← Адаб

Адаб · id 9427

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء

المرزباني

Полный текст (568 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فقال من حضر: والله لأنت أجود الثلاثة قولا، وأحسنهم بالشعر علما يا أمير المؤمنين. وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: لم تجد الرواة ومن يفهم جواهر الكلام لبيت نصيب هذا مذهبا حسنا. قال: وقد ذكر عبد الملك ذلك لجلسائه فكلّ عابه، فقال عبد الملك: فلو كان إليكم كيف كنتم قائلين؟ فقال رجل منهم: كنت أقول البيت الأوسط الذى آخره: فواحزنا من ذايهيم بها بعدى فقال عبد الملك: ما قلت والله أسوأ مما قال. فقيل له: فكيف كنت قائلا يا أمير المؤمنين؟ وذكر باقيه إلى آخره. حدثنى علىّ بن عبد الرحمن الكاتب، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: أنشد النّصيب بن أبى عتيق قوله «١٤» : وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنا «١٥» بارق نحو الحجاز أطير فقال له ابن أبى عتيق: يابن أم، قل: «غاق» ، فإنك تطير «١٦» . ١٣- عدى بن الرقاع [١] أخبرنى الصولى «١٧» ، قال: حدثنى يحيى بن على، قال: قال أبو جعفر محمد بن موسى المنجّم: كنت أحبّ أن أرى شاعرين فأؤدّب أحدهما- وهو عدى بن الرقاع- لقوله «١٨» :

стр. 247

وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن علم واحدة لكى أزدادها ثم أسائله عن جميع العلوم فإذا لم يجب أدّبته، وأقبّل رأس الآخر- وهو زيادة بن زيد لقوله: إذا ما انتهى علمى تناهيت عنده ... أطال فأعلى أم تناهى فقصّرا «١٩» ١٤- أعشى همدان [١] أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن أعشى همدان، فقال: هو من الفحول، وهو إسلامى كثير الشعر. ثم قال: العجب من ابن داب حين يزعم أنّ الأعشى قال: من دعا لى غزيّلى ... أربح الله تجارته وخضاب بكفّه ... أسود اللون قارته ٢» ثم قال: سبحان الله، يحذف الألف التى قبل الهاء فى اسم الله ، ويسكّن الهاء، ويرفع تجارته، ثم يجوز هذا عنه، ويروى عن مثله! ثم قال: قال لى خلف: والله لقد طمع ابن داب فى الخلافة حين يجوز عنه مثل هذا! ثم قال: ومع هذا إن «من دعالى» ؛ إنما يقال من دعا لغزيّل ومن دعا لبعير ضالّ.

стр. 248

١٥- الكميت بن زيد الأسدى [١] أخبرنا ابن دريد، قال أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى [٩٥] ، قال: الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وكذاك الطرماح. وقال محمد بن القاسم بن محمد الأنبارى: حدثنى أبى، قال: حدثنا محمد بن على بن المغيرة الأثرم، قال: حدثنا أبى عن الأصمعى، قال: ليس الكميت بن زيد بحجّة، لأنّ الكميت كان من أهل الكوفة، فتعلّم الغريب وروى الشعر، وكان معلّما، فلا يكون مثل أهل البدو، ومن لم يكن من أهل الحضر. وكان ذو الرّمة معلّما بالبدو، وكان يحضر اليمامة والبصرة كثيرا، وكانا جميعا يستكرهان الشعر، وكان ذو الرّمة أحسن حالا عند الأصمعى من الكميت. وحدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: الكميت تعلّم النحو وليس بحجة، وكذلك الطرمّاح، وكانا يقولان ما قد سمعاه ولا يفهمانه. قال رؤبة: كانا يسألاننى عن غريب شعرهما. اخبرنى محمد بن يحيى، عن أبى العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، عن شعبة، قال: قال لى رؤبة: سألنى الطرماح والكميت عن شىء من الغريب، فلما كانا بعد رأيته فى أشعارهما. وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى أحمد بن يزيد، عن المازنى، قال: حدثنى الأصمعى، عن خلف، قال: سمعت رؤبة بن العجاج يقول: لقينى الكميت والطرمّاح فسألانى عن الغريب، ثم سمعته فى شعرهما بعد.

стр. 249

وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد، قال: ذكر عن رؤبة بن العجاج أنه قال: قدمت فارس على أبان بن الوليد البجلى منتجعا له، فأتانى رجلان لا أعرفهما، فسألانى عن شىء ليس من لغتى، فلم أعرفه، فتغامزا بى. فتقبّعت عليهما فهمدا، ثم كان بعد ذلك يختلفان فيسمعان منى الشىء فيكتبانه ويدخلانه فى أشعارهما، فعلمت أنهما ظريفان، وسألت عنهما فقيل لى: هما الكميت والطرماح. روى أحمد بن أبى طاهر، عن أبى الحسن الطوسى، عن إسماعيل بن أبى عبيد الله، عن أبى عمرو الشيبانى، قال المفضل: لا يعتدّ بالكميت فى الشعر. وقال: أنشدنى أى معنى له شئت مما تستغربه حتى آتيك به من أشعار العرب. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى محمد بن بكير الأسدى، قال: حدثنى محمد بن أنس الأسدى، قال: حدثنى محمد بن سهل راوية الكميت، قال: سمعت الكميت يقول: إذا قلت الشعر فجأنى أمر مستو سهل لم أعبأ به حتى يجىء شىء فيه عويص فأستعمله. حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال «٢١» : قال ابن كناسة: اجتمع نصيب والكميت ويقال «٢٢» ذو الرمة، فاستنشد النصيب الكميت من شعره فأنشده الكميت «٢٣» : هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب حتى بلغ إلى قوله: أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشنب «٢٤» فعقد النصيب بيده واحدا. فقال الكميت: ما هذا؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت [٩٦] فى قولك «٢٥» : «الأنس والشنب» . ألا قلت كما قال ذو الرمة «٢٦» :

стр. 250

لمياء فى شفتيها حوّة لعس «٢٧» ... وفى اللّثات وفى أنيابها شنب ثم أنشده «٢٨» : أبت هذه النفس إلّا ادّكارا فلما بلغ إلى قوله: إذا ما الهجارس غنّينها ... يجاوبن بالفلوات الوبارا «٢٩» فقال له نصيب: الفلوات لا تسكنها الوبار. فلما بلغ إلى قوله «٣٠» : كأنّ الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا «٣١» قال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا «٣٢» قطّ. فانكسر الكميت وامسك. وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت أن الكميت بن زيد أنشد نصيبا فاستمع له فكان فيما أنشده: وقد رأينا بها حورا منعّمة ... بيضا تكامل فيها الدّلّ والشنب فثنى نصيب خنصره. فقال له الكميت: ما تصنع؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت فى قولك: «تكامل فيها الدّلّ والشنب» ؛ هلّا قلت كما قال ذو الرمة: لمياء فى شفتيها حوّة لعس.. البيت. ثم أنشده فى أخرى: كأنّ الغطامط من جريها «٣٣» ... أراجيز أسلم تهجو غفارا فقال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا. فاستحيى الكميت وسكت. قال: وهما من قبيلة واحدة.

стр. 251

قال المبرد: والذى عابه نصيب به قوله: «تكامل فيها الدّلّ والشنب» قبيح جدا، وذلك أنّ الكلام لم يجر على نظم، ولا وقع إلى جانب الكلمة ما يشاكلها؛ وأول ما يحتاج اليه القول أن ينظم على نسق، وأن يوضع على رسم المشاكلة. وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلى، قال: أنشد الكميت ذا الرّمة وهما فى الحمام، فجعل ذو الرمة يعقد، فقال له الكميت: ما هذا الذى تعقد؟ قال: أحسب خطأك، أخبرنى عن قولك: أم هل ظعائن بالخلصاء رابعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشّنب ما الأنس من الشنب؟ ألا قلت كما قلت: «لمياء فى شفتيها ... » البيت. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أبو الحسن اليزيدى، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: بلغنى عن الأصمعى أنه قال: لم يتعلّق على بشّار بشىء وتعلق على الكميت؛ أى أخطأ. حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، عن عيسى بن إسماعيل العتكى، قال: قال لى محمد بن العجاج، قال بشار: ما كان الكميت شاعرا. قيل له: كيف وهو يقول: أنصف امرئ من نصف حىّ يسبّنى ... لعمرى لقد لا لقيت خطبا من الخطب هنيئا لكلب إنّ كلبا تسبّنى ... وإنى لم أردد جوابا على كلب لقد بلغت كلب بسبّى حظوة ... كفتها قديمات الفضائح والوصب [٩٧] فقال بشار: لا بلّ شانئك «٣٤» ، أترى رجلا لوضرط ثلاثين سنة لم يستملح منه شىء؟ قال ابن السكيت: يقال: بلّ الرجل من مرضه وأبل واستبلّ. حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وأحمد بن إبراهيم الجمال؛ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أحمد بن بكير الأسدى، قال: حدثنى محمد بن أنس

стр. 252

الأسدى السلامى، عن محمد بن سهل راوية الكميت، قال: قدم ذو الرمة الكوفة فلقيه الكميت، فقال له: إنى قد عارضتك بقصيدتك. قال: أى القصائد؟ قال: قولك «٣٥» : ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفريّة سرب قال: فأىّ شىء قلت؟ قال: قلت: هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب ... أم «٣٦» هل يحسّن من ذى الشّيبة اللّعب حتى أتى عليها. قال: فقال له: ما أحسن ما قلت، إلا أنك إذا شبهت الشىء ليس تجىء به جيدا كما ينبغى، ولكنك تقع قريبا، فلا يقدر إنسان أن يقول أخطأت ولا أصبت؛ تقع بين ذلك، ولم تصف كما وصفت أنا ولا كما شبهت. قال: وتدرى لم ذاك؟ قال: لا. قال: لأنك تشبه شيئا قد رأيته بعينك، وأنا أشبّه ما وصف لى ولم أره بعينى. قال: صدقت، هو ذاك. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى أبو النّضر، قال: حدثنى محمد بن الهيثم المقرئ الكوفى، قال: جاء حماد الراوية إلى الكميت فقال: أكتبنى شعرك. قال: أنت لحّان ولا أكتبك شعرى. قال: فوسم شعره بشىء أجهد أن يخرج ذاك من قلبى إذ كان على طريق الغضب فلا يخرج. قال: فقال له: وأنت شاعر؟ إنما شعرك خطب. أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: زعم الأصمعى أنّ الكميت أخطأ فى قوله «٣٧» : أرعد وأبرق يا يزي ... د فما وعيدك لى بضائر وزعم أنّ هذا البيت الذى يروى لمهلهل مصنوع محدث، وهو قوله: أنبضوا معجس «٣٨» القسّى وأبرقنا كما توعد الفحول الفحولا

стр. 253

وأن «أرعد» خطأ، وأنه لا يقال إلّا «رعد وبرق» إذا أوعد وتهدد، وهو «يرعد ويبرق» ، وكذلك يقال: رعدت السماء وبرقت، وأرعدنا نحن وأبرقنا: إذا دخلنا فى الرعد والبرق. وقال الشاعر: فقل لأبى قابوس ما شئت فارعد قال: وروى غير الأصمعى «٣٩» : أرعد وأبرق على ضعف. وأخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا المبرّد، قال: حدثنا الجرمى، عن الأصمعى، قال: أنشدنا أبو عمرو لرجل من كنانة «٤٠» : إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبى قابوس ما شئت فارعد قال: وقال ابن أحمر «٤١» : يا جلّ ما بعدت عليك بلادنا ... فابرق بأرضك ما بدالك وارعد «٤٢» وقال طفيل «٤٣» ظعائن أبرقن «٤٤» الخريف وشمنه ... وخفن الهمام أن تقاد قنابله قال الجرمى: كان الأصمعى ينشد هذا بعقب رده على الكميت قوله: أرعد وأبرق يا يزيد ويقول: ليس [٩٨] هذا بكلام فصيح. وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عمرو بن بحر الجاحظ، قال: اجتمعنا فى مجلس بالعسكر نتذاكر الشعر، فقلنا: كان الأصمعى لا يقول «أرعد وأبرق» فى الوعيد، ويقول «رعد وبرق» ، ويزعم أنّ الكميت أخطأ فى قوله:

стр. 254

أرعد وأبرق يا يزي ... د فما وعيدك لى بضائر وقال: لم يقل هذا فصيح قطّ. فقلت. وقد كان يزعم أنّ الشعر الذى ينحله مهلهل مصنوع؛ أعنى قوله: أنبضوا معجس القسى وأبرقنا ... البيت. فقال رجل معنا فى المجلس: لم أر أكثر حفظا وفهما منه! نعم، هذا من قديم المولّد. فلما قام قلت لأصحابنا: من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا إسحاق بن إبراهيم الموصلى. فكان أول يوم رأيته فيه. الإنباض: أن يجذب الوتر ثم يرسل فيصيب كبد القوس، يقال أنبض وأنضب. ومعجس القوس: مقبضها. وأبرقنا: لمعنا بالسيوف. حدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبى تمام، قال: سألت خشّافا عن الكميت بن زيد وعن شعره وعن رأيه فيه، فقال: لقد قال كلاما خبط فيه خبطا من ذاك «٤٥» لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز عندكم، وهو على ذاك أشبه كلام الحاضرة بكلامنا وأعربه وأجوده؛ ولقد تكلم فى بعض أشعاره بلغة غير قومه. حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنى أحمد بن الصباح بالمدينة ببغداد، قال: سمعت ابن كناسة يقول: كان الكميت قال مصراع البيت الأول: «ألا حييت عنا يا مدينا» ، فمكث ما شاء الله فى المصراع الثانى حتى سمع قائلا يقول: وما باس فى السلام، فقال: وهل باس بقول مسلّمينا وأنكر على الكميت قوله فى رسول الله ﷺ «٤٦» : إليك يا خير من تضمنت الأرض وإن عاب قولى العيب فلا يعيب قوله فى وصف النبى ﷺ إلّا كافر بالله مشرك.

стр. 255

١٦- جميل بن معمر العذرى [١] حدثنا إبراهيم بن محمد عرفة الواسطى، قال: أخبرت عن الهيثم بن عدى، قال: قال لى صالح بن حسان، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنا أبو عمر العمرى، قال «٤٧» : أخبر الهيثم بن عدى، قال لى صالح بن حسان: هل تعرف بيتا من الشعر نصفه أعرابى فى شملة، والنصف الآخر مخنّث من أهل العقيق يتقصّف تقصّفا؟ قلت: لا والله. قال: قد أجّلتك حولا. قلت: لو أجّلتنى حولين ما علمت الذى سألتنى- وقال محمد فى حديثه: لو أجلتنى خمسين حولا لم أعرفه- فقال: أفّ لك؟ قد كنت أحسبك أجود علما مما أنت. قلت: وما هو؟ قال: أو ما سمعت [٩٩] قول جميل «٤٨» : الا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا اعرابى والله يهتف فى شملة، ثم أدركه اللين وضرع الحب وما يدرك العاشق، فقال: أسائلكم «٤٩» هل يقتل الرجل الحبّ كأنه والله من مخنّثى العقيق يتفكّك. وقال إبراهيم: وبعد هذا البيت: فقالوا نعم حتى يسلّ عظامه ... ويتركه حيران ليس له لبّ وحدثنى محمد إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، عن رجل

стр. 256

من الأنصار، عن الهيثم بن عدى، قال: قال جميل بيتا نصفه الأول أعرابى والآخر مفكّك ليّن؛ وهو قوله: ... ألا أيّها النوام ... وذكره. وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى- عن عمّه، قال: قال هارون يوما لجلسائه- وأنا فيهم: أيكم يعرف بيت شعر أول المصراع منه أعرابى فى شملة، والثانى مخنّث يتفكك. فأرمّ «٥٠» القوم. فقال هارون: قول جميل: ألا أيها النّوام ويحكم هبّوا فهذا أعرابى فى شملة، ثم قال: أسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ فهذا مخنّث يتفكّك. قال الأصمعى: فقلت له: يا أمير المؤمنين، قول مادحك: يا زائرينا من الخيام ... أعرابى فى شملة حياكم الله بالسلام ... مخنّث فى يده دفّ فسرّ بذلك، إذ كان قد مدح بهذا الشعر. أخبرنا أبو بكر الجرحانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عبيد الله بن محمد بن حفص بن عائشة، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى رجل من بنى عامر بن لؤى- ما رأيت بالحجاز أعلم منه، قال: حدثنى كثّير أنه وقف على جماعة يفيضون فيه وفى جميل أيهما أصدق عشقا- ولم يكونوا يعرفونه بوجهه- ففضّلوا جميلا فى عشقه، فقلت لهم: ظلمتم كثيّرا؛ كيف يكون جميل أصدق عشقا من كثير، وإنما أتاه عن بثينة بعض ما يكره، فقال «٥١» : رمى الله فى عينى بثينة بالقذى ... وفى الغرّ من أنيابها بالقوادح القادح: ما يثقبها ويعيبها- وكثير أتاه عن عزّة ما يكره؛ فقال «٥٢» :

стр. 257

هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت قال: فما انصرفوا إلّا على تفضيلى. وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن زيد النحوى، قال: بلغنى أنّ المفضّل الضّبى قال: خرجت حاجّا، فأتيت المدينة؛ فلما بلغ أهل الأدب مكانى أتونى، فتذاكرنا، فأجمعوا على أنّ جميلا أشعر من كثير، فسلمت علما بأنّ جميلا شاعر الحجاز، ثم أجمعوا على أنّ جميلا أعشق من كثير. قال: وكنت أميل إلى كثير، فقلت: فأنا أوجدكم ضرورة أنّ كثيرا أعشق من جميل. قالوا: فباسم الله إذا. قلت: ألستم تعلمون أنّ بثينة شتمت جميلا؛ فبلغه ذلك، فقال: رمى الله فى عينى بثينة بالقذى ... البيت. قالوا: اللهم نعم، قلت: وصنعت عزّة بكثير مثل صنيع بثينة: فقال كثير «٥٣» [١٠٠] : هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت يكلّفها الخنزير شتمى وما بها ... هوانى ولكن للمليك استذلّت أصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجنّ اللواتى قلن عزة جنّت فما أنا بالداعى لعزة بالرّدى ... ولا شامت إن نعل عزة زلّت قالوا: صدقت. أخبرنى محمد بن محمد القصرى، قال: حدثنا يحيى بن على، قال: حدثنا أبو هفان، قال: تذاكروا تمنّى الشعراء لقاء الأحبة مع البلاء، فقالوا قول جميل «٥٤» : ألا ليتنى أعمى أصمّ تقودنى ... بثينة لا يخفى علىّ كلامها فقيل: هذا محال. إلّا أن يعطى آية فى خفاء كلام الناس عليه وسماعه لكلامها؛ ولكن أحسن ما فيه قول ابن الأحنف «٥٥» : ألا ليتنى أعمى إذا حيل دونها «٥٦» ... وتنشا لنا أبصارنا حين نلتقى

стр. 258

أضنّ عن الدنيا بطرفى وطرفها ... فهل بعد هذا من فعال «٥٧» بمشفق ١٧- عمر بن أبى ربيعة [١] حدثنى عبد الله بن محمد بن أبى سعبد البزاز قال: أخبرنا إسحاق بن محمد النخعى، قال: حدثنى ابن أخى الأصمعى، عن عمه، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلق عليه إلا بحرف واحد قوله «٥٨» : ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد «٥٩» القطر والحصى والتراب وكان ينبغى أن يقول: أتحبها؛ لأنه استفهام. قال: وقوله بهرا؛ أى تعسا. وحدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل العدوى، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن الأصمعى، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول «٦٠» : عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلّق عليه بشىء غير حرف واحد. قال أبو عمرو: له وجه إن أراد الخبر ولم يرد الاستفهام، وهو قوله: حين قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد القطر والحصى والتراب ولم يقل أتحبها. وقد روى بعض الرواة أنه إنما قال: قيل لى هل تحبّها قلت بهرا وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال حدثنا ثعلب، قال: قال الأصمعى: قال

стр. 259

أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلّق عليه بشىء غير حرف واحد وله وجه: قوله فى الاستفهام: ثم قالوا تحبها قلت بهرا ولم يقل أتحبّها. قال ثعلب: وقال ابن الأعرابى فى هذا البيت: وقوله «بهرا» بهركم الله، أتظنّون أنى ليس كذا. قال: وقال غيره: عجبا لكم! كيف تظنّون غير هذا! وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا التّوزى، عن أبى عمر الأسدى؛ قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر بن أبى ربيعة حجة فى العربية [١٠١] ما أخذ عليه شىء إلا قوله: ثم قالوا تحبها ... البيت. وله فيه عذر إن أراد الخير لا الاستفهام، كأنه قال: أنت تحبها على جهة الإخبار، فوكّد هو إخبارها بقوله، فهذا أحسن. «وبهرا» يجوز أن يكون أراد نعم حبّا بهرنى بهرا، ويكون بمعنى عقرا وتعسا؛ دعا عليهم إذ جهلوا من حبّه لها مالا يجهل مثله. وأنشد أبو عمرو «٦١» : لحى الله قومى «٦٢» إذ يبيعون مهجتى ... بجاوبة بهرا لهم بعدها بهرا قال أبو عمرو: ويكون بهرا بمعنى حبّا ظاهرا، من قولهم قمر باهر. وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن الأصمعى، قال: أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية وما تعلّق عليه إلا بهذا الحرف الواحد. قال أبو عمرو: وله وجه إن كان أراد الخبر ولم يرد الاستفهام، لأنه إن كان أراد الاستفهام فكان ينبغى أن يقول: أتحبها. قال على بن يحيى: وقال إسحاق الموصلى: «قلت بهرا» أى عقرا وتعسا، دعا عليهم؛ وأنشد: لحى الله قومي إذ يبيعون مهجتى ... بجارية بهرا لهم بعدها بهرا قال على: وقال الأصمعى: بهرا، أى ظاهرا، من قولهم: القمر الباهر.

стр. 260

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: سئل أبو العباس ثعلب عن بيت عمر هذا، فقال: قال الفراء: بهرا عجبا. قال: وقال غيره: بهركم الله أى غلبكم الله. وقال بعضهم: هو من الابتهار، والابتهار أن يقول فعلت بفلانة ولم يفعل. أخبرنى على بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على، قال: حدثنى محمد بن سعد الكرانى، عن ابن عائشة، عن أبيه، قال «٦٣» : كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبى ربيعة قال: تهامىّ إذا أنجد وجد البرد. حتى سمع قوله «٦٤» : رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر وذكر منها أبياتا. فقال جرير: ما زال «٦٥» يهذى حتى قال شعرا. حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا محمد بن سلام، عن حرير أبى الحصين المدينى، وحدثنى محمد [١٠٥] بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قالا: لما حجّ عبد الملك بن مروان لقيه عمر بن أبى ربيعة بالمدينة، فقال له عبد الملك: لا حيّاك الله يا فاسق. قال: بئست تحية ابن العم لابن عمه على طول الشحط. فقال له: يا فاسق، ذاك لأنك أطول قريش صبوة، وأبطؤها توبة. ألست القائل «٦٦» : ولولا أن تعنّفنى قريش ... مقال الناصح الأدنى الشفيق لقلت إذا التقينا قبّلينى ... ولو كنّا على ظهر الطريق اغرب. وزاد مصعب فى حديثه: فقال عمر: بئست تحية ابن العم. فاستحيى عبد الملك، وقضى حوائجه. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا

стр. 261

مصعب بن عبد الله الزبيرى، قال: حجّ سليمان بن عبد الملك، فلما قدم مكة أرسل إلى عمر بن أبى ربيعة فقال: ألست القائل «٦٧» : وكم من قتيل لايباء به دم ... ومن غلق «٦٨» رهنا إذا ضمّه «٦٩» منى وكم «٧٠» مالئ عينيه من شىء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى فلم «٧١» أر كالتّجمير منظر ناظر ... ولا كليالى الحجّ أقتلن «٧٢» ذاهوى قال: نعم. قال: لاجرم، والله لا تحجّ مع الناس العام. وأخرجه إلى الطائف حتى قضى الناس حجّهم. كتب إلى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سمعت أبا عبيدة، وما حكه عبد الله بن عمرو أبو العتبى فى عمر بن أبى ربيعة- فعاب أبو عبيدة شعره، وقال: قال بيتا هو فى أوله قاص وفى آخر مخنث: أدخل الله ربّ موسى وعيسى ... جنة الخلد من ملانى خلوقا مسحته من كفّها بردائى ... حين طفنا بالبيت مسحا رفيقا حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن عبد الله «٧٣» بن شبيب، عن إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، قال: قال ابن أبى عتيق لعمر بن أبى ربيعة فى قوله «٧٤» : بينما ينعتننى أبصرننى ... دون قيد «٧٥» الميل يعدو بى الأغر قالت: أتعرفن الفتى قلن نعم ... قد عرفناه وهل يخفى القمر «٧٦»

стр. 262

أنت لم تنسب بها، إنما نسبت بنفسك؛ إنما كان ينبغى أن تقول: قلت لها، فقالت لى، فوضعت خدّى فوطئت عليه. حدثنى على بن هارون، قال: أنشدنى المفضّل بن سلمة لعمر بن أبى ربيعة «٧٧» : عاود القلب بعض ما قد شجاه ... من حبيب أمسى هواه هواه [١٠٣] ما ضرارى نفسى بهجرة من لي ... س مسيئا ولا بعيدا نواه واجتنابى بيت الحبيب وما ... الخلد بأشهى إلىّ من أن أراه قال: وكان المفضّل يضع من شعر عمر فى الغزل، ويقول: إنه لم يرقّ كما رقّ الشعراء؛ لأنه ماشكا قطّ من حبيب هجرا، ولا تألّم لصدّ؛ وأكثر أوصافه لنفسه وتشبيبه بها، وأنّ أحبابه يجدون به أكثر مما يجد بهم، ويتحسرون عليه أكثر مما يتحسر عليهم؛ ألا تراه فى هذا الشعر- وهو من أرقّ أشعاره- قد ابتدأه بذكر حبيب هواه هواه، ووصف أنه هو هجره من غير إساءة، واجتنب بيته مع قربه، وفى غير ذلك يقول: قد عرفناه وهل يخفى القمر يصف وصفهنّ إياه بالحسن. ويقول: قالت لقيّمها وأذرت عبرة ... مالى ومالك يا أبا الخطّاب أطمعتنى حتى إذا أوردتنى ... حلأتنى «٧٨» ولم استتمّ شرابى حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: كتب إلىّ عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن نصيب يقول: حدثتنى عمتى عوضة بنت النصيب أنّ أباها جلس مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع بودّان، فقال له إبراهيم: يا أبا محجن، ألا تخبرنا عنك وعن أصحابك؟ قال: بلى، جميل أصدقنا شعرا، وكثيّر أبكانا على الظّعن، وابن أبى ربيعة أكذبنا، وأنا أقول ما أعرف.

стр. 263

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، عن الزبير بن بكار «٧٩» ، قال: حدثنى عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنى عطّاف بن خالد الوابصى، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: أنشد سعيد بن المسيب قول عمر بن أبى ربيعة: وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... ودوحّ رعيان ونوّم «٨٠» سمّر فقال: ماله قاتله الله! لقد صغّر ما عظمه الله ؛ قال «٨١» : «والقمر قدّرناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم» . وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا مخلد بن مالك الحرّانى، قال: حدثنا عطاء بن خالد، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: سمع سعيد بن المسيب رجلا يتمثّل هذا البيت، فقال سعيد: قاتله الله! صغر ما عظّم الله؛ قال الله : «والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» [١٠٤] . وقال: كان يقال: لا تقولوا مسيجد ولا مصيحف، وما كان لله فهو عظيم حسن جميل. أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: حدثنى عبيد الله بن إسحاق بن سلام، قال: أتى عمر بن أبى ربيعة الفرزدق فأنشده من شعره، وقال: كيف ترى شعرى؟ قال: أرى شعرا حجازيّا إن أنجد اقشعّر. فقال له: حسدتنى. فقال: يابن أخى، علام أحسدك؟ أنا والله أعظم منك فخرا، وأحسن منك شعرا، وأعلى منك ذكرا. ثم قال: أصبحت يابن أبى ربيعة حقّة ... سمعت هدير مسدّم «٨٢» مقروم ولقد خزمتك والخزام مذلّة ... ولذلّها دعيت بنى مخزوم

стр. 264

أىّ العشائر يابن ألأم من مشى ... فى الجاهلية لم تدن لتميم ولقد علمت فلا تكن فى غرّة ... أن ليس قتل سراتكم بعظيم لولا دفاع بنى أمية عنكم ... ألقت كلاكلها عليك قرومى قال أبو عبيد الله: قوله حقّة: الحقة من النوق التى قد استحقّت أن يحمل عليها. والمقروم والقرم: الذى يتخذ للفحلة، فإذا قيل للرجل قرم فإنما يراد به التعظيم والمسدّم: الممنوع من الضّراب وهو السّدم، ومن عادة العرب أن ترسل الفحل النجيب فيضرب فى النوق. ١٨- قيس بن ذريح [١] حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنا الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عبد الملك بن عبد العزيز، قال: أنشدنى أبو السائب- وهو معتمد على يدى ونحن نريد قباء: نباح كلب بأعلى الواد من سرف ... أشهى إلى النفس من تأذين أيّوب فقلت: من قال هذا الشعر؟ قال: قيس بن ذريح، قلت: من أيوب؟ قال: النبى ﷺ . قال: قلت: والله لا يحلّ لك أن تروى هذا؛ هذا كفر. قال: اذهب، لاصحبك الله. علىّ أنا من كفره شىء.

стр. 265

١٩- مجنون بنى عامر [١] حدثنا محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو الحسين على بن عبدويه، قال: حدثنا يحيى بن النضر بن جنيد، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا يحيى بن النضر بن جنيد قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى المقبل العقيلى، قال: يتحدث عندنا بالبادية أنّ مجنون بنى عامر لما قال «١» : قضاها لغيرى وابتلانى بحبّها ... فهلّا بشىء غير ليلى ابتلانيا [١٠٥] ذهب بصره. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثنى هارون بن موسى القروى، قال: حدثنى موسى بن جعفر بن أبى كثير، قال: لما قال مجنون بنى عامر «٢» : خليلى لا والله لا أملك الذى ... قضى «٣» الله فى ليلى ولا ما قضى ليا قضاها لغيرى وابتلانى بحبّها ... فهلّا بشىء غير ليلى ابتلانيا ذهب بصره. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وروى عن الهيثم بن عدى، عن ابن عياش- أنّ المجنون لما قال هذين البيتين ضربه البرص.

стр. 266

وروى عن أبى عمرو الشيبانى أنه قال يوما لأصحابه: لا يتمنينّ أحد أمنية سوء؛ فإن البلاء موكل بالمنطق؛ المؤمّل قال: شفّ المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمّل لم يخلق له بصر فذهب بصره. وهذا مجنون بنى عامر قال: فلو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصا ... أصمّ فنادتنى أجبت المناديا فعمى وصمّ. ٢٠- الطرمّاح [١] حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: أخبرنا عيسى بن عبد الأعلى بعمان، قال: أخبر أبو عمرو بن العلاء أنه رأى الطرماح بسواد الكوفة وهو يكتب ألفاظ النّبيط ويتعلّمها ليدخلها فى شعره. وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الطيب بن محمد الباهلى، قال: حدثنا قعنب بن المحرر،، عن الأصمعى، قال: ذكر الطرماح عند أبى عمرو بن العلاء، فقال: رأيته بسواد الكوفة يكتب ألفاظ النبيط. فقلت: ما تصنع بهذه؟ قال: أعربها وأدخلها فى شعرى. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدث الأصمعى، قال: حدثنى شعبة بن الحجاج، قال: قلت للطرماح: أين نشأت- قال: بالسواد. وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا الرياشى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: سمعت شعبة يقول: قلت للطرماح: أين نشأت؟ قال: بالسّواد.

стр. 267

وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: حدثنى أبو جعفر بن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنا الأصمعى عن شعبة، قال: قلت للطرماح: أين نشأت؟ قال: بالسواد. قال الأصمعى [١٠٦] وهو قوله «٤» : طال فى شطّ نهروان اغتماضى أخبرنا ابن دريد، قال أبو حاتم: قال: حدثنا الأصمعى، قال. الكميت بن زيد ليس بحجة؛ لأنه مولّد، وكذلك الطرماح. وحدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: الكميت تعلّم النحو وليس بحجة، وكذلك الطرماح؛ وكانا يقولان ما قد سمعاه ولا يفهمانه. قال رؤبة: كانا يسألاننى عن غريب شعرهما. وأخبرنى الصولى، عن أبى العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، عن شعبة، قال: قال لى رؤبة: سألنى الطرماح والكميت عن شىء من الغريب، فلما كان بعد رأيته فى أشعارهما. أنكر على الطرماح قوله يصف ناقة «٥» : تمسح «٦» الأرض بمعنونس ... مثل مئلاة «٧» النياح القيام معنونس: ذنب طويل. ومئلاة: واحدة المآلى، وهى خرق تمسكها النساء بأيديهنّ إذا قمن للنّياحة. والنياح: جمع نوح. فأفصح بأنّ الذنب يمسّ الأرض، وأساء فى التشبيه أيضا.

стр. 268

٢١- الحارث بن خالد المخزومى [١] حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: أخبرنا محمد بن سلام، وحدثنى محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى يوسف بن عبد العزيز بن الماجشون، قال: حدثنى عمى يوسف بن الماجشون؛ قالا «٨» : ذكر شعر عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة والحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومى عند ابن أبى عتيق- وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق- وفى المجلس رجل من ولد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة. فقال: صاحبنا الحارث أشعرهما. فقال ابن أبى عتيق: بعض قولك يابن أخى، فلشعر عمر لوطة «٩» فى القلب، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة، ما ليس لشعر غيره، وما عصى الله بشعر أكثر مما عصى بشعر عمر، وخذ عنى ما أصف لك: أشعر قريش من دقّ معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطّفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب من صاحبه. فقال الخالدى صاحبنا الذى يقول [١٠٧] «١٠» : إنى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها «١١» يعلو فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيردّه الإقواء والمحل «١٢» لعرفت مغناها بما ضمنت «١٣» ... منّى الضّلوع لأهلها قبل

стр. 269

فقال له ابن أبى عتيق: يابن أخى؛ استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر «١٤» بمثل هذا؛ أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله- وقال ابن سلام: فجعل سفله علوا- ما بقى إلا أن يسأل الله لها حجارة من سجّيل «١٥» ؛ ابن أبى ربيعة كان أحسن صحبة من صاحبك وأجمل مخاطبة حين يقول «١٦» : سائلا الرّبع بالبلىّ «١٧» وقولا ... هجت شوقا لى الغداة طويلا أين حىّ حلوك إذ أنت محفو ... ف بهم آهل أراك جميلا ويروى: ... إذ أنت مسرو ... ر بهم تصحب الزّمان الظليلا قال: ساروا فأمعنوا واستقلّوا «١٨» ... وبكرهى «١٩» لو استطعت سبيلا سئمونا وما سئمنا مقاما ... واستحبّوا «٢٠» دماثة وسهولا «٢١» ٢٢- عبد الله بن عمر العبلى [١] كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى يعقوب بن القاسم الطلحى، قال: حدثنى عنبسة بن عبد الله بن عنبسة بن خالد بن عمرو بن عثمان،

стр. 270

قال: وفد عبد الله بن عمر العبلى على هشام بن عبد الملك فأجازه بمائتى دينار، ثم مرّ بالوليد بن يزيد وهو ولىّ عهد هشام فقال له: يابن الخليفة للخليفة والخليفة عن قليل فبلغ هشاما فغضب، وأرسل خلفه، فردّ من الطريق، فقال له: مدحتنى وقلت فى شعرك: ليلتى من كنود بالغور عودى ... بصفاء الهوى من أمّ أسيد فقلت لى «٢٢» : ووقاك الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا ربّ هود ثم مررت بالوليد فنعيتنى له. ثم ضربه مائتى سوط مكان كلّ دينار سوطا. ثم أقام العبلى حتى هلك هشام، وقتل الوليد، وقام مروان بن محمد، فمدحه ومدح وليّى عهده: عبد الله وعبيد الله، فقال: لا حرماها ولا بها خلصا ... حتى يكون البدابك الهرم [١٠٨] فضحك مروان، وقال: لقد أدبك أبو الوليد- يعنى هشاما. وقد أنكر أهل العلم قوله «٢٣» : وأبقاك صالحا ربّ هود وهو يجىء فى موضعه إن شاء الله. ٢٣- عروة بن أذينة [١] أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد: أخبرنا العباس بن الفرج الرياشى، قال حدثنا

стр. 271

محمد بن سلام، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن ياسر، قال: قلت لأبى السائب المخزومى: أما أحسن عروة بن أذينة حيث يقول «٢٤» : لبثوا «٢٥» ثلاث منّى بمنزل غبطة ... وهم على غرض لعمرك ما هم متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا «٢٦» ولهنّ بالبيت العتيق لبانة ... والبيت يعرفهنّ لو يتكلم لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههن وزمزم وكأنهنّ وقد حسرن لواغبا ... بيض بأكناف الحطيم مركّم فقال: لا والله، ما أحسن ولا أجمل؛ بل أهجر وأخطأ، يصفهنّ بهذه الصفة ولا يندم على رحيلهنّ! هكذا قال كثير «٢٧» : تفرّق أهواء «٢٨» الحجيج على منى ... وفرّقهم صرف النّوى مسى «٢٩» أربع فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم سالك بطن تضرع «٣٠» فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... وملقى «٣١» إذا التفّ الحجيج بمجمع أقلّ مقيما راضيا بمكانه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودّع وهل يغتبط عاقل بمكان ولا يرضى به؟ ولكنه كما قال: «مكره أخوك لا بطل» . والعرجى أوفى بالعهد وأولى بالصواب حيث يقول- وقد عرض لها نافرة من منى «٣٢» :

стр. 272

عوجى علىّ وسلمى جبر ... فيم الصدود وأنتم سفر ما نلتقى إلا ثلاث منى ... حتى يفرّق بيننا النّفر فالشهر ثم الحول يتبعه ٣» ... ما الدّهر إلا الحول والشهر أنكر على عروة بن أذينه قوله «٣٤» : واسق العدوّ بكأسه واعلم له ... بالغيب أن قد كان قبل سقاكها واجز الكرامة من ترى أن لوله ... يوما بذلت كرامة لجزاكها وقالوا: فقوله فى البيت الأول: «واعلم له بالغيب» كلام غثّ، و «له» رديئة الموقع [١٠٩] بشعة المستمع. والبيت الثانى كان مخرجه أن يقول «٣٥» : «واجز الكرامة من ترى أن لو بذلت له يوما كرامة لجزاكها. وأنكروا أيضا قوله: وأعملت المطية فى التّصابى ... رهيص الخفّ دامية الأظل «٣٦» أقول لها لهان علىّ فيما ... أحبّ فما اشتكاؤك أن تكلّى يريد: أقول لها لهان علّى فيما أحب أن تكلّى فما اشتكاؤك؟ ٢٤- الأغلب العجلى [١] أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن الأغلب العجلى: أفحل هو أو من الرجّاز؟ فقال: ليس هو بفحل ولا مفلح. قال: وأعيانى شعره. وقال لى مرة أخرى: ما أروى للأغلب إلا اثنتين ونصفا. قلت: وكيف قلت

стр. 273

نصفا؟ قال: أعرف له اثنتين، وكنت أروى نصفا من التى على القاف فطوّلوها. ثم قال: كان ولده يزيدون فى شعره حتى أفسدوه. قال أبو حاتم: وطلب إسحاق بن العباس الهاشمى من الأصمعى رجز الأغلب، فطلبه منى فأعرته إياه، فأخرج منه نحوا من عشرين قصيدة. فقلت للأصمعى: ألم تزعم أنك لم تعرف إلا اثنتين ونصفا؟ قال: بلى؛ ولكن انتقيت ما أعرف، فإن لم يكن له فهو لغيره ممن هو ثبت أوثقة. قال أبو حاتم: وكان الأصمعى من أروى الناس للرجز. قال الأصمعى: وقال خلف أيضا: أعيانى شعر الأغلب. قال خلف: وكان من ولده إنسان يصدق فى الحديث والروايات، ويكذب عليه فى شعره. ٢٥- أبو النجم العجلى [١] أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: رأيت الأصمعى يستجيد بعض رجز أبى النجم، ويضعف بعضا، لأن له رديئا كثيرا. قال: وقال لى مرة فى شىء: لا يعجبنى شاعر اسمه الفضل بن قدامة- يعنى أبا النجم العجلى. أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت فى إسناد متصل أنّ أبا النجم أنشد هشاما «٣٧» : والشمس قد صارت كعين الأحول وذهب عنه الرّوىّ فى الفكر فى عين هشام؛ فأغضبه، فأمر به فطرد. أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو عثمان الأشناندانى، قال: أخبرنا التوّزى، عن

стр. 274

أبى عبيدة [١١٠] قال: دخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وكان قد حجبه قبل ذلك لما قال: والشمس قد صارت كعين الأحول فأمر بسحبه. وكان هشام أحول. حدثنا إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى على بن محمد بن سلمان النوفلى، قال: حدثنى أبى عمّن حضر هذا المجلس، قال: جلس هشام بن عبد الملك يوما فى صحن داره، وفتح بابها، وأذن للناس إذنا عاما، فدخلت العامة، فأخذوا مجالسهم من الدار، وجلس تجاه وجهه أسود متقنّع بكسائه، وأمر أبا النجم أن ينشد- وكان مشغوفا بشعره- فأنشد قصيدته اللامية «٣٨» : الحمد لله الوهوب المجزل حتى بلغ هذا الموضع منها، وهو يصف إبله بالغزر، فذكر الضرع فقال: كالسقاء المسمل «٣٩» . فصاح الأسود: أتاك والله بها- يا أمير المؤمنين- نزرا غير غزر، قد استجفّت ضروعها، وذهبت ألبانها، حين شبّهها بالمسمل. قال: فكيف ينبغى أن يقول؟ قال: كما قلت. وأنشده: كنّا إذا عام الحّت أزمه ... وجعل المطحون تغلو قيمه لا يشبع المرضع منه درهمه ... جادت بمطحون لها لا نأجمه لا ينفخ البطن ولا يورّمه ... تطبخه ضروعها وتأدمه فقال هشام: من أنت، ويلك؟ قال: أنا أبو نعامة مولى بنى سعد. أخبرنى الصولى، قال: حدثنى الطّيّب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعى يقول: أخطأ أبو النجم فى قوله: كالشمس لم تعد سوى ذرورها

стр. 275

أى لم تتجاوز ذرورها، فأدخل «سوى» لأجل الإعراب. و «لم تعد» : العداء: الظلم، أراد لم تتجاوز. والعداء: تجاوز الحق. ٢٦- العجاج [١] حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، عن التوّزى، عن أبى عبيدة عن الهفتى، وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى أحمد بن بشر المرثدى، عن أبى سعيد النحوى، عن التوزى، عن الأصمعى- أن العجاج دخل على الوليد بن عبد الملك فأنشد «٤٠» : كم قد حسرنا من علاة عنس فصار إلى قوله «٤١» : بين ابن مروان قريع الإنس ... وابنة عباس قريع عبس «٤٢» فقال له الوليد: ما صنعت شيئا؛ أنشدنى [١١١] غير هذا. فأنشده «٤٣» : وقد أرانى للغوانى مصيدا ... ملاوة كأنّ فوقى جلدا «٤٤»

стр. 276

فقال: مصيدا وجلدا! لم تصنع شيئا، أفرغت مدحك فى عمر بن عبيد الله بن معمر، إذ قلت- وقال الأصمعى: فقال له: أتقول فى ابن معمر: حول ابن غراء حصان إن وتر ... فاز وإن طالب بالوغم «٤٥» اقتدر إذا الكرام ابتدروا الباع بدر وتقول فى: بين ابن مروان قريع الإنس ... وابنة عباس قريع عبس فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن لكل شاعر غربا، وإن غربى ذهب فى ابن معمر. وقال أبو عبيدة: فقال: فإنّ لكلّ شاعر حمة، وكانت هذه الأرجوزة حمتى فقذفتها. وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، عن أبى عبيدة، قال: حدّث عبيد الله بن عمر أبا عمرو بن العلاء- وأنا أسمع، ويونس إلى جنبى- قال: وفدءت إلى الوليد بن عبد الملك؛ وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: حدثنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، عن أبى عبيدة، قال: سمعت عبيد الله بن عمر القرشى- أخا عثمان بن عمر القرشى قاضى المنصور- يحدّث أبا عمرو بن العلاء، قال: وفدت إلى الوليد بن عبد الملك فبينما أنا قاعد عنده دخل عليه العجاج فأنشده: أمسى الغوانى معرضات صدّدا ... وقد أرانى للغوانى مصيدا ملاوة كأنّ فوقى جلدا قوله: ملاوة: مدة من الدهر. والجلد: أن يموت ولد الناقة فتمنع درها فيؤخذ جلد فصيل فيحشى تبنا- وهو البوّ- فيوضع بين يديها فتنكره بعينها وترأمه بقلبها فتدرّ؛ فقال له الوليد: أمّا لعمر بن عبيد الله بن معمر فتقول «٤٦» : حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات وإن طالب بالوغم اقتدر

стр. 277

وأما لأمير المؤمنين فتقول: أمسى الغوانى معرضات صدّدا فقال: أمهلنى يا أمير المؤمنين. فأمهله فلشهدته ينشده «٤٧» : قد علم القدّوس مولى القدس ... أنّ أبا العبّاس «٤٨» أولى نفس بمعدن الملك القديم الكرس «٤٩» ... بين ابن مروان قريع الإنس وابنة عبّاس قريع عبس ... إمام رغس «٥٠» فى نصاب رغس [١١٢] يقال رغسه الله إذا نما وكثر خيره. فقال: قد أحسنت وليست إليها. قال: يا أمير المؤمنين، إنما كانت حمة منى، لا أعود والله لها. قال أبو عبيدة: فقال لى يونس- وهو شاهد للحديث يسرّ إلى: أتصدّق بهذا؟ ما كان من هذا شىء قط، ولا كان الوليد يحسنه. قال عمر بن شبة: ولا أحسب يونس إلّا قد صدق، كان الوليد لحّانا، وكان عبد الملك يعتذر من ذلك ويقول: شغلنا حبّ الوليد عن تأديبه، لكن هذا سليمان فاسألوه عما شئتم. يقال حمة الحرّ، وفوعة الحر؛ أى شدته. حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٥١» ، قال: أخبرنى سلمة بن عيّاش، قال: قلت لرؤبة يوما: أبوك أشعر منك قال: أنا أشعر منه، هو يقول «٥٢» : وخندف هامة هذا العالم قال ابن سلام: وقبل هذا البيت: وغاية الناس وأهل الحكّم ... عند كريم منهم مكرّم مبارك للأنبياء خاتم

стр. 278

فأفرط وجاوز السناد مع حذقه؛ لأنه ساند فى بيتين سنادا فاحشا آخذه الناس عليه. قال: وقال العجاج «٥٣» : يا ليت أيام الصبا رواجعا وهى لغة لهم. سمعت أبا عون الحرمازى يقول «٥٤» : ليت أباك منطلقا، وليت زيدا قاعدا. وأخبرنى- أنّ منشأه «٥٥» بلاد العجّاج فأخذها عنهم. وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: كان رؤبة يغمص على أبيه فى قوله «٥٦» : يا دار سلمى يا اسلمى ثمّ اسلمى ... بسمسم أو عن يمين سمسم ثم قال فيها: فخندف هامة هذا العالم ثم قال فيها: محمد للأنبياء خاتم وكان يرى هذا عيبا، وهو عيب شديد. وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا أبو عثمان، عن أبى عبيدة، قال: قال رؤبة ليونس: أنا أشعر من أبى. قال: بل أبوك أشعر منك. قال: أبى يقول: «يا دار سلمى ... » وذكر الأبيات كما قال عمر بن شبة. وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: سمعت أبا محمد التوزى يقول عن أبى زيد: سمعت رؤبة يقول: أنا أشعر أم أبى؟ فقلنا له: أنت أشعر من أبيك، أبوك الذى يقول: يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى ثم قال [١١٣] : فخندف هامة هذا العالم قال: إنه كان فى لغة أبى العألم والخأتم- مهموزان.

стр. 279

أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: سئل الأصمعى عن بيت العجاج: غير ثلاث فى المحلّ صيّم وأصله الواو «٥٧» . قال: حدثنى عيسى بن عمر، قال: سألت رؤبة عن هذا فقال تيه به فى المتّيهين؛ هو صوم. قال الأصمعى: وأنشدنى عقبة بن رؤبة «٥٨» : ودغية «٥٩» من خطل مغدودن «٦٠» وإنما هو دغوة، يقال: فلان ذو دغوات، أى سقطات. أخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سمعت يونس يقول: كان رؤبة عندى، فقال له رجل: ما معنى قول العجاج: وحبس الناس الأمور الحبّسا فقال له رؤبة: قلبه. ويلك! ٢٧- رؤبة بن العجاج [١] أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو ذكوان، قال: حدثنى التوزى، عن

стр. 280

الأصمعى، قال: حدثنى من سمع سلم بن قتيبة يقول لرؤبة: أخطأت فى قولك «٦١» : يهوين شتّى ويقعن وفقا «٦٢» قال الأصمعى: لأنّ الجياد لا تقع حوافرها معا. وإذا وقعن وفقا فكأنه يضبر ليس يسبح. حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: رؤبة بن العجاج أكثر شعرا من أبيه. وقال بعضهم: إنه أفصح من أبيه. ولا أحسب ذلك حقّا؛ لأنه قد أخذ عليه فى قصيدته التى أولها «٦٣» : وقاتم الأعماق خاوى المخترق ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفق يكلّ وفد الريح من حيث انخرق ثم قال فيها: مضبورة قرواء هرجاب فنق «٦٤» فضم، وأوّلها مفتوح. ٢٨- أبو نخيلة السعدى [١] حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنا عبد الله بن سالم، قال: كان أبو نخيلة ينتحل شعر رؤبة بن العجاج، فقال له رؤبة: إياك وإياه بالعراق، وخذ منه بالشام ما شئت.

стр. 281

وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنا عبيد الله بن سالم، قال: أتانى رؤبة فجلس إلى قبّة لى مجلسا لا يراه من يدخل، ودخل [١١٤] أبو نخيلة، فجلس خارجا، فقيل له: أنشدنا يا أبا نخيلة. فافتتح قصيدة لرؤبة فجعل ينشدها، ورؤبة يئط «٦٥» كأنّ السياط فى ظهره. فلما بلغ نصفها قال رؤبة: كيف أنت أبا نخيلة؟ فقال أبو نخيلة: واسوأتاه! ولا أشعر أنك ها هنا، إن هذا كبيرنا وشاعرنا الذى نعوّل عليه. فقال رؤبة: إياك وإياه ما كنت بالعراق، فإذا أتيت الشام فخذ ما شئت منه. ٢٩- مالك بن أسماء بن خارجة الفزارى [٢] أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى، قال: أنشد رجل عمّى: وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّر حسن وجهك زينا وتزيدين طيب الطيب طيبا ... إن تمسّيه أين مثلك أينا فأعجب بهما الرجل. فقال له عمى: لا تعجب بهما، فما يساويان لقعة ببعرة. وأجود الشعر ما صدق فيه وانتظم المعنى؛ كقول امرئ القيس «٦٦» : ألم تريانى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: والبيتان لمالك بن أسماء. ٣٠- القحيف العامرى [١] أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن القحيف

стр. 282

العامرى الذى يقول فى النّشاش «٦٧» . قال: ليس بفصيح ولا حجة. ٣١- الأقيشر الأسدى [١] أخبرتا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: رأيت الأصمعى طعن فى الأقيشر، وقال: ذاك مولّد، ولم يلتفت إلى شعره. قال: ولا يقال إلا رجل شرطى. فقلت: قال الأقيشر: إنما نشرب من أموالنا ... فسلوا الشرطى ما هذا الغضب فقال: ذاك مولّد. ٣٢- أيمن بن خريم بن فاتك الأسدى [٢] قال قدامة بن جعفر «٦٨» : أفضل مديح الرجل ما قصد به الفضائل النفسية الخاصية لا بما هو عرضىّ فيه؛ وما أتى من المدح على خلاف ذلك كان معيبا. ومن الأمثلة الجياد فى هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس

стр. 283

الرّقيّات- حيث عتب عليه فى مدحه إياه: إنك قلت فى مصعب بن الزبير [١١٥] «٦٩» : إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن نوره الظّلماء وقلت فىّ: يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذّهب فوجه عيب عبد الملك إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية التى هى العقل والعفة والعدل والشجاعة وما جانس ذلك، ودخل فى جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم فى البهاء والزينة، وذلك غلط وعيب. ومنه قول أيمن بن خريم فى بشر بن مروان «٧٠» : يابن الذّوائب والذّرى والأرؤس ... والفرع من مضر العفرنى الأقعس «٧١» وابن الأكارم من قريش كلّها ... وابن الخلائف وابن كلّ قلمّس يقال: عزّ قلمّس إذا كان قديما. من فرع آدم كابرا عن كابر ... حتّى انتهيت إلى أبيك العنبس مروان، إنّ قناته خطّيّة ... غرست أرومتها أعزّ المغرس وبنيت عند مقام ربّك قبة ... خضراء كلّل تاجها بالفسفس «٧٢» فسماؤها ذهب وأسفل أرضها ... ورق تلألأ فى البهيم الحندس فما فى هذه الأبيات شىء يتعلق بالمدح الخفى؛ وذلك أن كثيرا من الناس لا يكونون كآبائهم فى الفضل؛ ولم يذكر هذا الشاعر شيئا غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة فى نفسه أصلا.

стр. 284

وذكر بعد ذلك بناءه قبّة، ثم وصف القبة أنها من الذهب والفضة؛ وهذا أيضا ليس من المدح؛ لأن بالمال «٧٣» والثروة مع الضعة والفهّة «٧٤» ما يمكن «٧٥» بناء القباب الحسنة وغيرها، واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحا يعتدّ به، ولا نعتا جاريا على حقّه. ومما نذكره فى هذا الموضع ليصحّ به شدة قبح هذا المدح قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار «٧٦» : يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع فقد أحسن هذا الشاعر حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما. وقال أيمن أيضا فى بشر «٧٧» : لو أعطاك «٧٨» بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يزيدا وأعقب مدحتى سرجا خلنجا «٧٩» ... وأبيض جوزجانيّا عقودا «٨٠» فإنا «٨١» قد وجدنا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهى فى الجود أولا، ثم أفسده فى البيت الثانى بذكر السرج وغيره، ثم ذكر فى البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذمّا أقرب؛ وذلك أنه جعل أمّه ولودا والناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر «٨٢» ، ومنه قول الشاعر «٨٣» : بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأمّ الصقر مقلات نزور «٨٤»

стр. 285

٣٣- ابن هرمة [١] رأيت أهل العلم بالشعر يستحسنون قول عنترة العبسى فيما أخبر به عن شكيّة فرسه إليه التعب لدوام الحرب، فقال «٨٥» : فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم فلم يخرج الفرس عن التحمحم إلى الكلام، ثم قال: لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو عرف الجواب مكلّمى فوضع عنترة ما أراده فى موضعه، لا كما قال ابن هرمة «٨٦» : نراه إذا ما أبصر الضيف كلبه ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم فإنه أقنى الكلب فى قوله: إنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم من غير أن يزيد فى القول ما يدلّ على أنّ ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة. أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه قال: حدثنى أبو أيوب المدينى، قال: حدثنى أبو الحسن الباهلى، عن فليح بن سليمان، عن إسماعيل بن جعفر مولى خزاعة الفقيه، قال: حدثنى أبى، قال: مررت بابن هرمة جالسا على دكان فى بنى زريق، فقلت: ما أقعدك ها هنا يا أبا إسحاق؟ فقال: قلت: فإنك واطّراحك وصل سعدى ... لأخرى فى مودّتها نكوب ثم قطع بى فلم أستطع أن أجوزه، فمرت بى وصيفة للحىّ قد ثقبت أذنيها وفيها خيوط عهن وقد فاحتا، فذرت عليهما آسا؛ فقلت: مالك، ويحك، يا فلانة؟ فقالت: ثقبت
следующие страницы →