← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الابن، لا يجوز على الابن، ويكون مشتريا لنفسه؛ لأنه يصرف على الابن بحكم النظر، ولا نظر في شراء من يعتق عليه، وإذا لم ينفذ على الابن، ينفذ على الأب لما قلنا. فإن نقد الثمن من مال الابن ضمن مثله، ثم ينظر إن كانت ذات رحم محرم من الأب بأن كانت ابنة للمعتوه، أو أختا للصغير من الأب عتقت عليه، وإلا فلا، والوصي بمنزلة الأب يصير مشتريًا لنفسه، ولا يعتق عليه، إذا كان أجنبيا. ولو اشترى الأب للمعتوه جارية، قد ولدت منه بنكاح، في القياس ينفذ على الأب، لا ينفذ (١) على المعتوه، وهو قول محمد. قال محمد ﵀: وإن استحسن مستحسن، وأجاز على المعتوه صحّ، ولم يذكر في الكتاب أن الاستحسان قول محمد، وقيل: الاستحسان قول أبي يوسف ﵀. وجه القياس: أنه تصرف بشرط النظر، ولا نظر في هذا التصرف (٢)، بل فيه إتواء (٣) ماله؛ لأنه لا يملك بيعها، ويعتق في الزمان الثاني، ولهذا لو كان له عشرة من أمهات أولاده، لا ينفذ شراءه على جواب الاستحسان فيما زاد على الواحدة، ولو كان هذا التصرف داخلا في ولايته لا يقتصر على الواحدة. وجه الاستحسان: أن المعتوه يحتاج إلى جارية تخدمه، ولهذا ينفذ تزويجه عليه، وشراء هذه الجارية أنفع؛ لأنها أشفق، وأهدى إلى خدمته، وهذه الحاجة تندفع بالواحدة،

стр. 947

فلا ينفذ شراءه فيما زاد على الواحدة، والأصحّ هو الأول؛ لأنه يتمكّن من دفع هذه الحاجة من غير إتواء المال بشراء جاريةٍ يملك بيعها، وبالنكاح، فلا ضرورة إلى تنفيذ شراء هذه الجارية على المعتوه. الفصل السابع: رجل تزوّج أمة، فولدت أولادا، ثم ملكها، فكاتَبها، ثم إن المكاتبة (١) اشترت بعض أولادها هؤلاء، صحّ الشراء؛ لأنها تعقد لنفسها، لا للمولى، ويعتق هذا الولد؛ لأنه صار مكاتبا لما عرف أن المكاتب إذا اشترى ولده يتكاتب (٢). وإذا دخل الولد في كتابتها صار ملكا للمولى، ولهذا لو أعتقه المولى يعتق، ومن يعتق بإعتاقه يعتق بالقرابة، ولا يضمن للمكاتبة شيئًا؛ لأنها تسعى لحرّية أولادها، فلا تستوجب الضمان، كما لو أعتقه المولى. المكاتب إذا باع عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم عجز، بطل خياره، ويتمّ البيع؛ لأنه صار محجورا، وعجز عن التصرف بحكم الخيار، ويبطل الخيار، كما لو مات أو جنّ. وكذا العبد المأذون إذا حجر عليه المولى في مدة الخيار، وفي رواية لا يبطل الخيار فيهما، وهو قول محمد ﵀. وفي رواية ينتقض البيع. وجه رواية الانتقاض: أنه لا وجه لإبقاء الخيار مع انقطاع الولاية، ولا وجه لإبقاء

стр. 948

العقد من غير خيار؛ لأنه لم يباشر العقدَ على هذا الوجه، فتعيّن القول بالإبطال. وجه قول محمد: أن الخيار حق من حقوق العقد، فلا ينافيه حجر العاقد كسائر الحقوق، لكن إن أجاز البيع لا يجوز؛ لأنه لا يملك إنشاء البيع، فلا يملك إلزامه بإسقاط الخيار، وكذا لو مات العبد بعد ذلك لا يجوز البيع؛ لأن موت من له الخيار إنما يوجب اللزومَ إذا كان بسبيل من الإجازة، ولكن لو مضى وقت الخيار، والعبد حيّ، جاز البيع. وإن أجاز المولى، إن لم يكن على العبد دين جاز، وإن كان عليه دين مستغرق لا يجوز، إلا أن يقضي دينه. الأب إذا باع عبد ابنهِ الصغير على أنه بالخيار ثلاثة أيام، أو باع الوصيّ، فبلغ الصبيّ في مدة الخيار، قال أبو يوسف: يتمّ البيع، ويبطل الخيار. وعن محمد فيه ثلاث روايات: في رواية: إن نقض اليتيم انتقض، وإن أجاز جاز، سواء كان في مدة الخيار، أو بعدها، ويكون الثابت له خيار الإجازة لا خيار الشرط، حتى لا يتوقت بوقت (١). وفي رواية أبي سليمان (٢): إن أجاز الأب (٣) في المدة جاز، وإن مضت المدة، ولم يجز بطل الخيار. وفي رواية ابن سماعة عنه: ينتقل العقد، والخيار إلى اليتيم كما كان.

стр. 949

وجه قول أبي يوسف: إن الخيار كان حقا للعاقد، وقد عجز عن التصرف بحكم الخيار فيبطل، كما لو مات، أو جن. وجه الرواية الأولى عن محمد، وهو رواية هذا الكتاب: أن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه، فبقي العبد على ملك اليتيم، فإذا بلغ، والعبد على ملكه صار عقد الأب كعقد أجنبيّ آخر، فيتوقف على إجازته. وجه رواية أبي سليمان: أن الخيار حق من حقوق العقد، فيبقى للأب بعد بلوغ اليتيم، كحق قبض الثمن، وغير ذلك. وجه رواية ابن سماعة: أن الوليّ نائب عن اليتيم، فيكون تصرفه كتصرف اليتيم بنفسه، وينتقل إليه بصفته، فيبطل بردّه، ويجوز بإجازته. -والله أعلم- ذكر الزعفراني ﵀ هنا بابًا ذكره محمد في الجامع الكبير، ولقّبه: "باب اختلاف البائع والمشتري في الثمن"، ذكرَ هذا الباب في البيوع من الجامع (١) من غير زيادة ولا نقصان (٢)، فلا نعيده.

стр. 950

باب من البيع الذي يُباع بغير إذن صاحبه ثم يجحده صاحبه أو أقرّ به البائع أو يوهب له بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن التناقض يمنع صحّة الدعوى (١)، لأن كلّ واحد من الكلامين ينقض الآخر (٢)، وسَعْيُ الإنسانِ في نَقضِ ما تمّ به بمنزلة التناقض (٣). والثاني: أنّ المتعاقدين إذا اختلفا في الصحّة والفساد، كان القول قول من يدّعى

стр. 951

الصحّة (١)، لأن الظاهر من حال العاقل المتديّن مباشَرة العقد على وجه الصحة دون الفساد. إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل باع عبدا لرجل من رجل، ثم قال: لم يأمرني صاحبه ببيعه، وقال المشتري: لا بَل أمَرك به، أو ادّعى المشتري عدم الأمر، وادّعى البائع الأمر، فالقول فيه (٢) قول من يدّعي الأمر؛ لأن إقدامهما على العقد إقرار منهما بصحّته ونفاذه، والمباشرة على وجه الحل. فإذا ادّعى أحدهما خلاف ذلك كان متناقضا، فإن أقام جاحد الأمر البينةَ على إقرار صاحبه، أن المالك لم يأمره بالبيع، وصاحبه يجحد، لم تقبل بينته. وكذا لو أقام البينة على أن صاحب العبد جَحد الوكالة، وأقرّ أنه لم يأمره بالبيع، لم

стр. 952

تقبل بينته؛ لأن البينة [إنما] (١) تترتّب على الدعوى الصحّيحة. وكذا لو أراد يمين صاحبه لبس له ذلك، لأن الاستحلاف يترتب على الدعوى، والدعوى باطلة. وإن تصادقا أن البيع كان بغير أمر المالك، يفسخ القاضي العقد بينهما، لأنهما إن كانا صادقين، كان لكلّ واحد منهما أن يفسخ العقد الموقوف، وإن كانا كاذبين، فنقضهما في حق المالك يكون بمنزلة البيع المبتدأ، ولا ضرر للمالك في ذلك. والمراد من فسخ القاضي أن يمضي إقرارهما، أما أن يتوقّف الفسخ على القضاء فلا، لما قلنا. فإن حضر صاحب العبد، وصدّقهما في ذلك، نفذ الفسخ، وتقرّر، وإن كذّبهما، وقال: كنت أمرته بالبيع، كان القول قوله، لما قلنا أن إقدامهما على العقد إقرار منهما بذلك، فلا يعمل رجوعهما في حقه، ويجعل رجوعهما في حقه بمنزلة البيع المبتدأ، ويغرم البائع الثمن للآمر، ويكون المبيع للبائع دون الآمر. ويبطل الثمن عن المشتري للآمر في قول أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف يبقي الثمن في ذمة المشتري للآمر، ويرجع المشتري على البائع بمثل الثمن، بناءً على أن الوكيل بالبيع يملك إبراء المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد، ويملك الإقالة بغير رضى الآمر، وعلى قول أبي يوسف لا يملك الوكيل بالبيع تفريغَ ذمة المشتري بالإقالة، والإبراء. عبد في يد رجل، جاء رجل فقال: إن صاحب العبد أمَركَ ببيع هذا العبد، فبعه

стр. 953

مني بكذا، فصدّقه فيما قال، فباعه [منه] (١)، وتقابضا، ثم حضر البائع، وحضر (٢) المشتري، وادّعى أن صاحب العبد حضر، وجحد الأمر، وأراد فسخ البيع، لا يلتفت إليه، ولا تقبل بينته على ذلك، ولا يستحلف خصمه (٣) للتناقض. ولأنه ساع في نقض ما تمّ به، فلا يكون خصما إذا لم يعلم النقض إلا بخصومته، وكذا لو سكت، ولم يصدّق ولم يكذّب حتى باعه، لأنه إنما باعه بناءً على إخباره، فكان بمنزلة التصديق. فإن حضر صاحب العبد عند القاضي، وجحد التوكيل، وغاب، ثم طلب البائع من القاضي فسخ العقد، أجابه القاضي (٤) إلى ذلك، لأن القاضي لما عايَن جحود صاحب العبد، كان العقد موقوفا على إجازته، وكلّ واحد من العاقدين يملك فسخ الموقوف، ويكون فسخ القاضي إعانة وفتوي، ولا يكون فسخا حقيقة. فإن قال المشتري: أنا أريد يمين المالك: بالله ما وكّله، يقول له القاضي: "انقض البيعَ، وانطلق، واطلب يمينه، فإن حلف لا شيء لك، وإن نكل ردّه عليك"، ولا يؤخر النقض بهذا الكلام، لأن سبب النقض قد تحقق، وهو جحود الوكالة عند القاضي، ولأن القول قول الآمر في ذلك، وإنما اليمين لنفي التهمة، فلا يؤخّر لطلب يمينه.

стр. 954

كالوكيل بقبض الدين إذا طلب المال، فقال الغريم: إن صاحب الدين قد استوفي الدين مني أو قد (١) أبرأني، فطلب يمين صاحب المال، وهو غائب، يقال له: ادفع المال إلى الوكيل ثم انطلق، واطلب يمين الغائب، ولا يؤخر دفع المال، كذلك هنا. وهذا بخلاف الوكيل بالشراء، إذا لم يسلم المبيع إلى الموكّل حتى وجد به عيبا، وأراد أن يردّه، فقال البائع: إنّ الموكّل رضي بالعيب، وأنا أطلب يمينه، وهو غائب، فإنه يؤخر الفسخ، وكذلك لو اشتري شيئًا، فوجد به عيبا، فوكل إنسانا بردّه على البائع، وغاب، فقال البائع: إنّ الموكّل أبرأني عن العيب، وأنا أطلب يمينه، فإنه يؤخر الفسخ. والفرق بينهما أن في مسألة العيب سبب الردّ قد تحقق، وهو العيب، إلا أنّ المبيع إذا كان مقبوضا لا يتمكّن المشتري من الفسخ إلا بقضاء القاضي، لو فسخ القاضي العقد بينهما، وقضاء القاضي في الفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا، فلو ظهر الخطأ في القضاء، لا يمكنه التدارك، فيتضرّر البائع. أما في مسألة الدين لو ظهر الخطأ، وثبت الإيفاء أو الإبراء، أمكنه التدارك بردّ المال، فلا يتضرّر المديون. وكذا في مسألتنا: إذا جحد صاحب المال (٢) الوكالة عند القاضي، كان كلّ واحد من العاقدين بسبيل من فسخ هذا العقد (٣) من غير قضاء [ولا رضى] (٤)، وقضاء القاضي

стр. 955

فيه إعانة وفتوي، فلو ظهرت الوكالة بعد ذلك نكل يمكنه التدارك، لأن الفسخ لم يكن بقضاء القاضي، فلا يؤخّر النقض بعد ثبوت سببه، لأنه يحتمل التدارك. فلو لم يجيء صاحب العبد، ولم يحضر (١) ولم يجحد الوكالة حتى مات، وورثه البائع، فقال البائع: إنّ صاحب العبد لم يكن أمرني بذلك، وطلب نقض البيع، لا يلتفت إلى ذلك، ولا يستحلف خصمه، لأنه متناقض، ساعٍ في نقض ما تمّ به، فإنه يدّعي انتقاض العقد باعتراض الملك الباتّ على الملك الموقوف. فإن أقام البائع البينة على إقرار المشتري أنّ المالك جحد الوكالة، تقبل، فرّق بين هذا وبين ما لو أقام البينة على هذا الوجه في حياة صاحب العقد، فإنه لا تقبل. والفرق: أنّ في حياة المالك لو قبلت بينة البائع على هذا الوجه، إنما تقبل من حيث إنه أصل، ومن حيث أنه أصل فهو متناقض، ساع في نقض ما تمّ [به] (٢)، أما بعد الموت إنما تقبل بينة البائع من حيث أنه نائب عن الميت، والميت لو ادّعى بنفسه في حياته لا يكون متناقضا، فكذلك نائبه، وليس بساع في نقض ما تمّ به، لأن من حجة البائع [أن يقول] (٣): إني أوجبت البيع، وألزمت التسليم، إلا أن المشتري أبطل حقه بإقراره. فإن قيل: إذا كان خصما في إقامة البينة، وجب أن يكون خصما في الاستخلاف. قلنا: هو خصم في إقامة البينة بطريق النيابة عن الميت، والميت لو أراد استحلاف

стр. 956

المشتري لا يكون له ذلك، ويكون اليمين على صاحب العبد دون المشتري، فلا يستحلف بدعوى النائب. فإن قيل: إذا كان نائبا عن الميت (١) حتى سمعت دعواه، وقبلت بينته، وجب أن يصحّ نقضه بمنزلة نقض المورث. قلنا: إنما يصحّ نقض الموكّل من غير قضاء، لأنه لما أنكر الوكالةَ، بقي العين على ملكه من حيث الظاهر. أما في حق الوارث، لو صحّ نقضه يصحّ بطريق النيابة، وإنما تثبت النيابة إن لو بقي العين على ملك الميت، وذلك لا يثبت بمجرّد الدعوى، بعد ما وجد الإقرار منه بزواله عن ملك الميت. هذا إذا مات صاحب العبد، فإن لم يمت، فادّعى البائع أنّ المالك جحد الأمر، ثم وهبه مني، وسلّمه إلى، فانقضى البيع، لا يلتفت إليه، ولو أقام البينة لا تقبل، لأنه متناقض ساع في نقض ما تمّ به، بخلاف ما تقدّم، وهو ما بعد الموت. والفرق: أن ثمّة إنما قُبلت بينته من حيث أنه نائب قائم مقام الميت، ومن هذا الوجه ليس بمتناقض. أما هنا لا تسمع دعواه من حيث أنه نائب قائم مقامه، لأنه حيّ لو سمع، إنما يسمع من حيث أنه أصل، ومن هذا الوجه هو متناقض، والمشتري في دعوى النقض في هذه الفصول بمنزلة البائع، لأن المعنى يجمعهما. وإن حضر صاحب العبد، وجحد الأمر، وأراد أخذ العبد من المشتري، والمشتري غائب، فليس له أن يأخذ، لأن فيه قضاء على المشتري بإبطال يده، وهو غائب، فلا

стр. 957

يجوز، وللمولي أن يضمن البائع قيمة العبد، لأنه باع عبده، وسلّم بغير أمره، فيضمن، بمنزلة ما لو غصب عبدا، وأبق من يده. فإن ادّعى البائع أنّ المالك أمَره بالبيع، وأقام البينة على ذلك، قبلت بينته، لأنها قامت من خصمٍ حاضرٍ على خصم حاضر، وإن لم يكن له بينة، وطلب يمين المولي، يستحلف: بالله ما أمره بالبيع، لأنه ادّعى عليه ما لو أقرّ به يسقط الضمان عنه، فيستحلف لرجاء نكل. فإن نكل، بطل الضمان، لأنه أقرّ بالمسقِط، وإن حلف غرم البائع قيمته، فإن قضى القاضي عليه بالقيمة، أو اصطلحا على ذلك، سلّم المبيع للمشتري، والثمن للبائع؛ لأنه ملكه بأداء الضمان، فنفذ بيعه. فإن قيل: الملك في المضمون يستند إلى وقت وجود سبب الضمان، وسبب وجوب لضمان هو (١) التسليم إلى المشتري، فكان البيع سابقا، [لأنه حكمه] (٢)، فوجب أن لا ينفذ بملك متأخر. قلنا: التسليم بجهة البيع حكم البيع، فما يضاف إليه يضاف إلى سببه، لأنه حكم حكمه. ولو لم يحضر صاحب العبد، حتى مات، فَوَرثه البائع ورجل آخر نصفين، فقالا للمشتري: إنّ صاحب العبد لم يكن أمره بالبيع، وأراد أخذ العبد، لم يلتفت إلى قول

стр. 958

البائع، لما قلنا، ويقبل قول الشريك في نصيبه، لأنه قائم مقام المولي، ولم يسبق منه ما يجعله متناقضا، ويستحلف: بالله ما يعلم أن صاحب العبد أمره بالبيع، لأن المورث لو حضَر، وجحد الوكالة، يستحلف إذا طلب المشتري، فكذلك وارثه، إلا أن الوارث يستحلف على العلم، لأنه يستحلف على فعل الخيّر. فإن نكل انقطعت خصومته، ويثبت الأمر، وإن حلف لا يثبت البيع في نصيبه، فيخيّر المشتري في النصف الآخر لمكان التشقيص. وإن لم يجد المشتري، كان لشريك الوارث تضمين البائع نصف قيمة العبد، لما قلنا. ولو كان باع العبد، والمشتري لا يعلم لمن هو، فلما تمّ البيع بينهما، قال البائع للمشتري: إنه عبد فلان بعته منك بغير أمره، وقال المشتري: لا أدري لمن كان، فإن القاضي لا ينقض البيع بينهما حتى يحضر فلان لما قلنا. فإن حضر المقرّ له، وأراد أن يأخذ العبد، لم يكن له ذلك حتى يقيم البينة، أو يستحلف المشتري، نكل، لأن المشتري يكذّبه، ويدّعي الملك لنفسه، فلا يأخذه إلا بحجة. فإن نكل المشتري عن اليمين، دفع العبد إلى المستحق، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، لأن البائع لما صدّق المستحق، فقد أقرّ على نفسه بالثمن. وإن لم يحضر المقرّ له، ولكنه مات، فورثه البائع، فقال البائع: أنا أقيم البينة على أن العبد كان لفلان، ولم يكن أمَرني بالبيع، وصار لي بحكم الميراث، لا تقبل بينته لما قلنا. فإن كان معه وارث آخر، وأقام البينة على ذلك، قضى له بنصف العبد لما قلنا، ثم يسأل القاضي المشتري: أكان فلان أمر البائع بالبيع؟ فإن قال المشتري: نعم! لم ينقض القاضي البيع في النصف الذي هو نصيب البائع، لأنه يدّعي صحّة العقد في هذا النصف،

стр. 959

وقول البائع في إنكار الأمر غير مسموع، فلا ينقض البيع إلا أن يشاء المشتري الردّ بحكم تفريق الصفقة. فإن قال المشتري: لم يكن العبد لفلان الميت، ولم يكن فلان الميت أمره بالبيع، نقض القاضي البيع في النصف الآخر، طلب المشتري ذلك أو لم يطلب (١)، لأن الملك ثبت للميت في جميع العبد، لما عرف أنّ أحد الورثة خصم عن الميت فيما قضي للميت، وقضى عليه، وبعد ما ثبت الملك للميت لا ينفذ البيع إلا بأمره. فإذا أقرّ المشتري أن البائع لم يكن مأمورا من جهته، فقد تلقى الملك ممن صار مقضيا عليه، فلم يكن لهذا البيع وجه الصحّة، فتعين النقض. ثم استشهد محمد ﵀ بمسائل البيان أنّ من سعى في نقض ما تمّ به، لا يصحّ (٢). منها: أن من باع دارا هو شفيعها، لم يكن له أن يأخذ بالشفعة، لأنه يصير ساعيا في نقض ملك أوجبها (٣) للمشتري، وبمثله لو اشتري دارا هو شفيعها، لم تبطل شفعته، لأنه لا يسعى في نقض ملك أوجبه لنفسه، وكذا الشفيع إذا توكّل بيع الدار باعها (٤)، لا يكون له الشفعة.

стр. 960

والوكيل بالشراء لو كان شفيعا، لا تبطل شفعته، وكذا الشفيع لو وكل البائع بطلب شفعته، وأخذها، لا يصحّ، كيلا (١) يصير ساعيا في نقض ما تم به، وكذا لو أنّ صاحب العبد حضر، وجحد الأمر، ووكل البائع الخصومة والنقض، لا يصحّ، ولا يكون وكيلا، لأنه ساع في نقض ما تمّ به، وجحود المالك في غير مجلس القاضي، وجوده كعدمه. -والله أعلم-

стр. 961

باب من الوصايا التي تبطل ويفسخ فيها البيع والهبة ثم يردّ ذلك إذا خرج للميت مال وما لا يردّ بني الباب على أصول: منها: أن الموصى له بالثلث شريك الوارث، فيجب التسوية بينه وبين الوارث، ولا يسلم له شيء من المال إلا ويسلم للوارث ضعفه، تحقيقا للتسوية. والثاني: أن الدَّين ليس بمالٍ لا يدخل في القسمة، ولا يعدّ من التركة في الحال، وإنما يعتبر مالًا عند الخروج، فكان حاله موقوفا قبل الخروج، فتتوقّف الأحكام المبنية على قلة المال وكثرته، وإذا خرج الدين، يرتفع التوقف لزوال الموجب. والثالث: أنّ القبض بحكم العقد، إذا انتقض قبل خروج الدين، ثم خرج الدين، إن كان عقدا لا يتعلّق تمامه بالقبض في المجلس، يعود البيع، وإن كان عقدا يتعلق تمامه بالقبض في المجلس، لا يعود. والرابع: أنّ المحاباة وصية في ضمن البيع، فإذا بطل البيع بطل ما في ضمنه. ومسائل الباب على قسمين: قسم في العقود، وقسم في الإقالة. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: مريض وهب لرجل عبدا قيمته ثلثمائة درهم، وسلّم العبد إلى الموهوب له، ثم مات، ولا مال له غير العبد، وغير ألف درهم على رجل

стр. 962

إلى سنة، وأبى الورثة الإجازةَ فإن كثروا العبد للموهوب له (١) فإن القاضي ينقض الهبة في ثلثي العبد، ويردّه إلى الورثة؛ لأن تبرع المريض وصية، فتعتبر المساواة بين الورثة وبين (٢) الموصي له، ولا مساواة هنا؛ لأن حق الموصى له في العين، وحق الورثة في الدين، ولا مساواة بين الدين والعين في المالية، لأن العين مال من كلّ وجه، والدين ليس بمال من كلّ وجه، وإنما يصير مالا عند الخروج. ولا ندري أيخرج أو لا يخرج؟ ولهذا لا يجوز أداء زكاة العين من الدين، فيجعل في حق الورثة كأن لا مال له إلا العبد. فإن خرج الدين بعد ذلك، ووصل إلى الورثة، أمرهم القاضي بردّ ثلثي العبد على الموهوب له، وإن خرج بعض الدين، ردّوا بقدر ذلك، لأن الواهب وهب له كلّ العبد. وإنما انقضا (٣) الهبة في الثلثين تحقيقا للمعادلة، فإذا اتسع المحل وجب تنفيذ الهبة في الكلّ، كما لو ظهر له مال آخر، والهبة بعد انتقاضها مما يحتمل العود. ألا ترى إلى ما روى ابن سماعة عن محمد فقال: رجل وهب لرجل في صحّته عبدا قيمته ألف، وقبضه الموهوب له، ثم مرض الموهوب له، فرجع الواهب في هبته بغير قضاء، وأخذ العبد بتسليم الموهوب له، وليس للمريض مال آخر، ثم مات المريض، كان للورثة أن يُبطلوا النقض، ويعيدوا الهبة في ثلثيه.

стр. 963

ولو كان على المريض دَين مستغرق، ينقض النقض في الكلّ، وفيه إعادة الهبة بعد انتقاضها. وان كانت الورثة (١) باعوا ثلثي العبد قبل خروج الدين، ثم خرج الدين لا ينقض بيعهم، لأن القاضي قضي لهم بملك الثلثين ملكا مطلقا للتصرف تحقيقا للمعادلة، ولم يظهر خطأ القاضي في ذلك، ومن باع ملك نفسه ينفذ بيعه، لكن يغرمون القيمة، لأنه لما خرج الدين، وجب عليهم الردّ، وقد تعذّر الردّ، فيغرمون القيمة، كالمشتري شراء فاسدا، إذا باع نفذ بيعه، ويغرم قيمته، كذلك هنا. ولا يقال بأن حق الموهوب له كان في عين العبد، فكيف ينفذ في محل آخر؟ لأنا نقول: هذه هبة، لها حكم الوصية؛ لأن تبرع المريض وصية، ومن أوصى لإنسان بعين، فبيع ذلك في دين الميت، ثم ظهر للميت مال آخر، تنفذ الوصية من ذلك المال، كذلك هنا. مريض اشترى عبدا يساوي مائة درهم بثلثمائة درهم، وتقابضا، وليس له من المال العين غير ذلك، ثم مات، وله على رجل ألف درهم إلى سنة، وأبى الورثة أن يجيزوا للبائع كلّ الثمن، كان لهم ذلك، لأنه حابَى بأكثر من ثلث ماله، لأن ثلث ماله مائة درهم (٢)، وقد حابى بمائتي درهم، والمحاباة تبرع، ولهذا لا يجوز من الأب والوصيّ البيع بغبن فاحش، وتبرّع المريض لا ينفذ فيما زاد على الثلث إلا بإجازة الوارث.

стр. 964

فإن لم يجيزوا، كان لهم ذلك، ويخيّر البائع: إن شاء نقض البيع، وردّ كلّ الثمن، وإن شاء ردّ مائة من الثمن، ولم يأخذ العبد، لأنه أزال العبد عن ملكه بثلاثمائة درهم. فإذا لم يسلم له ذلك، يخيّر، فإن نقض البيع، بطلت وصيته، ولا يعود بعد ذلك، وإن خرج الدين، لأن المحاباة وصية في ضمن البيع، فإذا بطل البيع برضاه، يبطل ما في ضمنه، بخلاف الهبة، لأنها وصية مقصودة، فلا تبطل. وإن لم ينقض البيع، ردّ مائة من الثمن، لأنه إذا ردّ مائة من الثمن (١)، حصل (٢) للورثة مائة درهم، وعبد يساوي مائة درهم، ويسلم للبائع بالمحاباة مائة درهم، فيستقيم الثلث والثلثان. فإن خرج الدين بعد ذلك، ردّوا مائة درهم علي البائع، لأنه حابى بمائتي درهم، إلا أنه تعذّر تنفيذ جميع المحاباة لضيق المحل، فإذا زال المانع، والموجب قائم، وهو البيع، وجب تنفيذها. مريض أسلم إلى رجل ثلاثمائة درهم في كرّ شعير يساوي مائة درهم، ونقَد رأس المال في المجلس، ثم مات، وله على رجل ألف درهم إلى سنة، لا مال له غير ذلك، وأبى الورثة أن يجيزوا للمسلم إليه، كان لهم ذلك، لأنه حابى بأكثر من الثلث، ويخيّر المسلم إليه: إن شاء نقض السلم وردّ رأس المال، وإن شاء لم ينقض، فإن نقض السلم (٣)، بطلت

стр. 965

وصيته، لا تعود بعد ذلك وإن خرج الدين، لما قلنا في [البيع] (١) في الفصل الأوّل. وإن لم ينقض السلَم، أمره القاضي بردّ مائة من رأس المال على الورثة، ويسلم الشعير حالا، لأن المريض تبرّع بمائتي درهم، وبالأجل، فلا ينفذ تبرعه إلا بقدر الثلث، فيردّ مائة درهم من رأس المال، ويسلم الشعير حالا، حتى يحصل للورثة كرّ يساوي مائة درهم، ومائة من رأس المال، فيسلم لهم مائتا درهم. ويسلم للموصى له بالمحاباة مائة درهم، فيستقيم الثلث والثلثان، فإن خرج الدّين بعد ذلك، لا يردّ المائة إلى المسلم إليه، لأن القبض انتقض في المردود بحق سابق على القبض، فيجعل كأن لم يكن، وينتقض السلم في المردود بالافتراق من غير قبض، فلا يعود بخلاف البيع. ولا يقال فيما تقدم: إذا خرج الدين بعد ما نقضت الهبة في الثلثين، تعود الهبة، وإن كان القبض شرطا لصحّة الهبة، وقد انتقض القبض في المردود بحق سابق، لأنا نقول: إنما عادت الهبة، لأن هبة المريض يعطى لها حكم الوصية بعد الموت، والقبض ليس بشرط لصحّة الوصية. فإن قيل: إذا انتقض السلم في مائة من رأس المال، وجب أن يسقط ثلث الكرّ؛ لأنه عقد معاوضة، فإذا انفسخ في أحد البدلين ينفسخ في الآخر. قلنا: إنما نقضنا السلم في مائة من رأس المال تحقيقا للمعادلة، وتحقيق المعادلة في

стр. 966

نقض رأس المال، لا في المسلم إليه، حتى تسلم (١) للورثة كرّ يساوي مائة، ومائة من رأس المال، ويجوز أن تنفسخ المعاوضة في أحد البدلين دون الآخر، كما لو حطّ لفض الثمن، فإنه ينفسخ البيع في المحطوط، ولا ينفسخ في المبيع. ثم استشهد [محمد ﵀ تعالي] (٢) بمسألتي الصرف، لبيان أنّ القبض إذا انتقض بحقٍّ سابقٍ يجعل كأن لم يكن، فقال: لو أنّ مريضا باع مائة درهم بدينار يساوي عشرة دراهم، وتقابضا، ثم مات المريض، وله على رجل ألف درهم إلى سنة لا مال له غيرها، وأبى الورثة أن يجيزوا، كان لهم ذلك، لأنه حابى بأكثر من الثلث، ويخيّر بائع لدينار بين نقض الصرف، وبين الإمضاء، لما قلنا. فإن نقض الصرف، وردّ المائة، بطل حقه في المحاباة، حتى لو خرج الدين، لا يعود لما ذكرنا أنّ حقه كان في ضمن البيع، وقد بطل. وإن اختار إمضاء الصرف، أمسك من الدراهم مقدار قيمة الدينار، وهو عشرة دراهم، لأنه لا محاباة في هذا القدر، ويمسك ثلث الباقي أيضا، وهو ثلاثة وثلاثون وثلث درهم، لأن تبرعه بقدر الثلث لا يتوقف على إجازة الوارث، ويردّ الباقي، وهو ستة وخمسون وثلثا درهم، حتى يسلم للورثة دينار يساوي عشرة دراهم، وستة وخمسون وثلثا درهم، فيكون جملة ذلك ستة وستون وثلثا درهم (٣)، ويسلم لبائع الدينار من

стр. 967

المحاباة ثلاثة وثلاثون وثلث درهم، فيستقيم الثلث والثلثان. فإن خرج الدين بعد ذلك، لا سبيل له على ما ردّ، لأن الصرف انتقض في المردود، فلا يعود بعد ذلك. وأما المسألة الثانية من الاستشهاد: رجلان تصارفا دينارا بعشرة دراهم، وتقابضا، وافترقا، ثم وجد بعض الدراهم زُيوفا أو بنهرَجة، وردّها، ولم يستبدل مكانها حتى افترقا، بطل الصرف، ولا يعود بعد ذلك أبدا، لأنه لما ردّها، انتقض القبض من الأصل، وصار كأن لم يكن، كذلك السلم. أما فصل الإقالة: رجل أسلم إلى رجل في صحّته عشرين درهمًا، في كرّ حنطة يساوي ستين درهما، ودفع رأس المال، ولم يقبض الكرّ، ثم مرض رب السلم، وأقال السلم في مرضه، ثم مات، وله على رجل ألف درهم إلى سنة، وأبت الورثة أن يجيزوا، كان لهم ذلك، لأن الإقالة عقد مبتدأ في حق غير العاقدين، فيجعل في حق الورثة كأنه باع كرًّا يساوي ستين بعشرين درهما (١)، فلا تنفذ المحاباة فيما زاد على ثلث ماله، فيجيز القاضي الإقالة في نصف الكرّ دون النصف. فرّق بين هذا وبين ما تقدم، فيما تقدم: يخيّر البائع بين النقض والإمضاء، ولم يخيّر بين نقض الإقالة وإمضاءها، لأن إقالة السلم مما لا يحتمل الفسخ.

стр. 968

ألا تري أنهما لو تفاسخا الإقالة، لا تفسخ، ولا تنفسخ الإقالة بهلاك رأس المال بعد الإقالة قبل القبض. وكذا لو اختلفا في رأس المال بعد الإقالة، كان القول قول المسلم إليه مع يمينه، ولا يتحالفان؛ لأن فائدة التحالف الفسخ، وإقالة السلم لا تحتمل الفسخ، لأن إقالة السلم (١) إسقاط للدين، والساقط لا يحتمل العود (٢)، فلهذا لم يخيّر بين فسخ الإقالة وإمضاءها، وأجاز الإقالة في النصف، لأنه لابد من المعادلة بين الورثة وبين (٣) صاحب التبرع، ولا يمكن المعادلة بينهما بوجوب شيء آخر على الورثة، لأن الإقالة إنما تكون بالثمن الأوّل لا بمال آخر، فتعين هذا الوجه. ولا يقال: [في هذا نقض الإقالة في النصف] (٤)، وإقالة السلم مما لا يحتمل النقض.

стр. 969

لأنا نقول: تصرفات المريض على نوعين، منها ما يحتمل النقض بعد النفاذ، ومنها ما لا يحتمل، فما يحتمل النقض بعد النفاذ، ينفذ للحال دفعا لحاجته، ثم ينقض إذا مسّت الحاجة إلى النقض لدفع الضرر عن الورثة، وما لا يحتمل النقض بعد النفاذ يتوقّف، لأنه لا وجه لإلغاء تصرفه، ولا وجه إلى التنفيذ، لأنه لو نفذ لا يمكن نقضه بعد ذلك، فيتضرّر به الورثة، فيتوقف. وإقالة السلم مما لا يحتمل النقض بعد النفاذ، فينفذ فيما هو فارغ عن حق الورثة، ويتوقّف في الباقي، والفارغ عن حق الورثة هنا هو (١) النصف، [فينفذ فيه لا غير] (٢). ولمعرفة ذلك طريقان: أحدهما من طريق الفقه، والآخر (٣) من طريق الحساب. أما طريق الفقه أن نقول: بأن ثلث ماله مثل نصف المحاباة، ولو كان ثلث ماله مثل جميع المحاباة أربعون، تجوز الإقالة في الكلّ، فإذا كان مثل نصف المحاباة، نفذ في النصف. وبيانه: أنا إذا نفذنا الإقالة في النصف بنصف رأس المال، يبقى للورثة نصف كرّ يساوي ثلاثين، ونصف رأس المال، وهو عشرة دراهم، فيسلم لهم أربعون درهما، ويسلم للمسلم إليه نصف كرّ يساوي ثلاثين بنصف رأس المال، وهو عشرة دراهم، فيسلم له بطريق المحاباة عشرون درهما، نصف ما يسلم للورثة، فيستقيم الثلث والثلثان.

стр. 970

وتخريجه بطريق الجبر (١) والمقابلة أن نقول: جوّزنا الإقالة في شيء من الكرّ، بقي كرّ الأشياء، وكلّ ما جازت الإقالة فيه جازت بثلثيه، لأن قيمة الكرّ ستون، وثمنه عشرون مثل ثلثه، فكان ثمن كلّ جزء من الكرّ مثل ثلث ذلك الجزء، فضمّ ثمن ما جازت الإقالة فيه، وهو ثلث الشيء إلى الكرّ، فيصير كرًّا إلا ثلثا شيء، وإنه يعدل شيئًا وثلث شيء، لأنه لما سلم للموصى له ثلثا شيء، وجب أن يكون للورثة ضعف ذلك، وهو شيء وثلث شيء، إلا أنّ الكرّ ناقص بثلثي شيء، فأجبَره بثلثي شيء. وإذا زدت في الكرّ ثلثي شيء، زد فيما يعدله ثلثي شيء، فصار الكرّ التام يعدل شيئين، وقد نفذنا الإقالة في شيء، وشيء من شيئين نصفه، فعلمتَ أنّ الإقالة نفذت في نصف الكرّ، وقيمته ثلاثون بمثل ثلث هذا القدر، وذلك عشرة (٢)، ويبقي للورثة نصفَ الكرّ، وهو ثلاثون، وعشرة نصف رأس المال، فحصل لهم أربعون، وللموصى له بالمحاباة عشرون، فيستقيم الثلث والثلثان. فإن خرج الدين بعد ذلك، أمر الوارث بردّ نصف الكرّ إلى المسلم إليه، وأخذ نصف رأس المال منه، لأن المريض أقال السلم في الكلّ، وتعذّر تنفيذها في الكلّ لضيق المحل، فنفذت الإقالة في النصف، وتوقّفت في النصف إلى أن يخرج الدين. أكثر ما في الباب: أنّ القبض انتقض في النصف، إلا أنّ القبض ليس بشرط لصحّة الإقالة.

стр. 971

ألا تري أنه لو مات بعد الإقالة قبل قبض رأس المال لا تبطل الإقالة، بخلاف لصرف والسلم، فإن كان الوارث استهلك ذلك النصف أو باعه، أو هلك في يده قبل خروج الدين، كان عليه ضمانه، لأن الموجب للردّ قائم، وعجز عن التسليم، فكان عليه ضمانه. رجل باع كرًّا من تمر فارسى يساوي ستين درهما في مرضه، بكرّ من دَقَل (١) يساوي عشرين درهما (٢)، وتقابضا، ثم مات المريض، وله على رجل ألف درهم إلى سنة، لا مال له غير ذلك، وأبَت الورثة أن يجيزوا له الكرّ، كان لهم (٣) ذلك، لأنه حابى بأكثر من الثلث، ويخيّر بائع الدّقل: إن شاء نقض البيع، وردّ الفارسي، لأنه رضي بزوال الدقل عن ملكه بشرط أن يسلم له الفارسي. فإذا لم يسلم له، والبيع مما يحتمل الفسخ، كان له أن يفسخ، كما لو وجد بالمبيع عيبا، بخلاف إقالة السلم، لأنها لا تحتمل الفسخ، وإذا فسخ بطل حقه، لا يعود بعد ذلك، وإن خرج الدين، لأن وصيته كانت في ضمن البيع. فإذا بطل البيع بطل ما في ضمنه. وإن أبي أن ينقض البيع، فإنّ القاضي يجيز البيع في نصف الفارسي بنصف الدّقل، ويردّ النصف من الفارسي على الورثة، لأنه لا وجه لدفع الضرر عن الورثة، بأن يزاد على الدقل عشرون درهما، لأنه يصير مشتريا كرًّا فارسيا بكرّ دقل وعشرين درهما، وإنه ربا.

стр. 972

ولا وجه بأن يردّ على الورثة ثلثَ الفارسي، لأنه يصير بائعا كرًّا دقلا بثلثي كرّ فارسيّ، وإنه ربا، فتعيّن لدفع الضرر هذا الوجه، وهو أن يجوز البيع في نصف الفارسي بنصف الدقل، لأنه حابى بأربعين، وثلث ماله عشرون نصف المحاباة، ولو كانت المحاباة مثل الثلث يجوز في الكلّ، فإذا كان من (١) نصف المحاباة، يجوز في النصف، ويبطل في النصف، فيسلم للورثة نصف الفارسي، وقيمته ثلاثون، ونصف الدقل، وقيمته عشرة، فيسلم لهم أربعون درهما، ويسلم لبائع الدقل نصف الفارسي، وقيمته ثلاثون، بنصف الدقل وقيمته عشرة، فيسلم له بطريق المحاباة عشرون، فيستقيم الثلث والثلثان. فإن خرج الدين بعد ذلك، يردّ على بائع الدّقل النصف الباقي من الفارسي، ويؤخذ منه نصف الدقل، لأن المريض حابى له بأربعين، إلا أنه تعذّر تنفيذ الوصية في الكلّ لضيق المحل، فإذا خرج الدين وجب تنفيذ الوصية في الكلّ. أكثر ما في الباب أنّ القبض انتقض في نصف الفارسي من الأصل، إلا أن التقابض في بيع الطعام بالطعام (٢) عندنا ليس بشرط، فلا يمنع تنفيذ البيع في الكلّ، فصار هذا والهبة سواء، إلا أنّ هنا إذا هلك البدل والمبدل في يد من كان في يده، أو استهلكه، لا يضمن شيئًا، وفي فصل (٣) الهبة يضمن، لأن هبة المريض (٤) وصية بالعين، وفي الوصية بالعين إذا فات محل الوصية إلى بدل، يجب تنفيذها في البدل.

стр. 973

وفي الوصية بالبيع إذا فات محل الوصية، تبطل الوصية، ألا تري أنه لو (١) أوصى بعبد لإنسان، أو وهب له في مرضه، فقتل العبد خطأ، كانت القيمة للموصى له. ولو أوصى ببيع عبده من إنسان، ثم قتل العبد خطأ، تبطل الوصية، ولا تقام القيمة مقام العبد في حق البيع، فلهذا افترقا. رجل اشتري عبدا يساوي تسع مائة درهم بمائة درهم، وتقابضا، ثم (٢) مرض المشتري، وأقال البيع في مرضه، ثم مات، وله ألف [درهم] (٣) على رجل إلى سنة لا مال له غيره، وأبت الورثة أن يجيزوا الإقالة، كان لهم ذلك، لأن الإقالة في حق الورثة بمنزلة البيع المبتدأ [في حقهم] (٤)، فلا يملك المحاباة إلا قدر الثلث. ويخيّر بائع العبد: إن شاء نقض الإقالة، وردّ العبد على الورثة بمائة درهم، ولا شيء له بعد ذلك، خرج الدين أو لم يخرج، لما قلنا. وإن شاء لم ينقض، فإن أبي أن ينقض الإقالة، فإن القاضي يجيز الإقالة في ثلاثة أثمان العبد، ويردّ خمسة أثمانه على الورثة، لأن دفع الضرر عن الورثة واجب، ولا وجه لدفع الضرر بإزالة المحاباة، وإيجاب شيء على البائع، لأن الإقالة إنما تكون بالثمن الأوّل، فعند الزيادة في البدل، تخرج من أن تكون إقالة، فتعين هذا الطريق.

стр. 974

ووجهه أن نقول: بأنه حابى بثمانمائة، وثلث ماله ثلاثمائة، فثلث ماله مثل ثلاثة أثمان المحاباة، فإذا كان مثل ثلاثة أثمان المحاباة، ينفذ ثلاثة أثمان المحاباة، وإذا نفذت ثلاثة أثمان المحاباة، نفذت الإقالة في ثلاثة أثمان العبد، وقيمته ثلثمائة وسبعة وثلاثون ونصف، لأن قيمة العبد تسعمائة، فثلاثة أثمانه يكون (١) ثلاثمائة وسبعة وثلاثون ونصف بثلاثة أثمان الثمن، والثمن مائة درهم، فثلاثة أثمانه يكون سبعة وثلاثين ونصفا. يردّ هذا القدر من الثمن على الورثة، وتأخذ الورثة من العبد خمسة أثمانه، وقيمته خمسمائة واثنان وستون ونصف، وقد أخذوا من الثمن سبعة وثلاثين ونصفا، فحصل لهم ستمائة، وحصل للبائع ثلاثة أثمان العبد، وذلك ثلاثمائة وسبعة وثلاثون ونصف بسبعة وثلاثين ونصف درهم، وحصل له من المحاباة ثلثمائة، فيستقيم الثلث والثلثان. وتخريجه بطريق الجبر والمقابلة أن نقول: نفذنا الإقالة في شيء، فبقي عبد إلا شيء، وما جازت الإقالة فيه جازت بتسعة، لأن الثمن مثل تسع العبد، فيضمّ تسع شيء إلى العبد، فصار في يد الورثة عبد إلا ثمانية أتساع شيء، وإنه يعدل شيئًا وسبعة أتساع شئ، لأن الوصية لما كانت في ثمانية أتساع العبد (٢)، كان للورثة ضعف ذلك، وهو شيء وسبعة أتساع شيء، إلا أنّ العبد ناقص بثمانية أتساع شيء، فأجبره بأن يزيد عليه ثمانية أتساع شيء. وإذا زدتَ في العبد ثمانية أتساع شيء، زد فيما يعدله، وهو شيء وسبعة أتساع

стр. 975

شيء، ثمانية أتساع شيء، فصار العبد الكامل يعدل شيئين وسبعة أتساع شيء، وهو من حيث الأجزاء أربعة وعشرون، كلّ شيء تسعة. وإذا صار العبد أربعة وعشرين، فنقول: نفذنا الإقالة في شيء من العبد، وهو تسعة من أربعة وعشرين، وتسعة من أربعة وعشرين ثلاثة أثمانه، كلّ ثمن ثلاثة، فبقي في يد الورثة من العبد خمسة عشر، وهو خمسة أثمانه، كلّ ثمن ثلاثة، وسلم لهم أيضا بدل ما جازت الإقالة فيه، وهو سهم واحد، لأنا نفذنا الإقالة في تسعة من أربعة وعشرين، بمثل تسعة، وذلك سهم واحد، فصار جميع ما سلم للورثة ستة عشر، وللبائع تسعة، سهم واحد ببدل، وثمانية بطريق المحاباة بغير بدل، فاستقام الثلث والثلثان. فإن خرج الدين، أمر الورثة بردّ كلّ العبد إلى البائع، لأنه إنما لا يسلم كلّ العبد للموصى له لدفع الضرر، فإذا خرج الدين، اندفع الضرر عنهم بزوال المانع، فأمروا بردّ ما كان في أيديهم إن كان قائما، وإن هلك في أيديهم، أو استهلكوه ببيع أو غيره، لم يضمنوا شيئًا، لأن سبب حق البائع الإقالة، والإقالة تبطل بهلاك العوض قبل التسليم، فتبطل وصيته، بخلاف الإقالة في الصرف والسلم، لأنها لا تحتمل الفسخ على ما قلنا. فإن باع بعض الورثة نصيبَه دون البعض، ردّ عليه ما بقى، اعتبارا للبعض بالكلّ، ويرجع الوارث [الذي] (١) ردّ نصيبه من العبد في مال الميت الذي خرج حتى يساوي الورثة، لأن نصيبه قد استحق عليه، فيرجع بذلك في التركة، لأن الاستحقاق على بعض

стр. 976

الورثة استحقاق على الكل (١). ثم (٢) استشهد [محمد ﵀] (٣) بمسألة الصرف فقال: مريض باع إناء من فضة وزنه عشرون، وقيمته لصياغته ستون، باعه بعشرين درهما، وتقابضا، ثم مات، وله على رجل ألف درهم لا مال له غيره، وأبت الورثة أن يجيزوا، كان لهم ذلك، لأنه حابى بأكثر من الثلث، ويخيّر المشتري، إن شاء نقض البيع، وإن شاء أمضاه في البعض، فإن نقض، بطل حقه، (٤) لا يعود حقه بعد ذلك، وإن خرج الدين، لما عرف غير مرة. وإن لم ينقض البيع، جعل له القاضي نصف الإناء بنصف الثمن، وردّ نصف الإناء مع نصف الثمن على الوارث، حتى يصير في يد الورثة نصف إناء، قيمته ثلاثون وعشرة دراهم، فيكون أربعين. وهذه المسألة، وما تقدم من بيع التمر الفارسي بالدقل سواء إلا فى خصلة: وهو أن ما يردّه القاضي فى الحال على الورثة يبطل فيه البيع، ولا يعود، وإن خرج الدين لانتقاض القبض المردود من الأصل، بخلاف بيع الكرّ؛ لأن التقابض فيه ليس بشرط. -والله أعلم-

стр. 977

باب ما يساوم به الرجل أو يشتري أو يشهد به فيقضي بشهادته أو لا يقضي ثم ادّعاه لنفسه أو لغيره في الباب فصلان: فصل في المساومة، وفصل في الشراء وما يجري مجراه. وبنى الباب على أصلين: أحدهما: أنّ الاستيام (١)، والشراء، وما يجري مجراه من أسباب الملك إقرارٌ بأن لا ملك له قطعا، وإقرارٌ بملك الآخر ظاهرا، لأن الظاهر: مباشرة التصرف بجهة الأصالة، وحكم الملك، لا بجهة النيابة. وإقرارٌ بصحّة التصرف، لأن إقدام العاقل على التصرف طلب لحكمه المتعلق به، فيكون طلبا للصحّة والجواز، والظاهر يصلح حجةً للدفع دون الاستحقاق (٢).

стр. 978

والثاني: أنّ التناقض يمنع صحّة الدعوى (١)، وسعي الإنسان في نقض ما تمّ به بمنزلة التناقض. والثالث: أنّ الإقرار إذا ثبت في ضمن البيع، يبطل إذا بطل البيع، لأنه تَبع للبيع. [إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀] (٢): رجل اشتري طَيلَسانا (٣) بثمن، وتقابضا، ثم ادّعى أن الطيلسان كان لأبيه يوم اشترى، مات أبوه أمس، وتركه ميراثا، ولا وارث له غيره، وأراد أن يرجع بالثمن على بائعه، لا تُسمع دعواه، ولا تقل بينته، لأن الإقدام على الشراء إقرار بملك البائع ظاهرا، والظاهر يصلح حجة للدفع. فإن كان الأب حيا، فأقام البينة أن الطيلسان له، تُسمع دعواه، ويقضي له به، لأنه لم يسبق منه ما يجعله مناقضا. فإذا قضي القاضي له، واسترد الطيلسان (٤)، رجع المشتري

стр. 979

بالثمن على بائعه، لأن المبيع استحق على [يد] (١) المشتري بما هو حجة على البائع، فيرجع عليه بالثمن. فإن مات الأب، فورث الابن الطيلسان، سلم له، ولم يكن للبائع سبيل في استرداد الثمن وغيره، لأن المشتري وإن أقرّ بصحّة الشراء، إلا أنّ الفاضي لما قضى عليه، فقد كذّبه فيما أقرّ، فالتحق إقراره بالعدم. وكذا لو قضى القاضي بالطيلسان للأب، فمات الأب قبل أن يقبضه، وقبل أن يرجع المشتري بالثمن؛ لأن القضاء قد تمّ فبطل البيع، ويرجع المشتري بالثمن على بائعه. وإن مات الأب بعد ما أقام البينة قبل أن يقضي القاضي له، فورثه المشتري، ولا وارث له غيره، بطلت تلك البينة؛ لأن قيام الخصومة شرط لصحّة القضاء، فإذا مات الأب، والمشتري لا يتمكن من طلب القضاء لمكان التناقض، تبطل البينة ضرورةً. فإن كان للأب ابن آخر، فهو على حججه، لأنه لم يسبق منه ما يجعله متناقضا، فكان له أن يطلب القضاء، إلا أن القاضي يقضي له بحصته، وهو النصف، لأنه لو قضى بجميعه، يقع القضاء للوارث من كل وجه (٢)، ولهذا لا تسمع خصومة الابن المشتري، فلو قضينا بكلّه بخصومة هذا الابن، فجعلناه خصما عن المشتري، والمشتري لو خاصَم بنفسه لا يصحّ، فيمتنع القضاء.

стр. 980

وإذا قضى القاضي بحصته من الثمن (١)، يخيّر المشتري: إن شاء ردّ الباقي، وسقط عنه كلّ الثمن، وإن شاء أمسك النصف، ويلزمه نصف الثمن. ولو كان المشتري أقرّ أنّ الطيلسان للبائع، ثم اشتراه منه، ثم إن والد المشتري أقام البينة أن الطيلسان له، فقضى له القاضي، فإن المشتري يرجع بالثمن على بائعه على ما عرف من حكم استحقاق المبيع. فإن مات الأب بعد ذلك، وورث الابن الطيلسان، فهو على وجوه ثلاثة: إما أن مات قبل أن يرجع المشتري بالثمن على بائعه، أو بعد ما رجع بالقضاء، أو بالتراضي. ففي الوجه الأوّل: يسلم الطيلسان للمشتري، وسلّم (٢) الثمن للبائع، لا يرجع عليه المشتري، لأن المشتري لما أقرّ بالملك للبائع صريحا، فقد أقرّ أنّ والده كان مبطلا في الدعوى، وشهوده شهدوا بالباطل، وأن المبيع سلّم له من جهة البائع بخلاف الفصل الأوّل، لأن ثمة ما أقرّ له بالملك صريحا، وإنما أقرّ في ضمن البيع، وبقضاء القاضي بطل البيع، فيبطل ما كان في ضمنه. وإن كان المشتري رجع بالثمن على بائعه بالقضاء، ثم مات والده، كان البائع بالخيار: إن شاء استرد الثمن من المشتري، وترك الطيلسان عليه، وإن شاء أخذ الطيلسان [منه] (٣)، ولم يستردّ الثمن، لأن المشتري حين رجع بالثمن على بائعه، فقد فسخ العقد،

стр. 981

والبائع لم يرض بفسخه، لكن القاضي ألزمه بالشهادة الباطلة، فتوقف ذلك على إجازته، فإن شاء رضي به (١)، واسترد المبيع، وإن شاء أبطل ذلك الفسخ، واسترد الثمن، وهذا قول محمد. أما على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف آخرا: نفذ قضاءه ظاهرا وباطنا، وانفسخ البيع بينهما، فلا يخيّر البائع علي هذا الوجه، وله أن يأخذ الطيلسان من المشتري. وإن كان المشتري رجع على بائعه بالثمن من غير قضاء، وأخذ الثمن بالتراضي، ثم مات والده، كان للبائع أن يأخذ الطيلسان من المشتري، وليس له أن يستردّ الثمن، لأنهما فسخا العقد بالتراضي، فانفسخ ظاهرا وباطنا، فيسلم الثمن للمشتري، ويردّ الطيلسان على البائع بحكم الإقرار. هذا هو فصل الشراء. وأما فصل المساومة: رجل في يده طيلسان، فقال له رجل: بعني هذا الطيلسان، فلم يتفق بينهما بيع، أو جرى بينهما بيع بشرط الخيار لأحدهما، ثم أقام المشتري البينةَ أن الطيلسان كان لأبيه يوم ساومه، وأن أباه مات أمس، وتركه ميراثا، لم تُسمع دعواه، ولا تقبل بينته، لما ذكرنا أن المساومة والشراء إقرار بأن لا ملك له، وإقرار بملك البائع من حيث الظاهر، والظاهر يصلح حجّة للدفع، فيصير دافعا لدعوى المدعي، ولو ادّعى والده تُسمع دعواه لعدم المناقضة. فإن قضى القاضي لوالده، ثم مات الوالد، وورثه الإبن المشتري، لا سبيل عليه

стр. 982

للذي (١) كان في يده، لما قلنا إن المساوسةَ إقرار من حيث الظاهر، إلا أن الظاهر لا يصلح حجةً للاستحقاق. وروى هشام عن محمد: أنّ من ساوم رجلا بشئ، ثم اشترى ذلك الشئ من آخر، وقبضه، فللأوّل أن يأخذه منه؛ لأن المساومة إقرار له بالملك. والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية أنه إقرار من حيث الظاهر، فلا يصلح حجة للاستحقاق. ولو قال عند المساومة: هذا الطيلسان لوالدي، وقد وكّلكَ ببيعه، فبعه مني، فلم يتفق بينهما بيع، ثم أقام المساوِم البينةَ أنّ الطيلسان كان لأبيه يوم المساومة، مات أبوه أمس، وتركه ميراثا له، قبلت بينته، لأنه ليس بمتناقض. ألا ترى أنه لو اشتراه، ونقد ثمنه، ثم أقام البينة أنه كان لأبيه يوم اشتراه، وأنه كان وكّله ببيعه، فصحّ بيعه مني، ثم مات أبي وثمنه لي، سمعت (٢) دعواه، وقبلت بينته، لأنه ليس بمتناقض، بل هو ساع في تقرير ما تمّ، لأنه ادّعى ملك الثمن بسبب جديد. وكذلك: رجل ادّعى طيلسانا في يد رجل أنه اشتراه من الذى في يده بمائة درهم، وأقام بذلك شاهدين، فشهدا أنّ الذي في يدَيه باعه من هذا المدّعي بمائة درهم، وقالا: لا ندري أهو للبائع؟ أو لم يذكرا هذه الزيادة، فقضى القاضي بذلك أو لم يقض، حتى ادّعى الشاهدان أنّ الطيلسان كان لأبيهما يوم شهدا، ثم مات أبوهما أمس، وتركه ميراثا

стр. 983

لهما، لا تسمع دعواهما؛ لأن شهادتهما بالبيع إقرار بملك البائع، وإقرار على أنّ البائع كان بسبيل من البيع، فكانا متناقضين في دعواهما. فإن قيل: كيف يقضي القاضي بهذه الشهادة وقد قالا: لا ندري أهو للبائع أم لا؟ قلنا: لما شهدا بالبيع، فقد شهدا ببيع صحيح من حيث الظاهر، وبما هو سبب الملك للمشتري، فجاز القضاء بها. فإن استحقه رجل آخر، ثم وصل إلى الشاهدين بسبب من الأسباب، لم يكن للبائع ولا للمشتري سبيل عليهما، لأنهما شهدا بالبيع نصا، وما صرّحا بالملك للبائع والمشتري، فلو ثبت ذلك إنما يثبت في ضمن البيع. فإذا بطل البيع بقضاء القاضي للمستحق، بطل ما في ضمنه، ولما ذكرنا أن الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق. ولو بيّنا للقاضي يوم شهدا أن الطيلسان لنا، أو لأبينا، أو لفلان، وقد باعه هذا الذي في يده من هذا المدّعي، جاز القضاء لأن الشهادة بالملك المطلق تنصرف إلى الصّحيح. وقولهما: "هو لنا"، كلام منفصل عن الشهادة غير محتاج إليه، لا يثبت بمجرد دعواهما، فلا يمنع قبول الشهادة، فإن أقاما بعد ذلك بينة (١) أنه لهما، أو لأبيهما، أو لفلان، وقد وكّلهما فلان بالخصومة، صحّ، لأنهما ادّعيا شيئًا قد ادّعياه أوّلا عند الشهادة، فانعدم التناقض. ولو لم يشهدا بشيء عند القاضي، ولكنهما قالا للقاضي أوّلا: إن فلانا باع هذا الطيلسان من فلان، ثم ادّعياه لأنفسهما، أو ميراثا عن أبيهما، صحّ، لأن مجرد القول

стр. 984

لا على وجه الشهادة لا يكون حجة ولا طلبا للحكم، ليكون دليلا على صحّة البيع، ضرورة أن القاضي يقضي ببيع صحيح، بل يكون تسكينا، فلا تثبت المناقضة، والشهادة بالهبة المقبوضة، والصدقة، والنكاح عليه بمنزلة الشهادة بالبيع، لأنها من أسباب الملك. وكذا لو شهدا بإجارة دارٍ لرجل، ثم ادّعيا لأنفسهما، وأقاما البينة، لم تقبل بينتهما، ذكرا عند الدعوى أنهما وكّلاه بالإجارة، أو لم يذكرا ذلك، إذا لم يقيما البينة على التوكيل. أما إذا لم يذكرا ذلك، فلأنهما شهدا بعقد موجب للتسليم، فصار كما لو شهدا بالبيع. وأما إذا ذكرا أنهما وكّلاه بالإجارة، فلأنهما إذا لم يقيما البينة على التوكيل، لم يثبت التوكيل، بقيت إجارة مطلقة، فتنصرف إلى الإجارة بحكم الملك. فإذا ادّعيا الدار بعد ذلك كانا متناقضين. وكذا لو ادّعيا أنها كانت لأبيهما يوم الإجارة، وذكرا أنّ الآجر أجّرها بوكالة أبيهما، أو لم يذكرا هذه الزيادة، ثم مات أبوهما، وتركها ميراثا لهما، ولم يقيما البينة على التوكيل، لا تُسمع (١) دعواهما، ولا تقبل بينتهما على الميراث. وكذا لو ادّعيا لغيرهما بوكالة ذلك الغير، لا تصحّ، لأن التناقض كما يمنع الدعوى لنفسه يمنع الدعوى لغيره بطريق الوكالة، سواء ذكر أن فلانا وكل بالإجارة أو لم يذكرا ذلك، لما قلنا.

стр. 985

قال (١): فلو قضى القاضي بالإجارة بشهادتهما، ثم ادّعيا أن الدار لهما، وأنهما وكّلا الآجر بإجارتها، وأقاما البينة على ذلك كلّه، وعلى إقرار المؤاجر بالوكالة لهما، قبلت بينتهما؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت عيانا، ولو عاينّا إقرار المؤاجر بذلك، يرتفع التناقض، فكذا إذا ثبت بالبينة، وكذا في البيع إذا أقاما البينة على إقرار البائع أنه كان وكيلهما في البيع (٢)، قُبلت، وكان الثمن لهما. وإذا سمع دعواهما، وقبلت البينة بعد ذلك، ينظر: إن كان البائع والآجر ادّعيا العقد، والمشتري والمستأجر ينكران ذلك، حتى شهدا به، وقضى القاضي بذلك، ثم أقاما البينة أن ذلك لهما أو لأبيهما، وأنهما وكّلا البائع أو الآجر، يُقبل ذلك منهما، لأنهما شهدا بصحّة البيع والإجارة، ودعواهما الوكالة يقرر ذلك. وإذا سمع (٣) دعواهما عند دعوى الوكالة، ظهر أنّ شهادتهما بالبيع والإجارة كانت باطلة، لأنهما شهدا لأنفسهما أو لأبيهما على المشتري أو المستأجر، فتبطل الإجارة والبيع، إن أراد المستأجر أو المشتري (٤) ذلك، لأن قضاء القاضي قد بطل، بقي إقرار الشاهدين بالإجارة أو البيع، فإن شاء المستأجر أو المشتري صدّقهما، وإن شاء كذّبهما.
следующие страницы →