الأداء.
فرق بين هذا وبين ما تقدم، هنا حكم بفساد النكاح، ولم يحكم فيما تقدم.
والفرق أن فيما تقدم جعل الولد أصلا في الكتابة، ليبقى العقد ببقائه، وأمكن جعله أصلا؛ لأنه كان مكاتبا على ما قلنا، ولهذا صار مطالبا بالبدل من كسبه بعد موت الأب بعد أن لم يكن مطالبا، وهذا أمارة صيرورته أصلا، وإذا صار الولد أصلا تعلق عتقه، وعتق الأب بأدائه، فيعتقان عند الأداء مقصورا عليه، فلم يصر مالكا امرأته في حياته، فلا يفسد النكاح.
أما إذا ترك وفاء، لا ضرورة إلى أن يصير الولد أصلا، ليبقى العقد ببقائه؛ لأن الوصول إلى الحرية ممكن بدون بقاء عقد الكتابة بعد الموت، فحكمنا بحريته في آخر أجزاء حياته، وإذا عتق في حياته، فقد ملك امرأته قبل الموت، فيفسد النكاح.
وإن هلك المال قبل الأداء جعل كأن لم يكن؛ لأن المقصود هو الأداء، فإذا فات الأداه صار كأن لم يكن، وإن كانت لم تلد منه فسد النكاح، وتعتد بحيضتين، وكانت أمة تباع، يرثها من يرث المكاتب؛ لأنها مملوكة لأم ولد، وإن كان لم يخل بها، لا عدة عليها، لارتفاع النكاح فبل الدخول والخلوة.
ولو لم تكن منكوحة له، ولكنها أمة اشتراها المكاتب، فولدت منه، فادعاه ثبت النسب؛ لأن حق الملك؛ التصرف ثابت للمكاتب، وحق الملك يكفي لثبات النسب، فإن مات المكاتب ولم يدع مالا، لا تجب عليها العدة؛ لأنها أم ولد، ولم تعتق، فإن أدت هي وولدها المكاتبة، عتقا وعتقت هي بموت السيد، فيجب عليها ثلاث حيض لأجل العتق.
стр. 1997
كتاب السير
باب ما يصدق فيه الأسير أنه مسلم أو ذمي وما لا يصدق
بنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن العمل بالظاهر واجب ما لم يعارضه دليل فوقه (١)، والسيماء أقوى من المكان، والبينة أقوى من الكل لما يذكر.
والثاني: أن الشهادة تردّ بالتهمة (٢)، ومن أسباب التهمة الشركة في المشهود به
стр. 1998
شركة خاصة (١).
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: سرية بعثها الإمام إلى دار الحرب، فجاؤا بأسارى، ف قالت الأسارى: نحن من أهل الإسلام أو من أهل الذمة، وهؤلاء أخذونا في دار الإسلام، وقالت السرية: هم كانوا من أهل الحرب، أخذناهم في دار الحرب (٢)، فالقول قول الأسارى، وهم أحرار لا سبيل عليهم؛ لأن الخلاف ما عرف إلا في دار الإسلام، ودار الإسلام تمنع ثبوت (٣) الأسر، والإستيلاء على من كان فيها؛ لأنها دار عصمة وأمان (٤).
ولهذا جعنا اللقيط (٥) الموجود في دار الإسلام مسلما حرا بإعتبار الدار (٦)، حتى
стр. 1999
لو مات يصلى عليه (١)، فدعوى الأسارى ذلك يكون إنكارا لليد على أنفسهم، فكان القول قولهم، ولا يقبل قول السرية إلا بحجة.
فإن أقامت السرية بينة على دعواهم، إن شهد بذلك قوم من التجار ومن لا شركة له في الغنيمة، قبلت شهادتهم (٢)؛ لأنا جعلنا القول قول الأسارى بحكم الظاهر (٣)،
стр. 2000
والبينة أقوى من الظاهر؛ لأنها جعلت (١) حجة للمدعي على المدعى عليه، وإن كان الظاهر شاهدا للمدعى عليه، إلا أنه يشترط الإسلام في الشهود إذا ادعى الأسارى أنهم مسلمون؛ لأن هذه شهادة على المسلم، فلا يقبل فيها شهادة الكفار (٢)، وإذا ادعى الأسارى أنهم من أهل الذمة لا يشترط الإسلام في الشهود.
وأن شهد للسرية من له شركة في الغنيمة، لا تقبل شهادته؛ لأنه يثبت لنفسه حقا خاصا، أو يشهد على فعل نفسه، فكان متهما.
وذكر في "السير الكبير" (٣): وجوّز شهادة الغانمين، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، وضع المسألة هنا في السرية، ووضح (٤) ثَمة (٥) في الجند، وشركة الجند شركة عامة، فلا يصيب كل واحد من الغانمين شيئا منتفعا (٦) من المشهود به، والشركة العامة لا تمنع قبول الشهادة (٧).
стр. 2001
ولهذا لو شهد فقيران مسلمان على رجل بسرقة شئ من بيت المال جازت شهادتهما (١).
وكذا لو شهد مسلمان لمسجد أو طريق العامة (٢)، جازت شهادتهما (٣)، ويجوز للقاضي أن يقضي بالغنيمة، وإن كان له شركة في الغنيمة (٤)، وما لا يمنع القضاء لا يمنع الشهادة.
وإن قالت الأسارى: أخذنا هؤلاء في دار الحرب، ونحن من أهل الإسلام، أو من أهل الذمة، دخلنا دار الحرب للتجارة، أو لزيارة القرابة مستأمنين، أو قالوا: كنا أسارى
стр. 2002
في أيديهم، وقالت السرية: هم كانوا (١) من أهل الحرب، فالقول فيه قول السرية؛ لأنهم تصادقوا على أنهم أخذوا في دار الحرب، ودار الحرب دار إباحة وأسر، فكل من كان فيها يكون محلا للأسر والاسترقاق بحكم الظاهر.
ولهذا يجعل اللقيط الموجود في البيعة والكنيسة كافرا بحكم المكان (٢)، حتى لو مات لا يصلى عليه (٣)، فكان قول الأسارى إنكارا للملك بعد وجود السبب، فلا يقبل أقولهم، (٤)، كما لو أقرت المرأة بالنكاح وادعت أنها أخته من الرضاع، وأنكر الرجل، لا يقبل قولها، ولا تقطع يد الزوج عنها إلا بحجة، كذلك هنا.
فإن أقام الأسارى بينة على ما ادعوا جاز؛ لأن البينة أقوى من الظاهر، إلا أنه يشترط إسلام الشهود؛ لأنها ما شهادة (٥) على المسلم بقطع اليد، فلا تقبل شهادة الكافر (٦).
وإن لم يكن للأسرى بينة، إلا أن بهم سيما المسلمين، أو علامة (٧) من علامات
стр. 2003
المسلمين، قبل قولهم، ولا يتعرض لهم؛ لأن السيماء من أسباب المعرفة (١)، قال الله تعالى: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٣).
الأصل في تحكيم العلامة عند الاشتباه قول الله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ (٤) الآية، والعلامة والسيماء أقوى من المكان، لأن المقصود من اتحاد العلامة والسيما ليس إلا المعرفة عند الاجتماع في مكان واحد (٥).
ولهذا لو وجد الميت في بيعَة أو كنيسة، وعليه سيما المسلمين، يصلى عليه، ولو وجد في المسجد، وعليه علامة الكفار، لا يصلى عليه.
وسيما المسلمين أحد الأشياء الثلاثة: الختان، والخضاب، ولُبس السوَاد (٦).
أما "الختان" "؛ لقوله ﵇: "عشر من الفطرة" (٧)، وذكر من جملتها
стр. 2004
الختان (١).
وأما "الخضاب" (٢)؛ [فلقوله ﵇] (٣): "غيروا الشيب، ولا تتشبهوا باليهود، (٤)، وقال ﵇: "إن أحسن ما يغير به الشيب الحنأ والكَتم (٥) " (٦).
стр. 2005
وأما "لُبس السواد"، لما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا لبست أمتي السواد فابغوا (١) الاسلام "، وبعض الناس روى: "فانعوا الإسلام" (٢)، إلا أن
стр. 2006
الختان لا يختص بالإسلام، فإن اليهود يختتنون (١)، فترك الختان يخنص بالكفار (٢).
وذكر يعض المشايخ أن من علامات الإسلام: قراءة القرآن (٣).
ومن علامات الكفر: شَدّ الزُّنَّار فوق القباء، أو يكون أبيض الرأس واللحية، وجعل شعره فتائل، كما يفعله أهل الذمة.
قال (٤): ولو أن قوما من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام مغيرين، فهزمهم المسلمون، فدخلوا قرية من قرى الإسلام، أو من قرى أهل الذمة، واختلطوا بهم، فتبعهم المسلمون، ودخلوا علمهم، فكل من أخذَ في القرية يقول: "أنا مسلم أو ذمي من سكان هذه القرية"، كان القول قوله؛ لأنه أخذَ في دار العصمة والأمان، فيؤخذ بظاهر المكان، إلا إذا كان به من علامات أهل الحرب (٥).
стр. 2007
وبمثله لو دخل طائفة من المسلمين، أو من أهل الذمة قرية من قرى أهل الحرب، فأتاهم المسلمون، فأخذوهم، فقال كل واحد منهم: أنا مسلم أو ذمي، لا يقبل قوله؛ لأنه أخذ في دار الحرب، فلا يقبل قوله إلا من يعرف أنه مسلم أو ذمي بسيما الإسلام، أو بالبينة (١).
واستشهد لإحكام هذه القاعدة، فقال: ألا ترى أن المسلمين لو فتحوا القُسطَنطِينِيّة (٢) بفتح من الله وحوله، فمروا بمسجد فيه رجل عليه سيما أهل الإسلام، وحوله صبيان يعلمهم القرآن، فقال: أنا مسلم، وهؤلاه أولاد المسلمين، صدق في ذلك (٣)، ولا يردّ عليه، ولا يظن أن أحدا يخالف هذا الجواب، فكذا فيما تقدم.
والله أعلم بالصواب
стр. 2008
باب من السير مما يغلب عليه المشركون من أرض المسلمين ثم يظهر عليهم المسلمون
بنى الباب على أن "دارالإسلام" تصير "دار حرب" بإجراء أحكام الكفر (١) في قول أبى يوسف ومحمد (٢).
وعند أبي حنيفة بشرائط ثلاثة: إجراء أحكام الكفر، وأن تكون متاخمة بدار الحرب، أي متصلة ليس بينهما بلدة من بلاد الإسلام، وأن لا يبقى فيها مؤمن آمن بإسلامه (٣)، ولا ذمي آمن بأمانه (٤) الأول، وهو الذمة (٥).
لهما: أن "الدار" إنما تنسب إلى الأصل (٦) بإعتبار الولاية واليد، وإجرء الأحكام
стр. 2009
يدل على الولاية، فتثبت النسبة (١)، ولهذا تصير دار الحرب دار الإسلام بمجردّ إجراء الأحكام (٢).
ولأبي حنيفة ﵀: أن الدار إنما تنسب إلى أهل الحرب عند ظهور قدرة أهل الحرب، وغلبتهم، وقوتهم، ولا يظهر إلا عند وجود هذه الشرائط كلها (٣)، أما عند عدم بعضها (٤) كانت الدلائل في حد التعارض؛ لأنه إذا كان فيها مسلم آمن بإيمانه (٥)، أو ذمي آمن بأمانه الأول، فبقاؤه كذلك، وامتناعه عن طلب الأمان لا يكون إلا بمَنعَة ظاهرة.
وكذا إذا لم يكن متاخمة بأهل الحرب؛ لأن المسلمين إذا أحاطوا بها من كل جانب يتوهم انقطاع يدهم عن ذلك المكان في كل ساعة وزمان، وتكون يد أهل الإسلام على هذا المكان قائمة معنى، فإذا كانت الدلائل في حد التعارض، يبقى ما كان على ما كان، أو ترجح جانب الإسلام احتياطا.
وقياس دار الإسلام بدار الحرب قياس فاسد لأن الإسلام (٦) يحتاط في إثباته،
стр. 2010
وإبقائه، والكفر بخلافه، ألا ترى أن الصغير يصير مسلما بإسلام أحد الأبوين، ولا يصير كافرا بردّة أحدهما، ولا بردّتهما ما لم يلحقا به (١).
والأصل عنده: أن ما كان ثابتا لا يزول ما بقي أثر من آثاره (٢)، فإن عنده العصير إذا غلى، واشتد لا يحرم ما لم يقذف بالزبد (٣)، ووقت الظهر لا يخرج ما لم يصر ظِلّ كل شئ مثليه (٤)، ووقت المغرب لا يخرج ما لم يغب البياض.
وأصل آخر: أن الحكم في الغنائم قبل القسمة مفوض إلى الإمام، وبعد القسمة ينقطع رأيه (٥) لما نذكر.
وفي الباب فصول ثلاثة:
الأول: إذا غلب أهل الكفر على بلدة من بلاد الإسلام.
والثاني: فصل توظيف الخراج والجزية.
والثالث: مالك أرض الخراج إذا عجز عن الزراعة، وأداء الخراج.
стр. 2011
أما الفصل الأول: ينتظم ثلاث مسائل:
إحداها: أهل الحرب إذا غلبوا على بلدة من بلاد الإسلام.
والثانية: أهل الردّة إذا غلبوا على دارهم.
والثالثة: أهل الذمة إذا نقضوا العهد، وغلبوا على دارهم.
أما الأولى (١): قال محمد ﵀: إذا غلب المشركون على بلدة من بلاد الإسلام، لم تصر ذلك (٢) دار حرب في قول أبي حنيفة، إلا بوجود (٣) الشرائط الثلاثة (٤)، وعندهما بأجراء الأحكام تصير دار جرب، فإن وجدت الشرائط الثلاثة يلتحق هذا بسائر بلادهم (٥).
فإن ظهر المسلمون عليهم بعد ذلك فهو على وجوه ثلاثة:
إن أسلم أهلها قبل الظهور عليهم، فهم أحرار لا سبيل عليهم، ولا على نسائهم، وسائر أموالهم (٦)؛ لقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله،
стр. 2012
فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" (١)، ويوضع العشر على أراضيهم (٢)؛ لأنها لما صارت دار إسلام (٣)، بطلت الوظيفة الأولى، والأراضي النامية لا تخلو عن الوظيفة، وتوظيف الخراج على المسلم ابتداء لا يجوز (٤)؛ لأنه ذِلّ وهَوان، فتعين العشر؛ لأنه عبادة من وجه (٥)، والإسلام لا يمنع وجوب العبادة.
وإن لم يسلموا إلا أنهم صاروا ذمة قبل الظهور عليهم، فهذا والأول سواء، لكن يضع على أراضيم الخراج (٦)؛ لأن العشر عبادة من وجه، فلا يليق بالكافر، ويضع الجزية
стр. 2013
على رؤوسهم، كما فعل عمر ﵁ بأهل العراق.
وإن لم يكن شئ من ذلك حتى ظهر المسلمون عليهم، ثم أسلموا، فالإمام بالخيار، إن شاء قسمهم وأموالهم برفع الخُمس من كل شيء (١) لليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل، ويقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين، كما فعل رسول الله صلى الله عليهم وسلم بأهل خيبر (٢)؛ لأنهم أسلموا بعد تمام الحق للغزاة، فلا يبطل حق الغزاة بإسلامهم (٣)، وتوظيف العشر على الأراضي (٤)؛ لأنه ابتداء توظيف على المسلم.
وإن شاء منّ عليهم برقابهم، وسلم لهم النساء والصبيان والأموال (٥)، كما فعل رسوك الله صلى الله عليهم وصلم بأهل مكة، وعمر ﵁ بأهل الشام.
(٦) وإن كان فيه إبطال حق الغانمين صررةً، فليس بإبطال معنى؛ لما نذكر (٧)، لأن
стр. 2014
حقهم غير متأكّد، فكان الخيار للإمام، إن شاء آكد حقهم بالقسمة، وإن شاء منّ عليهم لمصلحةٍ تعود إلى العامّة بفعل ما هو الأنظر للمسلمين.
وإذا منّ عليهم برقابهم وسائر أموالهم يضع العشر على أراضيهم، وإن شاء وظّف الخراج.
ولا يقال: ينبغي أن لا يوظف الخراج؛ لأنه ابتداء التوظيف على المسلم.
لأنا نقول: ليس كذلك، بل هو إزالة ملك الغانمين بعوض؛ لأن حقهم ثبت في الكل، فإذا من عليهم بأراضيهم، ووظف الخراج، والخراج يصرف إلى المقاتلة، وقد جعل الخراجَ عوضا عن الأراضي، وكذا لو وظف العشر، ففيه حق المقاتلة أيضا، فإنه لو لم يكن في بيت مال الخراج شئ كان للإمام أن يؤدي حق المقاتلة من بيت مال الصدقة، فكل واحد من الوظيفتين يصلح حقا للمقاتلة، فيفعل الإمام ما شاء.
بخلاف ما إذا قسّم الأراضي بين الغانمين، فإنه ابتداء التوظيف على المسلم، وبخلاف ما إذا أسلموا قبل الظهور عليهم؛ لأن ثمّة لم يثبت في الأراضي حق الغانمين، فلو وظف الخراج، يكن الخراج بدلا عن الأراضي، بل يكون ابتداء التوظيف على المسلم.
وإن ظهر المسلمون عليهم، وأبوا أن يسلموا، كان الإمام بالخيار: إن شاء خمسهم وأموالهم برفع الخمس من كل شئ، ويقسم الباقي بين الغانمين، ويضع العشر على الأراضي، كما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر، وإن شاء قتل المقاتلة، وقسم النساء والذراري والأراضي (١) وسائر الأموال بين الغانمين، كلما فعل سعد بن معاذ
стр. 2015
رضي الله عنه ببني قريظة.
وإن شاء منّ عليهم برقابهم، ونسائهم، وذراريهم، وسائر أموالهم، كما فعل عمر ﵁ بسَواد العراق.
فإن منّ عليهم برقابهم وأراضيهم، وقسم النساء، والذرية والأموال بين الغانمين، جاز، ويكره، أما الجواز؛ لأنه لو قسم الكل جاز، ولو منّ بالكل جاز، فكذا إذا منّ بالبغض، وقسم البعض، وأما الكراهة لأن إمامَنا في هذا الباب عمر ﵁، وهو لم يفعل، ولأن منفعة الأراضي (١) لا تحصل إلا بالزراعة، فإذا أخذ أموالهم، والزراعة لا تكون إلا بالآلة، يعجزون عن الزراعة، فلا يفيد.
وكذا لو منّ عليهم برقابهم، ونسائهم، وذراريهم، وأراضيهم، وقسم ما سوى ذلك بين الغانمين، جاز، ويكره لما قلنا.
وإن ترك لهم من المال في هذين الوجهين ما يقدرون به على الزراعة، لا يكره، وإن منّ عليهم برقابهم خاصة، وقسم الباقي بين الغانمين لا يجوز.
وكذا لو لم يكن أراضٍ، فمنّ عليهم برقابهم، وقسم النساء والذرية والأموال، لا يجوز؛ لأن القياس يأبى جواز المنّ، لما فيه من إبطال حق الغانمين، وإنما عرفنا جواز المن بالأراضى نظرا للغانمين، كيلا يشتغلوا بالزراعة، ويقعدوا عن الجهاد، وفيه نظرٌ لمن يجيء من بعدهم إلى يوم الدين.
دلّ عليه ما روي أن عمر رضي الله عه لما فتَح سَواد العراق، طلبت الصحابة ﵃ أن يقسم الكل بينهم، فشاور الصحابةَ رضوان الله عليهم في ذلك، ثم قال:
стр. 2016
"أمَا أني تذكرت آية من كتاب الله تعالى استغنيت بها عن آرائكم، وتلا قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢) يعني: "وللذين جاؤا من بعدهم"، فرجعت الصحابة إلى رأيه إلا نفر يسير، منهم بلال رضى الله عنه، حتى دعا (٣) عليهم عمر ﵁، وقال: "اللهم اكفني بلالا وأصحابَه" (٤)، فما حال الحول، وفيهم عين تطرف (٥).
стр. 2017
وأراد بذلك أن يصل الخراج إلى من كان بعدهم، فكانت الأراضي أصلا في المن؛ لأنها تبقى وتدوم، والرقاب تبعا للأراضي؛ لأنها لا تبقى ولا تدوم، بل تقرض بالإسلام والموت.
وإنما جعلت الرقاب تبعا للأراضي في المن؛ ليكون عونا للمسلمين على عمارة الأراضي، فإذا منّ بالرقاب خاصة، والرقاب لا تدوم، كان إبطالا لحق الغانمين من غير أن يكون نظرا لمن يجيئ بعدهم، فلا يجوز، هذا كوقف (١) الثيران، وآلات (٢) الحراثة، لا يجوز مقصودا، ويجوز تبعا للأراضي.
ولا يقال: بأن الإمام يملك إبطال حق الغانمين عن الرقاب بالقتل، فلماذا لا يملك إبطاله بالمنّ؟.
لأنا نقول: إنما ملك قتلهم؛ لأن فيه رفع شرهم عن المسلمين، فلم يتمحض ضررا، ولا كذلك المن؛ لأن فيه إضرار بالغانمين بجعلهم عونا للكفرة على المسلمين.
المسألة الثانية:
أهل الذمة إذا نقضوا العهد، وغلبوا على دارهم، أو على بلد. من بلاد الإسلام، و وجدت الشرائط الثلاثة، فإنها تصير دار حرب عند الكل.
فإن ظهر المسلمون عليهم، فحكمهم حكم أهل الحرب؛ لأنهم كانو أهل حرب في الإبتداء، وإنما خرجوا، وصاروا ذمة بالعهد، فإذا نقضوا العهد، عادوا إلى الأصل، فكان
стр. 2018
الإمام فيه (١) بالخيار: إن شاء منّ عليهم برقابهم وذراريهم وسائر أموالهم، ويضع الجزية على جَماجِمهم (٢)، والخراج على أراضيهم.
وإن شاء وضع على أراضيهم العشر، وهو عشر تسمية، وخراج (٣) معنىً يصرف مصرف الخراج.
وإن شاء وضع عليها العشرَ المضاعف، كما فعل عمر ﵁ ببني تَغلّب (٤).
وإن شاء قتل الرجال، وقسم الذرية والأموال بين الغانمين، وترك الأراضي، ولا يقسم، وينقل إليها قوما من المسلمين، ليكونوا ردأ لهم، نظراللمسلمين، يفعل ما هو الأصلح والأنظر، ولم يذكر نقل أهل الذمة إلى هذه الأراضي، كأنه لم يأتم يأتمنهم، لما لَحِقهم من الفيظ بقتل جيشهم.
وإذا نقل إليها قوما من المسلمين، صارت الأراضي ملكا لهم، يضع عليهم العشر، وإن شاء وضع الخراج؛ لأن الخراج كانت مستحقة في هذه الأراضي، بعد ما ظهر
стр. 2019
المسلمون عليهم، فإذا نقل إليها قوما من المسلمين، والإسلام لا يمنع (١) بقاء الخراج (٢)، بقيت خراجية.
وأما المسألة الثالثة:
إذا ارتدّ قوم من المسلمين، وغلبوا على أراضيهم، أو على بلدة أخرى، ووجدت الشرائط (٣) الثلاثة، فإنها تصير دار حرب، فإن ظهر المسلمون عليهم، فإنه لا يقبل من رجالهم إلا السيف (٤)، لقوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" (٥)، وقال عليه
стр. 2020
السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١).
ولأنهم علموا محاسن الإسلام، ووقفوا على الآيات والمعجزات، ثم نبذوه ورآءَ ظهورهم، تغلّظت جنايتهم (٢)، وصاروا كمشركي العرب، فإن مشرك العرب (٣) لما أصرّوا على عبادة الأوثان بعد نزول القرآن بِلغتهم، وبعث الرسول ﵇ من قرابتهم، تغلظت جنايتهم (٤)، ولم يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف، فكذلك أهل
стр. 2021
الردة (١).
ونساؤهم وذراريهم في ذلك كنساء مشركي العرب، لقول ابن عباس ﵄: "المرتدة تستحيى، ولا تقتل" (٢)، أي تسترق، إلا أنهن يجبرن (٣) على الإسلام (٤)، ولا يجبر نساء مشركي العرب؛ - لان كفر المرتدة كفر بعد الإسلام، وكذلك
стр. 2022
كفر أولادهم كفر بعد الإسلام (١)، فإنهم كانوا مسلمين تبعا لآبائهم، وكل من كان مسلما إذا كفر يجبر، كالصبي بين المسلمين إذا بلغ، ولا يصف الإسلام، فإنه يجبر على الإسلام، أما نساء مشركي العرب، وصبيانهم لم يوجد منهم الكفر بعد الإسلام، فلا يجبرون.
ويقسم أموالهم وأراضيهم بين الغانمين (٢)، ويضع العشر على أراضيهم؛ لأنها صارت مملوكة للمسلمين.
وإن أراد الإمام (٣) أن يقسم النساء والأموال والذراري، دون الأراضي، ورأى ذلك خيرا للمسلمين، فعَلَ إعتبارا للبعض بالكل؛ ولأن ترك الأراضي ربما يكون خيرا للمسلمين؛ لأنها لو قسمت بين الغانمين، يشتغلون بالزراعة، فيقعدون عن الجهاد، فإن رأى بعد ذلك أن ينتقل إلى الأراضي قوما من أهل الذمة برضاهم، ليؤدوا الخراج عن الأراضي، والجزية عن جماجمهم ليصل الخراج إلى من يجيء بعدهم، فعل.
ثم ذكر هنا نقلَ أهل الذمته؛ لأن أهل الذمة لا يلحقهم الغيظ بقتل أهل الردّة، ويلحقهم الغيظ بقتل جيشهم.
فإن أسلم أهل الردّة بعد ما ظهر المسلمون عليهم، كانوا أحرارا، لا سبيل عليهم (٤)، بخلاف أهل الحرب وأهل الذمة إذا نقضو العهد، ثم أسلموا بعد الظفر؛ لأن
стр. 2023
في حق أهل الحرب، وناقضي العهد من أهل الذمة حق إسترقاقهم، كان ثابتا قبل الإسلام، فبقي بعده، أما في حق أهل الردّة حق الإسترقاق ما كان ثابتا قبل الإسلام، فلا يثبت بعده؛ لأن الإسلام يمنع إبتداء الرق، ولا يمنع البقاء.
وأما نسائهم وأموالهم وذراريهم، فالإمام بالخيار، إن شاء قسمها بين الغانمين (١)، ووضع العشر على الأراضي.
وإن شاء منّ بجميع ذلك منهم (٢)، ويضع على أراضيهم الخراج (٣)، فيكون بدلا عن الأراضي.
وإن شاء وضع عليهم (٤) العشر؛ لأنهم لما أسلموا صاروا من أهل وجوب العشر، والعشر يحتمل أن يكون للمقاتلة بدلا عن الأراضي، على ما قلنا، ولأنه كما ثبت في الأراضي حق الغانمين، ثبت حق الفقراء؛ لأن العشر حق الفقراء.
ثم الإمام يملك أن يجعلها خراجية، وإن كان فيه إبطال لحق الفقراء، فيملك أن يجعلها عُشرية وإن كان إبطالا لحق المقاتلة.
стр. 2024
وإن رأى أن يجعل من أرضهم (١) ما كانت عشرية عشرية على حالها (٢)، وما كانت خراجية خراجية، له ذلك، لما ذكرنا، ولأنها لما صارت دار حرب بطلت الوظيفة القديمة، وله أن يجعل كلها عشرية، وكلها خراجية، فكان له أن يجعل البعض عشرية، والبعض الآخر (٣) خراجية، إعتبارا للبعض بالكل.
قال: ألا ترى أن الإمام لو أصاب أرضا من أرض الترك، وأرضا من أرض الروم، وأرضا من أرض غيرهم، حتى أصاب خمس أراض، فجعل حق الفقراء في أرض واحدة، وجعل الباقي للمقاتلة، أما يجوز له ذلك؟ وللإمام ولاية التعيين، كذلك هذا.
ولا يقال: بأن ذلك يكون على المبادلة؛ لأنا نقول: يجوز أن يكون هذا على وجه المبادلة أيضا، بأن يصيب أرضا أخرى، فيجعلها خراجية.
وهذا كله إذا لم يحكم الإمام بحكم، فأما بعد ما مَنّ، ليس له أن يقسم بين الغانمين، وبعد ما قسّم ليس له أن يمنّ؛ لأن في المنّ بعد القسمة إبطال ملك الغانمين، وفي القسمة بعد المن غَدر وخيانة، وذلك حرام.
وهو بمنزلة الأسرى إذا قسمهم بين الغانمين، ليس له أن يقتلهم؛ لأنهم صاروا للمسلمين، ملك المسلم معصوم عن الإبطال.
ولا بأس بالتحويل بأن ينقل إليها قوما آخرين، وينقلهم إلى أرض أخرى بعذر، وقبل المنّ له أن يفعل ذلك بعذر وبغير عذر، أما بعد المنّ فلأنها صارت ملكا للكفرة، وحقوقهم محترمة، فلا يجوز إبطالها، ويجوز الإبطال عند العذر، كالكافر إذا أسلم عبده
стр. 2025
الكافر، فإنه يجبر على بيعه.
والعذر أن يخاف عليهم من الكفرة، لضعفهم وقلّة شوكتهم، أو يخاف منهم أن يصيروا عونا للكفرة على المسلمين، يخبرونهم بعورات المسلمين، أما قبل المنّ لا حق للكفرة في الأراضي.
والأصل في جواز النقل والتحويل بغير رضاهم ما روي عن عمر ﵁: أنه أجلى يهودَ وادي القرى (١) إلى الشام.
[وأجلى] (٢) رسول الله ﷺ بني النضير (٣)، وهَمّ بإجلاء بني نجران، فقال ﵇: "لئن عشت إلى قابل لأخرجنّ بني نجران من جزيرة العرب" (٤)، فلم يعش، ولم يتفرغ لذلك أبو بكر ﵁ في خلافته.
стр. 2026
وكان العذر له ما قال ﵇: "لا يجتمع أهل دينين في جزيرة العرب" (١).
وإذا ظهر الإمام على عبَدة الأوثان من العرب، فأسلموا قبل القسمة، فرأى الإمام أن يمنّ عليهم بنسائهم وذَراريهم وأراضيهم، ويضع العشر على أراضيهم، كان له ذلك قبل الظفر.
والأصل فيه: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال لأهل مكة يوم
стр. 2027
الفتح: "ماذا ترون أني صانع بكم، فقالوا: أخ كريم، وابن [أخ] (١) كريم، ملكت فاسحح"، فقال ﵇: "أقول كما قال أخي يوسف ﵇ لإخوته: لا تَثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، أنتم الطلقاء، لكم أموالكم و ذراريكم" (٢)، فلما جاز المنّ بسائر أموالهم بعد الظفر أو قبل الإسلام، فبعد الإسلام أولى.
وإذا ظهر الإمام على أهل الحرب، أو على (٣) ناقضي العهد من أهل الذمة، فرأى أن يمنّ عليهم، ويجعلهم ذمّة يؤدون الخراج، وقد أصاب المسلمون منهم مالا قبل الفتح، ينظر: إن كانوا يَقْوُون على الغمل، لا يردّ عليهم ما أخذ منهم قبل الفتح؛ لأن ذلك صار حقا للمسلمين، فلا يجوز إبطاله.
وإن كان لا يقوون على عمارة الأراضي وزراعتها إلا بذلك المال، ردّ عليهم؛ لأنهم صاروا كما لا كرة للمسلمين.
ولو عجزوا عن زراعة الأراضي، ورأى أن يعطيهم من بيت المال ما يتمكّنون به من الزراعة، كان له ذلك، فمن المأخوذ منهم أولى.
ولو منّ عليهم، وفي أيديهم مال وقت المن، فإن كانوا لا يقوُون على الزراعة إلا
стр. 2028
بذلك، لا يأخذ منهم؛ لأنه لما كان له أن يردّ عليهم من المأخوذ قبل الفتح لحاجة الزراعة؛ فلأن يترك ما كان فى أيديهم كان أولى.
وإن استغنوا عن ذلك المال، فإن رأى الإمام (١) أن يأخذ منهم، ويقسم بين الغانمين، فعل، وإن ترك عليهم جاز، والترك أولى تأليفا لهم، رجاء أن يقفوا على محاسن (٢) الإسلام، فيسلموا، ألا ترى أن عمر ﵁ مَنّ على أهل العراق، ولم يأخذ ما كان في أيديهم، ولم يرو عنه أنه ردّ عليهم ما أخذوا منهم قبل الظفر، فيقتدى به.
قال في الكتاب: (ولو جاز أن يردّ عليهم ما أخذ منهم (٣) قبل الفتح، لجاز التنفيل بعد الإصابة) أراد بذلك أنه كما لا يجوز التنفيل بعد الإصابة لما فيه من إبطال حق الجيش، لا يجوز أن يردّ عليهم ما أخذ منهم قبل الفتح، والذي بينا في الأموال، فكذلك في النساء، و الذرية لا يردّ عليهم ما أخذ منهم قبل الفتح، ولا يؤخذ ما كان في أيديهم وقت المن.
ثم فرق بين الرجال وبين الأموال والذرية، مَن وقع في أيديهم من الرجال قبل الفتح والظهور عليهم، إذا رأى الإمام أن يردّ عليهم بعد المن، كان له ذلك، ولا ينبغى له أن يفعل ذلك فيما سوى الرجال.
والفرق: أن رأي الإمام في الرجال أعمّ منه في غيرهم، ألا ترى أنه لو رأى قتل الرجال بعد الإحراز كان له ذلك، فلمّا كان له أن يبطل حق الغانمين في الرجال بالقتل،
стр. 2029
جاز له أن يبطل حقهم في الرجال (١) بالمن تكثيرا للاكرة للمسلمين، أما فيما سوى الرجال ليس للإمام ذلك فافترقا.
الفصل الثاني من الباب:
إذا ظهر الإمام على بلدة من بلاد أهل الحرب، فطلبوا أن يصيروا ذمة للمسلمين، يؤدون الجزية، والخراج عن الأراضي، يجيبهم الإمام إلى ذلك؛ لأن الذمة خلف عن الإسلام، ولو طلبوا أن يعرض الإسلام عليهم، أجابهم إلى ذلك (٢)، فكذا إذا طلبوا عقد الذمة، إلا أن قبل الظهور عليهم يفترض إجابتهم إلى ذلك، لقوله ﵇، فيما يوصي به أميرَ الجيش: "ثم ادعهم إلى أعطاء (٣) الجزية، فإن أجابوكم فاقبلوا ذلك منهم، وكفّوا أيديكم عنهم" (٤).
فأما بعد الظهور عليهم، فالإمام فيه (٥) بالخيار على نحو (٦) ما قلنا، فإن منّ الإمام
стр. 2030
على الكفار، وأراد أن يوظف عليهم الخراج والجزية، فإنه يوظف، كما وظف عمر ﵁، روي عنه أنه لما فتح سَواد العراق، ومنّ بها عليهم، بعث عثمان بن حنيف (١)، وحُذيفة بن اليَمَان (٢) ﵄ ليَمسَحا سواد العراق، ويوظفا الخراج، فوظفا على كل جَريب (٣) يصلح الكرمَ عشرةَ دراهم، وعلى كل جريب يصلح للرطبة خمسة دراهم،
стр. 2031
وعلى كل جريب يصلح للزراعة قفيزا ودرهما (١).
فلما رجعا، وأخبرا بذلك عمر ﵁، قال لهما: "لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق"، فقالا (٢): "حملناها ما تطيق، ولبر زِدنا لأطاقَت" (٣) وقيل: بلغ ذلك ستة وثلاثين ألف ألف جريب.
ووضع عمر ﵁ الجزيةَ على ثلاث مراتب: على الفقير المعتمل اثني عشر درهما، وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهما، وعلى (٤) الفائق في الغِنى ثمانية وأربعين درهما (٥).
أراد بالمعتمل: القادر على العمل (٦)، وإنما اعتبر القدرةَ على العمل؛ لأن الجزية لا
стр. 2032
تجب إلا على المقاتل، ومن لا يقدر على العمل لا يقدر على القتال.
وتكلموا في تفسير المعسر والمتوسط، قال الفقيه أبو جعفر: أصح ما قيل فيه، أن يعتبر فيه العرف، في كل مكان.
فإن أراد الإمام أن يوظف الخراج على الأراضي التي غلب عليها المسلمون، ومنّ بها على أهلها، ويريد أن يزيد على وظيفة عمر ﵁، قال أبو يوسف: ليس له أن يزيد، وقال محمد: له ذلك إذا أطاقت.
وأجمعوا على (١) أنه لا يملك الزيادة في الأراضي التي وظفها عمر ﵁، وكذا لو وظف الإمام على أرض مثل توظيف عمر ﵁، ثم أراد أن يزيد، لا يملك وإن أطاقت، وكذا لو أراد الزيادة على خراج الجماجم، لا يملك في قولهم.
ولو انتقص رَيع الأراضي، وقلّت طاقتها، تنقص عن الوظيفة في قولهم.
لمحمد أن الوظيفة مقدرة بالطاقة، ولهذا لو قلّت الطاقة تنتقص، فإذا ازدادت وجب أن يملك الزيادة، اعتبارا للزيادة بالنقصان.
ولأبي يوسف أن المقادير لا تعرف قياسا، فيجب علينا اتباع الأثر، ولا نصّ في الزيادة، ألا ترى أن عمر ﵁ أخبر بالطاقة، فقالا: "لو زدنا لأطاقت"، ولم يزد، علم أنه لا تجوز الزيادة،، وكان قضاؤه بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم، فحلّ محل الإجماع.
وإن أراد الإمام (٢) أن يزيد على الوظيفة من غير طاقة، لا يجوز في قولهم، وكذا
стр. 2033
لو وظف الخراج من الدراهم، ثم أراد أن يحول إلى المقاسمة، أو آراد أن يحول من المقاسمة إلى الدراهم، لا يفعل ذلك؛ لأنه نقض العهد، وأنه حرام.
فإن فعل ذلك ثم ولي بعده، وإلى آخر يرى (١) خلاف الأول، هل للثاني أن ينقض ما فعل الأول؟ قال: إن فعل الأول بطيب أنفسهم لا ينقض؛ لأن فعل الأول ما كان نقضا للعهد، ولا غدرا بهم، بل كان صلحًا.
وإن كان الأول فعل بغير طيب أنفسهم، فهو عنى وجهين: إن كانت الأراضي فُتحت صلحا قبل أن يظهر الإمام عليهم، فإن الثاني يبطل (٢) ما صنع الأول؛ لأنهم قبلوا الذمة بشرط، فيجب علينا مراعات الشروط، ولا يجوز تغييره.
وإن كانت الأراضي فتحت عنوةً، ثم منّ الإمام بها غلى أهلها، فإن الثاني يمضي ما فعل الأول، وليس له أن ينقضه؛ لإن قضاء الأول صادَف محلا مجتهدا فيه؛ لأن بين العلماء اختلافا في الأراضي الي فتحت عنوة، قال بعضهم: هم عبيد للمسلمين، والأراضي مملوكة. للمسلمين، وما وضع عليهم فهو كالضريبة الي يضربها المولى على عبده، إن شاء زاد عليه، وإن شاء نقص، وهكذا قالوا في سَواد العراق.
وعندنا: هم أحرار، وأراضيهم مملوكة لهم، يرث بعضهم بعضا، وما يؤخذ منهم خراج، فإن كان الأمر كما قال الأولون، كان للأمام أن يزيد، وله أن يحوّل من وظيفة إلى وظيفة، فقضاء الأول صادف محل الاجتهاد، فنفذ، فلا يكون لغيره أن يبطله.
قال (٣) وإذا صالح الإمام أهل دار من هذه الدور التي وصفنا، كل سنة على دراهم
стр. 2034
معلومة، أو على كيل معلوم من الطعام، أو على عدد معلوم من الثياب، عن جَماجمهم وأراضيهم، جاز (١)، لما روي أن النبي ﷺ صالح أهلَ نجران كل سنة على ألف ومائتي حُلّة من ثيابهم، وفي رواية: على ألفي حُلةّ من ثيابهم (٢)، يؤذون النصف في المحرم، والنصف في رجب (٣).
وله الخيار في ذلك، إن شاء جمج بين الأراضي والجماجم، فيجعل لهما جراجا واحدا، وإن شاء أفرد كل واحد منهما، فإن جمع بينهما، يقسم ذلك على الجماجم والأراضي على قدر حال الجماجم وعددهم، وعلى قدر الأراضي بالعدل والإنصاف.
فما أصاب الجماجم فهو جزية، يقسم على المعتملين على الترتيب الذي ذكرنا، ولا يدخل فيه غير المعتمل، والزمنَى، والنساء، والصبيان؛ لأن الجزية لا تكون على هؤلاء (٤)، وما أصاب الأراضي يكون خراجا، يقسم على الأراضي على قدر ريعها،
стр. 2035
على الترتيب الذي ذكرنا؛ لأنه قابل المال بالكل.
ولا وجه لإهمال الجماجم عن الجزية، ولا لإخلاء الأراضي عن الخراج، فيجعل عنهما، ويقسم بينهما على الحصص (١)، كما لو باع عبدا وجارية بألف، يقسم الألف بينهما على قدر قيمتهما.
فإن قلّت الجماجم بالإسلام أو بالموت ينقض عنها، وينقل ذلك إلى الأراضي إن احتملت.
وكذا لو هلك الجماجم كلها، ردّت حصتها إلى الأراضي إن أطاقت، وإن لم تطق يطرح ذلك.
أما إذا احتملت الأراضي لا يطرح، ويحول إلى الأراضي؛ لما ذكرنا أن الأراضي أصل في المن، والرقاب تَبع، وفوات التبع لا يوجب طرح شئ من البدل، كما لو اشترى أرضا فيها نخيل، فاحترقت النخيل قبل القبض، لا يسقط شئ من الثمن، كذا ههنا.
وإن كانت الأراضي لا تحتمل حصة الرقاب يوظف على الأراضي بقدر ما تطيق، ويسقط الباقي اعتبارا للإنتهاء بالإبتداء، فإن كثرت الجماجم بعد ذلك، ردّت إلى الجماجم حصتها؛ لأن الطرح والتحويل كان بحكم الضرورة، وقد زالت.
وإن هلكت الأراضي، بأن غرقت أو نزّت (٢)، وبقيت الجماجم، لا تحول حصة