ومتى اشتمل على النّصُب، وهلك منها شيء بعد الحول، عند أبي حنيفة يُصرف الهلاك إلى النصاب الأخير (١)، فإن فَضُل يُصرف إلى الذي يَليه، ثمّ وثمّ، حتى ينتهي إلى النصاب الأول (٢)، ويجعل كأن الهالك لم يكن (٣).
وعندهما (٤) يصرف إلى الكلّ على الشيّوع.
وجه قول محمد وزفر: إن الأربعين، وما زاد عليه إلى أن يجب شاتان سبب واحد لوجوب شاة واحدة، إذ ليس البعض بأولى من البعض في جعله نصابًا (٥)، ومعنى العَفو أن لا يجعل الزائد على الأربعين سببا آخر، لوجوب شاة أخرى.
هذا كالآية الواحدة مع ما زاد عليها، إن اقتصر على آية واحدة، كان جواز الصلاة
стр. 282
متعلقا بها، وإن زاد عليها يكون الكلّ فرضا.
وكذا النصاب الثاني مع النصاب الأول، وإذا كان الكلّ سببا، كان الواجب (١) متعلقًا بالكل، فإذا هلك البعض سَقط بقدره.
ولأبي حنيفة ﵀ أن النصاب أصل، والعَفو تَبع، لأن النصاب يوجد بدون العفو، والعفو على النصاب لا يوجد بدون النصاب.
وكذا النصاب الثاني تَبع للنصاب الأول؛ لأنه لا يوجد بدونه، وَصرف الهلاك إلى التبع أولى، كمَالِ المضاربة، إذا هلك منها شيء، يُصرف الهلاك إلى الرّبح (٢).
وأبو يوسف يقول: فيما إذا كان مشتملا على النصاب والعفو، يُصرف الهلاك إلى العفو؛ لما فيه صيانة الواجب عن السّقوط، وفيما إذا (٣) كان مشتملا على النصب، الكلّ سبب [واحد] (٤) وليس في صرف الهلاك إلى البعض صيانة الواجب عن السقوط، فيُصرف إلى الكلّ.
стр. 283
قال [محمد ﵀] (١):
رجل له أربعون شاة عِجافا، فإن كانت واحدة منهن تَعدل ثنية سمينة، يجب فيها ثنية وسط، وإن لم تكن، ففيها شاة من أفضلها، لأنه كان فيها شاة وسط، يجب ذلك، فعند عدمها قام الأفضل من النصاب مقام الوسط (٢).
وكذلك إن كانت مائة وعشرين، فإن زادت واحدة، وفيها شاة (٣) ثنية وسط، تجب الوسط (٤) تلك، وأخرى من أفضل العجاف إلى مائتين، فإن زادت واحدة، ففيها هذه السّمينة، وعَجفاوَان من أفضَل البواقي.
فإن هلكت هذه السمينة، فعند أبي حنيفة جعلت كأن لم تكن (٥)، وحال الحول على مائتي شاة، فيجب في المال عَجْفَاوان.
وأما (٦) عندهما: بهلاك السمينة ذهب فضل السمن، وجعل كأن الكلّ كانت (٧) عجافا، ووجب فيها ثلاث شياه عجاف، فيسقط ثلاثة أجزاء من ثلاث شياه، كل شاة مائتي جزء وجزء، ويبقى الباقي.
стр. 284
ولو هلك العجاف بعد الحول، وبقيت السمينة، عند أبي حنيفة ﵀ يجعل الهالك كأن لم يكن؛ لأن عنده يُصرف الهلاك إلى النصب الزائدة أوّلًا، ثم إلى النصاب الأوّل، فصار كأنّه حال الحول على الأربعين، ثم هلك الكلّ إلا السّمينة، فتبقى حصّتها، وذلك (١) جزء من أربعين جزأ من شاةٍ وسط، ويسقط الباقي.
وعندهما تبقي حصتها من كل الواجب، وكل الواجب سمينة وعجفاوان، كل شاة مائتا جزء وجزء، وحصّتها جزء من السمينة، وجزءان من العَجْفَاوَينِ.
رجل له أربعون شاة، عشرون سِمان أو (٢) أوسَاط، وعشرن عجاف، هلكت واحدة من السمان بعد الحول، بقي تسعة وَثلاثون جزأ من أربعين جزأ من شاة وسط، لأن فضل السمن فيما زاد على الواحدة عفو، فصار كأنّ الكلّ سمان، وهلكت واحدة.
وكذا لو هلك عشر من السِمان (٣)، يبقى ثلاثة أرباع شاة وسط.
وعند محمد: إذا هلك عشرة من السّمان، كان في الباقي نصف شاة وسط، وُربع شاة عجفا؛ لأن الواجب شائع في المال، فكان نصف السمينة في عشر سمان، وعشر عجاف، وذلك النصف باقٍ، لم يتغيّر، فبقى الواجب فيه كما كان، والنصف الآخر في عشر سمان، وعشر عجاف، وذهب سمانه، وبقيت عجافه، وكان فضل السمن في عجاف هذا النصف بسبب سمان هذا النصف، فيبطل بهلاك السمان، فيبقى ربع شاة عجفا، كأنّ هذه العشرين كانت عجافا، والواجب فيها نصف شاة عجفا، فبهلاك العشرة سقط الربع، وبقي الربع.
стр. 285
وإن هلكت سمينة واحدة، يضمّ إلى ما بقي من السمان مثلها من العجاف، وذلك تسعة عشر، فيصير ثمانية وثلاثين، فيجب فيها ثمانية وثلاثون جزأ من أربعين جزأ من سمينة، وفي العَجفاء الباقية جزء من أربعين جزأ من شاة عجفاء؛ لأن فضل السمن فيها، كان بسبب السمينة التي هلكت، فيبطل بهلاكها.
رجل له خمسون بنت مخاض عجفا إلا واحدةً سمينة، تَعدل خمسين درهما، وقيمة الباقي عشرة عشرة، وقيمة الحقة الوسط مائة، يجب فيها حقّة تساوي ستين درهما؛ لما ذكرنا.
فإن هلكت السمينة، جعلت (١) كأنها لم تكن عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنّ ما زاد على ستّ وأربعين عَفو، وعندهما يُصرف الهلاك إلى العفو، فتجب في الباقي حصة بقدرها. (٢) فيجعل في الباقي بقدرها.
وعند محمد في الباقي تسعة وأربعون جزأ من خمسين، من الحقة الواجبة بقدر النصاب، ويبطل فضل السمن بهلاك السمينة، وجعل كأن الكلّ كان عجافا، والواجب عند، شائع في الكلّ، فيسقط جزء من خمسين جزأ من الحقة المقدرة بالنصاب (٣)؛ لِما مرّ.
وإن هلك الكلّ إلا السمينة، ففيها خمس شياه وسط عند أبي حنيفة؛ لأن عنده الهلاك يُصرف إلى النصب الزائدة، فيجعل كأنّ الحول حال على خمس من الإبل، ثم هلك، الكلّ إلا واحدة.
стр. 286
وعند أبي يوسف، يجب جزء من ستة وأربعين جزأ من الحقة التي كانت تساوي ستين؛ لأن ما زاد على ستة وأربعين عفو، فلا يعتبر (١)، فصار كأنه حال الحول على ستة وأربعين.
وعند محمد، يجب (٢) فيها جزء من خمسين جزأ من الحقة التي كانت تساوي ستين؛ لما ذكر (٣).
- والله أعلم -
стр. 287
باب من زكاة البقر والعَجَاجيل العجاف (١)
بنى الباب على ما تقدّم، أن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تجب الزكاة في العَجَاجيل، وأدنى الِسنّ الذي يتعلق به الزكاة في البقر تَبِيع، كابنة المخاض في الإبل (٢).
[قال محمد ﵀] (٣):
رجل ملَك ثلاثين تبيعا عجافا، وحال عليها الحول، ففيها تَبيع من أفضلها؛ لما قلنا في الإبل.
وإن كانت أربعين، كلها عجاف، ففيها مسنة بقدرها.
وتفسيره: أن ينُظر إلى قيمة مسنّة وسط، وإلى قيمة تبيع وسط، فإن كانت قيمة التبيع لوسط أربعين، وقيمة السنة الوسَط خمسين، ففيها مسنة مثل أفضلهن، وُربع التي تَليها في الفضل، فإن كانت أفضلهن تساوي ثلاثين، والتي تليها عشرين، تجب فيها مسنة، تساوي خمسة وثلاثين، ليكون مثل أفضلهنّ، وربع التي تليها [في الفضل] (٤).
стр. 288
وإن كانت البقر ستين عجافا، فيها تبيع وسط، يُؤخذ ذلك الوسط، وأخرى من أفضلهن.
فإن هلك الكل بعد الحول إلا التبيع الوسط، يجب في الباقي (١) عند أبي حنيفة جزء من ثلاثين جزأ من تبيع وسط؛ لأن ما زاد على النصاب الأول، عنده تَبع يصرف الهلاك إليه، فصار كأن لم يملك إلا ثلاثين، ثم هلك إلا واحدة (٢).
وعند محمد في الباقي، جزء من ستين جزأ من تبيع وسَط وجزء من ستين جزأ من تبيع عجفا.
وكذلك عند أبي يوسف؛ لأن عنده في النّصُب يصرف الهلاك إلى الكل.
- والله أعلم -
стр. 289
كتاب الأيمان (١)
باب اليمين بالعتق ما يصدّق فيه المولى (٢) وما لا يصدق
مسائل الباب أقسام ثلاثة:
أحدها: أن يُوقع العتقَ (٣) بلفظ عام، ويستثني البعض بصفة، ثم يدّعي وجود تلك
стр. 290
الصّفة في البعض. وهو على وجهين:
إن كانت الصفة أصلية، أو عارضَة ظاهرة، كان القول قوله (١)؛ لكونه متمسكا بالأصل، أو لكون الظاهر شاهدا له (٢).
وإن كانت الصفة عارضة خفية لا يُقبل قوله؛ لأن ظاهر الإيجاب تناوله، فهو يريد (٣) بهذه الدعوى إبطال العتق الثابت ظاهرًا، بأمرٍ باطنٍ لم يُعرف ثبوته، فلا يصدق.
والقسم الثاني: أن يكون الإيجاب مضافا إلى موصوف بصفة (٤)، بأن يكون المفرد بالصفة مقدّما على لفظة الإيقاع، ثم ينكر ذلك الوصف في البعض، وفي هذا، القولُ قولُه، سواء كانت الصفة أصلية، أو عارضة (٥)؛ لأن الإيجاب لم يتناول إلا موصوفا بصفة، فإذا أنكر تلك الصفة، فقد أنكر الإيجاب.
والثالث: أن يكون الإيقاع معلّقا بنفي فعل، أو صفة (٦)، وفي هذا، القولُ قوله،
стр. 291
[سواء] (١) قَدّم الصفةَ، أو أخّر؛ لأن منكر الشرط يكون منكرًا للإيجاب.
أمّا القسم الأول:
قال محمد ﵀:
لو قال: "كل جارية لي، فهي حُرّة، إلا أمهات أولادي"، عتقن إلا أمّهات أولاده، لأن المستثنى خارج عن الإيجاب، فإن قال لجارية: "هذه أمّ ولدي" (٢) وأنكرت الجارية، لم يُصدّق، لأنها دخلت تحت قوله: "كلّ جارَية لي"، وهذه صفة عارضة لم يُعرف ثبوتها، فهو بهذه الدعوى يريد إبطال العتق الثابت من جهة الظاهر (٣)، فلا يُصدّق.
وكذلك لو كان مع كل واحدة منهنّ أولاد، لا يُصدق المولى؛ لأن الولَد قد يكون من المولى (٤)، وقد يكون من الزوج.
فإن قيل: وجود الولد دليل على صدق مَقالته، ألا ترى أن المريض مرض الموت (٥)، إذا أقرّ بالاستيلاد (٦) في جارية، إن كان معها ولد، يعتبر من جميع المال، وإن
стр. 292
لم يكن معها ولد، يعتبر ذلك (١) من ثُلث المال، بمنزلة الإعتاق.
قلنا: وجود الولد إن كان شاهدا للمولى، فكون الاستيلاد عارضًا (٢) شاهد للجارية، فوقع التعارض، فلا يَثبُت الاستيلاد، فبقيَ العتق واقعًا بعموم الإيجاب، وفي مسألة (٣) المريض، وقع التعارض على الوجه الذي ذكرنا (٤)، وحق الوارث لم يكن متعلقا بها، فلا يتعلق بالشك، والاعتبار من الثلث لحقّ الوارث.
وإذا عتقت الجارية (٥)، ثبت نَسب الأولاد من المولى؛ لأنه ادّعى نسب ولدٍ مملوكٍ له، فيثبت (٦)، وليس من ضرورة ثبوت النّسب أميّة الولد، كما في ولد المغرور.
стр. 293
وكمن باع جاريةً، فولدت عند المشتري لأقل من ستة أشهر، فأعتق المشتري لجارية، ثم ادّعى البائع نسب الولد، ثبت النسب [منه]، ولا تَصير الجارية أمّ ولدٍ له.
فإن كان المولى ادّعى نسب الأولاد قبل الخصومة، وقد علم ذلك منه، ولكنّه لا يدرى أنه ادّعى قبل اليمين، أو بعده (١)، فقالت الجارية: كانت الدعوة (٢) بعد اليمين، وقال المولى: كانت قبل اليمين، فالقول قوله.
لأن الدعوة حادثة، واليمين حادث (٣)، والأصل في الحَوادِث أنه إذا لم يعلم التاريخ، يجعل كأنّهما وُجِدا معًا (٤).
ولو تصوّر وقوعُهما (٥) معًا، كان الاستيلاد أولى، فيكون مقدمًا، كجارية بين رجلين، أعتقها أحدهما، واستولَدها الآخر، كان الاستيلاد أولى؛ لأنه يستند إلى وقت
стр. 294
العُلوق (١)، والعتق يقتصر، كذلك هنا، فإن لم يكن له جارية (٢) إلا أمّهات أولاده، صحّ الاستيلاد (٣).
ولا يقال: بأن هذا استثناء الكلّ من الكلّ (٤)، لأنّا نقول: الباطل استثناء الكلّ لفظًا، لا حالًا وحكمًا، وهذا استثناء الكلّ (٥) حالا وحكمًا (٦).
فإنه لو كان له جَوارٍ غيرَهن، كان اللفظ متناولا لتلك الجواري، فإنما لم يتَناول غيرَهنّ ههنا لمكان العدم، لا لأجل اللفظ.
هذا (٧) كما لو قال: "نسائي طَوالِق إلا فلانة وفلانة، وفلانة"، وليس له امرأة
стр. 295
سِواهنّ، يصحّ الاستثناء (١).
وكذا لو قال: "أنت طالق أربعًا إلا ثلاثا"، صحّ (٢) الاستثناء، وتَقع واحدة، وإن كان الطلاق لا يزيد على الثلَاث، (٣) كذلك ههنا.
ولو قال: "كل جارية لي، فهي حُرّة، إلا جارية ثيّبا"، ثم قال: "هذه ثيّب"، وأنكرت، لا يصدّق؛ لأن البكارة أصل، فكان العتق واقعا بحكم الأصل، فلا يصدق في صَرفِ العتق الواقع من حيث الظاهر (٤).
لكنّ القاضي يُريها النساء، فإن قلن: هي بكر، عتقت، لا بشهادة النساء؛ لأن الاستثناء لم يثبت، وإن قلن: هي ثيّب، لم تعتق، لأَن هذا ما لا يطلع عليه الرجال، فيقبل
стр. 296
فيه شهادة النساء، الواحدة والثّنتان فيه سواء، ولم يذكر يمين المولى.
قال الفقيه أبو بكر البلخي (١) ﵀: هذا الجواب [على] (٢) قولهما؛ لأن عندهما شهادة النساء فيما لا يطّلع عليه الرجال حجّة مطلَقة، أما على قول أبي حنيفة ﵀: شهادة النساء (٣) لا تكون حجَةً إلا إذا تأيدت بمؤيّد كالحَبل الظاهر وغيره، (٤) فلا بدّ من يمين المولى هنا، حتى يكون حجّة.
و [هذا كما] (٥) ذكر في "الجامع" (٦): إذا اشترى جارية على أنها بكر، فادّعى المشتري قبل القبض أنها ثيّب، فإن القاضي يريها النساء، فإن قلن: "إنها بِكر"، لا تردّ،
стр. 297
وإن قلن: "إنها ثيب" يحلف المولى عند أبي حنيفة، كذلك هنا.
وإن أشكل على النساء حالها، فهي حُرة، لا سبيل عليها (١)؛ لأن الاستثناء لم يثبت، فبقي العتق واقعًا بحكم الأصل.
وإن كانت ثيبا وقت الخصومة، فقالت: كنتُ بكرا وقت اليمين، وقال المولى: كانت (٢) ثيبًا وقت اليمين، فالقول قول المولى؛ لأن الثيابَة ثابتة في الحال، ووقع الشك في الماضي، فيجعل الحالُ حكما، كربّ الطاحونة مع المستأجر، إذا اختلفا في جَرَيان الماء وانقطاعه، يجعل الحال حكما (٣).
وإن كانت المرأة متمسّكة بالأصل، وهي البكارة، لكن تمسّك الحارية بالأصل (٤) لاستحقاق العتق، وتمسّك المولى بظاهر الحال (٥) لدفع العتق، والظاهر يَصَلَح حجة للدفع، دون الاستحقاق (٦).
стр. 298
وكذا لو قال: "كلّ جارية لي، فهي حرّة، إلا جارية خبّازة"، ثم قال: "هذه خبّازة"، أو قال: "إلا جارية اشتريتُها من فلان"، أو "جارية وطئتها البارحة"، ثم ادعى الشّراء، والوطء في البعض، وأنكرت الجارية، كان القول قول الجارية؛ لأنه استثنى بصفة عارضة (١)، فكان الإيجاب متناولا لها بقضية الأصل (٢).
ولو قال: "كل جارية لي، فهي حرة، إلا جارية خُراسانية"، ثم قال: "هذه خراسانية"، كان (٣) القول قوله؛ لأن الخراسانية من يكون مولدها بخُراسان، وهذه صفة أصلية، والاستثناء تكلّمٌ بالباقي بعد الثنيا، فكما لا يُعلم (٤) أنها خراسانية، حتى تدخل
стр. 299
تحت الاستثناء، لا يُعلم (١) أنها غير خراسانية، حتى تدخل تحت الإيجاب، بخلاف ما إذا كان الاستثناء بصفة عارضة (٢)، لأن ثقة (٣) الإيجاب متناوِل لها، ما لم يثبت الاستثناء.
أما هنا بخلافه، إليه أشار محمد في الكتاب (٤)، فقال: الجَوَاري أبكار حتى يُعلم (٥) غير ذلك، والجواري لم يلدن حتى يعلم أنهنّ قد وَلدن، ولست أدري أخراسانيات أم غير خراسانيات.
ولو قال: "كلّ جارية لي، فهي حُرة إلاجارية هي بكر" ثم قال: "هذه بكر" كان القول قوله: لأن البكارة صفة أصلية، ولم يذكر هنا رؤية النساء؛ لأنهن وإن شهِدت بالثيابة، كان للمولى أن يقول: كانت بِكرًا وقت اليمين، ويُقبل قوله، فلا تفيد شهادة النساء.
فإن اختصما إلى القاضي، وهي ثيّب، فقال المولى: صارت ثيّبا بعد اليمين، وقالت: كنتُ ثيبًا وقت اليمين، فالقول قوله، ولا يُجعل الحال حكما (٦)، بخلاف ما تقدم؛ لأن هنا الحال شاهد للجارية، وحاجتها إلى الاستحقاق، والحال لا يصلح حجةً للاستحقاق (٧)، وفيما تقدم الحال شاهد للمولى، وحاجته إلى الدفع، ويصلح الظاهر (٨)
стр. 300
شاهدا له.
ألا ترى أن صاحب اليَد في الدار، لا يستحق الشفعة بيده، ما لم يقم بالبينة على المِلك.
وكذلك مسلم مات، فجاءت امرأته مسلمة، وقالت: كنتُ نصرانية، وقد أسلمت قبل موته، وقالت الوَرثة: لا، بل أسلَمَتْ بعد موته، فالقول قول الورثة، ولا يجعل الحال شاهدا لها.
وبمثله كافر مات، فجاءت امرأته مسلمة، وقالت: أسلمت بعد موته، وقالت الورثة: بل أسلمت قبل موته، فالقول قول الورثة؛ لأن حاجتهم إلى دفع (١) الاستحقاق، تصلح الظاهر شاهدا لهم (٢).
وكذا لو قال: "إلا جاريةً لم أطأها البارحة، أو "جاريةً لم أشترها من فلان"، ثم قال: "هذه (٣) لم أشترِها من فلان، و (٤) "لم أطأها البارحة"، لأن الأصل عدم الشّراء، أو عدم الوطء، فكان القول قوله.
стр. 301
وأما القسم الثاني:
إذا قال: "كل جارية لم تلِد، فهي حُرة"، أو قال: "كل جارية لي غير خبّازة، فهي حرة"، ثم قال: "هذه خبّازة"، أَو ["لم تلِد مني"] (١) كان القول قوله؛ لأنه ما أوجب العِتق على وجه العموم، وإنما أوجب العتق (٢) الموصوف بصفة، وكان الإيجاب معلّقا بوجود ذلك الوصف، فإذا أنكر ذلك [الوصف] (٣)، فقد أنكر الشرط، فكان القول قوله (٤).
وكذا إذا قال: "كل جارية لي لم أطاها البارحة"، ثم قال: "وطئتُ الكلّ"، كان القول قوله، مِن أصحابنا ﵏ مَن قال: هذا إذا تصؤر وطئ الكل في ليلة واحدة، وإن كان لا يتصور لكثرتهن، لا يُصدق إلا أنا نقول: ذلك متصوّر، وإن كثُرت بأن يولِج في كل جارية، وينزل في آخرهنّ، وكذا لو قال: "كل جارية لي لم أشترها من فلان"، ثم قال: "هذه اشتريتها من فلان"، قُبل قوله، لما ذكرنا.
وأما القسم الثالث:
إذا قال: "كل جارية لي، فهي حرة، إن كانت لم تلد منى"، أو أخر الحرّيّة، فقال: "كل جارية لي، إن كانت لم تلِد مني، فهي حرّة"، أو قال: "كل جارية لي إن كنتْ لم أشترها من فلان، فهي حرة"، ثم قال: "هذه ولدَت مني، وهذه اشتريتُها من فلان"، قُبِل
стр. 302
قوله.
لأن هذا تعليق صريحًا، فيكون القول قوله، سواء قَدّم الشرط، أو أخّر؛ لأن المعلّق بالشرط، عدمٌ قبل الشرط، فإذا أنكر الشرط، كان القول قوله، سواءٌ كانت الصفة أصليّة، أو عارضة (١).
- والله أعلم -
стр. 303
باب اليمين التي تقع على بعض ما حلَفْ دون بعض
في الباب فصلان: فصل في الشراء، وفصل في المَسّ (١).
والأصل فيه: أن اليمين يُحمَل على المتَعَارَف (٢).
стр. 304
قال محمد ﵀:
رجل حلف بطلاق، أو عتاق، أن لا يشتري ذهَبا، أو فضّة، فاشترى الدنانير بالدراهم، أو اشترى الدراهم بالدنانير، لا يحنَث، لأن شراء الدراهم [والدنانير] (١)، لا يسمى شراء الذهب والفضة في العُرف، ألا ترى أن بائع هذه الأشياء، لا يسمى بائع الذهب والفضة في العرف، بل يُسمى صَيْرَفيّا (٢)، فكذلك المشتري؛ لأن البيع يقوم بهما (٣).
وعن أبي يوسف أنه يحنث (٤)؛ لأنه اسم جنس، ويدخل تحت قوله ﵇: "في عشرين مِثقال ذَهَب نصف مثقال" (٥).
стр. 305
وجه ظاهر الرواية: العُرف (١)، ألا ترى أن من حلف لا يشتري شَعرا، فاشترى جارية، لها ذوائِب شَعر، لا يحنث؛ لما ذكرنا.
وكذا لو اشترى دارًا (٢) في سَقفها سَبائِك (٣) ذهب أو فضة، لا يحنث؛ لأن بائعه يسمى بائع الدار، فكذلك المشتري.
ولو اشترى نُقرة (٤) فضة، أو سَبيكة ذهب، أو تِبرا، أو قُلْبا (٥) من ذهب أو فضة،
стр. 306
أو طوقًا من ذهب أو فضة، حنث في يمينه (١)؛ لأن بائع هذه الأشياء يسمى بائع الذهب والفضة، والسوق الذي يُباع (٢) فيه هذه الأشياء يُسمّى (٣) سوق الذهب، كذلك المشتري.
ولو حلف لا يشتري حديدا، فاشترى دِرعا، أو سيفا، أو سكّينا، أو سَاعِدين، أو بيضة، أو إبرًا، أو مسالا، لا يحنث؛ لأن بائعَ هذه الأشياء لا يسمى حَدّادا، بل يسمى سلاحيا، أو سقطيا، أو أبّارا، والسوق الذي يباع فيه هذه الأشياء يسمى سوق الأسلحة، فكذلك المشتري (٤).
وعن أبي يوسف في "الأمالي" (٥): لو اشترى درعا، أو نَصْل سيف، أو سكينا، حنث (٦)، وذلك محمول على اختلاف العرف باختلاف البلدان.
ولو اشترى حديدا غير مَضروب، أو آنية، أو كانونا (٧)، أو مَسَامير حديد، أو قُفلا، حنث (٨)؛ لأن بائع هذه الأشياء يسمى حدادا، ويباع في سوق الحدادين.
стр. 307
قال مشايخنا ﵏ في الأقفال والمسامير: في عرف بلادنا لا يحنث؛ لمكان العرف (١).
فإن نوى الحقيقةَ في جميع ما ذكرنا، حنَث، لأنه نوى الحقيقة، وفيه تشديد علو، نفسه.
ولو حلف: لا يشتري صُفرا (٢)، فاشترى صفرا غير معمول، أو آنية (٣) حنث. ولو اشترى فُلوسا لا يحنث؛ لأن بائع الفلوس لا يسمى "صفًارا"، بل يسمى "فلوسيا" (٤).
ولو حلف: لا يشتري شَبَها (٥)، فاشترى آنية (٦) حنث؛ لما قلنا.
ولو حلف: لا يشتري خَزًّا، فاشترى جلد خَز، أو شعر خز، أو ثوبا خالصًا من خز، أو ثوبا فيه خز يحنث؛ لأن بائعه يسمى خزازا عرفا، وإن كان الخَز حقيقةً اسم لدابة في البحر (٧).
стр. 308
ولو حلف لا يشتري قُطنا أو كتّانا (١)، فاشترى ثوب قطن أو كتّان (٢)، لا يحنث وهو على غير المعمول، لأن بائع الثوب لا يسمى قَطّانًا أو كتّانيًا، وفي عُرفنا: في الكتان يحنث بشراء الثوب.
ولو حلف لا يشتري طينًا، فهذا على مما يسمى طينا، ولا يحنث بشراء الدار واللبِن؛ لأنه لا يسمى طينا.
ولو حلف لا يشتري صُوفا، فاشترى شاةً على ظَهرها صوف بدراهم، أو بصوف مجزوز، لا يحنث، لأن البائع يسمى بائع الشاة، فكذا المشتري (٣).
وعن أبي يوسف ﵀: إذا اشتراها بصوف مجزوز يحنث؛ لأن الصوف على ظهر الشاة يصير مَبيعا في هذه الصورة، حتى لا يجوز البيع إلا على طريق الاعتبار.
وفي ظاهر الرواية لا يحنث؛ لأن الصوف ليس بمبيع، فإن بيع الصوف على ظهر الشاة لا يجوز، لكن اعتبرنا شبهة المقابلة تحرزا عن الرّبا، وجوّزنا البيع بطريق الاعتبار.
ولو حلف لا يشتري لبَنا، فاشترى شاة في ضِرعها لبن، لا يحنث؛ لأنه لا يسمى
стр. 309
بائع اللبن، فكذلك المشتري (١).
وكذلك لو حلف: لا يشتري رُطَبا، فاشترى كِباسَة (٢) بُسر، فيها رطب، أو حلف: لا يشتري شعيرا، فاشترى حنطة فيها حبّات شعير، لَا يحنث؛ لأن المحلوف عليه دخل في البيع تَبعا، فلا يحنث (٣).
ولو حلف: لا يشتري قصَبا، فاشترى تَوريا (٤) من قصب، لا يحنث، لما قلنا.
وكذلك لو حلف: لا يشتري شعرا، أو صوفا، فاشترى جُوالقا (٥)، أو مِسْحًا (٦) لا يحنث؛ لما ذكرنا، وإنما يحنث بشراء غير المعمول.
ولو عقَد يمينَه على المسّ في جميع هذه المسائل، يحنث (٧)؛ لأن الحقيقة تركت
стр. 310
في البيع، والشراء (١) لمكان العرف.
ولا عُرف ههنا إلا في القطن والكتان؛ لأن بالصنعة صار شيئا آخَر، بخلاف التوري والمسح؛ لأن عين القصب والشعر قائم بعد الصنعة، ولهذا لو نقَض يعود قصبا وشعرا، وثمّة لا يعود قطنا، إذا انتقض.
- والله أعلم -
стр. 311
باب من الأيمان التي يحلف ليجعلنّ من شيء واحد شيئين فيكون أحدهما بعد صاحبه
بنى الباب على أن بقاء اسم الشيء يدلّ على بقاء ذلك الشيء، وزوال الاسم يدل على زواله؛ لأن الأسَامي جُعِلت أعلاما على المسمّيات، فزوال الاسم يدل على زوال المسمّى (١).
قال محمد ﵀: رجل حلف: ليجعلن من هذا الثوب قَباء وسَراويل، فجعله قباء، ثم نقضه، فجعله سراويل، برّ في يمينه، لأن شرط برّه جَعل القباء، والسراويل من الثوب مطلقا غير مقيّد بصفة الجمع أو التعاقب، وقد وُجد؛ لأن اسم الثوب لا يزول بجَعله قباء.
ألا ترى أن مَن حلف: لا يلبس ثوبا، فلبِس قباء، حنث (٢).
стр. 312
وكذا لو أشار إلى الكِرباس (١)، وحلف: لا يلبَس هذا الثوب، فخاطه قباء، ولبِسه، حنث في يمينه (٢).
وإذا بقي الإسم بعد جَعل القباء والسراويل من الثوب، فإن نوى أن يجعل البعض قباء والبعض سراويل، صحّث نيته، ويحنث، لأن مثل هذا الكلام قد يُذكر، ويُراد به بيان حَذاقته، أو بيان سِعة الثوب، فإذا نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد على نفسه، يصدّق.
وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل (٣) ﵀ أنه قال: يُنظر إلى
стр. 313
سابقة الكلام، فإن دلّ ذلك على أنه أراد به بيان الحذاقة والخياطة، يكون حانثا، وإلا فلا (١).
ولو قال: عبده حر، إن لم يجعل من هذه المِلحفة، أو من هذا الرداء قباء، وسَراويل، فجعلها قباء، ثم نقض، وجعَل سراويل، حنث في يمينه؛ لأن اسم الملحفة يزول بجعلها قباء، وإنما جعل السراويل من القباء، لا من الملحفة، فيحنث، وإن كانت، الملحفة لا تسَع لهما، يحنث للحال؛ لوقوع اليَأس عن البَرّ، وكذلك إذا جعلها قباء، يحنث للحال، لوقوع (٢) اليأس عن البَرّ.
وعن محمد ﵀ في "النوادر": حلف (٣) ليقطعنّ من هذا الثوب قميصين، فقطع قميصًا، وخاطَه، ثم فتَقه، وخاطه مرّة أخرى، حنث (٤)، ولو فتقه، وقطع تقطيعا آخر، وخاطه، لا يحنث (٥).
ولو قال: لأقطعنّ منه قميصَين (٦)، فقطع قميصا، وخاطه، ثم فتَقه، ثم قطع
стр. 314
قميصا آخر على غير ذلك التقطيع، قال: لا يحنث (١)، ذكره في "المنتقى" (٢).
ولو قال: ليخيطنّ من هذا الثوب قميصين، فقطع قميصا، وخاطَه، ثم فَتَقه، وخاطه قميصا آخر، بَرّ في يمينه، والفرق ظاهر (٣).
ولو قال: عبده حر، إن لم يجعل هذه الدار بُستانا، وحمّاما، فجعلَها بستانا، ثم حمّاما، أو حماما ثم بستانا، حنث؛ لأن اسم الدار يزول بجعلها بستانا أو حماما، كاسم الملحفة، ولو جعل البعض بستانا، والبعض حماما برّ في يمينه.
ولو لحف ليجعلنّ من هذه الدار منزلا وحمّاما، فجعلَها منزِلا ثم جعلها حماما، لا يحنث؛ لأن اسم "الدار" لا يزول بجعلها منزلا، ألا ترى أن من حلف لا يدخل دارا، فدخل منزلا منه، حنث، وإذا بقى اسم الدار، فقد جعل الحمّام من الدار، فيكون بارًا في يمينه.
стр. 315
وإن (١) جعلها حمّاما أوّلا ثم منزلا، حنث؛ لأن اسم الدار يزول بجعلها حماما.
ثم ذكر محمد ﵀ على وجه الاستشهاد، فقال: رجل قال: إن اشتريت أنا وفلان عبدا، فعبدي حر، فاشترَياه معًا، أو أحدُهما بعد الآخر، حنث في يمينه.
إنما أراد بهذا الاستشهاد أن الحِنث إذا تعلّق بشيئين، يشترط وجودُهما مطلقا، ولا يتقيّد بصفة الاجتماع والتعاقب.
стр. 316
باب من الأيمان التي يفترق فيها الملك وغير الملك
في الباب فصلان:
فصل: في إضافة المِلك كالدار، والعبد، وغير ذلك.
وفصل: في إضافة النسبة، كالزوج، والأخ، والصديق، وغير ذلك.
وكل فصل على وجهين: إما أن جمَع بين الإضافة والإشارة، أو أفرد الإضافة عن الإشارة.
والأصل فيه: أنه متى جمَع بين الإضافة. والإشارة في إضافة النسبة، تُعتبر الإشارة دون الإضافة، (١) فيحنث وإن انقطعت الإضافة.
وفي إضافة الملك كذلك عند محمد.
وعندهما كما تُعتبر الإشارة، تعتبر الإضافة، فلا يحنث إذا انقطعت الإضافة، وإن أفرَد الإضافة عن الإشارة.
أجمعوا على أن في إضافة المِلك إذا وجُد الفعل بعد زوال الإضافة، لا يحنث (٢).
стр. 317
واختلفوا في فصل النسبة: قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا وجد الفعل بعد زوال الإضافة، لا يحنث، وقال محمد: يحنث.
وهل يدخل في اليمين ما حدَث بعد اليمين في إضافة النسبة؟
لا يدخل الحادث في ظاهر الرواية (١)، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يدخل.
وفي فصل الملك يدخل الحادث، كما يدخل القديم.
وعن أبي يوسف: أن فيما لا يَستَحدِث فيه الملك عادةً كالدار، ينصرف المين إلى الموجود وقت اليمين، لا إلى الحادث بعد اليمين.
وعنه في رواية أن في الكلّ لا يدخل الحادث بعد اليمين، والصحيح هو الأول (٢).
إذا عرفنا هذا، قال [محمد ﵀] (٣):
رجل حلف: لا يدخل دارَ فلانٍ هذه، أو لا يكلّم عبد فلان هذا، أو لا يركب دابّة فلان هذه، ففعل بعد ما باع فلان داره، أو عبده، لا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: يحنث.
لمحمد (٤) أن الإضافة للتعريف، والإشارة كذلك، والإشارة أبلَغ (٥)؛ لأنها تقطع
стр. 318
شركة الأغيار، والإضافة لا تقطع، فتعتبر الإشارة، وتَبْطل الإضافة (١).
ولهما: أن لكل واحدةٍ منهما فائدة سوى فائدة الأخرى، أما فائدة الإضافة أن المملوك لا يُهجَر لعينه، وإنما يُهجر لأجلِ مالَكه، فكان المقصود إظهار غيظِ لَحِقَه من المالك، والمقصود من الإشارة تقييد اليمين بهذا المحل، لعداوةٍ وقعَت بينهما بسبب هذا المحلّ.
وإذا كانت الإضافة داعيةً إلى اليمين تقيّد اليمين ببقائها (٢)، بمنزلة الاسم والصفة، إذا كانت داعية إلى اليمين تقيّد اليمين ببقاءها.
كما لو حلَف: لا يأكل هذا الرّطَب، فأكل بعد ما صار تمرا، لا يحنث؛ لأن صفة الرطوبة تَصلح داعية إلى اليمين، لضَررٍ تعلق بها، فتَتَقيّد اليمين ببقائها (٣).
بخلاف ما إذا حلَف: لا يكلّم هذا الصبي، فكلّمه بعد ما شاخ، حنث؛ لأن
стр. 319
صفة الصّباء داعية إلى الرحمة، لا إلى الهجران، فلا يُعتبر (١)، وتعلق اليمين بالإشارة.
فإن قيل: هذا يستقيم في الثوب والدار، لا في العبد؛ لأن العبد قد يهجر لعينه.
قلنا: روى ابن سماعة (٢) عن أبي حنيفة ﵀ في العبد، كما قال محمد ﵀ (٣).
وفي ظاهر الرواية: لا فرق بين الدار، والعبد؛ لأن العبد لخِسّته، وسقوط [رُتبته] (٤) ملحَق بالجَمَادات لا يقصد بالهجران، فكانت الإضافة معتبرة، فلا يحنث عند زوالها.
فإن قال: عَنَيت بهذا أن لا أدخلها ما دامت في مِلكِ فلان.
قال محمد ﵀: يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوَى محتمل لفظه، ولا يُصدّق قضاءً؛ لأنه نوَى تخصيص بعض الأحوال، فلا يصحّ، فصار (٥) كما لو حلف: لا يأكل طعامًا، ونوى طعاما دون طعام.
وإن قال (٦): عَنيت أن لا أدخلها حال قيام الملك، وبعد الزوال أيضًا، يصدّق،
стр. 320
قضاء؛ لأنه نوى التشديد.
وإن أفرد الإضافة عن الإشارة، بأن قال: لا أكلّم عبد فلان، لا أركب دابّة فلان، [لا أسكن دار فلان] (١)، لا ألبَس ثوب فلان، فباع فلان داره، أو عبدَه، أو ثوبَه، ففَعَل الحالف، لا يحنث.
أما عندهما فظاهر، وكذلك عند محمد؛ لأنه لما أفرَد الإضافة عن الإشارة كان المراد إظهار غيظ لحقّه من جهة المالك.
وإن كلّم عبدا، اشتراه فلانٌ بعد اليمين، أو ركب دابة اشتراها فلان بعد اليمين، حنث في يمينه؛ لما ذكرنا أن المقصود هجران المالك مطلقا، وفي هذا لا فرق بين الحادث والقديم.
وهذا فيما يستحدث الملك فيه عادة، أما ما لا يستَحدِث المِلك فيه عادة، كالدار، وأفرد الإضافة عن الإشارة، فالمسألة (٢) على وجوه:
إن دخل دارا كانت في ملكه وقت اليمين، ووقت الدخول، حنث في قولهم جميعا (٣).
وإن دخل دارا (٤) كانت في ملكه وقت اليمين، وهي ليست في ملكه وقت الدخول، لا يحنث؛ لأن الإضافة داعية إلى اليمين، وقد زالت.