليها الحداد في الحيضتين الأوليين، لأنها عدة الطلاق، وليس عليها (٤)

стр. 1995

الحداد في الحيضة الثالثة؛ لأنها عدة العتق، كذلك ههنا يجب عليها الحداد في عدة الوفاة، ولا يجب عليها الحداد في عدة العتق، لما عرف أن الحداد وجب إظهارا للتأسف بفوات نعمة النكاح، فلا يجب لزوال الرق. وإن أديا بدل الكتابة قبل انقضاء عدة الوفاة عتقا، وعتق المكاتب، وعليها أن تعتد بثلاث حيض منذ عتقت، تستكمل فيها بقية الشهرين والخمسة أيام؛ لأنه قيام عدة الوفاة لا يمنع وجوب عدة العتق. هذا إذا مات المكاتب ولم يدع وفاء، فإن مات عن وفاء، والمسئلة بحالها، يؤدى بدل الكتابة، ويحكم بحريته في آخر حياته، ويعتق الولد معه، وتعتق الجارية بموت السيد حرا، ويفسد النكاح؛ لأنه لما عتق قبل الموت ملك أم ولده في آخر حياته، فيفسد النكاح بينهما، ووجب علها حيضتان لفساد النكاح، فإذا مات عتقت، ووجب عليها ثلاث حيض، فيجب عليها الاعتداد بثلاث حيض، حيضتان لفساد النكاح بعد الدخل، والثالثة تمام عدة العتق. وعدة فساد النكاح لا تمنع عدة العنق، ولا عدة العتاق تبطل عدة فساد النكاح، فتجمع بينهما، وعليها الحداد في الحيضتين الأوليين لإنهاء عدة النكاح، ولا حداد عليها (١) في الحيضة الثالثة؛ لأنها محض عدة العناق. ويرث الولد أباه؛ لأنه عتق مع الأب في آخر حياة الأب (٢) بحكم عقد واحد، ولا ترث المرأة عنه في الفصلين، أما في هذا الفصل: لانقطاع النكاح قبل الموت، وأما في الأول لا ترث أيضا، لا لانقطاع النكاح قبل الموت (٣)، بل لأنها عتقت بعد الموت عند

стр. 1996

الأداء. فرق بين هذا وبين ما تقدم، هنا حكم بفساد النكاح، ولم يحكم فيما تقدم. والفرق أن فيما تقدم جعل الولد أصلا في الكتابة، ليبقى العقد ببقائه، وأمكن جعله أصلا؛ لأنه كان مكاتبا على ما قلنا، ولهذا صار مطالبا بالبدل من كسبه بعد موت الأب بعد أن لم يكن مطالبا، وهذا أمارة صيرورته أصلا، وإذا صار الولد أصلا تعلق عتقه، وعتق الأب بأدائه، فيعتقان عند الأداء مقصورا عليه، فلم يصر مالكا امرأته في حياته، فلا يفسد النكاح. أما إذا ترك وفاء، لا ضرورة إلى أن يصير الولد أصلا، ليبقى العقد ببقائه؛ لأن الوصول إلى الحرية ممكن بدون بقاء عقد الكتابة بعد الموت، فحكمنا بحريته في آخر أجزاء حياته، وإذا عتق في حياته، فقد ملك امرأته قبل الموت، فيفسد النكاح. وإن هلك المال قبل الأداء جعل كأن لم يكن؛ لأن المقصود هو الأداء، فإذا فات الأداه صار كأن لم يكن، وإن كانت لم تلد منه فسد النكاح، وتعتد بحيضتين، وكانت أمة تباع، يرثها من يرث المكاتب؛ لأنها مملوكة لأم ولد، وإن كان لم يخل بها، لا عدة عليها، لارتفاع النكاح فبل الدخول والخلوة. ولو لم تكن منكوحة له، ولكنها أمة اشتراها المكاتب، فولدت منه، فادعاه ثبت النسب؛ لأن حق الملك؛ التصرف ثابت للمكاتب، وحق الملك يكفي لثبات النسب، فإن مات المكاتب ولم يدع مالا، لا تجب عليها العدة؛ لأنها أم ولد، ولم تعتق، فإن أدت هي وولدها المكاتبة، عتقا وعتقت هي بموت السيد، فيجب عليها ثلاث حيض لأجل العتق.

стр. 1997

كتاب السير باب ما يصدق فيه الأسير أنه مسلم أو ذمي وما لا يصدق بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن العمل بالظاهر واجب ما لم يعارضه دليل فوقه (١)، والسيماء أقوى من المكان، والبينة أقوى من الكل لما يذكر. والثاني: أن الشهادة تردّ بالتهمة (٢)، ومن أسباب التهمة الشركة في المشهود به

стр. 1998

شركة خاصة (١). إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: سرية بعثها الإمام إلى دار الحرب، فجاؤا بأسارى، ف قالت الأسارى: نحن من أهل الإسلام أو من أهل الذمة، وهؤلاء أخذونا في دار الإسلام، وقالت السرية: هم كانوا من أهل الحرب، أخذناهم في دار الحرب (٢)، فالقول قول الأسارى، وهم أحرار لا سبيل عليهم؛ لأن الخلاف ما عرف إلا في دار الإسلام، ودار الإسلام تمنع ثبوت (٣) الأسر، والإستيلاء على من كان فيها؛ لأنها دار عصمة وأمان (٤). ولهذا جعنا اللقيط (٥) الموجود في دار الإسلام مسلما حرا بإعتبار الدار (٦)، حتى

стр. 1999

لو مات يصلى عليه (١)، فدعوى الأسارى ذلك يكون إنكارا لليد على أنفسهم، فكان القول قولهم، ولا يقبل قول السرية إلا بحجة. فإن أقامت السرية بينة على دعواهم، إن شهد بذلك قوم من التجار ومن لا شركة له في الغنيمة، قبلت شهادتهم (٢)؛ لأنا جعلنا القول قول الأسارى بحكم الظاهر (٣)،

стр. 2000

والبينة أقوى من الظاهر؛ لأنها جعلت (١) حجة للمدعي على المدعى عليه، وإن كان الظاهر شاهدا للمدعى عليه، إلا أنه يشترط الإسلام في الشهود إذا ادعى الأسارى أنهم مسلمون؛ لأن هذه شهادة على المسلم، فلا يقبل فيها شهادة الكفار (٢)، وإذا ادعى الأسارى أنهم من أهل الذمة لا يشترط الإسلام في الشهود. وأن شهد للسرية من له شركة في الغنيمة، لا تقبل شهادته؛ لأنه يثبت لنفسه حقا خاصا، أو يشهد على فعل نفسه، فكان متهما. وذكر في "السير الكبير" (٣): وجوّز شهادة الغانمين، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، وضع المسألة هنا في السرية، ووضح (٤) ثَمة (٥) في الجند، وشركة الجند شركة عامة، فلا يصيب كل واحد من الغانمين شيئا منتفعا (٦) من المشهود به، والشركة العامة لا تمنع قبول الشهادة (٧).
следующие страницы →