← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وعلى كل جريب يصلح للزراعة قفيزا ودرهما (١). فلما رجعا، وأخبرا بذلك عمر ﵁، قال لهما: "لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق"، فقالا (٢): "حملناها ما تطيق، ولبر زِدنا لأطاقَت" (٣) وقيل: بلغ ذلك ستة وثلاثين ألف ألف جريب. ووضع عمر ﵁ الجزيةَ على ثلاث مراتب: على الفقير المعتمل اثني عشر درهما، وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهما، وعلى (٤) الفائق في الغِنى ثمانية وأربعين درهما (٥). أراد بالمعتمل: القادر على العمل (٦)، وإنما اعتبر القدرةَ على العمل؛ لأن الجزية لا

стр. 2032

تجب إلا على المقاتل، ومن لا يقدر على العمل لا يقدر على القتال. وتكلموا في تفسير المعسر والمتوسط، قال الفقيه أبو جعفر: أصح ما قيل فيه، أن يعتبر فيه العرف، في كل مكان. فإن أراد الإمام أن يوظف الخراج على الأراضي التي غلب عليها المسلمون، ومنّ بها على أهلها، ويريد أن يزيد على وظيفة عمر ﵁، قال أبو يوسف: ليس له أن يزيد، وقال محمد: له ذلك إذا أطاقت. وأجمعوا على (١) أنه لا يملك الزيادة في الأراضي التي وظفها عمر ﵁، وكذا لو وظف الإمام على أرض مثل توظيف عمر ﵁، ثم أراد أن يزيد، لا يملك وإن أطاقت، وكذا لو أراد الزيادة على خراج الجماجم، لا يملك في قولهم. ولو انتقص رَيع الأراضي، وقلّت طاقتها، تنقص عن الوظيفة في قولهم. لمحمد أن الوظيفة مقدرة بالطاقة، ولهذا لو قلّت الطاقة تنتقص، فإذا ازدادت وجب أن يملك الزيادة، اعتبارا للزيادة بالنقصان. ولأبي يوسف أن المقادير لا تعرف قياسا، فيجب علينا اتباع الأثر، ولا نصّ في الزيادة، ألا ترى أن عمر ﵁ أخبر بالطاقة، فقالا: "لو زدنا لأطاقت"، ولم يزد، علم أنه لا تجوز الزيادة،، وكان قضاؤه بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم، فحلّ محل الإجماع. وإن أراد الإمام (٢) أن يزيد على الوظيفة من غير طاقة، لا يجوز في قولهم، وكذا

стр. 2033

لو وظف الخراج من الدراهم، ثم أراد أن يحول إلى المقاسمة، أو آراد أن يحول من المقاسمة إلى الدراهم، لا يفعل ذلك؛ لأنه نقض العهد، وأنه حرام. فإن فعل ذلك ثم ولي بعده، وإلى آخر يرى (١) خلاف الأول، هل للثاني أن ينقض ما فعل الأول؟ قال: إن فعل الأول بطيب أنفسهم لا ينقض؛ لأن فعل الأول ما كان نقضا للعهد، ولا غدرا بهم، بل كان صلحًا. وإن كان الأول فعل بغير طيب أنفسهم، فهو عنى وجهين: إن كانت الأراضي فُتحت صلحا قبل أن يظهر الإمام عليهم، فإن الثاني يبطل (٢) ما صنع الأول؛ لأنهم قبلوا الذمة بشرط، فيجب علينا مراعات الشروط، ولا يجوز تغييره. وإن كانت الأراضي فتحت عنوةً، ثم منّ الإمام بها غلى أهلها، فإن الثاني يمضي ما فعل الأول، وليس له أن ينقضه؛ لإن قضاء الأول صادَف محلا مجتهدا فيه؛ لأن بين العلماء اختلافا في الأراضي الي فتحت عنوة، قال بعضهم: هم عبيد للمسلمين، والأراضي مملوكة. للمسلمين، وما وضع عليهم فهو كالضريبة الي يضربها المولى على عبده، إن شاء زاد عليه، وإن شاء نقص، وهكذا قالوا في سَواد العراق. وعندنا: هم أحرار، وأراضيهم مملوكة لهم، يرث بعضهم بعضا، وما يؤخذ منهم خراج، فإن كان الأمر كما قال الأولون، كان للأمام أن يزيد، وله أن يحوّل من وظيفة إلى وظيفة، فقضاء الأول صادف محل الاجتهاد، فنفذ، فلا يكون لغيره أن يبطله. قال (٣) وإذا صالح الإمام أهل دار من هذه الدور التي وصفنا، كل سنة على دراهم

стр. 2034

معلومة، أو على كيل معلوم من الطعام، أو على عدد معلوم من الثياب، عن جَماجمهم وأراضيهم، جاز (١)، لما روي أن النبي ﷺ صالح أهلَ نجران كل سنة على ألف ومائتي حُلّة من ثيابهم، وفي رواية: على ألفي حُلةّ من ثيابهم (٢)، يؤذون النصف في المحرم، والنصف في رجب (٣). وله الخيار في ذلك، إن شاء جمج بين الأراضي والجماجم، فيجعل لهما جراجا واحدا، وإن شاء أفرد كل واحد منهما، فإن جمع بينهما، يقسم ذلك على الجماجم والأراضي على قدر حال الجماجم وعددهم، وعلى قدر الأراضي بالعدل والإنصاف. فما أصاب الجماجم فهو جزية، يقسم على المعتملين على الترتيب الذي ذكرنا، ولا يدخل فيه غير المعتمل، والزمنَى، والنساء، والصبيان؛ لأن الجزية لا تكون على هؤلاء (٤)، وما أصاب الأراضي يكون خراجا، يقسم على الأراضي على قدر ريعها،

стр. 2035

على الترتيب الذي ذكرنا؛ لأنه قابل المال بالكل. ولا وجه لإهمال الجماجم عن الجزية، ولا لإخلاء الأراضي عن الخراج، فيجعل عنهما، ويقسم بينهما على الحصص (١)، كما لو باع عبدا وجارية بألف، يقسم الألف بينهما على قدر قيمتهما. فإن قلّت الجماجم بالإسلام أو بالموت ينقض عنها، وينقل ذلك إلى الأراضي إن احتملت. وكذا لو هلك الجماجم كلها، ردّت حصتها إلى الأراضي إن أطاقت، وإن لم تطق يطرح ذلك. أما إذا احتملت الأراضي لا يطرح، ويحول إلى الأراضي؛ لما ذكرنا أن الأراضي أصل في المن، والرقاب تَبع، وفوات التبع لا يوجب طرح شئ من البدل، كما لو اشترى أرضا فيها نخيل، فاحترقت النخيل قبل القبض، لا يسقط شئ من الثمن، كذا ههنا. وإن كانت الأراضي لا تحتمل حصة الرقاب يوظف على الأراضي بقدر ما تطيق، ويسقط الباقي اعتبارا للإنتهاء بالإبتداء، فإن كثرت الجماجم بعد ذلك، ردّت إلى الجماجم حصتها؛ لأن الطرح والتحويل كان بحكم الضرورة، وقد زالت. وإن هلكت الأراضي، بأن غرقت أو نزّت (٢)، وبقيت الجماجم، لا تحول حصة

стр. 2036

الأراضي إلى الجماجم؛ لأن الجماجم تبع، وعند هلاك الأصل لا يجعل كل البدل بمقابلة التبع، بل يسقط حصة الأصل، كما لو اشترى أرضا فيها نخيل، فنزت الأرض. ولو لم تهلك الأراض، و (١) لكن قَلّ رَيعها، نقصت حصتها، وحولت إلى الجماجم إن أطاقت، فإن عاد ريع الأراضي بعد ذلك حول إليها ما زيدت على الجماجم، وكذا لو لم يقل رَيع الأراضي، ولكن كثرت الجماجم، ينقص عن الأراضي، وينقل إلى الجماجم بقدر ما تحتمل، كلما لو ازدادت النخيل قبل القبض، فإنه ينقص من حصة الأرض، ويحوّل إلى النخيل. هذا إذا جمع بين الرقاب والأراضي في الصلح، وأجمل البدل، فإن أفرد كل واحد منهما، وسمّى للجماجم حصة معلومة، وللأراضي كذلك، لا يدخل إحداهما على الأخرى على كل حال، بل يطرح ذلك إلى أن يحتمل، فلا يحوّل شئ من الجماجم إلى الأراضي، ولا من الأراضي إلى الجماجم؛ لأن الأراضي وإن كانت أصلا في المنّ، إلا أنه لمّا أفرد كل واحد منهما بالبدل، يصير التبع أصلا، كما لو اشترى أرضا فيها نخيل، وسمى لكل واحد منهما ثمنا، فاحترقت النخيل، فإنه يسقط حصتها، كذلك هنا. ولو صالحهم الإمام على مال معلوم، على أن يأخذ ذلك من الرؤس خاصة، أو من الأراضي خاصة، لا يصح هذا الشرط؛ لأن فيه إهمال الجماجم عن الجزية، أو إخلاء الأراضي عن الخراج، وذلك باطل، إلا أن عقد الذمة لا يبطل بالشروط الفاسدة، فإذا بطل الشرط، وبقي الصلح، صار كأنه أجمل البدل، وأطلق العقد، ويقسم المال على الجماجم والأراضي على الترتيب الذي ذكرنا.

стр. 2037

قال (١) وإن صالح الإمام أهلَ دار من هذه الدور التي وصفناها على مال معلوم، ثم أراد أن ينقلهم عن دارهم إلى أرض أخرى، وينقل إلى دارهم قوما آخرن من الذمة، ذكرنا أنه لا يفعل ذلك إلا من عذر، فإن فعل يعذر. فإن شاء قوّم أراضيهم بالدراهم والدنانير، وأعطاهم ثمن دارهم، كما فعل عمر ﵁ بيهود وادي القرى. وإن شاء عوّضهم مثل أراضيهم، كما فعل عمر ﵁ بأهل نجران، أعطاهم بالشام والعراق بلادا مثل بلادهم (٢)، وإن كان فيه إزالة ملكهم من غير (٣) رضاهم، إلا أن فيه صلاح المسلمين، فيجوز، كما لو احتاج الإمام إلى أن يجعل أرض رجل طريقا للعامة، وإذا فعل ذلك كان على كل فريق خراج رؤسهم ما كانت عليهم قبل التحويل. فأما خراج الأرض اختلفت فيه الرواية: ذكر هنا ما يدل على أنه يجب على كل فريق خرج الأرض التي انتقل عنها، لا خراج الأرض التي انتقل إليها، وذكر في رواية أنه يجب على كل فريق خراج الأرض التي انتقل إليها، لا خراج الأرض التي انتقل عنها، وهو الصحيح. وجه ما ذكرهنا: أن هذا مال وجب بالصلح والإلتزام، وإنما التزم كل فريق خراج

стр. 2038

الأرض التي انتقل عنها، وقد جاء عن عمر ﵁ أنه كان يأخذ من أهل نجران الخراج التي كانت عليهم قبل التحويل. وجه الرواية الأخرى ما أشار إليه محمد: أن هذه معاوضة، جرت من الإمام، فيعتبر بما لو حصلت بين الفريقين، ولو تبايع رجلان أرضا بأرض كان على كل واحد منهما في المستقبل خراج الأرض التي اشترى، لا خراج ما باع، كذلك هنا. قال بعض مشايخنا: ليس في المسألة اختلاف الروايتين، لكن ما ذكر هنا محمول على ما إذا لم يكن على الأراضي التي انتقل إليها وظيفة، وكانت الأراضي التي انتقل عنها عليها وظيفة، فيؤخذ مهم خراج ما انتقلوا عنها. وقال بعضهم: ما ذكر هنا محمول على ما إذا كان الصلح على الأراضي والجماجم جملةً، وفي هذا الوجه لا يمكن طرح شئ من المال، ولا تحويل حصة الأراضي إلى الجماجم، فإذا وجب عليهم في الخراج ما كان عليهم قبل التحويل، فكذلك في الاراضي يجب عليهم ما كان في الماضي. وما ذكر في الرواية الأخرى محمول على ما إذا كان الصلح مفرقا، فسَمى للجماجم (١) مالا على حدة، وللأراضي مالا على حدة، وفي هذا الوجه يجب على كل فريق منهما (٢) خراج ما انتقل إليها. فإن كانت إحدى البلدتين خيرا من الأخرى، زاد الذين حولهم عن بلادهم إلى البلاد الرديئة في المساحة حنى يأخذوا مثل ما أخذ منهم في القيمة نظرا للجانبين.

стр. 2039

فإن أسلم أهل دار من هذه الدور التي وصفنا بعد ما وضع الجزية على جماجمهم، والخراج على أراضيهم، سقطت الجزية عنهم (١)، وبقي الخراج، أما سقوط الجزية بالإسلام (٢)؛ لأن في إبقائها بعد الإسلام ذلا وهَوانا بالمسلم، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) وأنه لا يجوز، وأما بقاء الخراج؛ لأنها مؤنة، والإسلام لا يمنع المؤنة. وروي أن دهقانة نَهرِ الملك (٤) أسلمت (٥) على عهد عمر رضى الله عنه، وكان يأخذ منها الخراج، وروي أن جماعة من الصحابة (٦) ﵃ كانت لهم أرض

стр. 2040

بالسواد، وكانوا يؤدون الخراج. ولأنا لو أسقطنا الخراج بالإسلام نحتاج إلى وضع وظيفة أخرى، لتعذر إخلاء الأرض عن المؤنة، فكان إبقاء ما كان أولى، بخلاف الجزية. فإن رأى الإمام أن يجعلها عُشرية بعد الإسلام، ليس له ذلك، لما قلنا، فإن جعلها عشرية، ثم ولي والي (١) آخر، وأراد أن يُبطل ما صنع الأول، ليس له ذلك؛ لأن قضاء الأول صادف موضع الاجتهاد، فإن مالكا ﵀ يقول: "خراج الأرض يسقط بالإسلام، ويصير عشرية"، وأصح في ذلك (٢) أن عمر ﵁ لم يأخذ خراج الأرض ممن أسلم من أهل نجران. وعندنا خراج الأرض لا يسقط بالإسلام، لما روينا من الآثار، وأما حديث أهل نجران، فتأويله أن ذلك كان في أرض العرب، وكما لا يجوز ضرب الرق على العرب، لا يوضع الخراج على أرض العرب، وكلامنا في أرض غير العرب، فلما كان الموضع موضع

стр. 2041

اجتهاد، نفد قضاء الأول، فلا يجوز إبطاله. قال (١) ولو لم يسلم أهل الدار ولكن حوّلهم الإمام عن دارهم بعذر، ونقل إلى دارهم قوما مسلمين، بقت الأراضي خراجية، كما لو أسلم أهلها، أو اشتراها مسلم. ثم ينظر: إن كان الإمام حين صالحهم جعل على الجماجم مالا معلوما، وعلى الأراضي مالا معلوما، كانت الجزية على جماجمهم، وخراج الأرض (٢) على المسلمين الذين انتقلوا إلى دارهم، وإن كان الصلح جملة على وظيفة، يقسم ذلك المال على الجماجم والأراضي، على الترتيب الذي ذكرنا، فما أصاب الأراضي يكون على هؤلاء المسلمين، وما أصاب الجماجم على الذين أخرجوهم من دارهم (٣)، وليس للإمام أن يجعل هذه الأراضي عشرية، فإن جعلها عشرية، نفذ حكمه. قال (٤): وإذا غلب أهل الحرب على بلدة من بلاد الإسلام -والعياذ بالله- وصارت تلك (٥) الدار دارَ حرب باستجماع الشرائط، ثم ظهر الإمام عليهم، فقسم الأراضي بين الغانمين، أو من بها عليهم، ثم حضر أربابها الذين كانوا قبل الاستيلاء، فإن وجدوها قبل القسمة وقبل المنّ، أخذوها بغير شئ (٦)، وإن وجدوها بعد إلقسمة أخذوها بالقيمة إن

стр. 2042

شاؤا (١)، وكانت القيمة للغانمين، به ورَدَت السنة عن رسول الله ﷺ (٢). وإن وجدوها بعد ما منّ عليهم برقابهم وأراضيهم، أخذوها بالقيمة، وكانت تلك (٣) القيمة لهم؛ لأنهم ملكوها بالمن ملكا مبتدأ، وأملاكهم معصومة، فلا يجوز إبطالها، إلا بعوض يصل إليهم. فإن أسلموا قبل ظهور الإسلام عليهم، أو قبلوا الذمة قبل "ظهور الإمام (٤) عليهم، سلمت لهم الأراضي، ولا يكون للمالك القديم أن يأخذ؛ لأن الأراضي كانت ملكا للكفار قبل الإسلام، فإذا أسلموا تقرر ملكهم، لقوله ﵇: "من أسلمَ على مالٍ فهو له" (٥)، ولهذا سلمت لهم العروض وغير ذلك، فكذلك الأراضي.

стр. 2043

ثم في المواضع التي (١) أخذها المالك بالقيمة أو بغير شئ؛ عادت على ما كانت في القديم، إن كانت خَراجية تعود خراجية، وإن كانت عُشرية تعود عشرية؛ لأن الآخذ أعاده إلى قديم ملكه، حتى كان له أن يردّه على بائعه وغير ذلك، فإذا عادت إليه على (٢) قديم ملكه، بعود (٣) بتلك الصفة. الفصل الثالث من الباب: صاحب أرض الخراج إذا عجز عن زراعة الأرض وأداء الخراج، أجّرها الإمام ممن يقوى على الزراعة (٤)، ويأخذ الخراج من الأجرة، فإن فضل من الأجرة شئ يدفع فضل الأجرة (٥) إلى صاحبها؛ لأنه لا وجه إلى إزالة ملكه بغير رضاه من غير ضرورة، ولا وجه لتعطيل حق المقاتلة. فإن لم يجد من يستأجرها باعها ممن يقوى على الخراج، وليس له أن يملكها غيره بغير عوض، لما فيه من إبطال الملك المعصوم بغير عوض. وإذا باعها يأخذ الخراج من الثمن، إن كان (٦) على صاحبها خراج، فإن فضل شئ

стр. 2044

من الثمن صرفه الفضل (١) إلى المالك؛ لأنه بدل ملكه، قيل هذا قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن عندهما القاضي يملك بيع مال المديون بالدين والنفقة، وأما عند أبي حنيفة القاضي لا يملك ذلك، فلا يبيع الإمام، لكنه (٢) يأمر المالك بالبيع. وقيل: لا بل هذا قول الكل؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر لمنفعة تعود إلى (٣) العامة، كما يرى الحجر على الطبيب الجاهل، والمفتي الجاهل، والمكاري المفلس (٤)، وضرر تعطيل الخراج يرجع إلى عامة المسلمين؛ ولأن الخراج حق متعلق برقبة الأرض، فصار كالعبد المدبر (٥) في التركة فيها الدين، وثمّة القاضي يملك البيع، كذلك هنا. -والله أعلم-

стр. 2045

باب النزول على الحكم بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن الصلح على المجهول باطل (١)؛ لأن الصلح شرع لقطع الخصومة، والصلح على المجهول لا يقطع الخصومة. والثاني: أن حكم الحكم إذا خالف حكم الشرع لا ينفذ، كحكم القاضي. وفي الباب فصلان: النزول على حكم الله تعالى، والثاني (٢) النزول على حكم فلان. أما الأول: قال محمد ﵀: إذا حاصر المسلمون على الكفار (٣) حصنا أو بلدة، فطلبوهم أن ينزلوهم على حكم الله تعالى، فليس لهم أن ينزلوهم على حكم الله تعالى، وعن أبي يوسف أنه لا بأس به (٤)؛ لأنهم طلبوا النزول على حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى في الكفار وهو الدعاء

стр. 2046

إلى الإسلام، فإن أبوا يعرضّ عليهم الإسلام (١) (فإن أبوا فعَرض الجزية) (٢)، فإن أبوا تقتل المقاتلة، وتسبي النساء والذرية. ثبت ذلك بالكتاب والسنة، قال الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٣)، وقال ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (٤)،

стр. 2047

وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). والدليل عليه أن بني قُريظة نزلوا على حكم الله تعالى (٢)، فحكَم سعد بن معاذ ﵁ بقتل مقاتلتهم، وسبي نسائهم وذريتهم (٣)، فجّوز ذلك رسول الله ﷺ ، وقال: "لقد حكمت بحبهم الله تعالى من فوق سبعة أرقِعَة (٤) " (٥). وجه ظاهر الرواية: ما روي أنَ النبي ﷺ أنه قال (٦) في وصيته لأمراء السرايا: "إذا حاصرتم حصنا، وأرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله، فلا تنزلوهم،

стр. 2048

فإنكم ما تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمهم" (١) (٢).

стр. 2049

نهى عن الإنزال على [حكم] (١) الله تعالى، وأشار إلى أنه لا يدري؛ لأن حكم الله تعالى ما هو حق قطعا، ويضاف إلى الله تعالى من غير تردّد، وأما (٢) المجتهد لا يصيب لا محالة، فلا ينبغي للإمام أن يجيبهم إلى ذلك؛ لأنه لا يقدر على المطلوب. وما قال: بأن حكم الله تعالى في الكفار معلوم. قلنا: ما ذكر من الحكم فهو حكم الله تعالى في الكفار الذين قهرناهم، وظهرنا عليهم عنوةً، وأما الحكم في الذين تركوا الحراب قبل الظهور عليهم، وطلبوا منا النزول على حكم الله تعالى غير معلوم؛ ولأنهم نزلوا على حكم يتفق الفريقان على أنه حكم الله تعالى فيهم، وهؤلاء ما اعترفوا أن حكم الله تعالى فيهم أحد هذه الأشياء الثلاثة، إذ لو اعترفوا بذلك لانقادوا، وآمنوا به، أو قبلوا الذمة (٣). وهذا بناء على أن المجتهد يخطئ ويصيب. وقال بعض الناس: يصيب لا محالة. وحكي أن أبا يوسف دخل على الخليفة يوما وعنده العلماء، يتكلمون في هذه المسألة، وارتفعت أصواتهم، فقال الخليفة: أتاكم القاضي ليفصل بينكم، وسأله عن هذه المسئلة، فقال: "هذا مما لا يعنيني"، فأمر الخليفة بأن يعطى له مائة ألف درهم، وأمر بأن يكتب: "أعطي أبو يوسف مائة ألف درهم بتركه مالا يعنيه"، ثم قال: لا بد أن تقول: فقال: يخطئ ويصيب". واستدل بهذا الخبر، فإنه لو كان مصيبا لا محالة لما قال ﵇ ذلك، إلا أنه إن

стр. 2050

أخطأ لا يأثم، بل (١) يثاب، قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢)، أثنى عليهما، وبيّن أنه أصابها أحدهما، وقد جاء في الأخبار أنه إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد (٣). هذا كالتحرّي في أمر القبلة، فإن الله تعالى جعل الكعبةَ قبلة، وأمر الناس بالتوجه إليها في الصلاة، وأمر بالتحري عند الاشتباه، ثم المتحري مرة يخطئ، ومرة يصيب، فهذا كذلك. فإن أخطأ الإمام، وأنزلهم على حكم الله تعالى، فإنه يدعوهم إلى الإسلام؛ لأن الدعاء إلى الإسلام (٤) حكم الله تعالى في حق كل كافر، فإن أسلموا فهم أحرار لا سبيل

стр. 2051

عليهم، ونساؤهم وذراريهم وأموالهم تسلم لهم (١)، لقوله ﵇:" فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" (٢)، ولأن إسلامهم في هذه الحالة كإسلامهم قبل النزول عن الحصن؛ لأنهم أسلموا طوعا قبل القهر والظهور عليهم، فصار كما لو أسلموا قبل النزول، ويضع على أراضيهم العشر؛ لأنهم صاروا من أهل توظيف العشر. وإن أبوا الإسلامَ جعلهم ذمة (٣)، يؤدون الجزية عن جماجمهم، والخراج عن الأرأضي؛ لأنا نعلم يقينا أن ردّهم إلى مأمنهم -ليكونوا حربا على المسلمين- ليس من حكم الله تعالى فيهم؛ ولأنهم كانرا بهذه الصفة قبل النزول، فإذا نزلوا، وتركوا ذلك باختيارهم (٤)، لم يكن مرادهم الرد إلى مأمنهم، بل تركوا ذلك إلى شئ آخر. ولا وجه للقتل والسبي؛ لأنهم نزلوا على حكم الله تعالى، ولا نعلم يقينا أن حكم الله تعالى في الذين تركوا الحرب طوعا، هو القتل والسبي لا محالة، وإنما عرفنا ذلك في الذين ظهرنا عليهم عنوة، فإذا تعذر القتل والأسترقاق، وتعذر الردّ إلى مأمنهم، صاروا مخشين في دارنا على التأبيد، والكافر لا يترك في دارنا على التأبيد من غير وظيفة، فتوضع عليهم الجزية والخراج، كما وضع على أهل الذمة. وعن أبي يوسف: أنه يجوز استرقاقهم؛ لأنهم أهل حرب لا أمان لهم، إلا أنهم لا

стр. 2052

يقتلون؛ لأن القتل يسقط بالشبهات (١)، وشبهة الأمان هي (٢) ثابتة، والشبهة تكفي لدرء القتل، ولا تكفي لدفع الرق، كما في حق النساء والصبيان. وجه ظاهر الرواية: أن السبي عرف في كافر أخرج عن منفعته قهرا، ولم يوجد، ألا ترى أن من أخرج عن المنفعة قهرا، يجوز سبيه وإن أسلم بعد القهر، وهؤلاء لو أسلموا لا يجوز استرقاقهم، علم أن قتالهم يخالف حال من أخرج عن منفعته قهرا. واستشهد محمد ﵀ لإيضاح هذه المسألة، فقال: ألا ترى أنه لو وقع الصلح بيننا وبين أهل الحرب (٣) بشرط الرهن من الجانبين، على أنه إن غدر أحد الفريقين، وقتل الرهن، فدماء الرهن الآخر حلال، فقتلوا رهنَنا، أيحل لنا أن نقتل رهنهم، ولم يوجد الغدر والخيانة من الرهن، لكنا نجعلهم ذمة يؤدون الجزية؛ لأنه تعذر ردّ رَهنهم لفوات الشرط، وهو ردّ رهننا، فصاروا محتبسين في دار الإسلام، كذلك هنا. وقد وقعت مسألة الرهن في زمن أبي حنيفة ﵀، فجمع أبو جعفر العلماء يستشيرهم، فأشاروا بقتل الرهن، فسأل أبا حنيفة، فقأل: ليس لك أن تقتلهم، فقال: ولم؟ وقد شرطنا عليهم شرطا، وكتبنا بذلك كتابا، فقال أبو حنيفة: " شرط الله أوثق، وكتاب الله أحق"، قال وما ذاك؟ قال: "كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤) فكيف تأخذ الرهن بجناية غيرهم، فغضب الخليفة، وقال: ما دعوتك لشئ إلا جئتني

стр. 2053

بمعضله، أخرج من عندي (١). فلما خرج ألقى في قلبه أن الصواب ما قاله أبو حنيفة ﵀، فدعاه وأكرمه، وقال له: أي شئ أفعل، فقال: اعرض الإسلام عليهم، فإن أبوا إجعلهم ذمة، وذلك لأنهم رضوا بالمقام في دارنا الى أن يرد علينا رهتنا، [وقد تعذر] (٢)، ووقع اليأس بقتلهم، فصاروا محتبسين في دارنا على التأبيد برضاهم، فتضرب عليهم الجزية، فاستحسن الخليفة ذلك، وأخذ بقوله (٣). الفصل الثاني (٤): وإن نزلوا على حكم رجل معلوم من المسلمين جاز (٥)، لقوله ﵇:" ولكن أنزلوهم على حكمكم"، وذلك لأن الحَكَم ممن يمكن الوقوف على حكمه، والأصل في جواز النزول علي حكم الحكَم حديث بني قريظة: أنهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، وقد ذكرنا. فإن حكم الحكَم بقتل مقاتلتهم، وسبي نسائهم (٦) وذريتهم صح؛ لأنه حكم بما يوافق

стр. 2054

الشرع، لحديث بني قريظة. وإن حكم بأن تسبى رقابهم صح، وإن حكم بالمنّ عليهم، وبضرب الجزية على جماجمهم، والخراج على أراضيهم، صحّ أيضا؛ فكل (١) ذلك يوافق حكم الشرع، ولايتعين فيهم حكم سعد بن معاذ ﵁، وإن شهد لصحة ذلك رسول الله صلى الله عليهم وسلم، لاحتمال أنه إنما حكم بذلك؛ لأنهم نقضوا العهد، وآذوا رسول الله ﷺ ، فلا تعين ذلك في حق غيرهم. وذكر الواقدي ﵀: أنهم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله وسلم إلا أن النبي ﷺ فوّض ذلك إلى سعد بن معاذ ﵁، وقّصة ذلك مذكورة في المغازي (٢). وإن حكم الحكَم بأن يردّوا إلى مأمنهم، فهو باطل؛ لأنه حكم بما (٣) يخالف حكم الشرع؛ ومما لم يدخل تحت الصلح أما لا يوافق حكم الشرع (٤) لأن (٥) ردّهم إلى مأمنهم

стр. 2055

جعلهم حربا على المسلمين، وذلك باطل، وأما لم يدخل (١) تحت الصلح دلالة؛ لأنهم كانوا في مأمنهم، فنزولهم طوعا يكون تركا لما كانوا عليه دلالة، فلا يصح حكمه (٢). فإن قال الحكَم بعد ذلك: دَعُوني حتى أحكم بقتل أو صبي، في القياس كان (٣) له ذلك، وينفذ حكمه الثاني، وفي الاستحسان لا يجوز حكمه الثاني. وجه القياس: أنه مأمور خالفَ فعلا، فلا يخرج به عن الحكومة، كالوكيل بالبيع بألف إذا باع بخمسمائة، لا يجوز هذا البيع (٤)، ولا يخرج به عن الوكالة. وللإستحسان وجهان: أحدهما: أن حكمه تضمن شيئين: أحدهما يوافق حكم الشرع، وهو إبطال القتل والسبي، والثاني يخالف حكم الرع، وهو الردّ إلى مأمنهم، فبطل ما يخالف، وصح ما يوافق، وتنتهي به الحكومة، فلا يجوز حكمه بعد ذلك بالقتل والسبي (٥). والوجه الثاني: أنه جار في حكمه حيث حكم بما يخالف الشرع، فينعزل. وهذا الكلام يرجع إلى أصل اختلف الناس فيه، قال بعضهم (٦): القاضي ينعزل

стр. 2056

بالجور والفسق، وكذا الحكم والأمير، واستدلوا بهذه المسألة. وعامة المشايخ قالوا: بأن القاضي لا ينعزل بالجور والفسق، وكذا الحكَم، وهو الصحيح (١)، وقد نصّ محمد ﵀ عليه في:"كتاب الحدود": أن القاضي لا ينعزل بالجور والفسق، لكنه يؤدّب ويُعزل (٢)، إلا إذا كان التقليد بشرط أنه لو جارَ ينعزل، فحيئذ ينعزل لانتهاء الأمر (٣). وحكي عن الفقيه أبي بكر الأعمش (٤) ﵀ أنه فرق بين الأمير، والقاضي،

стр. 2057

والحكم، فقال: القاضي والحكم ينعزل بالجور والفسق وكذا الحكم (١)، أما الأمير لا ينعزل؛ لأن مبنى القضاء والحكومة على العدل والإنصاف، فينعزل بضده، وأما مبنى الإمارة على القهر والغلبة (٢). ألا ترى أن الصحابة رضوان الله عليهنم تقلدوا الأعمال ممن جار وغلب، وصلوا خلفه، وجوّزوا أحكامه. وإذا انتهت حكومته، ولا يصح حكمه الثاني، صار حال هؤلاء كحال من تقدم في الفصل الأول: يعرض الإسلام عليهم، فإن أبوا توضع الجزية على رؤسهم، والخراج على أراضيهم، فإن الحكم بعد ما نزلوا على حكمه أما (٣) لا أقبل الحكومة، رردّدت الحكومة عليهم (٤)، صح ردّه، حتى لو حكم بعد ذلك لا يجوز حكمه؛ لأن ردّ الحكومة في وجههم فيخرج من الحكومة (٥)، كالوكيل بالبيع إذا عزل نفسه بمحضر من المؤكل قبل، البيع.

стр. 2058

وإذا خرج من الحكومة لا يجوز حمكه إلا بالإجازة، ويكون الحكم في حق هؤلاء ما هو الحكم في الذين نزلوا على حكم الله تعالى. وكذا لو مات الحكم قبل ردّ الحكومة قبل الحكم، كان حكم هؤلاء حكم من نزل على حكم الله تعالى، لتعذر الوصول إلى حكم الحكم. وإن شرطوا في الصلح أنه إن حكم فلان فحكمه ماض، وإن لم يحكم بلّغتمونا مأمننا صح، وكان الحكم على ما شرطوا؛ لأن الردّ إلى المأمن قد يستحق بحكم الشرط، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ الآية (١) ولو شرطوا في الصلح أنه إن حكم بأن يبلغوا مأمنهم، امضوا حكمه فكذلك، إن حكم الحكم برذهم (٢) إلى مأمنهم نفذ حكمه؛ لأنهم ما نزلوا إلا بهذا الشرط، والوفاء بالشرط واجب، قال ﵇: "الشرط أملك " (٣)، ولكن يكره للحكم أن يحكم به؛ لأن في الإعادة إلى مأمنهم إعادة إلى دار الحراب، وتكثير سَوادهم. - والله أعلم-

стр. 2059

باب ما استهلك من الغنائم بنى الباب على أن حق الملك لا يضمن بالإتلاف، وبدرء الحد والقصاص، أما لا يضمن بالإتلاف (١)؛ لأن مبنى الضمان على المماثلة، وحق الملك لا يماثل حقيقة الملك، فلا يستحق به إزالة الملك على المتلف، وأما منع الحد والقصاص؛ لأنه فوق الشبهة، وإنها تدرأ، فحق الملك أولى. وفي الباب فصلان: فصل في استهلاك الغنيمة، وفصل في الاستبراء. الفصل (٢) الأول: قال محمد ﵀: جيش دخلوا دار الحرب، فأصابوا غنائم وسبايا، ولم يخرجوها إلى دار الإسلام، ولم تقسم حتى فجَرَ رجل بامرأة من السبي، فخاف أن تخبر (٣) الإمام، فقتلها، ثم علم الإمام بما صنع، لم يكن عليه حد، ولا عقر، ولا ضمان (٤)، أما لا حد ولا قصاص؛ لأن سبب الملك قائم في حقه، وهو الاستيلاء، فأورث ذلك شبهة في المحل، كمن اشترى

стр. 2060

جارية بشرط الخيار للبائع، ووطئها، لا يجب عليه الحد؛ ولأن يد الكفار لم تنقطع من كل وجه، فبقيت شبهة الإباحة، ولو فعل ذلك قبل الإصابة لا يجب عليه حد ولا قصاص، فكذلك هنا. وأما عدم وجوب الضمان، فلأن الثابت للغزاة قبل الإحراز وقبل القسمة مجردّ الحق، أما ثبوت الملك متعلق بالإحراز والقسمة (١)، أما تعلق الحكم بتمام السبب، أو تعلق السبي (٢) بالشرط، ولهذا لو مات واحد منهم، لا يورث نصيبه (٣)، ويشاركهم المدَد، ومجرد الحق لا يضمن بالإتلاف، كما لو شهد شاهدان على رجل بتسليم الشفعة، وقضى القاضي بذلك، ثم رجعا، فإنهما لا يضمنان. لا يلزم على ما قلنا: الراهن إذا أتلف المرهون، فإنه يضمن، وإن لم يتلف الملك؛ لاْنا نقول (٤): المنفى زيادة الضمان على الأول، وفي فصل (٥) الرهن لا يجب الضمان على

стр. 2061

وجه يزول عن ملك الراهن، بل يبقى على ملكه، ويكون محتبسا عند المرتهن قائما مقام الأول، فكان مثل الأول. أما هنا لو وجب الضمان يزول عن ملكه، فيكون زيادة على الأول؛ ولأن حق المرتهن حق متأكد؛ لأنه لو ملك اليد لا تردّ عليه الإزالة إلا برضاه، ولهذا يجري فيه الإرث بمنزلة حق المكاتب، والحقوق المتأكدة ملحقة بالملك، فكان مضمونا بالإتلاف أما الحق في القيمة قبل الإحراز وقبل القسمة غير متأكد، فلا يضمن بالإتلاف. وكما لا يجب عليه (١) الضمان لا يجب العقر؛ لأن المستوفى بالوطئ بمنزلة الجزء، وإتلاف الكل لا يوجب الضمان، فإتلاف الجزء أولى، ولأن يد الكنهار باقية من وجه، فبقيت شهة الإباحة. وكذا لو استهلك مالا آخر، نحو الأسلحة والأمتعة والدواب (٢)، وكذا لو قتل صبيا أو امرأة، لا يضمن، لما قلنا، لكنه يؤدّب ويعزر في جميع ذلك (٣)؛ لأنه فوت على الإمام رأيه في الغنيمة (٤)، ولأنه لو لم يؤدّب يتجاسر عليه مثله، فيمتنع الملك للغانمين.

стр. 2062

وكذا لو كان المستهلك من غير الغانمين، لا يضمن، ويؤدب لما قلنا (١). وإن كانت لأنها لما احرزت بدار الإسلام (٢) انقطع يد الكفرة الغنائم أحرزت بدار الإسلام، ولم تقسم، والمسألة بحالها، يضمن جميع ما أتلف (٣)؛ يد عنها من كل وجه، فصارت ملكا للغانمين، أو تأكد حقهم فيها، ولهذا لو مات أحدهم يورث نصيبه (٤)، ولا يشاركهم المدد، وقيام الشركة العامة يمنع (٥) الضمان، كما لو أتلف شيئا من مال بيت المال. وإن قتل صبيا أو امرأة، لا يقتصّ منه (٦)؛ لأن له شركة في المقتول، فيدرء وجوب القصاص عنه، ثم ينظر إن كان القتل عمدا تجب القيمة (٧) في ماله في ثلاث سنين؛ لأن العاقلة لا تعقل العمد، وإن كان خطأ فعلى عاقلته في ثلاث (٨) سنين، كلما لو قتل شخصا آخر خطأ.

стр. 2063

وكذا لو زنى بامرأة من السبى لا يجب الحد (١)؛ لما قلنا في القصاص، ويجب العقر (٢) إعتبارًا لإتلاف الجزء بإتلاف الكل. وإن قتل رجلا من السبي، لا يجب عليه قصاص، ولا ضمان (٣) وكذا إذا قطع يده؛ لأن للإمام أن يقتل المقاتلة بعد الإحراز، إذا رأى المصلحة في ذلك (٤)، فكانوا مبقين (٥) علي الإباحة في حقه. ومن قتل مباح الدم لا يضمن (٦)، وإن لم يأمره الإمام، كما لو قتل مرتدا إلا أنه يؤدب؛ لأنه أفتات على الإمام رأيه، فيؤدب؛ ليكون زاجرا له ولغيره، وصار

стр. 2064

قتل الرجال بعد الإحراز كقتلهم قبل الإحراز (١). ولو قسم الإمام الغنائم بعد ما أحرزت بدار الإسلام، فأتلف رجل (٢) شيأ مما وقع في نصيب أصحابه، ضمن (٣). وإن قتل مملوكا من نصيب أصحابه عمدا، يجب القصاص، وإن كان خطأ تجب القيمة على عاقتله" (٤). ومن فجر بجارية من نصيب غيره، يحدّ (٥)؛ لأن كل واحد منهم ملك ملكا خاصا، وانتفت الشبهة من كل وجه، فإن (٦) كان المقتول مما وقع في الخمس، تجب القيمة، ولا يجب القصاص (٧)؛ لأن له حقا في الخمس، لو احتاج كان له أن يأخذ منه؛ لأن الخمس

стр. 2065

معَدّ للصرف إلى الفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل بمنزلة بيت المال ومن قتل عبدا من بيت المال لا يجب عليه القصاص؛ لمكان الشبهة، وتجب القيمة؛ لأن الشبهة لا تمنع وجوب الضمان، كذلك هنا، إلا أنه يؤدب ويعزر؛ لما قلنا. وإن رأى الإمام قسمة الغنائم في دار الحرب، وقسم فهو ومالو قسم في دار الإسلام سواء (١)؛ لأن القسمة في دار الحرب قضاء في موضع الإجتهاد، فنفذ، وملك كل واحد منهم (٢) ما أصابه ملكا خاصا، وانقطعت عنه (٣) الشركة، وانتفت الشبهة، فمن أتلف شيئا من نصيب غيره ضمن. وإن قتل عمدا هل يجب القصاص في دار الحرب، ذكر الزعفراني: أنه يجب إذا قتل في ولاية الأمير، وهذا ظاهر فيما إذا كانت القسمة (٤) بين الغانمين (٥) من الإمام؛ لأن له ولاية استيفاء القصاص، وإقامة الحد، فأما أمير الجند فليس له ذلك (٦)، هكذا ذكر الكرخي في مختصره.

стр. 2066

فإن كان المقتول من الخمس، يجب الضمان، ولا يجب القصاص لما ذكرنا في الوجه الأول (١)، وكذا لو باع الإمام الغنائم في دار الحرب، فبيعه بمنزلة القسمة. ولو نَفَّل (٢) الإمام سرية، وقال: "ما أصبتم فهو لكم"، فأصابوا غنائم، ملكوا الأموال بنفس الإصابة (٣)، من مات منهم يورث نصيبه، ولا يشاركهم المدد؛ لأن التنفيل تحريض على القتال بوعد الغنيمة، وذلك لا يتحقق إلا بالتمليك بنفس الإصابة، فكان التنفيل بمنزلة القسمة، وإذا ثبت الملك بنفس الإصابة، فإذا أتلفه إنسان ضمن. وكذا لو قال الإمام (٤): "من قتل قتيلا فله سلبة"، فهو جائز، ومن قتل قتيلا كان سلبه له بنفس القتل، حتى لو أتلفه إنسان ضمن (٥). وسلبه دابّته التي كان عليها، وسلاحه، وسرجه، وجميع ما كان معه من الذهب، والفضة، والثياب (٦)، فأما مالُه عدى دابة أخرى، أو في المعسكر من الأموال والعبيد،

стр. 2067

فليس ذلك من سلبه؛ لأن "السلب" إسم لما يسلب منه، وإنما يسلب منه ما كان معه، أو حاملا له، أما غير ذلك لا يسلب منه (١). ولو ظهر الإمام على بلدة من بلاد أهل الحرب، وأجرى فيها أحكام الإسلام (٢)، فإنها تصير" دار الإسلام" بالإجماع، ويكون (٣) الإمام بالخيار إن شاء مَنّ عليهم، وإن شاء قسم على الوجه الذي ذكرنا (٤). فإن لم يختر الإمام (٥) شيئا حتى أتلف رجل من الغانمين شيئا من تلك الأموال ضمن؛ لأن هذا الموضع لما صار دارَ الإسلام كانت الغنائم محرزة بدار الإسلام، فكان حكم هذه الأموال حكم الغنائم بدار الإسلام. ولو قتل رجلا من الغنيمة، لا يجب عليه ضمان ولا قصاص (٦)، كما لو قتل رجلا منهم بعد الإحراز بدار الإسلام. ثم ينظر: إن رأى الإمام قِسمتها بين الغانمين ضمّ ضمان المتلف إلى ذلك، فيقسم

стр. 2068

الكل؛ لأن الضمان بدل عن المتلف قائم مقامه، ولو كان المتلف قائما يدخل في القسمة، فكذا الضمان. لأن رأى الإمام (١) أن يجعلهم ذمة يؤدون الخراج، ومَنّ عليهم بأموالهم جاز، ويكون قيمة المستهلك للغانمين، ولا حق لأهل الذمة فيه؛ لأن الغنيمة عند الاستهلاك كانت للغانمين، وإنما ثبت الحق لأهل الذمة بالمن، فلا يظهر حقهم في المستهلك، كما لا يظهر في المأخوذ منهم قبل الفتح. وإذا بقي الضمان للغانمين يأخذ منه الخمس، ويقسم أربعة أخماسه بينهم، فإن كان لا يحتمل القسمة لقلّته، وكثرة الغانمين، وضعه في بيت مال الخراج والجزية؛ لأنه لما منّ عليهم بالرقاب والأراضي، ووضع الجزية والخراج عليهم، فقد جعل الكل مصروفا إلى المقاتلة معنى، والضمان بدل جزء من أجزاء (٢) الغنيمة، يصرف مصرف الكل. وإن لم يخرج الضمان من المستهلك حتى قسم الإمام الأراضي وما ظهر عليه بين الغانمين بعد رَفع الخمس، ثم خرج الضمان من المستهلك، ولم يحتمل القسمة لقلته، ولكثرة من أصابه، جعل ذلك للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، بخلاف ما لو منّ عليهم. والفرق أن الإمام في هذا الوجه لما (٣) قسم فقد قرر حق أصحاب الخمس في الخمس، وحق الغانمين في الباقي، فإن تعذر صرف أربعة أخماس الضمان إلى الغانمين، لم يتعذر الصرف إلى مصارف الخمس، فيصرف الكل إلى مصارف الخمس، أما قدر

стр. 2069

الخمس فظاهر، وأما أربعة أخماسه؛ فلأنه حق الغانمين، وقد تعذر الإيصال إليهم، فصار بمنزلة اللقطة، فيصرف إلى مصرف الخمس؛ لأنه محل حق (١) الفقراء. أما الوجه الأول لما مَنّ الإمام (٢) عليهم فقد أبطل حق أرباب الخمس أصلا، وجعل حق الغانمين في الجزية والخراج، فيصرف إلى بيت مال الخراج. وذكر محمد ﵀ في السير: والي العسكر إذا قسم الغنائم، وبقي شيء يسير لا يحتمل القسمة لقلته، فإنه يتصدق على المساكين؛ لأنه حق الغانمين، وقد تعذر الإيصال إليهم، فكان بمنزلة اللقطة، إلا أن في اللقطة ينتظر، رجاء أن يحضر صاحبها، وهنا لا ينتظر؛ لأن الإيصال إلى المالك متعذر. [الفصل الثاني: في الاستبراء] (٣) ولو نفل الإمام قوما جواري، وقال: "من أصاب جارية فهي له"، صح (٤)؛ ليكون تحريضا على القتال، فإن أصاب رجل جاريةً، سلمت له، فإن استبرأها في دار الحرب بحيضة، كره له أن يطأها في قول أبي حنيفة (٥)، ذكر الكراهيةَ واراد به التحريم (٦).

стр. 2070

وقال محمد: لا بأس بذلك (١)، وذكر هذه المسئلة في "السير الصغير"، وقال: كره له أن يطأها، ولم يذكر فيه خلافا (٢). قالوا ذاك قول أبي حنيفة ومحمد الأول، وما ذكر هنا قوله الأخير (٣). وأجمعوا على أنه لا يحل للمتلصص أن يطأها قبل الإحراز بدار الإسلام (٤). لمحمد: أنه ملكها ملكا كاملا ليس لغيره فيها حق ولا شركة، بدليل أنه لو مات تورث عنه، ولو أتلفها إنسان يضمن له القيمة، ولا يشاركه المدد (٥)، أما المتلصص لم يملكها قبل الإحراز بدار الإسلام (٦)، ولهذا يشاركه المدد (٧)، ونحو ذلك (٨).
следующие страницы →