← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وعندهما إن تمّ البيع فكذلك، وإن انتقض البيع (١) لا يضمن أيضًا، وإن أتلف (٢) مِلك البائع؛ لأن الأصل مضمون على المشتري بالثمن، فلا يضمن الكسب بالإتلاف؛ لما ذكرنا، وإن أتلفه البائع، لا ضمان عليه، هكذا ذكره في الكتاب، ولم يذكر فيه خلافا. وهذا الجواب ظاهر على قولهما، فيما إذا انتقض العقد؛ لأنه أتلف ملك نفسه، أمّا إذا تمّ العقد، فهو مشكل على قولهما؛ لأنه أتلف ملك المشتري، وعلى قول أبي حنيفة مشكل على كل حال؛ لأنه أتلف ملك المشتري على كل حال. قال الفقيه أبو جعفر: ما ذكر في الكتاب قولهما، أما على قول أبي حنيفة يضمن البائع على كل حال؛ لأنه أتلف ملك المشتري (٣). وقال غيره من المشايخ: لا يضمن عند الكل؛ لأنه وإن أتلف ملك المشتري، لكن أتلَفه في حال، لو أتلف الأصل لا يضمن القيمة، بل يسقط الثمن عن المشتري، والكسب لا حصّة له من الثمن، ولو كان الكسب مضمونا عليه بالقيمة، كان التبع مخالفا للأصل. هذا إذا حدث الكسب قبل القبض، فإن حدث عند المشتري، ثم انتقض البيع بينهما بخيار رؤية، أو شرط، أو عيب، سلم الكسب للمشتري؛ لأنه حدث في ملكهـ وضّمانه، فيكون له (٤)؛ لقوله ﵇: "الخَراج بالضّمان" (٥) في عين هذه الحادثة (٦)، والخَراج

стр. 807

هو الغلّة (١). ولما ذكرنا من المعنى، فإن أتلفه المشتري، ثم انتقض البيع بينهما لا يضمن؛ لأنه أتلف

стр. 808

ملك نفسه. وإن أتلفه البائع ضمن؛ لأنه أتلف ملك الغير في حالٍ لو أتلف الأصل يضمن قيمته. فرق بين الكسب والولد، جعَل الولد الحادث بعد القبض مانعا من الردّ بالعيب (١)، بحكم العيب ولم يجعل الكسبَ الحادث بعد القبض مانعا من الردّ. (٢) والفرق ما عرف أن الولد مال متقوّم، جزء من أجزاء المبيع، ملك حكما للبيع، فكان مبيعًا، إلا أنه مبيع لم يرد عليه البيع، ولا ماله شَبه بالبيع، فلا يرد عليه الفسخ، وليس له قسط من الثمن، فلو ردّ الأصل لرُدّ بجميع الثمن، فبقى الولد ربا. أما الكسب: ما ملك حكما للبيع؛ لأنه ليس من أجزاء المبيع، فلا يكون مبيعا أصلا، فلو ردّ الأصل بجميع الثمن لا يؤدّي إلى الربا. وإن حدث الكسب قبل القبض، ثم قبضه المشتري مع الأصل، ثم انتقض البيع (٣) بينهما بخيار الرؤية، أو خيار العيب، فالكسب للمشتري في قول أبي حنيفة، كما لو انتقض البيع بينهما قبل القبض (٤)، وعلى قولهما يدور مع الأصل؛ لأنه حدث حال تردّد

стр. 809

ملك الأصل، فيدور مع الأصل (١). فإن أتلفه المشتري لا يضمن عند أبي حنيفة على كل حال (٢)؛ لأنه أتلف ملك نفسه. وعندهما إن تمّ العقد فكذلك، وكذا إذا انتقض، وإن إتلف ملك البائع حال انتقاض العقد (٣)؛ لأنه لو أتلف الأصل لا يضمن القيمة، فلا يضمن الكسب. وإن أتلفه البائع يضمن (٤)، أمّا على قول أبي حنيفة؛ فلأنه أتلف ملك المشتري، وأمّا عندهما إن تمّ العقد فظاهر؛ لأنه أتلف ملك المشتري في حالٍ لو أتلف الأصل ضمن قيمته، وإن انتقض العقد ضمن أيضًا. وإن أتلف الكسب في حالٍ لو كان قائما يردّه على البائع مع الأصل؛ لأن عندهما الكسب تَبع للأصل، وبعد القبض الأصل مضمون على البائع بالقيمة، فكذا الكسب. وإن كان في البيع خيار لأحدهما، فإن كان الخيار للبائع، وقبضه المشتري، فأغلت غلّة، فالكسب يدور مع الأصل (٥)، تمّ البيع أو انتقض.

стр. 810

منهم من قال: هذا قول أبي يوسف ومحمد (١)، أمّا على قول أبي حنيفة: "الكسب يكون للبائع على كل حال، لأن خيار البائع يمنع زوال العين المبيع عن ملكه (٢)، فكان الكسب حادثا على ملكهـ ملك البائع. والصحيح: أن هذا قول الكل؛ لأنه حدث على ملك البائع، وللمشتري فيه سبب الملك، فيتوقّف كأكساب الغصب. فإن استهلكه المشتري، فإن تمّ البيع بينهما، لا يضمن عندهما؛ لأنه أتلف ملك نفسه، وكذلك على قول أبي حنيفة (٣) على القول الصحيح، وكذلك على قوله الآخر، لما نذكر (٤). وإن انتقض البيع بينهما، يضمن قيمة الكسب عندهما؛ لأنه أتلف الكسب في حالٍ لو أتلف الأصل يضمن قيمته، فيضمن الكسب (٥)، وعند أبي حنيفة لا يضمن الكسب؛ لأنه أتلف الكسب في حالٍ كان الأصل في يده مضمونا عليه بالقيمة، وهذا يمنع ضمان الكسب عنده. أصله: الغاصب إذا أتلف كسب المغصوب، ثم ردّ المغصوب على المالك، عندهما

стр. 811

يضمن الكسب، وعند أبي حنيفة لا (١) يضمن، حتى لو كان الكسب قبل القبض، فأتلفه المشتري، ثم انتقض البيع (٢) بينهما، ضمن الكسب عند الكل (٣). أمّا عندهما فظاهر، وأمّا عند أبي حنيفة: فلأنه لو أتلف الأصل، يضمن قيمته، والأصل ليس في يده، فيضمن الكسب. وإن أتلفه البائع، لا يضمن، سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده، أمّا إذا انتقض البيع، بينهما فلأنه أتلف ملك نفسه، وإن تمّ البيع بينهما، فلأنه أتلف ملك المشتري في حالٍ لو أتلف الأصل، لا يضمن، فكذا الكسب. وإن اكتسبت أكسابا، أو أغلّت غلةً، ولم يتلفه أحدهما، فأسقط البائع خياره، وأتمّ البيع، وسلّمها إلى مشتري، كان الكسب للمشتري تبعًا للأصل (٤). ويتصدق به؛ لأنه ريح حصل في ملك الغير لا في ضمانه، وإن انتقض البيع فهو للبائع، ولا يتصدق به، لأنه ربح ملكه (٥) حصل في يده، حتى لو حصل في يد المشتري، يتصدّق

стр. 812

به (١)؛ لأنه ربح حصل في ضمان للمشتري. وإن رد الجارية (٢) في هذه الصورة بعيب، ردّها مع الكسب (٣)؛ لأن الكسب حصل حالة التردد، فيدور مع الأصل. وإن كان أتلف الكسب، ردّ الجارية بجميع الثمن، لأنه لا قِسط للكسب من الثمن، فلا يسقط شيء من الثمن، وإتلاف الكسب بعد العلم بالعيب، لا يكون رضًى بالعيب، ولا يسقط شيء من الثمن. وكذا لو كان الكسب عبدا، فأعتقه، أو دبّره، أو كانت جاريةً، فوطئها في البيع الباتّ مع العلم بالعيب (٤)، لا يصير راضيا بالعيب، بخلاف الولد، فإن الجارية إذا ولدت ولدا في البيع الباتّ، فاستهلكه المشتري، أو أعتقه مع العلم بالعيب، يصير راضيا بالعيب؛ لأنه جزء من أجزاء (٥) (٦) المبيع، فكان حبسه كحبس الكل.

стр. 813

أما الكسب: ليس [بجزء (١)] (٢) من أجزاء المبيع، فلا يصير حابسًا بعض المبيع، فلا يصير راضيا بالعيب، كمن اشترى شيئين، وقبضهما، ثم وجد بأحدهما عيبا، ثم تصرّف في الآخر، كان له أن يردّ المعيب. هذا إذا كان الخيار للبائع، فإن كان الخيار للمشتري، فحدث الكسب بعد القبض، كان الكسب للمشتري، تمّ البيع بينهما (٣) (٤)، أو انتقض (٥). وإن أتلفه المشتري، لا يضمن، تمّ البيع أو انتقض، وإن أتلفه البائع، ضمن في الوجهين (٦)، هكذا ذكر في الكتاب، ولم يذكر فيه خلافا. من المشايخ من قال: هذا قولهما؛ لأنّ عندهما خيار المشتري، لا يمنع دخول السّلعة في ملكه (٧)، فكان خيار الشرط عندهما بمنزلة خيار الرؤية والعيب عند الكل، وثمّة الكسب الحادث بعد القبض يكون للمشتري (٨) (٩) على كل حال، وإن أتلفه المشتري،

стр. 814

لا يضمن، وإن أتلفه البائع، يضمن، فكذلك ههنا. فأما عند أبي حنيفة: ملك الأصل موقوف، فكذا الكسب، فإن أتلفه المشتري، وتمّ البيع بينها (١) لا يضمن؛ لأنه أتلف ملك نفسه، وكذا إذا انتقض البيع؛ لأنه أتلف الكسب في حالٍ لو أتلف الأصل، لا يضمن. وإن أتلفه البائع، إن تمّ البيع بينهما، يضمن؛ لأنه أتلف ملك المشتري في حالٍ لو أتلف الأصل يضمن قيمته، فكذلك الكسب، وإن انتفض البيع بينهما (٢)، لا يضمن؛ لأنه أتلف ملك نفسه. وعلّل محمد ﵀ في الكتاب، لإيجاب الضمان على البائع بإتلاف الكسب في هذه المسألة، فقال: لو استهلك البائع شيئًا منها، يعني من الجارية، ضمن ذلك المشتري، ويبطل خيار المشتري، وتمّ البيع، فكذا إذا استهلك الكسب ضمن ذلك المشتري (٣)، وهو في استهلاك الكسب، كسائر الأجانب. وذكر في "كتاب الشرب" (٤): إذا كان الخيار للمشتري، فقطع البائع يد الجارية المبيعة في يد المشتري في مدة الخيار، سقط خياره في قول أبي حنيفة، ولم يسقط في

стр. 815

قول محمد، وعن أبي يوسف روايتان (١). وأجمعوا على أنه لو قطع البائع قبل القبض لا يسقط خيار المشتري (٢). وأجمعوا على أنه لو قطعها أجنبيّ يسقط خياره (٣). من المشايخ من قال: ما ذكر في "الزيادات" قول أبي حنيفة خاصة، ومنهم من قال: لا، بل هذا قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن هذا الكتاب تصنيف محمد، فيكون عن محمّد روايتان. وجه رواية كتاب الشرب: أنّ شرط الرد بحكم الخيار، أن يردّ كما قبض، ولم يعجز المشتري عن ذلك؛ لأن البائع اشترى الجزء الهالك بجنايته، والمشتري ردّ الباقي، فتحقّق رد الكل، بخلاف ما إذا قطعها أجنبيّ؛ لأن ثمّة لم يوجد ردّ الجزء الغائب، فعجز المشتري عن ردّها كما قبض، فسقط خياره ضرورة. وجه رواية هذا الكتاب: أن البائع بعد القبض بمنزلة الأجانب؛ لانقطاع ملكه ويده، ولهذا لو استهلكها، أو استهلك جزءًا منها ضمن، ولو جَنَى عليها أجنبيّ سقط خيار المشتري، فكذا إذا جَنى البائع. وقوله: "إن البائع صار مستردّ الجزء الفائت"، فليس كذلك، لأنه لو صار مستردًا، لا يضمن نيمنه، كما لو كان الخيار له، بخلاف ما لو قطع البائع يدها قبل القبض، حيث لا يسقط خيار المشتري، ويملك الردّ؛ لأنه احتبس عنده بعض المبيع، وسقطت حصّتها من

стр. 816

الثمن، فكان له أن يردّ الباقي. لو استهلك الكسب المشتري (١)، لا يضمن، لأنه لو استهلك المشتري الأصل، لا يضمن، ولا يسقط خياره، وكان له أن يردها بخباره؛ لأنه لم يعجز عن ردّ المبيع، كما قبض. وحُكِي عن ابن سَماعَة (٢) أنه كتب إلى محمد رحمهما الله حين كان بالرقة، يستَفرِقه بين هذه المسألة، ومسألة الشفعة: إذا اشتري دارا على أنه بالخيار، فبيعت دار بجنبها، فأخذها المشتري بالشفعة، سقط خياره (٣)، وباستهلاك الكسب، لا يسقط خياره. فكتب في جوابه: أن الأخذ بالشفعة، يستدعي ملكا متقرّرا فيما يستحق به الشفعة، ولهذا لو باع داره قبل أن يأخذ الأخرى بالشفعة، بطلت شفعته، فكان إقدامه على الأخذ بالشفعة تقرير اللملك فيما يستحق به الشفعة، وذلك لا يكون إلا بإسقاط الخيار. أما سلامة الكسب، لا يستدعي ملكا متقررا في الأصل، ألا ترى أنّ المشتري لو ردّ الأصل بحكم الخيار، يسلّم له الكسب، فاستهلاك الكسب لا يكون تقريرا الملك الأصل، فلا يسقط خياره. فلو أن المشتري بعد ما قبض الجاريةَ فسخَ البيعَ بخيار شرط، أو رؤية، أو عيب، بقضاء أو رضى، أو تقايلا (٤)، ولم يدفعها إلى البائع، حتى اكتسبت أكسابا، فالمشتري في

стр. 817

هذه الحالة بمنزلة البائع قبل التسليم فيما تقدم، والبائع في هذه الحالة بمنزلة المشتري قبل القبض فيما تقدم في جميع الأحكام؛ لأنه لما انفسخ البيع بينهما، صار الملك للبائع، وبقي اليد للمشتري، فكان المشتري بمنزلة البائع، فيما تقدم (١). هذا كله إذا اكتسب المبيع بنفسه، وإن أجره البائع، أو المشتري في هذه الوجوه، فالأجر من أجره؛ لأنه وجب بعقده، والغاصب لو أجر المغصوب، كان الأجر له، فهنا أولى. رجل اشترى جاريةً، ولم يقبضها حتى وطئها المشتري، وهي بكر، أو ثيّب، فلا عقر عليه (٢)؛ لأنه وطئ ملك نفسه، ويصير قابضًا لها بالاستيلاء عليها، وللبائع أن يستردّها لاستيفاء الثمن؛ لأنه كان له حق الحبس لاستيفاء الثمن، فكان له حق الاسترداد (٣). فإن هلكت الجارية قبل أن يُحدث البائع منعا، هلكت من مال المشتري؛ لأنها هلكت بعد القبض. وإن هلكت بعدما أحدث البائع منعًا، هلكت من مال البائع؛ لأنه (٤) صار

стр. 818

مستردًا (١) بالمنع بعد الوطئ، فانتقض قبض المشتري، وصار كأن لم يكن. ثم ينظر إن كان لم ينقصها وطئ المشتري، سقط عن المشتري جميع الثمن؛ لأن المستوفي ليس بمال، فلم يحبس شيئا يقابله الثمن، فيسقط عنه جميع الثمن. وإن كانت بِكرا لزمته حصّة البكارة من الثمن، ويسقط الباقي، يُقسَم الثمن على نقصان البكارة، وعلى قيمتها ناقصة، فما أصاب نقصان البكارة يتقرّر على المشتري، ويسقط الباقي؛ لأن البكارة في حكم مال متقوّم يستحق بالشرط، حتى لو اشترى جارية على أنها بكر، فوجدها ثيبا، كان له أن يردّها، وإن تعذّر الرد، يرجع بالنقصان. وبمثله لو اشترى جارية ثيبا بشرط أن لا يطأها البائع، ثم علم أنه كان وطئها قبل البيع، لم يكن له أن يردّها (٢)، فبهذا يظهر الفرق بينهما. وشبّه في الكتاب بالراهن، إذا وطي [الجاريةَ] (٣) المرهونة، إن كانت بكرا، غرم نقصان البكارة للمرتهن، يكون رهنا عنده مع الجارية (٤)، وإن كانت ثيبا لم ينقصها وطء الراهن، لا يضمن شيئا، ولا عقر عليه (٥). وقد قال مشايخنا: إن الراهن إذا وطئ المرهونة، يلزمه العقر، ويكون رهنا عند المرتهن؛ لأنه زالت يد الراهن عنها إلى غيره مع بقاء الملك، فكانت بمنزلة المكاتَبة، والمولى

стр. 819

إذا وطئ المكاتبة، يلزمه العقر، وهذا ليس بصحيح. والفرق بينها وبين المكاتبة، إن الراهن أوجب (١) للمرتهن يد الاستيفاء، ويد الاستيفاء لا تثبت إلا على ما يتصوّر منه الاستيفاء، وهو المال، والبُضع ليس بمال، فلا يثبت عليها يد المرتهن، بخلاف الكتابة؛ لأن المولى بعقد الكتابة ما أوجب اليد للمكاتب، بل أزال يد نفسه عن المكاتب (٢)، فظهرت بدها، وهي يد الحرية، ويد الحرية يد عامّة تظهر في حق المال وغير المال، فيغرم (٣) عقر المكاتبة. ولو أن البائع استردّ الجارية، ثم استوفى الثمن، ودفعها إلى المشتري، فوجد المشتري بها عيبًا، وقد كان المشتري وطئها وهي ثيب لم ينقصها وطؤها (٤)، ردّها من غير رضى البائع بجميع الثمن (٥)؛ لأن البائع لما استردها، بطل حكم وطئ المشتري، وصار ذلك كعيب حدث عند المشتري بآفة سماويّة، فإذا استردّ البائع، بطل حكمه أصلا. وإن كان البائع هو الذي وطئها، وهي بكر أو ثيب، لا يجب عليه العُقر في قول أبي

стр. 820

حنيفة، غير أنها إن كانت بكرا، تسقط حصّة البكارة من الثمن عن المشتري (١)، وله الخيار فيما بقى، كما لو أتلف جزأ منها (٢). وإن كانت ثيبا، لم ينقصها الوطئ، لا يسقط شيء من الثمن عن المشتري، ولا خيار للمشتري (٣)، هكذا ذكر هنا، وفي البيوع من "الأصل". وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵏: أن له الخيار، وبه أخذ بعض المشايخ. أمّا الكلام في الخيار: فوجه تلك الرواية أن المستوفي بالوطئ في حكم جزء من المين، فَفَواته يثبت الخيار للمشتري، وإن كان لا يقابله شيء من الثمن، كما لو فات جزء من أجزاءها عند البائع لا بِصُنع أحد. وجه ظاهر الرواية أن المستوفي بالوطئ، وإن كان في حكم الجزء، لكنه جزء لا يستحق بملك الأصل، ولهذا لو اشترى جارية، ولم يعلم أن البائع وطئها، ثم علم بعد ذلك، لا خيار له، عُلم أن هذا الجزء لا يستحق بملك الأصل، ففَواته لا يوجب الخيار للمشتري، ووطئ البائع لا يُعَدّ عيبا قبل البيع، فلا يُعدّ عيبا قبل القبض. وأما الكلام في العقر (٤):

стр. 821

عندهما: يجب العقر (١) على البائع، بكرا كانت أو لم تكن؛ لأن هذا وطئ حصل في ملك الغير، فلا يخلو عن غرامة أو عقوبة، وقد انتفت العقوبة ههنا لأجل الشبهة (٢)، فتعيّنت الغرامة. ولأبي حنيفة: أن المستوفي بالوطئ جزء، فلا يخالف سائر الأجزاء. ولو أتلف البائع جزءا منها قبل القبض، لا يضمن قيمته، فكذا إذا أتلف هذا الجزء لا يضمن قيمته، ولا يسقط شيء من الثمن؛ لأنه ليس بمال، فلا يقابله الثمن. وإذا ثبت أنه لا يجب العقر بوطئ البائع في قول أبي حنيفة (٣)، وعندهما يجب، بعد هذا لا يخلو: إمّا إن كانت الجارية بكرا، أو ثيبا، فإن كانت ثيبا لا ينقصها الوطئ عند أبي حنيفة، لا يسقط شيء من الثمن. وعندهما تسقط حصّة العقر من الثمن، لأن العقر وإن وجَب على البائع لا يستوفي منه؛ لأن الجارية في ضمانه، ولو جَنى البائع عليها جناية أخرى، لا يستوفي منه ضمان الجناية، بل تسقط حصّته من الثمن، كذلك هنا. فإن كانت قيمتها ألفا، وعقرها مائة، يقسم الثمن على أحد عشر جزءا، فيسقط عن

стр. 822

المشتري سهم (١)، ويكون له الخيار، إن شاء أخذها بعشرة أجزاءٍ من أحد عشر جزءً من الثمن، وإن شاء ترك. وإن كانت بكرا، عند أبي حنيفة تسقط حصة البكارة من الثمن، من غير اعتبار العُقر، ويأخذ الباقي (٢) إن شاء. وعندهما: ينظر إلى العقر، وإلى نقصان البكارة، فأيّهما كان أكثر، يدخل الأقل فيه، ويقسّم الثمن على الأكثر منهما، وعلى قيمة الجارية ناقصة، ولا يعتبر الأمران؛ لأن المضمون واحد، وهو منفعة البضع، فلا يتكرّر ضمانه، كمن شجّ (٣) رأس إنسان، فتناثر شَعره، فإنه لا يجمع بينهما، كذلك هنا. فإن كان نقصان البكارة مائة، والعُقر مائتين، دخل النقصان في العقر، فيقسم الثمن على قيمة الجارية ناقصة، وذلك تسعمائة، وعلى العقر، وذلك مائتان؛ لأنا اعتبرنا المائة

стр. 823

مرّة، حتى ضممناها إلى العقر، وأدخلناها فيه (١)، فيقسم على أحد عشر، فيسقط سهمان من أحد عشر، ويلزمه تسعة من أحد عشر. وإن كان العقر مائة، والنقصان مائتين، دخل العقر فيه، فيسقط حصّة النقصان، وهو خمس الثمن، ويأخذها بأربعة أخماس الثمن، إن شاء. وذكر محمد في "الرَّقّيات" (٢)، فيما إذا كان العقر أكثر من النقصان غير هذا، فقال: رجل اشترى جاريةً بمائة، فوطئها البائع، وهي بكر، فنَقَصها عشرين، والعقر أربعون، قال: تسقط حصة النقصان، وهو خمس الثمن، يبقى ثمانون، ثم يدخل من العقر قدر النقصان في النقصان، وهو عشرون، يبقى من العقر عشرون، يقسّم ما بقي من الثمن، وذلك ثمانون، على ما بقي من العمر، وذلك عشرون، وعلى قيمتها ناقصة، وذلك ثمانون أخماسا، فيسقط ما أصاب العقر ستة عشر، وهو خمس ثمانين، ويبقى أربعة وستون، فكان الساقط من الثمن ستة وثلاثين. وعلى قياس جواب الكتاب، يقسّم الثمن علي قيمتها ناقصة، وهي ثمانون، وعلى العقر، وذلك أربعون، فيصير الثمن أثلاثا، يسقط ثلث الثمن (٣)، وهو ثلاثة وثلاثون

стр. 824

وثلث، ويبقى ثلثاه، وذلك سنة وستون وثنان، ولم تختلف الروايات في الوجه الآخر، وهو ما إذا كان العقر أقلّ من نقصان البكارة. رجل اشتري عبدًا، ولم يقبضه، حتى اكتسب أكسابا، ثم نقد الثمن، وقبضه، فإن الكسب يكون للمشتري، ويتصدّق به؛ لأنه ربح حصل في ضمان غيره، فلا يطيب له. كما لو اشترى عبدا يساوي ألفين بألف، فقتل قبل القبض، واختار المشتري، أخذ القيمة، فإنه يتصدق بالفضل، إذا أخذ القيمة من الدراهم؛ لأن بيع الألف بالألفين باطل، فيتمكّن فيه نوع خبث. وإن أخذ القيمة من الدنانير، أو الإبل، أو الغنم، لا يتصدق بشيء؛ لأن الربا لا يظهر عند اختلاف الجنس في حقيقة البيع، فلا تتمكن شبهة الخبث في القبض بحكم العقد. أمّا في مسألتنا يتصدّق بالكسب على كل حال؛ لأن الكسب لا حصة له من الثمن، فكان ربحًا، وإن كان من خلال الجنس، وأنه ربح حصل في ضمان غيره، فيتصدق به (١). بخلاف الولد الحادث، والثمن الحادث قبل القبض، حيث لا يتصدق به؛ لأن الولد (٢) يصير مقصودا بالقبض، ويأخذ قسطًا (٣) من الثمن، فلا يكون ربحا، أما

стр. 825

الكسب: لا حصّة له من الثمن، فكان ربحًا. وعن أبي يوسف أنه لا يتصدق بالكسب؛ لأن الربح إنما يظهر، فيما يكون مبيعا، والكسب لا قسط له من الثمن، فلا يكون مبيعا. ومحمد ﵀ استشهد (١) بفضل الجناية: إذا قُتِل المبيع قبل القبض، وقيمته أكثر من الثمن، فأخذ المشتري القيمة من الدراهم، فإنه يتصدق بالفضل (٢)، وإن لم تكن القيمة مقابلا بالثمن، وإنما يلزمه التصدق لمكان صورة المقابلة عند القبض، كذلك هنا. ولو انتقض بيع الجارية (٣) بينهما، وعاد إلى البائع بعدما اكتسب أكسابا قبل القبض (٤)، يكون الكسب للبائع عندهما، ويتصدق به؛ لأنه ريح حصل في ضمانه على ملك الغير، وأثر الملك في طيب الربح فوق أثر الضمان. فلما لم يسلّم الكسب للمشتري لعدم الضمان، ولزمه التصدق؛ لأن لا يطيب للبائع لعدم الملك، كان أولى، وهو بمنزلة ما لو قتل عند البائع، وقيمته أكثر من الثمن، واختار المشتري فسخ العقد، وأخذ البائع القيمة من القاتل، فإنه يسلم له من القيمة مقدار الثمن،

стр. 826

ويتصدق بالفضل، كذلك هنا. ولو باعها بشرط الخيار للبائع، فقبضها المشتري، واكتسبت أكسابا عنده، ثم انفسخ البيع بينهما بحكم الخيار، كان الكسب للبائع، ولا يتصدق به؛ لأن خيار البائع يمنع زوال العين عن ملكهـ (١)، فكان الكسب حاصلا على ملك البائع، فلا يتصدق به، وإن تمّ البيع بينهما تصدّق المشتري بالكسب؛ لأنه ربح حصل في ملك الغير، وفي ضمانه. وكذا إن كان الكسب قبل القبض يتصدّق بالكسب؛ لأنه ربح حصل لا في ملكه وضمانه. وإن هلكت الجارية (٢) عند المشتري في مدة الخيار، ضمن المشتري قيمتها، ويكون الكسب للمشتري (٣)، وينصدق به؛ لأنها مضمونة عليه بالقيمة، فكانت كالمغصوبة، والمغصوبة إذا اكتسبت أكسابا، ثم استردّها المالك استردّ الكسب، ولا يتصدق بشيء. وإن ضمن الغاصب قيمتها، بأن أبَقَت، أو ماتت، كان الكسب للغاصب، يتصدق به، كذلك هنا؛ لأن ضمان القيمة لا يخِلّ بالملك، فلا يوجب شبهة في حق المالك. رجل مات، وترك ثلاث جَوارٍ، تساوي كل واحدة منهن ألفا، وأوصي بواحدة بعينها لرجل، ومات الموصي، فاكتسبت (٤) أكسابا، أو ولدت ولدا قبل القسمة، دخل

стр. 827

الكل في الوصية (١)، ويجعل الكل مال الميت، إلا أن عند أبي حنيفة: تنفذ الوصية في الأم أوّلا، فإن فضل من الثلث شيء، يعطى له الفضل من الولد (٢) والكسب (٣). وعند أبي يوسف ومحمد (٤): تنفذ الوصية بقدر الثلث في الكل، ولا يبدأ بشيء قبل شيء، وهي معروفة في الوصايا (٥)، ومقصوده من إيرادها هنا هي دعوى المناقضة

стр. 828

على أبي حنيفة ﵀، فإنه قال: وهذا عندنا ترك من أبي حنيفة. قوله: "في كسب المبيعة" أراد بذلك أن في فصل الوصية سوّى بين الكسب والولد، وفي باب البيع فرّق بينهما. وفي باب البيع (١) جعل الكسب للمشتري على كل حال، باعتبار قيام الملك له في الأصل وقت الكسب، وفي مسألة الوصية لم يجعل الكسب للموصى له. وإن كانت الجارية ملكا له وقت الكسب؛ لأنها كانت تخرج من الثلث، والوصية بقدر الثلث لا تحتاج إلى التنفيذ، ولهذا لو أعتقها الموصي له، نفَذَ إعتاقه. والفرق لأبي حنيفة أن الوصيّة بقدر الثلث، وإن صارت ملكا (٢) للموصى له بموت الموصى، لكنه غير متأكّد (٣)، حتّى لو قلّ ماله قبل القسمة، يبطل الملك بقدره (٤). ولو ظهر دّين، أو وصية، يقضي دَينه من الزوائد الحادثة قبل القسمة، ويعتبر قيمة الوصية يوم القسمة، فكانت ملكا للموصي له، ولغيره حق التملّك، وهو معنى ما قال

стр. 829

مشايخنا: إن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميّت (١)، فكان الكسب حاصلا على ملك الموصي له، وللوارث فيه سبب الملك. فأما المبيعة مملوكة للمشتري، ليست مبقاة على حكم ملك البائع. وكذا الصّداق ملك المرأة، غير مبقى على ملك الزوج، فكان الكسب سالما للمشتري والمرأة، وإن انتقض الملك في الأصل بعد ذلك، وإنما نفذنا الوصية في الأم؛ كيلا يكون الولد مزاحما للأصل. والله أعلم بالصواب

стр. 830

باب العبد يشتري بأقل ممّا بيع به ما يجوز من ذلك وما لا يجوز بني الباب على أن شراء ما باع، أو بيع له، بأقلّ ممّا باع قبل استيفاء الثمن الأول فاسد عندنا (١) استحسانا، والقياس أن يجوز (٢)، وهو قول الشافعي (٣) ﵀.

стр. 831

واعتمادنا في شراء ما باع على حديث عائشة (١) ﵂ أن امرأة (٢) جاءت إليها، وقالت: إني بعتُ من زيد بن أرقَم (٣) جاريةً بثمان مائة إلى العَطاء، ثم اشتريتُها منه بستمائة قبل نقد الثمن، فقالت عائشة ﵂: "بئسَما شريتِ، وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حَجّه وجهادَه مع رسول الله ﷺ ،

стр. 832

إن لم يتُب" (١)، ومقادير الجرائم لا تُعرف إلا سماعا، فكان ذلك كالمرويّ عن رسول الله ﷺ (٢).

стр. 833

والمعنى فيه أن الثمن قبل القبض ليس في ضمان البائع، فإذا أعاد إليه المبيع بالصفة التي خرج عن ملكهـ مع بعض الثمن، كان ذلك ربح ما لم يضمن، وأنه حرام بالنصّ (١)، وتمامه يعرف في "المختلّف" (٢). وأمّا شراء ما بيع له (٣)؛ لأن المنع عن شراء ما باع ربح ما لم يضمن، وذلك حاصل

стр. 834

في الفصل الثاني، لما نذكر بعد هذا (١). وفي الباب فصلان: أحدهما: أن يكون العبد لاثنين، والثاني: أن يكون العبد لواحد. أمّا الفصل الأول: عبد بين رجلين، فباعاه من رجلٍ بألف درهم إلى سنة، ثم اشتراه أحدهما بخمسمائة حالّة، جاز شراءه في نصف العبد بنصف الثمن الثاني، وبطل في النصف الآخر؛ لأن بيع كل واحد منهما منصرف إلى نصيبه خاصّة، حملا لتصرّفه على جهة الأصالة والملك. ولهذا لو انفرد أحدهما ببيع النصف، ينصرف بيعه إلى نصيبه خاصّة؛ حملا على الصحة، فكان كل واحد منهما بائعا نصيبه، أجنبيا عن نصيب الآخر، فإذا اشتراه أحدهما بخمسمائة، فسد شراءه فيما باع هو لما قلنا، وجاز شراءه في نصيب صاحبه؛ لأنه في نصيب صاحبه ليس ببائع، ولا بيع له. وفساد البيع في نصيبه لا يتعدّى إلى الباقي؛ لأنه فساد ضعيف، لمكان أن شبهة الربا مجتهد فيها، فلا يؤثر في الباقي (٢)؛ لأن فيه اعتبار شبهة الشبهة، وذلك لا يجوز (٣).

стр. 835

فرق أبو حنيفة بين هذا، وبين ما لو أسلم (١) حنطة في شعير وزيت؛ حيث لا يجوز العقد (٢) في الكل (٣)؛ لأن إسلام المكيل في المكيل حرام عند الكل، فتعدّى إلى الباقي، ولا خيار له، لأنه لما اشترى مع علمه أنه لا يسلم له إلا النصف، كان راضيا بعيب الشركة، فلا يخيّر. ولو قالا: "بعناك هذا العبد بألف، بعناك (٤) نصيب كل واحد منّا بخمسمائة"، أو قالا ابتداءً: "بعناك نصيب كل واحد منا بخمسمائة"، ثم اشترى أحدهما قبل استيفاء الثمن جميع العبد بخمسمائة، جاز شراءه في الربع بربع خمسمائة، لأن شراء نصيبه لا يجوز، لأن نصف نصيبه باع هو بنفسه، ونصف نصيبه باع له شريكهـ بأمره (٥)، فلا يجوز شراءه. أيضًا. وأما نصيب صاحبه، فنصف ذلك باع هو وكالةً بتوكيل صاحبه، فلا يجوز له أن

стр. 836

يشتريه، ونصفه باع صاحبُه بنفسه، فكان له أن يشتريه؛ لأنه أجنبيّ عن ذلك، فلهذا جاز شراءه في نصف النصف، وهو الربع بربع الخمسمائة. ولو باعه بألف نسيئةً، ثم وكّل رجلا بالشراء، فاشتراه الوكيل بخمسمائة قبل نقد الثمن، جاز شراءه للموكل في قول أبي حنيفة (١)، ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله (٢). لهما: أن التوكيل إنابة، وإقامة الغير مقام نفسه، فلا يملك التوكيل إلا بما يملكهـ بنفسه. وأبو حنيفة فرّق بين الوكيل بالبيع، وبين الوكيل بالشراء، إذا باع الوكيل، ثم اشترى الموكل قبل نقد الثمن بأقلّ مما باع الوكيل لا يصح. ولو باع بنفسه، ثم وكل وكيلا بالشراء، فاشترى الوكيل قبل نقد الثمن بأقلّ مما باع الموكّل، جاز (٣)، جَعل بيع الوكيل كبيع الموكل، ولم يجعل شراء الوكيل كشراء الموكل (٤). والفرق أن الوكيل بالبيع استفاد ولاية التنفيذ (٥) من جهة الموكل، فإذا استَنَد نفاذ العقدين إلى ولاية واحدة، كان بيعه كبيع الموكل.

стр. 837

أما الوكيل بالشراء كان يملك الشراءَ لنفسه قبل التوكيل، وإنما ثبت للموكل حكم شراءه، فيجعل كأنه اشتراه لنفسه ثم باعه من الموكل، ولو فعل ذلك جاز، كذلك هنا. ولو وكل بالشراء أوّلًا، فاشترى الوكيل، وقبض، ثم باع بنفسه ما اشتراه الوكيل من بائعه، بأقلّ، لم يجزه (١) جَعل شراء الوكيل، كشراءه هنا؛ لأنه إنما ملك البيع بذلك الشراء، فيجعل شراء الوكيل في حق هذا البيع كشرَاءه. هذا كله إذا اشتراه أحدهما، فإن اشترياه، أما في الفصل الأول: بأن باع كل واحد منهما نصيبه (٢) بخمسمائة، ثم اشترياه قبل نقد الثمن بخمسمائة، جاز شراء كل واحد منهما في الربع بربع خمسمائة؛ لأنهما إذا اشترياه، فقد اشترى كل واحد منهما نصفا شائعا نصفه مما كان له ففسد، ونصفه مما كان لصاحبه فجاز؛ لأنه أجنبيّ في نصيب صاحبه، ليس ببائع، ولا بيع له. ثم فرّق بين البيع وبين (٣) الشراء إذا باعاه، ينصرف بيع كل واحد منهما إلى نصيبه، وإذا اشترياه ينصرف شراء كل واحد منهما إلى نصف شائع، وإنما جعل كذلك؛ لأن النصف المطلق، هو النصف الشائع، إلا أن في البيع صرفنا بيع كل واحد منهما إلى نصيبه تنفيذا للعقد، وفي الشراء أمكن العمل بالحقيقة، فيعمل بالحقيقة (٤).

стр. 838

ثم فرّق بين هذا، وبين ما لو باع كرّ حنطة، وكرّ شعير بكرّي حنطة، وكرّي شعير (١)، يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، تحرّيا للجواز، وهنا لم يصرف شراء كل واحد منهما إلى نصف صاحبه تحرّيا للصحة؛ لأن بيع الكرّ بالكرّين من جنس واحد فاسد عند العلماء، وأنه أمر ظاهر، والعاقل يقصد الصحة دون الفساد، فكان قاصدا صرف الجنس إلى خلاف الجنس. أما هذا فسادٌ خفيّ (٢)، ولهذا اشتبه على كثير من العلماء، وبدون العلم لا يقصد التنفيذ، حتى لو قصد، وقال: "بعني نصيب صاحبي" جاز شراءه في الكل، ولو قال: "بعني نصيبي" لم يجز في شيء منه. ولو باعا نصيب كل واحد منهما، ثم اشترياه جميعًا، جاز شراء كل واحد منهما (٣) في ثمن العبد بثمن الخمس مائة، لما قلنا إن شراء كل واحد منهما نصف العبد، انصرف إلى نصيب شائع نصف هذا النصف مما كان له، ففسد شراءه في ذلك. بقي من هذا النصف نصيب صاحبه، وهو الربع، نصفه باع هو بوكالة صاحبه، فلا يجوز، ونصفه باع صاحبه بنفسه، فيجوز في ربع النصف، وهو ثمن الكل بثمن خمسمائة، وفسد في (٤) الباقي، ولا يختلف الجواب في الفصول كلها، فيما إذا باعاه من

стр. 839

واحد، أو من (١) اثنين. رجل له عبد باعه مع أجنبيّ من رجل بألف درهم إلى سنة، ثم اشتراه الذي كان له بخمسمائة، لم يجز؛ لأن النصف منه باعه بنفسه، والنصف الآخر باعه وكيله، فوَجد المفسد في الكل. ولو اشتراه الأجنبي الذي كان معه في البيع (٢) بخمسمائة لنفسه أو لغيره، جاز شراءه فيما باع الموكل، وبطل فيما باع الوكيل؛ لأنه لم يوجد المفسد فيما باع الموكل، ووجد المفسد فيما باع الوكيل؛ لأن الوكيل في البيع بائع لنفسه من وجه دون وجه. فإذا اشتراه بأقلّ من الثمن الأول، فمن حيث أنه كان بائعا لنفسه، لا يجوز شراءه، ومن حيث أنه كان بائعا لغيره، جاز شراءه، فترجّح جانب الفساد احتياطا، بخلاف الوكيل بالشراء في قول أبي حنيفة، لأنه مشترٍ لنفسه من كل وجه. ولو باع (٣) الأجنبيّ كله، ثم اشتراه أحدهما بأقل مما باع، لا يجوز، أما الأجنبي فلأنه بائع، وأما المالك فلأنه بيع له، فوجد المفسد في شراء كل واحد منهما، فلا يجوز (٤). عبد بين رجلين باعاه من رجلين بألف درهم إلى سنة، وسلّماه إلى المشتري (٥)، ثم

стр. 840

اشترياه جميعًا بخمسمائة درهم (١) حالة، جاز شراءهما في النصف (٢)، لكل واحد منها في ربعه (٣) وهذا وما لو باعاه من واحد سواء في الوجوه كلها؛ لأن كل واحد منهما صار بائعا نصيبه؛ لما قلنا. فإذا اشترياه، [فقد] (٤) اشترى كل واحد منهما نصفا شائعا، نصف هذا النصف مما كان له، فلا يصح، ونصفت هذا النصف (٥)، وهو الربع مما كان لشريكهـ، فجاز شراءه في ذلك (٦)؛ لأنه ليس ببائع، ولا بيع له، فلهذا جاز شراء كل واحد منهما في الربع، كما لو باعاه من واحد ثم اشترياه منه. رجل باع (٧) عبدَه على أن فلانا بالخيار ثلاثة أيام، فأجاز المشروط له الخيار البيعَ، ثم اشتراه المشروط له الخيار لنفسه، أو لغيره بأقل من الثمن الأول، قبل نقد الثمن، جاز الشراء (٨)؛ لأنه ما باع، ولا بيع له (٩).

стр. 841

فإن قيل: الإجازة بمنزلة البيع، ألا ترى أن البائع إذا شرط الخيار للشفيع، فأجاز البيع، وأسقط الخيار، لا يكون له الشفعة، ويصير بمنزلة البائع. قلنا: العبرة للمعنى دون الصورة، ففي فصل الشفعة: من باع أو بيع له، لا يكون له الشفعة (١)؛ لأنه لو أخذها (٢) بالشفعة، يصير ساعيا في نقض ما تمّ به، وفي هذا المشروط له الخيار بمنزلة البائع. أما ههنا: لا يجوز الشراء المكان الربا؛ لحصول ربح ما لم يضمن، والربح لا يحصل للذي أسقط الخيار، وإنما يحصل لمن كان السبب، أو حكم السبب واقعًا له. ولو اشترى عبدا بألف لسنة، ثم مات البائع، فاشتري وارثه من المشتري، بأقل مما باع المورث، يجوز (٣). ولو مات المشتري، فباعه وارثه من البائع بأقل مما اشتراه المورث، لا يجوز (٤). وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز لوارث البائع أيضًا أن يشتريَ بأقل مما باع المورث (٥)؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث، فكما لا يجوز للبائع أن يشتري، لا يجوز لوارثه أيضًا، كما

стр. 842

في وارث المشترى. ووجه الفرق على ظاهر الرواية (١)، أن الوارث يقوم مقام المورث فيما يرث، لا فيما لم يرثه (٢)، ووارث البائع لا يملك الشراء بطريق الإرث، لأنه كان يملك الشراء لنفسه في حياة المورث، فكان بمنزلة الأجنبي في ذلك. بخلاف وارث المشتري؛ لأنه قائم مقام المشتري في حكم البيع؛ لأن ولاية البيع له من أحكام ملك المورث، فكان قائما مقامه. ثم فرق أبو حنيفة في وارث البائع بين حالة الحياة، وبين ما بعد الموت، فإن وارثه إذا كان ممن لا تقبل شهادته للبائع، كالأب والابن، لو اشترى في حياة البائع بأقل مما باع، لا يجوز، ولو اشترى بعد موت المورث بأقل مما باع المورث، جاز (٣). لأن بينهما شبهة اتحاد الملكين، ولهذا لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، ففي حياة المورث، شراء الوارث يكون للمورث من وجه، فحرم الشراء (٤) لمكان الشبهة، والشبة انقطعت بالموت؛ لأن حقيقة الملك تنقطع بالموت، فالشبهة أولى. فرق أبو حنيفة بين هذا (٥) الوارث، وبين الوكيل إذا وكل البائع رجلا بالشراء، فاشترى الوكيل بأقل مما باع الموكل، جاز في قول أبي حنيفة، ولم يجعل شراءه كشراء

стр. 843

الموكل (١)، وإن كان الثابت بعقد الوكيل (٢) حقيقةَ الملك للموكل (٣). والفرق: أن الوكيل بالشراء، بمنزلة البائع من الموكل، حتى يرجع الوكيل عليه. بالثمن، ويحبس المبيع لاستيفاء الثمن، فإذا لم يصل الموكل إلى ما اشترى الوكيل إلا ببدل، صار كأنه اشترى من الوكيل (٤). بخلاف الوارث مع المورث (٥)؛ لأن كل واحد منهما ينتفع بملك الآخر من غير بدل، فكان عقد أحدهما كعقد الآخر، فيمنع الشراء، كما في حق المولى مع العبد. ثم فرق بين وارث المشتري؛ وبين الموصى له فقال: لو أن المشتري أوصى بهذا العبد لإنسان، ومات الموصي (٦)، وقبِل الموصى له الوصية، ثم باعه من بائع الموصى بأقل، جاز (٧)، ولو باعه الوارث، لا يجوز (٨). لأن ملك الوارث عين ملك المورث، ولهذا يرد بالعيب، ويرد عليه، ولو كان مورثه مغرورا من بائعه، يظهر ذلك في حق الوارث.

стр. 844

أما الموصى له: ملك ملكا جديدا، بتمليك مبتدئ، ولهذا لا يرد بالعيب، ولا يرد عليه، وتجدد الملك كتجدد العين، فجاز. وكذا لو وهبه المشترى لرجل، وسلمه إليه، ثم اشتراه البائع من الموهوب له بأقل مما باع، جاز (١) لتجدد الملك؛ لأن اختلاف سبب الملك بمنزلة اختلاف العين. أصله: حديث بَرِيرة (٢) ﵂ حيث قال ﵇: "هو (٣) لها صدقة ولنا هدية" (٤).

стр. 845

وكذا لو وهبه الموهوب له للواهب، ثم باعه الواهب من البائع، جاز (١)؛ لأنه ملكه ملكا جديدا، ولهذا لا يرد على بائعه أبدا. وكذا لو باعه المشترى من أجنبي، ثم اشتراه، ثم باعه من البائع الأول؛ لما قلنا. ولو وهبه المشتريَ لرجل، وسلمه إليه، ثم رجع في الهبة، وباعه من بائعه بأقل، لم يجز (٢)، سواء رجع في الهبة بقضاء أو بغيره؛ لأنه عاد إليه قديم ملكه، لأن الرجوع في الهبة فسخ على كل حال. ولو باعه المشتري من رجل، ثم رد عليه بالعيب قبل القبض مطلقًا، أو بعد القبض بقضاء، أو بخيار شرط، أو رؤية فكذلك؛ لأنه عاد إليه قديم ملكه. وإن رده بعد القبض بغير قضاء، أو تقايلا، فباعه من بائعه بأقل، جاز، لأنه عقد جديد في حق الثالث (٣)، والبائع الأول ثالثها (٤)، وسواء كانت الإقالة قبل القبض أو
следующие страницы →