٣- الأخطل [١]
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال حدثنا محمد بن سلام «١» عن أبى العقّار السدوسى، قال: قدم الأخطل الكوفة؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال:
حدثنى يونس وعامر بن مالك وأبو الغرّاف، فألّفت ما قالوا، قالوا: قدم الأخطل الكوفة، فأتى الغضبان بن القبعثرى «٢» الشيبانى- وهو يومئذ سيّد بكر بن وائل- فسأله فى حمالة وكان سؤلة- مثال فعلة- فقال: إن شئت أعطيتك ألفين، وإن شئت أعطيتك درهمين.
قال: وما بال الألفين؟ وما بال الدّرهمين؟ قال: إن أعطيتك ألفين لم يعطكها كبير أحد، وإن أعطيتك درهمين لم يبق بالكوفة أحد «٣» من ربيعة إلا أعطاك درهمين، ونكتب لك إلى إخواننا بالبصرة فيجمعون لك درهمين درهمين، فتبلغ حاجتك، وتخفّ عليهم المؤنة، ولا تبهظهم، ويكثر لك النّيل.
قال: فهذه. قال: نقسمها إلى أن ترجع إلينا من البصرة.
وكتب له إلى سويد بن منجوف «٤» السدوسى- وهو زعيم بكر بن وائل بالبصرة- فأتى سويدا بالكتاب وأخبره بحاجته، فقام سويد وأقبل على قومه فقال: هذا أبو مالك قد جاءكم يسأل فى حمالة، وهو أهل أن نقضى حاجته، وهو الذى يقول «٥» :
стр. 177
إذا ما قلت قد صالحت بكرا ... أبى الأضغان «٦» لا النسب البعيد
وأيام لنا ولهم طوال ... يعضّ الهام فيهنّ «٧» الحديد
ومهراق الدّماء بواردات «٨» ... تبيد المخزيات ولا «٩» تبيد
هما أخوان يصطليان نارا ... رداء الموت «١٠» بينهما جديد
فهيّجهم على الأخطل. فقالوا: فلاها الله، إذا، والله لا نعطيه شيئا. فخرج وهو يقول «١١» :
فإن تمنع «١٢» سدوس درهميها ... فإنّ الرّيح طيّبة قبول
تواكلنى بنو العلّات «١٣» منهم ... وغالت مالكا ويزيد غول
قريعا «١٤» وائل هلكا جميعا ... كأنّ الأرض بعدهما محول
يريد مالك بن مسمع، ويزيد بن رويم الشيبانى.
وقال لسويد بن منجوف- وكان سويد رجلا تقتحمه العين وليس بذى منظرة «١٥» :
وما جذع سوء خرّق السوس أصله «١٦» ... لما حمّلته وائل بمطيق
ويروى:
خرّب السوس جوفه
وكان الأخطل «١٧» مع مهارته وشعره يسقط: كان مدح سماكا الأسدى، وهو
стр. 178
سماك الهالكىّ بن عمير «١٨» بن عمرو بن أسد، وبنو عمير يلقّبون القيون، ومسجد سماك بالكوفة معروف، وكان من أهلها، فخرج أيام علىّ ﵇ هاربا حتى لحق بالجزيرة، فمدحه الأخطل فقال «١٩» :
نعم المجير سماك من بنى أسد ... بالمرج «٢٠» إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه «٢١» ... فاليوم طيّر «٢٢» عن أثوابه الشّرر
ويروى [٦٣] :
قد كنت أنبؤه فينا وأخبره ... إن سماكا بنى مجدا لأسرته
حتى الممات، وفعل الخير يبتدر
فقال سماك: يا أخطل؛ أردت مدحى فهجوتنى؛ كان الناس يقولون قولا فحقّقته.
فلما هجا سويدا قال له سويد: يا أبا مالك؛ ما تحسن أن تهجو، ولا أن تمدح؛ لقد أردت مدح الأسدى فهجوته، يعنى قوله:
قد كنت أحسبه قينا
كان الناس يقولون قينا فحققتها، وأردت هجائى فمدحتنى؛ جعلت وائلا كلها حمّلتنى أمورها، وما طمعت فى بنى ثعلبة فضلا عن بكر؛ فزدتنى تغلب «٢٣» .
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حمل الأخطل حمالات فى قومه، فقدم الكوفة فلقى رجالات بكر بن وائل، فسألهم، فقال له الغضبان بن القبعثرى: نعم ونعمة عين، أنت مخيّر: فإن شئت فألفين، وإن شئت فدرهمين. فقال: وما الألفان؟ وما الدرهمان؟ قال: إن شئت أعطيتك ألفين فلم يعطك مثلها من قومك إلا قليل، وإن شئت أعطيتك درهمين فلا يبقى من بكر بن وائل أحد إلا أعطاك درهمين، وأكتب لك إلى البصرة، فتأتى قومك، فتخارج لك بكر كلّها وترجع، وقد جمعنا لك، فيسهل على قومك الخرج، ويكثر لك النيل.
стр. 179
قال: فهذه إذا. وانحدر إلى البصرة- وأميرها يومئذ بشر بن مروان- فأتى مجلس بنى سدوس وسيّدهم يومئذ سويد بن منجوف، ومعه فى مجلسه رجل من بنى أسعد بن همّام، فتكلم الأخطل، وذكر حمالته، وأنه آلى ألّا يكلم فيها إلا ربعيّا؛ فأقبل عليه الأسعدى فقال: أولست الذى يقول:
إذا ما قلت قد صالحت بكرا ... أبى الأضغان لا النسب البعيد
وذكر الأبيات «٢٤» . فهيّجهم عليه، فقالوا: لا، لعمر الله، لا نرفدك ولا نعينك، وإنك منّا للهوان لأهل. فوثب الأخطل وهو يقول «٢٥» :
متى آت الأراقم لا يضرنى ... نبيب الأسعدىّ وما يقول
فإن تمنع سدوس درهميها ... فإنّ الريح طيّبة قبول
وإنّ بنى أميّة ألبستنى ... رداء كرامة ليست تزول
سيحملها أبو مروان بشر ... فذاك لكل مضلعة حمول
ويكفينى الذى استكفيت منه ... بفعل لا يمنّ ولا يحول
تواكلنى بنو العلّات منهم ... وغالت مالكا ويزيد غول
قريعا «٢٦» وائل ذهبا جميعا ... كأنّ الأرض بعدهما محول
ثم أتى بشرا فأنشده شعره، وشكا إليه الأسعدى. قال: وكم حمالتك يا أبا مالك؟
فأخبره. فأضعفها له. فقال الأخطل يهجو سويدا:
وما جذع سوء خرّق السوس جوفه ... لما حمّلته وائل بمطيق
فقال له سويد: يا أبا مالك، لا والله ما تحسن تهجو ولا تحسن تمدح، بل تريد الهجاء فيكون مديحا، وتريد المديح فيكون هجاء؛ قلت لى وأنت تريد هجائى: لما حملته وائل بمطيق، فجعلت وائل حمّلتنى أمورها؛ وما طمعت فى ذلك من بنى ثعلبة «٢٧» فضلا
стр. 180
عن بكر بن وائل، ومدحت فى نفسك سماك بن عمير أخا بنى أسد، وأردت أن تنفى عنه [٦٤] شيئا فحققته عليه حين تقول:
نعم المجير سماك من بنى أسد ... بالمرج إذ حملت جيرانها مضر
وذكر الأبيات.
هو سماك بن عمير بن عمرو، وبنو عمرو يدعون القيون. فلما سمع سماك الشعر قال: أبا مالك؛ كان هذا نبزا «٢٨» ننبز به، فأردت نفيه عنا فأثبتّه علينا.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وعبد الله بن يحيى، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: سمعت أبا قبيصة محمد بن حرب بن قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالى- وكان رجل أهل البصرة يوم مات- وأنشد قول الأخطل وهو يهجو قيسا:
وثائر قيس لا ينام ولا ينى ... وإلّا يجد إلّا الغشيمة يغشم «٢٩»
فقال: جزى أبو مالك خيرا، فقد بالغ فى المديح.
ومثل هذا وهو يهجو قيسا أيضا ويحض على زفر بن الحارث، فقال- وهو يخاطب عبد الله بن مروان «٣٠» :
بنى أميّة إنى ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر «٣١»
يظلّ مفترشا كالليث «٣٢» كلكله ... لوقعة كائن فيها له جزر «٣٣»
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: يروى أن الأخطل كان فى مجلس ذكر أهله الشعراء، فقال: أين تجعلونى منهم؟ قالوا: أين تجعلك وقد
стр. 181
أخطأت فى أربع لا يخطأ فى مثلهن؟ قال: وما هنّ؟ قالوا: قلت فى زفر وأنت تريد أن تضع منه فرفعته حتى خوفت منه. فقال: صدقتم. وماذا؟ قالوا: وضغوت «٣٤» من الجحاف ضغوة أبقيت عارها على قومك إلى يوم القيامة. قال: صدقتم. وماذا؟ قالوا:
أردت هجاء سويد بن منجوف فمدحته. قال: صدقتم. وماذا؟ قالوا: أردت مديح سماك بن خرشة فهجوته. قال: صدقتم.
وأما خبر الجحاف فأخبرنى محمد بن يحيى قال: حدثنا الفضل بن الحباب عن دماذ، عن أبى عبيدة، قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان وعنده الجحاف بن حكيم السلمى- وقد كان الجحّاف اعتزل حربهم تحرّجا ولم يدخل فى شىء منها- فلما رآه الأخطل عند عبد الملك قال «٣٥» :
ألا أبلغ الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى «٣٦» أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحّاف من عند عبد الملك وهو يجرّ مطرفه غضبا.
فقال عبد الملك للأخطل: ما أراك إلّا قد جررت على قومك شرّا. ومضى الجحّاف، فأتى قومه وافتعل كتابا، وحشا جربا ترابا، وقال: إن عبد الملك قد ولّانى بلاد بنى تغلب، وهذه الجرب فيها المال؛ فتأهّبوا وامضوا معى. فمضوا معه.
فلما أشرف على بلاد بنى تغلب نثر التراب، وخرّق الكتاب، وقال: ما من ولاية؛ ولكنى غضبت لكم- وأخبرهم بقول الأخطل عند عبد الملك- فاثأروا بقومكم. فشدّ على بنى تغلب بالبشر ليلا، وهم غارّون آمنون، فقتل منهم مقتلة عظيمة. وهرب الأخطل من ليلته مستغيثا بعبد الملك، فلما دخل عليه قال «٣٧» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإلّا تغيّرها «٣٨» قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل
стр. 182
فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللّخناء؟ قال: إلى النار يا أمير المؤمنين. قال: لو قلت غيرها قطعت لسانك.
ثم إن الجحّاف لقى [٦٥] الأخطل بعد ذلك فقال «٣٩» :
أبا مالك هلى لمتنى إذ حضضتنى ... على القتل، أم هل لامنى لك لائم؟
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، وحدثنى عبد الله بن يحيى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله الزّهرى، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان- أنه حضر الجحاف بن حكيم السّلمى والأخطل عند عبد الملك بن مروان والأخطل ينشد:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
قال: فقبض الجحاف وجهه فى وجه الأخطل ثم قال:
نعم سوف نبكيهم بكل مهنّد ... وننعى عميرا بالرّماح الشواجر
يعنى عمير بن الحباب السّلمى. ثم قال: لقد ظننت يا بن النصرانية أنك لم تكن لتجترئ على ولو رأيتنى مأسورا. وأوعده.
فما زال الأخطل من موضعه حتى حمّ. فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. قال:
هبك أجرتنى منه يقظان فمن يجيرنى منه نائما؟ قال: فضحك عبد الملك.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٤٠» : من الأبيات التى زادت قريحة قائلها على عقولهم قول الأخطل: ألا سائل الجحاف ... البيت. فقدّر أنه يعيّر الجحّاف بهذا القول ويقصّر به، فأجراه الجحاف مجرى التحريض، ففعل بقومه ما دعا الأخطل إلى أن قال:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ...
البيت.
стр. 183
فلو سكت عن هذا بعد ذلك القول الأول كان أجمل به ثم لم يرض حتى أوعد وتهدد عند ذلك الخليفة:
فإن لم تغيّرها قريش بملكها ...
البيت.
وكقوله أيضا «٤١» :
لا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعا لبنى ذكوان إذ عثروا
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضّجر
فقال له عبد الملك: لو كان كما زعمت لما قلت:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ...
البيت.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سألت بشارا الأعمى فقلت: يا أبا معاذ، أى الثلاثة أشعر جرير أو الفرزدق أو الأخطل؟ وكان عالما بصيرا- فقال: لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال بشار بن برد: والله ما كان الأخطل مثل جرير والفرزدق، ولكنهما كانا من مضر فكرهت ربيعة ألا يكون منها مثلهما فتعصّبت له ورفعت منه؛ ولقد كان يجتمع هو وجماعة من قومه على شرابهم، فيقول هذا بيتين ويقول هو الأكثر، ويختار الأخطل حتى تجتمع قصيدة، فيبعث بها إلى جرير. قال الصولى:
ولا أدرى ما هذا القول.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى إسحاق الطّلحى، قال: أخبرنى إبراهيم بن سعدان، قال: قال ابن بشير المدينى: وفدت إلى بعض ملوك بنى أمية، فمررت بقرية فإذا رجل مرنّح بالشراب قائم يبول، فسألته عن الطريق فقال: أمامك. ثم لحقنى فقال: ادن دونك وعليك الحانة. فدخلت فاجترّ سفرة، واستلّ سلّة، فأخرج منها رغفانا ووذرا «٤٢» من لحم، فقال: أصب. فأصبت؛ ثم سقانى [٦٦] خمرا فإذا أبو
стр. 184
مالك «٤٣» . ثم قال: كيف علمك بالشعر؟ قلت: رويت. فأنشدنى قصيدته «٤٤» :
صرمت حبالك زينب ورعوم
فلما انتهى إلى قوله:
حتى إذا أخذ الزّجاج أكفّنا ... نفحت فأدرك ريحها المزكوم
قال. ألست تزعم أنك تبصر الشعر؟ قلت: بلى. قال: فكيف لم تشقّ بطنك فضلا عن ثوبك عند هذا البيت؟ قلت: قد فعلت عند البيت الذى سرقت هذا منه. قال:
وما هو؟ قلت: بيت الأعشى «٤٥» :
من خمر عانة قد أتى لختامها ... حول تفضّ غمامة المزكوم «٤٦»
فقال: أنت تبصر الشعر.
فلما صرت إلى سليمان سمرت معه بهذا أول بدأتى.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنا التّوزى: قال: اختصم رجلان أحدهما من بنى قيس بن ثعلبة، والآخر من بنى تغلب إلى رجل من النمر بن قاسط فى قول الأعشى:
من خمر عانة قد أتى لختامها
... البيت.
وقول الأخطل «٤٧» .
وإذا تعاورت الأكفّ زجاجها ... نفحت فنال «٤٨» رياحها المزكوم
стр. 185
فقال النمرى: والله ما سوّى بينهما، إنما جعلها الأخطل ينال المزكوم رياحها وجعلها الآخر تستلّ زكامه.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنا مالك بن غسان بن مسمع المسمعى، قال: حدثنا حسان بن أدهم المازنى- وكان علّامة؛ وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا الهيثم بن عدىّ، قالا: دخل الشعبى على الأخطل فوجده ثملا من النبيذ وحوله لخالخ «٤٩» ورياحين، فقال له: يا شعبى؛ فعل الأخطل بأمهات الشعراء، ترفث. فقال له الشعبى: بم ذاك يا أبا مالك؟ قال: بقولى «٥٠» :
وتظلّ تنصفنا «٥١» بها قرويّة ... إبريقها برقاعه ملثوم
فإذا تعاورت الأكفّ زجاجها ... نفحت فنال «٥٢» رياحها المزكوم
فقال له الشعبى: فأشعر منك الذى يقول «٥٣» :
وأدكن عاتق جحل سبحل «٥٤» ... صبحت براحه شربا كراما
من اللائى «٥٥» حملن على الروايا «٥٦» ... كريح المسك تستلّ الزّكاما
فقال له الأخطل: من يقول هذا يا شعبى؟ قال: الأعشى. فقال: قدّوس قدوس، فعل الأعشى بأمهات الشعراء.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا إسماعيل بن أبى محمد، قال: أخبرنى أبى- يعنى أبا محمد اليزيدى- قال: تذاكر
стр. 186
الفرزدق والأخطل جريرا؛ فقال له الأخطل: والله إنك وإياى لأشعر منه، غير أنه قد أعطى من سيرورة الشعر شيئا ما أعطيه أحد؛ لقد قلت بيتا ما أعرف فى الدنيا بيتا أهجى منه «٥٧» :
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولى على النار
تمامه:
فتمسك البول بخلا لا تجود به ... ولا تبول لهم إلا بمقدار
والخبز كالعنبر الوردىّ عندهم ... والقمح سبعون إردبّا بدينار
فقال هو: «٥٨»
والتغلبىّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فلم يبق سقّاء «٥٩» ولا أمة إلا رواه.
قال: فقضيا يومئذ لجرير أنه أسير شعرا منهما.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى [٦٧] على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قالا: قال جرير:
إنه والله ما يهجونى الأخطل وحده، وإنه ليهجونى معه خمسون شاعرا كلّهم غزير ليس بدون الأخطل، وذلك أنه إذا أراد هجائى جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا وهذا بيتا حتى يتمّوا القصيدة وينتحلها الأخطل.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى محمد بن سلام، قال: قلت لعبّاد بن الحجاج أبى الخطاب- وكان يميل إلى الشعوبية، وكان عالما بالشعر، مائلا إلى الأخطل يتعصّب بالرّبعية: أترى الأخطل مجيدا فى مديحه لعبد الملك حيث يقول «٦٠» :
وقد جعل الله الخلافة فيكم ... لأزهر لا عارى الخوان ولا جدب
стр. 187
فقال: نتف ابن النصرانية إبطيه.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطّار، عن العنزى، قال: حدثنى يزيد بن محمد المهلّبى، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، وأخبرنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق الموصلى، عن السعيدى خالد بن سعيد من ولد سعيد بن العاص، قال: كان الأخطل يقول: نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: قال الأخطل لعبد الملك بن مروان: أيزعم ابن المراغة أنه بلغ مدحتك فى ثلاثة أيام وقد أفنيت بمديحك فى قصيدة حولا ما بلغت كلّ الذى أردت؟ فقال له عبد الملك: فأنشدنى؛ فأنشده «٦١» :
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا «٦٢»
فقال عبد الملك: بل منك إن شاء الله- تطيّرا.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال:
حدثنى محمد بن صالح بن النطاح، عن كهمس بن الحسن، قال: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
تطيّر عبد الملك، فقال: لابل منك، لابل منك، فجعله الأخطل:
فراحوا اليوم أو بكروا
قال على بن يحيى: وذكر بعض أهل العلم أنه لما انتهى من القصيدة إلى قوله:
وقد نصرت أمير المؤمنين بنا ... لما أتاك ببطن الغوطة الخبر
فقال عبد الملك: بل الله أيّدنى.
стр. 188
وحدثنا محمد بن القاسم الأنبارى، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد، قال: حدثنى أبى، وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد العثمانى، قال: حدثنى أبى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة؛ قالا: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
قال عبد الملك: بل منك، لا أم لك! وتطير عبد الملك من قوله، فعاد فقال:
فراحوا اليوم أو بكروا
стр. 189
٤- كثير بن عبد الرحمن [١]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: تعلّق الناس على كثيّر بقوله «١» :
فإنّ أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات الصّدر منى فنالها
وقوله «٢» :
ترى ابن أبى العاص وقد صفّ «٣» دونه ... ثمانون ألفا قد توافت كمولها
يقلّب عينى حيّة بمحارة «٤» ... إذا أمكنته شدّة «٥» لا يقيلها [٦٨]
قال محمد: فقلت لابن أبى حفصة: من جودة مديحه هذا جعل دونه ثمانين ألفا! وجعله يقلّب عينى حيّة بمحارة، وجعل أمير المؤمنين غزا كامنات صدره؛ فقال: هذا النابغة قال لملك العرب «٦» :
احكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثّمد «٧»
فأمره أن يحكم بحكم فتاة.
стр. 190
قال: وقال كثيّر لعبد العزيز بن مروان «٨» :
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكانها «٩» ضبابى
ويرقينى لك الراقون حتى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
وحدثنى على بن هارون، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سلام عن أبيه، قال: ذاكرت مروان بن أبى حفصة جريرا والفرزدق وكثيّرا فذهب إلى تقديم كثيّر فى المدح، وجعل يطريه، ويقول: هو أمدحهم للخلفاء؛ فقلت: أمن جودة مدحه قوله لعبد الملك:
تر ابن أبى العاص وقد صفّ دونه ... ثمانين ألفا....
وذكره والبيت الذى يليه- وهو الخليفة ودونه ثمانون ألفا، وجعله يقلب عينى حية، وقوله «١٠» :
وإن أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات الصّدر منى فنالها
زعم أن أمير المؤمنين غزا كامنات صدره فنالها؛ وقوله لعبد العزيز بن مروان:
وما زالت رقاك تسل ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الراقون «١١» حتى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
زعم أنّ عبد العزيز ترضّاه، واحتال له، ورقاه حتى أجابه؛ أهكذا يمدح الملوك! فقال: أنتم وأهل الكوفة تعيبونه بهذا.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان غضب من قول كثير لعبد العزيز بن مروان:
فما زالت رقاك تسلّ ضغنى
стр. 191
وذكر البيتين. فبلغ ذلك كثيرا، [فقال] «١٢» : لله علىّ أن أقول مثلها فيه، وقال:
وإنّ أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات النّصح منى فنالها
فأشاح له عليها؛ أى أعرض له عن ذلك.
وحدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: قال محمد بن على لكثيّر: تزعم أنك من شيعتنا، وتمدح آل مروان؟ قال: إنما أسخر منهم، وأجعلهم حيات وعقارب، وآخذ أموالهم. وقد كان عتب على عبد العزيز بن مروان، فنفر عنه بعض النفور، فقال:
وكنت عتبت معتبة فلجّت ... بى الغلواء عن سنن العتاب
فما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وذكرهما.
فقال عبد الملك لعبد العزيز: ما مدحك، إنما جعلك راقيا للحيّات. فذكر ذلك عبد العزيز لكثيّر؛ فقال: قد فعلها! أما والله لأجعلنّه حيّة ثم لا ينكر ذلك. وقال لعبد الملك:
يقلّب عينى حيّة بمحارة ... أضاف إليها الساريات سبيلها
ويروى:
أضاف إليها السّيل وعرا سبيلها
يصدّ ويغضى وهو ليث خفيّة «١٣» ... إذا أمكنته عدوة لا يقيلها
فأعطاه عبد الملك وأحسن إليه.
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال إسحاق الموصلى: ذكروا أنّ [٦٩] محمد بن على قال: ويحك يا كثيّر، أنت من شيعتنا.. وذكر مثله إلى آخره.
стр. 192
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام، عن أبان بن عثمان البجلى، قال: دخل كثير على عبد الملك فأنشده. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب. قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلام، قال: قال يونس: أنشد كثيّر عبد الملك مدحته التى يقول فيها «١٤» :
على ابن أبى العاصى دلاص حصينة ... أجاد المسدّى سردها وأذالها «١٥»
يؤود القوم حمل قتيرها ... ويستضلع القوم الأشمّ احتمالها «١٦»
فقال له عبد الملك: قول الأعشى «١٧» لقيس بن معدى كرب أحبّ إلىّ من قولك إذ تقول.
وقال ابن أبى خيثمة فى حديثه: ألا قلت كما قال الأعشى «١٨» :
وإذا تجىء كتيبة ملمومة ... خرساء يخشى الذائدون نهالها «١٩»
كنت المقدّم غير لابس جنّة ... بالسّيف تضرب معلما أبطالها
فقال: يا أمير المؤمنين، وصف الأعشى صاحبه بالطيش والخرق والتغرير، ووصفتك بالحزم والعزم. فأرضاه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: رأيت أهل العلم بالشعر يفضّلون قول الأعشى فى هذا المعنى على قول كثير؛ لأن المبالغة أحسن عندهم من الاقتصار على الأمر الأوسط، والأعشى بالغ فى وصف الشجاعة حتى جعل الشجاع شديد الإقدام بغير
стр. 193
جنّة، على أنه وإن كان لبس الجنّة أولى بالحزم وأحقّ بالصواب، ففى وصف الأعشى دليل قوىّ على شدة شجاعة صاحبه؛ لأن الصواب له، ولا لغيره إلا لبس الجنّة.
وقول كثيّر يقصر عن الوصف.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة، وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال:
حدثنا مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قالا: دخل كثّير على عبد العزيز بن مروان فأنشده شعرا، فقال له بعض جلسائه: لحنت. قال: فى أى شىء؟ قال: فى قولك «٢٠» :
لا أنزر النائل الخليل إذا ... ما اعتلّ نزر الظّؤر لم ترم «٢١»
وإنما هو ترأم «٢٢» .
فقال له: اسكت. هكذا كلام قوى.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال «٢٣» : إنما كثّير صاحب كربج- يعنى الحانوت بالفارسية- يبيع الخبط والقطران.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى عن الزّبير، قال:
حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان قال: لو قال كثّير بيته «٢٤» :
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
стр. 194
فى حرب لكان أشعر الناس. ولو أنّ القطامى قال بيته الذى وصف فيه مشية الإبل قوله «٢٥» :
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
فى النساء لكان أشعر الناس.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، عن العتبى، قال:
قال عبد الملك بن مروان: ثلاثة أبيات [٧٠] لو قيلت فى غير ما قيلت فيه لكان أرفع لقدرها، منها قول كثّير «٢٦» :
فقلت لها يا عزّ كل مصيبة
... البيت لو كان فى تقوى وزهد لكان أشعر الناس.
ومنها قوله فى غيره «٢٧» :
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت «٢٨»
لو كان هذا فى وصف الدنيا لكان أجود «٢٩» .
ومنها قول القطامى يصف الإبل: يمشين رهوا ... البيت- لو كان فى صفة النساء كان أبلغ وأحسن.
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٣٠» ، قال: سمعت الناس يستحسنون من قول كثير ويقدمونه فيه:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
قال: وسمعت من يطعن عليه فيه، ويقول: ما له يريد أن ينسى ذكرها؟
стр. 195
وحدثنا أحمد بن سليمان الطّوسى، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى خالد بن وضاح مولى ابن الأشقر، عن عبد الأعلى بن عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحى، قال: كنت فى موكب المهدى يوما وهو يسير بين أبى عبيد الله وعمر بن بزيع، وأنا وراءه. فقال لهما: ما أنسب بيت قالته العرب؟ فقال أبو عبيد الله قول امرىء القيس «٣١» :
وما ذرفت عيناك إلا لتضربى «٣٢» ... بسهميك فى أعشار «٣٣» قلب مقتّل
فقال المهدى: ليس هذا بشىء، هذا أعرابى جلف قحّ. فقال عمر بن بزيع: قول كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
فقال: ولا هذا بشىء، ولم يريد أن ينسى ذكرها حتى تمثّل له؟ وذكر باقى الحديث.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن مسلم بن جندب، قال: سمعت أبى يقول: أنشدنى كثيّر قصيدته التى يقول فيها:
وهم أحلى إذا ما لم نترهم ... على الأحناك من رطب ابن طاب «٣٤»
قال: فقلت له: أفلا قلت من عسل اللّصاب «٣٥» ! قال: فعسل اللصاب والله.
стр. 196
حدثنا محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير، قال:
كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدّثنى سليمان بن عباية، قال: بلغنى أنّ كثّيرا قال:
والله إنى لأروى لجميل ثلاثين قصيدة لا يعرفها الناس ولا يرويها أحد غيرى.
قال الزبير: وحدثنى محمد بن حسن، قال: ذكر كثّير جميلا، فقال: أمتّ له ألف قافية- يقول: سرقتها فغلبت عليها.
حدثنى أحمد بن إبراهيم البزّاز، وأحمد بن محمد الجوهرى؛ قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل العدوى، قال: حدثنا عيينة بن المنهال المهلبى، قال:
حدثنا أبو عمرو المدينى؛ قال: أنشد كثير عزّة عبد الملك بن مروان قوله:
فما رجعوها عنوة عن مودّة ... ولكن بحدّ المشرفىّ استقالها
فقال للأخطل: كيف تسمع! قال: هجاك يا أمير المؤمنين. قال: بل حسدته. فقال الأخطل: ما قلت لك يا أمير المؤمنين أحسن من هذا حيث أقول:
أهلوا من الشهر الحرام فأصبحوا ... موالى ملك لا طريف ولا غصب
فجعلته لك حقّا وجعلك اغتصبته.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى؛ قال: حدثنى أبو يعلى عبيد الله بن [٧١] عبد الله الكاتب، عن عمر بن شبّة، قال: دخلت يوما عزّة على كثّير متنكرة فقالت: أنشدنى أشدّ بيت قلته فى حب عزّة. قال: قلت لها «٣٦» :
وجدت بها وجد المضلّ قلوصه ... بمكة والرّكبان غاد ورائح
قالت: لم تصنع شيئا، قد يجد هذا ناقة يركبها. فأطرق، ثم قال:
وجدت بها ما لم يجد ذو حرارة ... يمارس جمّات الركىّ «٣٧» النوازح
فقالت له: لم تصنع شيئا، يجد هذا من يسقيه. فأطرق. ثم قال:
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد ... بواحدها تطوى عليه الصفائح
стр. 197
فضحكت، ثم قالت: إن كان ولا بدّ فهذا.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات، قال:
أخبرنا الزّبير بن بكار، عن سعيد بن عمرو الزّبيرى، عن إبراهيم بن أبى عبد الله، قال:
أنشد كثّير ابن أبى عتيق «٣٨» :
ولست براض من خليل بنائل ... قليل ولا راض له بقليل
فقال ابن أبى عتيق: هذا كلام مكافئ وليس بعاشق؛ القرشيّان أصدق منك وأقنع:
ابن أبى ربيعة، وابن قيس الرّقيات، قال عمر «٣٩» :
فعدى نائلا وإن لم تنيلى ... إنما ينفع المحبّ الرجاء
وقال عمر «٤٠» :
ليت حظّى كطرفة العين منها ... وكثير منها قليل مهنّا
وقال ابن قيس:
ر قىّ بعمركم لا تهجرينا ... ومنيّنا المنى ثم امطلينا
عدينا فى غد ماشئت إنّا ... نحبّ ولو مطلت الواعدينا
فإمّا تنجزى عدتى وإمّا ... نعيش بما نؤمّل منك حينا
أخبرنى على بن يحيى، عن محمد بن زكريا الغلابى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن هشام بن سليمان، عن السائب بن ذكوان- وكان راوية كثّير- قال: قال لى كثير عزة يوما: اذهب بنا إلى ابن أبى عتيق نتحدّث عنده، فذهبنا إليه فاستنشده ابن أبى عتيق فأنشده:
أبائنة سعدى نعم ستبين
стр. 198
حتى بلغ قوله:
وأخلفن ميعادى وخنّ أمانتى ... وليس لمن خان الأمانة دين
فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة «٤١» ، وعلى الديانة تبعتها؟ فأنشده:
كذبن صفاء الودّ يوم محلّه ... وأدركنى من عهدهنّ رهون
فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة، فذاك والله أصلح لهنّ، وأدعى للقلوب إليهن، كان عبيد الله بن قيس الرقيات أعلم بهنّ منك، وأوضع للصواب مواضعه فيهن حيث يقول:
حبّ هذا الدّلّ والغنج ... والتى فى طرفها دعج
والتى إن حدّثت كذبت ... والتى فى وعدها خلج «٤٢»
وترى فى البيت صورتها ... مثل ما فى البيعة السّرج
خبرونى هل على رجل ... عاشق فى قبلة حرج
قال: فسكن كثير، وقال: لا، إن شاء الله تعالى. قال: فضحك ابن أبى عتيق حتى كاد يغشى عليه.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حكى الزبيريون أن مدينية عرضت لكثيّر فقالت: أأنت القائل. وأخبرنى على بن [٧٢] عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قالت امرأة لكثير: أنت القائل «٤٣» :
فما روضة بالحزن طيّبة الثرى ... يمجّ النّدى جثجاثها «٤٤» وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل «٤٥» الرطب نارها
стр. 199
قال: نعم. قالت: فض الله فاك، أرأيت لو أن ميمونة الزنجية بخّرت بمندل رطب أما كانت تطيب؟ ألا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس «٤٦» :
ألم تر «٤٧» أنى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
قال المبرد: الجثجاث: ريحانة طيبة الريح برّية، والعرار: البهار البرىّ، وهو حسن الصّفرة طيّب الريح، والمندل: العود، وقوله: موهنا، يقول بعد هدء من الليل «٤٨» .
وحدثنى محمد بن قريش، قال: حدثنا الحارث بن أبى أسامة، عن المدائنى، قال «٤٩» : لقيت امرأة كثيرا فى بعض طرق المدينة؛ وأخبرنى عبد الله بن مالك النحوى، قال: أخبرنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه، عن أبى المقوّم الأنصارى، عن السائب راوية كثّير، قال: لقيت امرأة كثّيرا فى بعض الطريق، فقالت: أنت كثيّر؟
قال: نعم. قالت: والله لقد رأيتك فما أخذتك عينى. قال: وأنا والله لقد رأيتك فما قذيت «٥٠» عينى. قالت: والله لقد سفل الله بك، إذ كنت لا تعرف إلّا بامرأة. قال:
والله ما سفل الله بى، ولكن رفع بها ذكرى، واستنار بها أمرى، واستحكم بها شعرى، فهى كما قلت «٥١» :
وإنى لا سمو بالوصال إلى التى ... يكون سناء «٥٢» ذكرها وازديارها «٥٣»
إذا خفيت «٥٤» كانت لعينك قّرة ... وإن تبد يوما لم يعمّمك عارها «٥٥»
стр. 200
قالت: مر «٥٦» فى قصيدتك، فقال:
وما «٥٧» روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها «٥٨»
لها «٥٩» أرج بعد الهدوء كأنما ... تلاقت به عطّارة وتجارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت «٦٠» بالمجمر «٦١» الّلدن نارها
فقالت: فضّ الله فاك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها، ولامرؤ القيس ابن حجر كان أحسن وصفا لصاحبته منك حيث يقول «٦٢» :
خليلىّ مرّا بى على أم جندب ... لنقضى «٦٣» لبانات الفؤاد المعذّب
ألم تر أنى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وحدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: حدثنا عبيد الله بن إسحاق بن سلام، عن رجاله، قال: مدح كثّير بعض ملوك بنى مروان، فخرج ومعه الجائزة وعليه الخلع فتلقّته سوداء، فقالت له: أأنت كثير عزّة؟ قال: نعم. قالت: تبّا لك! أتعرّف بامرأة؟ قال: وما يضيرنى من ذاك؟ فو الله لقد رفع الله بها ذكرى، ونشر فيها شعرى، وأغزر بحرى. قالت: أفلست القائل: فما روضة بالحزن وذكرت الأبيات الثلاثة. ثم قالت: لو أوقدت بالمجمر اللدن نار زنجية لطاب ريحها؛ هلا قلت كما قال سيدك [٧٣] امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب وذكر البيتين.
стр. 201
فانصرف كثير، وهو يقول:
الحقّ أبلج لا يخيل «٦٤» سبيله ... والحقّ يعرفه ذوو الأحلام
وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن سليمان بن أبى شيخ، عن عوانة بن الحكم؛ وذكر مقتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليه، وأمر قطام وعبد الرحمن بن ملجم، وتزويجها إياه ليقتل أمير المؤمنين عليّا ﵇، فبلغ كثّيرا ذلك، فقال: لآتينّها. فأتاها، فقالت قطام لكثير: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه. فقال كثير «٦٥» :
رأت رجلا أودى السّقام «٦٦» بجسمه ... فلم يبق إلا منطق وجناجن «٦٧»
فإن أك معروق العظام فإننى ... إذا ما وزنت القوم «٦٨» بالقوم وازن
وإنى لما استودعتنى من أمانة ... إذا ضيّع الأسرار يا عزّ دافن «٦٩»
قالت: الحمد لله الذى قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بعزّة، قال: والله ما قصر الله بى، فقد سار بها شعرى، وطار بها ذكرى، وقرب بها مجلسى، وطابت نفسى، وإنها كما قلت ووصفت. قالت: فكيف قلت؟ قال: قلت «٧٠» :
وإنا سمونا «٧١» بالوصال إلى التى ... وذكر البيتين.
فقالت له: مرّ فى قصيدتك. فقال:
من الخفرات البيض لم تر غلظة «٧٢» ... وفى الحسب الضّخم الرّفيع نجارها
стр. 202
وما روضة بالحزن طيبة الثرى.. وذكره والبيت الذى بعده.
قالت: فالله ما رأيت شاعرا قطّ أقلّ عقلا ولا أضعف وصفا منك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها؛ لامرؤ القيس أشعر منك وأوصف حيث يقول:
ألم تر أنى كلما جئت طارقا
... البيت.
فقام كثير وهو يقول:
الحقّ أبلج ما يخيل سبيله ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب «٧٣»
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى محمد بن يحيى، عن محمد بن الربيع بن أبى جهمة الجندعى أنّ أباه مرّ على كثير بالروحاء وهو ينشد «٧٤» :
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
فقال له: ويحك يابن أبى جمعة، منذ متى قيل هذا الشعر؟ قال: منذ زمان طويل.
قال: فهذا يقوله صاحبنا أميّة بن الأسكر. قال: هو ذاك يابن أبى جهمة، أنا أحظى به منه.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدثنى الأصمعى، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، قال: مر أعرابى بكثير وهو ينشد:
أودّ لكم خيرا وتطّرحوننى ... أسعد بن ليث لاختلاف الصنائع
ويروى: وتتهموننى أكعب بن عمرو فنادى: عباد الله؛ هذا والله شعرى قلته. فقال كثير: إن يكن لك فما نفعك، وإلّا يكن لك فهو أبعد لك منه.
حدثنى محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير بن بكار،
стр. 203
قال: حدثنى من له علم وثبت من قريش، فيهم عمى مصعب بن عبد الله، عن جدى عبد الله بن مصعب أنّ قول جميل «٧٥» :
أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا ... الهوى واستمرّت بالرجال المرائر [٧٤]
وهبها كشىء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيّبته المقابر
وهما فى قصيدته التى يقول فيها:
أألحقّ إن دار الرّباب تباعدت ... أو إن شطّ ولى «٧٦» أنّ قلبك طائر
قال الزبير: فأغار كثّير على البيتين، فأدخلهما فى قصيدته التى أولها:
عفا واسط من أهله والظواهر
قال الزبير: وحدثنى أبو سلمة موهوب بن رشيد الكلابى أنه سمع الضحاك بن عثمان الحزامى يقول: من أغزل أبيات قالتها العرب أبيات حسان بن يسار التغلبى حين يقول:
أجدّك إن دار الرّباب تباعدت ... أو انبت حبل أنّ قلبك طائر
أمت ذكرها واجعل قديم وصالها ... وعشرتها كبعض من لا تعاشر
وهبها كشىء قد مضى أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر
فقد ضلّ إلا أن تقضّى حاجة ... ببرق جفير دمعك المتبادر
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: تحامل الزبير بن بكار على كثير- فيما جمعه من أخباره، وبيّن عليه من سرقاته- ظاهر، وهو خصم لا يقبل قوله على كثيّر لهجاء كثير لولد عبد الله بن الزبير وانحراف الزبير عن أهل البيت ﵈.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة وغيره- أن سكينة بنت الحسين قالت لكثّير حين أنشدها قصيدته التى أولها «٧٧» :
стр. 204
أشاقك «٧٨» برق آخر الليل واصب «٧٩» تضمّنه فرش الجبا فالمسارب «٨٠»
تألّق واحمومى «٨١» وخيّم بالرّبى ... أحمّ الذّرى ذو هيدب متراكب
إذا زعزعته الريح أرزم «٨٢» جانب ... بلا خلف «٨٣» منه وأومض جانب
وهبت لسعدى ماءه ونباته ... كما كلّ ذى ودّ لمن ودّ واهب
لتروى به سعدى ويروى صديقها ... ويغدق أعداد لها ومشارب
أتهب لها غيثا عاما جعلك الله والناس فيه أسوة؟ فقال: يا بنت رسول الله ﷺ ، وصفت غيثا فأحسنته وأمطرته وأنبتّه وأكملته؛ ثم وهبته لها. فقالت: فهلا وهبت لها دنانير ودراهم! قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٨٤» : من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول كثّير:
فإن أمير المؤمنين برفقه ... غزا كامنات الودّ منى فنالها
وقوله أيضا- يخاطب عبد العزيز بن مروان «٨٥» :
ما «٨٦» برحت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الرّاقون حتى ... أجابك حية تحت الحجاب
وقوله «٨٧» :
ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذى «٨٨» غنى ... بعيرين نرعى فى الخلاء ونعزب [٧٥]
نكون لذى مال كثير مغفّل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
стр. 205
إذا ما وردنا منهلا هاج أهله ... إلينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب «٨٩»
فقالت عزة: أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنية ما هو أوطأ من هذه الحال «٩٠» .
قال: ولجنادة بن نجبة وهو أقبح من قول كثير «٩١» :
من حبّها أتمنى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكى «٩٢» أقول فراق لالقاء له ... أو تضمر «٩٣» النفس يأسا ثم تسلاها
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: أنشد بشار بيت كثّير «٩٤» :
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين
قال: فضحك وقال: لله أبو صخر! جعلها عصا ثم يعتذر لها، والله لو جعلها عصا أو عصا مخّ أو عصا زبد لكان قد أساء. ألا قال كما قلت «٩٥» :
وبيضاء المدامع «٩٦» من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجنان
إذا قامت لسبحتها «٩٧» تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
قال: والخيزرانة كلّ غصن ليّن يتثنى. ويقال للمردىّ «٩٨» خيزرانة إذا كان يتثنى إذا اعتمد عليه.
стр. 206
وأخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال:
أنشد رجل بشارا وأنا حاضر قول الشاعر:
وقد جعل الأعداء ينتقصوننا ... وتطمع فينا ألسن وعيون
إلا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين
قال: فقال بشار: والله لو جعلها عصا مخّ أو عصا زبد لما كان إلا مخطئا مع ذكر العصا، ألا قال كما قلت:
وبيضاء المحاجر من معدّ ... كأن حديثها ثمر الجنان
إذا قامت لصحبتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
ينسيك المنى نظر إليها ... ويصرف وجهها وجه الزمان
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قال: أنشدت امرأة من قريش قول كثير «٩٩» :
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
قالت: إذا لم يكن الحزن عند فراق الجيرة وحنين الإبل فأين يكون؟
стр. 207
٥- راعى الإبل النميرى وعمه [١]
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الرياشى، قال:
حدثنا أبو عبيدة، قال: لما أنشد الراعى عبد الملك بن مروان قصيدته فبلغ قوله «١» :
أخليفة الرّحمن إنّا معشر ... حنفاء «٢» نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله فى أموالنا ... حقّ الزكاة منزّلا تنزيلا
فقال له عبد الملك: ليس هذا شعرا، هذا شرح إسلام، وقراءة آية.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: حدثنى محمد بن حميد، عن عمه؛ وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد؛ قالا: لما أنشد الراعى عبد الملك بن مروان [٧٦] قصيدته التى شكا فيها السّعاة فبلغ قوله «٣» :
وتركت قومى يقسمون أمورهم ... أإليك أم يتلبّثون «٤» قليلا
قال عبد الملك: يتلبثون قليلا رحمك الله! حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن ابن الأعرابى، قال: قال عمارة بن عقيل: قال عم عبيد الراعى [للراعى] «٥» : أيّنا أشعر أنا أم أنت؟ قال: بل أنا يا عم. فغضب وقال: بم ذاك؟ قال: بأنك تقول البيت وابن أخيه وأقول البيت وأخاه.
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: أبو حيّة النميرى أشعر فى عظم الشعر من الراعى.
стр. 208
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعى، قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعى، قال: سئل أبو عمرو بن العلاء عن الراعى النميرى وأبى حية النميرى فقال:
الراعى أكبرهما قدرا وأقدمهما.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن الراعى، قال: ليس بفحل. وقد أنكر على الراعى قوله:
فلما أتاها حبتر بسلاحه ... مضى غير مبهور ومنصله انتضى
أراد انتضى منصله، فقدم وأخّر.
٦- القطامى [١]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: كان زفر بن الحارث الكلابى قد أسر القطامى فى حرب بينهم وبين تغلب، فمنّ عليه وأعطاه مائة من الإبل وردّ عليه ماله، فمدحه القطامى بقصيدة طويلة يقول فيها «٦» :
من مبلغ زفر القيسىّ مدحته ... عن القطامىّ قولا غير إفناد «٧»
فلما بلغ القطامىّ قوله فيها:
فإن قدرت على يوم جزيت به ... والله يجعل أقواما بمرصاد
قال زفر: لا قدرت على ذلك اليوم.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: حدثنى
стр. 209
محمد بن حميد، عن عمه، قال: لما أنشد القطامى زفر بن الحارث هذا البيت قال له زفر: لا قدرك «٨» الله على ذلك.
٧- أخبار تشتمل على ذكر جماعة من شعراء الإسلام
حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، عن مصعب بن عبد الله الزّبيرى؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة؛ قالا: يروى أنه اجتمع «٩» بالمدينة راوية جرير وراوية نصيب وراوية كثّير وراوية جميل وراوية الأحوص، فادّعى كلّ رجل منهم أنّ صاحبه أشعر، ثم تراضوا بسكينة بنت الحسين، فأتوها فأخبروها، فقالت لصاحب جرير: أليس صاحبك الذى يقول «١٠» :
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام
وأىّ ساعة أحلى للزيارة من الطروق «١١» ، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لصاحب كثّير: أليس صاحبك الذى يقول «١٢» :
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها ... وأحسن شىء ما به العين قرّت
كأنى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّم لو تمشى بها العصم زلّت «١٣»
صفوحا «١٤» فما تلقاك إلّا بخيلة ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت [٧٧]
خليلى هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت
стр. 210
فليس شىء أحبّ إليهن ولا أقرّ لأعينهن من النكاح؛ أفيحبّ صاحبك أن ينكح! قبحه الله وقبّح شعره! ثم قالت لصاحب جميل: أليس صاحبك الذى يقول «١٥» :
فلو تركت عقلى معى ما طلبتها «١٦» ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
فإن وجدت نعل بأرض مضلّة ... من الأرض يوما فاعلمى أنها نعلى
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلى «١٧»
ما أرى لصاحبك هوى؛ إنما يطلب عقله، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لصاحب نصيب: أليس صاحبك الذى يقول «١٨» :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزانى من ذا يهيم بها بعدى
كأنه يتمنّى لها من يتعشّقها بعده؛ قبح الله صاحبك وقبح شعره؛ ألا قال:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى
ثم قالت لصاحب الأحوص: أليس صاحبك الذى يقول:
من عاشقين تواصلا وتواعدا ... ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
باتا بأنعم عيشة وألذّها ... حتى إذا وضح النهار تفرّقا
قبح الله صاحبك وقبّح شعره؛ ألا قال: تعانقا.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: فى هذا الخبر خطأ عند ذكر كثير؛ لأنّ البيت الذى أوله: يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها للأحوص بن محمد.
قال محمد بن القاسم الأنبارى: أخبرنا عبد الله بن بيان، قال: قال الهيثم بن عدى
стр. 211
عن صالح بن حسان، قال: كانت عقيلة بنت عقيل بن أبى طالب تجلس للناس، فبينا هى جالسة إذ قيل لها: العذرى بالباب. فقالت: ائذنوا له. فدخل. فقالت له: أأنت القائل «١٩» :
فلو تركت عقلى معى ما بكيتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
إنما تطلبها عند ذهاب عقلك، لولا أبيات بلغتنى عنك ما أذنت لك، وهى «٢٠» :
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد
فلا أنا مرجوع «٢١» بما جئت طالبا ... ولا حبّها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى منى إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود
ثم قيل: هذا كثير عزة والأحوص بالباب. فقالت: ائذنوا لهما. ثم أقبلت على كثير، فقالت: أما أنت يا كثير فألأم العرب عهدا فى قولك «٢٢» :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لى ليلى بكل سبيل
ولم تريد أن تنسى ذكرها؟ أما تطلبها إلا إذا مثلت لك! أما والله لولا بيتان قلتهما ما التفتّ إليك، وهما قولك:
فيا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدّهر «٢٣»
стр. 212
ثم أقبلت على الأحوص فقالت: وأما أنت يا أحوص فأقلّ العرب وفاء فى قولك:
من عاشقين تراسلا فتواعدا ... ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
بعثا أمامهما مخافة رقبة ... عبدا ففرّق عنهما ما أشفقا
باتا بأنعم عيشة وألذّها ... حتى إذا وضح الصباح تفرّقا [٧٨]
ألا قلت: تعانقا، أما والله لولا بيت قلته ما أذنت لك، وهو:
كم من دنىّ لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها صار لى تبعا
ثم أمرت بهم فأخرجوا إلا كثيرا، وأمرت جواريها أن يكتفنه، وقالت له: يا فاسق، أنت القائل «٢٤» :
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
أين الحزن إلا عند هذا؟ خرّقن ثوبه يا جوارى. فقال: جعلنى الله فداءك! إنى قد أعقبت بما هو أحسن من هذا. ثم أنشدها «٢٥» :
أأزمعت بينا عاجلا وتركتنى ... كئيبا سقيما جالسا أتلدّد «٢٦»
وبين التراقى واللهاة حرارة ... مكان الشّجا ما تطمئنّ «٢٧» فتبرد
فقالت: خلّين عنه يا جوارى. وأمرت له بمائة دينار وحلّة يمانية، فقبضها وانصرف.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وأخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، ومحمد بن أبى الأزهر، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، [عن] «٢٨» أحمد بن يحيى النحوى، عن بعض رجاله، وحدثنى علىّ بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال:
стр. 213
حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: حدثنى عثمان بن حفص الثّقفى، وأخبرنى عمر بن داود العمانى، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الأسدى، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن أبى عبد الله الزبيرى- وبعضهم يزيد على بعض- أن عمر بن أبى ربيعة قدم المدينة فأقام بها حينا وأطال، ففى ذلك يقول:
يا خليلىّ قد مللت ثوائى ... بالمصلّى وقد شنئت البقيعا
بلّغانى ديار هند وسعدى ... وارجعانى فقد هويت الرّجوعا
ثم أراد الانصراف، فقال له الأحوص: أشيّعك. وخرج معه حتى نزلا ودّان، وبها منزل نصيب، فعارضهما وصار معهما، حتى إذا نزلوا الجحفة أو عسفان خرج الأحوص لحاجة له فرأى كثيّرا، فرجع فأخبرهما، فقال عمر: ابعثوا إليه ليصير إلينا. فقال الأحوص: أهو يصير إليك؟ هو والله أعظم كبرا من ذلك وأتيه. قال: فإذا نصير إليه.
فصاروا إليه، فوجدوه جالسا على فروة، فو الله ما رفع منهم أحدا، ولا أوسع لعمر بن أبى ربيعة، قال: فجلسوا إليه فتحدثوا قليلا، ثم أقبل على ابن أبى ربيعة فقال: يا عمر- وقال بعضهم: يا أخا قريش- والله والله لقد قلت فأحسنت فى كثير من شعرك، ولكنك تخطئ الطريق، تشبب بها ثم تدعها وتشبب بنفسك، اخبرنى عن قولك «٢٩» :
قالت لترب لها تحدثها «٣٠» ... لتفسدنّ الطواف فى عمر
ويروى:
قالت لأخت لها تعاتبها ... لتفسدنّ......
قومى تصدّى له ليبصرنا ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر
ويروى:
قالت تصدّى له ليعرفنا ... ............
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرّت تشتدّ «٣١» فى أثرى
стр. 214
أردت أن تنسب بها فنسبت بنفسك، والله لو وصفت بهذا هرّة أهلك- أو قال منزلك- كنت قد أسأت صفتها. أهكذا يقال للمرأة؟ إنما توصف بالخفر، وأنها مطلوبة ممنّعة؛ هلا قلت كما قال هذا- وضرب بيده على كتف الأحوص:
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإنى إلى معروفها لفقير
وقد أنكروا عند اعتراف زيارتى ... وقد وغرت فيها علىّ صدور [٧٩]
أزور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما زرت حيث أزور
قال ثعلب: «أدور» ؛ وهى الرواية، وهكذا رواه المبرد. وقل فى آخره: ما درت حيث أدور.
أزور على أن ليس ينفكّ كلما ... أتيت عدوّ بالبنان يشير
وما كنت زوّارا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لابد أن سيزور
هكذا والله يكون الشعر وصفة النساء. فارتاح الأحوص وامتلأ سرورا وانكسر عمر.
ثم أقبل على الأحوص، فقال: وأنت يا أحوص، أخبرنى عن قولك «٣٢» :
فإن تصلى أصلك وإن تبينى «٣٣» ... بصرمك «٣٤» قبل وصلك لا أبالى
وإنى للمودّة ذو حفاظ ... أواصل من يهشّ إلى وصالى
وأقطع حبل ذى ملق كذوب ... سريع فى الخطوب إلى انتقال
ويلك! أهكذا يقول الفحول؟ أما والله لو كنت فحلا ما قلت هذا لها- وقال بعضهم: أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت؛ هلا قلت كما قال هذا الأسود- وضرب بيده على جنب نصيب «٣٥» :
стр. 215
بزينب ألمم قبل أن يرحل «٣٦» الركب ... وقل إن تملّينا فما ملّك القلب
وقل إنّ قرب الدار يطلبه العدى ... قديما ونأى الدار يطلبه القرب
وقل إن أنل بالحب منك مودّة ... فما فوق ما لا قيت من حبكم حب
وقل فى تجنّيها لك الذنب، إنما ... عتابك من عاتبت فيما له ذنب
قال: فانتفخ نصيب، وانكسر الأحوص.
قال: ثم أقبل على نصيب فقال: ولكن أخبرنى عن قولك يابن السوداء «٣٧» :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزنى من ذايهيم بها بعدى
ودعد مشوب الدّل توليك شيمة ... لشكّ فلا قربى بدعد ولا بعدى
كأنك اغتممت ألّا يفعل بها بعدك- كذا لا يكنى- وقال بعضهم فى روايته: أيهمّك من ينكحها بعدك، والرجال أكثر مما تظن.
فقال بعض القوم لبعض: انهضوا فقد استوت القرقة «٣٨» . فلما خرجوا من عنده قال عمر: هذا أخبث مدخول عليه فى العرب.
قال المبرد: القرقة لعبة يلعب بها على خطوط فاستواؤها انقضاؤها، وهى تسمى الطّبن «٣٩» ، والعامة تسميها السّدّر «٤٠» .:
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، عن العنزى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر، قال: حدثنا لقيط بن بكير المحاربى، قال: قدم البعيث على مسلمة بن عبد الملك، وذكر حديثا، قا فى آخره: ثم قال مسمة للبعيث: حدثنى من أشعر العرب. قال: أعيار «٤١» تركتها بالصمّان من بنى