← Адаб

Адаб · id 9427

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء

المرزباني

Полный текст (568 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال: وفى هذا البيت شىء يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان على فاعل نعتا «فواعل» ؛ لئلا يلتبس بالمؤنث؛ لا يقولون ضارب وضوارب، وقاتل وقواتل؛ لأنهم يقولون فى جمع ضاربة ضوارب وقاتلة قواتل، ولم يأت ذا إلّا فى حرفين؛ أحدهما قولهم فى جمع فارس فوارس؛ لأن هذا مما لا يستعمل فى النساء، فأمنوا الالتباس. ويقول فى المثل: «هو هالك فى الهوالك» ؛ فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال، لأنه مثل؛ فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله، فقال: نواكس الأبصار، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا فى ضرورة. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر. وأما جرير فما علمته سرق إلّا نصف بيت؛ قال: ولا أدرى؛ ولعله وافق شىء شيئا. قلت: وما هو؟ فقال: هجاء، ولم يخبرنا به. قال أبو حاتم: وقد رأيته أنا بعد فى شعره، والبيت «٦٠» : يقصّر باع العاملىّ عن العلا ... ولكنّ أير العاملىّ طويل قال ابن دريد: وهذا البيت لغيره وهو قديم. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى: وهذا تحامل شديد من الأصمعى وتقوّل على الفرزدق لهجائه باهلة، ولسنا نشكّ أنّ الفرزدق قد أغار على بعض الشعراء فى أبيات معروفة، فأما أن نطلق أنّ تسعة أعشار شعره سرقة فهذا محال، وعلى أنّ جريرا قد سرق كثيرا من معانى الفرزدق، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار الفرزدق. وقال أحمد بن أبى طاهر: كان الفرزدق يصلت «٦١» على الشعراء ينتحل أشعارهم، ثم يهجو من ذكر أنّ شيئا انتحله أو ادّعاه لغيره، وكان يقول: ضوالّ الشعر أحبّ إلى من ضوالّ الإبل، وخير السرقة ما لم تقطع فيه اليد. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: قال الفرزدق لامرأته النّوار: كيف شعرى من شعر جرير؟ قالت: قد شركك فى حلوه، وغلبك على مرّه.

стр. 142

وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال الفرزدق لامرأته النوار [٤٨] : أنا أشعر أم ابن المراغة «٦٢» ؟ فقالت: غلبك على حلوه، وشركك فى مره. وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبى الذيال، عن ابن الأعرابى، قال: قالت النوار امرأة الفرزدق للفرزدق- وسمعته يعيب شعر جرير، فقالت: هو والله أشعر منك. قال: وكيف علمت ذلك؟ قالت: غلبك على حلوه وشركك فى مرّه. قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: ولا يقبل قول النّوار على الفرزدق لمنافرتها إياه. أخبرنا أبن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول الفقيمى، قال: بينا أنا بكاظمة وذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها «٦٣» : أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى «٦٤» من الغمد إذا راكبان قد تدلّيا من نعف كاظمة متقنّعان، فوقفا يسمعان؛ فلما فرغ ذو الرّمة حسر الفرزدق عن وجهه وقال: يا عبيد، اضممها إليك- يعنى راويته- وهو عبيد أحد بنى ربيعة بن حنظلة. فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس، انتحل ما شئت غيرها، فانتحل أربعة أبيات: أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى من الغمد ومدّت بضبعىّ «٦٥» الرّباب ومالك ... وعمرو، وشالت «٦٦» من ورائى بنو سعد

стр. 143

ومن آل يربوع زهاء كأنّه ... دجى الليل محمود النّكاية والورد «٦٧» وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه «٦٨» ... ضربناه فوق الأنثيين «٦٩» على الكرد الكرد: العنق. حدثنيه إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٧٠» ، قال: أخبرنى أبو يحيى الضبى، قال: قال ذو الرمة يوما: لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا، وإن لها لمردا «٧١» ، ومعنى بعيدا. فقال له الفرزدق: ما قلت؟ قال: قلت: أحين أعاذت بى تميم نساءها وذكره والبيتين اللذين بعده، فقال له الفرزدق: لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك. قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلّا لك. فهى فى قصيدة الفرزدق التى يقول فيها «٧٢» : وكنّا إذا القيسىّ نبّ «٧٣» عتوده ... ضربناه فوق «٧٤» الأنثيين على الكرد الأنثيين يريد الأذنين. والكرد: العنق «٧٥» . وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال قال أبو عبيدة: مرّ ذو الرمة فاستوقفه أصحابه فوقف ينشدهم قصيدته التى يقول فيها:

стр. 144

أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى «٧٦» من الغمد ومدّت بضبعىّ الرّباب ودارم «٧٧» ... وجاشت «٧٨» ورامت من ورائى بنو سعد فقال له الفرزدق: إياك أن يسمعهما منك أحد؛ فأنا أحقّ بهما منك. فجعل ذو الرمة يقول: أنشدك الله فى شعرى. فقال: اغرب فأخذهما الفرزدق، فما يعرفان إلّا له، وكفّ ذو الرّمة عنهما. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: كان الفرزدق مهيبا تخافه الشعراء [٤٩] ؛ فمرّ يوما بالشمردل اليربوعى وهو ينشد قصيدة حتى بلغ إلى قوله: وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حزّ الحلاقم فقال: والله لتتركنّ هذا البيت أو لتتركن عرضك. فقال: خذه على كره منى، لا بارك الله لك فيه؛ فجعله الفرزدق فى قصيدته التى أولها «٧٩» : تحنّ بزوراء المدينة ناقتى ... حنين عجول تبتغى البوّ رائم حدثنى بعض أصحابنا، عن أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلّام، قال: بلغ الفرزدق قول ابن ميّادة: لو ان جميع الناس كانوا بتلعة ... وجئت بجدّى ظالم وابن ظالم لظلّت رقاب الناس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم فقال الفرزدق: وددت أنى سبقت إلى هذين البيتين قبل. قيل له: فكنت تقول ماذا؟ قال: كنت أقول: فجئت بجدّى دارم وابن دارم قال: ثم أدخلهما فى شعره.

стр. 145

قال أحمد بن أبى طاهر، قال حماد بن إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبى يقول- عن أبى سهيل: إنّ قول الفرزدق فى رائيته التى يناقض فيها جريرا حين يقول «٨٠» : كم من أب لى يا جرير كأنّه ... قمر المجرّة أو سراج نهار لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكم ... وأوابدى بتنحّل الأشعار «٨١» إن هذين البيتين للراعى وإن الفرزدق انتحلهما؛ فصارا له. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابى، قال: قدم الفرزدق المدينة، فمرّ بجماعة من الناس قد استكفّوا «٨٢» على جميل، وهو ينشد، فوقف بين الناس يستمع له حتى قال «٨٣» : ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا فصاح به الفرزدق: أنا أحقّ بهذا البيت منك؛ فرفع جميل رأسه فعرفه؛ فقال: أنشدك الله يا أبا فراس. قال: نحن أولى به منك. وانصرف فانتحله. وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال جميل من قصيدة «٨٤» : وكنا إذا ما معشر أجحفوا بنا ... ومرّت جوارى طيرهم وتعيّفوا وضعنا لهم صاع القصاص رهينة ... وسوف نوفّيها إذا الناس طفّفوا ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا قال: فشدّ الفرزدق على هذا البيت، وقال: أنا أحقّ به منك. وقال: لا تعد فيه. ولم يكثرثّ له.

стр. 146

روى أحمد بن أبى طاهر، عن حماد بن إسحاق، عن محمد بن سلام، عن كردين البصرى أنّ عريفهم عون بن ثعلبة علق بالفرزدق وقال: يا عدو الله، سرقتنا قول صاحبنا الأعلم العبدى «٨٥» : إذا اغبرّ آفاق السماء وكشّفت ... ستور بيوت الحىّ حمراء حرجف «٨٦» وهتّكت الأطناب كلّ ذفرّة «٨٧» ... لها تامك من عاتق «٨٨» النىّ أعرف «٨٩» وجاء قريع الشّول قبل إفالها ... زفيفا وجاءت «٩٠» خلفه وهى زفّف وباشر راعيها الصّلى «٩١» بلبانه ... وكفّيه حرّ النار ما يتحرّف «٩٢» وأخمدت «٩٣» الشّعرى مع الليل نارها ... وأمست محولا جلدها يتوسّف «٩٤» [٥٠] وأصبح موضوع «٩٥» الصّقيع كأنه ... على سروات النّيب «٩٦» قطن مندّف وقاتل كلب الحىّ عن نار أهله ... ليربض فيها والصّلى متكنّف «٩٧» وجدت الثّرى فينا إذا «٩٨» يبس الثّرى ... ومن هو يرجو فضله المتضيّف ترى جارنا فينا يجير «٩٩» وإن جنى ... فلا هو ممّا ينطف الجار ينطف «١٠٠»

стр. 147

قال: وهذه الأبيات للأعلم كلّها، فأدخلها الفرزدق فى قصيدته: عزفت بأعشاش [وما كدت تعزف ... وأنكرت من حوراء ما كنت تعرف] «١٠١» مع ما سرق من جميل فيها. قال: فقال له الفرزدق: اذهب فخذها من الرّواة. قال: فخلّى سبيله. وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال: حدثنا ابن النطاح، قال أبو عبيدة: كان الفرزدق يجتلب القصيدة، ويجتلب المعنى؛ فجاء رجل من قيس إلى محمد بن رباط، فاستعدى على الفرزدق- وقد سلم الفرزدق ثم خرج- فقال محمد: ادعوا الفرزدق، فجاء؛ فقال الفرزدق: سل هذا فيم يستعدى علىّ. قال: غلبنى على قصيدة عمّى الأعلم. فقال: أشهدكم أنى قد رددتها. فقال محمد: نحوّهما. حدثنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: إنما فعل الفرزدق بجميل وذوى الرمة وغيرهما هذا، لأنه لما مرّ به شعر جيد رأى نفسه أحقّ به من قائله؛ لفضله عليه فى الشعر، ولأنه من جنس جيّده لا ردىء قائله. حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال: حدثنا محمد بن صالح بن النّطاح، قال: حدثنى أبو اليقظان، قال: مرّ رجل من بنى ربيع بن الحارث على الفرزدق وهو ينشد قصيدة له، وقد اجتمع الناس عليه، فمرّ فى أبيات كما هى للمخبّل قد سرقها، قال: فقلت: والله لئن ذهبت قبل أن أعلمه إنّ هذا لشديد، ولئن قلت له قدّام الناس ليفعلنّ بى. فقلت: أكلمه بشىء يفهمه هو، ولا يدرى الناس ما هو؛ فقلت: يا أبا فراس، قصيدتك هذه نثول. فقال: اذهب عليك لعنة الله، وفطن، ولم يفطن الناس. ومعنى نثول: أن البئر إذا حفرت ثم كبست ثم حفرت ثانية قيل لها نثول. فيقول: قصيدتك حييت بعد ما ماتت.

стр. 148

وروى هذا الحديث أحمد بن أبى طاهر، عن أبى العباس ثعلب، عن ابن الأعرابى: حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا المازنى، قال: حدثنا الأصمعى؛ وقال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: لقيت الفرزدق فى المربد، فقلت: يا أبا فراس، أحدثت شيئا؛ قال: فقال: خذ. ثم أنشدنى «١٠٢» : كم دون ميّة من مستعمل قذف «١٠٣» ... ومن فلاة بها تستودع العيس قال: فقلت: سبحان الله، هذا للمتلمّس. فقال: اكتمها فلضوالّ الشعر أحبّ إلىّ من ضوالّ الإبل. «١٠٤» حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنى عبد الملك بن محمد البكرى، قال: حدثنى محمد بن عبد الله الهذلى، عن الجارود بن أبى سبرة، قال: مرّ بى الفرزدق وأنا على الباب جالس، فوقف علىّ، فقال لى: يا أبا نوفل؛ قد قلت بيتا وقد انغلق علىّ ما بعده. قال: قلت: ما هو؟ قال: قلت: إنّ الذى سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول «١٠٥» [٥١] قد انغلق على ما بعده. قال: فقلت: بيتا بناه لنا المليك وما بنى ... ملك السماء «١٠٦» فإنه لا ينقل فقال: قد انفتح لى، وقال: بيتا زاررة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم ... أبدا إذا عدّ الفعال الأفضل وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى محمد بن

стр. 149

النّضر، عن أبى عبيدة، عن سلمة بن عيّاش، قال: دخلت السجن فإذا الفرزدق محبوس، وإذا هو قد قال: إنّ الذى سمك السماء ... البيت، ثم أفحم. فقلت: بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل فقال لى: من أنت؟ قلت: من قريش. قال: كل أير حمار من قريش. قال أحمد بن أبى طاهر: قال النابغة الذبيانى «١٠٧» : وصهباء لا تخفى القذى وهى دونه ... تصفّق فى راووقها ثم تقطب «١٠٨» تمزّزتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا فقال الفرزدق «١٠٩» - وأخذه نسخا: وإجّانة ريّا الشروب كأنّها ... إذا صفّقت فيها الزجاجة كوكب تمزّزتها والدّيك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يقال إنّ جريرا ما انتصف من الفرزدق فى مجلس قطّ إلا عند الحجاج يوما: زعم ابن سلام، عن أبى الدهماء، قال: قال الحجاج للفرزدق وجرير- وبين يديه جارية: أيكما مدحنى ببيت فضل فيه فهذه الجارية له؛ فقال الفرزدق «١١٠» : من «١١١» يأمن الحجاج والطير تتّقى ... عقوبته- إلا ضعيف العزائم وقال جرير «١١٢» : من «١١٣» يأمن الحجاج أما عقابه ... فمرّ وأما عهده فوثيق

стр. 150

فقال الحجاج: «والطير تتّقى عقوبته» كلام لا خير فيه، لأنّ الطير تتقى كلّ شىء: الثوب، والصبى، وغير ذلك؛ خذها يا جرير. قال محمد: وهذا لعمرى كذا إلا أن جريرا أخذ ابتداء الفرزدق فقال فيه. حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١١٤» ، قال: كان من الشعراء من يتألّه فى جاهليته، ويتعفّف فى شعره، ولا يستبهر بالفواحش، ولا يتهكّم فى الهجاء- يقال: يتهكم ويتكهّم. قال الفضل: ويقال ليلة بهرة، إذا كان قمرها مضيئا- ومنهم من يتعهّر ولا يبقى على نفسه ولا يتستّر. منهم امرؤ القيس، قال «١١٥» : ومثلك «١١٦» حبلى قد طرقت ومرضع «١١٧» ... فألهيتها عن ذى تمائم محول «١١٨» وقال «١١٩» : دخلت وقد ألقت لنوم ثيابها «١٢٠» ... لدى السّتر إلا لبسة المتفضّل «١٢١» وقال «١٢٢» : سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال «١٢٣» ومنهم الأعشى قال «١٢٤» : فظللت أرعاها وظلّ يحوطها ... حتى دنوت إذا الظلام دنا لها

стр. 151

وقال «١٢٥» : وأقررت عينى من الغانيا ... ت إما نكاحا وإما أزن وقال «١٢٦» : وقد أخرج الكاعب المسترا ... ة من خدرها وأشيع القمارا «١٢٧» وقال «١٢٨» ورادعة بالطيب صفراء عندنا ... بجسّ «١٢٩» النّدامى فى يد الدرع مفتق «١٣٠» وقال: وقد «١٣١» أخالس ربّ البيت غفلته ... وقد يحاذر منّى ثمّ ما يئل «١٣٢» وكان الفرزدق أقول أهل الإسلام فى هذا الفن، قال «١٣٣» : هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاى فى الأرض نادتا ... أحيّا يرجّى أم قتيلا نحاذره فقلت: ارفعو الأسباب لا يفطنوا بنا ... وولّيت فى أعجاز ليل أبادره وأصبحت فى القوم الجلوس وأصبحت ... مغلّقة دونى عليها دسا كره «١٣٤» قالها وهو بالمدينة، فأنكرت ذلك قريش، وأزعجه مروان بن الحكم وهو وال على المدينة فأجلّه ثلاثا ثم أخرجه عنها.

стр. 152

قال «١٣٥» : وقال يونس: كان للفرزدق غلامان؛ أحدهما اسمه وقّاع والآخر زنقطة «١٣٦» ، ولوقّاع يقول الفرزدق «١٣٧» : تغلغل وقّاع إليها فأصبحت ... تخوض خداريّا من الليل أخضرا «١٣٨» لطيف إذا ما انغلّ «١٣٩» أدرك ما ابتغى ... إذا هو للظّبى الغرير تقتّرا «١٤٠» وقال أيضا «١٤١» : فأبلغهنّ «١٤٢» وحى القول عنّى ... وأدخل رأسه تحت القرام «١٤٣» أسيّد ذو خريّطة نهارا ... من المتلقّطى قرد القمام «١٤٤» فقلن له: نواعدك الثّريا ... وذاك إليه «١٤٥» مجتمع الزّحام ثلاث «١٤٦» واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى الشّمام الشمام: المشامّة. فبتن بجانبىّ مصرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام «١٤٧» وكان جرير مع إفراطه فى الهجاء يعفّ عن ذكر النساء؛ كان لا يشبب إلا بامرأة يملكها.

стр. 153

أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبّرد، قال: عيب على الفرزدق قوله «١٤٨» : يا أخت ناجية بن سامة إننى ... أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى وقالوا: ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات؟ هلا قال كما قال جرير «١٤٩» : قتلننا ثم لم يحيين قتلانا وكما روى عن ابن عباس فإنه- وإن كان فى باب الجدّ- أشكل بمذهب الغزل، وهو قوله: هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١٥٠» ، قال: قال العلاء بن حريز- وكان قد أدرك الناس وسمع- قال: كان يقال للأخطل: إذا لم يجئ سابقا سكيت «١٥١» ؛ والفرزدق، لا يجىء سابقا ولا سكيتا؛ فهو بمنزلة المصلّى. وجرير يجىء سابقا وسكيتا ومصلّيا. قال ابن سلام: وتأويل قوله أنّ للأخطل خمسا أو ستّا أو سبعا طوالا روائع غرّا جيادا، هو بهنّ سابق، وسائر شعره دون أشعارهما؛ فهو فيما بقى بمنزلة السّكيت. والسكيت: آخر الخيل فى الرهان. ويقال: إن الفرزدق دونه فى هذه الروائع، وفوقه فى بقية شعره؛ فهو مصلّ «١٥٢» . والمصلّى: الذى يجىء بعد السابق، وقبل السكيت.

стр. 154

وجرير له روائع هو بهنّ سابق، وأوساط هو بهن مصلّ، وسفسافات هو بهن سكيت [٥٣] . قال ابن سلام «١٥٣» : وأهل البادية والشعراء بشعر جرير أعجب. قال «١٥٤» : وسألت بشارا العقيلى عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له، وأفرطت فيه. قلت: فجرير والفرزدق؟ قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق. وفضل جريرا عليه. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو يعلى عبيد الله بن عبد الله الكاتب، قال: سمعت محمد بن سلام يقول: قال: ابن دأب: سألت بشار بن برد الأعمى عن جرير والفرزدق والأخطل، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. فقلت: وجرير والفرزدق؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر ما يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النّوار١٥» فناح عليها النساء بشعر جرير. وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلّام «١٥٦» ، قال: سألت بشّارا العقيلى الأعمى فقلت: يا أبا معاذ، أىّ الثلاثة أشعر: جرير أو الفرزدق أو الأخطل؟ وكان عالما بصيرا، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. قلت: فالفرزدق وجرير؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، حدثنى روح بن الفرج، قال حدثنا الأصمعى، قال: سألت بشار بن برد العقيلى؛ أىّ الشعراء أشعر فى الإسلام؟ قال: جرير والفرزدق. قال: قلت: فما بالهم جعلوا الأخطل ثالثا؟ قال: تعصّبت له ربيعة، فقالت لمضر: ألحقوا لنا شاعرا، فألحقوه، وليس هناك. قال: قلت فأى الرجلين

стр. 155

أشعر: جرير أم الفرزدق؟ فقال: كانت لجرير ضروب من الشعر لم يكن للفرزدق فيها شىء، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فما ناحوا عليها إلا بشعر جرير حيث يقول «١٥٧» : تركتنى «١٥٨» حين كفّ الدهر من بصرى ... وحين صرت كعظم الرّمّة البالى إلّا تكن لك بالدّيرين نائحة «١٥٩» ... فربّ باكية بالرمل معوال «١٦٠» قالوا نصيبك من أجر! فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالى كذا وجدته. قال ابن مهرويه: وحدثنى أحمد بن الحارث الخرّاز، عن أبى عبد الله بن الأعرابى، قال «١٦١» : سئل بشار المرعث: أىّ الثلاثة أشعر؛ الأخطل أم جرير أم الفرزدق؟ وذكر مثله. حدثنى محمد بن عبد الواحد، قال: سمعت ثعلبا يقول- وسأله أبو سهل النّيبختى «١٦٢» : ما تقول فى جرير والفرزدق؟ فقال- قال محمد بن سلام «١٦٣» : اجتمعنا جماعة فقوم تقلّدوا حذق الفرزدق، وقوم تقلّدوا حذق جرير. قال: فقلنا لبعضهم: اذهب فأخرج مقلّدات الفرزدق، وقلنا لآخر: اذهب فأخرج مقلّدات جرير: فجاء صاحب الفرزدق فأخرج معايب شعر الفرزدق، وجاء هذا فأخرج المقلدات، فكانت مقلّدات جرير أكثر من معايب الفرزدق. وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: أنا أقول: جرير أشعر من الفرزدق. وكان محمد بن سلام يفضّل الفرزدق، قال فأخرج بيوتهما المقلدة، فلم يجد للفرزدق ما وجد لجرير، فجاء للفرزدق ببيوت النحو التى أخطأ فيها.

стр. 156

حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق البغوى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قيل لمسلمة بن عبد الملك: أىّ الشاعرين أشعر أجرير أم الفرزدق [٥٤] ؟ قال: إن الفرزدق يبنى وجرير يهدم؛ وليس يقوم مع الخراب شىء. وقد عيب على الفرزدق قوله «١٦٤» : وإنّ تميما كلّها غير سعدها ... زعانف لولا عزّ سعد لذلت لأنه وضع من قومه وهجاهم بهذا القول.

стр. 157

٢- جرير بن الخطفى [١] أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن بشر المرثدى، عن أبى سهيل عبد الله بن ياسين، عن أبى عبيدة، قال: كان عامر بن عبد الملك بن مسمع بن مالك بن مسمع وأخوه مسمع- ويلقب كردين- يقدّم الفرزدق ويفضّله، وكان عامر يقدم جريرا ويحتجّ على الفرزدق بما عقّد فيه من شعره، نحو قوله: فلولا أنّ أمّك كان عمّى ... أباها كنت أخرس بالنشيد ومثل قوله «١» : وما مثله فى الناس إلّا مملّكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه وأشباه ذلك. فقال كردين: أنت يا أخى لا تعقل، سقط الفرزدق شىء يمتحن الرجال فيه عقولها حتى يستخرجوه، وسقط جرير عىّ، نحو قوله «٢» : والتغلبى جنازة الشيطان وقوله «٣» : فى كل قائمة له ظلفان وقوله «٤» : ومن المشاقة عندها أكرار

стр. 158

كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى العلاء بن الفضل بن أبى سويّة، قال: قال لى أبو الوليد الرّياحى: يا أبا الهذيل، أيّما أشعر أجرير أم الفرزدق؟ قلت: ذاك إليك. قال: يقول الفرزدق: ما حملت ناقة من معشر رجلا ... مثلى إذا الريح لفتنى على الكور إلّا قريشا فإنّ الله فضّلها ... مع النبوة بالإسلام والخير ويقول جرير «٥» : لا تحسبنّ مراس الحرب إذ لقحت ... شرب الكشيش وأكل الخبز بالصّير «٦» سلح والله أبو حزرة، سلح والله أبو حزرة. وكان أبو البيداء «٧» عالما. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن خلّاد، قال: حدثنى أبى، قال: قلت لعمارة بن عقيل: ما تقول فى شعر أبيك «٨» جرير؟ قال: والله إنى لأربأ عن بعضه، ولكن فيه الكثير الذى لا يلحقه فيه أحد. أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: سمعت سلم بن خالد بن معاوية بن أبى عمرو بن العلاء يقول: عمارة بن عقيل أحسن استواء شعر من جدّه جرير؛ ولجرير فضله، إلا أن جريرا أعتدّ عليه بسقط فى شعره وضعف، وما أصابوا لعمارة سقطة واحدة فى شعره. حدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان؛ قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال أخبرنى أبو عبيدة، قال: مما يعدّ على جرير من أفن شعره قوله لبشر بن مروان «٩» :

стр. 159

قد كان حقّك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سبّ جرير فجعل بشر بن مروان رسولا. فقال بشر: أما وجد ابن المراغة- وقال بعضهم ابن اللّخناء- رسولا غيرى؟ قال: وقوم يعيبون عليه أيضا قوله فى محمد بن عمير بن عطارد «١٠» : ألقوا السلاح إلىّ آل عطارد ... وتعاظموا ضرطا على الدّكان ويقولون: يأمرهم أن يضرطوا ثم يعيبهم، وإنما نعى عليهم ضرطة كان ضرطها فى الملإ. قال أبو عبيدة: قال رؤبة: وأنشده يونس بيت جرير «١١» : إنى إذا الشاعر المغرور حرّبنى ... جار لقبر على مرّان مرموس «١٢» فقال رؤبة: كذب والله، ما تميم بمرّان؛ إنما هو بذات عرق، وقبر معدّ بمران. وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: مما يعدّ على جرير أفنا قوله لبشر [٥٥] : قد كان حقك أن تقول لبارق ... البيت. وليس كذا يخاطب الأمراء. فلما سمع هذا بشر قال: قبح الله ابن المراغة! أما وجد رسولا غيرى؛ وأىّ شىء يستحقّ منى أن أقول هذا لبارق؟ قال: ولجرير شبيه بهذا إلا أنه لا عيب عليه فيه؛ حيث قال «١٣» : هذا ابن عمى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا فقال يزيد بن عبد الملك أو بعض إخوته: أما ترون جهل جرير؛ يقول لى: ابن

стр. 160

عمى، ثم يقول: لو شئت ساقكم، أما لو قال: لو شاء ساقكم لأصاب، ولعلّى كنت أفعل. قال: وقال أبو عبيدة: ومما يعدّ على جرير قوله «١٤» : أتوعدنى وراء بنى رياح ... كذبت لتقصرنّ يداك دونى فقال له بنو كليب: ما هجانا أحد قط أشدّ مما هجوتنا به حين استوى لك أن تقول وراء بنى كليب، فرغبت عن آبائك إلى أعمامك. أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عمارة بن عقيل، قال: لما بلغ الوليد قول جرير: هذا ابن عمى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا قال الوليد: أما والله لو قال: لو شاء ساقكم لفعلت ذلك؛ ولكنه قال: لو شئت؛ فجعلنى شرطيّا له. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا محمد سلام، قال: قال سلم بن قتيبة: يا بنىّ ارووا ما هجانا به الفرزدق، ولا ترووا ما مدحنا به جرير. يريد قول الفرزدق: أتاك ورحلى بالمدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كلّ قائم وقول جرير «١٥» : أباهل ما أحببت قتل ابن مسلم ... ولا أن تروعوا قومكم بالمظالم أباهل قد أوفيتم من دمائكم ... غداة قتلتم رهط قيس بن عاصم أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان بعض المجانين يتعصّب للفرزدق، فقال له إنسان مرة: أتعيب جريرا؟ ما أحسن ما قال صاحبك فى المدح «١٦» : وما مثله فى الناس إلا مملّكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه

стр. 161

فقال: هذا أحسن من قول صاحبك- يعنى جريرا فى الغزل «١٧» : لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعا حديثك نزّلا «١٨» الأوعالا «١٩» قال إسماعيل بن محمد الصفّار: كان أبو العباس المبرد يفضّل الفرزدق على جرير ويقول: الفرزدق يجىء بالبيت وأخيه، وجرير يأتى بالبيت وابن عمه. حدثنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال لى مروان بن أبى حفصة: كان جرير إذا أخذ الناس غلبهم، وإذا أخذ الفرزدق جريرا غلبه الفرزدق؛ ومن نظر فى النقائض تبيّن له ذلك، وعلم أن جريرا لم يقم فيها للفرزدق. وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: روى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى أنّ مروان بن أبى حفصة قال: من نظر فى نقائض جرير والفرزدق علم أنّ جريرا لم يقم للفرزدق. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وصدق مروان فى هذا القول؛ والأمر فيه ظاهر غير مستتر. أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أحمد بن بشر المرثدى، وأخبرنى الصّولى؛ قالا: قال أبو سهيل عبد الله بن ياسين: سألت أبا عبيدة عن جرير والفرزدق: أيهما أشعر؟ فقال: ويحك، هل قال جرير للفرزدق إلا فى ثلاثة أنواع: الزّبير، وجعثن «٢٠» والقين؛ وللفرزدق فيه مائة نوع «٢١» .

стр. 162

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، عن إبراهيم بن عمر؛ ودماذ «٢٢» ، عن أبى عبيدة، قال: سمعت [٥٦] أبا الخطاب الأخفش يقول- وكان أعلم الناس بالشعر، وأنقدهم له، وأحسن الرواة دينا وثقة: لم يهج جرير الفرزدق إلا بثلاثة أشياء يكرّرها فى شعره، كلها كذب، منها جعثن، والزّبير، والقين. فأما جعثن فكانت من خير نساء زمانها؛ احتال بنو منقر فأقعدوا إنسانا فى طريقها، وقد خرجت لبعض أمرها- فرمى بها فوقعت ومضى يعدو- ليزيلوا عن أنفسهم شيئا زعموا أنّ الفرزدق فعله بهم «٢٣» . وأما الزّبير فإنه وقف على مسجد بنى مجاشع، فسأل عن عياض بن حمار بن أبى حمار، فقال النّعر بن زمّام المجاشعى: هو بوادى السباع، فمضى الزبير يريده، وخرج النّعر بن زمّام مع الزبير رحمه الله تعالى حتى بلغ النحيت ثم رجع. وخبر القين أنّ رجلا استعان بالفرزدق، فسأله أن يمشى معه إلى موالى بنى سعد فى حاجة، فقال الفرزدق للمستعين به: إن عمتى كان لها قين، فلما هجانى جرير جعلنى قينا بذلك السبب، وإنّ الرجل الذى تستعين بى عليه صاحب سماد، ولئن بلغ جريرا أنى مشيت معك ليجعلنى فى شعره كسّاحا. فلم يمش معه. فهذه قصة القين. قال أبو الخطاب: فلم يهجه إلا من ثلاث جهات كاذبات، فردد ذلك وكرره فى شعره، فمن ذلك قوله «٢٤» . تحضّض يا بن القين قيسا ليجعلوا ... لقومك يوما مثل يوم الأراقم وكقوله: أمنتظر منى القريد «٢٥» هديّة ... فسوف ترى منى القيون الذى أهدى

стр. 163

وأشباه هذا من قوله كثير، كلّه من هذا النحو، لا يخرج عنه ولا يحسن فيه، ثم كرّر ذكر الزبير فقال «٢٦» : وقيس يا فرزدق لو أجاروا ... بنى العوّام ما افتضح الجوار إذا لحمى فوارس غير ميل ... إذا ما امتدّ فى الرّهج الغبار غدرتم بالزبير وما وفيتم ... فدادن فى الحروب لها خوار «٢٧» وكرر أمر الزبير والقين، فقال «٢٨» : لو كنت حرّا يابن قين مجاشع ... شيّعت ضيفك فرسخين وميلا قتل الزبير وأنتم جيرانه ... تبّا لمن قتل الزّبير طويلا «٢٩» قالت قريش ما أذلّ مجاشعا ... جارا وأكرم ذا القتيل قتيلا وكرر أيضا ذكر جعثن، كما كرر ذكر الزّبير والقين؛ فقال «٣٠» : على غير السّواء مدحت سعدا ... فزدهم ما استطعت من الثّواب هم قتلوا الزّبير فلم تنكّر ... وعزّوا رهط جعثن فى الخطاب «٣١» فقد جعل جرير قتلة الزبير هاهنا فى هذا البيت بنى منقر بن عبيد؛ لأنهم من بنى سعد، وليس لبنى منقر فى قتل الزّبير سبب. وقال جرير فى جعثن أيضا «٣٢» : سأذكر من هنيدة ما علمتم ... وأرفع شأن جعثن والربّاب

стр. 164

وقال أيضا- فنسب قتل الزبير إلى بنى سعد، وأكذب نفسه فى مجاشع، وذكرهم بذلك؛ فقال «٣٣» : أتنسون الزّبير قتيل سعد ... وجعثن إذ تصرّف كلّ حال [٥٧] مدحت بنى الأشدّ وغادروها ... هريت الشدق «٣٤» واسعة المبال وقد أضحت مساحج ركبتيها ... تشبّه مبرك الجمل الثّفال «٣٥» قال أبو الخطاب: فلم يجاوز جرير هذا، ولم يحسن فيه؛ ولا نجد للفرزدق قصيدة إلا وفيها هجاء بديع ليس فى الأخرى مثله؛ كقوله «٣٦» : إنّ الذى سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم ... أبدا إذا عدّ الفعال الأفضل ليس الكرام بناحليك أباهم ... حتى تردّ إلى عطية تعتل ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل وكقوله: يابن المراغة إنما راهنتنى ... بمسبّقين لدى الفعال قصار والخابسين إلى العشىّ ليشربوا ... نزح الرّكىّ ودمنة الأسآر الأسآر: البقايا، واحدها سؤر- مهموز. لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكم ... وأوابدى بتنحّل الأشعار قبح الإله بنى كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار وكقوله «٣٧» : لك الويل لا تقتل عطية إنه ... أبوك ولكن غيره فتبدّل

стр. 165

أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... عظام المخازى عن عطية تنجلى «٣٨» وكقوله «٣٩» : فإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... تبابين قيس أو سحوق العمائم كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أجالته «٤٠» رياح السمائم حدثنى أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أبو الغوث يحيى بن البحترى، قال: كان أبى يقول: لا أرى أن أكلم من يفضّل جريرا على الفرزدق، ولا أعدّه من العلماء بالشعر. فقيل له: وكيف وكلامك أشدّ انتسابا إلى كلام جرير منه إلى كلام الفرزدق؟ فقال: كذا يقول من لا يعرف الشعر، لعمرى إن طبعى بطبع جرير أشبه، ولكن من أين لجرير معانى الفرزدق، وحسن اختراعه؟ جرير يجيد النسيب، ولا يتجاوز هجاء الفرزدق بأربعة أشياء: بالقين، وقتل الزّبير، وبأخته جعثن، وامرأته النوار؛ والفرزدق يهجوه فى كل قصيدة بأنواع هجاء يخترعها ويبدع فيها. حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد التّوزى، قال: قيل لكردين «٤١» المسمعى- وكان يقدّم الفرزدق والأخطل على جرير- لم لم يهاج هذان الشعراء كما هاجاهم جرير؟ قال: بلى والله، ولكنهم كانوا لا يطمعون فى بيت الفرزدق فيجلّونه ويطمعون فى كليب. ثم عدّ جماعة هاجاهم الفرزدق أولهم الأشهب بن رميلة «٤٢» ، وآخرهم أصمّ باهلة؛ وذكر جماعة هاجاهم الأخطل. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن الغياثى، قال: حدثنى عيسى بن إسماعيل، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله «٤٣» [٥٨] :

стр. 166

ويوم كإبهام القطاة محبّب ... إلىّ هواه «٤٤» غالب لى باطله رزقنا به الصّيد الغرير ولم نكن «٤٥» ... كمن نبله محرومة وحبائله فيالك يوما خيره قبل شرّه «٤٦» ... تغيّب واشيه وأقصر عاذله فقال: ويله! وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبى عمرو. فقال لى: صدقت، وكذا قاله جرير؛ وكان قليل التنقيح مشرّد الألفاظ؛ وما كان أبو عمرو ليقرثك إلا كما سمع. فقلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال «٤٧» : فيا لك يوما خيره دون شرّه فاروه هكذا؛ فقد كانت الرواة قديما تصلح من أشعار القدماء. فقلت: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلام «٤٨» ، قال: حدثنا أبو الخطاب الزّرارى، قال: حدثنى أبى، قال: كان جرير ينشد أبياته «٤٩» : فما «٥٠» شهدت يوم النّقا «٥١» خيل هاجر ... ولا السّيد إذ يبطحن بالأسل «٥٢» السمر ولا شهدت يوم الغبيط «٥٣» مجاشع ... ولا نقلان الحىّ «٥٤» من قنّتى «٥٥» نسر

стр. 167

قال: وشيخ من بنى ثعلبة يقال له النحّار بن العقار كبير قد شدّ حاجباه وقد سقطا على عينيه، فقال: ولا كليب والأجلّ «٥٦» ما شهدت، ولا كنّا إلّا سبعة فوارس من بنى ثعلبة. ومما يعاب على جرير قوله «٥٧» : صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها ويروى: كانوا ثلاثة أثلاث فثلثهم فحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على يحيى المنجّم، عن أبيه أنّ جريرا لما قال هذا البيت قيل لرجل من بنى حنيفة: من أيهم أنت؟ قال: أنا من الثلث الملغى. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا على بن الصباح. قال: قرأت على أبى محلّم لجرير «٥٨» : بنفسى من تجنّبه عزيز ... علىّ ومن زيارته لمام ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقنى إذا هجع النّيام فقال لى: هذه أحسن من ميميته الأخرى التى يقول فيها «٥٩» . طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزّيارة فارجعى بسلام تجرى السواك على أغرّ كأنه ... برد تحدّر من متون غمام فليته إذ كان طردها «٦٠» ما كان وصفها.

стр. 168

قال محمد بن أحمد بن طباطبا «٦١» العلوى: من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول جرير «٦٢» : هذا ابن عمى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا فقيل له: يا أبا حزرة، لم تصنع شيئا! عجزت أن تفخر بقومك حتى تعدّيت إلى ذكر الخلفاء! فقال له عبد الملك «٦٣» : جعلتنى شرطيّا لك، أما لو قلت: لو شاء ساقكم إلىّ قطينا لسقتهم إليك عن آخرهم. وكقوله «٦٤» : يا بشر حقّ لوجهك التبشير ... هلّا غضبت لنا وأنت أمير قد كان نولك «٦٥» أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سبّ جرير فقال بشر: أما وجد ابن المراغة رسولا غيرى؟ حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال [٥٩] : حدثنى مسعود بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سلّام «٦٦» ، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى، قال: الذى هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ التيمى أنّ عمر بن لجأ التيمى كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله- وجرير حاضر بالماء- فقال التيمى «٦٧» : قد وردت «٦٨» قبل إنى ضحائها ... تقرّش «٦٩» الحيّات فى غشائها «٧٠» جرّ العجوز الثّنى من كسائها «٧١»

стр. 169

ويروى: فى خرشائها «٧٢» ، يكون من الاجتماع ويكون من الاكتساب؛ فقال جرير: أخفيت مرّها «٧٣» . قال: فكيف أقول؟ قال: قل: جرّ العروس الثّنى من ردائها. فقال التيمى- وحمى: ما قلت أنت أسوأ مما قلت. قال وما هو؟ قال قولك «٧٤» : وأوثق عند المردفات عشية ... لحافا إذا ما جرّد السيف لامع «٧٥» فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهنّ عشية. قال: فكيف أقول؟ قال: تقول: وأوثق عند المرهفات «٧٦» عشية فقال جرير: والله لهذا البيت أحبّ إلىّ من بكرى حزرة، ولكنك محلب «٧٧» للفرزدق. فتهاجيا. وحدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان، قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنى على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال: أخبرنى أبو عبيدة، قال: حدثنى منتجع بن نبهان التّيمى- ويقال من عدى- قال: دخل عمر بن لجأ على [ابن] «٧٨» لقمان الخزاعى- وكان على صدقات بنى تميم- فأنشده بيتا وهو قوله «٧٩» : تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذى يرضى الأخلّاء بالبخل

стр. 170

فقال: لقد أنشدنى هذا البيت جرير. فقال عمر: سرقه والله منى جرير. فقال: فبينا هو عنده إذ دخل عليه جرير، فقال له ابن «٨٠» لقمان: من يقول هذا؟ فقد زعم عمر بن لجأ أنك سرقته منه. قال: فتنازعا. فقال جرير: أنا أسرقه منك وأنت وصفت إبلك حتى إذا جعلتها مثل الهضاب وصفت فحلها كالظّرب الأسود من ورائها. قال الأثرم: وذكر الأصمعى أن جريرا ذكر قول عمر «٨١» : جرّ العجوز الثّنى من خفائها الخفاء: طرف الكساء، ألا قلت: جرّ الفتاة طرفى ردائها فأبلغ عمر؛ فقال: إنما أردت ضعف العجوز. قال: ثم رجع الحديث إلى أبى عبيدة: فقال عمر بن لجأ: أتعيب علىّ هذا وأنت القائل «٨٢» : وأكرم عند المردفات عشية ... لحافا إذا ما جرّد السيف لامع تركتهن حتى إذا لقحن- أى نكحن- لحقتهنّ عشية. قال: فقال «٨٣» : يا تيم تيم عدى لا أبالكم ... لا يقذفنكم «٨٤» فى سوأة عمر أحين صرت «٨٥» سماما يا بنى لجأ ... وخاطرت بى عن أحسابها مضر خلّ الطريق لمن يبنى المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر وبرزة أم عمر بن لجأ.

стр. 171

فقال عمر بن لجأ «٨٦» : لقد كذبت وشرّ القول أكذبه ... ما خاطرت بك عن أحسابها مضر فهذا بدء ما كان بينهما. قال الأثرم: وأما عبيدة فزعم أنّ جريرا- وفى نسخة أخرى: وأما أبو اليقظان سحيم فزعم أنّ جريرا- قال: إن هذا ليس بعيب. قال: فبينى وبينك رجل؛ فجعلا بينهما عبيد بن غاضرة العنبرى، وكان حاضرا، فسألاه، فتابع ابن لجأ وعاب على جرير. فقال جرير قصيدته التى أولها «٨٧» : أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... نميلة «٨٨» منا فى ثناياه مشهدا [٦٠] قال: مثغور: كسر الرياحىّ- وهو من بنى تميم ثغره، وبقيت منه بقية. حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٨٩» ، قال: قيل لجرير: ما صنعت فى التّيم «٩٠» شيئا! قال: إنهم شعراء لئام. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام «٩١» ، وحدثنى عبد الله بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن بشر، عن إسماعيل بن يعقوب الأعلم، قال: حدثنى محمد بن سلّام، قال: أخبرنى أبو الخطاب الزّرارى، عن حجناء بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلا فضحتهم- أو قال أفسدتهم- إلا التّيم! قال: يا بنى، إنى لم أجد بناء أهدمه، ولا حسبا أضعه- أو قال: أصمه. وكانت تيم رعاء غنم فيغدون فى غنمهم ثم يروحون، وقد جاء كلّ رجل منهم بأبيات فيرفدون بها عمر بن لجأ وكان أشعرهم السّرندى «٩٢» .

стр. 172

أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل، قال: أخبرنا المدائنى، عن شهاب بن عبيد الله، قال: قيل لجرير: من هاجيت فكان أشدّ عليك؟ قال: التّيم، كنت أقول القصيدة أحبّ إلى من بكرى فيجتمعون فينقضونها حرفا حرفا. وقيل له: يا أبا حزرة، صالحت كلّ من هاجاك أو أكثرهم غير التيم. قال: إنهم شعراء لئام. أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أحمد بن محمد الأسدى، قال: أخبرنا محمد بن صالح بن النّطاح، عن أبى عبيدة، قال: لما قال جرير لابن لجأ «٩٣» : يا تيم هل لك مثل أسرة حاجب ... أو مثل آل عتيبة بن شهاب فقال له قائل: أنت بالأمس تهجوهم والآن تفخر بهم. قال: إن الشعراء لئام. حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٩٤» ، قال: حدثنى أبو الغرّاف، قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده ابن الرّقاع العاملى، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: هذا رجل من عاملة. قال: الذين يقول الله «٩٥» : «عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية» . ثم قال: يقصّر باع العاملىّ عن العلا ... ولكنّ أبر العاملىّ طويل فقال العاملىّ: أأمّك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول فقال: لا، بل لم أدر كيف أقول. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، وأخبرنى محمد بن العبّاس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنى

стр. 173

العمانى الراجز، قال: حدثنى نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت من أشعر الناس؟ قال: قاتل الله قرد بنى مجاشع- يعنى الفرزدق- فعلمت أن قد فضّله. قلت: ثم من؟ قال: قاتل الله نصرانىّ «٩٦» بنى تغلب، فما أنقى شعره، وأبين فضله! قال: قلت: فما لك لا تذكر نفسك؟ قال: أنا مدينة الشعر. حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى وعبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الرياشى، قال: أخبرنا أبو الخطاب البهدلى عن نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: أيما أشعر أنت أم الأخطل؟ قال: فقال: إنى أعنت عليه بتولية من سنّه وكفر من دينه، وما رأيته فى موضع قطّ إلّا خشيت أن يبتلعنى. أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة [٦١] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: أخبرنى سعدان بن المبارك، عن أبى عبيدة، قال: حدثنى أدهم العنبرى- وهو ختن لابن الكلبى- وكان عالما بأيام الناس ذاسنّ وتجرية- عن رجل أراه من بنى سعد. وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أحمد بن معاوية، قال: حدثنى بعض أصحابنا عن رجل من بنى سعد، وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، أن أبيه، قال: حدثنى إسحاق الموصلى، عن رجل من بنى سعد «٩٧» : كنت مع نوح بن جرير فى أصل شجرة- أو قال سدرة- فقلت له: قّبحك الله وقّبح أباك، أما أبوك أفنى عمره فى مدح عبد ثقيف- يعنى الحجاج- وأما أنت فإنك مدحت قثم بن العباس، فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه حتى مدحته بقصر بناه. فقال: أما والله لئن كنت سؤتنى فى هذا الموضع لقد سؤت فيه أبى: بينا أنا آكل معه يوما- وفى يده لقمة وفى فيه أخرى- فقلت: يا أبت؛ أأنت أشعر أم الأخطل؟ فجرض بالتى فى فيه- أى غصّ بها- وهو يجرض بريقه- أى يغصّ به- ورمى بالتى فى

стр. 174

يده؛ ثم قال: يا بنى، لقد سررتنى وسؤتنى؛ فأمّا ما سررتنى به فتعاهدك مثل هذا وشبهه وسؤالك عنه، وأما ما سؤتنى به فذكرك رجلا قد مات. يا بنى، لو أدركنى «٩٨» الأخطل وله ناب آخر لأكلنى، ولكنى أعنت عليه بخصلتين- وقال ابن شبّة: ولكن أعاننى عليه خصلتان- كبر سنّ، وخبث دين. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن ابن الأعرابى، قال: قال جرير- وسئل عن الأخطل، فقال: ما غلبنى إلا فى هذه القصيدة «٩٩» : كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرّباب خيالا فيها يقول: أبنى كليب «١٠٠» إنّ عمّى الّلذا «١٠١» ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا وحدثنى عبد الله بن أحمد، عن ثعلب، عن ابن الأعرابى، قال: قيل لجرير: أيما أشعر أنت فى قولك «١٠٢» : حىّ الغداة برامة الأطلالا ... رسما تحمّل أهله فأحالا أم الأخطل فى جوابها: «كذبتك عينك» ؟ قال: هو أشعر منى، إلا أنى قد قلت فى قصيدتى بيتا لو أنّ الأفاعى نهشت أستاههم ما حكّوها حيث أقول «١٠٣» : والتغلبىّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا

стр. 175

قال قدامة بن جعفر الكاتب «١٠٤» : الإقواء فى شعر الأعراب كثير، وفيمن دون الفحول من الشعراء؛ وهو أن يختلف إعراب القوافى، فتكون قافية مرفوعة وأخرى مخفوضة. قال إسحاق: قلت ليونس: عبيد الله بن الحرّ يقوى؟ فقال: الإقواء خير منه. وقد ركب بعض الفحول الإقواء فى مواضع؛ مثل ما قال سحيم بن وثيل الرياحى «١٠٥» : عذرت البزل إن هى خاطرتنى ... فما بالى وبال ابن «١٠٦» الّلبون وماذا يدّرى «١٠٧» الشعراء منّى ... وقد جاوزت رأس الأربعين «١٠٨» فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكن كأنه وقف القوافى فلم يحركها. وقد قال جرير «١٠٩» : عرين من عرينة ليس منّا ... برئت إلى عرينة من عرين [٦٢] عرفنا جعفرا وبنى عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرين «١١٠»

стр. 176

٣- الأخطل [١] حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال حدثنا محمد بن سلام «١» عن أبى العقّار السدوسى، قال: قدم الأخطل الكوفة؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: حدثنى يونس وعامر بن مالك وأبو الغرّاف، فألّفت ما قالوا، قالوا: قدم الأخطل الكوفة، فأتى الغضبان بن القبعثرى «٢» الشيبانى- وهو يومئذ سيّد بكر بن وائل- فسأله فى حمالة وكان سؤلة- مثال فعلة- فقال: إن شئت أعطيتك ألفين، وإن شئت أعطيتك درهمين. قال: وما بال الألفين؟ وما بال الدّرهمين؟ قال: إن أعطيتك ألفين لم يعطكها كبير أحد، وإن أعطيتك درهمين لم يبق بالكوفة أحد «٣» من ربيعة إلا أعطاك درهمين، ونكتب لك إلى إخواننا بالبصرة فيجمعون لك درهمين درهمين، فتبلغ حاجتك، وتخفّ عليهم المؤنة، ولا تبهظهم، ويكثر لك النّيل. قال: فهذه. قال: نقسمها إلى أن ترجع إلينا من البصرة. وكتب له إلى سويد بن منجوف «٤» السدوسى- وهو زعيم بكر بن وائل بالبصرة- فأتى سويدا بالكتاب وأخبره بحاجته، فقام سويد وأقبل على قومه فقال: هذا أبو مالك قد جاءكم يسأل فى حمالة، وهو أهل أن نقضى حاجته، وهو الذى يقول «٥» :

стр. 177

إذا ما قلت قد صالحت بكرا ... أبى الأضغان «٦» لا النسب البعيد وأيام لنا ولهم طوال ... يعضّ الهام فيهنّ «٧» الحديد ومهراق الدّماء بواردات «٨» ... تبيد المخزيات ولا «٩» تبيد هما أخوان يصطليان نارا ... رداء الموت «١٠» بينهما جديد فهيّجهم على الأخطل. فقالوا: فلاها الله، إذا، والله لا نعطيه شيئا. فخرج وهو يقول «١١» : فإن تمنع «١٢» سدوس درهميها ... فإنّ الرّيح طيّبة قبول تواكلنى بنو العلّات «١٣» منهم ... وغالت مالكا ويزيد غول قريعا «١٤» وائل هلكا جميعا ... كأنّ الأرض بعدهما محول يريد مالك بن مسمع، ويزيد بن رويم الشيبانى. وقال لسويد بن منجوف- وكان سويد رجلا تقتحمه العين وليس بذى منظرة «١٥» : وما جذع سوء خرّق السوس أصله «١٦» ... لما حمّلته وائل بمطيق ويروى: خرّب السوس جوفه وكان الأخطل «١٧» مع مهارته وشعره يسقط: كان مدح سماكا الأسدى، وهو

стр. 178

سماك الهالكىّ بن عمير «١٨» بن عمرو بن أسد، وبنو عمير يلقّبون القيون، ومسجد سماك بالكوفة معروف، وكان من أهلها، فخرج أيام علىّ ﵇ هاربا حتى لحق بالجزيرة، فمدحه الأخطل فقال «١٩» : نعم المجير سماك من بنى أسد ... بالمرج «٢٠» إذ قتلت جيرانها مضر قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه «٢١» ... فاليوم طيّر «٢٢» عن أثوابه الشّرر ويروى [٦٣] : قد كنت أنبؤه فينا وأخبره ... إن سماكا بنى مجدا لأسرته حتى الممات، وفعل الخير يبتدر فقال سماك: يا أخطل؛ أردت مدحى فهجوتنى؛ كان الناس يقولون قولا فحقّقته. فلما هجا سويدا قال له سويد: يا أبا مالك؛ ما تحسن أن تهجو، ولا أن تمدح؛ لقد أردت مدح الأسدى فهجوته، يعنى قوله: قد كنت أحسبه قينا كان الناس يقولون قينا فحققتها، وأردت هجائى فمدحتنى؛ جعلت وائلا كلها حمّلتنى أمورها، وما طمعت فى بنى ثعلبة فضلا عن بكر؛ فزدتنى تغلب «٢٣» . وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حمل الأخطل حمالات فى قومه، فقدم الكوفة فلقى رجالات بكر بن وائل، فسألهم، فقال له الغضبان بن القبعثرى: نعم ونعمة عين، أنت مخيّر: فإن شئت فألفين، وإن شئت فدرهمين. فقال: وما الألفان؟ وما الدرهمان؟ قال: إن شئت أعطيتك ألفين فلم يعطك مثلها من قومك إلا قليل، وإن شئت أعطيتك درهمين فلا يبقى من بكر بن وائل أحد إلا أعطاك درهمين، وأكتب لك إلى البصرة، فتأتى قومك، فتخارج لك بكر كلّها وترجع، وقد جمعنا لك، فيسهل على قومك الخرج، ويكثر لك النيل.

стр. 179

قال: فهذه إذا. وانحدر إلى البصرة- وأميرها يومئذ بشر بن مروان- فأتى مجلس بنى سدوس وسيّدهم يومئذ سويد بن منجوف، ومعه فى مجلسه رجل من بنى أسعد بن همّام، فتكلم الأخطل، وذكر حمالته، وأنه آلى ألّا يكلم فيها إلا ربعيّا؛ فأقبل عليه الأسعدى فقال: أولست الذى يقول: إذا ما قلت قد صالحت بكرا ... أبى الأضغان لا النسب البعيد وذكر الأبيات «٢٤» . فهيّجهم عليه، فقالوا: لا، لعمر الله، لا نرفدك ولا نعينك، وإنك منّا للهوان لأهل. فوثب الأخطل وهو يقول «٢٥» : متى آت الأراقم لا يضرنى ... نبيب الأسعدىّ وما يقول فإن تمنع سدوس درهميها ... فإنّ الريح طيّبة قبول وإنّ بنى أميّة ألبستنى ... رداء كرامة ليست تزول سيحملها أبو مروان بشر ... فذاك لكل مضلعة حمول ويكفينى الذى استكفيت منه ... بفعل لا يمنّ ولا يحول تواكلنى بنو العلّات منهم ... وغالت مالكا ويزيد غول قريعا «٢٦» وائل ذهبا جميعا ... كأنّ الأرض بعدهما محول ثم أتى بشرا فأنشده شعره، وشكا إليه الأسعدى. قال: وكم حمالتك يا أبا مالك؟ فأخبره. فأضعفها له. فقال الأخطل يهجو سويدا: وما جذع سوء خرّق السوس جوفه ... لما حمّلته وائل بمطيق فقال له سويد: يا أبا مالك، لا والله ما تحسن تهجو ولا تحسن تمدح، بل تريد الهجاء فيكون مديحا، وتريد المديح فيكون هجاء؛ قلت لى وأنت تريد هجائى: لما حملته وائل بمطيق، فجعلت وائل حمّلتنى أمورها؛ وما طمعت فى ذلك من بنى ثعلبة «٢٧» فضلا

стр. 180

عن بكر بن وائل، ومدحت فى نفسك سماك بن عمير أخا بنى أسد، وأردت أن تنفى عنه [٦٤] شيئا فحققته عليه حين تقول: نعم المجير سماك من بنى أسد ... بالمرج إذ حملت جيرانها مضر وذكر الأبيات. هو سماك بن عمير بن عمرو، وبنو عمرو يدعون القيون. فلما سمع سماك الشعر قال: أبا مالك؛ كان هذا نبزا «٢٨» ننبز به، فأردت نفيه عنا فأثبتّه علينا. كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وعبد الله بن يحيى، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: سمعت أبا قبيصة محمد بن حرب بن قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالى- وكان رجل أهل البصرة يوم مات- وأنشد قول الأخطل وهو يهجو قيسا: وثائر قيس لا ينام ولا ينى ... وإلّا يجد إلّا الغشيمة يغشم «٢٩» فقال: جزى أبو مالك خيرا، فقد بالغ فى المديح. ومثل هذا وهو يهجو قيسا أيضا ويحض على زفر بن الحارث، فقال- وهو يخاطب عبد الله بن مروان «٣٠» : بنى أميّة إنى ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر «٣١» يظلّ مفترشا كالليث «٣٢» كلكله ... لوقعة كائن فيها له جزر «٣٣» كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: يروى أن الأخطل كان فى مجلس ذكر أهله الشعراء، فقال: أين تجعلونى منهم؟ قالوا: أين تجعلك وقد
следующие страницы →