← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وحرف اللام للتعليل، قال ﵇: "صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته" (١). وكلمة "في" للظرف حقيقة، فإذا دخلت على الفعل يراد بها الشرط، ولهذا لو قال لامرأته: "أنتِ طالق في دخولكِ الدار" (٢)، لا يقع ما لم تدخل (٣). إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل قال لامرأته: أنتِ طالق بمشيئة الله، أو بمحبّته، أو بإرادته، أو برِضاه، لا يقع (٤)، ويكون استثناء (٥).

стр. 422

وإن قال: بمشيئة فلان، أو بمحبّته، أو بإرادته، أو برضاه، أو بهواه، كان تمليكا (١)، إن قال فلان في المجلس: شئت، أو رضيت، أو ما أشبه ذلك، يقع وإلّا فلا (٢). وفي غير ألفاظ التمليك بأن قال: بأمر الله، أو بإذن الله، أو بحكم الله، أو بعلم الله، أو غيرها من الألفاظ، يقع الطلاق (٣)، وكذا إذا أضاف إلى العبد، وقال: بأمر فلان أو غيرها (٤)، يقع الطلاق (٥). لأن حرف الباء للإلصاق، وإلصاق الطلاق بالمشيئة أو غيرها في معنى التعليق، فإن الطلاق إذا التصق بالمشيئة وغيرها (٦)، يتعلق الوقوع بوجودها، والتعليق بالموجود تنجيز،

стр. 423

وبأمر في المستقبل ليس بتنجيز (١). وحرف الباء يستعمل في الماضي، قال الله تعالى: "ذلِكَ بما قَدّمَتْ يَدَاكَ" (٢). ويستعمل في المستقبل أيْضا حتى لو قال لها: أنتِ طالق بدخولك الدار، أو أنت طالق بقبولك الألف، يتعلق بدخول وقبول في المستقبل. ففي ألفاظ التمليك يراد بها المستقبل عُرفا، يقول الرجل: "أنا خارج إلى موضع كذا بمشيئة الله"، ويريد بها أن يظهر عندها في المستقبل. وإذا انصرف إليها صار كأنه قال: أنتِ طالق إن شاء الله، أو أنت طالق إن شاء فلان، ولو قال هكذا، ففي الإضافة إلى الله تعالى يكون (٣) استثناء، وفي الإضافة إلى العبد يكون تمليكا (٤)، فكذا إذا ذكر بحرف الباء. وفي غير ألفاظ التمليك يراد بها، الموجود في الماضي عرفا، يقول الرجل: "لي على فلان ألف، بأمر فلان، أو بحكمه" (٥)، يقتضي أمرا وحكما سابقا، والتعليق بالماضي (٦) تنجيز، هذا إذا ذكر بحرف الباء.

стр. 424

وإن ذكر بحرف اللام، يقع الطلاق (١) في الألفاظ كلّها، أضاف إلى الله تعالى، أو إلى العباد؛ لأن حرف اللّام للتعليل، والعِلّة تكون سابقة، كأنّه قال: "أنت طالق؛ لأن الله تعالى شاء طلاقك"، فقد أوقع الطلاقَ، وبيّن العِلّة، ولو لم يُبيّن، كان وَاقعا، فبعد بيان العِلّة أولى (٢). وإن ذكر بكلمة "في" لا يقع الطلاق (٣) في الألفاظ كلّها للحال، ويكون تعليقا، أضاف إلى الله تعالى أو إلى العباد، إلّا في قوله: "أنتِ طالق (٤) في علم الله"، فإنه يقع في الحال؛ لأن كلمة "إن" إذا أضيف إلى ما لا يعرف، وجوده، يكون تعليقا (٥).

стр. 425

ولهذا لو قال: "أنتِ طالق في دخولك الدار"، لا يقع الطلاق (١) ما لم تدخل، لفقهٍ: وهو أن "في" للظرف حقيقة، فإذا دخل على (٢) الفعل، والفعل لا يَصلح ظرفًا، يجعل مجازا عن الشرط؛ لأن بين الظرف والمظروف اتصالا من حيث (٣) المجاورة، وبين الشرط والجزاء اتصالا من حيث التعليق (٤). إذا ثبت هذا فنقول: مَشيئةُ الله، وإرادته، وحكمه، وإن كانت موجودة، إلّا أنها غير ظاهرة لنا؛ لأنّا لا ندري أن الله تعالى شاء أو لم يشأ، حكم أو لم يحكم، فصار التعليق بها كالتعليق بشرط في المستقبل، وثَمّة لا يقع الطلاق (٥)، كذلك هنا (٦). بخلاف قوله: "أنتِ طالق في علم الله"، فإنه يقع الطلاق (٧) في الحال؛ لأن علم الله تعالى مُحيط بالأشياء، عَلِم ما كان، وما لم لكن، لا يقال: "عَلِم" و "لم يَعلَم"، فقد

стр. 426

علّق الطلاق بأمر موجود، فيكون إيقاعا. بخلاف المشيئة وغيرها، ولهذا يَصحّ أن يقال: "شاء الله كذا"، و "لم يشأ كذا"، و "حكَم" و "لم يحكم"، [ولا يصحّ أن يقال: "علِم الله كذا"، و "لم يعلم كذا"] (١). ولأن العلم يُذكر، ويراد به المعلوم، يقال في الدعاء: "اللهم اغفِر لنا عِلمَك فينا"، أي معلومك فينا، ولو قال: أنتِ طالق في معلوم الله"، يقع (٢). لا يلزم على هذا "القدرة"، فإنه لو قال: "أنت طالق في قدرة الله تعالى"، لا يقَع، وجميع الأشياء في قدرته، كما لا يوصفِ بضِدّ العلم، لا يوصف بضدّ القدرة. قالوا: هذا غلَط، بل يقع الطلاق في الحال، كما في العلم، والصحيح أنه لا يقع؛ لأن "القدرة" تذكر، ويراد بها التقدير، قال الله تعالى: "فَقَدَرْنَا فنعمَ القَادرون" (٣). وقال الله تعالى: "إلّا امرأته قَدَّرنا إنها لمِنَ الغابِرين" (٤)، قُرِئ بالتشديد والتخفيف (٥).

стр. 427

فكأن معناه: أنتِ طالق في تقدير الله، وثَمّة لا يقع (١)؛ لأنه لا يوقف على تقديره، حتى لو أراد بها حقيقة القدرة، يقع في الحال (٢). وفي "النوادر": لو قال: "أنتِ طالق في قول القضاة"، أو في قول الفقهاء، أو في قول فلان القاضي، أو فلان المفتي، أو في القضاء، أو في القُرآن، يقع الطلاق قضاءً (٣)، وفيما بينه وبين الله تعالى لا يقع، ما لم ينوِ، لمكان الاحتمال. - والله أعلم -

стр. 428

باب الطلاق الذي يقع على (١) واحدة بغير عينها ثم يكون عليها بعينها والعتاق في ذلك (٢) أصل الباب: أن الطلاق والعتاق كما يَصحّ في المعلوم، يَصحّ في المجهول، ويتعلّق نزوله في العين بشرط البيان (٣)، حتى أن ما لا يَقل التعليق، لا يصح في المجهول. والطلاق والعتاق يقبلان التعليق بسائر الشروط، فيقبَلان التعليق بشرط البيان، ويكون البيان (٤) إلى الموقِع؛ لأنه هو المجمِل، فإذا فات البيان بموته، وجب التنزيل على اعتبار الأحوال. وحرف آخر: أن البيان في الطلاق المبهَم، والعتاق المبهَم، إنشاء من وجه، إظهار من وجه؛ لأن العتاق المبهم (٥) في المعيّن غير واقع قبل البيان؛ لأن قوله: "إحداكما" لا يتناول المعيّن، وبعد البيان يصير واقعا في المعيّن، فكان البيان إنشاء من هذا الوجه.

стр. 429

ومن حيث أن محلّ الطلاق فيهما لا يَعدُوهما، فالطلاق قبل البيان (١) واقع في المحلّ، (٢) ولهذا لو قال لامرأتَيه قبل الدخول بهما: "إحداكما طالق ثلاثا، والأخرى واحدة"، بانَتَا جميعًا، ولهذا يُجبر الموقِع (٣) على البيان. والإنسان لا يُجبر على إنشاء الطلاق، فكان البيان إظهارا. فلمّا كان البيان متردّدًا بين الإظهار والإنشاء، جعلناه إنشاءً فيما يرجع إلى المحل؛ لأن المحل مجهول، فلا يملك البيان بعد فَوَات المحل، وجعلناه إظهارا في حق الزوج؛ لأن الموقَع معلوم. وفي الباب فصلان: فصل في العتق المبهم، وفصل في الطلاق [المبهم]. (٤)

стр. 430

أما الفصل الأوّل: قال محمد ﵀: رجل له ثلاثة أعبُدٍ، دخل عليه اثنان، فقال: "أحدكما حرّ"، ثم خرج أحَدُهما، ودخل الثالث (١)، فقال: "أحدكما حرّ"، فما دام حيًّا، يؤمَر بالبيان؛ لأن الإبهام جاء من جهته. فإن قال: عَنَيت بالكلام الأوّل: الخارج، عتق هو، ويؤمر بالبيان في الكلام الثاني؛ لأن الكلام الثاني قد صَحّ، لأنه خرج بين العبدين. وإن قال: عَنَيت بالكلام الأوّل: الثابت، عتق هو، وبطل الكلام الثاني؛ لأنه بقي دائرا بين الحرّ والعبد. هذا إذا بدأ ببيان الكلام الأوّل، فإن بدأ ببيان الكلام الثاني فقال: عَنيت به: الداخل، عتق الداخل، ويبيّن الأوّل في أيّهما شاء. وإن بيّن الكلام الثاني في الثابت، عتق الثابت بالكلام الثاني، والخارج بالكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل كان دائرا بينهما، فإذا عتق الثابت بالكلام الثاني عتق الخارج بالكلام الأوّل. وفيه إشكال: وهو أنه إذا بدأ بِبيان الكلام الثاني، وبيّن العتق (٢) في الداخل، فقد تبيّن أن الكلام الثاني صحيح، وَإنما يَصحّ الكلام (٣) الثاني إذا لم يعتق الثابت بالكلام الأوّل، وإذا لم يعتق الثابت بالكلام الأوّل، يعتق الخارج ضرورة، فوجب أن يعتق الخارج

стр. 431

في هذه الصورة، ولا يخير، وقد قال في الكتاب بأنه يخير (١)، والجواب نذكره بعد هذا، إن شاء الله تعالى. فإن مات المولى قبل البيان، شاع العتق بينهم على اعتبار الأحوال، فيعتق من الخارج نصفُه، ومن الثابت ثلاثة أرباعه، ومن الداخل نصفه. وقال محمد ﵀: رُبعه، أما الخارج: يعتق منه نصفه (٢)؛ لأن الكلام الأوّل أوجب عِتقَ رقبة وهي دائرة بين (٣) الخارج والثابت، فيعتق من كلّ واحد منهما نصفه، ويعتق من الثابت ثلاثة أرباعه؛ لأن نصفه عتق بالكلام الأوّل، والكلام الثاني صحيح أيضا؛ لأن الثابت وقت التكلّم بالكلام الثاني عبد؛ لأنه معيّن، والعتق الأوّل لم يصادف المعيّن، فصحّ الكلام الثاني (٤)، وموجَبه عتق رقبة بينه وبين الداخل. فإن أراد بالكلام الثاني الداخل، عتق كلّه، وإن أراد به الثابت، عتق نصفه؛ لأنه استحقّ عتق النصف بالكلام الأوّل، فالنصف الباقي من الثابت، يعتق في حالٍ دون حال (٥)، فيتنَصّف النصف، فيعتقُ ربعه بالكلام الثاني (٦) ضمّ هذا إلى ما عتق بالكلام

стр. 432

الأوّل، فيعتق منه ثلاثة أرباعه. وأمّا الداخل: قال محمد ﵀: يعتق منهُ ربعه: لأن الكلام الثاني صحيح في حال دون حال؛ لأنه إن أراد بالكلام الأوّل الثابت، لا يصحّ الكلام الثاني؛ لأنه يكون جامعا بين الحرّ والعبد. ولو أراد به الخارج، يَصحّ الكلام الثاني، فكان الكلام الثاني صحيحا في حال دون حال، (١) ولو صَحّ مطلقا، كان الثابت به عتق رقبة، فإذا صَحّ في حال دون حال، يتنصّف، فيعتق به نصف رقبة بينهما، لكل واحد منهما الربع، ولهذا كان حَظّ الثابت من الكلام الثاني. وهما يقولان: الإيجاب الثاني صحيح على كل حال؛ لأن الثابت معيّن، والكلام الأوّل لم يصادف المعيّن، فكان الثابت (٢) عبدا، فصح الكلام الثاني موجِبا عتق رقبة بينهما، لكل واحد منهما النصف، وإنما يعتق من الثابت ربعه بالكام الثاني (٣)؛ لأنه إن كان هو المراد، يعتق نصفه، وإن كان المراد هو الداخل، لا يعتق من الثابت هذا النصف، فيتنصف هذا النصف، فلهذا عتق ربعه (٤). أو نقول: الكلام الثاني أوجَب عِتق رقبة بين الداخل والثابت، فيعتق من الثابت نصفُه بالكلام الثاني، (٥) شائعا نصفه في النصف الذي عتق بالكلام الأوّل فلا يزداد ذلك،

стр. 433

ونصف النصف (١) وهو الربع في النصف الذي لم يعتق، فلهذا يعتق منه ثلاثة أرباعه. هذا إذا كان القول [منه] (٢) في الصحة، فإن كان في المرض، فعلى قول أبي حنيفة، وأبى يوسف يعتق رقبة وثلاثة أرباع رقبة، وعلى قول محمد رقبة ونصف. فإن كان ذلك يخرج من ثلث ماله، فهذا وما لو كان في الصحة سواء، وإن كان لا يخرج من الثلث (٣) وأجازت الورثة، فكذلك، وإن لم يجز الورثة (٤)، قسّم الثلث بينهم على قدرِ سِهَامِهم، فيحتاج إلى حساب: له نصف وربع، وأقلّ ذلك أربعة، فاجعل كلّ رقبة أربعة، فحقّ الخارج في سَهمين، وحق الثابت في ثلاثة أسهُم وحق الداخل عندهما في سهمين، فبلَغ ذلك سبعة. اجعل ذلك ثلث المال. وإذا جعلنا ثلثَ المال سبعة، كان جميعه إحدى وعشرين (٥)، كل رقبة سبعة: عتق. من الخارج سهمان، ويسعى في خمسة، ويعتق (٦) من الثابت ثلاثة، ويسعى في أربعة، ومن الداخل سهمان، ويسعى في خمسة، فيكون سِهام السعاية أربعة عشر، وسهام العتق سبعة، فاستقام الثلث والثلثان.

стр. 434

وعلى قول محمد ﵀ سهام الوصايا ستّة؛ لأن عنده حقّ الداخل في الربع، وهو سَهم، فيكون سهام الوصايا ستة، اجعل هذا ثلث المال (١)، وجميع المال ثمانية عشر، والمسألة إلى آخرها. وإن مات واحدٌ من العبيد قبل موت المولى، فنقول: إن مات الثابت، عتق الخارج والداخل عندهم؛ لأن الكلام الأوّل كان دائرا بين الخارج والثابت، فإذا زالت مزاحمة الثابت بمَوته، تعيّن الخارج بالكلام الأوّل، وكذا الكلام الثاني كان (٢) دائر بين الداخل والثابت، فإذا زالت مزاحمت الثابت، تعيّن الداخل للكلام الثاني (٣). وهذا على قولهما ظاهر؛ لأن كل واحد من الإيجابَين صحيح، وكذلك عند محمد؛ لأن عنده الكلام متردّد بين الصحة وعدمها، ما دام الكلام الأوّل دائرا بين الخارج والثابت. فأمّا إذا مات الثابت، مات عبدا، وتعيّن الخارج بالكلام الأوّل؛ لكون الكلام الثاني صحيحا من كل وجه، فكان هذا قول الكلّ. وإن مات الخارج، عتق الثابت بالكلام الأوّل، وبطل الكلام الثاني ضرورةً، وإن مات الداخل، يقال للمولى: بيّن الكلام الأوّل، إن أوقعه على الخارج، عتق الثابت بالكلام الثاني، وإن أوقعه على الثابت، بطل الكلام الثاني، لما قلنا. وفي "الأمالي" إن مات الخارج، عتق الباقيان؛ لأن على رواية الأمالي، الإيجاب

стр. 435

الثاني صحيح، والعتق عند البيان يقَع مقصورا على البيان، فإذا مات الخارج، تعيّن الثابت بالكلام الأوّل، فتعيّن الداخل بالكلام الثاني ضرورةً. وجه ظاهر الرواية ما ذكرنا أن تعيّن الثابت للكلام الأوّل، يبطل الكلام الثاني ضرورة (١). وأما فصل الطلاق: رجل له ثلاث نسوة، لم يدخل بواحدةٍ منهنّ، دخل عليه امرأتان، فقال: "إحداكما طالق"، فخرجت إحداهما، ودخلت الثالثة (٢)، فقال: "إحداكما طالق"، فما دام الزوج، حيّا يؤمر بالبيان (٣). فإن قال: عنَيت بالكلام الأوّل الخارجة، وقع الطلاق عليها، ويؤمَر بالبيان في الثاني، ففي أيّتهما بيَّن طلِّقت. وإن أراد بالكلام الأوّل الثابتة، طلِّقت الثابتة بالكلام الأول (٤) وبطل الكلام الثاني، لما ذكرنا في الإعتاق. ولو بدأ ببيان الكلام الثاني، إن بيّن الكلام (٥) الثاني في الداخلة، يقال له: أوقِع الطلاق الأوّل على أيتهما شئت. وإن بيّن الكلام الثاني في الثابتة، طلِّقت الخارجة بالكلام

стр. 436

الأوّل، بمنزلة ما لو قال لها بعد الكلام الأوّل: "طلَّقتك". وإن مات الزوج قبل البيان، يوزع حكم الطلاق على اعتبار الأحوال، والأحكام ثلاثة: حكم المهر، وحكم الميراث، وحكم العدة. أما حكم المهر: للخارجة ثلاثة أرباع مهرها، وللثابتة خمسة أثمان مهرها، وللداخلة سبعة أثمَان مهرها؛ لأنّ بالكلام الأوّل سقط نصف صَداق بين الخارجة والثابتة، فيسقط من صَداق كل واحدة منهما (١) الرّبع، والكلام الثاني لا يتناول الخارجة، فبقي للخارجة ثلاثة أرباع المهر (٢). وأما الثابتة: فقد سقط من صداقها الربع بالكلام الأوّل، والكلام الثاني متردّد، إن أراد بالكلام الأوّل الثابتة، لا يصحّ الكلام الثاني، وإن أراد الخارجة، صح الكلام الثاني (٣) فيتنَصّف النصف، فيسقط به الربع من ذلك (٤) بين الثابتة والداخلة، فيسقط من صداق كل واحدة منهما الثُّمن، فالثابتة سقط من صداقها مَرّة الربع، ومرّة الثمن، بقي لها خمسة الأثمان، والداخلة لم يسقط من صداقها إلّا الثمن، فبقي لها سبعة أثمان المهر. قيل: هذا قول محمد ﵀، أما على قولهما: الإيجاب الثاني صحيح على كل حال، لما ذكرنا في العتاق، وإذا صَح الكلام الثاني (٥)، كان للداخلة ثلاثة أرباع المهر،

стр. 437

ومنهم من قال: بأن هذا قول الكلّ. وفرّق لأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله بين الطلاق والعتاق، والفرق أن العبيد لهم أحوال ثلاثة: حالة الرّق، وحالة الحرّية، وحالة متردّدة (١): وهي حالة الكتابة، وعِتق البعض والسعاية في قول أبي حنيفة ﵀، والثابت إذا تردّد حالُه بين الرّقّ والحرية، كان محلًّا للعتق، وأمكن تصحيح الكلام الثاني على كلّ حال. أما النساء: ليس لهن إلّا حالتان: حالة النكاح، وحالة الطلاق. والطلاق لا يتجَزّأ عند الكل (٢)، إذا طلِّقت نصف الثابتة بالتوزيع، طلِّقت كلّها، فلا يصحّ الإيجاب الثاني، فلابدّ من اعتبار الأحوال في الطلاق، هذا هو حكم المهر (٣). وأما حكم الميراث: النصف للداخلة، والنصف الآخر بين الخارجة والثابتة نصفان؛ لأن الداخلة وارثة، لا يزاحمها إلّا امرأة واحدة، فإنّ الطلاق الأوّل لو وقع على الثابتة، لا يصحّ [الكلام] (٤) الثاني، ويكون الميراث بين الخارجة والداخلة نصفان، وإن كان

стр. 438

الطلاق الأول وقع على الخارجة صح الكلام الثاني (١). وميراث النساء متردّد بين الثابتة والداخلة، وليست إحداهما أولى من الأخرى (٢)، فيكون بينهما نصفان، فكان للداخلة نصف الميراث على كل حال، والنصف الآخر متردّد بين الخارجة والثابتة، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، فيكون بينهما نصفان. وعلى كل واحدة عِدّة الوفاة احتياطا؛ لاحتمال وجوبها على كل واحدة منهن، وعِدّة الطلاق لا يُتصور وجوبها. وإن لم يمت الزوج، ولكن ماتت إحداهن، إن ماتت الثابتة، طلِّقت الخارجة والداخلة؛ [لزوال مزاحمتهما في الإيجابين، لما ذكرنا في العتاق، وإن ماتت الخارجة طلِّقت الثابتة بالكلام الأوّل، وبطل الكلام الثاني] (٣)؛ لأن الكلام الأوّل كان دائرا بين الخارجة والثابتة، وبموت الثابتة زالت مزاحمتها، فتعيّنت الخارجة للكلام الأوّل، وإذا تعيّنت الخارجة للكلام الأوّل، ظهر أن الكلام الثاني خرج بين المنكوحتين، فصحّ مطلقا، وأنه كان سائرا بين الداخلة والثابتة، وبموت الثابتة زالت مزاحمتها، فتعيّنت الداخلة للكلام الثاني (٤). وإن ماتت الداخلة، خيِّر الزوج في الكلام الأوّل، إن أوقعه على الخارجة، طلِّقت الثابتة بالكلام الثاني لما قلنا، وإن أوقع الكلام الأوّل على الثابتة، بطل الكلام الثاني.

стр. 439

وذكر في "الأمالي" هذه المسألة، وقال: لو قال: عنَيت بالإيجابين الثابتة، يقع عليها طلاقان؛ لأن كل واحد من الإيجابين صحيح مطلقا على رواية الأمالي، وعند البيان يقع الطلاق مقصورا، لا مستندا، فيقع الطلاقان جملة (١)، كما لو أوقعهما بكلامٍ مبتدأ. رجل تحته حرّة وأمَة قد دخل بهما، فقال: "إحداكما طالق ثِنتين"، فأعتقت الأمة، ثم مرض الزوج (٢)، وبيّن الطلاق في الأمة، حرمت حرمةً غليظة؛ لأن ثبوت الحرمة حكم يرجع إلى الزوج، أو يشترك فيه الزوجان، وقد ذكرنا أن البيان إظهار فيما يرجع إلى الزوج (٣). وإن مات الزوج في ذلك المرض، كان للمعتقة الميراث؛ لأن حِرمان الميراث حكم على المرأة خاصّة، فكان البيان فيه بمنزلة الإنشاء. ولو أنشأ الطلاق في هذه الحالة، كان مردودا عليه، وكان لها الميراث؛ لأنها حرة، إلّا أن للمعتقة ربع الميراث، وللحرّة الأصلية ثلاثة أرباع الميراث (٤)؛ لأنه لما ردّ عليه البيان، صار كأن لم يكن. ولو لم يبيّن حتى مات، كان للحرة الأصلية ثلاثة أرباع الميراث (٥)؛ لأن الطلاقين لو

стр. 440

وقعا على الحرة، كان لها نصف الميراث؛ لأنها لا تحرم عن الميراث بالطلاقين (١). ولو وقعا على الأمة، كان جميع الميراث للحرة؛ لأن الأمة تَبِين بطلاقين، فيكون للحرة جميع الميراث في حالة، والنصف في حالة. فالنصف ثابت بيقين، والنصف الآخر ثابت في حال دون حال، فكان لها ثلاثة الأرباع. وأما الأمة: فلو وقع الطلاق عليها لا شيء لها، ولو وقعا على الحرة، كان لها النصف، فلها النصف في حال، ولا شيء لها في حال، فيتنصّف، فيكون لها الربع. وعلى رواية "الأمالي": إذا بيّن الطلاق (٢) في الأمة، يكون لها نصف الميراث، ويكون الطلاق رجعيّا. وذكر في "التجريد" (٣): أن هذا قول محمد وأبى يوسف الأوّل؛ لأن على رواية الأمالي الطلاق غير واقع أصلا، وعند البيان يقع مقصورا، فكان الجواب ما ذكرنا. وعلى الحرّة عدّة الوفاة، لا حيض فيها؛ لأن الطلاق إن لم يقع عليها فظاهر، وإن وقع عليها، فهي (٤) لَا تَبِين بطلاقين، والمطلّقة الرجعيّة. إذا مات زوجها في العدة، تغيّرت عِدّتها إلى عِدة الوفاة.

стр. 441

وأما المعتقة: فعِدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، تستكمِل فيها ثلاث حيض؛ لأن الطلاقين إن وقعا عليها، كانت مبتوتة، وكان عليها الاعتداد بالحيض، وإن لم يقع الطلاق (١) عليها، كان عليها عدة الوفاة، فتجمع بين العِدّتين. وفيه إشكال: وهو أنه لو وجب عليها الاعتداد بالحيض، كان عليها حيضتان؛ لأنها أمَة وقت الطلاق، فلِماذا يجب عليها الاعتداد بثلاث؟ قلنا: إنما وجب عليها ثلاث حيض إلحاقًا للبيان بالإنشاء. ولو أنشأ الطلاق (٢) عليها في هذه الحالة، كان عليها الاعتداد بثلاث حيض، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أنّ امرأة الفارّ (٣) تعتَدّ بأبعَدِ الأجلين (٤). وعلى قول أبي يوسف ﵀: ليس عليها عدة الوفاة. ولو كانتا أمَتين، فطلّق إحداهما ثِنتين، ثم أعتقتا، ثم بيّن الزوج في المرض، فإنها

стр. 442

تحرم حرمة غليظة، والميراث بينهما نصفان؛ لما قلنا: إن البيان في حق الميراث لم يَصحّ، وقبل البيان كان الميراث بينهما نصفان (١)، وعلى المطلّقة عدة الوفاة، تستكمل فيها ثلاث حيض، وعلى الأخرى عدة الوفاة، لا حيض فيها. ولو مات الزوج قبل البيان، فعلى كل واحدة منهما عدة الطلاق والوفاة جميعا (٢)؛ لأن كل واحدة من العدّتين، تجب في حال دون حال، فيجمع بينهما. ولو قال لعبدين له في صحته: "أحدكما حر"، وقيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر مائة، ثم بيّن العتق في مرضه، في كثير القيمة، يعتبر ذلك من جميع المال، جعل البيان إظهارا في فصل العتق، وجعله إنشاءً في حق الميراث (٣). وفي الحقيقة لا فرق، فإنا نجعل البيان في الفصلين عدما، ولو انعدم في العتق حتى مات، يعتق من كل واحد منهما نصفه، وإن كان ذلك أكثر من ثلث المال. وفي فصل الطلاق لو جعلنا البيانَ عدَما، كان الميراث بينهما، وهذا لفقهٍ: وهو أن بالعتق المبهم، زال أحد العبدين عن ملكه؛ لأن زوال أحد العبدين عن ملكه حكم يرجع إليه، وقد ذكرنا أن العتق المبهم واقع في حقّ الموقع، فخرج أحدهما عن أن يكون محلًا لحق الورثة، فبعد ذلك وقَع الشك في أن حقهم تعلّق بكثير القيمة، أو بقليل القيمة، وحقهم لم يكن ثابتا، فلا يثبت في الزيادة بالشك (٤).

стр. 443

وأما حرمان الميراث حكم يرجع إلى المحل، وقد ذكرنا أن الطلاق المبهم غير واقع في حق المحل، فبقيت كل واحدة منهما مستحقةً للميراث، فلا تحرم بالبيان. رجل تحته أمَتان لرجل، فقال المولى: "إحداكما حرّة"، ثم قال الزوج: "التي أعتق المولى منكما طالق ثِنتين"، يرجع في البيان إلى المولى؛ لأن الزوج بنى إيجابَه على إيجاب المولي، ورتّبه عليه، فإنما يتبيّن محل الطلاق إذا تبيّن محل العتق، وبيان العتق إلى المولى. فإذا بيّن المولى العتقَ في إحداهما، طلِّقت ثنتين، ولا تَبِين؛ لأنه أوقع الطلاق على مَن أوقع عليها العتق، والحرة لا تَبِين بتطليقتين، وعليها عِدّة الحرائر؛ لأن العدة وجبت عليها وهي حرة. وإن مات المولى قبل البيان، يخيّر الزوج في الطلاق، يوقعه على أيّتهما شاء؛ لأنه بنى إيجابَه على إيجاب المولى، فيكون بمنزلة الحلف عنه، فإذا وقَع اليأس عن بيان المولى، وشاع العتق فيهما بموته، ولا وجه إلى إلغاء الطلاق، صيِّر إلى الحلف. هذا كمن توكّل عن رجلين في السَّلم، فأدّى المطلوب سلم أحدهما، كان القول قوله في البيان، فإن مات المطلوب، كان البيان إلى الوكيل؛ لأنه هو القابض، فيكون بمنزلة الخَلَف عن المطلوب. بخلاف ما إذا غاب المولى، حيث لا يؤمر الزوج بالبيان؛ لأن تَمّة لم يقع اليأس عن بيانه. فإذا بيّن الطلاق في إحدَاهما، بانَت؛ لأنها مُستَسعاة، فتكون أمة عند أبي حنيفة، فتَبِين بطلقتين، وتعتَدّ بحيضتين.

стр. 444

هذا الذي ذكرنا إذا بدأ المولى بالإيجاب، فإن كان لزوج هو الذي بدأ فقال: "إحداكما طالق ثنتين"، ثم قال المولى: "التي طلَّقها الزوج منكما حرة"، يرجع في البيان إلى الزوج؛ لأن المولى بنى إيجابه على إيجاب الطلاق، فإنما يتعيّن محل العتق إذا تعيّن محل الطلاق، وتعيين محل الطلاق إلى الزوج. فإن بيّن الزوج في إحداهما حرمت حرمةً غليظة؛ لأن الطلاق صادفها وهي أمة، والعتق أضيف إلى المطلقة، وتَعتَدّ بثلاث حيض؛ لأن العدة وجبت عليها وهي حرة، فكان عليها عدة الحرائر (١). وذكر في "الأمالي": لو قال: "هذه حرة أو هذه"، ثم قال الزوج: "التي يقع عليها هذا العتق" فهي طالق ثنتين"، فبيّن المولى العتق (٢) في إحداهما، يقع عليها طلقتان، وتَبِين؛ لأن على رواية الأمالي العتق يقع مقصورا على البيان، فكان الطلاق مقارنا للعتق، والعتق صادفها وهي أمة، فكذلك الطلاق، وعليها ثلاث حيض؛ لأن العدة وجبت وهي حرة؛ لأنها تجب بعد الطلاق، فكانت العدة بعد العتق ضرورة. رجل قال لأمَتين له (٣) "إحداكما حرة"، فجاء إنسان، وقطع أيديهما، كان على القاطع أرْش (٤) الأمتين للمولى، وإن بيّن العتق في إحداهما بعد القطع.

стр. 445

أما وجوب أرش الأمتين: فلأن الأرش بدل المحل، والعتق المبهم في المحل غير نازل لما ذكرنا. ويكون للمولى؛ لأنه بدل المملوك، وبدل المملوك للمالك. فرّق أبو حنيفة بين هذا وبين ما إذا قال لعبده: "أنت حر قبل موت فلان بشهر"، فقطعت يده في الشهر، ثم مات فلان لتمام الشهر، كان على القاطع أرش العبد، ويكون للعبد عند أبي حنيفة (١). والفرق: أن ثَمّة المولى قصَد إسناد العتق إلى أول الشهر، وقصده ذلك يقتضي شيئين: إبطال حق نفسه عن الأرش إلى العبد، وإيجاب أرش الحرّ على الجاني، وهو يملك إبطال حق نفسه، ولا يملك إيجاب أرش الحر على الجاني، فلهذا كان عليه أرش المملوك للعبد. أما هنا المولى بالبيان ما أسندَ العتق إلى وقت سابق، فإن موضوع المسألة ههنا فيما إذا قال: نويت وقت الإيجاب واحدة منهما، لا بعينها، إلّا أني أوقع ذلك العتق على هذه، حتى لو قال: كنت عينت هذه وقت الإيجاب، كان الأرش لها. نصّ عليه في "كتاب العتاق". رجل قال لأمتين تحته: "إحداكما طالق ثنتين"، ثم اشترى إحداهما بعينها، يقع الطلاق على الأخرى؛ لأن الطلاق كان دائرا بينهما، فإذا خرجت المشتراة من أن تكون محلا للطلاق، تعيّنت الأخرى للطلاق، كما لو ماتت إحداهما (٢).

стр. 446

ولو اشتراهما معا، بطل نكاحهما، ولا يملك تعيين إحداهما للطلاق؛ بعد ذلك (١) لأن ولاية البيان إنما تستفاد بولاية الإنشاء لما ذكرنا، وبعد ما بطل نكاحهما، لا يملك الإنشاء فلا يملك البيان؛ لأن البيان في حق المحل إيقاع مبتدأ (٢). فإن وطئ إحداهما، تعيّنت الأخرى للطلاق؛ لأن حمل وطئه على الحِلّ واجب ما أمكن، وذلك بصرف الوطء إلى غير المطلقة (٣) وهذا بيان حكمي، فلا يشترط لصحته ولاية الإنشاء، كمن طلّق امرأتيه، كل واحدة منهما واحدة، ثم قال لهما: "إحداكما طالق ثلاثا" وانقضت عدتهما، فبيّن الثلاث في إحداهما بعد ذلك (٤)، لا يصح. ولو تزوج واحدة منهما، صَحّ وتعيّنت الأخرى للطلقات الثلاث، كذلك ههنا. - والله أعلم -

стр. 447

باب الطلاق الذي يقع في الأوقات المتفرقة بني الباب على أنّ من جمَع بين طلاقين، وذكر عقيبَهما مالًا، يكون المال مقابلا بهما، منقسما عليهما، إذ ليس أحدهما بصرف البدل إليه أولى من الآخر، إلّا إذا وصف الأوّل بوصفٍ يُنافي وجرب البدل، فيكون البدل بمقابلة الثاني، ويكون وصفه بما ينافي البدل، بمنزلة التنصيص على أن البَدل بمقابلة الثاني لا غير. فإن وَصَفهما بذلك، أو وصف الثاني به، كان بدلًا لهما؛ لأن الجمع بين البدل وما ينافيه ممتنع، فلابدّ من إلغاء أحدهما، وإلغاء الوصف المنافي للبدل أولى؛ لأنه ذكر البدل آخِرا، والمتأخّر يكون ناسخا لما قبله (١). إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل قال لامرأته بعد الدخول: "أنتِ طالق الساعة واحدة، على أنكِ طالق غدا أخرى بألف"، فقبلت، يقع في الحال واحدة بخمس مائة (٢)؛ لأنه جمع بين تطليقةٍ منجَزة، وتطليقة مضَافَة إلى الغد، وذكر عقيبهما مالا فينقسم عليهما، كما لو قال: أنت

стр. 448

طالق الساعة واحدة، وغدا أخرى بألف، أو قال: أنت طالق واحدة، وأنت طالق أخرى بألف. وإنما قلنا ذلك؛ لأن كلمة "على" وإن كانت للشرط (١)، لكن تعذّر حملها على الشرط هنا؛ لأن وقوع الطلاق في الغد لا يصلح شرطا للطلاق المنجز، فتحمل على العطف، لما بينهما من المشابهة، في بين الشرط والجزاء اتصالا في الوجود، لا يوجد الجزاء إلّا بعد وجود (٢) الشرط، فكذلك في العطف. وإذا صار مجازا عن العطف كان البدل مقابلا بهما، إذ ليس أحدهما بصرف البدل إليه بأولى من الآخر، ولهذا لو كان مكان البدل استثناء ينصرف إليهما. وإذا جاء غدٌ يقع تطليقة أخرى بغير شيء، أما وقوع الطلاق لوجود الوقت المضاف إليه، وأما بغير شيء فلأنها صارت مبَانة بالأولى، ومن شرط وجوب البدل بالطلاق أن لا تكون مبانة قبل الطلاق؛ لأنها إذا كانت مبانة مالكة نفسَها قبل الطلاق (٣)، لا تستفيد بهذا البدل شيئا، فلا يجب المال.

стр. 449

ولا يقال بأنها تستفيد نقصان العدد؛ لأن نقصان العدد لا يصلح غرضا للمرأة، فإن بعد البينونة وقوعها في حَبَالتِه (١) يتعلّق باختيارها، فلا يصلح ذلك غرضا، حتى لو تزوّجها قبل مجئ الغد ثم جاء الغد، يقع تطليقة أخرى بخمس مائة؛ (٢) لأن شرط وجوب المال قد وجد، وهو ملك النفس في الغد بهذا الطلاق. فرق بين هذه المسألة وبين ما إذا خالَعها ثم خالعها، فإن الثاني يبطل، ولا يقع به الطلاق؛ لأن الخلع طلاق بائن (٣)، والبائن لا يلحق البائن. أما في مسألتنا نص على الطلاق، فإذا لم يجب المال بالثاني، بقي صريح الطلاق، والصريح يلحق البائن. ثم استشهد محمد ﵀، في الكتاب (٤) فقال: ألا ترى أنه لو قال لامرأته بعد الدخول، في طهرٍ لا جماع فيه: "أنت طالق ثلاثا للسنة بألف درهم"، فقبِلت، تقع في الحال واحدة بثُلث الألف (٥)، ثم إذا حاضت، وطهرت، تقع أخرى بغير شيء، وكذلك في الثالثة؛ لأنها بانت بالأولى، فلا يجب المال في الثانية والثالثة (٦)، وعدم وجوب المال

стр. 450

لا يمنع وقوع الطلاق؛ لأن الطلاق بمال، تعليق الطلاق بالقبول، وقد وجد. كمن قال لامرأته الصغيرة: "أنت طالق بألف"، فقبلت، يقع الطلاق، ولا يجب المال، (١) كذلك هنا. فإن تزوجها عقيب الأولى والثانية، تقع الثانية والثالثة بثلثي الألف، كذلك هنا. ولو قال لامرأته، وقد دخل بها: "أنتِ طالق الساعة واحدة، أملك الرجعة أو بغير شيء على أنك طالق غدا أخرى بألف درهم"، فقبلت، يقع في الحال واحدة بغير شيء، (٢) ثم إذا جَاء غد، تقع أخرى بألف درهم (٣)؛ لأنه وصف الأولى بوصف ينافي وجوب المال (٤)، فيكون المال بمقابلة الثاني. أما قوله: "بغير شيء" فظاهر، وكذا قوله: "أملك الرجعة" لأن الطلاق بمال لا يكون رجعيًا (٥). وكذا لو قال: "أنت طالق اليوم تطليقة بائنة، على أنك طالق غدا أخرى بألف"،

стр. 451

وقعت للحال تطليقة بغير شيء؛ لأن التصريح بالبينونة دليل على أن شيئا من البدل لا يكون بمقابلة الثاني (١)؛ لأن الطلاق بمال يكون بائنا لامحالة، فلا يحتاج إلى هذا التصريح (٢). وكلام العاقل محمول على الفائدة ما أمكن، ولو جعلنا المال بدلا عنهما، لغَا ذكر البينونة، ولا يفيد، فيجعل المال بمقابلة الثاني، فيقع في الحال واحدة بغير شيء. فإذا جاء غد، تقع أخرى بغير شيء لأنه فات شرط وجوب المال، وهو ملكها نفسها بالطلاق الثاني (٣). فإن قيل: لما تعذّر إيجاب البدل بمقابلة الثانية، عرف أنه أراد به صَرف البدل إلى الأولى. قيل له: إيجاب البدل بمقابلة الثانية ممكن، إذا وجد شرطه، وهو التزوّج قبل مجيئ الغد، حتى لو تزوجها قبل مجئ الغد، ثم جاء غد، تقع أخرى بألف درهم. استشهد محمد ﵀ في الكتاب (٤) فقال: ألا ترى أن رجلا لو قال لغيره: "أعطيك هذا العبد هبةً، أو صدقة، أو بغير شيء، على أن أبيعك هذا العبد بألف"، كان كل الألف بمقابلة العبد [الثاني] (٥)، ويكون الكلّ فاسدا لإدخال الصّفقة في الصفقة. ولو قال: "أبيعك هذا العبد على أن أبيعك هذه الأمة بألف"، أو قال: "أعطيك

стр. 452

هذا العبد على أن أعطيك هذه الأمة بألف"، أو قال: "أبيعك هذا العبد على أن أزيدك هذه الجارية بألف"، صَحّ، وكان العبد والأمة بألف، والمعنى ما ذكرنا. هكذا ذكر هنا، وذكر في "المزارعة": لو قال: "أعطيك هذه النخيل معاملةً بالنصف، على أن أعطيك هذه الأرض البيضاء مزارعةً، تزرعها ببَذرك بالنصف"، كان فاسدا. من المشايخ من قال: في المسألتين (١) روايتان: فما ذكر هنا، يصير رواية بالجواز في مسألة (٢) المزارعة، وما ذكر في المزارعة، يصير رواية بالفساد ههنا. ومنهم من قال: إنما اختلف الجواب لاختلاف الوَضْع، وضْع المسألة هنا فيما إذا جمَع بينهما في البدل، فقال: أبيعك هذا العبد على أنْ أبيعك هذه الجارية بألف، فلم تَتمّ الصفقة الأوّلى لعدم [ذكر] (٣) البدل، فلم يكن هذا إدخال الصفقة التامّة في الصفقَة التامة، فإذا جمع بينهما في البدل، كان المراد من كلمة "على" حرف العطف، فيصير كأنه قال: أبيك هذا العبد، وهذه الجارية بألف. وموضوع المزارعة فيما إذا تمّ العقد الأوّل، فقال: "أعطيك هذه النخيل معاملة بالنصف"، وهذه صفقة تامة، ثم قال: "على أن أعطيك هذه الأرض البيضاء مزارعة تزرعها ببذرك بالنصف"، وهذه صفقة تامّة أخرى، فكان هذا إدخال الصفقة في الصفقة، وإنه حرام.

стр. 453

نظير تلك المسألة لو قال: أبيعك هذا العبد بألف درهم، على أن أبيعك هذه الجارية بألف درهم، وإنه فاسد لما ذكرنا. ولو قال: أعطيك هذه الأرض البيضاء مزارعةً، تزرعها ببذرى بالنصف، على أن أعطيك هذه النخيل معاملة بالنصف، كان جائزا؛ لأن البذر إذا كان من صاحب الأرض يكون مستأجرا للعامل، والمعامَلة استئجار العامل أيضا، فكان العقدان عقدًا واحدا معنىً، فلم يكن هذا إدخال الصفقة في الصفقة من حيث المعنى، لإيجاد المعقود عليه. أما في الفصل الأوّل البذر من قبَل العامل، فكان العامل مستأجرا للأرض، وفي المعاملة صاحب الشجر (١) يكون مستأَجرا للعامل، فتحقّق إدخال الصفقة في الصفقة لاختلاف المعقود عليه. ولو قال: أنتِ طالق الساعة واحدة أملك الرجعةَ، على أنك طالق غدا أخرى أملك الرجعةَ بألف، ينصرف الألف إليهما (٢)؛ لأنه عمّهما بوصف ينافي وجوب المال، فلغا ذكر الوصف. وكذا لو خَصّ الثانية بهذا الوصف، فقال: أنت طالق الساعة واحدة، على أنك طالق غدا أخرى، أملك الرجعة بألف، ينصرف الألف إليهما، ويلغو ذكر الرجعة؛ لأن ما يلحق الثاني لا يكون رجعيا، فيلغو ذكر الرجعة (٣).

стр. 454

وكذا لو جمَع بين الطلاقين بحرف العطف، فقال: أنت طالق واحدة الساعة (١)، وغدا أخرى بألف، أو قال: أنت طالق اليوم واحدة، وأنت طالق غدا أخرى بألف (٢). فالجواب ما ذكرنا في الفصل الأوّل أنه إن عمّهما بوصف ينافي وجوب المال، ينصرف المال إليهما، وكذا إذا خَصّ الثانية بذلك الوصف. وإن خصّ الأوْلى بذلك الوصف، ينصرف المال إلى الثاني، وهذا والفصل الأوّل سَواء؛ لأن في الفصل الأوّل كلمة "على" أقيمت مقام حرف العطف. - والله أعلم -

стр. 455

باب الرجل يطلِّق بعض نسائه ولا يَنويها بعينها فتحرم عليه بعد ذلك (١) برضاع أو غيره بني الباب على ما تقدّم أن إيقاع الطلاق كما يَصح في المَعيّن، يَصحّ في المنكر، والبيان فيه إنشاء في حق المحل، فيُشترط لصحته قيام المحل (٢). [قال محمد ﵀] (٣): رجل تحته امرأتان رضيعَتان؛ فقال: "إحداكما طالق ثلاثا"؛ فجاءت امرأة، وأرضَعَتهما قبل البيان معًا (٤)، أو على التعاقب، بانَتا (٥)؛ لأنهما صارتا أختين، وهما تحت زوج؛ فيفسُد نكاحهما، لما ذكرنا أن الطلاق المبهَم فيما يرجع إلى المحل غير واقع؛ لأن كلّ واحدة منهما معيّنة، و "اِحداكما" لا يتناول المعيّن. فإن بيّن الطلاق بعد ذلك (٦) [في إحداهما] (٧)، لا يصح بيانه؛ لما ذكرنا أن البيان

стр. 456

لا يصح بعد فوات المحل. لم يجعل الطلاق المبهم واقعا في حق المحل هنا. وذكر في "كتاب النكاح": رجل له أربع نسوة لم يدخل بواحدة منهن، فقال: "إحداكن طالق"، فتزوّج خامسةً من ساعته، جاز، وجعل الطلاق المبهم (١) واقعا (٢). والفرق ما ذكرنا أن الطلاق المبهم واقع في حق الزوج، غير واقع فيما يرجع إلى المحل، ففي مسألتنا فساد نكاحهما بسبب الجمع بين الأختين، وعدم فساد نكاحهما بسبب وقوع الطلاق، كيلا يصير جامعا بين الأختين، حكم يرجع إليهما، فلا يظهر وقوع (٣) الطلاق في حق هذا الحكم. أما في مسألة النكاح حِلّ نكاح الخامسة، أمر يرجع إلى الزوج وإلى الخامسة، لا إلى الأربع، فاعتبرنا الطلاق تأوّلًا في حق هذا الحكم. فإن كان تحته ثلاث رضيعات، فقال: إحداكن طالق، ثم جاءت امرأة (٤) وأرضعتهن على التعاقب أو ثنتين ثم الثالثة، بِنَّ جميعا، الأوليان بالأختية، والثالثة بالطلاق (٥)؛ لأنها لما أرضعت الأوّلى ثم الثانية، ثبتت الأختية بينهما، ففسد نكاحهما، لا

стр. 457

إلى عِدّة، فتعيّنت الثالثة للطلاق، لأن الأولى والثانية خرجتا من أي يكون محلا للطلاق، فصار كما لو ماتتا (١)، فتعيّنت الثالثة للطلاق (٢)، وكذا لو أرضعت ثنتين ثم الثالثة لما ذكرنا. وإن أرضعت الواحدة أوّلًا، ثم أرضعت الأخريين معا، أو أرضعت الكلّ معا، بأن أرضعتهنّ من وِعاءٍ لبنها (٣)، حرُمْنَ جميعًا؛ لأن الأختية بين الكل ثبَتت دفعةً واحدة، فصار جامعا بينهن، ففسَد نكاحهن؛ ولا يملك تعيين الطلاق (٤) لما ذكرنا (٥). وقال قاسم بن مَعْن (٦) ﵀: يملك، وهو باطل.

стр. 458

فإن تزوج واحدةً منهن، جاز نكاحها، ويصرف الطلاق إلى غيرها، (١) حملًا لتصرّف المسلم على الصحة بقدر الإمكان. فإذ طلّق هذه ثلاثا؛ وأراد أن يتزوج الأخرى، له ذلك، لما قلنا في الأولى. فإن طلّق هذه، وأراد أن يتزوج الثالثة، ليس له ذلك؛ لأن الحكم بجواز نكاح الأولى والثانية، حكم بوقوع الطلاق على الثالثة، فلا يحلّ له نكاحها قبل إصابة الزوج الثاني، وهذا بيان حكميّ، فلا يشترط لصحته ولاية الإنشاء. فإن قال لامرأتين له قبل الدخول: "إحداكما طالق ثلاثا، والأخرى واحدة"، ثم تزوّج واحدة منهما، جاز نكاحها، وتعيّنت الأخرى للطلقات الثلاث. فإن تزوّج من الرضيعات ثنتين معًا في عُقدة واحدة، لم يَصحّ نكاح واحدة منهما؛ لأنه لا وجه إلى تصحيحِ نكاحهَما، ولا وجه (٢) لصحة نكاح إحداهما عَينا؛ لعدم الأولويّة، ولا وجه لصحة نكاح إحداهما غير عين؛ لأن نكاح المجهولة لا ينعقد. بمنزلة من قال لغيره: "زوّجني امرأة " فزوّجه امرأتين في عُقدة، لا يلزمه واحدة منهما، إلّا أن يشاء الأمر؛ لأن المأمور يكون بمنزلة الفضوليّ. وعن أبي يوسف [أنه] (٣) يلزمه واحدة منهما، وإليه التعيين، وكذلك في مسألة

стр. 459

الكتاب، يَصحّ نكاح واحدة منهما، وإليه البيان (١). قال: لأن هذا خيار تعيين المنكوحة عن غير المنكوحة، فجاز أن يثبت، كما لو طلّق إحدى امرأتيه ثلاثا، كان له أن يعيّن المنكوحة من غيرها (٢). وإنا نقول: ثَمّة الطلاق لم يقع في المعيّن، بل هو في حق المعين معلّق بالبيان، والطلاق يحتمل التعليق، أما النكاح لا يحتمل التعليق، فلو صَحّ في المجهولة، كان تعليقا لنكاح في المعينة بشرط البيان، وإنه لا يصح. جربيّ له أربع نسوة، فسُبِي وسُبِين معه، بطل نكاح الكل في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف (٣). وقال محمد والشافعي: يختار أيّ الثِنتين شاء، سواء تزوجهنّ معا أو في عقود متفرقة (٤). وأصله ما ذكرنا في كتاب النكاح. حربيّ تحته ثمان نسوة، فأسلم وأسلمن معه، على قول محمد (٥) والشافعي (٦)

стр. 460

رحمهما الله يختار أيّ أربع منهن [شاء] (١)، سواء تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقود متفرقة (٢). إلّا أن أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما الله فرّقا بين السبى وبين (٣) الإسلام، فقالا في فصل الإسلام: إن تزوجهن في عقدة واحدة، بطل نكاح الكل، وإن تزوجهن في عقود متفرقة، جاز نكاح الأربع الأوّل، وبطل نكاح الباقي (٤).
следующие страницы →