فإن قيل: الإجازة بمنزلة البيع، ألا ترى أن البائع إذا شرط الخيار للشفيع، فأجاز البيع، وأسقط الخيار، لا يكون له الشفعة، ويصير بمنزلة البائع.
قلنا: العبرة للمعنى دون الصورة، ففي فصل الشفعة: من باع أو بيع له، لا يكون له الشفعة (١)؛ لأنه لو أخذها (٢) بالشفعة، يصير ساعيا في نقض ما تمّ به، وفي هذا المشروط له الخيار بمنزلة البائع.
أما ههنا: لا يجوز الشراء المكان الربا؛ لحصول ربح ما لم يضمن، والربح لا يحصل للذي أسقط الخيار، وإنما يحصل لمن كان السبب، أو حكم السبب واقعًا له.
ولو اشترى عبدا بألف لسنة، ثم مات البائع، فاشتري وارثه من المشتري، بأقل مما باع المورث، يجوز (٣).
ولو مات المشتري، فباعه وارثه من البائع بأقل مما اشتراه المورث، لا يجوز (٤).
وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز لوارث البائع أيضًا أن يشتريَ بأقل مما باع المورث (٥)؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث، فكما لا يجوز للبائع أن يشتري، لا يجوز لوارثه أيضًا، كما
стр. 842
في وارث المشترى.
ووجه الفرق على ظاهر الرواية (١)، أن الوارث يقوم مقام المورث فيما يرث، لا فيما لم يرثه (٢)، ووارث البائع لا يملك الشراء بطريق الإرث، لأنه كان يملك الشراء لنفسه في حياة المورث، فكان بمنزلة الأجنبي في ذلك.
بخلاف وارث المشتري؛ لأنه قائم مقام المشتري في حكم البيع؛ لأن ولاية البيع له من أحكام ملك المورث، فكان قائما مقامه.
ثم فرق أبو حنيفة في وارث البائع بين حالة الحياة، وبين ما بعد الموت، فإن وارثه إذا كان ممن لا تقبل شهادته للبائع، كالأب والابن، لو اشترى في حياة البائع بأقل مما باع، لا يجوز، ولو اشترى بعد موت المورث بأقل مما باع المورث، جاز (٣).
لأن بينهما شبهة اتحاد الملكين، ولهذا لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، ففي حياة المورث، شراء الوارث يكون للمورث من وجه، فحرم الشراء (٤) لمكان الشبهة، والشبة انقطعت بالموت؛ لأن حقيقة الملك تنقطع بالموت، فالشبهة أولى.
فرق أبو حنيفة بين هذا (٥) الوارث، وبين الوكيل إذا وكل البائع رجلا بالشراء، فاشترى الوكيل بأقل مما باع الموكل، جاز في قول أبي حنيفة، ولم يجعل شراءه كشراء
стр. 843
الموكل (١)، وإن كان الثابت بعقد الوكيل (٢) حقيقةَ الملك للموكل (٣).
والفرق: أن الوكيل بالشراء، بمنزلة البائع من الموكل، حتى يرجع الوكيل عليه. بالثمن، ويحبس المبيع لاستيفاء الثمن، فإذا لم يصل الموكل إلى ما اشترى الوكيل إلا ببدل، صار كأنه اشترى من الوكيل (٤).
بخلاف الوارث مع المورث (٥)؛ لأن كل واحد منهما ينتفع بملك الآخر من غير بدل، فكان عقد أحدهما كعقد الآخر، فيمنع الشراء، كما في حق المولى مع العبد.
ثم فرق بين وارث المشتري؛ وبين الموصى له فقال: لو أن المشتري أوصى بهذا العبد لإنسان، ومات الموصي (٦)، وقبِل الموصى له الوصية، ثم باعه من بائع الموصى بأقل، جاز (٧)، ولو باعه الوارث، لا يجوز (٨).
لأن ملك الوارث عين ملك المورث، ولهذا يرد بالعيب، ويرد عليه، ولو كان مورثه مغرورا من بائعه، يظهر ذلك في حق الوارث.
стр. 844
أما الموصى له: ملك ملكا جديدا، بتمليك مبتدئ، ولهذا لا يرد بالعيب، ولا يرد عليه، وتجدد الملك كتجدد العين، فجاز.
وكذا لو وهبه المشترى لرجل، وسلمه إليه، ثم اشتراه البائع من الموهوب له بأقل مما باع، جاز (١) لتجدد الملك؛ لأن اختلاف سبب الملك بمنزلة اختلاف العين.
أصله: حديث بَرِيرة (٢) ﵂ حيث قال ﵇: "هو (٣) لها صدقة ولنا هدية" (٤).
стр. 845
وكذا لو وهبه الموهوب له للواهب، ثم باعه الواهب من البائع، جاز (١)؛ لأنه ملكه ملكا جديدا، ولهذا لا يرد على بائعه أبدا.
وكذا لو باعه المشترى من أجنبي، ثم اشتراه، ثم باعه من البائع الأول؛ لما قلنا.
ولو وهبه المشتريَ لرجل، وسلمه إليه، ثم رجع في الهبة، وباعه من بائعه بأقل، لم يجز (٢)، سواء رجع في الهبة بقضاء أو بغيره؛ لأنه عاد إليه قديم ملكه، لأن الرجوع في الهبة فسخ على كل حال.
ولو باعه المشتري من رجل، ثم رد عليه بالعيب قبل القبض مطلقًا، أو بعد القبض بقضاء، أو بخيار شرط، أو رؤية فكذلك؛ لأنه عاد إليه قديم ملكه.
وإن رده بعد القبض بغير قضاء، أو تقايلا، فباعه من بائعه بأقل، جاز، لأنه عقد جديد في حق الثالث (٣)، والبائع الأول ثالثها (٤)، وسواء كانت الإقالة قبل القبض أو
стр. 846
بعده.
أما بعد القبض: فظاهر، وأما قبله: فلأن الإقالة قبل القبض عقد جديد في حق البائع الأول، لكنه فاسد؛ لكونه بيع المنقول (١) قبل القبض، والعقد الفاسد يفيد الملك عند القبض (٢).
ألا ترى أن من باع، ولم يسلم إلى المشتري، حتى تقايلا، ثم وجد به عيبا، لم يكن له أن يرده؛ لأنا نجعل الإقالة في حق البائع بمنزلة البيع، فيتجدد به الملك، فيمتنع الرد بالعيب، كذلك هنا، وهكذا ذكر في "شرح الطحاوي" (٣) ﵀.
ولو تعيّب المعقود عليه في يد المشتري، فباعه من البائع بأقل من الثمن، جاز؛ لأن المانع ربح ما لم يضمن، وإنما يظهر الربح، إذا عاد إليه المبيع، كما خرج عن ملكه، فإذا لم يعد، يجعل النقصان بمقابلة العيب الحادث (٤).
стр. 847
بخلاف ما لو انتقصت قيمته بتغير السعر، حيث لا يجوز بيعه من البائع بأقل مما باع (١)؛ لأن هنا عاد إليه المبيع، كما خرج عن ملكه، إنما هذه فَتْرَة (٢)، يحدث الله تعالى في قلوب العباد، فتقِلّ رغبات الناس فيها، وإذا عاد المبيع (٣)، ظهر (٤) الربح.
- والله أعلم -
стр. 848
باب من (١) البيع الذي يقع فيه الاختلاف بين البائع والمشتري وكل واحد منهما يدعي العتق على صاحبه
يسمّى هذا الباب باب السلسلة؛ لأنه أدار البابَ على فصل واحد، وجعله مسلسلا بحسن التفريع، وبنى الباب (٢) على أصول:
منها: أن الاختلاف إذا وقع في أصل العقد، كان القول قول المنكِر مع يمينه؛ لتفردّه بالإنكار، والبينة بينة الآخر؛ لتفرده بالدعوى.
وإن اتفقا على أصل العقد، واختلفا في جنس البدل أو قدره، والسلعة قائمة، أو فاتت إلى بدل، فإن أقام أحدهما البينة، قُبِلت بينته (٣)، وإن أقاما البينة، يقضى ببينة البائع؛ لأنها أكثر إثباتا (٤).
стр. 849
وإن لم يكن لأحدهما بينة، يتحالفان (١)، يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، يبدأ بيمين المشتري في قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد (٢) رحمهما الله؛ لأنه أبيَنهما إنكارًا، ولأنه هوا المبتَدأ به في الحقوق، فكذلك في اليمين.
وأيهما نكَل عن اليمين (٣) لزمه دعوى الآخر (٤)؛ لكون النكول إقرارا (٥) أو بذلا (٦).
стр. 850
وإن حلفا، لا ينفسخ العقد ما لم يفسخ القاضي؛ لاحتمال أن يعود أحدهما إلى تصديق الآخر (١).
وإن طلبا الفسخ، أو طلب أحدهما، فسخ القاضي العقد بينهما (٢)؛ لانعدام الفائدة في التوقف.
وأصل آخر: أن هلاك المعقود عليه بعد القبض لا إلى بدل، يمنع التحالف في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف (٣)، وعلى قول محمد لا يمنع (٤)، والمسألة معروفة (٥).
стр. 851
وتغيّر السلعة عند المشتري يمنع التحالف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (١)، إلا أن يرضى البائع بذلك، وعند محمد هلاك السلعة (٢) لا يمنع التحالف، فالتغير أولى (٣).
وأصل آخر: أن أحد الشريكين، إذا أعتق العبد المشترك، كان للآخر حق لاستسعاء، مُعسرًا كان المعتق أو موسرًا، وعند أبي يوسف ومحمد: إن كان المعتق معسرا
стр. 852
فكذلك، وإن كان موسرا، كان لصاحبه حق التضمين، لا غير (١).
وأصل آخر: أن أحد الشريكين، إذا شهد على صاحبه بالإعتاق، سعى العبد لهما في قول أبي حنيفة، على كل حال (٢).
وعند أبي يوسف ومحمد: إن كانا معسِرَين، أو كان المشهود عليه معسرا فكذلك، وإن كان موسرين، أو كان المشهود عليه موسرًا، يسعى للمشهود عليه، ولا يسعى للشاهد؛ لأنه يدعي الضمان على المشهود عليه، ويتبرأ عن السعاية (٣).
وأصل آخر: أن من باع نصف العبد، ثم أعتق النصف الباقي قبل التسليم، وهو معسر، تجب السعاية على العبد، ولا ينتقض البيع من غير نقض؛ لقيام المعقود عليه ببدله، ويخير المشتري لتغير المعقود عليه.
وإن كان البائع (٤) موسرا، انتقض البيع عند أبي يوسف ومحمد؛ لأن يسار المعتق عندهما، يمنع استسعاء العبد، ولا يمكن إيجاب القيمة على البائع؛ لأن المبيع في ضمانه، لا يكون مضمونا عليه بالقيمة، فإذا تعذر إيجاب الضمان والسعاية، ينتقض البيع ضرورةً، كما لو قتله البائع.
وعن أبي حنيفة روايتان: بناء على أن المعتق إذا كان موسرا، هل يجب الضمان بنفس
стр. 853
الإعتاق أو لا؟
في رواية: [يجب الضمان بنفس الإعتاق] (١)، وللساكت أن يتحول إلى السعاية، وفي رواية: الواجب أحدهما، وإنما يتعين ذلك باختياره.
وإنما يظهر ذلك فيما إذا مات العبد قبل التضمين، وأراد الساكت تضمين المعتق، فعلى الرواية الأولى: له ذلك، وعلى الرواية الثانية: ليس له ذلك؛ لأن من شرط التضمين ثبوت الملك في المضمون، وذلك لا يتصور بعد هلاك العبد.
وكذا لو مات العبد، وترك كسبا (٢)، فأراد الساكت أن يأخذ السعاية من كسبه، لا يكون له ذلك، ويصير كأنه كاتبه بعد الموت.
وفي روايةٍ عنه: له أن يأخذ السعاية من تركته؛ لأن الواجب أحدهما، ويتعين ذلك عند تعيينه، فلم يكن هذا إنشاء الكتابة بعد الموت.
فعلى إحدى الروايتين؛ لما كان الضمان متعينا عند يسار المعتق، وتضمين البائع متعذّر، ينتقض البيع ضرورة.
وعلى الرواية الأخرى: إذا كان الواجب أحدهما، ويتعيّن بتعيينه، فإن اختار الضمان، ينتقض البيع، وإن اختار السعاية، لا ينتقض، كما لو وجبت السعاية من الابتداء.
وإذا انتقض البيع، [إما] (٣) حكما، أو بنقض المشتري، لا تجب السعاية للبائع على
стр. 854
العبد عندهما، كأن العبد كله له، فأعتق نصفه.
وعند أبي حنيفة روايتان: وأصحهما (١) أنه تجب السعاية للبائع [على العبد] (٢)، كما لو كان الكل له، فأعتق نصفه.
ومنها: أن المشتري إذا أعتق العبد المُشْترَى قبل القبض، يصير قابضًا؛ لأنه يصير قابضا بالتّخلية، فبالإعتاق وهو إنهاء الملك، أولى (٣).
ومنها: أن أحد العاقدين (٤)، إذا ادعى الإعتاق على صاحبه، فإن تضمن دعواه حقا لنفسه، صح دعواه، وإلا فلا؛ لأن الدعوى لا تُسْمَع إلا من الخصم (٥)، ومن لا يدعي لنفسه حقا، لا يكون خصمًا.
ومنها: أن المبيع إذا تغيّر قبل القبض بقول المشتري أو فعله، لا يثبت له الخيار (٦)، وإن تغيّر بقول البائع أو فعله، يثبت للمشترى الخيار؛ لفوات الرضى.
إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل قال لغيره: بعتك عبدي بمائة دينار،
стр. 855
فقال المدعى عليه: ما اشتريت منك إلا نصفه بخمسمائة (١)، فإنهما يتحالفان، ويترادان؛ لأنهما اختلفا في شيئين: في نفس المبيع في النصف، وفي جنس الثمن في النصف الذي ثبت البيع فيه بتصادقهما، ففيما أنكر الشراء، القول قول المشتري مع يمينه، وفي النصف الآخر يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في جنس الثمن، والسلعة قائمة.
ويبدأ بيمين المشتري، فيحلف يمينا واحدة: بالله ما اشتريته بمائة دينار، وإن كان البائع يدعى عليه شيئين؛ لأن الدعاوَى إذا اجتمعت من واحد على واحد، يكتفى بيمين واحدة (٢).
أصله: حديث القسَامة: "فإن النبي ﷺ حلف اليهودَ: بالله ما قتلتموه، وما علمتم له قاتلا" (٣)، لما كانت الدعويان من واحد على قوم واحد، اكتفى
стр. 856
بيمين واحدةٍ على شيئين: على القتل، وعلى العلم بالقاتل، كذلك هنا.
فإن نكل المشتري، لزمه البيع بمائة دينار؛ لأنه صار مقرا بجميع ما ادعى البائع (١).
وإن حلف لم يثبت البيع في النصف، بقي النصف الذي اتفقا على وجود البيع فيه، واختلفا (٢) في جنس الثمن، فيتحالفان، وقد حلف المشتري مرة، فلا يحلف ثانيا.
ويحلف البائع: "بالله ما بعتُ منه النصف بخمسمائة درهم"، فإن نكل يثبت بيع النصف بخمسمائة، وإن حلف تم التحالف، ولم يثبت ما ادعاه أحدهما (٣)، فيفسخ القاضي العقد بينهما إن طلبا، أو طلب أحدهما (٤)؛ لأنه عجز عن القضاء بالبيع، لأن
стр. 857
القضاء بالبيع بدون الثمن لا يمكن، ولم يَثبت أحد الثمنين، فيفسخ البيع بينهما (١)؛ لتعذر إمضاء العقد.
كما لو ردّ المشتري المبيعَ بعيب، يفسخ البيع بينهما؛ لأنه لا يمكن إمضاء البيع (٢) إلا بتسليم الجزء الفائت، وتسليم الجزء الفائت ممتنع، فيفسخ العقد، كذلك هنا، هذا إذا ادعى البيع لا غير.
فإن ادعى البيع والإعتاق على المشتري، فهذه خمسة فصول:
الأول: إذا بدأ البائع بدعوى الإعتاق.
والثاني: إذا بدأ المشتري بدعوى الإعتاق.
والثالث: إذا ادعيا معًا.
الرابع: إذا اختلفا في البيع، وأكّد كل واحد منهما دعواه بيمين العتق.
الخامس: إذا حلفا (٣) بالعتق قبل المنازَعة والمناكَرة.
أما الفصل الأول:
إذا ادّعى البائع أنه باع العبد منه بمائة دينار، وأنه اشتراه، وأعتقه، وقال المشتري: ما اشتريتُ إلا نصفه بخمسمائة درهم، وما أعتقه، تسمع دعوى البائع، أما دعوى البيع، فظاهر، وكذلك دعوى العتق؛ لأن دعوى الإعتاق دعوى القبض عليه، وأنه يؤكد حقه في
стр. 858
الثمن، ويخرج المبيع عن ضمانه، ويسقط يمين التحالف عن نفسه، فكان خصمًا، فيحلف المشتري أولًا، لأن في يمين التحالف، يبدأ بيمين المشتري؛ لما قلنا.
فإذا ادّعى عليه أمرا زائدًا أنكره المشتري، كان أولى، فيحلف: "بالله ما اشتريته (١) بمائة دينار، وما أعتقته"، يحلف يمينا واحدة عليهما؛ لما قلنا.
فإن نكل لزمه مائة دينار، وعتق عليه، ويلزمه الولاء؛ لأنه أقر بجميع ذلك، وإن أنكر الولاءَ أولًا، إلا أن الولاء مما لا يحتمل الفسخ، فلا يبطل بالجحود، ولا سعاية على العبد؛ لأنه عتق بإعتاقه.
وإن حلف المشتري، أنه ما اشتراه بمائة دينار، وما أعتقه، برئ عن دعوى البائع، ولزم نصف العبد للبائع، وعتق عليه؛ لأن بيع النصف لم يثبت، فيعود إلى البائع، ويعتق عليه؛ لأنه أقر أنه باعه، وأعتقه المشتري، وصح إعتاقه، فإذا عاد إليه، يعتق عليه بحكم الإقرار.
من قال لغيره: بعت منك هذا العبد بمائة دينار، وأنت أعتقته، وأنكر المشتري ذلك، وحلف، عتق العبد على المدعى، كذلك هنا.
بقي النصف الذي تصادقا على البيع فيه، والبائع شهد على شريكه بالإعتاق في هذا النصف، فيجب السعاية للمشهود عليه، موسرا كان البائع أو معسرا، وقامت السعاية مقام المبيع، وثبت الخيار للمشتري، إن شاء نقض البيع، وإن شاء أجاز؛ لأن المبيع تغير بقول البائع في ضمانه.
فإن نقض البيع، عاد إلى البائع، وعتق عليه؛ لأنه أقر بحريته، والولاء موقوف؛
стр. 859
لأنه ينفي الولاء عن نفسه، وبطلت السعاية؛ لأن دعواه الثمن على المشتري إبراء له عن السعاية.
وإن اختار المشتري إمضاء البيع، وأخذ السعايةَ، وأبى البائع أن يسلم السعاية بخمسمائة درهم، وأخذ السعاية بمنزلة أخذ العبد (١)، فجاء أوَان التحالف، وقد حلف المشتري مرة، فلا يحلف ثانيًا، فيحلف البائع: "بالله ما باع النصف منه بخمسمائة درهم".
فإن نكل، أخذ المشتري السعاية، وأعطى البائع خمسمائة.
فإن كانت السعاية من الدراهم، يتصدق بالفضل على الثمن؛ لأنه ربح حصل في ضمان البائع، فيتصدق به، وإن كانت السعاية من الدنانير، لا يتصدق بشيء؛ لأن الربح لا يظهر عند اختلاف الجنس.
وإن حلف، تمّ التحالف، فيفسخ القاضي العقد بينهما، كما لو اختلفا في الثمن، وتحالفا حال قيام العبد، وتبطل السعاية؛ لما ذكرنا أن البائع حين ادعى الثمن تبرأ عن السعاية.
وكان إسماعيل (٢) بن حماد بن أبي حنيفة ﵏ يقول: ينبغي أن لا يحلف
стр. 860
البائع؛ لأنه إذا حلف، يفسخ البيع بينهما، وتبطل السعاية، لما ذكرنا.
وإذا بطلت السعاية يبطل التحالف، لهلاك المعقود عليه من غير بدل (١)، فالتحالف في الابتداء يوجب بطلانه في الانتهاء، ولأن التحالف شرع لدفع الضرر من الجانبين، وهذا إضرار بالبائع؛ لأنهما إذا حلفا يفسخ البيع بينهما، ويعتق على البائع بغير سعاية، [إلا] (٢) أنا نقول: يمين البائع حق المشتري، وفي زعم المشتري أن السعاية واجبة على العبد، فيحلف البائع.
وإنما تبطل السعاية حكما؛ لعود العبد إلى ملك البائع، ومثل هذا لا يمنع التحالف، كمن اشترى عبدا، وقبضه، فوجد به عيبا، فأراد أن يرده، فقال البائع: إنك أعتقتَه بعد الشراء، وأنكر المشتري، وحلف، كان له أن يرده على البائع، وإذا ردة على البائع، يعتق عليه بإقراره، ولا يمنع الرد، كذلك هنا.
стр. 861
من المشايخ من قال: ما ذكر من التحالف قول أبي حنيفة؛ لأن عنده العتق (١) يتجزّأ (٢)، فالنصف الذي تصادقا على البيع فيه، بقي مملوكا، إلا أنه حدث به عيب، وحدوث العيب لا يمنع التحالف.
وأما على [قولهما] (٣): العتق لا يتجزّأ (٤)، فإذا عتق بعضُه عتق كله، فالنصف الذي
стр. 862
اتفقا على البيع فيه، قد عتق، وخرج من أن يكون مخلا للفسخ، فينبغي أن لا يتحالف، كما لو قتله البائع، ويكون القول فيه قول المشتري.
والصحيح أن هذا قول الكل، لأن عندهما العتق وإن كان لا يتجزأ، وبالإعتاق فات المعقود عليه، لكن إلى بدل، وهو السعاية، وفوات المعقود عليه إلى بدل، يوجب التحالف، كما لو قتل العبد قبل القبض، واختلفا في ثمنه، فإنهما يتحالفان، ويترادّان، وتجعل القيمة قائمة مقام العبد.
فإن كان المشتري قبض العبد، ثم اختلفا على هذا الوجه، فهذا والأول سواء إلا في خصلتين:
إحداهما: أنه لا خيار للمشترى؛ لأن المبيع تغيّر في ضمان المشتري، وتغيّر المبيع في
стр. 863
ضمان المشترى (١) لا يوجب الخيار له (٢)، وإن كان بفعل البائع، كما لو قتله البائع بعد القبض (٣).
والثانية: أنه لا يتصدق بشئ؛ لأن هذا ربح حصل في ضمانه.
قالوا: هنا خصلة أخرى، وهي أنهما لا يتخالفان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن عندهما هلاك المعقود عليه بعد القبض، يمنع التحالف، وإن كان إلى بدل (٤).
ومن المشايخ من قال: هنا خصلة أخرى، وهي أنه لا تُسمع دعوى الإعتاق من البائع؛ لأنه لا يدعي لنفسه حقا.
الفصل الثاني:
إذا بدأ المشتري بدعوى العتق، فإن كان قبل القبض، تسمع دعواه، أمّا دعواه شراء النصف بخمسمائة فظاهر، وكذا دعوى العتق؛ لأن البائع إن كان (٥) معسرا، فهو يدعي الخيار نفسه بتغير المبيع، وإن كان البائع (٦) موسرا، فهو يدّعي انتقاض البيع عند أبي يوسف ومحمد، وكذلك عند أبي حنيفة على أظهر الروايتين.
وإذا سمع دعوى المشترى يقول: في نصف العبد، وهو النصف الذي أنكر
стр. 864
شراءه (١)، اليمين على المشترى خاصّة، وفي النصف الذي تصادقا على بيعه (٢)، الواجب هو التحالف، فيبدأ بيمين المشترى.
وإن كان المشتري يدّعي أمرا زائدا، وهو الإعتاق إلا أن دعوى العتق، تنبني على تقدم شراءه النصف، وقد اختلفا في ثمنه، فيتحالفان، ولأنا لو بدأنا بيمين البائع بالعتق لا يفيد؛ لأن فائدة اليمين النكول.
ولو نكل البائع عن دعوى العتق، كان من حجّته أن يقول: أعتقت بعد ما بعت، فلا يفيد، فلهذا يحلف المشتري (٣)، فيحلف في النصفين يمينا واحدة: بالله ما اشترى العبد بمائة دينار، ويؤخذ حكم العتق إلى أن يظهر حكم البيع.
فإن نكل عن اليمين (٤)، لزمه بيع العبد بمائة دينار، ويعتق عليه نصفه بسعاية، ونصفه بغير سعاية؛ لأن المشتري (٥) يزعم أن العبد كان بينه وبين البائع، وبإعتاق البائع عتق نصفه بغير سعاية، ووجبت السعاية في النصف موسرا كان المعتق أو معسرا.
فإذا ملكه بالنكول بعد إقراره عليه، فيعتق نصفه بغير سعاية، ويخرج الباقي إلى الحرية بالسعاية، كنا لو أقر أوّلًا، والولاء موقوف، ويلزمه مائة دينار بنكوله.
وهذا كله قول أبي حنيفة، وهو على الرواية التي قلنا: إن يسار البائع لا يوجب
стр. 865
انتقاض البيع.
وأما على قول أبي يوسف ومحمد: لا يخلو: إما إن كان البائع موسرا، أو معسرا، فإن كان موسرا، فقد زعم المشتري أولًا أن إعتاق البائع أوجب انتفاض البيع، ونفذ إعتاقه في الكل من غير سعاية، فأخذنا بقوله الأول في إبطال السعاية، وحكمنا بعتق العبد بنكوله.
وإن كان البائع معسرا وجبت السعاية في النصف؛ لأن المشتري زعم أن البيع لم ينتقض، ووجبت السعاية، ولا خيار للمشتري (١)؛ لأن المبيع تغيّر بقوله، وهو دعوى العتق على البائع.
فإن قيل: كيف تجب السعاية للمشترى في نصف القيمة في قول أبي يوسف ومحمد، وقد ثبت العتق بإقراره؟ ولو كان كل (٢) العبد له، فأعتق نصفه، عندهما لا تجب له السعاية.
قلنا (٣): المشتري شهِد بالإعتاق، وما أوقع العتق، ألا ترى أن أحد الشريكين، إذا شهِد بالإعتاق على صاحبه، لا يضمن، وإن كان موسرا، ولو كانت الشهادة بمنزلة الإعتاق، كان ضامنا.
وكذا رجل قال لغيره: بعتك نصف عبدي، وأعتقتك (٤)، وأنكر المشتري ذلك،
стр. 866
وحلف، كان للبائع (١) أن يستسعيَ العبد في نصفه؛ لأنه ما أوقع العتق، وإنما عتق عليه حكما لإقراره، فينفذ على الوجه الذي أقرّ به، كذلك هنا.
فإذا أخذ (٢) المشتري السعاية من العبد، يتصدّق بما زاد على نصف الثمن، إن كانت السعاية من الدراهم.
طعن بعض الناس، وقال: وهذا ليس بصحيح؛ لأن المشتري لما نكل (٣)، وجب عليه الثمن مائة دينار، فإذا أدّى السعاية من الدراهم، والربح لا يظهر عند اختلاف الجنس، وجب أن لا يتصدق، وإنما يلزمه التصدّق إذا كانت السعاية من الدنانير.
والجواب: أن السعاية لا تجب بحكم النكول؛ لأنه لا يعتق باعتبَار النكول (٤)، وإنما يعتق باعتبار دعواه العتق على البائع، فيجب بناء السعاية، والتصدق على الدعوى، وهو في الدعوى أقرّ أن الثمن دراهم، فيتعلق حق العبد في العتق، وحقّ الشرع بالتصدق بهذا الإقرار، فلا يتغيّر بنكوله.
هذا الذي ذكرنا (٥) إذا نكل المشتري عن اليمين.
فإن حلف أنه ما اشتراه بمائة دينار، ولقد اشترى نصفه بخمسمائة، جمع بين الثمنين هنا، ولم يجمع فيما تقدم.
стр. 867
واختلف المشايخ فيه: قال القاضي الإمام أبو طاهر الدبّاس (١) ﵀: ما ذكر هنا، وقع اتفاقا، ولا نحلّفه على هذا الوجه، وإنما نحلّفه: بالله ما اشتريته بمائة دينار.
وقال القاضي الإمام أبو حازم (٢) ﵀: يحلف كما ذكر هنا.
وجه ما قاله أبو طاهر: أن يمين التحالف لم تسقط (٣)؛ لأن في زعم المشتري أن
стр. 868
المبيع، فات إلى بدل (١) قبل القبض، وهو السعاية، وما دام التحالف باقيا، يستحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه.
وجه ما قاله أبو حازم: أن المبيع وإن كان هالكا قبل القبض من وجه، فهو هالك بعد القبض من وجه؛ لأن المشتري لما ادّعى العتق على البائع، وأنكر البائع عتق العبد بإقرار المشتري، فكان ثبوت العتق بإقراره، بمنزلة ثبوته بإنشائه.
ولو أنشأ العتق يصير قابضًا، فكان المعقود عليه هالكا بعد القبض من وجه، وهلاك المعقود عليه بعد القبض يمنع التحالف.
ولو استبان: وجوب التحالف، يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه؛ لأن فائدة التحليف النكول، فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه.
وإذا استبان سقوط التحالف، يحلف على الإثبات؛ لأنا لما سقط يمين البائع، بقي القول قول المشتري مع يمينه في دعوى الفعل.
وفي مثل هذا يحلف على الإثبات، كالمودع إذا ادّعى الردّ، وهنا وقع الاشتباه في سقوط التحالف، فيجمع بين اليمينين.
ولو جمع بين اليمينين في كل فصل، لا بأس به؛ لأن البائع لما ادّعى بيع الكل بمائة دينار، فقد ادّعى بيع كل نصف منه بخمسين دينارا.
فإذا حلف المشتري: بالله ما اشتراه بمائة دينار، وانتفى بيع الكل بمائة دينار، وكان صادقًا في يمينه، لا ينتفي بيع النصف بخمسين دينارا، فيجمع بين اليمينين.
فإن حلف على هذا الوجه، برئ عن دعوى البائع، بقي دعوى العتق على البائع،
стр. 869
والمشترى بهذه الدعوى يدعي انتقاض العقد أو الخيار، فكان خصما على كل حال، فيحلف البائع: "بالله ما أعتقه"؛ لأنه لو حُلّفَ على البيع، ربما ينكل، فيثبت بيع النصف بخمس مائة، فيحلف على العتق بعد ذلك، فربما ينكل عن يمين العتق (١)، فينتقض ذلك البيع في بعض الوجوه، فلا يفيد التحليف على البيع، فإن نكل عن اليمين، فقد صدق المشتري، فيما قال.
فإن كان البائع موسرا، انتقض البيع بينهما عند أبي يوسف ومحمد، وكذلك في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ويعتق من مال البائع، والولاء له.
وفي استسعاء البائع في نصف القيمة روايتان عن أبي حنيفة، وعندهما لا سعاية للبائع؛ لأن عندهما الشريك المعتق (٢) لا يستوجب السعاية.
هذا على الرواية التي انتقض البيع.
وعلى الرواية الأخرى: يتخير المشتري بين الضمان والسعاية، فإن اختار التضمين، انتقض البيع؛ لامتناع أن يكون المبيع مضمونا على البائع بالقيمة، وإذا انتقض البيع، صار هذا والوجه الأول سواء.
وإن اختار السعاية، قامت السعاية مقام المبيع، فإن أبى البائع أن يسلم السعاية، إلا بخمسين دينارا، جاء أوان التحالف، وقد حلف المشتري مرة (٣)، فيحلف البائع: بالله ما باع النصف منه بخمسمائة.
стр. 870
فإن نكل عن اليمين (١) ثبت ما ادعاه المشتري، وهو بيع النصف بخمسمائة درهم، فيأخذ السعاية بخمسمائة، ويتصدق بالفضل إن كانت السعاية من الدراهم، وإن كانت من الدنانير، لا تصدق بشيء؛ لما مر (٢).
ومن المشايخ من قال: في هذا الفصل، وهو ما إذا ادّعى المشتري العتق، يبدأ بيمين البائع أولًا، فيحلف البائع أوّلًا على العتق (٣)؛ لأنه متى ثبت ذلك، كان للمشترى أن ينقض البيع في النصف المقر به، فلا يفيد التحالف.
كما لو اختلفا في الثمن، وللمشتري خيار رؤية، أو شرط، أو عيب، فإنهما لا يتحالفان، فكذا إذا ادّعى المشتري العتق على البائع.
وقد ذكرنا الجواب عن هذا أن دعوى المشتري العتق على البائع، لا تسمع ما لم يتقرر بيع النصف.
هذا إذا كان البائع موسرا، ونكل عن يمين العتق.
فإن كان معسرا، وجبت السعاية على العبد للمشتري (٤) في نصف قيمته، ويخيّر المشتري لتغيّر المبيع بإعتاق البائع قبل القبض، فإن نقض البيع، عاد كله إلى البائع، ولا يسعى للبائع في شئ؛ لأن البائع (٥) حين ادّعى الثمن على المشتري، فقد أبرئ العبد
стр. 871
عن السعاية.
وذكر بعضهم أنه يسعي للبائع في نصف قيمته، وهو النصف الذي اتفقا على البيع فيه؛ لأن البائع قام مقام المشتري في هذا النصف، وقد كان يسعى للمشترى في هذا النصف، فإذا عاد إلى البائع، قام البائع مقامه، ويكون موقوف الولاء.
وإن اختار المشتري أخذ السعاية، وأبى البائع تسليم السعاية بخمس مائة درهم، كان هذا وما لو كان البائع موسرا، ونكل عن يمين العتق، واختار المشترى السعايةَ سواء.
هذا الذي ذكرنا إن نكل البائع عن يمين العتق، فإن حلف: "بالله ما أعتقَه"، وقد كان البائع موسرا، قال محمد ﵀: لزم المشتري خمس مائة في قياس قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، ويعتق العبد، ولا يسعى لواحد منهما؛ لأن البائع لما حلف على العتق، بقي العتق مضافا إلى المشتري، ويصير المشتري قابضا، وهلاك المبيع في ضمانه، يمنع التحالف.
وقد حلف المشتري على دعوى البائع، فيلزمه ما أقر به، وعتق العبد بإقراره، ولا يسعى في شئ؛ لأن المشتري يزعم أن البيع قد انتقض في قول أبي يوسف، وكذلك عند أبي حنيفة ومحمد، وقد قال مشايخنا قولُ أبي حنيفة مع أبي يوسف هنا غلطٌ من الكاتب (١).
ويجب أن يجري التحالف بينهما، ويجب السعاية في قول أبي حنيفة، وادعاؤه العتق على صاحبه، لا يبرئ العبد عن السعاية، كما لو شهد أحد الشريكين على صاحبه بالعتق، كان للشاهد أن يستسعي العبد في قول أبي حنيفة، موسرا كان المشهود عليه أو
стр. 872
معسرا.
ألا ترى أنه فرّق هنا بين يسار البائع وإعساره، وعند أبي حنيفة يسار المعتق لا يمنع السعاية (١)، فدل ذلك على أن ذكر قول أبي حنيفة مع أبي يوسف، ههنا غلط وقع من الكاتب (٢).
ومنهم من حمل قول أبي حنيفة على الرواية الأخرى، لأبي حنيفة: أن يسار البائع موجِب انتقاض البيع، فإذا زعم المشتري انتقاض البيع، لا يحلف البائع على البيع، ويقضى على المشتري بخمس مائة، وحكمه ما قلنا.
وأما عند محمد: بهلاكه لا يسقط التحالف، وقد حلف المشتري مرة، فلا يحلف ثانيا، فيحلف البائع: بالله ما باع النصف منه بخمس مائة درهم، فإن نكل، فالأمر على ما قاله (٣) أبو حنيفة وأبو يوسف، لزمه البيع في النصف بخمسمائة درهم.
وإن حلف، تمّ التحالف، فينتقض البيع في النصف الذي تصادقا على بيعه بنصف قيمته، ويرد المشتري نصف قيمة العبد.
هذا إذا كان البائع موسرا، فإن كان معسرا، وقد حلف أنه ما أعتقه، فالسعاية واجبة عند الكل، ولا خيار للمشتري؛ لأن تغير المبيع مضاف إلى دعوى المشتري الإعتاقَ.
فإن أبى البائع أن يسلم السعاية، حلف البائع: "بالله ما باع النصف منه بخمس مائة درهم"، فإن نكل، أخذ المشتري السعاية، وحُكم التصدق ما قلنا.
стр. 873
وإن حلف، ترادّا البيع؛ لقيام المبيع ببدله، وهو السعاية، وتكون السعاية للبائع؛ لأنها وجبت بإيجاب المشتري، وقامت بقام المبيع، فإذا انتقض البيع، عادت إلى البائع، بخلاف ما تقدم؛ لأن فيما تقدم السعاية (١) وجبت بدعوى البائع؛ لأن دعوى الإعتاق كان من جهته، فإذا عادت إليه، تسقط بناءً على زعمه.
وإن كان المشتري قبض العبد، والمسألة بحالها، فالجواب كذلك، إلا في خصلتين: الخيار، والتصدّق بفضل السعاية.
وينبغي أن لا تسمع دعوى المشتري العتق على البائع؛ لأنه لا يدعي نقضا، ولا خيارًا، إلا أن يكون موسرا، فيدّعي الضمان على البائع، ولا يستحلف بدون الدعوى، إنما اختلف أصحابنا في الشهادة على عتق العبد من غير دعوى.
الفصل الثالث:
أن يدّعي كل واحد منهما الإعتاق على صاحبه؛ فإن بدأ البائع، فقال: بعته منه بمائة دينار، وأنه أعتقه، وقال المشتري: ما اشتريت إلا نصف بخمس مائة درهم، وما أعتقته، بل أعتقه البائع، يحلف المشتري يمينا واحدة: "بالله ما اشتراه بمائة دينار، وما أعتقه"، لأن البائع لما بدأ بالدعوى توجهت اليمين على المشتري أولًا.
فإن نكل، لزمه العبد بمائة دينار، وعتق عليه؛ لأنه أقر بجميع ما ادّعى، ولا يسعى العبد له في شئ؛ لأنه أقر أنه أعتق الكل.
وإن حلف المشتري، يحلف البائع: "بالله ما أعتقه"، لأن المشتري لما حلف، بقي نصف العبد على ملك البائع، فيتوجه عليه دعوى المشتري؛ لأنه يدّعي انتقاض العقد، أو
стр. 874
الخيار لنفسه.
فإن نكل عن اليمين (١)، ظهر ما ادعاه المشتري، فإن كان البائع موسرا، انتقض البيع بينهما عند أبي يوسف ومحمد، وفي أظهر الروايتين (٢) عن أبي حنيفة ﵏، وفي رواية أخرى عنه: يخير المشتري.
وإن كان البائع معسرا، يخيّر المشتري؛ لأن التغير حصل بدعوى البائع، لأنه هو الذي بدأ (٣) بدعوى الإعتاق، خصوصًا إذا نكل، فإن اختار نقضَ البيع، عتق العبد، ولا يسعى للبائع؛ لأن البائع ادّعى الثمنَ والعتق على المشتري، فصار مبرئًا له عن السعاية.
وإن اختار إمضاء البيع، وأبي البائع أن يسلم السعاية، إلا بخمسين دينار، حلف البائع: بالله ما باعه النصف بخمس مائة درهم، فإن نكل، أخذ المشترى السعاية بخمس مائة درهم، ويتصدق بالفضل على ما مر.
وإن حلف، ترادّا البيع، وعتق كله على البائع؛ لأنه أقر بحريته، حيث أقر بإعتاق من كان مالكا في زعمه، فيؤاخذ بإقراره إذا ملكه، ولا يسعى له في شئ؛ لأنه أبرأه عن السعاية بدعوى الثمن (٤)، والعتق على المشتري.
هذا إذا نكل البائع عن يمين العتق، فأما إذا حلف: بالله ما أعتقه، فهو على وجهين، إما إن كان البائع موسرا، أو معسرا.
стр. 875
فإن كان موسرا، عتق كله؛ لأنهما تصادقا على عتقه، فإن كل واحد منهما أقر بنفوذ العتق فيه ممن كان مالكا، ولا يسعى لواحد منهما؛ لأن المشتري يزعم أن البيع قد انفسخ بإعتاق البائع.
والبائع يزعم أن حقه في الثمن دون السعاية، وغرم المشتري للبائع خمسمائة درهم مع يمينه: بالله أنه اشترى نصفه بخمسمائة؛ لأن البائع لما حلف أنه لم يعتقه، لم يثبت العتق من جهته، فصار العبد هالكا قبل القبض، لا إلى بدل؛ لأن المشتري لا يستوجب السعاية إذا كان البائع موسرا في قول أبي يوسف، وكذلك في قول أبي حنيفة في رواية.
ولا يتحالفان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ويكون القول قول المشتري مع يمينه.
ثم قال في الكتاب (١): مع يمينه: بالله لقد اشترى نصفه بخمس مائة درهم؛ لأنه لم يحلفه على هذا الوجه في الابتداء، فإذا بطل التحالف في الانتهاء، عاد إلى اليمين على الإثبات.
وأما عند محمد يتحالفان، ويترادّان البيع في ذلك النصف؛ لأن عنده هلاك المبيع لا يمنع التحالف، والمشتري وإن كان يزعم انتقاض العقد، فالبائع ينكر ذلك، وينازعه، فوجب تحليفه.
فإن حلف، غرم المشتري للبائع نصف قيمة العبد، كما هو حكم التحالف عنده بعد هلاك المعقود عليه، هذا إذا كان البائع موسرا.
стр. 876
وإن كان معسرا، وقد حلف أنه ما أعتقه، يخير المشترى لتغير المبيع في ضمان البائع بقول البائع، حيث ابتدأ بدعوى الإعتاق على المشترى، أو لا يجعل مضافا إلى البائع (١)، ولا إلى المشترى؛ لأن كل واحد منهما، حلف على العتق، فبقي التغير حاصلا لا بصنع أحدٍ، وذلك يوجب الخيار.
فإن اختار المشتري (٢) نقض العقد، لم يسع العبد لواحد منهما، أما المشتري فظاهر، وأما البائع فلأنه يدعي الثمن، ويبرئ عن السعاية، فيعتق من غير سعاية (٣).
وإن اختار الإمضاء، وأبى البائع أن يسلم السعاية، جاء أوان التحالف فيتحالفان؛ لأن المشتري يدعى السعاية في هذا الوجه، فكان المبيع هالكا ببدل، والبائع وإن كان لا يدّعي السعاية، لكن يمين البائع حق المشتري، فيحلف البائع: بالله ما باع النصف منه بخمسمائة، فإن نكل، أخذ المشتري السعاية بخمسمائة درهم، وحُكم التصدق ما قلنا.
وإن حلف، ترادّا البيع، وبطلت السعاية؛ لما قلنا، هذا إذا كان قبل القبض، وإن كان بعد القبض، فهذا وما تقدم سواء، إلا في خصلتين: إحداهما: أنه لا يتصدق بشئ، والثانية: أنه لا خيار للمشتري.
وهنا خصلة أخرى: أن هنا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يتحالفان؛ لأن عندهما تغير المبيع في ضمان المشتري، يمنع التحالف، فالهلاك أولى (٤)، ولا يحلف البائع على دعوى المشتري.
стр. 877
وإن (١) كانت البداية بدعوى الإعتاق من المشتري، والمسألة بحالها، يحلف المشترى: "بالله ما اشتراه بمائة دينار"، ولم يذكر العتق، ثم قال بعد ذلك: فإن حلف المشتري: "بالله ما اشتراه بمائة دينار وما أعتقه".
وحاصله: أن القاضي بالخيار، إن شاء بدأ بحكم العقد، ثم بالعتق، بخلاف ما تقدم، لأن فيما تقدم الاستحلاف على العتق بدعوى البائع يؤكد الثمن، ويجعل المبيع في ضمان المشترى.
وهنا مقصود البائع حاصل من غير يمين المشتري على العتق، لأن المشتري لما بدأ بدعوى العتق، كان ذلك استهلاكا، وبالاستهلاك (٢) يدخل المبيع في ضمانه، فلا يحلف على دعوى العتق إن شاء، وإن شاء نظر للمشتري، ويجمع بين اليمينين، ولا ينظر إلى البداية؛ كيلا يؤدي إلى تكرار اليمين.
فإن جمع، كان هذا والفصل الأول سواء، إلا أنه لا خيار للمشتري هنا إذا حلف البائع أنه لم يعتقه، وهو معسر، حتى وجبت السعاية؛ لأن التغير جاء من جهة المشتري، حيث بدأ بدعوى الإعتاق، وفي الفصل الأول التغير والفساد جاء من جهة البائع، حيث بدأ بدعوى الإعتاق، أما فيما وراء ذلك، الجواب فيه كالجواب فيما تقدم، فإن أقر، وحلف يحكم العقد.
فإن نكل المشتري عن اليمين بالشراء، لم يستحلف على العتق بدعوى البائع؛ لأن حقه قد ثبت، وصار المشتري مستهلكا بإقراره بالعتق على البائع، وإنما يستحلف بدعوى
стр. 878
العبد.
وإن حلف المشتري على الشراء، فإن البائع يستحلف على العتق أوّلًا، فإن نكل، صار كالإعتاق المعايَن، ويخيّر المشتري في السعاية، إذا كان البائع موسرا (١).
وإن [حلف البائع] (٢)، حُلف المشتري حينئذ على الإعتاق بدعوى البائع، فإن نكل صار كالإعتاق المعاين، فصار كعبد بين اثنين، أعتقه أحدهما، ثم يبطل يمين التحالف في قول أبي حينفة وأبي يوسف؛ لهلاك المعقود عليه، ولا يبطل عند محمد.
ثم في كل موضع ثبت العتق في نصيبه بإعتاقه، ثبت الولاء له، وإن ثبت العتق في نصيبه بإعتاق شريكه، وشريكه منكِر، فالولاء موقوف؛ لأن كل واحد منهما، يدفع الولاءَ عن نفسه.
وإن ادّعياه معًا، فهذا وما لو بدأ المشتري، بدعوى العتق سواء؛ لأن الفساد في نصيب كل واحد منهما مضاف إليه، لا إلى شريكه، فكان الجواب فيه، كالجواب فيما إذا بدأ المشتري بدعوى العتق.
الفصل الرابع:
أن يختلفا في البيع من غير دعوى العتق، ثم حلف البائع، وقال: هو حر إن لم يبعه كله بمائة دينار، وحلف (٣) المشتري، وقال: هو حر إن اشترى، إلا نصفه بخمسمائة
стр. 879
درهم، فقد شهد كل واحد منهما بالعتق على صاحبه.
قال محمد ﵀: البادئ باليمين هو البادئ بدعوى العتق؛ لأن كل حالف (١) يدّعي البرَّ في يمينه، والحنثَ على الحالف الآخر، فكان كل واحد منها مدعيا مكذبا صاحبه، فالحالف الأول مكذبٌ صاحبه قبل تكذيب الثاني الأول، فيكون الفساد مضافا إلى البادئ باليمين.
طعن عيسى (٢) ﵀، وقال: هذا غلط، بل البادئ منهما باليمين (٣)، هو المتأخر في دعوى العتق؛ لأنهما لما اختلفا، وتناكرا، ثم حلف أحدهما، فقد كذبه الآخر في يمينه بالإنكار السابق، وصار شاهدا على صاحبه بالإعتاق، والحنث في يمينه.
أما البادئ لا يتصور أن يكون شاهدا على صاحبه بالحنث قبل اليمين، فلا يكون شاهدا عليه بالإعتاق، إلا بعد اليمين (٤).
فالجواب: إنما نحتاج إلى معرفة البادئ بدعوى العتق، لنضيف الفساد إليه، ونبني حكما شرعيا، فيبطل الخيار، أو يثبت، وكل واحد منهما بعد التناكر، جعل منكرا بناءً على استصحاب الحال، والثابت باستصحاب الحال (٥) لا يصلح حجةً لأمر لم يكن (٦).
стр. 880
فإذا حلف أحدهما، كان صاحبه مكذبا له باستصحاب الحال، فلا يصلح ذلك لإنبات أمر لم يكن، والذي حلف، أكد إنكاره باليمين، وخرج من أن يكون محتملا للنقض، فيصلح حجة.
فإذا حلف صاحبة، صار البادئ باليمين بالإنكار المؤكد باليمين، شاهدا عليه بالحنث، فكانت شهادته على صاحبه بالعتق أسبق، ولو حلف معا، فهو بمنزلة ما لو ادعيا العتق معًا، وقد بينا ذلك.
أما الفصل الخامس:
الذي ختم به الباب (١)، وهو أنهما حلفا قبل التناكر (٢)، بأن قال البائع: "بعت منك