عن صالح بن حسان، قال: كانت عقيلة بنت عقيل بن أبى طالب تجلس للناس، فبينا هى جالسة إذ قيل لها: العذرى بالباب. فقالت: ائذنوا له. فدخل. فقالت له: أأنت القائل «١٩» :
فلو تركت عقلى معى ما بكيتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
إنما تطلبها عند ذهاب عقلك، لولا أبيات بلغتنى عنك ما أذنت لك، وهى «٢٠» :
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد
فلا أنا مرجوع «٢١» بما جئت طالبا ... ولا حبّها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى منى إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود
ثم قيل: هذا كثير عزة والأحوص بالباب. فقالت: ائذنوا لهما. ثم أقبلت على كثير، فقالت: أما أنت يا كثير فألأم العرب عهدا فى قولك «٢٢» :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لى ليلى بكل سبيل
ولم تريد أن تنسى ذكرها؟ أما تطلبها إلا إذا مثلت لك! أما والله لولا بيتان قلتهما ما التفتّ إليك، وهما قولك:
فيا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدّهر «٢٣»
стр. 212
ثم أقبلت على الأحوص فقالت: وأما أنت يا أحوص فأقلّ العرب وفاء فى قولك:
من عاشقين تراسلا فتواعدا ... ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
بعثا أمامهما مخافة رقبة ... عبدا ففرّق عنهما ما أشفقا
باتا بأنعم عيشة وألذّها ... حتى إذا وضح الصباح تفرّقا [٧٨]
ألا قلت: تعانقا، أما والله لولا بيت قلته ما أذنت لك، وهو:
كم من دنىّ لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها صار لى تبعا
ثم أمرت بهم فأخرجوا إلا كثيرا، وأمرت جواريها أن يكتفنه، وقالت له: يا فاسق، أنت القائل «٢٤» :
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
أين الحزن إلا عند هذا؟ خرّقن ثوبه يا جوارى. فقال: جعلنى الله فداءك! إنى قد أعقبت بما هو أحسن من هذا. ثم أنشدها «٢٥» :
أأزمعت بينا عاجلا وتركتنى ... كئيبا سقيما جالسا أتلدّد «٢٦»
وبين التراقى واللهاة حرارة ... مكان الشّجا ما تطمئنّ «٢٧» فتبرد
فقالت: خلّين عنه يا جوارى. وأمرت له بمائة دينار وحلّة يمانية، فقبضها وانصرف.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وأخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، ومحمد بن أبى الأزهر، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، [عن] «٢٨» أحمد بن يحيى النحوى، عن بعض رجاله، وحدثنى علىّ بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال:
стр. 213
حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: حدثنى عثمان بن حفص الثّقفى، وأخبرنى عمر بن داود العمانى، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الأسدى، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن أبى عبد الله الزبيرى- وبعضهم يزيد على بعض- أن عمر بن أبى ربيعة قدم المدينة فأقام بها حينا وأطال، ففى ذلك يقول:
يا خليلىّ قد مللت ثوائى ... بالمصلّى وقد شنئت البقيعا
بلّغانى ديار هند وسعدى ... وارجعانى فقد هويت الرّجوعا
ثم أراد الانصراف، فقال له الأحوص: أشيّعك. وخرج معه حتى نزلا ودّان، وبها منزل نصيب، فعارضهما وصار معهما، حتى إذا نزلوا الجحفة أو عسفان خرج الأحوص لحاجة له فرأى كثيّرا، فرجع فأخبرهما، فقال عمر: ابعثوا إليه ليصير إلينا. فقال الأحوص: أهو يصير إليك؟ هو والله أعظم كبرا من ذلك وأتيه. قال: فإذا نصير إليه.
فصاروا إليه، فوجدوه جالسا على فروة، فو الله ما رفع منهم أحدا، ولا أوسع لعمر بن أبى ربيعة، قال: فجلسوا إليه فتحدثوا قليلا، ثم أقبل على ابن أبى ربيعة فقال: يا عمر- وقال بعضهم: يا أخا قريش- والله والله لقد قلت فأحسنت فى كثير من شعرك، ولكنك تخطئ الطريق، تشبب بها ثم تدعها وتشبب بنفسك، اخبرنى عن قولك «٢٩» :
قالت لترب لها تحدثها «٣٠» ... لتفسدنّ الطواف فى عمر
ويروى:
قالت لأخت لها تعاتبها ... لتفسدنّ......
قومى تصدّى له ليبصرنا ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر
ويروى:
قالت تصدّى له ليعرفنا ... ............
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرّت تشتدّ «٣١» فى أثرى
стр. 214
أردت أن تنسب بها فنسبت بنفسك، والله لو وصفت بهذا هرّة أهلك- أو قال منزلك- كنت قد أسأت صفتها. أهكذا يقال للمرأة؟ إنما توصف بالخفر، وأنها مطلوبة ممنّعة؛ هلا قلت كما قال هذا- وضرب بيده على كتف الأحوص:
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإنى إلى معروفها لفقير
وقد أنكروا عند اعتراف زيارتى ... وقد وغرت فيها علىّ صدور [٧٩]
أزور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما زرت حيث أزور
قال ثعلب: «أدور» ؛ وهى الرواية، وهكذا رواه المبرد. وقل فى آخره: ما درت حيث أدور.
أزور على أن ليس ينفكّ كلما ... أتيت عدوّ بالبنان يشير
وما كنت زوّارا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لابد أن سيزور
هكذا والله يكون الشعر وصفة النساء. فارتاح الأحوص وامتلأ سرورا وانكسر عمر.
ثم أقبل على الأحوص، فقال: وأنت يا أحوص، أخبرنى عن قولك «٣٢» :
فإن تصلى أصلك وإن تبينى «٣٣» ... بصرمك «٣٤» قبل وصلك لا أبالى
وإنى للمودّة ذو حفاظ ... أواصل من يهشّ إلى وصالى
وأقطع حبل ذى ملق كذوب ... سريع فى الخطوب إلى انتقال
ويلك! أهكذا يقول الفحول؟ أما والله لو كنت فحلا ما قلت هذا لها- وقال بعضهم: أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت؛ هلا قلت كما قال هذا الأسود- وضرب بيده على جنب نصيب «٣٥» :
стр. 215
بزينب ألمم قبل أن يرحل «٣٦» الركب ... وقل إن تملّينا فما ملّك القلب
وقل إنّ قرب الدار يطلبه العدى ... قديما ونأى الدار يطلبه القرب
وقل إن أنل بالحب منك مودّة ... فما فوق ما لا قيت من حبكم حب
وقل فى تجنّيها لك الذنب، إنما ... عتابك من عاتبت فيما له ذنب
قال: فانتفخ نصيب، وانكسر الأحوص.
قال: ثم أقبل على نصيب فقال: ولكن أخبرنى عن قولك يابن السوداء «٣٧» :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزنى من ذايهيم بها بعدى
ودعد مشوب الدّل توليك شيمة ... لشكّ فلا قربى بدعد ولا بعدى
كأنك اغتممت ألّا يفعل بها بعدك- كذا لا يكنى- وقال بعضهم فى روايته: أيهمّك من ينكحها بعدك، والرجال أكثر مما تظن.
فقال بعض القوم لبعض: انهضوا فقد استوت القرقة «٣٨» . فلما خرجوا من عنده قال عمر: هذا أخبث مدخول عليه فى العرب.
قال المبرد: القرقة لعبة يلعب بها على خطوط فاستواؤها انقضاؤها، وهى تسمى الطّبن «٣٩» ، والعامة تسميها السّدّر «٤٠» .:
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، عن العنزى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر، قال: حدثنا لقيط بن بكير المحاربى، قال: قدم البعيث على مسلمة بن عبد الملك، وذكر حديثا، قا فى آخره: ثم قال مسمة للبعيث: حدثنى من أشعر العرب. قال: أعيار «٤١» تركتها بالصمّان من بنى
стр. 216
حنظلة يكتدمون «٤٢» . قال: ومن هم؟ قال: الفرزدق، وجرير، وابنا رميلة- يعنى الأشهب، وزبّابا ابنى رميلة- والله، أصلح الله الأمير، ما منهم رجل إلا قد قال بيتا ما يسرّنى أنى قلته ولى حمر النعم. قال: وما قالوا؟ قال: قال الفرزدق [٨٠] :
لقد طوّفت فى كل حىّ فلم تجد ... لعورتها كالحى بكر بن وائل
أعفّ وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيرا إذا وازى الذرى بالكواهل
فكيف يفخر على بكر بن وائل بعد هذا؟ وما يقول لقومه؟
وأما جرير فقال «٤٣» :
ردّى «٤٤» جمال البين ثم تحمّلى ... فمالك فيهم من مقام ولاليا
فأين يقيم ابن المراغة إذا لم يقم فى عشيرته وقومه.
وأما ابن رميلة فقال:
ولما رأيت القوم نالت رماحهم ... زبابا ونى شرّى وما كان وانيا
وكان أحرى ألا ينى شرّه حين شكّ القوم زبابا، يعنى ابن رميلة أخا الأشهب بن رميلة.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز: أخبرنا عمر أنّ شبّة، قال: يقال: إنه اجتمع على باب الوليد بن عبد الملك الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث والأشهب بن رميلة، فدخل عليه داخل فقال: يا أمير المؤمنين، لقد اجتمع على بابك شعراء ما اجتمع مثلهم على باب ملك قطّ. ثم سمّاهم. فأمر بالفرزدق فأدخل أولهم، فاستنشده وحادثه. ثم أمر بالباقين فأدخلوا، وأخّر البعيث، فقيل له فى البعيث، فقال: إنه ليس كهؤلاء. فقيل له:
ما هو بدونهم. فأمر به فأدخل ثم استنشده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من حضرك ظنّوا أنك إنما قدمتهم علىّ لفضل وجدته عندهم لم تجده عندى. قال: أو لست تعلم أنهم أشعر
стр. 217
منك؟ قال: كلا، والله، ولأنشدنك من أشعارهم ما لو هجاهم أعدى الناس لهم ما بلغ منهم ما بلغوا من أنفسهم، أما هذا الشيخ الأحمق- وأشار إلى الفرزدق- فإنه قال لعبيد بنى كليب هذا- وأشار إلى جرير «٤٥» .
بأىّ رشاء يا جرير وماتح ... تدلّيت فى حومات تلك القماقم
فجعله تدلّى عليه وعلى قومه.
وأما عبيد بنى كليب- وأشار إلى جرير- فقال لهذا الشيخ:
لقومى أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبار والنقع «٤٦» ساطع
وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع «٤٧»
فجعل نساءه سبايا بالغداة قد نكحن ووثقن فى عشيتهنّ باللحاق.
وأما هذا ابن النصرانية- يعنى الأخطل- فإنه قال «٤٨» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فأقّر بما أقرّ به وهنا وجبنا وضعفا.
وأما ابن رميلة الضعيف فإنه قال:
ولما رأيت القوم ضمّت حبالهم ... ونى ونية شرّى وما كان وانيا
فأقر أن شره ونى عنه وقت الحاجة إليه.
فقال له الوليد: لعمرى؛ لقد عبت معيبا. ثم استنشده وأحسن جائزته.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وذكر الفرزدق فى هذا الحديث غلط؛ لأنه ما ورد على خليفة قبل سليمان بن عبد الملك.
стр. 218
حدثنى أحمد بن عيسى الكرخى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا محمد بن سلّام الجمحى، قال: حدثنى حرير المدينى أبو الحصين، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى [٨١] ، قال: حدثنا احمد بن عبيد بن ناصح النحوى، قال: حدثنى الزّبارى محمد بن زياد بن زبّار الكلبى، قال: حدثنى رجل من أهل الشام؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالوا: اجتمع فى ضيافة سكينة بنت الحسين بن على رضوان الله عليهم جرير والفرزدق وكثير عزة وجميل والنّصيب، فمكثوا أياما، ثم أذنت لهم، فدخلوا فقدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، وأخرجت إليهم جارية لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال الفرزدق: هأنذا.
قالت: أنت القائل «٤٩» :
هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره «٥٠»
فلما استوت رجلاى بالأرض قالتا ... أحىّ يرجّى أم قتيل «٥١» نحاذره
فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا «٥٢» ... وولّيت فى أعجاز ليل أبادره «٥٣»
أحاذر «٥٤» بوّابين قد وكّلا بنا ... وأحمر من ساج «٥٥» تئطّ مسامره
فأصبحت فى القوم القعود «٥٦» وأصبحت ... مغلقة دونى عليها دساكره
يرى أنها «٥٧» أضحت حصانا وقد جرى ... لنا برقاها «٥٨» ما الذى أنا شاكره
стр. 219
ويروى: «فأصبح يرجوها حصانا» . قال: نعم، أنا قلته. قالت: ما دعاك إلى إفشاء سرك وسرّها؟ أفلا سترت على نفسك وعليها؟ خذ هذه الألف الدرهم وانصرف.
قال: بل تركها واللحاق بأهلى أجمل.
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ قال: هأنذا. أأنت القائل «٥٩» :
طرقتك صائدة القلوب «٦٠» وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام
تجرى السواك على أغرّ كأنه ... برد تحدّر من متون غمام
لو كان عهدك كالذى حدّثنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام «٦١»
إنى أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوّام
قال جرير: أنا قلته. قالت: أفلا أخذت بيدها، ورحّبت بها، وقلت: «فادخلى بسلام» ! أنت رجل عفيف- وقيل ضعيف- خذ هذه «٦٢» الألفين والحق بأهلك.
وذكر باقى الحديث. وقال عمر بن شبة فى آخره: فقال جرير- يعيّر الفرزدق بقوله: هما دلّتا من ثمانين قامة:
تدليت تزنى من ثمانين قامة ... وقصّرت عن باع العلا والمكارم
وأخبرنا محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، عن شعيب بن واقد، عن محمد بن سهل مولى بنى هاشم، عن أمه، قالت: حدثنى رجل من ثقيف أن جريرا والفرزدق ونصيبا وجميلا اجتمعوا فى موسم، فصاروا إلى سكينة بنت
стр. 220
الحسين، وعرّفوها أنفسهم، فبعثت إليهم بجارية لها أديبة ظريفة، فقالت: قولى للفرزدق: ألست القائل: هما دلتانى من ثمانين قامة؟ وذكر الأبيات- ما أحسنت، هتكت ستركما، وقد ستر الله عليكما؛ وأخرجت دراهم فدفعتها إليه. ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم القائل [٨٢] «٦٣» :
طرقتك صائدة القلوب ... البيت.
فقال جرير: أنا. فقالت: تقول لك مولاتى: ما أحسنت ولا سلكت طريقة الشعراء؛ أيكون وقت لا تصلح فيه زيارة الحبيب؟ ألا رحبّت وقرّبت وقلت: فادخلى بسلام. وأعطته دراهم. وذكر باقى الحديث.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الصغير، عن أبيه، عن الهيثم بن عدى، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، قال: مررت بالمدينة فعجت إلى سكينة بنت الحسين لأسلّم عليها، فألفيت على بابها الفرزدق وجريرا وكثّير عزة وجميل بن معمر والناس مجتمعون عليهم. فخرجت جارية لها بيضاء فقالت: يا أبا الزناد، شغلك شعراؤنا عن البعثة إلينا بالسلام. قال: قلت: أجل، وما أقبلت إلا للسلام عليكم. فدخلت ثم خرجت فقالت: أيكم الفرزدق؟ تقول مولاتى لك: أأنت القائل:
هماد دلّتانى من ثمانين قامة
.. وذكر الأبيات قال: نعم. قالت: سوأة لك، أما استحييت من الفحش تظهره فى شعرك؟ ألا سترت عليك؟ أفسدت شعرك.
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ أأنت القائل «٦٤» :
سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كلّ مرام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام
قال: نعم. قالت: كيف جعلتها صائدة لقلبك حتى إذا أناخت ببابك جعلت دونها سترك؟
стр. 221
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم كثير؟ أأنت القائل «٦٥» :
وأعجبنى يا عزّ منك مع الصبا ... خلائق صدق فيك يا عزّ أربع
دنوّك حتى يذكر الذاهل الصّبا ... ورفعك أسباب الهوى حين يطمع
وانك لا تدرين دينا مطلته ... أيشتدّ من جرّاك أو يتصدّع «٦٦»
ومنهنّ إكرام الكريم وهفوة ال ... لئيم وخلّات المكارم تنفع «٦٧»
أدمت لنا بالبخل منك ضريبة ... فليتك ذو لونين يعطى ويمنع
قال: نعم. قالت: ما جعلتها بخيلة تعرف بالبخل، ولا سخية تعرف بالسخاء.
ثم قالت: أيكم جميل؟ أأنت القائل «٦٨» :
ألا ليتنى أعمى أصمّ تقودنى ... بثينة لا يخفى علىّ كلامها
قال: نعم. قالت: أفرضيت من نعيم الدنيا وزهرتها أن تكون أعمى أصم إلا أنه لا يخفى عليك كلام بثينة! قال: نعم. فوصلتهم جميعا وانصرفوا.
حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة وأبو عثمان سعيد بن هارون الأشناندانى، عن التّوزى، عن أبى عبيدة، قال: لما قال ذو الرّمة «٦٩» :
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم «٧٠»
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولونك لولا حمشة فى القوائم «٧١»
стр. 222
أجابه جنىّ من حيث لا يراه:
أأنت الذى شبهت ظبية قفرة ... لها ذنب فوق استها أمّ سالم
وقرنان إما يعلقانك يتركا ... بجنبيك يا غيلان «٧٢» مثل المياسيم
قال: ولما قال نصيب:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فيا حزنى من ذا يهيم بها بعدى
أجابه جنى من حيث لا يراه:
أتحزن أن أرفاغ دعد تفرّجت ... وأنت صدى بين الحفائر فى اللّحد
وأهون على دعد بفقدك أن ترى ... صملّا «٧٣» ينزّيها على هامة العرد «٧٤»
قال: ولما قال جرير «٧٥» :
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعى بسلام
أجابه جنى فقال:
لقد قال «٧٦» رأى ابن المراغة إذ سرى ... إليه غزال فى خدور ظلام
فقال له من فرط لؤم وذلّة ... أيا طيف ذا المزدار، بن «٧٧» بسلام
فألّا، وأسباب الجهالة كاسمها، ... تقول: أقم يا طيف خير مقام
قال: ولما قال الفرزدق:
هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز أقتم لريش كاسره
أجابه جنى فقال:
فلو كنت حرّا يا فرزدق لم تبح ... بمكنون ما لاقيت والليل ساتره
فأصبح منشورا «٧٨» من السرّ ما انطوى ... وألأم مأمون على السرّ ناشره
стр. 223
٧- ذو الرمة [١]
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال: ذو الرمة حجة، لأنه بدوى، وليس يشبه شعره شعر العرب؛ ثم قال: إلا واحدة تشبه شعر العرب، وهى التى يقول فيها «١» :
والباب دون أبى غسان مسدود وبالشين «٢» أيضا.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال «٣» : كان ذو الرمة راوية الراعى، ولم يكن له حظ فى الهجاء، كان مغلّبا.
أخبرنى ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا يزيد بن مرة، عن أبى عبيدة قال: قيل لجرير كيف ترى شعر ذى الرمة؟ قال: نقط عروس «٤» وأبعار ظباء.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: أنشد ذو الرمة أمير اليمامة- وجرير شاهد- فقال له الأمير: ما تقول فى شعره؟
قال: نقط عروس وأبعار ظباء. ومع هذا فقد قدر من التشبيه على ما لم يقدر عليه غيره.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام «٥» . قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما شعر ذى الرمة نقط عروس تضمحل
стр. 224
عن قليل، وأبعار ظباء لها مشمّ فى أول شمّها، ثم تعود إلى أرواح البعر.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: زعم المدائنى أنّ ذا الرمة قال للفرزدق: كيف ترى هذا الشّعر يا أبا فراس لشعر أنشده؟ قال: أرى شعرا مثل بعر الصّيران «٦» ؛ إن شممت شممت رائحة طيبة، وإن فتتّ فتتّ عن نتن.
قال محمد بن القاسم الأنبارى: حدثنى أبى، قال: حدثنا محمد بن على بن المغيرة الأثرم، قال: حدثنا أبى، عن الأصمعى، قال: حدثنا هارون الأعور، قال: قلت لجرير: أخبرنا عنك وعن هذين الرجلين؟ يعنى الأخطل والفرزدق. فقال جرير: أما أنا فمدينة الشعر. فقالوا: فالفرزدق؟ قال: له سنّ وفخر. قالوا: فالأخطل؟ قال: أرمانا للفرائص، وأشدّنا اجتزاء بالقليل، وأنعتنا للخمر والحمر. قالوا: فذو الرمة، قال بعر ظباء ونقط عروس.
قال [٨٤] الأصمعى: إنّ شعر ذى الرمة حلو أوّل ما نسمعه، فإذا اكثر إنشاده ضعف، ولم يكن له حسن؛ لأنّ أبعار الظباء أول ما تشم يوجد لها رائحة ما أكلت الظباء من الشيح والقيصوم والجثجاث والنبت الطيب الريح؛ فإذا أدمت شمّه ذهبت تلك الرائحة، ونقط العروس إذا غسلتها ذهبت.
قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته «٧» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب
كان أشعر الناس.
قال الأصمعى: وكان الكميت بن زيد معلما بالكوفة فلا يكون مثل أهل البدو، وكان ذو الرمة معلما بالبدو، وكان يحضر اليمامة والبصرة كثيرا، وكانا جميعا يستكرهان الشعر، وكان ذو الرمة أحسن حالا عند الأصمعى من الكميت.
стр. 225
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قيل لجرير: أخبرنا عن ذى الرمة. قال: نقط عروس وبعر ظباء. قال المبرد: معنى قوله:
«نقط عروس» أنها تبقى أوّل يوم ثم تذهب، و «بعر الظباء» إذا شممته من ساعته وجدت منه كرائحة المسك، فإذا غبّ «٨» ذهب ذلك.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال هشام بن الكلبى؛ قيل لجرير: كيف شعر ذى الرمة؟ قال: بعر ظباء ونقط عروس؛ فإنّ بعر الظباء توجد منه رائحة المسك أوّل شمّه، فإذا أعدت وجدت بعرا، وإن نقط العروس تذهب فى أول طهور.
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أحمد بن يزيد، قال: حدثنا الجلودى قال: قيل للبطين: أكان ذو الرمة شاعرا متقدما؟ فقال البطين: أجمع العلماء بالشعر على أنّ الشعر وضع على أربعة أركان: مدح رافع، أو هجاء واضع، أو تشبيه مصيب، أو فخر سامق؛ وهذا كله مجموع فى جرير والفرزدق والأخطل؛ فأما ذو الرمة فما أحسن قط أن يمدح، ولا أحسن أن يهجو، ولا أحسن أن يفخر؛ يقع فى هذا كله دونا؛ وإنما يحسن التشبيه، فهو ربع شاعر.
أخبرنى محمد بن يحيى، عن الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: مرّ الفرزدق بذى الرمة وهو ينشد «٩» :
أمنزلتى مىّ سلام عليكما ... هل الأزمن اللائى مضين رواجع
فوقف حتى فرغ منها. فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ قال: أرى خيرا. قال: فمالى لا أعدّ فى الفحول؟ قال: يمنعك من ذلك صفة الصحارى وأبعار الإبل. وولّى الفرزدق، وهو ينشد «١٠» :
ودوّيّة لو ذو الرّميمة رامها «١١» ... بصيدح أودى ذو الرّميم وصيدح «١٢»
стр. 226
قطعت إلى معروفها منكراتها ... إذا خبّ آل دونها يتوضّح «١٣»
أخبرنا أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن رستم، قال: حدثنا التوّزى، قال: حدثنا الأصمعى، عن عيسى بن عمر، قال: قال ذو الرّمة للفرزدق:
مالى لا ألحق بكم معاشر الفحول؟ فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء، واقتصارك على الرسوم والديار.
وحدثنى على بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه- أن ذا الرّمة سأل الفرزدق عن شعره وقال: مالى لا ألحق بالفحول؟ فقال: يقعد بك عن غاية الشعراء [٨٥] نعتك الأعطان والدّمن وأبوال الإبل.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب، قال: قال أبو عبيدة: وقف ذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها «١٤» :
إذا ارفضّ أطراف السياط وهلّلت ... جروم المطايا عذّبتهنّ صيدح «١٥»
قال: فاجتمع الناس يسمعون، وذلك بالمربد، فمر الفرزدق فوقف يستمع، وذو الرمة ينظر إليه حتى فرغ، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟ قال: ما أحسن ما قلت! قال: فمالى لا أعدّ مع الفحول؟ قال: قصّر بك عن ذاك بكاؤك فى الدّمن، ونعتك أبوال العظاء والبقر، وإيثارك وصف ناقتك وديمومتك. ثم ارتحل الفرزدق، فقال:
وديمومة لو ذو الرميمة رامها..
وذكر البيتين.
فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس أن تزيد. فقال: هما بيتان لا أزيد عليهما «١٦» .
стр. 227
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام، قال: أخبرنى عبد الملك الباهلى، قال: قال ذو الرمة: قلت الرجز، فلما رأيتنى لا أقع من الرجلين أخذت فى القصيد وتركته- يعنى العجاج ورؤبة.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة، قال منتجع بن نبهان: قلنا لذى الرمة: يا أبا الحارث، بدأت وأنت تقول الرّجز ثم تركته. فقال: إنى رأيتنى لا أقع من هذين الرجلين موقعا، فعوّلت على الشعر. قال أبو عدنان: فقلت لأبى عبيدة: من يعنى بالرجلين؟ قال: والله ما سألت، وما خفى علىّ؛ إنه يعنى العجاج وابنه. قال: كان لذى الرمة رجز فلما خشى أن يعرّه عاد إلى القصيد.
حدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا المبرد قال: حدثنا التوّزى، قال: أنشد ذو الرمة قصيدته فى بلال بن أبى بردة، فلما بلغ قوله «١٧» :
إذا ابن أبى موسى بلالا١»
بلغته
فقام بفأس بين وصليك جازر
قال له عبد الله بن محمد بن وكيع: هلّا قلت كما قال سيدك الفرزدق:
قد استبطات ناجية ذمولا ... وإنّ الهمّ بى وبها لسام «١٩»
إلام تلفّتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلّهم أمامى
متى تأت الرّصافة تستريحى ... من التصدير والدّبر الدّوامى «٢٠»
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنى الحكم بن موسى بن يزيد السلولى، قال: حدثنى محمد بن مسلمة بن رتبيل قال: مرّ رتبيل بذى الرّمة، وهو ينشد قصيدته البائية، قال: فاستمع عليه، فما زال ينشد حتى انتهى إلى هذين البيتين «٢١» :
стр. 228
تصغى إذا شدّها بالرحل «٢٢» جانحة ... حتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب «٢٣»
وثب المسحّج من عانات معقلة ... كأنه مستبان الشّكّ أو جنب
وثب المسحّج من عانات معقلة ... كأنه مستبان الشّكّ أو جنب «٢٤»
فقال له الرجل: أخطأت يا ذا الرمة. ألا قلت كما قال الراعى «٢٥» :
فلا تعجل «٢٦» المرء عند البرو «٢٧» ... ك وهى بركبته أبصر [٨٦]
وهى إذا قام فى غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
ومصغية خدّها بالزّما ... م فالرأس فيها له أصعر
ويروى «٢٨» :
وواضعة رأسها للزما ... م فالخدّ منها له أصعر
حتى إذا ما استوى طبّقت ... كما طبق المسحل الأغبر
فقال ذو الرمة: لله أنت! إنما وصف الراعى ناقة ملك، ووصفت أنا ناقة سوقة.
المسحج: الحمار. ومعقلة: موضع. وعانات: جمع عانة. والشك. الظلع.
والجنب: داء فى جنبه. وطبقت: وثبت على أربع قوائمها. والمسحل: الحمار الوحشى، وسمّى مسحلا لسحيله، وهو صوته. وأغبر: فى لونه غبرة.
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلام، قال: قيل لذى الرمة: مالك لم تقل كما قال عمك الراعى؟ قال:
فلا تعجل المرء قبل الورا «٢٩» ... ك وهى بركبته أبصر
стр. 229
وذكر الأبيات. وقلت أنت «٣٠» :
حتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب
فقد رمت به، وكسرت بعضه، وهشمته قبل أن يستوى عليها. فقال: إنّ عمى وصف ناقة ملك، ووصفت ناقة سوقة يقطع بها الأسفار.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنى محمد بن الرياشى، قال: حدثنى أبو حاتم، وأبى عبيدة؛ عن أبى عمرو بن العلاء- أنه لقى ذا الرمة، فقال: أنشدنى «ما بال عينك» ، فأنشده؛ فلما انتهى إلى قوله «٣١» :
تصغى إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى فى غرزها تثب
فقال أبو عمرو: ما قاله عمّك الراعى أحسن مما قلت:
وهى إذا قام فى غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
ولا تعجل المرء قبل الورو ... ك وهى بركبته أبصر
فقال ذو الرمة: إنّ الراعى وصف ناقة ملك. وأنا أصف ناقة سوقة.
قال الصولى: ويروى أنّ أعرابيا سمع ذا الرمة ينشد هذا البيت، فقال: سقط والله الرجل.
قوله: تصغى: تميل رأسها كأنها تستمع؛ أى هى مؤدبة ليست بنفور ولا ضجور.
والغرز للناقة بمنزلة الركاب للدابة؛ وهى نسع مضفور. والكور: الرحل.
وأخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: سمعت أبا العباس المبرد يقلو: مدح ذو الرمة بلال بن أبى بردة، ثم خرج من عنده فجعل ينشد الناس فأنشدهم:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
стр. 230
حتى بلغ إلى قوله: تصغى إذا شدها ... البيت؛ فقال له قائل: أسأت؛ إذا وضع رجله فى غرزها فوثبت رمت به فدقّت عنقه، هلا قلت كما قال الراعى:
ولا تعجل المرء قبل الورا ... ك وهى بركبته أبصر
فقال ذو الرّمة: إنه وصف ناقة ملك، ووصفت ناقة سوقة.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن أبى الحسن الطوسى، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن خالد بن كلثوم، قال: كان ذو الرّمة صاحب تشبيب بالنساء، وأوصاف، وبكاء على الديار، فإذا صار إلى المدح والهجاء أكدى «٣٢» ولم يصنع شيئا.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، قال: قال أبو عبيدة: كان ذو الرّمة إذا أخذ فى النسيب ونعت فهو مثل جرير، وليس وراء ذلك شىء.
فقيل له: ما تشبه شعره إلا بوجوه ليست لها أقفاء، وصدور ليست لها أعجاز. فقال:
كذا هو.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن سلام لأبى النّجم العجلى- وكان له صديق يسقيه الشراب فينصرف ثملا من عنده:
أخرج من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاى بخطّ مختلف
كأنما تكتّبان لام الف
قال الصولى: وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف صورة لام ألف وعناقها لها، كما عيب ذو الرمة فى وصفه عين ناقته حين قال «٣٣» :
كأنما عينها «٣٤» وقد ضمرت ... وضمّها «٣٥» السير فى بعض الأضاميم
يريد كأنّ عينها دارة ميم لتدويرها وغؤورها. والأضاء: الغدير، يقال: أضاء وأضا مثل قطاة وقطا، وأضأة وإضاء مثل أكمة وإكام. فقيل: لولا أنه يكتب لما عرف الميم.
стр. 231
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: حدثنى محمد بن القاسم، قال:
حدثنى روح بن الفرج أبو حاتم الحرمازى، قال حدثنى أبو قطن عمرو بن الهيثم، عن شعبة، قال: لقيت ذا الرمة فقلت: أكتبنى بعض شعرك. فجعل يملّ «٣٦» علىّ ويطّلع فى الكتاب، فيقول: ارفع اللام من السين، وشقّ الصاد، ولا تعوّر الكاف.
فقلت: من أين لك الكتاب؟ قال: قدم علينا رجل من الحيرة، فكان يؤدّب أولادنا، فكنت آخذ بيده فأدخله الرمل فيعلمنى الكتاب، وأنا أفعل ذلك لئلا تقول علىّ ما لم أقل.
أخبرنا محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، قال:
حدثنا عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدى، قال. قرأ حماد الراوية على ذى الرمة شعره، فرآه قد ترك فى الخط لاما، فقال له حماد: وإنك لتكتب؟ قال: اكتم علىّ، فإنه كان يأتى باديتنا خطّاط يعلّمنا الحروف تخطيطا فى الرمل فى الليالى القمر، فاستحسنتها فثبتت فى قلبى ولم تخطّها يدى.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الأصمعى، قال: قال عيسى بن عمر: كنت فى يوم من أيامى أقرأ على ذى الرمة شيئا من شعره، فقال لى: أصلح هذا الحرف. فقلت:
وإنك لتكتب؟ قال: نعم، قدم علينا حضرى لكم فعلّمنا الخطّ فى الرمل.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلى، قال: أصبت فى كتبى رقعة أظنّها من كتب ابن جناح، فيها: حدثنى أبو عبيدة؛ قال: حدثنى عيسى بن عمر، قال: قال لى ذو الرمة: أنت والله أعجب إلىّ من هؤلاء الأعراب؛ أنت تكتب وتؤدّى ما تسمع؛ وهؤلاء يهون علىّ أحدهم وقد نحته من جبل أن يجىء به على غير وجهه.
قال: قلت: إنى لم أحلّ منك بشىء. قال: كنت مشغولا، عد إلىّ. فعدت إليه فتعاييت فى شىء فتهجّاه لى؛ فقلت: أراك تكتب يا أبا الحارث. قال: إياك أن يعلم هذا أحد؛ تعلمت الخط من رجل [٨٨] كان عندنا، أتانا بالحفر فكان يجلس إلىّ من العتمة إلى أن ينكفت السامر يخطّ لى فى تراب البطحاء.
стр. 232
أخبرنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: أنشد ذو الرمة بلال بن أبى بردة «٣٧» :
رأيت «٣٨» الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعى بلالا
صيدح: اسم ناقته. فقال بلال: يا غلام؛ اعلفها قتّا ونوى. أراد بذلك قلة فطنة ذى الرّمة للمدح.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر؛ قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: كان بلال بن أبى بردة داهية لقنا؛ ويقال إن ذا الرمة لما أنشده:
سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعى بلالا
تناخى عند خير فتى يمان ... إذا النّكباء ناوحت الشمالا «٣٩»
فلما سمع قوله:
فقلت لصيدح انتجعى بلالا
قال: يا غلام، مر لها بقتّ ونوى؛ أراد أن ذا الرّمة لا يحسن المدح.
قال المبرد: قوله:
سمعت الناس ينتجعون
حكاية، والمعنى إذا حقق إنما هو سمعت هذه اللفظة؛ أى قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، ومثل هذا قوله:
وجدنا فى كتاب بنى تميم ... أحقّ الخيل بالرّكض المعار
فمعناه وجدنا هذه اللفظة مكتوبة؛ فقوله: أحقّ الخيل ابتداء، والمعار خبره. ومثل هذا قرأت: «الحمد لله رب العالمين» ؛ إنما حكيت ما قرأت.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعىّ، قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لما أنشد ذو الرّمة بلالا مدحه، فبلغ قوله:
رأيت الناس ينتجعون غيثا ... البيت.
قال بلال: يا غلام؛ اعلف ناقته، فإنه لا يحسن أن يمدح.
стр. 233
فلما خرج قال له أبو عمرو- وكان حاضرا: هلا قلت له: إنما عنيت بانتجاع الناقة صاحبها، كما قال الله «٤٠» «واسأل القرية التى كنّا فيها» ؛ يريد أهلها، وهلّا أنشدته قول الحارثى:
وقفت على الدّيار فكلمتنى ... فما ملكت مدامعها القلوص
يريد صاحبها.
فقال له ذو الرّمة: يا أبا عمرو، أنت مفرد فى علمك، وأنا فى علمى وشعرى ذو أشباه.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وأحمد بن إبراهيم الجمّال، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة، قال: حدثنا عبد الصمد بن المعذّل، عن أبيه، عن جده غيلان بن الحكم، قال: قدم علينا ذو الرّمة الكوفة، فوقف راحلته بالكناسة ينشدنا قصيدته الحائية، فلما بلغ إلى هذا البيت «٤١» :
إذا غيّر النأى المحبين لم يكد ... رسيس «٤٢» الهوى من حبّ ميّة يبرح
فقال له ابن شبرمة: يا ذا الرّمة؛ أراه قد برح. ففكر ساعة، ثم قال:
إذا غيّر النأى المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
قال: فرجعت إلى أبى الحكم بن البخترى بن المختار فأخبرته الخبر، فقال: أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر عليه، وأخطأ ذو الرّمة حيث رجع إلى قوله؛ إنما هذا كقول الله «٤٣» : «أو كظلمات فى بحر لجّىّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض [٨٩] إذا أخرج يده لم يكد يراها» ؛ أى لم يرها ولم يكد.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا
стр. 234
عبد الله بن محمد التّوزى، قال: سمعت الأصمعى يقول: ما أقلّ ما تقول العرب الفصحاء: فلانة زوجة فلان؛ إنما يقولون زوج فلان، فقال له السّدرى: أليس قد قال ذو الرّمة «٤٤» :
أذا زوجة بالمصر أم ذا «٤٥» خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: إن ذا الرّمة قد أكل البقل والمملوح فى حوانيت البقّالين حتى بشم.
أخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنى رفاعة الطّهوى، قال: وقف ذو الرمة على مجلس لبنى طهية فأنشدهم «٤٦» :
ضبرّ «٤٧» رمى روض القذافين متنه ... فأعرف ينبو بالحنّيين تامك «٤٨»
فقال له حبتر بن ضباب: أسمنت فابتعث؛ أى ليس هذا مما توصف به النجائب؛ لأن الرحلة تعجلها عن السمن، وأنشد فى تصديق ذلك:
أهاب بها الحاج النزيع ولم يهب ... بها وسط أرفاض المخاض مهيب «٤٩»
قال: ثم أنشدهم ذو الرمة «٥٠» :
كأننى من هوى خرقاء مطّرف ... دامى الأظلّ بعيد السّأو مهيوم «٥١»
стр. 235
فقال له حبتر: ذاك أكثر لبعره. فقيل لذى الرمة: ألا تهجوبنى حبتر؟ قال: لا، إنهم قوم «٥٢» رماة؛ أى يروون الشعر، ويرمون الرجل بمعايبه، ويصببون ما فيه. نسخت هذا الخبر من خطّ أبى موسى الحامض هكذا.
وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد، قال: حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن رفاعة بن ظبى الطّهوى، قال: وقف ذو الرمة على مجلس لبنى طهيّة فأنشدهم «٥٣» :
ضبرّ رمى روض القذافين متنه ... بأعرف ينبو بالحنيّين تامك
فقال له حبتر بن ضباب بن خشرم الطّهوى: أسمنت فابتعث؛ أى ليس هذا مما توصف به النجائب؛ لأن الرحلة تعجلها عن السمن؛ ثم أنشدهم:
كأننى من هوى خرقاء مطّرف ... دامى الأظل بعيد السّأو مهيوم
دانى له القيد فى ديمومة قذف ... قينيه وانحسرت عنه الأناعيم «٥٤»
فقال حبتر بن ضباب: ذاك أكثر لبعره. فقيل لذى الرمة: ألا تهجوبنى حبتر؟
فقال: إنهم رواة رماة. وكتبت هذا الحديث من خط عبد الله بن جعفر.
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال الأعشى «٥٥» :
أريحىّ صلت يظلّ له القو ... م قياما قيامهم للهلال
فأخذه الفرزدق فقال فى سعيد بن العاص «٥٦» :
ترى الغرّ «٥٧» الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر فى الحدثان عالا
стр. 236
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
فأخذ هذا ذو الرمة فمسخه ومضغه وتكلّفه، فقال: يمدح بلال بن أبى بردة، ولم يكن له حظّ فى المدح «٥٨» :
كأنّ الناس حين يمرّ «٥٩» حتى ... عواتق لم تكن تدع الحجالا «٦٠»
قياما ينظرون إلى بلال ... رفاق الحىّ «٦١» أبصرت الهلالا [٩٠]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنا بكر بن محمد المازنى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أخطأ ذو الرمة فى قوله «٦٢» :
حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا «٦٣»
فى إدخاله «إلّا» بعد قوله «ما تنفك» . قال الفضل: لا يقال: ما زال زيد إلّا قائما. قال الصولى: وسمعت أحمد بن يحيى يقول: لا يدخل مع ما ينفكّ وما يزال «إلّا» ؛ لأن «ما» مع هذه الحروف خبر وليست بجحد.
قال الصولى: وحدثنا محمد بن سعيد الأصمّ، وأحمد بن يزيد، قالا: حدثنا يزيد المهلى، عن إسحاق الموصلى أنه كان ينشد هذا البيت لذى الرمة:
حراجيج ما تنفك إلّا مناخة
والآل الشخص، ويقول: نحتال لصوابه، ونحتجّ ببيته الذى ذكر فيه الآل فى غير هذه القصيدة، وهو قوله «٦٤» :
стр. 237
فلم تهبط على سفوان حتى ... طرحن سخالهنّ وصرن آلا «٦٥»
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا الطيب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: أخطأ ذو الرمة فى قوله:
قلائص ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
وقوله: «ما» جحد، و «إلا» تحقيق، فكيف يجتمعان! أخبرنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، قال: مدح ذو الرمة عمر بن هبيرة الفزارى بالقصيدة التى يقول فيها «٦٦» :
للرّكب بعد السّرى مالت عمائمهم ... منّيتهم «٦٧» نفحات الجود من عمرا
ما زلت فى درجات الخير مرتفعا ... تنمى «٦٨» وينمى بك الفرعان من مضرا
حتّى بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا
قال ثعلب: وقد عيب عليه هذا البيت.
أخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: قال منتجع بن نبهان: عابوا على ذى الرّمة قوله «٦٩» :
والقرط فى حرّة الذّفرى معلّقة ... تباعد الحبل «٧٠» منه فهو يضطرب «٧١»
стр. 238
قالوا: جعلت لها ذفرى كذفرى البعير «٧٢» . فاحتجّ ذو الرّمة بشعر راعى الإبل قوله:
«وذفرى أسيلة» ، قال أبو عبيدة: فغضب العدويّون، وقالوا: كان يحتج بشعر راعى الإبل وهو أشعر منه؛ وجاءتهم العصبية؛ فقال المنتجع: لقد كان يرويه ويجعله إماما.
قال أبو عبيدة: الذّفرى من المرة موضع المقذّ، وهو موضع يرشح من البعير خلف أذنه.
قال أحمد بن يحيى: ومما عابوا عليه ما حدثنى به محمد بن سلام، عن أبى البيداء الرياحى، قال: قال جرير: قاتل الله ذا الرّمة حيث يقول «٧٣» :
ومنتزع من بين نسعيه جرّة ... نشيج الشّجا جاءت إلى ضرسه نزرا «٧٤»
أما والله لو قال: «من بين جنبيه» ما كان عليه سبيل.
قال أحمد: وعابوا عليه أيضا قوله «٧٥» :
تصغى إذا شدّها بالكور جانحة
... البيت.
فقالوا: صرع والله الرجل، ألا قال كما قال الراعى [٩١] «٧٦» :
ولا تعجل المرء قبل الورو ... ك وهى بركبته أبصر
وهى إذا قام فى غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
فقال ذو الرّمة: الراعى وصف ناقة ملك وأنا وصفت ناقة سوقة أراد أن يحتال فلم يصنع شيئا.
قال: وقال بعض رواة ذى الرّمة له: أفسدت علىّ شعرك، وذلك أنّ ذا الرّمة كان إذا استضعف الحرف أبدل مكانه.
قال: وعابوا على ذى الرّمة قوله «٧٧» :
أبّر على الخصوم فليس خصم ... ولا خصمان يغلبه جدالا «٧٨»
стр. 239
قال: وقالوا أيضا: أخطأ ذو الرّمة حيث يقول «٧٩» :
أدمانة قد ترّبتها «٨٠» الأجاليد
لأنه يقال: آدم وأدماء وأدم وأدمان، ولا يقال أدمانة.
قال: وقالوا: أخطأ أيضا حيث يقول:
قلائص ما تنفكّ إلا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
وقال بعض الرّواة ممن يريد أن يحسّن قوله: إنما قال: «آلا مناخة» . وقال: مثل هذا قوله:
فلم تهبط على سفوان حتّى ... طرحن سخالهنّ وصرن آلا
يعنى شخوصا.
قال: وقال الأصمعى: إن ذا الرّمة أنشد رجلا «٨١» :
وظاهر لها من يابس الشّخت
فقال له: أنت أنشدتنى: «من بائس الشخت» ، فقال له: إن اليبس من البؤس.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنى أبو عمر الجرمى، قال: قدم ذو الرّمة على بلال بن أبى بردة، فجعل يتردّد إليه، وأراد أن يبتدئ قصيدة فيه فعىّ، فقالت له عجوز مرّ بها- وكان جميلا: قد طال تردادك؛ أفإلى زوجة سعدت بها، أم إلى خصومة شقيت بها؟ فقال لروايته: جاء والله ما أريد. ثم قال «٨٢» :
تقول عجوز مدرجى متروّحا ... على بابها من عند أهلى وغاديا
إلى زوجة بالمصر أم لخصومة «٨٣» ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
стр. 240
ثم مرّ فى القصيدة.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعى، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: لو أدركت ذا الرّمة لأشرت عليه أن يدع كثيرا من شعره؛ فكان ذلك خيرا له. وقد أنكر قول ذى الرمة «٨٤» :
ألا يا اسلمى يا دار مىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر «٨٥»
واحتجّ من عاب هذا البيت بأنّ فى قوله هذا إفسادا للدار التى دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر؛ وقالوا: الجيّد فى هذا المعنى قول طرفة «٨٦» :
فسقى ديارك- غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى
وعيب عليه قوله «٨٧» :
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «٨٨»
يريد كأنّ أصوات أواخر الميس أصوات الفراريج من إيغالهنّ بنا.
وقوله أيضا «٨٩» :
نضا البرد عنه وهو ذو من جنونه ... أجارىّ «٩٠» من تسهاك «٩١» صوت صلاصل
التسهاك: عدو شديد. وريح «٩٢» سهوك. والصّلاصل: صوت شديد. يريد وهو من جنونه ذو أجارىّ.
стр. 241
٩- عبيد الله بن قيس الرقيات [١]
حدثنا أبو بكر [٩٢] الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: ابن قيس الرقيات ليس بحجة، وأنشد له:
ومصعب حين جدّ الأم ... ر أكثرها وأطيبها
فلم يصرف مصعبا.
حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا الرياشى، قال: حدثنا العتى، قال: قال عبد الملك بن مروان لعبد الله بن مروان: ما بال ابن قيس الرّقيات يذكرك بأمك، كأنه ليس لك بأبيك شرف؟ وكان ابن قيس الرقيات قد قال فى عبد العزيز:
مل أصبغيّات فى الفوارع لم ... يحملن فوق العواتق الحزما
فلما دخل ابن قيس الرقيات على عبد العزيز قال له ذلك، فقال: إنما حسدك، والله لأقولنّ قصيدة أذكر فيها أمّه وبطنها ثم ليرضينّ، وسأله أن يحضر من الغد. فلما اجتمعا عند الملك أنشده:
أنت ابن منبطح البطا ... ح كديّها فكدائها
ولبطن عائشة التى ... فرعت أروم نسائها
ولدت أغرّ مهذّبا ... كالشمس عند ضيائها
فى ليلة لا عيب فى ... سحريّها وعشائها
فلما خرجا من عند عبد الملك قال له: كيف رأيت تقبّله هذا الشعر؟
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة؛ وأخبرنى محمد بن
стр. 242
الجسن، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى ابن عائشة، قال: سمعت أبى يقول: لما أنشد ابن قيس عبد الملك بن مروان «١» :
يعتدل التاج «٢» فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذّهب
قال: أمّا لمصعب بن الزبير فتقول «٣» :
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء
وأما لى فتقول: على جبين كأنّه الذهب.
أخبرنى العباس بن المغيرة الجوهرى، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الورّاق، قال: حدثنى أبو عمرو الباهلى، قال: أخبرنى أبو أمية القرشى، قال: أنكر أبو عمرو بن العلاء الوقوف على هذه الهاء «٤» : «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ»
قال: قلت له: هى من لغة قريش، أما رأيت قول ابن قيس الرقيات «٥» :
إنّ الحوادث بالمدينة قد ... أوجعننى وقرعن مروتيه «٦»
وجببننى جبّ السّنام فلم ... يتركن ريشا فى مناكبيه «٧»
قال الأصمعى: فلحن ابن قيس فى بيت منها فى الندبة حين قال:
تبكيكم أسماء معولة ... وتقول ليلى وا رزيئتيه
قال: كان ينبغى أن يقول وا رزيئتاه، كما تقول: وا عماه وا أخيّاه.
стр. 243
١٠- الأحوص بن محمد [١]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنى عمر بن شبة، قال:
حدثنى عمر بن محمد بن أقيصر، قال: حدثنى يحيى بن عروة بن أذينة، قال: لما قدم الفرزدق المدينة أتى مجلس أبى وبه الأحوص، فأنشده الأحوص شعرا؛ فقال [٩٣] : من أنت؟ فقال: أنا الأحوص بن محمد. قال: ما أحسن شعرك؟ فقال: هكذا تقول لى! أنا أشعر منك. قال: وكيف تكون أشعر منى وأنت تقول «١» :
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها ... وأفضل شىء ما به العين قرّت
فإنه يقر بعينها أن تنكح، أفيقرّ ذاك بعينك؟
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: روى عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، قال: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينما نحن عنده يوما إذ قام لحاجته وجاء الأحوص، فقال: أين هذا؟ قلنا: قام آنفا، وما تريد منه؟
قال: أخبره أنّ الفرزدق أشرف منه وأشعر. قلنا: لا ترد ذاك فلم ينشب أن جاء جرير، فقال الأحوص: السلام عليك. قال: وعليك. قال: يابن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر. فأقبل علينا جرير فقال: من هذا أخزاه الله؟ قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن عبد الله بن ثابت بن أبى الأقلح. فقال: هذا الخبيث ابن الطيب. ثم أقبل عليه فقال: أقلت:
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها ... وأحسن شىء ما به العين قرّت
стр. 244
قال: نعم. قال: فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقرّ بعينك؟
قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة، فانصرف.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: كان كثيّر مع قصره ودمامته تائها ذا أبّهة وذهاب بنفسه. قال: فى أى شعر أعطى الأحوص عشرة آلاف دينار؟ قالوا: بقوله:
وما كان مالى طارفا من تجارة ... وما كان ميراثا من المال متلدا
ولكن عطاء «٢» من إمام مبارك ... ملا الأرض معروفا وجودا وسوددا
شكوت إليه ثقل غرم لوانّه ... وما أشتكى منه على القيل بلّدا
فلما حمدناه بما كان أهله ... وكان حقيقا أن يسنّى ويحمدا
وأن تذكر النّعمى التى سلفت له ... فأكرم بها عندى إذا ذكرت يدا
فقال كثيّر: ضرع، قبحه الله، ألا قال كما قلت:
دع عنك سلمى إذ فات مطلبها ... واذكر خليلك من بنى الحكم
ما أعطيانى ولا سألتهما ... ألا وإنى لحاجزى كرمى
إنى متى لا تكن عطيته ... عندى بما قد فعلت أحتشم
مبدى الرضا عنهم ومنصرف ... عن بعض ما لو فعلت لم ألم
١١- أبو دهيل الجمحى [١]
حدثنا أحمد بن سليمان الطوسى، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى حمزة بن عتبة الهاشمى، قال: قال أبو دهبل الجمحى: قلت:
وإنّ شكرك عندى لا انقضاء له
стр. 245
ثم أرتج علىّ النصف الأخير، فأقمت على النصف الأخير حولين كريتين «١٠» ، ثم سمعت عربيا فى المسجد الحرام يذكر لبنان؛ فقلت: أى شىء لبنان؟ قال: جبل بالشام؛ ففتح علىّ فقلت:
وإن شكرك عندى لا انقضاء له ... مادام بالجزع من لبنان جلمود [٩٤]
١٢- نصيب الأسود [١]
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة، قال «١١» : يروى أنّ الأقيشر دخل على عبد الملك بن مروان فذكر بيت نصيب:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت فواحزنا «١٢» ... من ذا يهيم بها بعدى «١٣»
فقال: والله لقد أساء قائل هذا البيت. فقال له عبد الملك: فما كنت أنت قائلا لو كنت مكانه؟ قال: كنت أقول:
تحبكم نفسى حياتى فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدى
فقال عبد الملك: فأنت والله أسوأ قولا وأقل بصرا حين توكّل بها بعدك! قيل: فما كنت أنت قائلا يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى
стр. 246
فقال من حضر: والله لأنت أجود الثلاثة قولا، وأحسنهم بالشعر علما يا أمير المؤمنين.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: لم تجد الرواة ومن يفهم جواهر الكلام لبيت نصيب هذا مذهبا حسنا.
قال: وقد ذكر عبد الملك ذلك لجلسائه فكلّ عابه، فقال عبد الملك: فلو كان إليكم كيف كنتم قائلين؟ فقال رجل منهم: كنت أقول البيت الأوسط الذى آخره:
فواحزنا من ذايهيم بها بعدى
فقال عبد الملك: ما قلت والله أسوأ مما قال. فقيل له: فكيف كنت قائلا يا أمير المؤمنين؟ وذكر باقيه إلى آخره.
حدثنى علىّ بن عبد الرحمن الكاتب، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: أنشد النّصيب بن أبى عتيق قوله «١٤» :
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنا «١٥» بارق نحو الحجاز أطير
فقال له ابن أبى عتيق: يابن أم، قل: «غاق» ، فإنك تطير «١٦» .
١٣- عدى بن الرقاع [١]
أخبرنى الصولى «١٧» ، قال: حدثنى يحيى بن على، قال: قال أبو جعفر محمد بن موسى المنجّم: كنت أحبّ أن أرى شاعرين فأؤدّب أحدهما- وهو عدى بن الرقاع- لقوله «١٨» :
стр. 247
وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن علم واحدة لكى أزدادها
ثم أسائله عن جميع العلوم فإذا لم يجب أدّبته، وأقبّل رأس الآخر- وهو زيادة بن زيد لقوله:
إذا ما انتهى علمى تناهيت عنده ... أطال فأعلى أم تناهى فقصّرا «١٩»
١٤- أعشى همدان [١]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن أعشى همدان، فقال: هو من الفحول، وهو إسلامى كثير الشعر. ثم قال: العجب من ابن داب حين يزعم أنّ الأعشى قال:
من دعا لى غزيّلى ... أربح الله تجارته
وخضاب بكفّه ... أسود اللون قارته ٢»
ثم قال: سبحان الله، يحذف الألف التى قبل الهاء فى اسم الله ، ويسكّن الهاء، ويرفع تجارته، ثم يجوز هذا عنه، ويروى عن مثله! ثم قال: قال لى خلف: والله لقد طمع ابن داب فى الخلافة حين يجوز عنه مثل هذا! ثم قال: ومع هذا إن «من دعالى» ؛ إنما يقال من دعا لغزيّل ومن دعا لبعير ضالّ.
стр. 248
١٥- الكميت بن زيد الأسدى [١]
أخبرنا ابن دريد، قال أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى [٩٥] ، قال:
الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وكذاك الطرماح.
وقال محمد بن القاسم بن محمد الأنبارى: حدثنى أبى، قال: حدثنا محمد بن على بن المغيرة الأثرم، قال: حدثنا أبى عن الأصمعى، قال: ليس الكميت بن زيد بحجّة، لأنّ الكميت كان من أهل الكوفة، فتعلّم الغريب وروى الشعر، وكان معلّما، فلا يكون مثل أهل البدو، ومن لم يكن من أهل الحضر.
وكان ذو الرّمة معلّما بالبدو، وكان يحضر اليمامة والبصرة كثيرا، وكانا جميعا يستكرهان الشعر، وكان ذو الرّمة أحسن حالا عند الأصمعى من الكميت.
وحدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: الكميت تعلّم النحو وليس بحجة، وكذلك الطرمّاح، وكانا يقولان ما قد سمعاه ولا يفهمانه.
قال رؤبة: كانا يسألاننى عن غريب شعرهما.
اخبرنى محمد بن يحيى، عن أبى العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، عن شعبة، قال: قال لى رؤبة: سألنى الطرماح والكميت عن شىء من الغريب، فلما كانا بعد رأيته فى أشعارهما.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى أحمد بن يزيد، عن المازنى، قال: حدثنى الأصمعى، عن خلف، قال: سمعت رؤبة بن العجاج يقول: لقينى الكميت والطرمّاح فسألانى عن الغريب، ثم سمعته فى شعرهما بعد.
стр. 249
وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد، قال: ذكر عن رؤبة بن العجاج أنه قال: قدمت فارس على أبان بن الوليد البجلى منتجعا له، فأتانى رجلان لا أعرفهما، فسألانى عن شىء ليس من لغتى، فلم أعرفه، فتغامزا بى. فتقبّعت عليهما فهمدا، ثم كان بعد ذلك يختلفان فيسمعان منى الشىء فيكتبانه ويدخلانه فى أشعارهما، فعلمت أنهما ظريفان، وسألت عنهما فقيل لى: هما الكميت والطرماح.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن أبى الحسن الطوسى، عن إسماعيل بن أبى عبيد الله، عن أبى عمرو الشيبانى، قال المفضل: لا يعتدّ بالكميت فى الشعر. وقال: أنشدنى أى معنى له شئت مما تستغربه حتى آتيك به من أشعار العرب.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى محمد بن بكير الأسدى، قال: حدثنى محمد بن أنس الأسدى، قال: حدثنى محمد بن سهل راوية الكميت، قال: سمعت الكميت يقول: إذا قلت الشعر فجأنى أمر مستو سهل لم أعبأ به حتى يجىء شىء فيه عويص فأستعمله.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال «٢١» : قال ابن كناسة: اجتمع نصيب والكميت ويقال «٢٢» ذو الرمة، فاستنشد النصيب الكميت من شعره فأنشده الكميت «٢٣» :
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب
حتى بلغ إلى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشنب «٢٤»
فعقد النصيب بيده واحدا. فقال الكميت: ما هذا؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت [٩٦] فى قولك «٢٥» : «الأنس والشنب» . ألا قلت كما قال ذو الرمة «٢٦» :
стр. 250
لمياء فى شفتيها حوّة لعس «٢٧» ... وفى اللّثات وفى أنيابها شنب
ثم أنشده «٢٨» : أبت هذه النفس إلّا ادّكارا فلما بلغ إلى قوله:
إذا ما الهجارس غنّينها ... يجاوبن بالفلوات الوبارا «٢٩»
فقال له نصيب: الفلوات لا تسكنها الوبار. فلما بلغ إلى قوله «٣٠» :
كأنّ الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا «٣١»
قال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا «٣٢» قطّ. فانكسر الكميت وامسك.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت أن الكميت بن زيد أنشد نصيبا فاستمع له فكان فيما أنشده:
وقد رأينا بها حورا منعّمة ... بيضا تكامل فيها الدّلّ والشنب
فثنى نصيب خنصره. فقال له الكميت: ما تصنع؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت فى قولك: «تكامل فيها الدّلّ والشنب» ؛ هلّا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء فى شفتيها حوّة لعس.. البيت.
ثم أنشده فى أخرى:
كأنّ الغطامط من جريها «٣٣» ... أراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا. فاستحيى الكميت وسكت. قال: وهما من قبيلة واحدة.