← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

على القبول، لأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز، فصار كأنه قال بعد القدوم: إذا أديت إليّ ألفا فأنت حُرّ، فجاء بالألف، يجبر على القبول، كذلك هنا. ولو جاء بألف قبل قدوم فلان، لا يجبر على القبول، لأن هذا كلام تعلّق ثبوته بالقدوم، فلا يظهر حكم المعاوضة قبل القدوم، ولو قبِل المولى لا يعتق، لأن العتق لم يتعلق بالأداء قبل القدوم، فلا ينزل عند وجوده. فإن جاء بألف بعد قدوم فلان، وقبِلها المولى، [عتق لوجود الشرط] (١)، ثم علم أن الألف كان من كَسْب اكتسبها قبل القدوم، رجع المولى عليه بمثلها، لأن أكساب العبد قبل القدوم مال المولى، لأنها كسب عبده، وإنما تصير للعبد في ضمن اليمين حين يصير مأذونا في التجارة، وإنما يثبت اليمين بعد القدوم، فقبل القدوم يكون محجورا عن (٢) التجارة، فكانت مكاسبه للمولى، فيعتق بالأداء لوجود الشرط، ثم يرجع عليه بمثلها. كما لو قال: إن أدّيتَ إليّ ألفا فأنت حُرّ، فسرق ألفا، وأدّاه إليه يعتق، ثم يرجع عليه بمثلها عند الاستحقاق، كذلك هنا. ولو قال لعبده (٣): إن أدّيت إليّ عبدا فأنت حُرّ، أو قال: إن أدّيت إليّ كر حنطة فأنت حُرّ، فجاء إليه بعبد وسط أو مرتفع، يجبر على القبول، لما ذكرنا أن فيه معنى المعاوضة، فيجبر على القبول.

стр. 667

وإن جاء بعبد ردئ، لا يجبر على القبول، لأن الجبر على القبول من قضيات المعاوضة، واعتبار المعاوضة يوجب تعيين الوسط رعايةً للجانبين، فلا يجبر على قبول الردئ، فإن قبِل عتق، لأن اسم العبد واسم الحنطة يتناول الكل، وتعيين الوسط كان لدفع الضرر من الجانبين، فإذا تحمّل الضرر، وقبل الردئ عتق لوجود الشرط. ولو قال: إن أديت إليّ عبدا وسطا، أو كرا وسطا فأنت حُرّ، فجاء بعبد وسط، يجبر على القبول، ولو جاء بعبد أو كر ردئ أو مرتفع، لا يجبر علي القبول، وإن قبِل لا يعتق. فرق بين هذا وبين الكتابة، فإن ثمّة إذا جاء بجيّد يجبر على القبول، ولو جاء بكر ردئ لا يجبر على القبول (١)، ولو قبل يعتق. والفرق ما قلنا في أصل الباب: أن معنى المعاوضة في الكتابة أصل يقبل الحطّ، ولهذا لو أبرأه عن بدل الكتابة يعتق، فكذا إذا أبرأه عن صفة الوساطة، وفي تعليق العتق (٢) بالأداء جانب اليمين راجح، ولهذا لو أبرأه عن البدل لا يعتق، فيجب فيها اعتبار ما تلفّظ به، فلا يعتق بدونه لفقد الشرط (٣). كما لو قال لعبده: إذا أديت إليّ ألفا في كيس أبيض فأنت حُرّ، فأدّى إليه ألفا في كيس أسود، وقبِل المولى، لا يعتق لعدم الشرط، كذلك هنا، بخلاف ما إذا لم يقيّده بصفة

стр. 668

الوساطة، لأن ثمّة تعليق العتق بأداء العبد المطلق، وأداء الكر، واسم العبد يتناول الكل، فإذا قبِل يعتق لوجود الشرط. كما لو قال لعبده: إذا أديت إليّ ألفا في كيس أبيض فأنت حر، فأدى إليه ألفا في كيس أسود وقبل المولى لا يعتق لعدم الشرط كذلك ههنا. بخلاف ما إذا لم يقيده بصفة الوساطة لأن ثمة تعلق العتق [بأداء] العبد المطلق [وأداء] [الكر]، واسم العبد يتناول الكل، فإذا قبل يعتق لوجود الشرط (١). وإذا قال لعبده: أعتق عنّي عبدا وأنت حُرّ، ذكرنا أنه ينصرف إلى الوسَط، فإن اشترى عبدا مرتفعا، وأعتق، جاز شراؤه، ولا يعتق واحد منهما لما قلنا. فرق بين هذا وبين ما لو علّق العتق بأداء العبد، فقال: إذا أديت إليّ عبدا فأنت حُرّ (٢)، ينصرف إلى الوسط، فإن جاء بعبد مرتفع، يجبر على القبول ويعتق. والفرق أن المذكور في الفصلين العبد المطلق، وانصرف إلى الوسط (٣)، إلا أن في تعليق العتق بأداء العبد ضرر تسليم الجيد يرجع إلى العبد دون المولى، فإنه المولى (٤) يسلم له صفة الجودة، فإذا رضي به العبد صح أداء الجيد. أما في فصل الإعتاق ضرر إعتاق الجيد يرجع إلى المولى، لأن ذلك يهلك على

стр. 669

ملكه، والمولى لم يرض بذلك، فلا يصح إعتاق الجيد، فلا يعتق المأمور ضرورة. ثم استشهد ﵀ فقال: ألا ترى أنه لو استفاد عبدين وسطين (١) فأعتقهما، لم ينفذ عتقه فيهما، لأن المولى ما رضي إلا بعتق أحدهما وكسبه للمولى، فلا يملك إزالة ملكه إلا بإذنه، كذلك هنا فضل الجَودة في العبد الواحد ملك المولى، فلا يملك إزالتها إلا بإذنه (٢)، إلا أن في العبد الواحد لا ينفذ إعتاقه أصلا، وفي العبدين الوسطين يعتق أحدهما بغير عينه، لأن في العبد الواحد صفة الجودة لا تقبل الفصل عن الأصل، فإذا تعذر تنفيذ العتق فيها، بطل أصلا. أما في العبدين كل واحد منهما منفصل عن الآخر، وهو ممتثل أمره في أحدهما، فيعتق أحدهما بغير عينه، ويرجع في البيان إلى المولى، لأن العتق ينفذ من جهته، ويعتق المأمور لوجود الشرط. ولو قال: إذا أديت إليّ ألف درهم فأنت حُرّ، فباعه، ثم اشتراه، فأدى إليه (٣) الألف، لا يجبر المولى (٤) على القبول لأن الجبر على القبول (٥) حكم الكتابة، لا حكم اليمين، فإن الحالف لا يجبر على تحصيل شرط الحنث، والكتابة تبطل بالبيع، ألا ترى أن

стр. 670

المكاتَب إذا بيع براضاه حتى نفذ البيع، تبطل الكتابة، كذلك هنا تبطل الكتابة، ويبقى اليمين، حتى لو قبِل يعتق لوجود الشرط. وكذا لو ردّ عليه بعيب أو بخيار شرط أو رؤية، لأنه عاد إليه بعد خروجه عن ملكه، وبخروجه عن ملكه يبطل معنى الكتابة، وشبه هذا في الكتابة بما لو كاتب عبدَه على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم باعه، يجوز بيعه، وتبطل الكتاب (١)، حتى لو اشتراه بعد ذلك لم يكن مكاتبا، كذلك هنا، وإذا بطل معنى المعاوضة ذهب الجبر على القبول، لأنه من أحكام المعاوضة. هذا إذا علّق العتق بأداء مالٍ معلوم يصلح بدلًا في الكتابة، وإن علّقه بأداء مال مجهول، فقال: إذا أدّيت إليّ دراهم فأنت حُرّ، فأتاه بثلاثة دراهم فصاعدا إلى تمام قيمته أو أكثر، لا يجبر على القبول، لأن الجبر على القبول بحكم المعاوضة، والدراهم المجهولة لا تصلح بدلًا، لأنه لا نهاية لما يتناوله هذا الاسم، فكانت مُفضِية إلى المنازعة، ولا يمكن دفعها بتعيين بعض الأعداد، وإذا بطل معنى الكتابة، بقيت يمينا، لأن الجهالة لا تمنع صحة اليمين، فإذا أتاه بثلاثة دراهم، وقبِلها عتق لوجود الشرط، لأن الثلاث جمع مطلق. وكذا لو قال: إذا أدّيت إليّ ثوبا فأنت حُرّ، لأن الثوب يتناول أجناسا مختلفة، فكانت الجهالة فاحشة، وإن أتاه بثوب، وقبِل، عتق لوجود الشرط. ولو قال لورثته: إذا أتاكم عبدي بعد موتي بكرّ حنطة أو بعبد فهو حُرّ، فهو على الوسط، وإن أتاهم بذلك، وقبِلوا، لا يعتق إلا بإعتاق من كان خَلَفا عن الميت لما قلنا.

стр. 671

ولو قال: "إذا أدّى (١) إليكم بعد موتي دراهم أو ثوبا فهو حُرّ"، فهو باطل، لأنه لا يمكن اعتبار معنى اليمين، لأن اليمين تبطل بالموت، وتعذّر اعتبار الكتابة، لجهالة البدل، فهذه وصية تعلقت بشرط مجهول لا يقدر على تحصيله، فتبطل. ثم قال في الكتاب: وقد قال بعض فقهائنا: إذا قال لعبده: "إذا أدّيت إليّ ألفا فأنت حُرّ"، فأدّى إليه ألفا، لا يجبر على القبول، ولو كانت مقالته في مرض الموت، لم تكن الألف عوضا، بل يكون إعتاقا بغير عوض، وهذا قول زفر، لأنه يعتبره شرطا، وهي مسألة معروفة. ثم احتجّ عليه، فقال: لو أضاف إلى ما بعد الموت، فقال: "إذا أتاكم عبدي هذا بألف بعد موتي فهو حُرّ"، ينبغي لهذا القائل أن يقول: لا يصح ذلك، ولا يحتسب بذلك، لأن اليمين تبطل بالموت، فيجعل هذا وصية بالإعتاق بغير مال، فيعتق من الثلث، أدّى المال أو لم يؤدّ. وهذا مخالفٌ لما عليه أمور الناس في وصاياهم، ومخالف لما يُفْهم من كلامه، لأن المقصود من هذا الكلام إيصال العتق إلى العبد، والمال إلى الورثة.

стр. 672

كتاب البيوع باب من البيع الذي يرجع فيه (١) بالثمن وما لا يرجع إذا استحقّ المبيع بني الباب على أصول: منها: أن سلامة المبيع للمشتري توجب سلامة الثمن للبائع (٢). واستحقاق المبيع على المشتري يوجب الرجوع بالثمن على البائع (٣)، تحقيقا لمقتضى (٤) المعاوضة، وهو المساواة. ومنها: أن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد قضاء عليه، وعلى من تلقّى المِلك

стр. 673

منه، دون غيره (١). والقضاء بالحريّة وفروعها قضاء على كافّة الناس، لأن الحرية تُثبت أحكاما متعدّية من أهلية الولايات والشهادات وغيرها (٢)، فالقضاء بها قضاء بتلك الأحكام، فيتعدّى إلى الكل، وينتَصِب البعض خصما عن البعض (٣). أما القضاء على ذي اليد قضاء بعدم ملكه، فينعدم ملك بائعه ضرورةً، ولا ينعدم ملك غيره، إذ ليس من ضرورة عدم ملك ذي اليد عدم ملك غيره. وحقيقة الفقه فيه أن القضاء بالحرية قضاء بعدم الرقّ، والرقّ إذا انعدم في حق شخص ينعدم في حق الكل، إذ يستحيل أن يكون الشخص رقيقا في حق زيد، حرًا في حق عمرو.

стр. 674

وأما الاستحقاق قضاء بعدم ملك ذي اليد، ويجوز أن يكون الملك عدما في حق شخص دون شخص (١). ومنها: أن من أقرّ بما يملك إنشاءَه في الحال، يصح إقراره (٢)، ويجعل إقراره بمنزلة الإنشاء، لإنعدام التهمة، وإن أقرّ بما لا يملك إنشاءه في الحال (٣) لا يصح إقراره في حق غيره لمكان التهمة. ومنها: أن البينة على النتاج لا تعارضها البينة على الملك المطلق، لأن النتاج أكثر إثباتا في أوّليّة الملك، وإن أقامها صاحب اليد تبطل بها بيّنة المدّعي على الملك المطلق. وقال ابن أبي ليلى (٤): لا تقبل البينة على النتاج من صاحب اليد، كما لا تقبل بيّنته

стр. 675

على الملك المطلق (١). وإذا تعارضت البينتان على النتاج، رجّحت (٢) بينة صاحب اليد، فيُقضى له، وعلى قول عيسى (٣) تهاترت البينتان (٤)، وترك الشيئ في يده كما كان (٥). ومنها: أن صاحب اليد إذا أقام البينة على الملك المطلق لا تقبل بينته عندنا (٦)، خلافا للشافعي (٧).

стр. 676

ومنها: أن المقضيّ عليه إذا أقام البينة على الوجه الذي قضى عليه، لا تقبل كيلا يؤدّي إلى التهاتر، وإذا أقام البينة على غير ذلك الوجه بأن أقام البينة (١) على النتاج أو على الشراء من المدّعي، تقبل، لأنه لا يؤدي إلى التهاتر. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: أمة في يد رجل يقال له "عبد الله"، فقال رجل يقال له "إبراهيم" لرجل يقال له "محمد": الأمة التي في يد عبد الله بعتها منك بألف درهم، وسلّمتها إليك، فقال محمد: صدقتَ، ولكن غلب عليها عبد الله، ويزعم أنها أمته، يقال لإبراهيم أن يرجع (٢) بالثمن على محمد، لأنهما تصادقا على البيع والتسليم، ووجوب الثمن، وتصادُقهما حجّة في حقهما، فيقضى بالثمن على محمد، ولا سبيل له على الجارية، لأنها في يد عبد الله، وهو يدّعيها، فكان القول قوله، وليس لمحمد أن يمنع الثمن من إبراهيم، ويحتجّ بذلك بقصر يده عن الجارية، لأن الثابت بتصادقهما في حقهما كالثابت عَيانا. ولو عاينّا أنه باع وسلّم، ثم غصبها غاصب، لا يسقط الثمن عن المشتري، لأن شرط تأكّد الثمن على المشتري وجود التسليم، لا إدامته كذلك ههنا (٣) فإن جاء مستحق، واستحقها من يد عبد الله بالبينة، لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم بحكم ذلك

стр. 677

الاستحقاق، لأن الاستحقاق على عبد الله اقتصر عليه، ولم يتعدّ إلى محمد، لأن عبد الله لم يتلقّ الملك منه. وقد ذكرنا في أصل الباب أن القضاء بالملك قضاء على ذي اليد، وعلى من تلقى الملك منه (١) دون غيره، ألا ترى أنّ محمدا لو أقام البينة على المستحق أنها أمته، اشتراها من إبراهيم، قُبلت بينته، ولو صار مقضيا عليه بذلك، لم تقبل. وكذا لو أقام المستحق البينة على عبد الله أنها أمته ولدت في ملكه، لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، وإن كان الملك في النتاج يثبت من الأصل، لأن القضاء بالملك المطلق قضاء من الأصل (٢)، ولهذا يستحق الزوائد المتصلة والمنفصلة (٣)، فكانا سواء. ولو قضى عليه [بالملك المطلق] (٤)، لا يرجع محمد بالثمن (٥) على إبراهيم، لما ذكرنا أنه لم يصر مقضيّا عليه بذلك القضاء (٦)، فكذا لك في النتاج، ولهذا لو أقام محمد البينة على المستحق أنها أمته اشتراها من إبراهيم بثمن معلوم، وأنه يملكها، قضى له كما في

стр. 678

الملك المطلق. فلو أنّ محمدا أقام على المستحق بينة على هذا الوجه، ولم يقض القاضي له حتى أعاد المستحق بينة على النتاج على محمد، كان المستحق أولى، كما لو أقامها ابتداء. هذا إذا أقام محمد البينة على المستحق أنها أمته اشتراها من إبراهيم، وهو يملكها. فلو أنه لم يقم البينة على هذا الوجه، ولكن أقام البينة على المستحق أنها أمته، اشتراها من إبراهيم بثمن معلوم، وإنها قد ولدت في ملكه، يقضى له، لما ذكرنا أنه لم يصر مقضيا عليه بالاستحقاق على عبد الله، إلا أن يعيد المستحق بينته على النتاج على محمد. فإن لم يعد المستحق بينته على النتاج على محمد، حتى قضى القاضي لمحمد، ثم أعاد المستحق بينته على النتاج، يقضى له، لأنه لو أعادها قبل القضاء لمحمد، كان هو أولى، لأنه صاحب يد، فكذا إذا أعادها بعد القضاء يقضى له، ويرجع محمد بالثمن على إبراهيم، لأنه صار مقضيا عليه، وعلى قول عيسى لا يرجع، لأنه لم يصر مقضيّا عليه، بل تركت في يد المستحق قضاء تَرك. ولو لم يستحق الجارية، ولكن أقامت الجارية البينةَ على عبد الله أنها حرة الأصل، وقضى القاضي بها، رجع محمد بالثمن على إبراهيم، لما ذكرنا أن القضاء بالحرية قضاء على كافة الناس، فصار محمد مقضيا عليه بذلك القضاء. ألا ترى أنّ محمدا لو أقام البينة على الأمة أنها أمته، اشتراها من إبراهيم، وهو يملكها لا تقبل. ولو أن الأمة لم تدع أنها حرة الأصل، ولكن أقامت البينة على عبد الله (١) أنها أمته، أعتقها أو دبَّرها أو ولدت منه، فقضى القاضي بذلك، كان لمحمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم.

стр. 679

ولا يقال: إعتاق عبد الله لا يصح بدون الملك، والقضاء بالملك لا يكون قضاءً على كافّة الناس، لأنا نقول: القاضي قضى بالعتق، والقضاء بالعتق قضاء بملك المعتق، لأن الإعتاق لا يصح بدون الملك، والقضاء بالعتق قضاء على كافة الناس، فكذلك القضاء بما في ضمنه. ولأن القاضي قضى لعبد الله بملك مؤكّد بالإعتاق، والملك المؤكد بالإعتاق مما لا يحتمل البطلان والزوال، لو بطل إنما يبطل بملك سابق، وما تصادق عليه إبراهيم ومحمد من الملك غير مؤكد بالإعتاق، وإنه محتمل يحتمل أنه كان قبل ملك عبد الله، ويحتمل أنه كان بعده بواسطة الردة، واللحوق بدار الحرب، والسبي بعده. فإن كان الملك الذي تصادقا عليه قبل ملك عبد الله يظهر به بطلان إعتاق (١) عبد الله، وإن كان بعده لا يظهر به بطلان الإعتاق (٢)، فلا يبطل العتق بالشك. ألا ترى أن البينتين إذا تعارضتا على الملك، وفي إحداهما عتق يقضى بالملك المؤكد بالإعتاق، كذلك هنا. وإذا ظهر ملك عبد الله بقضاء القاضي في حق محمد، صار محمد مقضيا عليه بذلك القضاء. ولهذا لو أقام محمد البينة على الشراء من إبراهيم وهو يملكها، فكان لمحمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم (٣)، وكذلك التدبير والاستيلاد، لأنه حق العتق، وإنه لا يحتمل الفسخ، فيكون ملحقا بالعتق. ولو أقامت الأمة البينة على عبد الله أنه كاتبها ببدل معين، وقضى القاضي بذلك،

стр. 680

لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، لأن الكتابة عقد (١) يحتمل الفسخ، فاقتصر القضاء على عبد الله. ولهذا لو أقام محمد البينة أنها أمته، اشتراها من إبراهيم بثمن معلوم، وأنه يملكها، قبلت بينة (٢)، بخلاف التدبير والاستيلاد، وهذا لأن العتق وفروعه حادث وكذا لك الشراء، وفي الحوادث إذا لم يعلم التاريخ يجعل كأنّهما وقعا معا. والعتق والتدبير والاستيلاد، إذا قارن الشراءَ يبطل الشراء، لأن الشراء مما يحتمل النسخ (٣) والعتق، وفروعه لا يحتمل، فيبطل الشراء، بخلاف الكتابة فإنها إذا قارنت الشراء، لا يبطل الشراء، لأن الكتابة مما تحتمل الفسخ كالشراء، فلا يظهر بطلان الشراء، وإذا لم يظهر بطلان الشراء، لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم. فلو أنها أدّت الكتابة (٤) وعتقت، رجع محمد بالثمن على إبراهيم، لأن الكتابة إذا اتصل بها الأداء تصير عتقا، وصار القضاء بالكتابة قضاء بالعتق، بخلاف ما قبل الأداء، ولهذا لو أقام محمد البينة عليها أنها أمته، اشتراها من إبراهيم بثمن معلوم، بعد ما أدى (٥)، لا تقبل، ولو أقامها قبل الأداء تقبل. ولهذا قلنا: إنّ الأب والوصيّ إذا أقرّا بكتابة عبد الصغير يصح، ولو أقرّا بالكتابة، وقبض بدل الكتابة (٦) لا يصح، لأن الإقرار بالكتابة وقبض البدل إقرار بالعتق (٧)، وهما

стр. 681

لا يملكان الإقرار بالعتق. ولو أنّ عبد الله أقرّ أنه اشترى الأمة من محمد بمائة دينار، ونقَدَه الثمن، وصدّقه محمد بذلك، ثم جاء رجل، واستحق الأمة من يد عبد الله بالبينة، فالمسألة على وجوه ثلاثة: إن كان تصادقهما بذلك قبل استحقاق الجارية، رجع محمد على إبراهيم بالثمن، لأنهما تصادقا على البيع في حال يملكان إنشاء البيع (١)، فيجعل تصادقهما بمنزلة إنشاء البيع ولو أنهما أنشأ البيع ثم استحقت الأمة من يد عبد الله، يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، كذلك هنا. ولو تصادقا بذلك بعد ما استحقت الأمة من يد عبد الله (٢)، رجع عبد الله بالثمن على محمد، ولا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، لأنهما لا يملكان البيع بعد الاستحقاق، فكان تصادقهما بعد الاستحقاق حجة في حقهما، لانعدام التهمة، دون غيرهما لمكان التهمة، فلهذا يرجع عبد الله بالثمن على محمد، ولا يرجع محمد بالثمن (٣) على إبراهيم. ونظيره ما لو أقرّ الزوج بالرجعة، إن أقرّ حال قيام العدة يصح، وإن أقرّ بعد الانقضاء لا يصح، وكذا الوكيل بالبيع إذا أقرّ بالبيع قبل العزل يصح، وبعده لا يصح، لأنه لا يملك الإنشاء.

стр. 682

والوجه الثالث: لو أقرّ عبد الله قبل الاستحقاق أنه اشترى الأمة (١) بمائة دينار من محمد، ونقَده الثمن، وصدّقه محمد بعد الاستحقاق، فهذا وما لو تصادقا بعد الاستحقاق سواء، لأن القضاء على عبد الله إنما يصير قضاءً على محمد، إذا صدّقه محمد فيما أقرّ، حتى لو كذّبه لم يكن ذلك قضاءً على محمد، وتصديق محمد وُجد بعد الاستحقاق، فلم يكن حجة على إبراهيم كما في الوجه الثاني. والفقه فيه أنّ الإقرار إذا كان قبل الاستحقاق، والتصديق بعده، صار مكذبا في إقراره بقضاء القاضي للمستحق قبل التأكيد، فبطل إقراره، فلا يتصل به التصديق، إلا أنّ عبد الله لما كان مصرًا على ذلك الإقرار بعد الاستحقاق، فإذا صدّقه محمد، اتصل التصديق بإقرار وجد بعد الاستحقاق، فصح في حقهما دون غيرهما، فلهذا رجع عبد الله على محمد، ولا يرجع محمد على إبراهيم. فرّق بين هذه المسألة وبين مسألة ذكرها في الجامع (٢): إذا باع جارية بيعا فاسدا، وسلّمها إلى المشتري، ثم أراد البائع أن يستردّها بحكم فساد العقد (٣)، فقال المشتري: بعتها من فلان الغائب بكذا، وسلَّمتها إليه، ثم أودَعَنيها وغاب، وكذّبه البائع، كان للبائع أن يستردّها منه، فإن حضر الغائب، وصدّقه فيما قال (٤)، ردّت الجارية عليه وبطل استرداد البائع (٥).

стр. 683

جعل التصديق مستندا إلى وقت الإقرار في تلك المسألة، ولم يجعله مستندا هنا (١). والفرق أن الاسترداد بحكم فساد العقد لا يفتقر إلى القضاء، فكان وجود القضاء وعدمه بمنزلة، وإذا التحق القضاء بالعدم لم يصر مكذّبا شرعا، فيستند التصديق إلى وقت الإقرار، لأن التصديق إثبات صفة الإقرار، فيلتحق بالموصوف، بخلاف الاستحقاق، لأن ملك المستحق لا يثبت إلا بالقضاء. وإذا اعتبر القضاء صار مكذبا شرعا، فلا يستند التصديق إلي وقت الإقرار. هذا إذا تصادقا على البيع، وإن تصادقا على الهبة والقبض، أو الصدقة والقبض فكذلك، إن تصادقا بعد الاستحقاق، أو صدّقه محمد (٢) بعد الاستحقاق، لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، وإن تصادقا قبل الاستحقاق يرجع. فإن قيل: وجب أن لا يرجع، لأن في البيع لو تصادقا قبل الاستحقاق، ثم استحقت من يد عبد الله، لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم حتى يرجع عبد الله على محمد، وفي الهبة لا رجوع لعبد الله على محمد، فوجب أن لا يرجع محمد على إبراهيم. قلنا: القضاء على ذي اليد، قضاء عليه وعلى من تلقّى الملك منه ببيع أو هبة، أو غير ذلك لما قلنا، إلا أنّ في فصل (٣) البيع إنما لا يرجع محمد على إبراهيم قبل رجوع عبد الله عليه، لأن محمدا ملك الثمن الذي أخذه من عبد الله، لأنه بدل المستحق، وبدل

стр. 684

المستحق مملوك ملكا فاسدا، فلو رجع محمد بالثمن على إبراهيم قبل أن يرجع عليه عبد الله، يجتمع البدلان عن مبدل واحد، في ملك واحد، في حالة واحدة، وذلك محال. أما في الهبة لا يؤدى إلى ذلك فيرجع، لأن القضاء على الموهوب له قضاء على الواهب. فلو أنّ محمدا أقام البينة على إبراهيم، أنّ الأمة (١) كانت وصلت إلى عبد الله من جهته، ببيع أو هبة أو صدقة، قبلت بينته، ويرجع بالثمن على إبراهيم. وكذا لو أقام البينة أنه كان صدّقه قبل الاستحقاق، لأنه يدّعي لنفسه حق الرجوع بالثمن على إبراهيم، ولا يمكنه إثبات ذلك إلا بإثبات السبب الذي جرَى بينهما، فيكون خصما، كالوكيل بالبيع (٢) إذا أقام البينة بعد العزل، أنه باعه قبل العزل، قبلت بينته. وكذلك الرجل إذا أقرّ بالرجعة بعد انقضاء العدة لا يصح، فإن أقام البينة أنه راجعها في العدة، أو أقرّ برجعتها في العدة، قبلت بينته (٣). ولو لم تستحق الجارية، ولكن أقامت الأمة البينة على عبد الله أنه ملكها منذ سنة، ثم أنه أعتقها، أو دبّرها، أو ولدت منه، وقضى الفاضي بذلك، فإنه ينظر إلى البيع الذي جرى بين إبراهيم ومحمد. فإن كان منذ سنة أو أقل، رجع محمد بالثمن على إبراهيم، لأن الملك المؤكد بالعتق

стр. 685

أو بفروعه بمنزلة العتق، فكان القضاء به قضاء على كافة الناس، بمنزلة القضاء بالعتق، ومن ضرورته بطلان البيع الموجود لسنة أو أقل، وإذا بطل بيعهما، رجع محمد بالثمن على إبراهيم. ولهذا لو أقام محمد البينة أنها أمته اشتراها من إبراهيم (١) منذ سنة، وأنه يملكها لا تقبل. وإن كان البيع الذي جرى بينهما لأكثر من سنة، لا يرجع محمد على إبراهيم، لأن العتق منذ سنة لا ينفي ملكا سابقا، فلم يكن من ضرورة ملك عبد الله منذ سنة بطلانُ البيع الذي جرى بين محمد وإبراهيم، بل من ضرورة تقدم شراء محمد من إبراهيم، بطلان ملك عبد الله وعتقه. ولهذا لو أقام محمد البينة على الجارية بعد ما قضى القاضي ببينتها أنها أمته، اشتراها من إبراهيم بألف درهم منذ سنتين، قبلت بينته، ويبطل القضاء بالعتق. فصارت مسائل الباب على قسمين: أحدهما: عتق في ملك مطلق، وهو بمنزلة حرية الأصل، والقضاء به قضاء على كافة الناس. والثاني: القضاء بالعتق في ملك مؤرّخ، وهو قضاء على كافة الناس من وقت التاريخ، ولا يكون قضاء قبله (٢).

стр. 686

باب ما يقر به المشتري فيرجع بالثمن على من باعه بالبينة أو الإقرار بني الباب على أصول: منها: أنّ الإقرارَ (١) حجّة قاصرة لا يتعدّى إلى غيره (٢)، والبينة (٣) حجة متعدّية،

стр. 687

لأن البينة تصير حجة بالقضاء، وللقاضي ولاية عامة، فتتعدّى إلى الكل، أما الإقرار حجة لا يتوقّف على القضاء، وله ولاية على نفسه دون غيره، فيقتصر عليه إذا كان متّهما (١). ومنها: أنّ القضاء بالنكول (٢) جائز عندنا (٣) من غير تكرار العرض (٤)، وشرط الخصّاف (٥) ﵀ التكرارَ ثلاث مرات (٦).

стр. 688

والنكول حجة في حق الناكل خاصة، لأنه بَذلٌ (١) أو إقرار (٢)، فلا يتعدى إلى غيره، إلا إذا كان مضطرّا في النكول، فيتعدى إلى من جاء الاضطرار من قبله (٣).

стр. 689

ومنها: أن دعوى المتناقض باطلة (١) فيما يحتمل الانتقاض، لأن أحد الكلامين ينقض الآخر، فلا تصح دعواه، حتى لو كان أمرا لا يحتمل الانتقاض كالنسب (٢) والحرية (٣) والطلاق (٤) ونحو ذلك، تسمع دعواه. ولهذا قلنا: إن مجهول النسب إذا أقرّ بالرقّ لإنسان، ثم ادّعى الحرية تسمع دعواه، لأن إقراره بالرق لا يبطل الحرية (٥)، فلا يمنع دعوى الحرية.

стр. 690

ومنها: أن إثبات الثابت لَغو، والبينة القائمة لا عن خَصم (١) مردودة (٢). إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل اشترى جارية بألف درهم (٣)، وقبضها، ونقده الثمن، ثم جاء رجل وادّعاها على المشتري، انتصب المشتري خصما، لأن صاحب اليد (٤) يدّعيها لنفسه، فيكون خصما للمدّعي، فإن أقرّ بها للمدعي، أمر بالتسليم، ولا يرجع بالثمن على بائعه، لأن إقراره حجة عليه دون غيره. وكذا لو جَحَد دعواه فحُلِّف فنكل، وقضي عليه بالنكول، لا يرجع بالثمن على بائعه، لأن نكوله لا يصلح حجة على غيره (٥). ولهذا قلنا: إن المريض مرض الموت، إذا ادّعى هلاك وديعة لوارثه، فاستحلف فنكل وقضى عليه بالنكول، لا يلزم ذلك باقي الورثة، فيكون النكول بمنزلة الإقرار (٦).

стр. 691

فرق بين هذا وبين الوكيل بالبيع، إذا ردّ عليه المبيع بعيبٍ يحدث [مثله] (١)، إن ردّ عليه بإقراره، لا يلزم الموكل، وإن رد عليه بنكوله، يلزم بمنزلة الرد بالبينة (٢). والفرق أنّ المشتري مختار في النكول، لأنه امتنع عن اليمين مع وجود ما يطلق الحلف (٣) وهو البيع والتسليم، فإن ذاك دليل الملك ظاهرا، وإذا امتنع عن اليمين (٤) مع قيام المطلق، كان مختارا، ولو كان مضطرّا فإنما لحقه الاضطرار بعمل باشرَه لنفسه، فلا يظهر [حكم نكوله في حق الغير] (٥). أما الوكيل مضطرّ في النكول (٦)، لأنه لم يوجد في حقه ما يطلق له الحلف، فإن الموجد ليس إلا الأمر بالبيع، والإنسان كما يبيع السليم، يبيع المَعيب، فلم يكن عالما بالسلامة عن العيب، والإنسان عسى لا يعلم بعيوب ملك نفسه، فكيف يعلم بعيوب ملك الغير، وهذا الاضطرار إنما لحقه بعمل باشرَه لغيره، فيظهر حكم نكوله في حق ذلك الغير، ويجعل النكول بمنزلة البينة.

стр. 692

فإن قال المشتري: أنا أقيم البينة أنها للمستحق، لأرجِع بالثمن على البائع، لا يلتفت إليه (١)، لأن ملك المستحق ثبت بقضاء القاضي (٢)، فهو يريد بهذا إثبات الثابت، ولأنه متناقض في دعواه، لأن إقدامه على الشراء إقرار منه بملك البائع، وصحة البيع، والتزام موجب العقد، فهو يريد بهذا إبطال عقد باشره، ونفي ما التزم من أحكامه، فلا يصح. كما لو أقام المشتري (٣) بينة أن العبد الذي اشتراه ملك فلان الغائب، باعه البائع بغير أمره ليرجع بالثمن على بائعه، لم يقبل لما قلنا (٤)، كذلك هنا. فرّق بين هذه المسألة وبين مسألتين: إحداهما ما ذكر في المأذون: رجل اشترى عبدا، وقبضه ونقد الثمن، ثم أقام البينة أنّ البائع باع (٥) هذا العبد قبل ذلك من فلان الغائب بكذا، قبلت بينته وإن كان متناقضا ساعيا في نقض ما تمّ به. والثانية ما روى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: إذا وهب جارية من رجل، فاستولدها الموهوب له، ثم أقام الواهب البينة أنه كان دبَّرها أو استولدها، قبلت بينته، ويرجع على الموهوب له بالجارية، والعقد، وقيمة الولد، وإن كان ساعيا في نقض ما تمّ به،

стр. 693

متناقضا في كلامه، لأنه لما وهبها له فقد أقرّ أنها محل التمليك، وقد صارت ملكا للموهوب له (١). والفرق بين هذه المسائل (٢): أما الفرق بين مسألتنا ومسألة المأذون: أن في مسألة المأذون لما أقام البينة على بيعه من الغائب قبل بيعه منه، فقد أقام البينة على إقرار البائع أنه ملك الغائب، لأن البيع إقرار من البائع بانتقال المبيع (٣) إلى المشتري. وفي مسألة الكتاب لو أقام البينة على إقرار البائع أنها للمستحق، قبلت بينته لما نذكر، فاستويا (٤).

стр. 694

وأما الفرق (١) بين مسألتنا وبين المسألة الثانية [فنقول] (٢): الواهب متناقض في كلامه، إلا أن هذا تناقض فيما هو من حقوق الحرية كالتدبير والاستيلاد، والتناقض فيه (٣) لا يمنع صحة الدعوى (٤). وعن أبي يوسف في مسألة الكتاب: لو أقام المشتري (٥) البينة أنها للمستحق، إن كان المستحق حاضرا قبلت بينته، وإن كان غائبا لا تقبل، لأنه إذا كان حاضرا انتقلت دعواه إلى المستحق، وتصير بينته بينة المستحق، بخلاف ما إذا كان غائبا. ولو أقام المشري البينة على إقرار البائع أنها للمستحق، قبلت بينته (٦)، لأنه يثبت لنفسه حق الرجوع على البائع بإقراره، وهو خصم في ذلك، ويثبت ما ليس بثابت، وهو

стр. 695

إقرار البائع، ولو كان متناقضا فالتناقض يرتفع بتصديق الخصم، وهو يثبت بهذا تصديق البائع، ويجوز أن تقبل البينة على إقرار الخصم، ولا تقبل (١) على نفس الحق. كما قال علمائنا ﵏ فيمن في يده عبد، ادّعاه رجل، فأقام صاحب اليد البينة على أنه لفلان الغائب، لا تقبل بينته ما لم يدع الوصول إلى نفسه (٢) من جهة الغائب (٣). ولو أقام البينة على إقرار المدّعي أنه لفلان الغائب، تقبل وإن لم يدع الوصول إلى نفسه من جهة الغائب. فرّق بين هذه المسألة وبين مسألة ذكرها في الجامع الصغير، وهي في "باب بيع عبد الغير" (٤): رجل في يده عبد لرجل باعه من رجل، فقال المشتري (٥): بعتَه بغير أمر المالك، وقال البائع: لا بل بعتُه بأمره، فأقام المشتري بينة على ما ادعى، أو على إقرار البائع بذلك، لا تقبل (٦). ولو أقر البائع بذلك عند القاضي، يلزمه رد الثمن (٧).

стр. 696

ووجه الفرق بينهما (١) أنه وضع المسألة في "الجامع الصغير" فيما إذا كان المبيع في يد المشتري، وسلامة المبيع من حيث الظاهر تمنع الرجوع بالثمن، فلا يكون مدعيا حق الرجوع (٢). وهنا وضع المسألة فيما إذا أخذت الجارية من يد المشتري، فكان مدعيا لنفسه حق الرجوع. ولا يقال في مسألة المأذون: المبيع في يد المشتري، ومع هذا قبلت بينته، لأنا نقول: ذاك محمول على ما إذا أخذ العبد من يده (٣). ولو قال المشتري للقاضي: سَلِ البائع أنّ الأمة للمستحق أو ليست له؟ أجابه القاضي إلى ذلك، لأنه يدّعي أنه مظلوم، وله حق الرجوع عليه بالثمن بإقراره، فيسأله القاضي، فإن أقر بذلك، لزِمه [ردّ] (٤) الثمن، وإن أنكر، وطلب المشتري تحليفه، أجابه القاضي إلى ذلك.

стр. 697

منهم من قال: إنما يحلفه القاضي، لأنه ادّعى عليه معنًى لو أقر به يلزمه، فإذا جحد يستحلف، كما في سائر الدعاوى (١). فإن قيل: بلى! ادّعى عليه معنًى لو أقر به يلزمه، ولكنه متناقض، لأن إقدامه على الشراء إقرار منه بصحبته، ولزوم أحكامه، ودعواه أنه ملك المستحق إنكارا لذلك، فكان متناقضا، ولهذا لا تقبل بينته، وكلما لا تقبل البينة إلا بعد دعوى صحيحة، لا يستحلف إلا بعد دعوى صحيحة. دلّ عليه ما ذكر في المأذون، عبد اشترى من رجل شيئا، ثم قال: أنا محجور، وقال البائع: هو مأذون، فأراد العبد أن يقيم البينة على ما ادّعى، لا تقبل، ولا يستحلف خصمه، وإن أقرّ به البائع يلزمه. وذكر في الجامع الصغير (٢): أنّ المشتري لو أراد استحلاف البائع: "بالله ما بعتُه من فلان قبل أن تبيعه مني"، لم يكن له ذلك، وإن أقر به البائع يلزمه (٣). والجواب عنه أن في مسألتنا المشتري غير متناقض من كل وجه، لأنه لا ينكر العقد أصلا، ولا ملك الثمن للبائع، فإن بيع مال الغير منعقِد، وبدل المستحق مملوك، وإنما ينكر وصف العقد، وهو صحّة (٤) اللزوم بعد الإقرار به من حيث الظاهر، فكان متناقضا من وجه دون وجه، فجعلناه متناقضا في حق البينة، ولم نجعله متناقضا في حق اليمين، [ليكون عملا بهما، والعمل على هذا الوجه أولى، لأن البينة حجة متعدّية، فلو لم نجعله

стр. 698

متناقضا في حق البينة] (١)، يلزمنا أن لا نجعله متناقضا في حق اليمين بطريق الأولى. بخلاف مسألة المأذون، لأن العبد منكِر حكم العقد أصلا، لأن شراء المحجور لا يوجب ملك الثمن، فكان متناقضا من كل وجه، وبخلاف مسألة الجامع، لأن ثمّة المبيع في يد المشتري، فلا يكون له حق الخصومة (٢). ولو لم تستحق الجارية، ولكن ادّعت أنها حرة الأصل، فأقر المشتري بذلك، أو استحلف فنكل، وقضى القاضي بحريتها، لم يرجع المشتري بالثمن على البائع. أما حرية الجارية (٣) لأنها كانت له من حيث الظاهر، فصح إقراره، ولا يرجع على البائع [بالثمن] (٤)، لأن إقراره ونكوله حجة عليه دون غيره (٥). منهم من قال: قوله "فاستحلف فنكل" غلط من الكاتب، لأن الاستحلاف لا يجري في دعوى الرق في قول أبي حنيفة، وعندهما: يجري، إلا أن اليمين تكون على الأمة، فلا معنى لقوله: "وأبي المشتري اليمين". ومنهم من قال: ما ذكر في الكتاب صحيح، لأن موضوع المسألة فيما إذا بيعت الأمة وسلمت، وانقادت الأمة لذلك، وانقيادها لذلك بمنزلة الإقرار بالرق، فكان دعوى الحرية منها بمنزلة دعوى العتق العارض، فيكون اليمين على المشتري، لأن الظاهر شاهد

стр. 699

له، فلو أن المشتري أقام البينة على البائع أنها حرة، قبلت بينته، ويرجع عليه بالثمن (١). فرّق بين هذا وبين الاستحقاق [بالثمن] (٢)، والفرق من وجهين: أحدهما: أنه ليس بمتناقض في فصل الحرية، لأن في فصل الحرية يظهر ببينته أنه أخذ الثمن بغير حق، وذاك دَين عليه، لأن الحرية تنفي انعقاد العقد وملك الثمن للبائع، فكانت البينة مظهرة أنّ إقدامه على الشراء لم يكن إقرارا بانعقاد العقد، فلا يتحقق التناقض. أما الاستحقاق لا يمنع الانعقاد (٣)، ولا ملك الثمن للبائع، فلو قبلت بينة المشتري أنها للمستحق، لا يظهر بينته (٤) أن إقدامه على الشراء لم يكن إقرارا بملك الثمن للبائع، ومع بقاء ذلك الإقرار يتحقق التناقض، ويصير مكذبا شهوده، ساعيا في نقض عقد (٥) تمّ به (٦).

стр. 700

والوجه (١) الثاني: أنه متناقض في الفصلين، إلا أنّ هذا تناقض فيما لا يحتمل النقض، فلا يمنع صحة الدعوى، كما لو تزوّج امرأة ثم أقامت البينة أنها أخته من الرضاع، أو أقامت البينة أنه كان طلّقها ثلاثا، ثم تزوجها قبل أن تنكح زوجا غيره. وكذا لو أعتق عبده على مال، ثم أقام العبد البينة أنه أعتقه قبل ذلك البتة، قبلت بينته (٢). واختلف أصحابنا فيمن باع أرضا ثم أقام البينة أنه باع ما هو وقف. منهم من قال: لا تقبل بينته، لأنه يحتمل الفسخ فصار (٣) كالبيع، ومنهم من قال: تقبل، لأنه لا يحتمل الفسخ بعد القضاء، فكان بمنزلة التدبير ونحوه (٤). وذكر أبو بكر الرازي ﵀: إنّما تقبل بينة المشتري أنها حرّة (٥)، لأنها شهادة قامت على حرمة الفرج، فتقبل من غير دعوى، حتى لو كان مكان الأمة عبد على قول أبي حنيفة، لا تقبل بينته، وعلى قولهما تقبل، لأنها شهادة (٦) قامت على عتق العبد، فلا تقبل

стр. 701

من غير دعوى، والتناقض يمنع الدعوى (١). ولو ادّعى المستحق أنها أمته، أعتقها أو دبّرها أو ولدت منه، فأقر المشتري بذلك، أو أبى اليمين، وقضى عيه، لا يرجع على البائع بالثمن لما قلنا (٢). فإن أقام المشتري البينة على البائع بذلك، إن شهد الشهود (٣) على أنّ ذلك كان قبل الشراء بينهما، قبلت بينه، ويرجع عليه بالثمن (٤)، لأنه يثبت بينته أنها لم تدخل في العقد، فكاد مدعيا الدَين، ولا يكون متناقضا. وإن شهدوا على أنّ ذلك كان بعد الشراء بينهما، لا تقبل بينته، لأنها وقت العقد كانت أمةً مملوكةً محلا للعقد، فالإعتاق المتأخر لا يُبطل الشراء السابق لما مرّ (٥).

стр. 702

باب ما يقضي [به] (١) القاضي فينقض الشراء ثم يردّ قضاءه وما لا يرد من ذلك بني الباب على أصلين: أحدهما: أن القضاء إذا اعتَمَد سببا صحيحا، نفَذ باطنا وظاهرا (٢)؛ ولا ينتقض بزوال ذلك السبب بعده، لأن شرط صحة القضاء وجود السبب وقت القضاء لا بقاءه، لأن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم (٣). وإن ظهر انعدام السبب من الأصل، نفذ القضاء ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة وأبي يوسف الأول (٤).

стр. 703

وفي قوله الآخر (١)، وهو قول محمد والشافعي (٢)، ينفذ ظاهرا لا باطنا (٣)، وهي مسألة قضاء القاضي في العقود، والفسوخ بشهادة الزور (٤). وأصل آخر: أن استحقاق (٥) المبيع بملك مطلق أو سابق على البيع، يوجِب توقيف البَيَاعات الماضية على إجازة المستحق (٦)، ولا يوجب الانتقاض في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وهو قول محمد.

стр. 704

وذكر الخصّاف (١) أنّ على قول أبي حنيفة وأبي يوسف يكون نقضا، حتى لو أجاز المستحق شيئا من العقود لا يجوز، لأن الخصومة وطلب الحكم دليل النقض، فينتقض به كما ينتقض بصريح النقض (٢). وعن أبي يوسف أنه لا ينتقض بنفس القضاء، ولكن إذا أخذ المبيع من المشتري بحكم القاضي يكون نقضا، لأنه دليل النقض (٣). وجه ظاهر الرواية: أنّ الخصومة وطلب الحكم (٤) لإظهار الحق، ولو كان الاستحقاق ظاهرا وقت البيع لا يمنع الانعقاد على وجه التوقف، فالظهور بعد البيع، لأن لا يوجب الانتقاض كان أولى، وكذا الأخذ من المشتري بعد القضاء محتمل، يحتمل النقض ويحتمل التلوّم، فلا ينتقض بالشك (٥).

стр. 705

إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل اشترى جارية بألفٍ، ونقده الثمن، ولم يقبضها حتى جاء رجل، ادّعاها (١)، وأقام البينة أولا، نقول: يشترط حَضرة البائع والمشتري لسماع الدعوى، لأن الملك للمشتري واليد للبائع، والمدعي يدّعيهما (٢)، فكان القضاء قضاء عليهما، فيشترط حضرتهما (٣). كما لو طلب الشفيع الشفعة قبل القبض، يشترط حَضرة البائع والمشتري، بخلاف ما بعد القبض، لأن الملك واليد كلاهما للمشتري، فيكتفي بحضرته. فإن أقام البينة بحضرتهما أنّها له، وقضى القاضي له بالجارية (٤)، ثم إن البائع أو المشتري أقام البينة أن البائع كان اشتراها من المستحق بثمن معلوم، وقبضها ثم باعها من المشتري، قُبلت ببينتهما، لأن هذه البينة تقرر القضاء الأول، ولا تنقضه (٥). فلو لم يقيما البينة، وطلب المشتري من القاضي فسخ العقد، وقال له: قل للبائع يسلم ما باعني وإلا فأنقض البيع، أجابه القاضي إلى ذلك، لأن تسليم المبيع من مواجب
следующие страницы →