← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فإن كان المقتول من الخمس، يجب الضمان، ولا يجب القصاص لما ذكرنا في الوجه الأول (١)، وكذا لو باع الإمام الغنائم في دار الحرب، فبيعه بمنزلة القسمة. ولو نَفَّل (٢) الإمام سرية، وقال: "ما أصبتم فهو لكم"، فأصابوا غنائم، ملكوا الأموال بنفس الإصابة (٣)، من مات منهم يورث نصيبه، ولا يشاركهم المدد؛ لأن التنفيل تحريض على القتال بوعد الغنيمة، وذلك لا يتحقق إلا بالتمليك بنفس الإصابة، فكان التنفيل بمنزلة القسمة، وإذا ثبت الملك بنفس الإصابة، فإذا أتلفه إنسان ضمن. وكذا لو قال الإمام (٤): "من قتل قتيلا فله سلبة"، فهو جائز، ومن قتل قتيلا كان سلبه له بنفس القتل، حتى لو أتلفه إنسان ضمن (٥). وسلبه دابّته التي كان عليها، وسلاحه، وسرجه، وجميع ما كان معه من الذهب، والفضة، والثياب (٦)، فأما مالُه عدى دابة أخرى، أو في المعسكر من الأموال والعبيد،

стр. 2067

فليس ذلك من سلبه؛ لأن "السلب" إسم لما يسلب منه، وإنما يسلب منه ما كان معه، أو حاملا له، أما غير ذلك لا يسلب منه (١). ولو ظهر الإمام على بلدة من بلاد أهل الحرب، وأجرى فيها أحكام الإسلام (٢)، فإنها تصير" دار الإسلام" بالإجماع، ويكون (٣) الإمام بالخيار إن شاء مَنّ عليهم، وإن شاء قسم على الوجه الذي ذكرنا (٤). فإن لم يختر الإمام (٥) شيئا حتى أتلف رجل من الغانمين شيئا من تلك الأموال ضمن؛ لأن هذا الموضع لما صار دارَ الإسلام كانت الغنائم محرزة بدار الإسلام، فكان حكم هذه الأموال حكم الغنائم بدار الإسلام. ولو قتل رجلا من الغنيمة، لا يجب عليه ضمان ولا قصاص (٦)، كما لو قتل رجلا منهم بعد الإحراز بدار الإسلام. ثم ينظر: إن رأى الإمام قِسمتها بين الغانمين ضمّ ضمان المتلف إلى ذلك، فيقسم

стр. 2068

الكل؛ لأن الضمان بدل عن المتلف قائم مقامه، ولو كان المتلف قائما يدخل في القسمة، فكذا الضمان. لأن رأى الإمام (١) أن يجعلهم ذمة يؤدون الخراج، ومَنّ عليهم بأموالهم جاز، ويكون قيمة المستهلك للغانمين، ولا حق لأهل الذمة فيه؛ لأن الغنيمة عند الاستهلاك كانت للغانمين، وإنما ثبت الحق لأهل الذمة بالمن، فلا يظهر حقهم في المستهلك، كما لا يظهر في المأخوذ منهم قبل الفتح. وإذا بقي الضمان للغانمين يأخذ منه الخمس، ويقسم أربعة أخماسه بينهم، فإن كان لا يحتمل القسمة لقلّته، وكثرة الغانمين، وضعه في بيت مال الخراج والجزية؛ لأنه لما منّ عليهم بالرقاب والأراضي، ووضع الجزية والخراج عليهم، فقد جعل الكل مصروفا إلى المقاتلة معنى، والضمان بدل جزء من أجزاء (٢) الغنيمة، يصرف مصرف الكل. وإن لم يخرج الضمان من المستهلك حتى قسم الإمام الأراضي وما ظهر عليه بين الغانمين بعد رَفع الخمس، ثم خرج الضمان من المستهلك، ولم يحتمل القسمة لقلته، ولكثرة من أصابه، جعل ذلك للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، بخلاف ما لو منّ عليهم. والفرق أن الإمام في هذا الوجه لما (٣) قسم فقد قرر حق أصحاب الخمس في الخمس، وحق الغانمين في الباقي، فإن تعذر صرف أربعة أخماس الضمان إلى الغانمين، لم يتعذر الصرف إلى مصارف الخمس، فيصرف الكل إلى مصارف الخمس، أما قدر

стр. 2069

الخمس فظاهر، وأما أربعة أخماسه؛ فلأنه حق الغانمين، وقد تعذر الإيصال إليهم، فصار بمنزلة اللقطة، فيصرف إلى مصرف الخمس؛ لأنه محل حق (١) الفقراء. أما الوجه الأول لما مَنّ الإمام (٢) عليهم فقد أبطل حق أرباب الخمس أصلا، وجعل حق الغانمين في الجزية والخراج، فيصرف إلى بيت مال الخراج. وذكر محمد ﵀ في السير: والي العسكر إذا قسم الغنائم، وبقي شيء يسير لا يحتمل القسمة لقلته، فإنه يتصدق على المساكين؛ لأنه حق الغانمين، وقد تعذر الإيصال إليهم، فكان بمنزلة اللقطة، إلا أن في اللقطة ينتظر، رجاء أن يحضر صاحبها، وهنا لا ينتظر؛ لأن الإيصال إلى المالك متعذر. [الفصل الثاني: في الاستبراء] (٣) ولو نفل الإمام قوما جواري، وقال: "من أصاب جارية فهي له"، صح (٤)؛ ليكون تحريضا على القتال، فإن أصاب رجل جاريةً، سلمت له، فإن استبرأها في دار الحرب بحيضة، كره له أن يطأها في قول أبي حنيفة (٥)، ذكر الكراهيةَ واراد به التحريم (٦).

стр. 2070

وقال محمد: لا بأس بذلك (١)، وذكر هذه المسئلة في "السير الصغير"، وقال: كره له أن يطأها، ولم يذكر فيه خلافا (٢). قالوا ذاك قول أبي حنيفة ومحمد الأول، وما ذكر هنا قوله الأخير (٣). وأجمعوا على أنه لا يحل للمتلصص أن يطأها قبل الإحراز بدار الإسلام (٤). لمحمد: أنه ملكها ملكا كاملا ليس لغيره فيها حق ولا شركة، بدليل أنه لو مات تورث عنه، ولو أتلفها إنسان يضمن له القيمة، ولا يشاركه المدد (٥)، أما المتلصص لم يملكها قبل الإحراز بدار الإسلام (٦)، ولهذا يشاركه المدد (٧)، ونحو ذلك (٨).

стр. 2071

ولأبي حنيفة ﵀: أن الملك في دار الحرب قاصر بدليل الحقيقة، والحكم (١). أما الحقيقة: فلأن الملك عبارة عن القدرة والإختصاص، وذلك لا يتمّ إلا بانقطاع يد الغير، ويد الكفار في دار الحرب قائمة من وجه، وتوهم الإستنقاذ في كل ساعة وزمان ثابت على ما عرف. وأما الحكم: ما ذكر في السير أنه لو وهب هذا المنفل له الجارية لرجل (٢)، فأخرجها إلى دار الإسلام، ينقطع حق الواهب في الجارية (٣)، لحدوث زيادة الملك، وزيادة الملك بمنزلة زيادة في (٤) العين، فثبت أن الملك في دار الحرب قاصر، إلا أن الملك القاصر يكفي لوجوب الضمان والميراث، وانقطاع حق (٥) الشركة، ولا يكفي لحل الوطئ، كالمبيعة ببيع فاسد. وإن قسم الإمام الغنائم في دار الحرب، فأصاب رجل (٦) جارية، فقبضها، واستبرأها بحيضة، أو باع الغنائم في دار الحرب فباع جارية من رجل (٧)، فقبضها المشتري (٨)،

стр. 2072

واستبرأها بحيضة (١)، كان له أن يطأها، و (٢) لم يذكر الخلاف في هاتين المسألتين. قال بعضهم: هما على هذا (٣) الخلاف أيضا، وما ذكر من الجواب قول محمد، وقال بعضهم: في هاتين المسئلتين عند أبي حنيفة يكره الوطئ كراهية التنزيه، لا كراهية التحريم؛ لأن الملك تم بقضاء الإمام، إلا أنه لو وطئها ربما تحبل، ثم يستنقذها الكفار من يده، فيبقى له نسل في دار الحرب، فيتخلّق بأخلاقهم، وعسى يسترق، فيكون الوطئ تعريضا للولد على الكفر أو الرق، فكان مكروها. ولهذا قلنا: إنه (٤) إذا تزوج امرأة في دار الحرب يكره له أن يطأها، وإن تم ملك النكاح، ومحمد يفرق بين المملوكة والمنكوحة، قال في المنكوحة: لا يباح العزل بغير إذنها (٥)، فيؤدي الوطئ إلى تعريض الولد، أما في الأمة يباح له العزل بغير إذنها، فلا يؤدي إلى ذلك. فلو أن المنفل له الجارية بعد ما استبرأها بحيضة، أخرجها إلى دار الإسلام قبل الوطئ، عند أبي حنيفة لا يجتزى بتلك الحيضة عن الاستبراء (٦)، ويشترط حيضة أخرى

стр. 2073

في دار الإسلام. وعلى قول (١) محمد لما اكتفى بتلك الحيضة لا يشترط حيضة (٢) أخرى (٣)، وفي المتلصّص يشترط حيضة أخرى في دار الإسلام؛ لأن الأولى إذا لم تعتبر صارت كأن لم تكن (٤). - والله أعلم-

стр. 2074

باب ما يحرزه العدوّ فيصير للمسلمين بشراءٍ جائز أو فاسد وما لا يجري فيه الإحراز بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن المالك القديم إذا وجد مالَه في ملك عام (١)، أخذه بغير شئ (٢)، وإن وجده في ملك خاص، فإن كان الذي في يده ملكَه بمعاوضة صحيحة، يأخذ المالك (٣) بمثل العوض إن كان مثليا، وبقيمة العوض إن لم يكن العوض (٤) مثليا (٥). وإن كان الذي في يده ملكه بعقد فاسد، أو بغير عوض، يأخذه بقيمة ماله، إن كان من ذوات القيم، وإن كان مثليا لا يأخذ؛ لأنه لو أخذه أخذه بمثله، فلا يفيد (٦)، ودلائل هذا

стр. 2075

تعرف في خلال المسائل (١). والثاني: أن ما لا يجوز بين المسلمين من عقود الربا، إذا جرى بين المسلم والحربي يجعل احتيالا لأخذ مال الحربي (٢) في قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يعتبر بيعا تصحيحا للتصرف، وعلى قول أبي يوسف يعتبر بيعا فاسدا، لحرمة الربا من غير فصل (٣). إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀:

стр. 2076

رجل له كرّ من تمر فارسي جيد، فأخذه المشركون (منه) (١)، وأحرزوه بدارهم، فاشتراه مسلم منهم بكري تمر دقل، وأخرجه إلى دار الإسلام، فوجده المالك القديم، لم يكن له أن يأخذه؛ لأنه لا وجه أن يأخذه (٢) بغير شئ؛ لأنه وجده في ملك خاص (٣)، وقد قال ﵇ لصاحب الناقة: "إن وجدتها قبل القسمة أخذتها بغير شئ وإن وجدتها بعد القسمة أخذتها بالقيمة إن شئت" (٤). ولأن استيلاء الكافر يشبه الغصب من وجه، ويشبه الاستيلاء على المال المباح من وجه (٥)؛ لأن ابتداؤه يرد على المال المعصوم في دار الإسلام، ويتمّ بعد الإحراز بدار

стр. 2077

الحرب في المال المباح (١)، فعملنا بشبه الغصب؛ وأثبتنا له حق لأخذ بغير شئ في الملك العام، وعملنا يشبه الاستيلاء على المال المباح، وأثبتنا له حق الأخذ بعوض إذا وجده في ملك خاص عملا بالدليلين بقدر الإمكان. ولا وجه أن يأخذ (بغير) (٢) عوض، أما على قول أبي حنيفة ومحمد، فلأن ما جرى بين المشتري وبين العدو يعتبر احتيالا لأخذ أموالهم، ولا يعتبر بيعا لمكان الربا، فصار كأنه ملكه بغير عوض، ولو ملكه بالهبة ونحوها لا يأخذه المالك القديم؛ لأنه لو أخذه أخذه بمثله؛ لأنه مثلي، فلا يفيد (٣). وأما على قول أبي يوسف فلأن ما جرى بين المسلم والكافر عفد فاسد، ولو ملك بعقد فاسد (٤) عند الكل، بأن اشتراه بخمر، يأخذه المالك القديم بمثله، كذلك هنا، والأخذ بالمثل لا يفيد، فلا يأخذ. بخلاف ما لو باع كرا بكر، حيث يجوز؛ لأن ذلك بيعٌ وجد بالتراضي، فلا تعتبر فيه الفائدة الظاهرة، ويحكم بجوازه لوهم الفائدة، أما حق الأخذ للمالك القديم ما عرف شرعا إلا لفائدة لا تحصل بالعوض. وكذا لو اشتراه مسلم من العدو بنصف كر، لا يأخذه المولى؛ لأنه لو أخذه أخذه بمثله عند أبي يوسف لفساد البيع، وعندهما لأنه احتيال، وليس ببيع لمكان الربا، والاحتيال

стр. 2078

جائز؛ لأنه تقليل لآلة الفساد، وتملك للمال المباح. وإن اشتراه بِكُرّ دقل، كان للمالك أن يأخذه بكر دقل؛ لأنه ملكه بالبيع الصحيح، أما عند أبي يوسف؛ لأنه يعتبر تصرفه بيعًا (١) على كل حال، وعندهما إنما يعتبر احتيالا إذا تعذر تصحيحه بيعا، وهنا أمكن اعتباره لانعدام الربا، فيجعل بيعا، وفي البيع الجائز يأخذه بالثمن، والأخذ بالدقل مفيد، فيأخذ، حتى لو اشتراه المسلم بالدقل نسيئة، لا يأخذه المولى (٢)؛ لما قلنا. ولو أخذ العدو من مسلم ألف درهم نقد بيت المال، وأحرزها بدارهم (٣)، فاشتراها مسلم بألف درهم غلة، ونقد، وأخرجها إلى دار الإسلام كان لصاحبها (٤)، يأخذها المالك بألف غلة (٥)؛ لأن هذا العقد لو جرى بين المسلمين كان جائزا، فكذا إذا جرى بين المسلم والحربي، وفي العقد الجائز يأخذه بالثمن الذي اشتراه المشترى (٦)، والأخذ مفيد للتفاوت من حيث الوصف، وكذا لو اشتراها منهم (٧) بالدنانير أخذها بمثل الدنانير التي نقد. ولا يقال: إذا اشترى المسلم بألف غلة ينبغي أن لا يأخذها المالك القديم؛ لأن الدراهم لا تنعين بالتعيين في عقود المعاوضات، فالمسلم إذا اشترى الجياد بألف غلة، وجبت له

стр. 2079

الجياد في ذمة الكافر، ثم العدو إنما دفع الجياد المأخوذة عوضا عما في ذمة نفسه، فكان ثمن الجياد المحرزة بدار الحرب الجياد التي وجبت بالعقد في ذمة الكافر، وفي شراء الجيد بالجيد لا يكون للمالك القديم أن يأخذه (١)؛ لأنه لا يفيد. لأنا نقول: هذا فيما سوى الصرف والسلم، أما في الصرف والسلم يجعل المقبوض عين ما ورد عليه العقد، كي لا يكون استبدالا، وإذا جعل الجياد المقبوضة (٢) عين ما وجب بالعقد كان بدلها الدراهم الغلة، لا الدراهم الجياد. استشهد ﵀، فقال: ألا ترى أنه لو أحرز العدو كر حنطة لمسلم، فأسلم إليه مسلم مائة في كر حنطة، فلما حلّ السلم، قضى السلم بالكر المحرز بدار الحرب، فأخرجه إلى دار الإسلام، كان للمالك (٣) أن يأخذ كره بمائة درهم، ويجعل هذا الكر عين ماورد عليه السلم، ولهذا كان لرب السلم أن يبيع المسلم فيه (٤)، مرابحة على رأس المال. ولو أخذ العدو كر المسلم، وأحرزه بدار الحرب، فدخل مسلمان، واشترياه منهم، وأخرجاه إلى دار الإسلام، واقتسماه إلى نصفين، واستهلك أحدهم نصيبه، ثم حضر المالك القديم، كان له أن يأخذ النصف الباقي بنصف الثمن، إعتبارا للبعض بالكل. ولو كان مكان الكر ثيابا، والمسألة بحالها، أخذه المالك القديم بعد القسمة النصف الباقي بربع الثمن، وقيمة نصف ما أصاب الشريك الآخر.

стр. 2080

والفرق أن قسمة الثياب معاوضة من وجه، إفراز من وجهٍ لكثرة التفاوت في المنفعة، فكان كل واحد منهما آخذا نصفه بقديم ملكة، والنصف عوضًا عما ترك على صاحبه، ولهذا لا ينفرد أحدهما بقسمة الثياب ونحوها، ولا يبيع كل واحد منهما نصيبه مرابحة. فما وصل إليه بقديم ملكه، وهو الربع، يأخذه المالك القديم بربع (١) الثمن. وما أخذه بحكم المعاوضة، يأخذه بقيمة العوض، وذلك نصف نصيب صاحبه. أما القسمة في المكيل والموزون، إفراز محض لقلة التفاوت في المنفعة. ولهذا ينفرد كل واحد منهما بالقسمة. ولو اشتريا مكيلا أو موزونا، واقتسم ما كان لكل واحد منهما أن يبيع نصيبه مرابحة على نصف الثمن، فما أخذه كل واحد منهما أخذه بقديم ملكه، لا عوضا عما ترك على صاحبه، فيأخذ المالك القديم (٢) بنصف الثمن. ولو أحرز العدو بدار الحرب كر المسلم، فدخل مسلم دار الحرب (٣) بأمان، وباعهم متاعًا بكرّ في الذمة إلى أجل، فقضوه ذلك الكر، لا يكون للمالك القديم أن يأخذ؛ لأن المقبوض عوض عما وجب في ذمة الكافر؛ لأنه عين، وثمن المتاع كان دينا، والدين غير العين. ولا ضرورة أن يجعل المنصوص (٤) في الحكم كأنه عين ما ورد عليه العقد؛ لأن الإستبدال بالثمن قبل القبض جائز، بخلاف السلم والصرف، إذا كان المقبوض عوضا عما

стр. 2081

في ذمة الكافر، إذا أخذه المالك القديم (١) أخذه بعوضه، وهو كر مثله، فلا يفيد. ولو كان مكان الكر ثياب، هروية أو زطية، فباع المسلم من الكافر متاعا بمثل تلك الثياب إلى أجل، فلما حلّ الأجل، قضاه الكافر الثياب التي أحرزها بدار الحرب، فوجدها المالك القديم أخذ (٢) ثيابه بقيمة المتاع؛ لأن الثياب لا تجب بعقد المعاوضة دينا في الذمة إلا سلما، ولهذا يشترط فيه الأجل، والمقبوض في باب السلم كأنه عين ما ورد عليه العقد، فبائع المتاع أخذ الثياب المحرزة عو ضا عن المتاع، فلهذا يأخذها (٣) المالك القديم بقيمة المتاع. ولو أحرز العدو كرا لمسلم بدار الحرب، فدخل مسلم، وأقرضهم كرا، فقضوها (٤) الكر المحرز، لم يكن للمالك القديم أن يأخذه، وإن كان ما أقرض أردى من المحرز؛ لأن القرض إعارة حكما، فكان المقبوض عين ما أقرضه المسلم، فلو أخذه المالك القديم يأخذه بمثله، فلا يفيد، بخلاف ما لو اشترى المسلم من العدو الكر المحرز بكر أردى منه، فإنه يأخذه بكر رديء، لأن المقبوض بحكم البيع ليس عين ما دفع المسلم إلى الكافر، بل غيره، فكان للمالك القديم (٥) أن يأخذه بما قام على المسلم المشتري. وهو الكر الردي (٦).

стр. 2082

ولو أحرز العدو إبريق فضة لمسلم بدار الحرب (١) وزنه خمسمائة، وقيمته لصناعته أكثر، فاشتراه مسلم من العدو (٢) بألف درهم أو بأربعمائة درهم (٣)، وأخرجه إلى دار الإسلام (٤)، كان للمالك القديم أن يأخذه بقيمته من الدنانير. أما على قول أبي حنيفة ومحمد فلان أخذ المسلم من الكافر كان احتيالا (٥) لأخذ مال الكافر، فيجعل كأنه أخذه بغير عوض، ولو أخذه بغير عوض يأخذه المالك بقيمته؛ لأنه ليس بمثلي. وعلى قول (٦) أبي يوسف ملكه بعقد فاسد، فيأخذه بقيمته أيضا، وإنما يقوم بالدنانير إظهارا للجودة، واحترازا عن صورة الربا. وذكر في"السير الكبير" (٧) أنه يأخذ المالك القديم (٨) بمثل ما دفع المشتري إلى العدو، وإن كان ذلك أضعاف وزنه أو أقلّ وعلّل فقال: لأن ما يدفع المالك القديم إلى المشتري فداء لملكه، وليس بشراء، ولهذا كان للمالك القديم (٩) أن يرده بالغيب على بائعه، والربا

стр. 2083

يختص بالمعاوضة، والأخذ مفيد؛ لأن الإبريق ليس بمثلي، بخلاف المسألة الأولى من الباب؛ لأن الكر مثلي ودفع وأخذ المثل (١) لا يفيد. وإن اشتراه المسلم بمثل وزنه دراهم من الدراهم، كان للمالك أن يأخذه بمثل تلك الدراهم، إلا أن يكون اشتراه إلى أجل؛ لأن ذلك احتيال، أو بيع فاسد، فيأخذه بقيمته من الدنانير. ولو دخل ذمي (٢)، واشتراه بخمر، وأخرجه إلى دار الإسلام، أخذه المالك بقيمة الخمر؛ لأن شراء الذمي بالخمر صحيح لو كان في دار الإسلام، فكذا إذا كان (٣) في دار الحرب، وفي العقد الجاثز يأخذه بالثمن، إلا أن المسلم ممنوع عن تمليك الخمر، فيأخذه بقمة الخمر. ولو اشترى من العدو (٤) مسلم بخمر، يأخذه المالك بقيمة الإبريق؛ لأن شراء المسلم بالخمر (٥) فاسد على كل حال، احتيالا كان أو بيعا؛ لأنه ممنوع عن تمليك الخمر، وفي العقد الفاسد يأخذ بقيمة الإبريق. رجل أعتق أحد عبدَيه لا بعينه، ولم يبين حتى أحرزهما العدو بدار الحرب، لا يملكونهما؛ لأن كل واحد منهما متردّد بين أن يكون حرا أو عبدا، فكان بمنزلة المكاتب لا يملك بسائر أسباب الملك، فلا يملك بالاستيلاء، فإن بيّن المولى بعد ذلك العتق في

стр. 2084

أحدهما، صح بيانه؛ لأنهما بقيا على ملكه، وإذا صح البيان (١) عتق الذي بين العتق فيه، وملك العدو الآخر؛ لأنه صار محلا للملك في يد الكفرة، وللدوام حكم الابتداء، فصار كلما لو وجد الاستيلاء بعد البيان. فإن أسلموا عليه، أو صاروا ذمة، فهو لهم كسانر أملاكهم، لا سبيل للمالك القديم عليه، وان أحرز العدو أحدهما بدار الحرب ملكوه، لأن الاستيلاء ورَدَ على المعين، والعتق لم ينزل في المعين، واستيلاء الكافر على مال المسلم يفيد الملك، وعتق الآخر؛ لأن الذي ملكه العدو خرج من ولايته، فصار كأنه مات أو باع أحدهما، تعين الآخر للعتق، كذلك هنا. ولو لم يحرز العدو أحدهما حتى باعهما لا يجوز بيعه (٢)؛ لأنه جمع بين الحر والعبد، أو كبيع المكاتب، فإن بين العتق في أحدهما، صح بيانه، وعتق، ولا يجوز البيع في الآخر؛ لأن البيع وقع فاسدًا لفساد في صُلب العقد، وهو جهالة المبيع والثمن، ومثله لا ينقلب جائز إلا بالتجديد، ولم يتجدّد سبب الملك. ولو طلق إحدى امرأتيه ثلاثا، ثم قال لهما: أنتما طالقان، وانقضت عدتهما معا، فاراد أن يتزوجهما، لا يجوز؛ لأن إحداهما مطلقة الثلاث، وهي غير معلومة، ولو عين الثلاث في إحداهما لا يصح؛ لأنه لا يملك الإنشاء بعد انقضاء العدة، فلا يملك البيان. - والله أعلم-

стр. 2085

باب السبايا من أهل الحرب ما يصدق فيه وما لا يصدق بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن السبى والسبية إذا أقرا بالنكاح صح إقرارهما (١)؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة (٢)، قال ﵇: "ولدت من نكاح، وما ولدت من سفاح" (٣)، وإذا صح النكاح لم يبطل بسَبيهما، لابد لإثباته من طريق، اعتبارا لحقهما، وصَيانةً للمسلمين عن الزنا، والإثبات بالبينة متعذر؛ لأن شهادة الكفار لا تقبل على المسلم، وأنكحتهم لا يحضرها المسلمون، فتَعيّن الأقرار طريقا ضرورة.

стр. 2086

وعن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنه سبي مع امرأته، وقررهما رسول الله ﷺ على النكاح بإقرارهما، فيقبل إقرارهما إلا إذا تضمن إقرارهما بذلك إبطال ملك خاص، أو حق خاص (١) على المسلم، لأن ذلك لا يصح من المسلم، فمن الكافر أولى. وكما يصح إقرارهما بالنكاح، يصح بالنسب؛ لأن أنسابهم ثابتة، وبالسبي لا تنقطع، فمست الحاجة إلى أن يكون لإثباته طريقا، وليس ذلك إلا الإقرار لما قلنا في النكاح وشهادة القابلة على الولاية (٢)، فصح الإقرار بالنسب إلا ما كان فيه حمل النسب على الغير، كدعوى المرأة الولد، فإنه لا يصح إلا بتصديق الزوج على الولادة؛ لأن فيه حمل النسب على الزوج. والأصل الثاني: ما عرف في "المبسوط" أن الدين يثبت بالتبعيّة، وأقوى التبعية تبعية الأبوين؛ لأنهما سبب لوجوده (٣)، قال ﵇: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه

стр. 2087

يهودانه"، الحديث (١). ثم بعد تبعية الأبوين "اليد"، لأن الصغير الذي لا يعبّر بمنزلة متاع في يده، وعند عدم اليد يعتبر تبعا للمكان؛ لأنه مّحل وجوده، ولهذا كان (٢) اللقيط الموجود في دار الإسلام مسلم تبعا للدار (٣). إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: (إذا سبى المسلمون أهل حصن، أو مدينة من أهل الحرب، ولم يحرزوهم بدار الإسلام، حتى قال رجل من السَبي لامرأة من السبي: "هذه امرأتي"، وصدقته المرأة بذلك (٤)، قبل قولهما، وهذه المسألة على وجوه ثلاثة: إما إن أقرّ به قبل الإحراز بدار الإسلام، أو بعده قبل القسمة، أو بعد الإحراز والقسمة (٥).

стр. 2088

ففي الوجه الأول يصح إقرارهما، وكانا زوجين. ولا يقال: ينبغي أن لا يصدقا؛ لأن حالهما متردّد بين الرق والحرية، إن مَنّ الإمام عليهم برقابهم كانا حرين، وإن قسم كانا رقيقين، فكانا بمنزلة المكاتبين، والمكاتب والمكاتبة إذا أقرا بالنكاح لا يصح؛ لأنهما لا يملكان الإنشاء، فكذلك هنا. لأنا نقول: إنما قبلنا إقرارَهما بالسنة والضرورة، ولم يوجد شئ من ذلك في حق المكاتب فلم يصح. (١) وإن أقرا بذلك (٢) بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة فكذلك وهو والأول سواء؛ لأن بالإحراز بدار الإسلام (٣) وإن تأكد حق الغانمين حتى لا يشاركهم المدد، ويجري الإرث ونحو ذلك (٤)، إلا أن الشركة عامة، وللإمام أن يبطل ملكهم بالمنّ، وقتل الرجال، فلم يكن في قبول قولهما إبطال ملك خاص، ولا إبطال حق خاص على المسلم، فيصح إقرارهما. (٥) وإن أقرا بذلك بعد (٦) بعد الإحراز والقسمة لم يمح إقرارهما إلا بتصديق المولى؛ لأن الملك صار خاصا لمن وقع في سهمه (٧)، فكان في قبول قولهما إزالة ملك

стр. 2089

المتعة، أو إعتاق رقبة العبد بالنفقة. وكذا لو باع الإمام في دار الحرب، أو قسم؛ لأنه وقع الملك للمشتري، ولمن وقعَ في سهمه، فلم يصح إقرارهما؛ لأنه إن كان في ردّ الإقرار إضرار بالرقيق، ففي قبول قولهما إضرار بالمولى أيضا، وكل واحد منهما ضرر خاص، فوقع التعارض، فلا يثبت النكاح إلا أن يصدقهما الموليان على ذلك، فحيئذ يثبت النكاح؛ لأن الموليين يملكان إنشاء النكاح، فيصح تصديقهما. ولو لم يقسم الإمام، ولم يبع حتى ادعى رجل من السبي في دار الحرب صغيرًا لايعبّر أنه ابنه، والصغير في يده أو في يد حربي آخر مثله، أو في يد مسلم، صح دعواه؛ لما ذكرنا أن أنسابهم ثابتة، وليس لثبوتها طريق إلا الإقرار، فصح دعواه (١). فإن مات الصبي لا يصلي عليه (٢)، أما إذا كان في يد حربي آخر فظاهر، وكذلك إذا كان في يد مسلم؛ لأن يد المسلم في دار الحرب غير متأكدة، فلا يصير تبعا له بهذه اليد. وإن كانت الدعوة في دار الإسلام صحت، لما قلنا في الإقرار بالنكاح. ثم ينظر: إن كان في يده، وعلم أنه سُبي وهو (٣) في يده، فهو كافر علي دين أبيه؛ لأن قيام يد الأب عليه تمنع تبعية الدار. ألا ترى أن أولاد أهل الذمة يتبعون أباءهم في الدين. وكذا إذا كان في يد كافر آخر؛ لأن ذلك الكافر لو ادعاه لم يكن مسلما، فكذا إذا ادعى غيره.

стр. 2090

وإن علم أنه سبى، ولم يكن في يد أحد، صح دعواه، ويكون مسلما، لو مات يصلى عليه، والقياس أن لا تصح دعوْته (١)، ولا يثبت النسب؛ لأنه مسلم تبعا للدار، ولا ولاية للكافر على المسلم (٢). وجه الاستحسان: أن دعوى الكافر نسب الولد (٣) تتضمن شيئين: أحدهما: نفع محض للصغير، وهو النسب، والآخر: ضرر، وهو الكفر، فيصدق فيما ينفعه، لا فيما يضره، ويجوز أن يثبت النسب منه، ويكون مسلما كما لو أسلمت أمه (٤). أصل هذه المسئلة: لقيط وجدَه مسلم (٥) في دار الإسلام، فادعى ذمي أنه ابنه، ثبت النسب منه استحسانا، ويكون مسلما تبعا للدار، ولصاحب اليد (٦). ولو كان الصبي يعقل، ويعبر عن نفسه، لا يثبت النسب إلا أن يصدقه (٧)، فإن صدقه ثبت النسب، وكان على دينه حتى لو مات لا يصلى عليه، سواء كان في يد مسلم أو حربي؛ لأن الصبي العاقل في حكم النسب بمنزلة البالغ؛ وقوله مقبول في الديانات، ألا ترى أنه يصح إسلامه وارتداده، فصح إقراره بأنه على دينه، فيكون كافرا. قال بعض مشايخنا: الصحيح من مذهبا أن الصبي العاقل لا يجعل تبعا للأبوين في

стр. 2091

الدين، كما لا يجعل البالغ تبعا للأبوين (١)، إنما التبعية في حق من لا يعبر عن نفسه، واستدلوا بهذه المسألة، ألا تري أنه لا يتبع الدار، فكذا لا يتبع الأب. ولو أن امرأة من السبي تحمل صبيا صغيرًا، يعبّر عن نفسه أو لا يعبر، وادعت أنه ولدها، فصدّقها الصغير، لا يثبت النسب بدعواها (٢)؛ لأنها تحمل النسب على الغير، وهو الزوج؛ لأن الولد للفراش (٣)، قال ﵇: "الولد للفراش" (٤)، أي لصاحب

стр. 2092

الفراش، وصاحب الفراش هو الزوج، أما المرأة مستفرشة، إلا أن النسب متى ثبت من الزوج، ثبت من المرأة تبعا، والأصل فيه ما روى عن عمر ﵁ أنه قال: "لا يورث الحميل إلا ببينة" (١)، والحميل: هو الذي يحمل نسبه على الغير، والمرأة هنا تحمل على الزوج إن ظهر لها زوج، فلا يصح. وإذا لم يثبت النسب نقول: إن مات الولد في دار الحرب، لا يصلى عليه، لعدم تبعية الدار والوالدين، وإن مات بعد ما أخرج إلى دار الإسلام، ولم يصف الكفر، يصلى عليه؛ لأنه لما لم يثبت نسبه منها صار مسلما تبعا للدار (٢). ثم قال: "ولم يصف الكفرة"، وهذا دليل على أنه إنما يحكم بدينه بطريق التبعية إذا لم يظهر منه خلافه (٣). وكذا لو قسم [الإمام] (٤) الغنائم في دار الحرب، فوقع في سهم رجل، أو بيع الولد من مسلم في دار الحرب، ثم مات، يصلى عليه؛ لأنه حكم بإسلامه تبعا للمولى؛ لأن

стр. 2093

تبعية المولى فوق تبعية الأبوين؛ لأن ولاية المالك على المملوك فوق ولاية الأب، فإذا وجب الحكم بإسلامه تبعا لأحد أبويه، لأن يجب الحكم به تبعا للمولى، كان أولى. فإن كان الصبي في يدها، يكره التفريق في البيع استحسانا، وإن لم يثبت النسب، والقياس أن لا يكره (١)؛ لأنه إذا لم يثبت النسب منها بقيت أجنبية. وجه الاستحسان: أن كراهية التفريق عرف بالأثر، وهو ما روي أن رسول الله ﷺ رأى امرأةً والهةً (٢) في المغنَم، فسأل عن شأنها، فقيل: بيع ولدها، فقال ﵇: ثلثا "ادركوا، لا توله والدة بولدها" (٣)، نهى عن التفريق وإن لم يعرف نسبها إلا بقولها، ولم يأمر النبي ﵇ بإقامة البينة، ولأنه إن لم يثبت النسب فليس في التفريق كبير ضرر، فيكره التفريق (٤) بينهما احتياطا.

стр. 2094

وإن لم يكن الصبي في يدها لا يكره التفريق (١)؛ لأن كراهية التفريق عرف بالسنة، والسنة وردت فيما إذا كان الصبي في يدها؛ ولأنه إذا كان في يدها وجد الجمع حقيقة، فاعتبرنا ظاهر اليد لدفع التفريق، أما إذا لم يكن في يدها، لم يوجد ما يوجب الجمع، فلا يجب الجمع. وإذا لم يثبت النسب من المرأة، فإن عتقا، ثم مات أحدهما، ذكر هنا أنهما لا يتوارثان، وذكر في بعض روايات "الدعوى": أنهما يتوارثان (٢). قالوا: في المسألة اختلاف الروايتين، لكن ما ذكر هنا أنهما لا يتوارثان (٣) محمول على إذا كان لهما وارث معروف، والرواية الأولى محمولة على ما إذا لم يكن لها (٤) وارث آخر؛ لأن كل واحد منهما أقر لصاحبه بالنسب والميراث، فإذا لم يكن لهما وارث آخر لم يكن في اعتبار الإقرار في حق الإرث إبطال حق أحد فيصح. ويجوز أن يصح الإقرار بالميراث، ولا يثبت النسب، كرجل مات، وترك ابنين، فأقر أحدهما بأخ ثالث، صح الإقرار في حق الميراث حتى يشاركه المقر له في نصيبه، ولا يثبت النسب. وقيل: لا بل في المسئلة روايتان، وجه رواية الدعوى ما ذكرنا، وجه رواية هذا (٥)

стр. 2095

الكتاب: أن الإقرار بالميراث ما ثبت قصدا، وإنما أقرت بذلك في ضمن النسب، فإذا لم يثبت النسب، لم يثبت ما في ضمنه (١). ولو كان الصبي في يدها، فادعت أنه ابنها من هذا الرجل، وهذا الرجل زوجها، وصدقها الرجل، وصدقهما الصغير، فهما مصدقان (٢)، أما التصادق على النكاح صحيح لما مر، وأما النسب، فلأن الرجل لو تفرّد بدعوى النسب، يصح، فعند تصديق المرأة أولى، ويثبت من المرأة أيضا؛ لأن الزوج إذا كان مقرا، لم تكن دعوتها حمل النسب على الغير، ويكون الولد على دينهما إذا كان في يدهما أو يد أحدهما، سواء كان في دار الإسلام أو في دار الحرب. هذا إذا كان قبل القسمة، فإن كان بعد القسمة، أو بعد البيع في دار الإسلام، أو في دار الحرب، لا يصح تصادقهما على النكاح إلا بتصديق المولى (٣)؛ لأن فيه إضرارًا بالمولى. واختلف المشايخ في النسب، قال بعضهم: ينبغي أن يثبت استحسانا؛ لأنه لا ضرر في إثبات النسب لا (٤) على المولى، ولا على الصغير، ويكون الصبي مسلما لو مات، يصلى عليه؛ لأنه حكم بإسلامه قبل الدعوى تبعا لمولاه، فلا يظهر نسب الولد فيما يضره. وقال بعضهم: لا يثبت النسب؛. لأنه ملك المشتري، أو ملك من وقع في سهمه. ومن ادعى نسب مملوك، لا يثبت تسبه إلا بتصديق المولى، بخلاف ما قبل القسمة

стр. 2096

والبيع؛ لأنه ليس فيه ملك خاص لأحد. وإذا أسَر المسلمون أسرى من أهل الحرب، وفيهم امرأة في يدها صبي، أو لم يكن الصبي في يد (١) أحد، فأخرج إلى دار الإسلام، أو لم يخرج، فادعى مسلم كان مقيما في دار الحرب أنه ابنه من هذه المرأة، وأنها امرأته، وصدقته المرأة في ذلك، ثبت النكاح والنسب؛ لأن دعوة الحربي لما صحت، فدعوة المسلم أولى (٢). ثم ينظر: إن كان على الولد سيماء المسلمين يكون حرا، وإن لم يكن فهو ابن المسلم، ويكون فيأ للمسلمين؛ لأن المدعي يريد سقوط حق الغانمين عن الولد بعد ما ثبت حقهم بالاستيلاء، فلا يصدق إلا إذا كان عليه سيمأ المسلمين؛ لأن الظاهر يشهد له، فيجعل الظاهر حجةً لدفع الملك، وقد بيّنا وجوب العمل بالسيماء، وإذا ادعاه ذمي ثبت النسب، ويكون فيأ لما قلنا. وإن كانت الدعوة من المسلم أو الذمي بعد القسمة، لا يصدق واحد منهما إلا بتصديق المالك؛ لما قلنا. ثم سأل في الكتاب على نفسه سؤالا، فقال: كيف يكون الولد فيأ، وقد ثبت نسبه من المسلم يوم ولد، وحكم بإسلامه؟ ثم أجاب، فقال: لا يثبت نسبه يوم ولد، وإنما يثبت وقت الدعوة، فلا يخرجه من أن يكون حقا للغانمين (٣). واستوضح بفصل المكاتب، فقال: ألا ترى أن الأخوين إذا كان أحدهما مكاتب، والآخر حرا، فمات الحر، ولهما ابن عم، كان الميراث لابن العم، فإن ادعى المكاتب ابن

стр. 2097

امرأة حرة معروفة يزعم أنها زوجته، وصدقته المرأة، لذلك (١) يثبت النسب منه، ويكون الميراث لإبن العم على حاله. ولو ثبت النسب بدعوته من حين ولد، كان الميراث للولد؛ لأنه ابن الأخ، وأنه مقدم على ابن العم. ألا ترى أنه لو كان الابن كبيرا، فادعى أنه كان مسلما مأسورا فيهم، فإن كان عليه سيماء المسلمين، فهو حر، وإن لم يكن فيأ، وتأثير قول الأب في حقه لا يكون أكثر من تأثير قوله، لو كان هو من أهله. وإذا أسر المسلمون قوما من أهل الحرب،. ولم يخرجوهم إلى دار الإسلام، ولم يقسموهم حتى هرب الأسارى، أو ظهر عليهم المشركون، وردوهم إلى مأمنهم، ثم ظهر عليهم قوم آخرون من المسلمن، فأخذوهم، ولم يقسموا حتى اختصم فيهم الأولون والآخرون، كان الفريق الآخر أحق بهم؛ لأن حق الفريق الأول قبل القسمة والإحراز بالدار ضعيف (٢). ألا ترى أن من مات منهم لا يورث نصيبه، ولو لحقهم المدد يشاركهم (٣)، وغير المتأكد إذا بطل، يصير كأن لم يكن، ولو كان ذلك بعد ما أحرزهم الفريق الأول بالدار، ولم يقسموهم حتى هربوا، أو ظهر عليهم المشركون، وأعادوهم إلى دارهم، ثم ظهر عليهم مسلمون آخرون، وأحرزوهم بدار الإسلام، ولم يقسموا فيما بينهم (٤) حتى حضر الفريق

стр. 2098

الأول، فهم أحق من الثاني، هكذا ذكر هنا (١). وذكر في السير في موضعين: في موضع كما ذكر هنا، وفي موضع آخر أن الفريق الثاني أحق، واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: ليس في المسألة اختلاف الروايتين، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع. فموضوع ما ذكر أن الفريق الثاني أحق، أن يكون الفريق الأول كثيرا، لا يمكن تخيير كل واحد منهم بين الترك، والأخذ بالقيمة. وموضوع ما ذكر هنا: أن يكون القوم الأول قليلًا، يمكن تخيير كل واحد منهم بين الأخذ بالقيمة وبين الترك، وإليه مال الشيخ الإمام المعروف نجواهرزاده. وعامة المشايخ ﵏ قالوا: في المسئلة روايتان، وإليه مال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ (٢). وجه ما ذكر: أن الفريق الثاني أحق؛ لأن الفريق الأول لم يملكهم قبل القسمة، وإنما ثبت لهم نوع حق، واستيلاء الكافر لورود على ملك المسلم يريد ملكه إلى خلف وهو حق الأخذ (٣) فإذا وَردَ على ما ليس بمملوك يبطل حقه أصلا؛ لأن حق الأخذ للأول في موضع ثبت، ثبت نصا بخلاف القياس، والنص إنما ورد بنقض الملك لأجل صاحب الملك، لا لأجل صاحب الحق، فلا ينقض الملك لأجل صاحب الحق.

стр. 2099

ألا ترى أن العبد الجاني إذا استولى عليه أهل الحرب، وأحرزوه بدارهم (١)، ثم أصابه المسلمون، فلم يأخذه المالك القديم، فإنه لا حق للمجنى عليه؛ لأنه ما كان مالكا للعبد، وإنما له فيه حق متأكد يجري الإرث فيه، وقد بطل الحق بالاستيلاء. وجه رواية هذا الكتاب: أن الملك وإن لم يثبت للفريق الأول قبل القسمة، فقد تأكد حقهم حتى يورث نصيبهم وغير ذلك من جواز قسمة الإمام، والحق المتأكد ينزل منزلة الملك في حق الأحكام، فكذا في هذا الحكم، ألا ترى أن تصرف الراهن في ملكه ينقض لحق المرتهن، وينقض ملك المشتري لحق الشفيع. هذا إذا حضر الفريق الأول قبل أن يقسمها الفريق الثاني، فإن اقتسم الفريق الثاني فيما بينهم، ثم حضر الفريق الأول، لا حق للفريق الأول على الروايتين جميعا (٢)، أما على إحدى روايتي "السير" فظاهر؛ لأنه لو حضر الفريق الأول قبل أن يقسموها الفريق الثاني لاحق لهم فههنا أولى (٣)، وأما على رواية هذا الكتاب فكذلك؛ لأن حق الأخذ إنما يثبت إذا كان مفيدا، أما إذا لم يكن مفيدا (٤) فلا لما قلنا، وحق الفريق الأول قبل القسمة في المالية دون العين، حتى كان للإمام أن يبيع السبي، ويقسم الثمن بينهم، فلو أخذوهم أخذوا بمثلهم في المالية، وهو القيمة، فلا يفيد، أما قبل القسمة لو أخذوا أخذوا بغير شيء، فيفيد. ولو كان الفريق الأول أحرزوهم بدار الإسلام، واقتسموا بينهم، ثم ظهر عليهم المشركون، وأحرزوهم بدار الحرب، ثم ظهر عليهم أناس آخرون من المسلمين، كان

стр. 2100

للفريق الآخر حق الأخذ؛ لأنهم لما أحرزوهم، واقتسموا بينهم، التحق بسائر أملاكهم، وفي سائر أملاكهم إذا وقع، الاستيلاء، ثم ظهر المسلمون عليهم، وأحرزوهم إلى دار الإسلام، فإن حضر الملاك يأخذون قبل القسمة بغير شيء، وبعد القسمة بالقيمة، كذلك هنا. ولو كان الأولون أحرزوهم بدار الإسلام، ولم يقسموهم حتى أخذهم المشركون، فلم يحرزوهم بدارهم حتى أخذهم أناس آخرون من المسلمين، فإنهم يردون على الأولين، وإن كان الآخرون اقتسموهم تنقض قسمتهم، ويرد على الأولين؛ لأن المشركين لم يملكوهم قبل الإحراز بدارهم، فلا يملكهم الآخرون، وكانت قسمة الآخرين فيهم بمنزلة قسمة الغاصبين العبيدَ المغصوبين. فإن كان الذي قسم بين الآخرين إماما، يرى ما صنع المشركون إحرازا قبل أن يدخلوهم دار الحرب، فقسمته بين الآخرين جائزة، ولا سبيل للأولين عليهم؛ لأن هذا مما اختلف فيه الفقهاء أن مجرد الاستيلاء هل يوجب الملك قبل الإحراز بالدار؟ وقضاء القاضي إذا صادق محلا مجتهدا فيه ينفذ؟ فإن قيل: استيلاء الكافر لا يوجب الملك قبل الإحراز بلا خلاف؛ لأن من قال بأن نفس الاستيلاء سبب للملك، وهو الشافعي ﵀، يقول: بأن استيلاء الكافر على مال المسلم لا يوجب الملك (١). وعندنا: استيلاء الكافر على مال المسلم وإن كان سببا للملك، فالاستيلاء قبل الإحراز لا يوجب الملك، فلا يكون هذا فصلا مجتهدا فيه. قلنا: هنا مسألتان اختلف العلماء فيهما:

стр. 2101

إحداهما: أن الإحراز بل هو شرط لتمام الاستيلاء إذا ورد الاستيلاء على محل الملك، عندنا شرط (١)، وعند الشافعي ﵀ ليس بشرط (٢). والثانية: أن استيلاء الكافر هل هو سبب الملك إذا ورد على مال المسلم، عندنا سبب (٣)، وعنده لا (٤). فالإمام الذي قسم هنا أخذ بقول من قال أن استيلاء الكافر على مال المسلم سبب، وبقول من قال أن الإحراز بالدار ليس بشرطٍ، فكان قضاؤه في محل الاجتهاد فينفذ. كما لو قضى بشهادة الفسّاق على غائب، أو قضى بالنكاح بشهادة رجل وامرأتين على غائب، فإنه ينفذ قضاؤه، وإن كان من يجوّز القضاء على الغائب لا يجوّز شهادة الفساق، ولا شهادة النساء مع الرجال في النكاح، لكن لما كان كل واحد من الفصلين مختلفا فيه، نفذ قضاؤه؛ لأن المجتهد يتبع الدليل لا يتبع (٥) القائل، فنفذ قضاؤه، بخلاف الفصل الأول؛ لأن ثمّة ما قضى عن إجتهاد، إذا لم يعلم أن هذا المال مصاب من المسلمين، فبطل قضاؤه. - والله أعلم -

стр. 2102

كتاب الصيد (١) باب من الصيد الذي يغرم الثاني من الراميين والمرسلين (٢) القيمةَ كلها من جنايته وجناية غيره وما (٣) لا يغرم وما يحلّ من ذلك وما لا يحل ذكر محمد ﵀ في الباب فصولا ثلاثة: فصل في الرمي، وفصل في إرسال الكلب، وفصل في إرسال الباز (٤). وبنى الباب على أصول: أحدها: أن أخذ الصيد المباح سبب للملك (٥)، قال ﵇: "الصيد لمن

стр. 2103

أخذ" (١)، والأخذ نوعان: حقيقي: وهو ظاهر، وحكمي: وهو أن يفعل به فعلا يُخرجه من حيّز الإمتناع والتنفر، ويعتبر في ذلك قيام التوحش والإمتناع وقت الإصابة، لا وقت الرمي (٢)، لأن الرمي قبل الإصابة لا يخرجه عن حيّز الإمتناع (٣). وأصل آخر: أن ما خلا الجراد والسمك من الحيوان لا يحلّ بدون الذكاة (٤)، قال

стр. 2104

الله تعالى: "إلا ما ذكيتم" (١)، و"الذكاة" (٢) نوعان (٣): اختياري: وهو الذبح في المذبح (٤)، - واضطراري: وهو الجرح (٥) مع التسمية ممن هو أهل الذكاة (٦) في أيّ موضع كان (٧).

стр. 2105

قال ابن عباس ﵄: "إن خرَق المعراض فكُل، وإن لم يخرق فلا تأكل" (١)، و"الخرق" الجرح، و"المعراض": سهم لا نَصل له، يدقّ ولا يجرح إلا أن يكون رأسه محددا فيجرح بحده (٢). فإن جرح بعَرضه ذكر الحاكم ﵀ في "المختصر" (٣) أنه لا يحل أكله (٤). وقيل المعراض سهم لا ريش له (٥)، فربما يصيب الصيد بعرضه، فيدق ولا يجرح،
следующие страницы →