← Адаб

Адаб · id 9427

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء

المرزباني

Полный текст (568 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحيوان غير الناطق؛ وعلى «٢٧» هذا فمن يتوحّش داخل فى الأنام أيضا. وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما فى الآخر فمثل قول أبى عدى القرشى «٢٨» : غير ما أن أكون نلت نوالا ... من نداها عفوا ولا مهنيّا فالعفو قد يكون مهنيّا. والمهنىّ قد يجوز أن يكون عفوا. وقد ضحك من أنوك «٢٩» سأل مرة، فقال: علقمة بن عبدة جاهلى أو من بنى تميم؟ فلأنّ الجاهلىّ قد يكون من بنى تميم ومن بنى عامر؛ والتميمى يكون جاهيّا وإسلاميا- ما عيب وضحك به. ومن ذلك قول عبد الله بن سليم الغامدى «٣٠» : فهبطت غيثا «٣١» ما تفزّع وحشه ... من بين سرب ناوى وكنوس ناوى: سمين؛ يقال: نوا أى سمن. والسمين يجوز أن يكون كانسا «٣٢» أو راتعا، والكانس يجوز أن يكون سمينا أو هزيلا. وأما القسم التى يترك بعضها مما لا يحتمل تركه، فمثل قول جرير فى بنى حنيفة «٣٣» : صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها وبلغنى «٣٥» أنّ هذا الشعر أنشد فى مجلس، ورجل من بنى حنيفة حاضر فيه، فقيل له: من أيّهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره.

стр. 107

قال: ومن عيوب المعانى فساد المقابلات؛ وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر، إمّا على جهة الموافقة أو المخالفة، فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر ولا يوافقه «٣٦» ؛ مثال ذلك قول أبى عدىّ القرشى «٣٧» : يابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدّنيا وغيث الجنود فليس قوله [٣٨] : «غيث الجنود» موافقا لقوله: «زين الدنيا» ولا مضادّا، وذلك عيب. ومنه قول هذا الرجل أيضا فى مثل ذلك «٣٨» : رحماء بذى «٣٩» الصلاح وضرّا ... بون قدما لهامة الصّنديد فليس للصنديد فيما تقدم ضدّ ولا مثل، ولعلّه لو كان مكان قوله الصنديد الشّرير كان «٤٠» ذلك جيدا، لقوله: ذو الصلاح. وللعدول عن هذا العيب غيّر الرواة قول امرئ القيس «٤١» : فلو أنها نفس تموت سويّة «٤٢» ... ولكنها نفس تساقط أنفسا «٤٣» فأبدلوا مكان سوية جميعة «٤٤» ، لأنها- فى مقابلة تساقط أنفسا- أليق من سوّية.

стр. 108

[من عيوب ائتلاف اللفظ والوزن] «٤٥» قال: ومن عيوب الشعر التفصيل، وهو ألا ينتظم للشاعر نسق الكلام على ما ينبغى لمكان العروض، فيقدّم ويؤخر؛ كما قال دريد بن الصمّة «٤٦» : وبلّغ نميرا إن عرضت ابن عامر ... فأىّ أخ فى النائبات وطالب «٤٧» ففرق بين نمير وابن عامر بقوله: إن عرضت. وكما قال أبو عدىّ القرشى «٤٨» : خير راعى رعيّة سرّه الل ... هـ هشام وخير مأوى طريد وكما قال الآخر: لعمر أبيها لا تقول حليلتى ... ألا فرّعنّى مالك بن أبى كعب [من عيوب ائتلاف المعنى والوزن معا] «٤٩» قال: ومن عيوب الشعر «المقلوب» ، وهو أن يضطر الوزن الشعرى إلى إحالة المعنى فيقلبه الشاعر إلى خلاف ما قصد به، مثال ذلك لعروة بن الوود «٥٠» :

стр. 109

فلو أنى شهدت أبا معاذ ... غداة غدا بمهجته يفوق فديت بنفسه نفسى ومالى ... وما آلوك إلّا ما أطيق أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسى، فقلب المعنى. وللحطيئة «٥١» : فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أثبت الحبل حافره «٥٢» أراد الحبل حافره، فانقلب المعنى. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ومثله للمجنون «٥٣» : يضمّ إلىّ الليل أطفال حبّكم ... كما ضمّ أزرار القميص البنائق أراد كما ضم البنائق أزرار القميص. قال: ومنها «المبتور» ، وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه فى بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتممه فى البيت الثانى؛ مثل ذلك قول عروة بن الورد «٥٤» : فلو كاليوم كان علىّ أمرى ... ومن لك بالتدبّر فى الأمور فهذا البيت ليس قائما بنفسه فى المعنى، ولكنه أتى فى البيت الثانى بتمامه، فقال: إذا لملكت عصمة أمّ وهب ... على ما كان من حسك الصّدور «٥٥»

стр. 110

[التشبيهات البعيدة- الغلو «٥٦» ] : قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٥٧» : من التشبيهات البعيدة التى لم يلطف أصحابها فيها، ولم يخرج كلامهم فى العبارة سلسا سهلا قول النابغة الذبيانى «٥٨» : تخدى «٥٩» بهم أدم كأنّ رحالها ... علق أريق «٦٠» على متون صوار «٦١» وقول زهير بن أبى سلمى «٦٢» : فزلّ عنها ووافى رأس مرقبة ... كمنصب العتردمّى رأسه النّسك ٦» وقول خفاف بن ندبة «٦٤» : أبقى لها التّعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتّان والعتدات: القوائم. أراد أنّ قوائمها دقّت حتّى عادت كأنها الخيوط، وأراد ضلوعها، فقال: متونها.

стр. 111

وقول بشر بن أبى خازم «٦٥» : وجرّ الرامسات بها ذيولا ... كأنّ شمالها بعد الدّبور «٦٦» رماد بين أظآر ثلاث ... كما وشم النواشر بالنّئور «٦٧» فشبه الشمال والدبور بالرماد. وقال أوس بن حجر «٦٨» : كأنّ هرّا جنيبا عند غرضتها «٦٩» ... والتفّ ديك برجليها وخنزير وقول لبيد بن ربيعة «٧٠» : فخمة ذفراء ترتى بالعرى ... قردمانيّا وتركا كالبصل «٧١» [٣٩] هاتان كلمتان بالفارسية، قد أعربتا. «قردمانيّا» ، أى عمل قديما فبقى «٧٢» . والترك «٧٣» : البيضة. وقال النابغة الذبيانى «٧٤» :

стр. 112

كأنّ حجاج «٧٥» مقلتها قليب ... من الشّيقين «٧٦» حلّق مستقاها الشّيقين: موضع، وحلّق: غار، ومستقاها: ماؤها. والحجاج لا يغور، لأنه العظم الذى ينبت عليه شعر الحاجب. وقول ساعدة بن جؤيّة «٧٨» : كساها رطيب الريش فاعتدلت له ... قداح كأعناق الظباء زفازف «٧٩» شبه السهام بأعناق «٨٠» الظباء، ولو وصفها بالدقة كان أولى. [من الأبيات التى قصر فيها أصحابها] : قال «٨١» : ومن الأبيات التى قصّر فيها أصحابها عن الغايات التى أجروا إليها ولم يسدّوا الخلل الواقع فيها معنى ولا لفظا قول امرئ القيس «٨٢» : فللسّوط ألهوب وللساق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «٨٣» فقيل له: إنّ فرسا يحتاج إلى أن يستعان عليه بهذه الأشياء لغير جواد. وقول المسيّب بن علس «٨٤» : وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعرية مكدم

стр. 113

فسمعه طرفة، فقال: استنوق الجمل. والصيعرية: من سمات النوق. وقول الشماخ «٨٥» : فنعم المعتزى «٨٦» رحلت إليه ... رحى حيزومها كرحى الطّحين وإنما توصف النجائب بصغر الكركرة ولطف الخفّ. وقوله «٨٧» : وأعددت للساقين والرّجل والنّسا ... لجاما وسرجا فوق أعوج مختال وإنما يلجم الشّدقان لا الساقان. وقول الأعشى «٨٨» : وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم «٨٩» بأجود منه بما عونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم يمدح ملكا ويذكر أنه يجود بالماعون. وقوله «٩٠» : شتّان ما يومى على كورها ... ويوم حيّان أخى جابر وكان حيان أشهر وأعلى ذكرا من جابر، فأضافه إليه اضطرارا. وقول عدى «٩١» : ولقد عدّيت دوسرة ... كعلاة القين مذكارا «٩٢»

стр. 114

والمذكار: التى تلد الذكران، والمئناث عندهم أحمد؛ وأراد مذكّرة فلم يتفق له. وقول الشماخ «٩٣» : بانت سعاد ففى «٩٤» العينين ملمول ... وكان فى «٩٥» قصر من عهدها طول كان ينبغى أن يقول: وكان فى طول عهدها قصر، أو يقول: فصار فى قصر عهدها طول. وقول أبى دواد الإيادى «٩٦» : لو أنها بذلت لذى سقم ... مره «٩٧» الفؤاد مشارف القبض أنس «٩٨» الحديث لظلّ مكتئبا ... حرّان من وجد بها مضّ لو قال: إنه كان يذهب سقمه كان أبلغ لنعتها. وقول أبى ذؤيب «٩٩» : ولا يهنىء الواشين أن قد «١٠٠» هجرتها ... وأظلم دونى ليلها ونهارها كان ينبغى أن يقول: وأظلم دونها ليلى ونهارى. وقوله «١٠١» : عصانى إليها القلب «١٠٢» إنى لأمره ... سميع فما أدرى أرشد طلابها كان يحتاج أن يقول أغىّ أم رشد، فنقص العبارة.

стр. 115

وقول ساعدة بن جؤيّة «١٠٣» : فلو نبّأتك الأرض أو لو سمعته ... لأيقنت أنى كدت بعدك أكمد لو قال: إنى بعدك كمد كان أبلغ من قوله: كدت أكمد. وقول ابن أحمر «١٠٤» : غادرنى سهمه أعشى وغادره ... سيف ابن أحمر يشكو الرأس والكبرا أراد غادرنى سهمه أعور، فلم يمكنه، فقال: أعشى. وقول طرفة «١٠٥» : كأنّ جناحى مضرحىّ تكنّفا ... حفافيه شكّا فى العسيب بمسرد «١٠٦» وإنما توصف النجائب برقّة شعر الذنب وخفّته، وجعله هذا كثيفا طويلا عريضا. وقول امرئ القيس «١٠٧» : وأركب فى الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر شبه ناصيتها بسعف النخلة، وإذا غطّى الشعر العين لم يكن كريما. وقول الحطيئة «١٠٨» : ومن يطلب مساعى آل لأى ... تصعّده الأمور إلى علاها كان ينبغى أن يقول: من طلب مساعيهم [٤٠] عجز عنها وقصّر عن بلوغها، فأما إذا ساوى بهم غيرهم فأىّ فضل لهم.

стр. 116

وقوله «١٠٩» : صفوف «١١٠» وما ذىّ الحديد عليهم ... وبيض كأولاد النعام كثيف «١١١» شبّه البيض بأولاد النعام، أراد بيض النعام. وقول لبيد «١١٢» : ولقد أعوص «١١٣» بالخصم وقد ... أملأ الجفنة من شحم القلل أراد السنام، ولا يسمى شحما. وقوله «١١٤» : لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامى وزحل وليس للفيّال مثل أيد «١١٥» الفيل فيذكره. وقول النابغة الذبيانى «١١٦» : ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت ... حرب يوائل منها كل تنبال التنبال القصير؛ فإن كان كذلك فكيف صار القصير أولى بطلب الموئل من الطويل، وإن جعل التنبال الجبان فهو أعيب، لأنّ الجبان خائف وجل اشتدّت به الحرب أم سكنت. وقول طرفة: من الزّمرات أسبل قادماها ... وضرّتها مركّنة درور «١١٧» لا يكون القادمان إلا لما له آخران، وتلك الناقة لها أربعة أخلاف.

стр. 117

ومثل قول امرئ القيس «١١٨» : إذا مشّت قوادمها أرنّت ... كأنّ الحىّ بينهم «١١٩» نعىّ وقول المسيّب بن علس «١٢٠» : فتسلّ حاجتها إذا هى أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع «١٢١» وكأن قنطرة بموضع كورها ... ملساء بين غوامض الأنساع «١٢٢» وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... نبض الفرائص مجفر الأضلاع «١٢٣» فكيف تكون خميصة وقد شبهها بالقنطرة؟ لا تكون إلا عظيمة. وقال: مجفر الأضلاع. فكل هذا ينقض ما ذكره من الخمص. وقول الحطيئة «١٢٤» : حرج يلاوذ بالكناس كأنه ... متطوّف حتى الصباح يدور حتّى إذا ما الصبح شقّ عموده ... وعلاه أسطع لا يردّ منير وحصا «١٢٥» الكثيب بصفحتيه كأنه ... خبث «١٢٦» الحديد أطارهنّ الكير زعم أنه لم يزل يطوف حتى أصبح، وأشرف على الكثيب:؛ فمن أين صار الحصا بصفحتيه؟

стр. 118

[من الأبيات المستكرهة الألفاظ القلقة القوافى] : قال «١٢٧» : ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، القلقة القوافى، الرديئة النسج، فليست تسلم من عيب يلحقها فى حشوها أو قوافيها أو ألفاظها ومعانيها- قول أبى العيال الهذلى «١٢٨» : ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرأس والوصب «١٢٩» فذكر الرأس مع الصداع فضل. وكقول أوس «١٣٠» : وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا فقوله «المال» مع «مقلّ» فضل. وكقول عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الخزرجى «١٣١» : قيدت وقد لان هاديها وحاركها ... والقلب منها مطار القلب محذور «١٣٢» وقول الأعشى «١٣٣» : فرميت غفلة قلبه «١٣٤» عن شاته ... فأصبت حبّة قلبه وطحالها وقوله «١٣٥» :

стр. 119

استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولّى الملامة الرّجلا أراد الإنسان. وقول الحطيئة «١٣٦» : قروا جارك العيمان لمّا جفوته «١٣٧» ... وقلّص عن برد الشراب مشافره «١٣٨» أراد شفتيه. وقول الآخر: الحطيئة «١٣٩» : ألا حبّذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد فذكر البعد مع ذكر النأى فضل. وقول الآخر «١٤٠» : فما برح الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر يريد بساق وقدم. وقول حسان «١٤١» : وتكلّفى اليوم الطويل وقد ... صرّت جنادبه من الظّهر «١٤٢» أراد بالظهر حر الظهيرة. وقول المتلمس «١٤٣» [٤١] : لن «١٤٤» تسلكى سبل الموماة منجدة ... ما عاش عمرو وما عمّرت قابوس أراد ما عاش عمرو وما عمر قابوس.

стр. 120

وقوله «١٤٥» : من القاصرات سجوف الحجا ... ل لم تر شمسا ولا زمهريرا أراد لم ترشمسا ولا قمرا، ولم يصبها حرّ ولا برد «١٤٦» وقول علقمة بن عبدة «١٤٧» : كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهنّ دبيب وقوله «١٤٨» : يحملن أترجّة نضخ العبير بها ... كأن تطيابها فى الأنف مشموم «١٤٩» وقول عامر بن الطفيل «١٥٠» : تناولته فاحتلّ سيفى ذبابه ... شراسيفه العليا وجذّ المعاصما «١٥١» وقول خفاف بن ندبة «١٥٢» : إن تعرضى وتضنّى بالنوال لنا ... فواصلنّ «١٥٣» إذا واصلت أمثالى وقول علقمة بن عبدة «١٥٤» : طحابك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب

стр. 121

[الشعر البعيد الغلق:] قال «١٥٥» : ومن الحكايات الغلقة والإشارات البعيدة قول المثقب فى صفة ناقته «١٥٦» : تقول وقد «١٥٧» درأت لها وضينى ... أهذا ذينه أبدا ودينى أكلّ الدهر حلّ وارتحال ... أما يبقى علىّ ولا يقينى فهذه الحكاية عن ناقته من المجاز المباعد للحقيقة، وإنما أراد الشاعر أن الناقة لو تكلمت لأعربت عن شكواها بمثل هذا القول. والذى يقارب الحقيقة قول عنترة فى وصف فرسه ١٥» : فازورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم «١٥٩» لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو عرف «١٦٠» الجواب مكلمى وكقول بشار «١٦١» : غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه «١٦٢» ومن الإيماء المشكل الذى لا يفهم وقد أفرط قائله فى حكايته «١٦٣» : أومت بكفّيها من الهودج ... لولاك «١٦٤» هذا العام لم أحجج أنت إلى مكة أخرجتنى ... حبّا ولولا أنت لم أخرج

стр. 122

فهذا الكلام كلّه ليس مما يدلّ عليه إيماء ولا تعبر عنه إشارة «١٦٥» . [من ضرورات الشعر:] «١٦٦» ١- حدثنى العروضى قال: اعلم أن ما لا ينصرف يجوز صرفه فى الشعر، لأنه يردّ إلى أصله؛ نحو قوله: لم تتلفّع بفضل مئزرها ... دعد ولم تغذ دعد بالعلب فصرف وترك الصرف فى بيت واحد. ٢- وأما ترك صرف ما ينصرف فهو غير جائز، لأنه يخرج الشىء عن أصله؛ وقد أجازه الأخفش، وأنشد قول العباس بن مرداس السلمى «١٦٧» : فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع فترك صرف مرداس، وهو اسم منصرف؛ وهذا قبيح لا يجوز ولا يقاس عليه لأنه لحن. ٣- ومثله فى المعنى قصر الممدود؛ يجوز فى الشعر؛ ولا يجوز أن يمد المقصور، لأنه خروج عن الأصل، وقصر الممدود هو ردّ الشىء إلى أصله. قال الشاعر: بكت عينى وحقّ لها بكاها ... وما يغنى البكاء ولا العويل فقصر البكاء ومدّه فى بيت واحد. ٤- وأما مدّ المقصور فقد أنشدوا «١٦٨» : سيغنينى الذى أغناك عنى ... فلا فقر يدوم ولا غناء والوجه الأجود فى هذا أن يكون أوله مفتوحا، لأن معنى الغنى والغناء واحد. والشاعر إذا اضطر إلى مدّ المقصور غيّر أوله ووجّهه إلى ما يجوز، قال «١٦٩» :

стр. 123

والمرء يبليه بلاء السربال ... كرّ الليالى وانتقال الأحوال «١٧٠» فلما فتح الباء من البلى ساغ المدّ [٤٢] . ومثل هذا كثير. وقال آخر «١٧١» - ومد الزنا: أبا حاضر من يزن يظهر زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا ٥- ومما جاء فى الشعر من الاجتزاء بالضمة من الواو- فى مثل كأنّه وله وبيناه- قول الشاعر «١٧٢» : له زجل كأنه «١٧٣» صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير وقول الآخر «١٧٤» : فبيناه يشرى رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب «١٧٥» وقوله: فما له «١٧٦» من مجد تليد وماله ... من الريح فضل لا الجنوب ولا الصبا

стр. 124

٦- قال: ومما حذف منه بعض الكلمة فى البيت قوله: وطرت يمنصلى فى يعملات ... دوامى الأيد يخبطن السّريحا فأسقط الياء من الأيدى؛ كقوله: كنواح ريش حمامة نجديّة ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد فأسقط الياء من نواحى. قال: وقد أسقط الشاعر ما هو ألزم وأثبت فى بابه؛ من هذا نحو قول النجاشى «١٧٧» : فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولك اسقنى إن كان ماوك ذا فضل «١٧٨» فحذف النون من «لكن» . وقال الآخر «١٧٩» : دار لسعدى إذه «١٨٠» من هواكا فحذف الياء من هى. ٧- وقد جاء فى الشعر تسكين الحروف التى عليها «١٨١» الضمّات والكسرات، نحو عضد وفخذ، فقيل عضد وفخذ، وفى كبد كبد، وفى علم علم، وفى كرم كرم، وفى رجل رجل، وفى ضرب ضرب، وفى عصر عصر. قال الشاعر: لو عصر منها البان والمسك انعصر وفى مثل انطلق انطلق: تسكن اللام، وتحرك القاف بالفتح. قال الشاعر:

стр. 125

ألا ربّ مولود وليس له أب ... وذوى ولد لم يلده أبوان فحرك الدال بالفتح لما أسكن اللام. وأما قول الشاعر: قواطنا مكة من ورق الحمى فإنه أراد «الحمام» فحذف الألف، فبقى «الحمم» ، فاجتمع حرفان من جنس واحد، فأبدل الميم الثانية ياء، كما قالوا: «تظنّيت» ، فأبدلوا الياء من النون، ولا يجوز أن نقول- على هذا: الحمى فى الحمار، ولا ما أشبه هذا، لأن هذا شاذ لا يقاس عليه. ٨- وقد ضاعف الشاعر ما لا يجوز أن يضاعف فى الكلام. قال قعنب «١٨٢» . مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... أنى أجود لأقوام وإن ضننوا «١٨٣» وقال الآخر «١٨٤» : الحمد لله العلىّ الأجلل «١٨٥» وإنما الكلام «ضنوا» و «العلى الأجل» ؛ فضاعف الشاعر. ٩- وقد يردّ الشاعر الإعراب إلى أصله فى مثل قاض، فيقول قاضى وقاضى غير مهموز، وكذلك جوارى وغوانى. فقال «١٨٦» : لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب وقول الآخر «١٨٧» : ما إن رأيت ولا أرى فى مدّتى ... كجوارى يلعبن فى الصحراء

стр. 126

وقال الآخر: الفرزدق «١٨٨» : فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا وقد قال الشاعر- فى مثل لم يغز ولم يرم: لم يغزو ولم يرمى، كأنه أسكن الواو والياء بعد وجوب الحركة لهما، فقال «١٨٩» : ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد «١٩٠» كان أصله يأتيك فحذف الضمة. ١٠- وقد ألحق الشاعر نون الجميع مع الاسم المضمر فى مثل الضاربونه، وكذلك الخائفونه والآمرونه، فقال «١٩١» : هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر مفظعا ١١- وقد حذف الشاعر التنوين من الأسماء المنصرفة لالتقاء الساكنين، فقال: وحاتم الطّائىّ وهّاب المئى وقال أبو الأسود الدؤلى «١٩٢» : وألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا فحذف التنوين فى حاتم وذاكر، لأنه أراد أن يحرك لالتقاء [٤٣] الساكنين فحذف. ١٢- وقد حذف الشاعر الإعراب، وليس بالحسن. أنشد سيبويه «١٩٣» : فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل يريد أشرب، فحذف الضمة؛ والرواية: فاليوم فاشرب.

стр. 127

١٣- وقد قطع الشاعر ألف الوصل وليس بالحسن. قال جميل «١٩٤» : ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر منى ومن جمل فقطع ألف اثنين، وهى ألف الوصل. ١٤- ومما حذف إعرابه قوله: إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدّوّ أمثال السّفين العوّم وقد جاء فى الشعر مكان مساجد مساجيد، ومكان دراهم دراهيم. قال الشاعر «١٩٥» : تنفى يداها الحصا فى كلّ هاجرة ... نفى الدراهيم تنقاد الصيارف «١٩٦» ١٥- وقد جاء فى مثل المفتاح المفتح، وفى مثل التأميل التأمال، وفى مثل الكلكل الكلكال، قال الشاعر: أقول إذ خرّت على الكلكال ... يا ناقتى ما جلت من مجال ١٦- ومما جاء فى القوافى من الحذف قوله «١٩٧» : وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل يريد ابن المعلّى، فحذف. ومما جاء فى تخفيف المشدّد قوله: دعوت قومى ودعوت معشرى ... حتّى إذا ما لم أجد غير الشر كنت امرءا من مالك بن جعفر

стр. 128

فحذف الياء «١٩٨» من الشر. وقال العباس: «السّرى» بالسين: اسم رجل، وإنما حذف إحدى الياءين. ١٨- وقد وضع قوم الكلام فى غير موضعه، فقدموا وأخروا، نحو قوله: صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم يريد: وقلما يدوم وصال. وقال الآخر «١٩٩» : إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل يريد من يتكل عليه؛ فقدم وأخر. وقال الفرزدق «٢٠٠» : وما مثله فى الناس إلا مملّكا «٢٠١» ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه وإنما أراد: وما مثله فى الناس حىّ يقاربه إلا مملّك أبو أمه أبوه، فتعسّف هذا التعسف الشديد، ووضع أشياء فى غير مواضعها «٢٠٢» ؛ وإنما مدح بهذا الشعر خال هشام، فقال: ما فى الناس حىّ يقارب خال هشام إلا هشام الذى أبو أمه أبوه، يعنى أن جدّ هشام لأمه هو أبو هذا الممدوح. وإنما زدنا فى شرحه ليفهم. وهذا قبيح جدّا، وإنما نصب مملكا لأنه استثناء مقدم، كما قال: «مالى إلا أباك صديق» ، إذا أردت مالى صديق إلا أبوك.

стр. 129

١٩- وقد صغّر الشاعر؛ فقال امرؤ القيس «٢٠٣» : ضليع إذا استدبرته سّد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل وقال زهير «٢٠٤» : فأمّا فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها خلاء «٢٠٥» وقال الأعشى «٢٠٦» : أبلغ يزيد بنى شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفكّ تأتكل «٢٠٧» وقال أبو زبيد الطائى: يابن أمى ويا شقيّق نفسى ... أنت خلّيتنى لأمر شديد ٢٠- وقد جاء فى غد غدو، نحو قول الشاعر: وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع وجاء فى موضع ليتنى ليتى؛ قال الشاعر «٢٠٨» : كمنية جابر إذ قال ليتى ... أصادفه وأفقد بعض «٢٠٩» مالى «٢١٠» ٢١- وجاء فى «انعم صباحا:» عم صباحا، قال الشاعر «٢١١» :

стр. 130

أتوا نارى فقلت منون أنتم «٢١٢» ... فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما «٢١٣» ٢٢- وقد رخّم الشاعر فى النداء، فقال: يامرو إنّ مطيتى محبوسة ... ترجو الحياء وربّها لم ييأس يريد يامروان. وقال آخر: فقلتم تعال يا يزى بن مخرّم ... فقلت لكم: إنى حليف صداء يريد: يا يزيد، فرخّم. وأما فى غير النداء [٤٤] فقول امرئ القيس «٢١٤» : لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر «٢١٥» يريد مالك «٢١٦» ، فرخّم فى غير موضع النداء. ٢٣- وقد أبدل الشاعر مكان الحرف المتحرك حرفا لا تجرى فيه الحركة؛ نحو قوله «٢١٧» : لها أشارير من لحم تتمّره ... من الثّعالى ووخز من أرانيها «٢١٨»

стр. 131

يريد الثعالب وأرانبها، فأبدل الياء من الباء. ومثله قوله «٢١٩» : ومنهل ليس به حوازق ... ولضفادى جمّه نقانق ٢٢» يريد الضفادع «٢٢١» .

стр. 132

[ثانيا] : الشعراء الإسلاميون ١- الفرزدق [١] حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١» ، قال: أخبرنى يونس أنّ عبد الله بن أبى إسحاق قال: للفرزدق فى مدحه يزيد بن عبد الملك «٢» : مستقبلين شمال الشام تضربهم «٣» ... بحاصب كنديف القطن منثور على عمائمنا تلقى «٤» وأرحلنا ... على زواحف تزجى مخّهارير «٥» فقال له ابن أبى إسحاق: أسأت، إنما هو «رير» ، وكذلك قياس النحو فى هذا الموضع. قال يونس: والذى قال جائز حسن. فلما ألحّوا على الفرزدق قال: على زواحف نزجيها محاسير

стр. 133

قال الفضل: قال التّوزى: يقال: رير ورار، وهو المخ الرقيق، وكيح «٦» الجبل وكاح الجبل: أسفله، وقيد رمح وقاد رمح. قال: ثم ترك الناس هذا ورجعوا إلى القول الأول. وكان يكثر الرّد على الفرزدق، فقال فيه الفرزدق «٧» : فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا ردّ الياء إلى الأصل، وهى أبيات، ولكن هذا البيت تركه «٨» ساكنا. وهو مولى آل الحضرمىّ «٩» ، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف. والحليف عند العرب مولى، من ذلك قول الراعى يريد غنيّا «١٠» : جزى الله مولانا غنيّا ملامة ... شرار موالى عامر فى العزائم وقال الأخطل «١١» : أنشتم قوما أثّلوك «١٢» بنهشل ... ولولا هم كنتم كعكل مواليا يعنى حلف الرّباب لسعد، وإنما قالها لجرم «١٣» . وقال الكلبى- يحضّض عذرة على فزارة «١٤» : وأشجع، إن لاقيتموهم، فإنهم ... لذبيان مولى فى الحروب وناصر وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: قال الفرزدق فى سليمان بن عبد الملك: مستقبلين شمال الشام تضربنا.....

стр. 134

وذكر البيتين. فقال له عبد الله بن أبى إسحاق الحضرمىّ: أقويت. فغيّره الفرزدق، وقال: على زواحف نزجيها محاسير وهجا عبد الله بن أبى إسحاق، فقال «١٥» : فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا قال الصولى: أجرى «١٦» هذه الياء أعنى «مولى مواليا» ؛ وليس بالوجه. وقد قال غيره مثل هذا ونحوه. وابن أبى إسحاق مولى الحضارمة. قال: وبلغ الفرزدق أنّ الناس يقولون: قد أقوى الفرزدق، ولم يبلغه بعد أن قائله ابن أبى إسحاق، قال: فما بال هذا الذى يجرّ خصييه فى المسجد- يعنى ابن أبى إسحاق- لا يجعل له بحيلته وجها؟ وأخبرنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، عن يحيى بن على، عن الأطروش بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن إسحاق، قال: قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك: مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور على عمائمنا تلقى وأرحلنا ... على حراجف تزجى مخّهارير [٤٥] قال: فقال أبو عبيدة: فعاب هذا البيت عليه- يعنى قوله: «مخّهارير» - عنبسة بن معدان؛ وهو معدان الفيل فقيل عنبسة الفيل- فقال: ما يدريك يابن النبطية؟ ثم دخل قلبه منه شىء فغيّره؛ فقال: على حراجف نزجيها محاسير فلقيه عبد الله بن أبى إسحاق وقد نجم تلك الأيام، واشتغل عنبسة؛ فقال: عيب عليك بيتك؛ وقد قال الأعشى «١٧» :

стр. 135

كلّ ملثّ صوبه ماطر «١٨» فقال: قد والله علمت ذاك، ولكن ابن النبطية شكّكنى، فعاد إلى قوله الأول؛ وكان عنبسة يعين على الفرزدق، ويروى عليه؛ فهجاه الفرزدق. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١٩» ، عن يونس، قال: قال ابن أبى إسحاق فى بيت الفرزدق «٢٠» : وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحتا أو مجلّف «٢١» ويروى «مجرّف» . وللرفع وجه. وقال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف له وجها. وكان يونس لا يعرف له وجها. قلت له: لعل الفرزدق قالها على النّصب ولم يأبه. قال: لا، كان ينشدها على الرفع، وأنشدنيها رؤبة بن العجاج على الرفع. وتقول العرب، سحتّه وأسحتّه نقرؤهما «٢٢» جميعا فى القرآن، فمن قال «٢٣» : «فيسحتكم بعذاب» فهو من أسحت وهو مسحت، وهى التى قال الفرزدق. ومن قال: فيسحتكم- فهى من سحت فهو مسحوت. قال ابن «٢٤» سلام: فأخبرنى الحارث البنانى أخو أبى الجحّاف أنه سمع الفرزدق ينشد «٢٥» : فياعجبا حتى كليب تسبّنى ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع «٢٦» كأنه جعله غاية فخفض.

стр. 136

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو ذكوان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النّحوى، قال: حدثنى الفرّاء، قال: أخبرنا أبو جعفر الرّؤاسى، قال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء، قال: أنشد الفرزدق قصيدته «٢٧» . عزفت بأعشاش وما كدت تعزف فمرّ فيها: وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلّف فقال ابن أبى سحاق: على أى شىء رفعت مجلفا؟ قال: على ما يسوءك. قال أبو عمرو: فقلت له: أصبت؛ هو جائز على المعنى على أنه لم يبق سواه. وكان أبو عمرو ممن حسّن الله علمه وفهمه. قال الفراء: مسحتا مستأصلا، من قول الله : فيسحتكم بعذاب؛ أى يستأصلكم، إلا أنه فى القرآن من سحت، وجاء به الفرزدق من أسحت. أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد يقع الإيماء إلى الشىء فيغنى عند ذوى الألباب عن كشفه، كما قيل «لمحة دالّة» ، وقد يضطر الشاعر المفلق، والخطيب المصقع، والكاتب البليغ؛ فيقع فى كلام أحدهم المعنى المستغلق، واللفظ المستكره، فإذا انعطفت عليه جنبتا الكلام غطّتا على عواره، وسترنا من شينه، وإن شاء قائل أن يقول: الكلام القبيح فى الكلام الحسن أظهر، ومجاورته له أشهر- كان له ذلك، ولكن يغتفر السّيئ للحسن، والبعيد للقريب، فممّا وقع كالإيماء قول الفرزدق «٢٨» : ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل فتأويل هذا أنّ بيت جرير فى العرب كالبيت الواهى الضعيف- وقوله: وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد قول الله «٢٩» : «وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت» .

стр. 137

ومن كلامه المستحسن قوله لجرير «٣٠» : فهل ضربة الرّومىّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم [٤٦] ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعانى قوله «٣١» : وما مثله فى الناس إلا مملّكا «٣٢» ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه «٣٣» مدح بهذا الشعر إبراهيم بن إسماعيل بن هشام المخزومى، وهو خال هشام بن عبد الملك فقال: «وما مثله فى الناس إلا مملكا،- يعنى بالمملك هشاما، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان الكلام على وجهه لكان قبيحا، وكان يكون إذا وضع الكلام فى موضعه: وما مثله فى الناس حىّ يقاربه إلّا مملّك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح؛ فدلّ على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجّنه بما أوقع من التقديم والتأخير، حتى كأنّ هذا الشّعر لم يجتمع فى صدر رجل مع قوله «٣٤» : تصرّم عنى «٣٥» ودّ بكر بن وائل ... وما كاد «٣٦» منى ودّهم يتصرّم «٣٧» قوارص تأتينى ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «٣٨» وكأنه لم يقع هذا الكلام لمن يقول «٣٩» : والشّيب ينهض فى الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار

стр. 138

فهذا أوضح معنى، وأعذب لفظ، وأقرب مأخذ. كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: للفرزدق فى شعره افتخار بعيد المعنى لا وجه له، من ذلك قوله «٤٠» : أبا ابن خندف والحامى حقيقتها ... قد جعلوا فى يدىّ الشمس «٤١» والقمرا ومنها «٤٢» : أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها «٤٣» والنجوم طوالع «٤٤» ومنها: إنّ السماء التى من دارم خلقت ... والأرض كانا لنا عزّا ومفتخرا ومنها «٤٥» : ولو أنّ أمّ الناس حواء حاربت ... تميم «٤٦» بن مرّ لم تجد من يجيرها فينبغى أن يكون جرير حين سئل عن شعره فقال: كذّاب، إنما عنى هذا من شعره وأشباهه. وقد قال ما يعلم أنه كذب «٤٧» : أبت عامر أن يأخذوا من أسيركم «٤٨» ... مئين من الأسرى لهم عند دارم يعنى بالأسير حاجب بن زرارة، أسره بنو عامر يوم جبلة ولم تأسر بنو دارم يومئذ منهم أحدا، وقد زعم أنهم مئون.

стр. 139

قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: كان الفرزدق- وهو فحل شعراء الإسلام يأتى بالإحالة، وينظم فى شعره أهجن كلام؛ فمن ذلك قوله لإبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى خال هشام بن عبد الملك، وقد أراد أن يذكر فى شعره خئوله الخليفة، ورحمه به الماسّة، ويمدحه بذلك، فقال «٤٩» : وما مثله فى الناس إلّا مملّكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه فأتعب أهل اللغة والنحو بشرحه، منهم سيبويه فمن بعده، ولم يبلغوا منه ما يقنع ويرضى. ومن قوله المذموم المستقبح «٥٠» : إنّ السماء التى من دارم خلقت ... والأرض كانا لنا دون الأعزّاء ومن ذلك قوله: ولو أنّ أمّ الناس حوّاء حاربت ... تميم بن مرّ لم تجد من يجيرها أخبرنى محمد بن يحيى، قال: مما يعاب على الفرزدق قوله فى الغزل «٥١» : يا أخت ناجية بن سلمة إننى ... اخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى فلعمرى إنه خلاف الغزل وما قال الحّذاق؛ فإنّ قتيل الهوى عندهم لا يودى ولا يطلب بدمه. روى عبد الله بن جعفر، عن سلمان، عن الرياشى؛ عن الأصمعى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كنا عند بلال بن أبى بردة، فأنشد الفرزدق «٥٢» (٤٧) : تريك نجوم الليل «٥٣» والشمس حيّة ... زحام بنات الحارث بن عباد

стр. 140

فقال عنبسة بن معدان: الزحام مذكر. فقال الفرزدق: اغرب. قال عبد الله، فالزحام له وجهان أن يكون مصدرا مثل الطعان والقتال؛ من قولهم: زاحمته زحاما؛ لهذا مذكر- كما قال عنبسة، أو يكون جمعا للزحمة يراد بها الجماعة المزدحمة، فهذا مؤنث؛ لأن الزحام هو المزاحمة، كما أن الطعان هو المطاعنة، وقول عنبسة أقوى وأعرف فى الكلام. أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الطّيّب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعى يقول: لا أحبّ قول الفرزدق فى الطعن «٥٤» : فيها تعلّ صدورهن وتنهل ويقول: أحسن الطّعان الخلاس، والخلاج، والدّراك، كما قال الجعدى «٥٥» : أمام لواء كظلّ العقا ... ب من يأته يلق طعنا خلاسا وكما قال امرؤ القيس «٥٦» : نطعنهم سلكى ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل «٥٧» أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال الفرزدق فى يزيد بن المهلّب «٥٨» : وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار «٥٩»

стр. 141

قال: وفى هذا البيت شىء يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان على فاعل نعتا «فواعل» ؛ لئلا يلتبس بالمؤنث؛ لا يقولون ضارب وضوارب، وقاتل وقواتل؛ لأنهم يقولون فى جمع ضاربة ضوارب وقاتلة قواتل، ولم يأت ذا إلّا فى حرفين؛ أحدهما قولهم فى جمع فارس فوارس؛ لأن هذا مما لا يستعمل فى النساء، فأمنوا الالتباس. ويقول فى المثل: «هو هالك فى الهوالك» ؛ فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال، لأنه مثل؛ فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله، فقال: نواكس الأبصار، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا فى ضرورة. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر. وأما جرير فما علمته سرق إلّا نصف بيت؛ قال: ولا أدرى؛ ولعله وافق شىء شيئا. قلت: وما هو؟ فقال: هجاء، ولم يخبرنا به. قال أبو حاتم: وقد رأيته أنا بعد فى شعره، والبيت «٦٠» : يقصّر باع العاملىّ عن العلا ... ولكنّ أير العاملىّ طويل قال ابن دريد: وهذا البيت لغيره وهو قديم. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى: وهذا تحامل شديد من الأصمعى وتقوّل على الفرزدق لهجائه باهلة، ولسنا نشكّ أنّ الفرزدق قد أغار على بعض الشعراء فى أبيات معروفة، فأما أن نطلق أنّ تسعة أعشار شعره سرقة فهذا محال، وعلى أنّ جريرا قد سرق كثيرا من معانى الفرزدق، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار الفرزدق. وقال أحمد بن أبى طاهر: كان الفرزدق يصلت «٦١» على الشعراء ينتحل أشعارهم، ثم يهجو من ذكر أنّ شيئا انتحله أو ادّعاه لغيره، وكان يقول: ضوالّ الشعر أحبّ إلى من ضوالّ الإبل، وخير السرقة ما لم تقطع فيه اليد. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: قال الفرزدق لامرأته النّوار: كيف شعرى من شعر جرير؟ قالت: قد شركك فى حلوه، وغلبك على مرّه.

стр. 142

وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال الفرزدق لامرأته النوار [٤٨] : أنا أشعر أم ابن المراغة «٦٢» ؟ فقالت: غلبك على حلوه، وشركك فى مره. وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبى الذيال، عن ابن الأعرابى، قال: قالت النوار امرأة الفرزدق للفرزدق- وسمعته يعيب شعر جرير، فقالت: هو والله أشعر منك. قال: وكيف علمت ذلك؟ قالت: غلبك على حلوه وشركك فى مرّه. قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: ولا يقبل قول النّوار على الفرزدق لمنافرتها إياه. أخبرنا أبن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول الفقيمى، قال: بينا أنا بكاظمة وذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها «٦٣» : أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى «٦٤» من الغمد إذا راكبان قد تدلّيا من نعف كاظمة متقنّعان، فوقفا يسمعان؛ فلما فرغ ذو الرّمة حسر الفرزدق عن وجهه وقال: يا عبيد، اضممها إليك- يعنى راويته- وهو عبيد أحد بنى ربيعة بن حنظلة. فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس، انتحل ما شئت غيرها، فانتحل أربعة أبيات: أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى من الغمد ومدّت بضبعىّ «٦٥» الرّباب ومالك ... وعمرو، وشالت «٦٦» من ورائى بنو سعد

стр. 143

ومن آل يربوع زهاء كأنّه ... دجى الليل محمود النّكاية والورد «٦٧» وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه «٦٨» ... ضربناه فوق الأنثيين «٦٩» على الكرد الكرد: العنق. حدثنيه إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٧٠» ، قال: أخبرنى أبو يحيى الضبى، قال: قال ذو الرمة يوما: لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا، وإن لها لمردا «٧١» ، ومعنى بعيدا. فقال له الفرزدق: ما قلت؟ قال: قلت: أحين أعاذت بى تميم نساءها وذكره والبيتين اللذين بعده، فقال له الفرزدق: لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك. قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلّا لك. فهى فى قصيدة الفرزدق التى يقول فيها «٧٢» : وكنّا إذا القيسىّ نبّ «٧٣» عتوده ... ضربناه فوق «٧٤» الأنثيين على الكرد الأنثيين يريد الأذنين. والكرد: العنق «٧٥» . وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال قال أبو عبيدة: مرّ ذو الرمة فاستوقفه أصحابه فوقف ينشدهم قصيدته التى يقول فيها:

стр. 144

أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى «٧٦» من الغمد ومدّت بضبعىّ الرّباب ودارم «٧٧» ... وجاشت «٧٨» ورامت من ورائى بنو سعد فقال له الفرزدق: إياك أن يسمعهما منك أحد؛ فأنا أحقّ بهما منك. فجعل ذو الرمة يقول: أنشدك الله فى شعرى. فقال: اغرب فأخذهما الفرزدق، فما يعرفان إلّا له، وكفّ ذو الرّمة عنهما. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: كان الفرزدق مهيبا تخافه الشعراء [٤٩] ؛ فمرّ يوما بالشمردل اليربوعى وهو ينشد قصيدة حتى بلغ إلى قوله: وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حزّ الحلاقم فقال: والله لتتركنّ هذا البيت أو لتتركن عرضك. فقال: خذه على كره منى، لا بارك الله لك فيه؛ فجعله الفرزدق فى قصيدته التى أولها «٧٩» : تحنّ بزوراء المدينة ناقتى ... حنين عجول تبتغى البوّ رائم حدثنى بعض أصحابنا، عن أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلّام، قال: بلغ الفرزدق قول ابن ميّادة: لو ان جميع الناس كانوا بتلعة ... وجئت بجدّى ظالم وابن ظالم لظلّت رقاب الناس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم فقال الفرزدق: وددت أنى سبقت إلى هذين البيتين قبل. قيل له: فكنت تقول ماذا؟ قال: كنت أقول: فجئت بجدّى دارم وابن دارم قال: ثم أدخلهما فى شعره.

стр. 145

قال أحمد بن أبى طاهر، قال حماد بن إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبى يقول- عن أبى سهيل: إنّ قول الفرزدق فى رائيته التى يناقض فيها جريرا حين يقول «٨٠» : كم من أب لى يا جرير كأنّه ... قمر المجرّة أو سراج نهار لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكم ... وأوابدى بتنحّل الأشعار «٨١» إن هذين البيتين للراعى وإن الفرزدق انتحلهما؛ فصارا له. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابى، قال: قدم الفرزدق المدينة، فمرّ بجماعة من الناس قد استكفّوا «٨٢» على جميل، وهو ينشد، فوقف بين الناس يستمع له حتى قال «٨٣» : ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا فصاح به الفرزدق: أنا أحقّ بهذا البيت منك؛ فرفع جميل رأسه فعرفه؛ فقال: أنشدك الله يا أبا فراس. قال: نحن أولى به منك. وانصرف فانتحله. وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال جميل من قصيدة «٨٤» : وكنا إذا ما معشر أجحفوا بنا ... ومرّت جوارى طيرهم وتعيّفوا وضعنا لهم صاع القصاص رهينة ... وسوف نوفّيها إذا الناس طفّفوا ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا قال: فشدّ الفرزدق على هذا البيت، وقال: أنا أحقّ به منك. وقال: لا تعد فيه. ولم يكثرثّ له.
следующие страницы →