← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وإن كان معسرا، وقد حلف أنه ما أعتقه، يخير المشترى لتغير المبيع في ضمان البائع بقول البائع، حيث ابتدأ بدعوى الإعتاق على المشترى، أو لا يجعل مضافا إلى البائع (١)، ولا إلى المشترى؛ لأن كل واحد منهما، حلف على العتق، فبقي التغير حاصلا لا بصنع أحدٍ، وذلك يوجب الخيار. فإن اختار المشتري (٢) نقض العقد، لم يسع العبد لواحد منهما، أما المشتري فظاهر، وأما البائع فلأنه يدعي الثمن، ويبرئ عن السعاية، فيعتق من غير سعاية (٣). وإن اختار الإمضاء، وأبى البائع أن يسلم السعاية، جاء أوان التحالف فيتحالفان؛ لأن المشتري يدعى السعاية في هذا الوجه، فكان المبيع هالكا ببدل، والبائع وإن كان لا يدّعي السعاية، لكن يمين البائع حق المشتري، فيحلف البائع: بالله ما باع النصف منه بخمسمائة، فإن نكل، أخذ المشتري السعاية بخمسمائة درهم، وحُكم التصدق ما قلنا. وإن حلف، ترادّا البيع، وبطلت السعاية؛ لما قلنا، هذا إذا كان قبل القبض، وإن كان بعد القبض، فهذا وما تقدم سواء، إلا في خصلتين: إحداهما: أنه لا يتصدق بشئ، والثانية: أنه لا خيار للمشتري. وهنا خصلة أخرى: أن هنا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يتحالفان؛ لأن عندهما تغير المبيع في ضمان المشتري، يمنع التحالف، فالهلاك أولى (٤)، ولا يحلف البائع على دعوى المشتري.

стр. 877

وإن (١) كانت البداية بدعوى الإعتاق من المشتري، والمسألة بحالها، يحلف المشترى: "بالله ما اشتراه بمائة دينار"، ولم يذكر العتق، ثم قال بعد ذلك: فإن حلف المشتري: "بالله ما اشتراه بمائة دينار وما أعتقه". وحاصله: أن القاضي بالخيار، إن شاء بدأ بحكم العقد، ثم بالعتق، بخلاف ما تقدم، لأن فيما تقدم الاستحلاف على العتق بدعوى البائع يؤكد الثمن، ويجعل المبيع في ضمان المشترى. وهنا مقصود البائع حاصل من غير يمين المشتري على العتق، لأن المشتري لما بدأ بدعوى العتق، كان ذلك استهلاكا، وبالاستهلاك (٢) يدخل المبيع في ضمانه، فلا يحلف على دعوى العتق إن شاء، وإن شاء نظر للمشتري، ويجمع بين اليمينين، ولا ينظر إلى البداية؛ كيلا يؤدي إلى تكرار اليمين. فإن جمع، كان هذا والفصل الأول سواء، إلا أنه لا خيار للمشتري هنا إذا حلف البائع أنه لم يعتقه، وهو معسر، حتى وجبت السعاية؛ لأن التغير جاء من جهة المشتري، حيث بدأ بدعوى الإعتاق، وفي الفصل الأول التغير والفساد جاء من جهة البائع، حيث بدأ بدعوى الإعتاق، أما فيما وراء ذلك، الجواب فيه كالجواب فيما تقدم، فإن أقر، وحلف يحكم العقد. فإن نكل المشتري عن اليمين بالشراء، لم يستحلف على العتق بدعوى البائع؛ لأن حقه قد ثبت، وصار المشتري مستهلكا بإقراره بالعتق على البائع، وإنما يستحلف بدعوى

стр. 878

العبد. وإن حلف المشتري على الشراء، فإن البائع يستحلف على العتق أوّلًا، فإن نكل، صار كالإعتاق المعايَن، ويخيّر المشتري في السعاية، إذا كان البائع موسرا (١). وإن [حلف البائع] (٢)، حُلف المشتري حينئذ على الإعتاق بدعوى البائع، فإن نكل صار كالإعتاق المعاين، فصار كعبد بين اثنين، أعتقه أحدهما، ثم يبطل يمين التحالف في قول أبي حينفة وأبي يوسف؛ لهلاك المعقود عليه، ولا يبطل عند محمد. ثم في كل موضع ثبت العتق في نصيبه بإعتاقه، ثبت الولاء له، وإن ثبت العتق في نصيبه بإعتاق شريكه، وشريكه منكِر، فالولاء موقوف؛ لأن كل واحد منهما، يدفع الولاءَ عن نفسه. وإن ادّعياه معًا، فهذا وما لو بدأ المشتري، بدعوى العتق سواء؛ لأن الفساد في نصيب كل واحد منهما مضاف إليه، لا إلى شريكه، فكان الجواب فيه، كالجواب فيما إذا بدأ المشتري بدعوى العتق. الفصل الرابع: أن يختلفا في البيع من غير دعوى العتق، ثم حلف البائع، وقال: هو حر إن لم يبعه كله بمائة دينار، وحلف (٣) المشتري، وقال: هو حر إن اشترى، إلا نصفه بخمسمائة

стр. 879

درهم، فقد شهد كل واحد منهما بالعتق على صاحبه. قال محمد ﵀: البادئ باليمين هو البادئ بدعوى العتق؛ لأن كل حالف (١) يدّعي البرَّ في يمينه، والحنثَ على الحالف الآخر، فكان كل واحد منها مدعيا مكذبا صاحبه، فالحالف الأول مكذبٌ صاحبه قبل تكذيب الثاني الأول، فيكون الفساد مضافا إلى البادئ باليمين. طعن عيسى (٢) ﵀، وقال: هذا غلط، بل البادئ منهما باليمين (٣)، هو المتأخر في دعوى العتق؛ لأنهما لما اختلفا، وتناكرا، ثم حلف أحدهما، فقد كذبه الآخر في يمينه بالإنكار السابق، وصار شاهدا على صاحبه بالإعتاق، والحنث في يمينه. أما البادئ لا يتصور أن يكون شاهدا على صاحبه بالحنث قبل اليمين، فلا يكون شاهدا عليه بالإعتاق، إلا بعد اليمين (٤). فالجواب: إنما نحتاج إلى معرفة البادئ بدعوى العتق، لنضيف الفساد إليه، ونبني حكما شرعيا، فيبطل الخيار، أو يثبت، وكل واحد منهما بعد التناكر، جعل منكرا بناءً على استصحاب الحال، والثابت باستصحاب الحال (٥) لا يصلح حجةً لأمر لم يكن (٦).

стр. 880

فإذا حلف أحدهما، كان صاحبه مكذبا له باستصحاب الحال، فلا يصلح ذلك لإنبات أمر لم يكن، والذي حلف، أكد إنكاره باليمين، وخرج من أن يكون محتملا للنقض، فيصلح حجة. فإذا حلف صاحبة، صار البادئ باليمين بالإنكار المؤكد باليمين، شاهدا عليه بالحنث، فكانت شهادته على صاحبه بالعتق أسبق، ولو حلف معا، فهو بمنزلة ما لو ادعيا العتق معًا، وقد بينا ذلك. أما الفصل الخامس: الذي ختم به الباب (١)، وهو أنهما حلفا قبل التناكر (٢)، بأن قال البائع: "بعت منك

стр. 881

بمائة دينار، وهو حرّ إن لم يكن بعتك بمائة دينار"، وقال المشتري: "هو حر إن كنت اشتريت منك، إلا نصفه بخمس مائة درهم" (١)، فالفساد يضاف إلى المشتري على كل حال (٢)، تقدم أو تأخر، أو تكلّما معًا؛ لأن أول الكلام لا يصير شهادة؛ لعدم المنازعة والإنكار، فيتوقف على وجود الثاني. والثاني كما يوجد، يوجد شهادة لتقدم المنازعة، فيصيران شهادة في ساعة واحدة، فيصير كأنهما ادعيا معًا، فكان الفساد مضافا إلى المشتري (٣). - والله أعلم -

стр. 882

باب من البيوع التي يكون فيها الشروط ولا يوفي بها جمع محمد ﵀ في الباب بين شرطين: أحدهما: يتعلق بفواته خيار الردّ، والثاني: يتعلق بفواته فساد العقد، وكل واحد على (١) وجهين: إما أن أفرد كل واحد منهما، أو جمع بينهما في عقد واحد. وبنَى الباب على أصول ثلاثة: أحدها: أن فوات المشروط الذي يُعد (٢) نقصانا يوجب خيار الرد؛ لأن المشروط مرغوب فيه؛ لما يتعلق به من زيادة المالية، فكان بمنزلة صفة السلامة (٣). والثاني: أن المشار إليه إذا كان من جنس المسمى، تعلق العقد بالمشار إليه، ويثبت الخيار لعدم المسمى، ولا يبطل العقد، وإذا كان من خلاف جنس المسمى يتعلق العقد بالمسمى، فيبطل لعدمه؛ لأن التسمية للتعريف، والإشارة كذلك، وكل واحدة منهما، تفيد غير ما أفادته الأخرى، فيجب اعتبارهما.

стр. 883

فإذا انعدم المسمى، تعذّر اعتبارهما، فعملنا بالإشارة في الجنس الواحد، وقلنا: بجواز العقد وثبوت الخيار؛ لانعدام الوصف المشروط، وعملنا بالتسمية في الجنسين، فيتعلق العقد بالمسمى، والمسمى (١) معدوم فبطل؛ ليكون عملا بهما، ولم نعمل على العكس؛ لأنا لو اعتبرنا الإشارة في الجنس، وقلنا: بجواز العقد مع كثرة التفاوت بينهما في المنفعة والمالية (٢)، يلزمنا (٣) القول بجواز العقد في الجنس الواحد عند قلة التفاوت في المنفعة والمالية، فيتعطل العمل بالدليلين. والثالث: أن المستحق بالشرط أدنى ما ينطلق عليه ذلك الاسم؛ لأن الأدنى (٤) متيقن؛ لأنه مستفاد من الاسم بيقين، أما الزيادة لا تستفاد من الاسم بيقين، والزيادة على الأدنى مجهولة غير مضبوطة. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل اشترى عبدا على أنه خباز أو كاتب، صح العقد والشرط؛ لأنه شرَط وصفا يزيد في المالية، فكأن ملائما، بمنزلة اشتراط صفة الجودة. بخلاف ما لو اشترى ناقة، على أنها حامل، أو على أنها لبون (٥)، حيث لا يصح

стр. 884

العقد؛ لأنه شرط عَينا لا يدري وجوده، ولا يعرف حياته (١)، والأعيان يقابلها البدل، فجهالتها تمنع جواز العقد، أما هذا اشتراط وصف، والأوصاف لا يقابلها البدل (٢)،

стр. 885

فاشتراطها لا يمنع جواز العقد، ثم إذا جاز هذا العقد (١)، فإن وجده غير خباز، أو غير كاتب، كان له الخيار (٢)؛ لما قلنا في أصل الباب. فإن لم يردّ حتى تعيّب عنده بعيب، أو مات، يرجع بالنقصان، فيقوم خبازا، أو كاتبا أدنى ما ينطلق عليه هذا الاسم؛ لما قلنا: إن المستحق بالشروط (٣) أدنى ما ينطلق عليه هذا الاسم (٤)، ويقوم غير خباز، فيرجع بفضل ما بينهما. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا تعذر الرد هنا، لا يرجع بشئ (٥)؛ لأن الخيار إنما يثبت له بحكم الشرط، لا بحكم العقد، فإذا تعذر الرد، لا يرجع بشئ، كما إذا اشترى شيئًا بشرط الخيار، وتعذر الرد بحكم الخيار، لا يرجع بشئ. وجه ظاهر الرواية: أن الخيار ما ثبت بحكم الشرط، لكن بحكم الشرط صار الوصف المذكور مستحقا بالعقد، بمنزلة صفة السلامة، فكان الخيار الثابت هنا في معنى خيار العيب، فيرجع بالنقصان إذا تعذر الرد (٦)

стр. 886

وكذا لو اشترى جارية على أنها بِكر، فوجدها ثيّبا باعتراف البائع، أو اشترى تمرا على أنه فارسي، فإذا هو دقل، لما قلنا. فإن لم يرد حتى تعيب بعيب، تقوّم بكرا، وثيبا، ويقوّم التمر فارسيًا أدنى ما يكون، ويقوّم دقلا كما هي (١). فإن كانت قيمة الفارسي أكثر يرجع بذلك القدر من الثمن. وإن كانت قيمة هذا الدقل مثل الفارسي، لا يرجع بشئ؛ لأنهما إذا استويا في القيمة، لم يكن الفائت شيئًا متقوّما، فلا يكون له قسط من الثمن. وكذا لو اشترى قَوْصَرّة (٢) تمر على أنه فارسي جيد، فإذا هو رديء، رده إن شاء، فإن أصابه ماء، ففسد، قوّم على هيئته، ويقوّم جيدًا: أدنى ما ينطلق عليه اسم "الجيد"، فيرجع بالفضل. ولو اشترى شاةً على أنها نعجة، فوجدها كبشا، صحَّ العقده؛ لأن الجنس واحد؛ لعلة التفاوت بينهما في المنفعة المطلوبة، لأن معظم المقصود من الشاة اللحم، ومنفعة الدر والنسل لا تقوم بالأنثى وحدها، بل تحصل بالأنثى والذكر، فلا يعتبر ذلك، ينظر إلى ما يقوم بالمشروط وحده.

стр. 887

وكذلك (١) في سائر البهائم، الذكر والأنثى جنس واحد؛ لقلة التفاوت بينهما في المنفعة المطلوبة، من الركوب والحمل، بخلاف الذكر والأنثى في بني آدم. إذا اشترى (٢) على أنها وصيفة (٣)، فإذا هو وصيف؛ لا يصح العقد استحسانا؛ لأنهما جنسان مختلفان لاختلاف المقصود، فإن المقصود من العبد الاستخدام، ومن الأمة الاستفراش. وإذا صح العقد في البهائم، كان له الخيار لفوات الوصف المرغوب، فإن تعيب عنده بعيب، قوّم كبشا كما هو، ونعجة كما شرط، فإن استوت قيمتها، أو كانت قيمة الكبش أكثر، لا يرجع بشئ، وإن كانت قيمة النعجة أكثر، ينظر إلى التفاوت، إن كان عشرا، يرجع بعشر الثمن، كما في العيب. ولو اشترى أمة، فوجدها محترقة الوجه، لا يستبين لها قبح ولا جمال، ردّها، فإن أصابها عيب عنده (٤)، قوّمت محترقة الوجه، كما هي، وقومت غير محترقة على القبح، فيرجع بحصة الفضل. فإن قال المشتري: أنا أقومها على الجمال، وقال البائع: على القبح، يعمل بقول البائع؛ لأن القبح ليس بعيب، والجمال وصف زائد، لا يستحق بمطلق البيع، ألا ترى أنه

стр. 888

لو اشترى جارية فوجدها قبحة لا تردّ، (١) لأن المستحق من السلامة أدنى ما ينطلق عليه الاسم. الفصل الثاني: إذا اشترى (٢) قوصَرتي تمر، على أنهما فارسيّتان (٣) بثمن واحد، فوجد أحدَهما دقلا قبل القبض، كان له الخيار، إن شاء أخذهما، وإن شاء ردهما، وإن كان قبضهما، رد الدقل خاصةً بحصته من الثمن، لأن الموجِب للردّ قام بأحدهما، إلا أن الصفقة لا تقيّم (٤) إلا بقبضهما جميعًا. فلو ردّ أحدهما قبل القبض كان فيه تفريق الصفقة على البائع قبل التمام، وذلك لا يجوز، أما بعد القبض، والصفقة قد تمّت، إلا ما قام به العلة المثبتة للرد (٥)، كما في خيار العيب. ألا ترى أنه إذا استحق أحدهما بعد القبض، رجع بحصّة المستحق من الثمن، والآخر لازم له، وقبل القبض إذا استحق أحدهما، كان له أن يرد الآخر. وفيه دليل على أن الخيار الثابت بفوات الشرط بمنزلة خيار العيب، لا بمنزلة خيار

стр. 889

الشرط، فإن في خيار الشرط، لا يرد البعض بعد القبض، كما لا يرده قبل القبض، بل يردهما، أو يمسكهما. وهنا فرق بين ما قبل القبض، وما بعده، وفيه دليل على أن الكيلي أو الوزني في الأوعية المختلفة، بمنزلة الأشياء المتفاوتة في حق العيب. وإذا اشتراها في وعاء واحد، أو لم يكن في وعاء، فهو كشئ واحد، إذا وجد ببعضه عيبا قبل القبض أو بعده، رد الكل أو أمسكه، فإن حدث بالدقل عيب عند المشتري (١)، قوّم فارسيا على (٢) أدنى ما يكون، ويقسم الثمن عليه وعلى الفارسي الآخر، ثم ينظر إلى قيمته، وهو دقل، وإلى قيمته فارسيًا أدنى ما يكون، فيرجع بالفضل إن كان بينهما فضل. وكذا لو اشترى عبدين على أنهما خبازان، أو كاتبان، فوجد أحدهما، لا يُحسن ذلك، فهو على ما ذكرنا من الجواب، قبل القبض وبعده. وكذا لو اشترى خمسين شاة، على أنها نِعاج، فوجد البعض فُحولا، فهي على ما ذكرنا من الجواب. وكذا لو اشترى جاريتين، على أنهما بِكران، فإذا إحداهما ثيب، أو اشترى عبدين، على أنهما طَخاديان، فإذا أحدهما سندي، جاز العقد، وله الخيار، وعند تعذر الرد، يرجع بالنقصان على الوجه الذي قلنا.

стр. 890

وكذا لو اشترى طيْلَسَانَين (١)، على أنهما طرازيان، فإذا أحدهما خُواري (٢)، فهو جائز؛ لأن الجنس واحد (٣)، لأن الكل يستعمل استعمال الطيالسة، وعن أبي يوسف أنه جعلهما جنسين لتفاوت المنافع، وأبطل البيع (٤). والصحيح جواب الكتاب؛ لأن هذا اختلاف نوع أو صفة، فإن الطرازي معلم، والخُوارى غير معلّم، وهما من صناعة الري (٥)، فإن الطِرَاز (٦) محلة من محال الري، والخواري ما نسج بخُوار (٧) الري.

стр. 891

استشهد [محمد ﵀] (١)، فقال: ألا ترى أنه لو وكّل رجلا بشراء طيلسان بمائة درهم، صح التوكيل، ولو كان الجنس مختلفا، لا يصح، كما لو وكل رجلا بشراء ثوب بمائة درهم، ولم يبيّن الجنس، إلا أن هذا قول محمد ﵀، أما على قول أبي يوسف ﵀ (٢) لا يصح التوكيل. ولو اشتري شخصا على أنه وصيف، فإذا هي وصيفة، أو على العكس، فالبيع باطل، ليس للمشترى أن يأخذه، وإن رضي به؛ لما ذكرنا. ولو اشترى وصيفين، فإذا أحدهما وصيفة، فسَد البيع؛ لأن أحدهما لم يدخل تحت العقد لاختلاف الجنس، فبقي العقد في الآخر بحصّته من الثمن ابتداءً، وذلك فاسد، وإن كان الثمن مفصلا، جاز في الذي وافق الشرط؛ لأن ثمنه معلوم. قال بعضهم: هذا قول أبي يوسف ومحمد، أما على قول أبى حنيفة: لا يجوز؛ لأن فساد العقد في أحدهما بسبب العدم مثل الفساد بسبب الحرية، فيتعدى إلى الباقي. وأصل هذا ما ذكر في البيوع: إذا اشترى عدل زطيّ على أن فيه خمسين ثوبا، فوجده أحدا وخمسين، فسد العقد، أجمَل الثمنَ أو فصّل، وإن وجده تسعة وأربعين، فإن أجمل الثمن، بطل، وإن فصّل، جاز. وقال بعضهم: عند أبي حنيفة يبطل، أجمل أو فصّل؛ لأن العقد بطل في البعض

стр. 892

بسبب العدم، فيتعدّى الفساد (١) إلى الآخر، كما لو فسد بسبب الحريّة (٢). وإذا صحّ البيع عندهما في الذي وافق الشرط، إن كان قبل القبض، له الخيار؛ لتفرق الصفقة قبل التمام، وإن كان بعد القبض، لا خيار له؛ لما عرف. -والله أعلم-

стр. 893

باب من البراءة في العيوب والشروط في البيوع والخيار فيه في الباب فصلان: فصل في العيوب، وفصل في الشروط. وبنى الباب على أصلين: أحدهما: ما عرف أن فوات المشروط يوجب الخيار بمنزلة فَوات صفة السلامة. والثاني: شرط البراءة (١) من كل عيب، لا يكون إقرارًا بالعيب؛ لِعلمِنا أن جميع العيوب لا تجتمع فى ذات واحدة، فيجعل مجازًا عن إلزام العقد بالامتناع عن التزام صفة السلامة (٢). والبراءة عن عيب واحدٍ إقرار بذلك العيب؛ لأن البراءة تقتضي قيام الحق، ولا حقّ عند عدم العيب، كما أن نفي العيوب كلها لا يكون إقرارًا بالسلامة عن جميع العيوب.

стр. 894

ألا ترى أنه لو قال لغيره: اشترِ هذا العبد، فإنه لا عيب فيه، لا يكون إقرارًا بعدم العيوب، ولو قال: اشترِ هذا العبد، فإنه لا عور به، أو لا شَلل به (١)، يكون إقرارا بعدم العور والشلل (٢). إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل اشترى عشرة أثواب على أن خمسة منها ملاء سباعية، وخمسة منها شقاق، فوجد ستة شقاقا، وأربعة ملاء، فإن كان لم يقبض شيئا منها؛ أو قبض البعض، كان له الخيار، إن شاء ردّ الكل، أو أمسك الكل، ولا يطرح عنه شئ من الثمن، كما في العيب. وإن كان قبض الكلّ، ردّ واحدا من الشقاق؛ لأن فوات شرط (٣) المشروط بمنزلة

стр. 895

العيب، وفي العيب (١) قبل القبض يردّ الكل، أو يمسك الكل، وبعد القبض يردّ البعض (٢) دون الكل، فكذلك هنا، يردّ شقة واحدة منها بعد القبض، وخيار التعيين إليه؛ لأن الردّ حق المشترى، ولا يتوصّل إلى الردّ إلا بالتعيين، فكان التعيين إليه. وقال أبو يوسف: ولاية التعيين للبائع؛ لأن تسليم المبيع على الوصف المشروط على البائع، فكان التعيين إليه؛ ليخرج عمّا عليه، فإن عيّن المشتري شقة، صحّ التعيين، حتى لو هلكت تلك الشقة، أو أصابها عيب، رجع بحصة النقصان، ولا يكون له أن يردّ غيرها، كما لو كان متعينا للردّ من الأصل، ولكن يرجع بحصة النقصان، فينظر إلى قيمة شقة ليس فيها العيب الحادث، وإلى قيمة ملاءة، ويقسّم الثمن على ذلك، فيرجع بفضل ما بينهما. وهذا إذا لم يرضَ البائع بردّها عليه بعد حدوث العيب، فإن رضي، ردّها عليه (٣)؛ لأن امتناع الردّ بسبب العيب الحادث كان لحق البائع، فإذا رضي زال المانع. هذا إذا عيّن واحدة للردّ، فإن لم يعيّن حتى تعيّبت الشقاق إلا واحدة منها، كان له أن يردّ هذه الشقة (٤).

стр. 896

فإن قال المشتري: لا أردّ هذه، ولكن أرجع بحصّة النقصان [من] (١) الواحدة التي تعيّبت، (٢)، كان له ذلك؛ لأن خيار التعيين كان له، فيبقى، كما لو تعيّبت كلها، ولكن لا يردّها بعيب حادث (٣)، بل يرجع بالنقصان، إلا أن يرضى البائع أن يأخذها مع العيب الحادث. وكذا لو هلك بعض الشقاق، فأراد المشتري أن يعيّن الهالك ليرجع بالنقصان، كان له ذلك. فإن قال البائع: ردّ بعض الشقاق التي تعيّبت، ولا ترجع بالنقصان، أو أراد المشتري أن يردّ بعض الشقاق التي لم تتعيّب، فقال البائع: أنا أردّ النقصان، ولا أقبل هذا، لا يلتفت إلى [قول] (٤) البائع؛ لما ذكرنا أن الخيار للمشتري، والتعيين إليه. فرق بين هذا، وبين ما لو اشترى قفيزا من صبرة، فتعيّب الكل إلا قفيزا، تعيّن هذا القفيز للبيع؛ لأن تسليم المبيع واجب على البائع، ولا يمكنه تسليم المعيب، فتعيّن التسليم ضرورةً، [أما] (٥) هنا حق الردّ حق المشتري، والتعيين إليه، فلا يتعين إلا بتعيينه.

стр. 897

وكذا لو اشترى عشر جواري على أن خمسا منهن أبكار، وخمسا منهن ثيّب، فوجد الثيب ستا، فهو على الجواب الذي ذكرنا. ولو اشترى عبدين على أنّ أحدهما خبّاز، أو كاتب، فوجدهما جميعًا لا يحسنان الخبز والكتابة بعد القبض، ردّ أيهما شاء؛ لوجوده على خلاف ما شرط، وقبل القبض ردّهما، أو أمسكهما. وكذا لو اشتراهما على أن أحدهما طخاري، والآخر سنديّ، فوجدهما سنديّين بعد ما قبضهما، ردّ أيهما شاء على نحو ما ذكرنا، وإن كان قبل القبض، ردّهما أو أمسكهما. وكذا إذا قبض البعض دون البعض؛ لأن تمام الصفقة يتعلق بقبض جميع المعقود عليه. وأما القسم الثاني: رجل اشترى عبدا على أن به عيبا واحدا، جاز العقد والشرط؛ لأن جهالة العيب لا تمنع صحّة الإبراء، لأنه إسقاط، والجهالة لا تمنع صحّة الإسقاط، وإنما لا يصحّ مع الجهالة ما تتوجه فيه المطالبة بالتسليم؛ لأن ذلك يفضي إلى المنازعة. وإذا صحّ البيع والشرط، فإن وجد به عيبا واحدا، لزمه لمكان الشرط، وإن وجد به عيبا آخر، ردّه لعدم البراءة عنه. وكذا إذا وجد به عيبين آخرين، فإن حدث به عيب آخر عنده، رجع بحصة العيبين من الثلاثة التي وجدها؛ لأن البراءة وقعت عن عيب واحد، لا عن الثلاثة، وخيار التعيين

стр. 898

إلى المشتري؛ لأن البراءة حصلت من المشتري (١)، فكان البيان إليه، فيقوّم، وبه عيب واحد من هذه العيوب، أي عيب عيّنه المشتري، ويقوّم وبه العيوب الثلاثة، فيرجع بفضل ما بين ذلك من الثمن. وكذا لو اشترى عبدين على أن بأحدهما عيبًا ولم يسمِّ، فوجد المشتري بأحدهما عيبا، لم يردّه لوقوع البراءة عنه، فإن وجد به عيبا آخر، ردّه. وكذا لو وجد بالعبد الآخر عيبا، ردّ أيهما شاء؛ لأن عيب أحدهما موجِب للردّ، وخيار التعيين إليه. وطريق معرفة الحصة: أن يقسم الثمن على المردود صحيحا لا عيب به، وعلى الآخر، وبه العيب وحده؛ لأن مقتضى البيع في أحدهما البراءة عن العيب، وفي الآخر أن يكون صحيحًا، فيقسّم الثمن عليهما على ما هو حكم العقد، فإن حدث عنده عيب، رجع بحصّة أيّ العيبين شاء من عبد واحد، وبعيب أيّ العبدين شاء منهما. وهذا إذا كان بعد القبض، فأما قبل القبض، لو وجد بأحدهما عيبا لا يردّ؛ لأنه أبرأه عن عيب واحد. وإن وجد بأحدهما عيبين، أو وجد بكل واحد منهما عيبا، إما أن يردّهما، أو يمسكهما، وليس له أن يردّ أحدهما دون الآخر؛ لما فيه من تفريق الصفقة قبل التمام. فإن كان قبض، ثم وجد بالعبدين عيبا، لم يسقط خياره؛ لأن القبض بدون العلم، لا يدلّ على الرضى بالعيب، حتى لو علم بالعيبين فيهما، أو في أحدهما، ثم قبضهما أو

стр. 899

أحدَهما، سقط خياره. وكذا هذا في كل من اشترى شيئا، ثم وجد ببعضه عيبا، ثم قبض شيئا من المبيع، سقط خياره؛ لأن القبض يتمّ به الملك، فكان بمنزلة القبض (١)، فكان القبض مع العلم، بمنزلة الشراء مع العلم، وكذا إذا قبض البعض؛ لأنه لا يملك التفريق، فكان الرضى بأحدهما رضًى بهما جميعًا، وإذا وجد بهما عيبا بعد القبض، كان له أن يردّ أحدهما بحصّته (٢). وإن قبض أحدهما، ولم يعلم بالعيب، ثم وجد بالذي لم يقبضه عيبا (٣) فقبضه، ثم علم بالعيب في الذي قبض أوّلا، يخيّر: فإن اختار ردّ الذي وجد به العيب قبل قبضه، فله ذلك؛ لأن القبض مع العلم (٤)، إنما يكون رضًى، إذا علم بعيبٍ يُثبت له الخيار، ولم يوجد؛ لأنه حين قبض المبيع مع علمه، لم يكن ذلك العيب مثبتا حق الردّ؛ لأنه أبرأه عن عيب واحد بأحدهما، فلم يكن ذلك رضًى، حتى لو وجد بهما عيبًا ثم قبضهما، أو قبض أحدهما، كان ذلك رضًى منه بالعيب، هكذا ذكر هنا.

стр. 900

وذكر القدوري (١) ﵀: إذا قبض الصحيح من العبدين، أو كانا مَعيبين، فقبض أحدهما، قال أبو يوسف: ليس رضًى بالآخر، ويبقى خياره فيهما. وكذا لو اشترى عشرة أثواب، على أن خمسةً منها لا عيب بها، وعلى أن البائع برئ من ثلاثة عيوب بكل واحد من الخمسة، جاز، فإن وجد بالستة عيوبا، ردّ واحد منهما، أي واحد شاء، ويلزمه الباقي، إن كان ذلك بعد القبض، فيقسّم الثمن على قيمة الأربعة التي لا عيب بها، وعلى قيمة الخمسة بعيوبها، وعلى قيمة المردود [الذي] (٢) لا عيب به، فيردّه بحصّته من الثمن. وإن وجد بواحد من الخمسة أربع (٣) عيوب ردّه، فإن حدَث به عيب عنده، رجع بحصة أيّ العيوب من العيوب الأربعة شاء، ويقسم الثمن على قيمة خمسة سليمة، وعلى قيمة خمسة بها عيوب ثلاثة؛ لأن البراءة عن العيب الواحد والثلاثة، وما أشبه ذلك، يدل على وجوده، فإذا ظهرت حصّته ردّه، وعند تعذّر الردّ، يرجع بالنقصان على الوجه الذي ذكرنا. ولو اشترى عشرة أثواب على أن البائع بريء من كل عيب بخمسة منها، فهو جائز؛ لما قلنا، ولا يردّ خمسةً منها (٤) بشيء من العيوب، وإن كثرت بعموم البراءة.

стр. 901

وإن وجد بستة عيوبا، ردّ واحدا منها أيّ واحد شاء؛ لما قلنا، فإن اختار ردّ واحد منها بعد القبض، قسّم الثمن على قيمة الكل صحّيحة، فيردّ هذا (١) الواحد بحصّته من الثمن. وإن حدث به عيب عنده، يقوّم صحّيحا، ويقوّم وبه العيب، فيرجع بحصّته، وإنما يقوّم الكل صحّاحا ههنا، بخلاف ما تقدم، لما ذكرنا أن شرط البراءة من كل عيب، لا يكون إقرارا بالعيب (٢). ولو نصّ على هذا في العبد الواحد، بأن (٣) قال: أبيع هذا العبد على أن لا عيب به، لكني أتبرّأ مع ذلك عن عيب واحد، ثم وجد به عيبين، كان له أن يردّ. فإن حدَث به عيب عنده، قسّم الثمن على قيمته صحيحا، وعلى قيمته وبه العيبان، فيرجع بحصّة أيّ العيبين شاء، فهنا كذلك. وكذا لو اشترى عبدين على أنه بريء من كل عيب بأحدهما، فقبضهما، ثم استحقّ أحدهما، وقد وجد بأحدهما عيبًا، لزمه الآخر بحصّته من الثمن، فيقسّم الثمن عليهما، وهما صحّيحان، حتى يعرف حصّة المستحق من الثمن، فيرجع به. ولو قال: على أن بواحدٍ منهما ثلاث شجاج، فوجد بأحدهما ثلاث شجاج، ثم استحقّ أحدهما، فأراد أن يرجع بحصّة المستحق، يقسم الثمن على قيمة أحدهما

стр. 902

صحيحًا، وعلى قيمة الآخر مشجوجا بثلاث شجاج. ولو وجد بأحدهما أربع شجاج، واستحق الآخر، قسّم الثمن على قيمة الصحّيح منهما صحيحًا، وعلى قيمة الآخر، وهو مشجوج بثلاث شجاج، أيّ ذلك أحبّ المشتري؛ لأنه دخل في العقد بهذه الصفة؛ لما ذكرنا أن شرط البراءة عن العيوب المعدودة إقرار بوجودها، وشرط البراءة عن كل عيب لا يكون إقرارا (١). استشهد محمد (٢) ﵀، فقال: ألا ترى أنه لو اشترى عبدا، ثم أراد أن يردّه بعيب، فشهد شاهدان على أن المشتري أبرأ البائع عن كل عيب، ثم اشتراه أحد الشاهدين، فوجد به عيبا، فأراد أن يردّه، كان له ذلك (٣)، ولا تكون شهادته على [الإبراء] (٤) من كل عيب، إقرارا بوجود العيب فيه. وبمثله: لو شهدا على أنه أبرأ البائع من عيب كذا، ثم اشتراه أحد الشاهدين، فوجد به ذلك العيب، لا يكون له أن يُخاصم (٥) فيه. وكذا قال في "الجامع": لو أن المشتري عرَض المشترى على البيع، وقال لغيره:

стр. 903

اشترِه، فإنه لا عيب به، فلم يتفق بينهما بيع، ثم وجد به عيبا، كان له أن يردّه على بائعه، ولا يكون للبائع أن يحتجّ عليه بقوله: "لا عيب به". وبمثله لو قال: اشتره، فإنه ليس بآبق (١)، ثم وجده آبقا، فليس له أن يخاصِم بائعه. استشهد بهذه المسائل لإيضاح ما سبق. -والله أعلم-

стр. 904

باب ما يجوز من الشيئين يباعان أو يستأجران فيرضى بأحدهما ولا يرضى بالآخر وما يكون من ذلك في النكاح والخلع والصلح والكتابة وغير ذلك بنى الباب على معرفة حكم العقود، فنقول: العقود التي يتعلق تمامها بالقبول أقسام ثلاثة: قسم: يُبطله (١) الشرط الفاسد، وجهالة البدل، وهي مبادلة المال بالمال، كالبيع، والإجارة والقسمة (٢)، والصلح عن دعوى المال. وقسم: لا يُبطله الشرط الفاسد، ولا جهالة البدل، وهي معاوضة المال بما ليس بمال، كالنكاح، والخلع، والصلح عن دم العمد. وقسم: له شَبه بالبيع، والنكاح، وهو الكتابة، يبطلها جهالة البدل، ولا يبطلها الشرط الفاسد، وإذا جمع [في العقد] (٣) بين شيئين، فقبل العقد في أحدهما. ففي القسم الأول: لا يجوز (٤)، سواء سمّى لكل واحد منهما بدلا، أو لم يسمّ.

стр. 905

وفي القسم الثاني: يجوز (١) على كل حال. وفي القسم الثالث: إن سمّى لكل واحد منهما بدلا جاز، وإلا فلا، ودلائلها تعرف في خلال المسائل، [إن شاء الله تعالى] (٢). إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل قال لغيره: بعت منك هذين العبدين بألف درهم، أو فصّلَ، فقال: على أن كل واحد منهما بخمسمائة درهم، فقال: قبِلت العقد في هذا دون هذا، لا يجوز، ولا يملكه المشتري، وإن قبضه، إلا أن يرضى به البائع (٣). وكذلك الإجارة، لو قال: أجرتك هذين العبدين هذا الشهر بعشرين درهما، أو فصّل، فقال: كل واحد منهما بعشرة دراهم، فقال: قبلت إجارة هذا، دون هذا، لم يجز. وكذا القسمة: لو قال لشريكه: قد (٤) قاسمتك هؤلاء الرقيق الأربعة على أني آخذ

стр. 906

هذين؛ وأسلم لكَ هذين، أو فصّل، فقال: على أني آخذ نصيبك من هذا بنصيبي من هذا، ونصيبك من هذا الآخر بنصيبي من هذا الآخر، فقال صاحبه: سلّمتك لك هذا العبد، ولا أسلّم هذا الآخر، لم يجز شيء من ذلك. أما إذا فصّل فلأن العادة جرت فيما (١) بين الناس بضمّ الردّئ إلى الجيد (٢)، والتسوية بينهما في الثمن، فإنما رضي ببيع الجيّد بعشرة، ليحصل له بيع الردّئ بعشرة. ويصير في التقدير كأنه قال: بعت منك الجيّد بعشرة، بشرط أن تقبل البيع في الردّئ بعشرة، لو لم يكن كذلك، لباع الجيّد وحدَه بخمسة عشر، فإذا لم يقبل الردّئ لم يتمّ الرضى، فيصير ذلك شرطا فاسدا (٣). وإذا قبل البيع في الردّئ، تمّ الرضى، وصار ذلك شرطا ملائما لا مفسدا؛ لأن المفسد ممّا يفضي إلى المنازعة، وعند قبول العقد فيهما، لا يفضي إلى المنازعة. وأما إذا أجمَل الثمن (٤)، فقبِل في أحدهما، لا يجوز لوجهين: أحدهما: ما قلنا (٥)، والثاني: أنه إذا قبل في أحدهما لم يدخل الآخر في البيع، فيكون هذا ابتداء العقد بالحصّة في الذي قبل، وذلك فاسد.

стр. 907

ولو (١) قال لرجل: زوّجتك أمتي هاتين بمائة دينار، أو فصّل، فقال: كل واحدة بخمسين دينارا، فقال: قبلت نكاح هذه دون هذه، جاز النكاح في التي قبل. وكذا لو قال الزوج للمولى: قد تزوجت أمتيك هاتين بمائة درهم، أو فصّل، فقال: كل واحدة منهما بخمسين درهما، فقال المولى: زوجتك هذه دون هذه، جاز النكاح في التي زوّجها. وكذا العتق على مال، بأن قال لعبديه: أعتقتكما على ألف درهم، أو فصّل، فقال: كل واحدا منكما بخمسمائة درهم، أو قال: بعتكما أنفسكما بألف درهم، أو فصّل، فقال: كل واحد منكما بخمسمائة درهم، فقبل أحدهما، ولم يقبل الآخر، جاز العتق في الذي قبل، ويقسّم الألف عند الإجمال عليهما على قيمتهما. وكذا الخلع، والطلاق على مال، ويقسم البدل المذكور عند الإجمال على مهرها الذي تزوجها عليه. وكذا لو خاطبه فضوليّ، فقال: بعني طلاق امرأتيك هاتين بألف [درهم] (٢)، أو فصّل، فقال: طلاق كل واحدة منهما بخمسمائة درهم، فقال: بعت (٣) طلاق هذه دون هذه، جاز، ولزم مشتري الطلاق حصّته التي طلقها لوجهين: أحدهما: أن العادة ما جرت بضمّ الردّئ إلى الجيّد في هذه العقود، فلم يصر القبول قبول العقد (٤) في هذه

стр. 908

شرطا لقبول العقد في الأخرى. والثاني: أنه وإن رضي بالشرط، وفات الرضى، إلا أن الرضى ليس بشرط؛ لصحّة هذه العقود، ولهذا يصحّ من الهازل والمكره، وعند ترك التسمية، بخلاف القسم الأول. ولو (١) قال لعبدين له: كاتَبتكما على ألف درهم، فقبِلَ أحدهما، لا يجوز (٢)، وإن فصّل، فقبل أحدهما، جاز، لأن الكتابة تشبه البيع؛ لأنها تحتمل الفتح قبل الأداء، وتشبه النكاح من حيث أنها (٣) لا تحتمل الفسخ بعد الأداء، فلشبهه بالبيع قلنا: بأنه لا يصحّ مع جهالة البدل، وإذا أجمَل البدل، فحصّة كل واحد منهما من الالف البدل (٤) مجهولة، ولشبهة بالنكاح يصحّ إذا كان البدل مفصلا. وحُكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: [أنه] (٥) لا فرق بين الكتابة والبيع في هذا الحكم؛ لأن المولى أوجَب الكتابةَ لشخصين، وفي البيع أوجَب البيع لرجلين في عبدين، وقال: بعت هذا من هذا الرجل، وهذا من هذا الرجل الآخر، فقبِل أحدهما، إن كان الثمن مفصّلا جاز، وإن كان مجملا لا يجوز، نصّ عليه في "الجامع الكبير" (٦).

стр. 909

وإنما لا يجوز البيع عند قبول العقد في أحدهما، إذا أوجَب البيع فيهما لواحد، ومثله لا يتصوّر في الكتابة. وإنما فرّق بين ما إذا أوجب البيعَ لواحد، وبين ما إذا أوجب لاثنين؛ لأنه إذا أوجب العقد لواحد، كان الجمع وترويج الردّئ بثمن الجيد مقصودا، فيصير قبول العقد في أحدهما شرطا لقبول العقد في الآخر (١). فأما إذا أوجب البيعَ لشخصين لا يمكن أن يجعل قبول زيد شرطا لقبول عمرو، ولكن عند إجمال البدل لا يجوز؛ لأنه إذا قبل أحدهما، كان قبولا بالحصة، فلا يجوز، بخلاف ما إذا كان البدل مفصّلا. ولو جمع بين النكاح (٢) وبين البيع بأن قالت المرأة لرجل: زوّجت منك نفسي، وبعت منك عبدي هذا بألف درهم، أو قالت: كل واحد منهما بخمسمائة، فإن قبل البيعَ وحده لا يجوز، وإن قبل النكاحَ وحده جاز؛ لأنه إذا قبل البيع وحده، بقي النكاح شرطا فاسدا في البيع، فيفسد البيع (٣)، وإذا قبل النكاح وحده، بقي البيع شرطا فاسدًا في النكاح، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. وكذا لو جمع بين نكاح وإجارة، وكذا لو جمع بين البيع والطلاق والعتاق، أو جمع بين إجارة وطلاق وعتاق، فإن قبل البيع وحده، أو قبل الإجارةَ وحدها لا يجوز، وإن قبل

стр. 910

الطلاق أو العتاق، ولم يقبل البيع أو الإجارة يجوز. وإن جمع كتابة وعتق أو طلاق، فقبِل الطلاق، أو العتاق جاز، وإن قبل الكتابة: إن كان البدل مفصّلا جاز، وإن كان مجملا لا يجوز. وأما إذا قبل الطلاق، أو العتاق، فلما ذكرنا أنهما لا يبطلان بالشروط الفاسدة، ولا بجهالة البدل. وأما إذا قبل الكتابةَ والبدلَ مفصّل، فلأنه إذا قبل الكتابة، بقي المضموم إلى الكتابة إليها (١) شرطا فاسدا، والكتابة لا تبطل بالشروط الفاسدة. ولهذا لو كاتَبه على أن لا يتّجِر، ولا يخرج من الكوفة (٢)، تصحّ الكتابة، ويبطل الشرط، وعند إجمال البدل، لا تصحّ الكتابة؛ لما ذكرنا أنها تشبه البيع، والنكاح، فجعلناها بمنزلة البيع في حق جهالة البدل؛ لأن جهالة البدل في فساد العقد فوق الشرط الفاسد، لأن البدل ركن في البيع، والشرط عارض، فلو تحمّلنا جهالة البدل في الكتابة، يلزمنا أن نتحمل الشرط الفاسد، فيتعطل العمل بالدليلين. رجل له قصاصان على رجل، بأن قتل رجلين، وليّهما واحد، فصالَحَه الولي عن الدمين على عشرة آلاف درهم، فقال القاتل: قبلت الصلح عن دم فلان، دون فلان، جاز، ولزم القاتل خمسة آلاف [درهم] (٣)، ويقتل بالآخر، لأن الصلح عن الدم، لا يبطله

стр. 911

الشرط الفاسد، ولا جهالة البدل. وكذا لو بدأ القاتل أوّلًا، فقال: صالحتك عن الدمين على عشرة آلاف درهم، فقال الوليّ: رضيت بالصلح عن دم فلان، ولا أرضى بالصلح عن دم فلان، جاز، ويجب له خمسة آلاف درهم، ويقتل القاتل بدم الآخر. فإن قيل: ينبغي أن لا يصحّ في هذا الوجه، ولا يلزمه شئ؛ لأن مقصود القاتل من الصلح صيانة المهجة، وسقوط القصاص، ولم يحصل؛ إذ لا فرق في حقه بين أن يقتل بدم واحد، وبين أن يقتل بدمين. قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن فيه تحصيل المقصود، فإنه إذا سقط أحد القصاصين ربما يدّعي الشبهة في الآخر. والثاني: إن لم (١) يحصل المقصود، فهو الذي ترك النظر لنفسه؛ لأنه لو كان مقصوده سقوط القصاصين، كان ينبغي له أن يقول: صالحتك عن الدم الواجب لك، بسبب الدمين على عشرة آلاف، ولو قال: هكذا لا يجوز قبول الولىّ في أحدهما؛ لأن القاتل التزم المال بشرط أن يسقط القصاص عنه، وأوجب الصلح في دم نفسه، وهو إنما قبِل الصلح في دم أحد المقتولين، فلا يكون قبولا لما أوجب، وفيه تفويت غرضه، فإذا لم يقل هكذا، فالقاتل (٢) هو الذي أضرّ بنفسه، فلا ينظر له. ولو كان لرجل دم عمد على رجلين، فقال: صالحتكما من الدمين على ألف، أو

стр. 912

فصّل، فقال: كل واحد منكما بخمسمائة، فقبِل أحدهما دون الآخر، جاز، وكان له أن يقتل الآخر، لأن الصلح عن دم العمد لا يحتمل الفسخ بعد الوقوع، بمنزلة النكاح والطلاق، فلا يبطل بالشروط الفاسدة، ولا بجهالة البدل. ولو قال لغيره: أجرتك عبدي هذا شهرا، وبعتك جاريتي هذه بألف، فقال: قبلت، جاز؛ لأن القبول المطلق يصلح قبولا لهما. ويقسّم الألف على أجر مثل العبد شهرا، وعلى قيمة الجارية، فما أصاب الأجر، يكون أجر العبد، وما أصاب قيمة الجارية، يكون ثمنا للجارية. وإن سمّى لكل واحد منهما بدلا، إن قال: قبلت، جاز، ويكون قبولا لهما، وإن قبل أحدهما دون الآخر، لم يجز؛ لما قلنا. وكذا إذا لو (١) جمع بين قسمة وإجارة. ولو قال لعبده: أنت حر بألف أو على ألف، فقال: قبِلت العتق في نصفي مطلقا، فهو باطل في قول أبي حنيفة لوجهين (٢): أحدهما: أنّ النصف غير الكل، ولهذا لو شهِد أحد الشاهدين أنه أعتقه، وشهد الآخر أنه أعتق نصفَه لا يقبل، هذه الشهاده (٣) فلم يكن قبولا لِما أوجب. والثاني: أنّ الإعتاق يتجزّأ عنده (٤)، فلو صحّ قبوله في النصف، يلزمه نصف

стр. 913

البدل، ويخرج الثاني إلى الحرية بالسعاية، وربما يكون قيمة النصف أقل من خمسمائة، فيتضرّر به المولى. وعندهما: الإعتاق لا يتجزأ، فكان قبول العتق في النصف قبولا في الكل، فيعتق، كله بألف. ولو قال: قبِلت العتق في نصفي بخمسمائة، كان باطلا عند الكل، أما عند أبي حنيفة فظاهر، لأن قبول العتق في النصف لا يكون قبولا في الكل (١) وأما عندهما فلأن القبول في النصف قبول في الكل (٢). ولو قال: قبِلت في الكل بخمس مائة لا يصحّ، فكذلك هنا. ولو قال: قبلت في النصف بألف، جاز عندهما، وهو باطل في قول (٣) أبي حنيفة، لأنه خلاف ما أوجب.

стр. 914

ولو قال العبد لمولاه: أعتِقني بألف، فقال المولى: "أعتقت نصفكَ" أو قال (١): "أعتقت نصفكِ بألف"، عتق كله بألف عند أبي يوسف ومحمد، لأن عندهما إعتاق النصف، وإعتاق الكل سواء. [ثم ينظر] (٢) إن قال: أعتقت نصفك، أو قال: أعتقت نصفك بألف، عتق كله بألف. وإن قال: أعتقت نصفك بخمس مائة، عتق كله بخمس مائة، وحطّ عنه خمس مائة، كما لو قال المشتري: اشتريت هذا [العبد] (٣) بألف، فقال البائع: بعتك بخمس مائة، صحّ، ويكون حطًّا لما زاد على خمس مائة، كذلك هنا. وأما عند أبي حنيفة: إن قال: أعتقني بألف، فأعتق نصفه بخمسمائة، صحّ، وعتق نصفه بما سَمّى، ويسعى في الباقي، لأن حرف الباء للبدل، فتنقسم أجزاء البدل على أجزاء المبدل، فكان بمقابلة كل نصف خمسمائة. وكذا لو قال: أعتقت نصفك، يعتق نصفه بخمسمائة، ويسعى في الباقي، ولو قال: أعتقت نصفك بألف، لا يعتق ما لم يقبل العبد، لأنه ابتداء وليس بجواب. ولو قال العبد: أعتقني على ألف، فكذلك الجواب (٤) عندهما، وعند أبي حنيفة: إن قال المولى: أعتقت نصفك، عتق نصفه بغير شئ، إن سمّى البدل فقال: أعتقت

стр. 915

نصفك بخمسمائة، توقّف على القبول، لأن عند أبي حنيفة (١) كلمة "على" في مثل هذا للشرط (٢)، فلا توجب انقسام البدل، بخلاف "حرف الباء" على ما نبين بعد هذا. ولو (٣) قال لامرأته: "أنت طالق ثلاثا بألف، أو على ألف" فقالت: "قبِلت واحدة"، لا يقع شيء، وكذا لو قالت: "قبِلت الواحدة بثلث الألف"؛ لأنها لو وقعت وقعت بثلث الألف، والزوج لم يرض بوقوع البينونة بثلث الألف. ولو قالت: "قبِلت الواحدة بألف"، لا يقع أيضًا، لأنه لم يرض بوقوع البينونة بثلث الألف، وقبولها (٤) الألف بمقابلة الواحدة لا تلزمها الزيادة، لأن الزوج جعل الألف مقابلا بالثلاث، لا بالواحدة، فلم يكن هذا قبولا لما أوجب، ويكون كلاما مبتدأ. وحاصله: أنّ وقوع الواحدة بثُلث الألف إثبات البينونة بدون رضاه، لأنه لم يرض بها إلا بالألف، ولا وَجه لوقوع الواحدة بالألف، لأنه لا إيجاب له من جهته. أما المرأة بقولها: "طلِّقني ثلاثا بألف" عُرفت راضيةً بالبينونة بدون الألف، فاعتبر الباء في قولها "ثلاثا بألف" ولم يعتبر في قوله "ثلاثا بألف". وذكر في كتاب الوكالة: إذا وكّل رجلا ليطلِّق امرأته ثلاثا بألف، فطلّقها الوكيل واحدة بألف، كان واقعا. والفرق بينهما: أنّ نفاذ تصرف الوكيل وعدم نفاذه، يعتمد المخالفة والموافقة، وهذا
следующие страницы →