وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنا عبيد الله بن سالم، قال: أتانى رؤبة فجلس إلى قبّة لى مجلسا لا يراه من يدخل، ودخل [١١٤] أبو نخيلة، فجلس خارجا، فقيل له: أنشدنا يا أبا نخيلة.
فافتتح قصيدة لرؤبة فجعل ينشدها، ورؤبة يئط «٦٥» كأنّ السياط فى ظهره. فلما بلغ نصفها قال رؤبة: كيف أنت أبا نخيلة؟ فقال أبو نخيلة: واسوأتاه! ولا أشعر أنك ها هنا، إن هذا كبيرنا وشاعرنا الذى نعوّل عليه. فقال رؤبة: إياك وإياه ما كنت بالعراق، فإذا أتيت الشام فخذ ما شئت منه.
٢٩- مالك بن أسماء بن خارجة الفزارى [٢]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى، قال:
أنشد رجل عمّى:
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّر حسن وجهك زينا
وتزيدين طيب الطيب طيبا ... إن تمسّيه أين مثلك أينا
فأعجب بهما الرجل. فقال له عمى: لا تعجب بهما، فما يساويان لقعة ببعرة. وأجود الشعر ما صدق فيه وانتظم المعنى؛ كقول امرئ القيس «٦٦» :
ألم تريانى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: والبيتان لمالك بن أسماء.
٣٠- القحيف العامرى [١]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن القحيف
стр. 282
العامرى الذى يقول فى النّشاش «٦٧» . قال: ليس بفصيح ولا حجة.
٣١- الأقيشر الأسدى [١]
أخبرتا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: رأيت الأصمعى طعن فى الأقيشر، وقال: ذاك مولّد، ولم يلتفت إلى شعره. قال: ولا يقال إلا رجل شرطى. فقلت: قال الأقيشر:
إنما نشرب من أموالنا ... فسلوا الشرطى ما هذا الغضب
فقال: ذاك مولّد.
٣٢- أيمن بن خريم بن فاتك الأسدى [٢]
قال قدامة بن جعفر «٦٨» : أفضل مديح الرجل ما قصد به الفضائل النفسية الخاصية لا بما هو عرضىّ فيه؛ وما أتى من المدح على خلاف ذلك كان معيبا.
ومن الأمثلة الجياد فى هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس
стр. 283
الرّقيّات- حيث عتب عليه فى مدحه إياه: إنك قلت فى مصعب بن الزبير [١١٥] «٦٩» :
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن نوره الظّلماء
وقلت فىّ:
يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذّهب
فوجه عيب عبد الملك إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية التى هى العقل والعفة والعدل والشجاعة وما جانس ذلك، ودخل فى جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم فى البهاء والزينة، وذلك غلط وعيب.
ومنه قول أيمن بن خريم فى بشر بن مروان «٧٠» :
يابن الذّوائب والذّرى والأرؤس ... والفرع من مضر العفرنى الأقعس «٧١»
وابن الأكارم من قريش كلّها ... وابن الخلائف وابن كلّ قلمّس
يقال: عزّ قلمّس إذا كان قديما.
من فرع آدم كابرا عن كابر ... حتّى انتهيت إلى أبيك العنبس
مروان، إنّ قناته خطّيّة ... غرست أرومتها أعزّ المغرس
وبنيت عند مقام ربّك قبة ... خضراء كلّل تاجها بالفسفس «٧٢»
فسماؤها ذهب وأسفل أرضها ... ورق تلألأ فى البهيم الحندس
فما فى هذه الأبيات شىء يتعلق بالمدح الخفى؛ وذلك أن كثيرا من الناس لا يكونون كآبائهم فى الفضل؛ ولم يذكر هذا الشاعر شيئا غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة فى نفسه أصلا.
стр. 284
وذكر بعد ذلك بناءه قبّة، ثم وصف القبة أنها من الذهب والفضة؛ وهذا أيضا ليس من المدح؛ لأن بالمال «٧٣» والثروة مع الضعة والفهّة «٧٤» ما يمكن «٧٥» بناء القباب الحسنة وغيرها، واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحا يعتدّ به، ولا نعتا جاريا على حقّه.
ومما نذكره فى هذا الموضع ليصحّ به شدة قبح هذا المدح قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار «٧٦» :
يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع
فقد أحسن هذا الشاعر حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما.
وقال أيمن أيضا فى بشر «٧٧» :
لو أعطاك «٧٨» بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتى سرجا خلنجا «٧٩» ... وأبيض جوزجانيّا عقودا «٨٠»
فإنا «٨١» قد وجدنا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا
فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهى فى الجود أولا، ثم أفسده فى البيت الثانى بذكر السرج وغيره، ثم ذكر فى البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذمّا أقرب؛ وذلك أنه جعل أمّه ولودا والناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر «٨٢» ، ومنه قول الشاعر «٨٣» :
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأمّ الصقر مقلات نزور «٨٤»
стр. 285
٣٣- ابن هرمة [١]
رأيت أهل العلم بالشعر يستحسنون قول عنترة العبسى فيما أخبر به عن شكيّة فرسه إليه التعب لدوام الحرب، فقال «٨٥» :
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
فلم يخرج الفرس عن التحمحم إلى الكلام، ثم قال:
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو عرف الجواب مكلّمى
فوضع عنترة ما أراده فى موضعه، لا كما قال ابن هرمة «٨٦» :
نراه إذا ما أبصر الضيف كلبه ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
فإنه أقنى الكلب فى قوله: إنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم من غير أن يزيد فى القول ما يدلّ على أنّ ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة.
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه قال: حدثنى أبو أيوب المدينى، قال: حدثنى أبو الحسن الباهلى، عن فليح بن سليمان، عن إسماعيل بن جعفر مولى خزاعة الفقيه، قال: حدثنى أبى، قال: مررت بابن هرمة جالسا على دكان فى بنى زريق، فقلت: ما أقعدك ها هنا يا أبا إسحاق؟ فقال: قلت:
فإنك واطّراحك وصل سعدى ... لأخرى فى مودّتها نكوب
ثم قطع بى فلم أستطع أن أجوزه، فمرت بى وصيفة للحىّ قد ثقبت أذنيها وفيها خيوط عهن وقد فاحتا، فذرت عليهما آسا؛ فقلت: مالك، ويحك، يا فلانة؟ فقالت: ثقبت
стр. 286
أذنى لعرس بنى فلان فأصابنى ما ترى [١١٧] . فقلت: أفلك شنوف؟ قالت: لا ولكنى استعرته. قال: فقلت:
كثاقبة لحلى مستعار ... بأذنيها فشانهما الثقوب
فأدّت حلى جارتها إليها ... وقد بقيت بأذنيها ندوب
حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنى رجل من قريش بمكة أحسبه من ولد عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنى حميد بن معروف الحمصى، عن أبيه، وأخبرنى أبو ذرّ القراطيسى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا، عن محمد بن إسحاق المسيى، عن القاسم بن محمد القرشى، عن حميد بن معروف الحمصى، عن أبيه، قال: كنت فيمن حضر الحكم بن المطلب المخزومى وهو يجود بنفسه بمنبج- قال- ولقى من الموت شدة، فقال رجل ممن حضر- وهو فى غشية له: اللهم هوّن عليه، فإنه كان وكان- يثنى عليه؛ فلما أفاق قال: من المتكلم؟ فقال المتكلم: أنا قال: إن ملك الموت يقول لك: إنى بكل سخىّ رفيق. قال: فكأنما كانت فتيلة أطفئت. فلما بلغ موته ابن هرمة قال:
سألا عن الجود والمعروف أين هما ... فقلت إنهما ماتا مع الحكم
ماتا مع الرجل الموفى بذمته ... يوم الحفاظ إذا لم يوف بالذمم
ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها ... من التهدّم بالمعروف والكرم
قال ابن دريد: فسألت أبا حاتم عن قوله: «لو تنبش» ، لم جزم؟ فقال:
[قال] «٨٧» قوم من النحويين: كراهة لكثرة الحركات «٨٨» ، كما قال الآخر «٨٩» :
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدّو أمثال السفين العوّم
قال: ولو قال: «نبشت مقابرها» استراح من «تنبش» ، وكان كلاما فصيحا.
стр. 287
٣٤- عبد الرحمن القس [١]
قال قدامة بن جعفر «٩٠» : من الكلام المستقل فى الغزل قول عبد الرحمن بن عبد الله القسّ:
إن تنأ دارك لا أملّ تذكّرا ... وعليك منى رحمة وسلام
ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضا «٩١» :
سلّام «٩٢» ليت لسانا تنطقين به ... قبل الذى نالنى من صوته «٩٣» قطعا
فما رأيت أغلظ ممّن يدعو على معشوقة أجادت فى غنائها بقطع لسانها [١١٨] ؛ لأن المذهب فى الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة. واستعمال الألفاظ اللطيفة المستعذبة المقبولة غير المستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيبا.
وبلغنى أنّ أبا السائب المخزومى لما أنشد قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان، وهو «٩٤» :
فلما بدا لى رابنى ... نزعت نزوع الأبىّ الكريم
قال: قبّحه الله، والله ما أحبّها ساعة قط.
ومثله لنابغة بنى تغلب- واسمه الحارث بن غزوان «٩٥» - أحد بنى زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب «٩٦» :
هجرت أمامة هجرا طويلا ... وما كان هجرك إلا جميلا
стр. 288
على غير بغض ولا عن قلى ... وإلّا حياء وإلّا ذهولا
بخلنا لبخلك قد تعلمين ... فكيف يلوم البخيل البخيلا «٩٧»
قال «٩٨» : ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن القس «٩٩» :
وإنى إذا ما الموت حلّ بنفسها ... يزال بنفسى قبل ذاك فأقبر
فقد جمع بين قبل وبعد؛ وهما من المضاف؛ لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلّا لقبل؛ حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها- وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتى به- وجوابه هو قوله: يزال بنفسى قبل ذاك. وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله؛ فجعل هذا الشاعر ما هو قبل «١٠٠» بعدا.
قال «١٠١» : ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق الإيجاب والسلب قول عبد الرحمن القس «١٠٢» :
أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر
فأوجب هذا الشاعر للهجر والقتل أنهما مئلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إنّ القتل أعفى وأيسر؛ فكأنه قال: إنّ القتل مثل الهجر وليس هو مثله «١٠٣» وأرى أنّ مما يجرى هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدى حيث قال «١٠٤» :
أكفّ الجهل عن حلماء قومى ... وأعرض عن كلام الجاهلينا
стр. 289
ثم قال فى هذه القصيدة بعد هذا البيت:
إذا رجل تعرض مستخفّا ... لنا بالجهل أوشك أن يحينا «١٠٥»
فقد أوجب هذا الشاعر فى البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال [١١٩] ، ونفى ذلك بعينه فى البيت الثانى بتعدّيه فى معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب العقوبات، وهو القتل.
٣٥- نوح بن جرير [١]
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنا على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى أبو الحسن الأثرم، قال: حدثنى أدهم العبدى خال بنى الكلبى، عن رجل أراه من بنى سعد، قال: كنت مع نوح بن جرير؛ وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: حدثنى أحمد بن معاوية، قال: حدثنى بعض أصحابنا، عن رجل من بنى سعد؛ وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق الموصلى، عن رجل من بنى سعد، قال: كنت مع نوح بن جرير فى أصل سدرة- أو قال شجرة- فقلت له: قبحك الله وقبح أباك، أما أبوك فأفنى عمره فى مدح عبد ثقيف- يعنى الحجاج- وأما أنت فإنك مدحت قثم بن العباس فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه- وقال الأثرم فى حديثه: فعجزت أن تمدحه بمأثرة من مآثر آبائه- حتى مدحته بقصر بناه.
فقال: أما والله لئن سؤتنى فى هذا الموضع لقد سئوت فيه أبى؛ بينا أنا آكل معه يوما وفى يده لقمة وفى فيه أخرى، فقلت: يا أبت أأنت أشعر أم الأخطل؟ فجرض بالتى فى فيه، ورمى بالتى فى يده، وقال: يا بنى لقد سررتنى وسؤتنى، فأما سرورك إياى فلتعاهدك مثل هذا وسؤالك عنه؛ وأما ما سؤتنى به فذكرك رجلا قد مات. يا بنى؛ لو أدركنى الأخطل وله ناب آخر لأكلنى، ولكن أعاننى عليه خصلتان- وقال بعضهم: أعنت عليه بخصلتين- كبر سن، وخبث دين.
стр. 290
٣٦- أبو حية انميرى [١]
عيب على أبى حيّة قوله «١٠٦» :
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهودىّ يقارب أو يزيل
لأنه أراد: كما خطّ الكتاب يوما بكفّ يهودىّ يقارب أو يزيل؛ فقدّم وأخّر. ومثله لامرأة من بنى قيس «١٠٧» :
هما أخوا فى الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يوما نبوة ودعاهما
تريد: هما أخوا من لا أخاله فى الحرب. ومثله بيت الفرزدق «١٠٨» [١٣٠] :
وما مثله فى الناس إلا مملكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه «١٠٩»
٣٧- ابن ميادة المرى [٢]
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدثنى أبو صالح الفزارى أنّ قاسم بن جندل الفزارى- وكان
стр. 291
عالما- قال لابن ميّادة: والله لقد جددت بشعرك وذكرت به، وإنى لأراه كثير السقط.
فقال ابن ميادة: يابن جندل، إنما الشعر كنبل فى جفيرك ترمى به الغرض؛ فطالع، وواقع، وعاضد، وقاصر.
الطالع: الذى يطلع الغرض؛ أى يعلوه لم يزغ يمينا ولا شمالا وهو يستحبّ.
والواقع: الذى يقع بالغرض. والعاضد: الذى يقع عن يمين الغرض أو شماله وهو شرّها.
والقاصر: الذى يقصر دونه فلا يبلغه وهو قاصد. والعاضد: ما بين الشبر إلى قيد القوس وكذلك القاصر.
وقال المتوكل بن عبد الله الليثى فى هذا المعنى:
الشعر لبّ المرء يعرضه ... والقول مئل مواقع النّبل
منها المقصّر عن رميّته ... ونواقر يذهبن بالخصل «١١٠»
يقال: نقر السهم فهو ناقر: إذا أصاب.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن العباس الرياشى، قال: حدثنا أبى عن الأصمعى، قال الصولى: وحدثنى يحيى بن على، قال: حدثنى سليمان بن أيوب المدينى، قال: حكى الأصمعى أنّ السبب الذى هاج الشرّيين ابن ميّادة والحكم الخضرى- من خضر محارب- أنّ الحكم وقف ينشد بمصلّى المدينة قصيدته فى وصف الغيث، فمر به ابن ميّادة فوقف عليه يسمع، حتى انتهى إلى قوله:
يا صاحبىّ ألم تشيما عارضا ... نصح «١١١» الصّراد به فهضب المنخر
تصح: أى مطر. والصراد: موضع.
ركب البلاد وظلّ ينهض مصعدا ... نهض المقيّد فى الدّهاس «١١٢» الموقر
فحسده ابن ميّادة، فقال: أدهست وأوقرت «١١٣» ، لا أمّ لك، فمن أنت؟ قال:
стр. 292
أنا الحكم الخضرى. قال: والله ما أنت فى بيت نسب ولا أرومة شعر. قال: قد قلت ما قلت، فمن أنت؟ قال: أنا ابن ميّادة، قال: قبح الله والدين [١٢١] خيرهما ميادة، لو كان فى أبيك خير ما انتسبت إلى أمك. أو لست القائل:
فلا برح الممدور «١١٤» ريّان ناعما ... وجيد أعالى صدره وأسافله
ويروى: «شعبه وأسافله» ، فاستسقيت لأعاليه وأسافله وتركت وسطه، وهو خير موضع فيه لم تستسق له. فتهاجيا بعد ذلك.
الدّهاس: اللّين من الرمل. والمقيّد: البعير، فشبّه السحاب بثقل سيرها هذا البعير المقيّد الموقر فى موضع ليّن تغوص فيه قوائمه.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى محمد بن جعفر العطار، قال حدثنى ابن أبى سعد، قال: حدثنى عبد الله بن محمد القرشى، قال: حدثنى محمد بن سعيد المخزومى، عن عبد العزيز بن عمران، قال: أنشد الحكم الخضرى فى مصلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى وصف مطر: يا صاحبى ألم تشيما عارضا؛ وذكر مثله إلى آخره.
وأخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه- أنّ الخضرى لما خاطب ابن ميّادة فى بيته الأخير بما خاطبه به قال ابن ميادة: وأىّ شىء تريد وقد تركته لا يزال ريّان مخصبا، وقد جيد أعالى شعبه وأسافله؟ فغضب الخضرى؛ فهذا أوّل ما هاج بينهما الهجاء.
стр. 293
٣٨- عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلى
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال «١» أخبرنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير، قال: كان عروة بن أذينة نازلا مع أبى فى قصر عروة بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه الأبيات التى أولها «٢» :
إنّ التى زعمت فؤادك ملّها ... جعلت هواك كما جعلت «٣»
هوى لها قال عروة: فجاءنى أبو السائب المخزومى يوما بالعقيق فألفانى فى مجلس بئر عروة، فسلم وجلس إلى، فقلت له بعد الترحيب به: ألك حاجة يا أبا السائب؟ قال: وكما تكون لحاجة، أبيات لعروة بن أذينة بلغنى أنك سمعتها منه. قلت: أى أبياته؟ قال: وهل يخفى القمر؟ قوله: إن التى زعمت فؤادك ملّها فأنشدته إياها، فقال: ما يروى هذه إلّا أهل المعرفة والعقل، هذا والله الصادق الودّ، الدائم العهد [١٢١] ، لا الهذلىّ الذى يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عنّى فأهلى بى أضنّ وأرغب
لقد عدا الأعرابى طوره؛ وإنى لأرجو أن يغفر الله لصاحب الأبيات فى حسن الظن بها وطلب العذر لها.
٣٩- الحسين بن مطير [١]
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى أبى- يعنى على بن
стр. 294
يحيى- عن إسحاق الموصلى؛ وأخبرنى على بن هارون، قال: أخبرنى عمى يحيى بن على، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن عبد الله بن على، قال: حدثنى أبى؛ قالا: وفد ابن مطير الأسدى على معن بن زائدة لما ولى اليمن وقد مدحه، فلما دخل عليه أنشده:
أتيتك إذ لم يبق غيرك جابر ... ولا واهب يعطى اللهى والرغائبا
فقال له معن: يا أخا بنى أسد؛ ليس هذا بالمدح؛ وإنما المدح قول أخى تيم الله نهار بن توسعة فى مسمع بن مالك بن مسمع:
قلّدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السّراة البحور
أخبرنى يوسف بن يحيى، عن أبيه، قال: قال ابن مطير:
يأيها القلب الحزين الكائب ... بان الشباب والشباب ذاهب
أودى فلا يثنى ولا هو آيب
فسكن «هو» ؛ وحقّها التحريك، وهى لغة «٤» .
٤٠- جماعة من شعراء الإسلام «٥»
حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى- عن عمه، قال: لقى عمر بن أبى ربيعة الأحوص وقد أقبل من عند عبلة، فقال له:
يا أحوص؛ ما زودت صاحبتك؟ ولا تكن كالذى قال:
سأهدى لها فى كلّ عام قصيدة ... وأقعد مكفيّا بمكة مكرما
فأهدى ما مالا ينفعها- قال: قد واله فعلت. قال: فأنشدنى ما قلت؛ فأنشده:
ألا يا عبل قد طال اشتياقى ... إليك وشفّنى خوف الفراق
وبتّ مخامرا «٦» أشكو بلائى ... لما قد غالنى ولما ألاقى
стр. 295
كأنى من هواك أخو فراش ... تجلجل نفسه بين التّراقى [١٢٣]
حلفت لك الغداة فصدّقينى ... بربّ البيت والسبع الطباق
لأنت إلى الفؤاد أشدّ حبّا ... من الصادى إلى الكأس الدّهاق «٧»
فقال له عمر: ما تركت لى شيئا، ولقد أغرقت فى شعرك. قال: كيف أغرقت فى شعرى وأنت الذى تقول «٨» :
إذا خدرت رجلى أبوح بذكرها ... ليذهب عن رجلى الخدور فيذهب
فقال: الخدور يذهب والعطش لا يذهب.
[من عيوب معانى الشعر:] «٩»
قال قدامة بن جعفر «١٠» : من عيوب معانى الشعر «مخالفة العرف» والإتيان بما ليس فى العادة والطبع؛ مثل قول المرّار «١١» :
وخال على خدّيك يبدو كأنه ... سنا البدر فى دعجاء باد دجونها «١٢»
فالمتعارف المعلوم أنّ الخيلان سود أو ما قاربها فى ذلك اللون، والخدود الحسان إنما هى البيض، وبذلك تنعت، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى.
ومن هذا الجنس قول الحكم الخضرى:
كانت بنو غالب لأمّتها ... كالغيث فى كلّ ساعة يكف «١٣»
стр. 296
فليس فى المعهود أن يكون الغيث واكفا فى كل ساعة.
قال «١٤» : ومن عيوب المعانى أيضا أن ينسب الشىء إلى ما ليس منه، كما قال خالد بن صفوان:
فإن صورة راقتك فاخبر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
فهذا الشاعر بقوله:
......... ربما
أمر مذاق العود والعود أخضر
كأنه يومئ إلى أنّ سبيل العود الأخضر فى الأكثر أن يكون عذبا أو غير مرّ؛ وهذا ليس بواجب؛ لأنه ليس العود الأخضر بطعم من الطعوم أولى منه بالآخر.
[من عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى:]
قال «١٥» : ومن عيوب الشعر «الإخلال» ؛ وهو أن يترك من اللفظ ما يتمّ به المعنى؛ مثال ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحبّ من الأكثر الرائث «١٦»
فإنما أراد أن يقول: عاجل ما أشتهى مع القلة أحبّ إلىّ من الأكثر المبطىء، فترك «مع القلة» ، وبه يتمّ المعنى.
ومثل ذلك قول عروة بن الورد «١٧» :
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند «١٨» الوغى كان أعذرا [١٢٤]
стр. 297
فإنما أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم فى السلم، ومقتلهم عند الوغى أعذر، فترك «فى السلم» .
ومن هذا الجنس قول الحارث بن حلّزة «١٩» :
والعيش خير فى ظلا ... ل النّوك ممّن عاش كدّا
فأراد أن يقول: والعيش خير فى ظلال النوك من العيش بكدّ فى ظلال العقل، فترك شيئا كثيرا، وعلى أنه لو قال ذلك لكان فى هذا الشعر خلل آخر، لأنّ الذى يظهر أنه أراده هو أن يقول: إن العيش الناعم فى ظلال النوك خير من العيش الشاق فى ظلال العقل، فأخلّ بشىء كثير.
ومن هذا الجنس نوع آخر، وهو كما قال بعضهم «٢٠» :
لا يرمضون «٢١» إذا حرّت مشافرهم ... ولا ترى منهم فى الطعن ميّالا
ويفشلون إذا نادى ربيئهم ... ألا اركبنّ فقد آنست أبطالا
الربىء: الطليعة، فأراد أن يقول: «ولا يفشلون» ، فخذف «لا» ، فعاد المعنى إلى الضدّ.
قال «٢٢» : ومن عيوب هذا الجنس عكس العيب المتقدم، وهو أن يزيد فى اللفظ ما يفسد به المعنى، مثال ذلك قول بعضهم:
فما نطفة من ماء نحض عذيبة ... تمنّع من أيدى رقاة ترومها
بأطيب من فيها لو انّك ذقته ... إذا ليلة أسجت وغارت نجومها
فقول هذا الشاعر: «لو انك ذقته» زيادة توهم أنه لو لم يذقة لم يكن طيبا.
[من عيوب ائتلاف اللفظ والوزن:]
قال «٢٣» : ومن عيوب الشعر «الحشو» ، وهو أن يحشى البيت بلفظ لا يحتاج إليه
стр. 298
لإقامة الوزن؛ مثال ذلك ما قال أبو عدى القرشى:
نحن الرءوس وما الرءوس إذا سمت ... فى المجد للأقوام كالأذناب
فقوله «للأقوام» حشو لا منفعة فيه.
وقال مصقلة بن هبيرة:
ألكنى إلى أهل العراق رسالة ... وخصّ بها- حيّيت- بكر بن وائل
فقوله: «حييت» حشو لا منفعة فيه.
قال «٢٤» : ومنها «التّثليم» ، وهو أن يأتى الشاعر بأسماء يقصر عنها العروض فيضطر إلى ثلمها والنّقص منها؛ مثال ذلك قول أميّة بن أبى الصّلت «٢٥» [١٢٥] :
لا أرى من يعيننى فى حياتى ... غير نفسى إلا بنى إسرال «٢٦»
وقال فى هذه القصيدة «٢٧» :
أيمّا شاطن عكاه ... ثم يلقى فى السجن والأكبال
وقال علقمة بن عبدة «٢٨» :
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم «٢٩» بسبا الكتّان ملثوم
أراد «بسبائب «٣٠» الكتان» ، فخذف للعروض.
стр. 299
وقال لبيد بن ربيعة «٣١» :
درس المنا بمتالع فأبان «٣٢»
أراد المنازل.
ومنها «التذنيب» ؛ وهو عكس العيب المتقدم، وذلك أن يأتى الشاعر بألفاظ تقصر عن العروض، فيضطر إلى الزيادة فيها، مثال ذلك ما قال «٣٣» :
لا كعبد المليك أو كيزيد ... أو سليمان بعد أو كهشام
فالملك والمليك اسمان لله ، وليس إذا سمى إنسان بالتعبّد لأحدهما وجب أن يكون مسمّى بالآخر، كما أنه ليس من سمّى عبد الرحمن هو من سمى عبد الله.
قال «٣٤» : ومن هذا الجنس «التغيير» ، وهو أن يحيل الشاعر الاسم عن حاله وصورته إلى صورة أخرى إذا اضطرّته العروض إلى ذلك، كما قال بعضهم- يذكر سليمان «٣٥» :
ونسج سليم كلّ قضّاء ذائل «٣٦»
وكما قال الآخر «٣٧» :
من نسج داود أبى سلّام
стр. 300
[من العيوب العامة للمعانى:]
قال «٣٨» : ومن عيوب الشعر «فساد التفسير» ، مثل قول بعض المحدثين:
فيأيها الحيران فى ظلم الدّجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدى
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفّيه بحرا من النّدى
والعيب فى هذين البيتين أنّ هذا الشاعر لما قدّم فى البيت الأول الظّلم وبغى العدى كان الجيّد أن يفسّر هذين المعنيين فى البيت الثانى بما يليق بهما، فأتى بإزاء الإظلام بالضياء، وذلك صواب، وكان يحب أن يأتى بإزاء بغى العدى بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر «٣٩» [١٢٦] ، أو بما جانس ذلك مما يحتمى به الإنسان من أعدائه؛ فلم يأت بذلك، وجعل مكانه ذكر الندى، ولو كان ذكر فى البيت الأول الفقر أو العدم لكان ما أتى به صوابا.
قال «٤٠» : ومما جاء فى الشعر من التناقض على طريق القنية والعدم قول ابن نوفل:
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السنّ ذى بصر ضرير
فلفظة «ضرير» إنما تستعمل- وهى تصريف فعيل من الضرّ- فى الأكثر للذى لا بصر له، وقول هذا الشاعر فى هذا الشيخ إنه ذو بصر وإنه ضرير- تناقض من جهة القنية والعدم، وذلك أنه كأنه يقول: إن له بصرا ولا بصر له، فهو بصير أعمى.
[من عيوب ائتلاف المعنى والقافية:]
قال «٤١» : ومن عيوب الشعر أن تكون القافية مستدعاة، قد تكلّف فى طلبها، فاشتغل معنى سائر البيت بها؛ مثل ما قال أبو تمام الطائى «٤٢» :
كالظّبية الأدماء صافت فأرتعت ... زهر العرار الغض والجثجاثا
стр. 301
فجميع هذا البيت مبنىّ لطلب هذه القافية، وإلا فليس فى وصف الظبية بأنها ترتعى الجثجاث كبير فائدة؛ لأنه إنما توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها؛ بأن يقال بأنها تعطو الشجر؛ لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأن ذعرا يسيرا قد لحقها؛ كما قال الطرماح «٤٣» :
مثل ما عاينت مخروفة «٤٤» ... نصّها ذاعر روع «٤٥» مؤام «٤٦»
فأمّا أن ترتعى الجثجاث فلا أعرف له معنى فى زيادة الظبية من الحسن، لا سيما والجثجاث ليس من المراعى التى توصف.
قال «٤٧» : ومن عيوب هذا الجنس أن يؤتى بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها فى السجع، لا لأنّ [لها] «٤٨» فائدة فى معنى البيت؛ كما قال على بن محمد البصرى:
وسابغة الأذيال زعف «٤٩» مفاضة ... تكنّفها منى نجاد مخطط
فى وصف الدرع وتجويد نعتها، وليس يزيد فى جودتها أن يكون نجادها مخططا دون أن يكون أحمر أو أخضر أو غير ذلك من الأصباغ، ولكنه أتى به من أجل السجع.
ومن هذا الجنس قول أبى عدى القرشى «٥٠» [١٢٧] :
ووقيت الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا ربّ هود
стр. 302
فليس نسبة هذا الشاعر الله إلى أنه ربّ هود بأجود فى هذا البيت من نسبته إلى أنه ربّ نوح، ولكن القافية كانت داليّة فأتى بذلك للسجع، لا لإفادة معنى بما أتى به منه.
قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٥١» : ينبغى للشاعر أن يتأمّل تأليف شعره وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه؛ فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، كقول ابن هرمة «٥٢» :
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زنادا شحاحا «٥٣»
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة «٥٤» بيض أخرى جناحا
وكقول الفرزدق «٥٥» :
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
كان يجب أن يكون بيت لابن هرمة مع بيت للفرزدق، وبيت للفرزدق مع بيت لابن هرمة فيقال:
وإنّى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفى زنادا شحاحا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السّمائم
ويقال:
فإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
стр. 303
حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا؛ وإلّا كان تشبيها بعيدا غير واقع موقعه الذى أريد له.
قال «٥٦» : وينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره؛ ومفتتح أقواله، مما يتطيّر منه أو يستجفى من الكلام والمخاطبات؛ كذكر البكاء ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا على هذا المثال تطيّر منه سامعه وإن كان يعلم أنّ الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح؛ فيجتنب مثل ابتداء الأعشى بقوله «٥٧» :
ما بكاء الكبير بالأطلال «٥٨»
ومثل قول ذى الرمة «٥٩» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب
وقول أبى نواس [١٢٨] «٦٠» :
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى ... عليك وإنى لم أخنك ودادى
ومثل إنشاد البحترى لأبى سعيد «٦١» الثّغرى:
لك «٦٢» الويل من ليل بطاء أواخره «٦٣»
فقال له أبو سعيد: الويل لك والحرب! وإنشاد أبى حكيمة راشد بن إسحاق لأبى دلف:
ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف
стр. 304
فقال أبو دلف: أمّك كانت تعرفه.
وليجتنب التشبيب بامرأة يوافق اسمها اسم بعض نساء الممدوح من أمه أو قرابة، أو غيرهما؛ وكذلك ما يتصل به سببه أو يتعلق به وهمه؛ فإن أرطاة بن سهيّة الشاعر لما أنشد عبد الملك «٦٤» :
وما تبغى المنيّة حين تأتى «٦٥» ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأحسب أنها ستكرّ حتى «٦٦» ... توفّى نذرها بأبى الوليد
فقال له عبد الملك: ما تقول؟ ثكلتك أمّك! قال: أنا أبو الوليد يا أمير المؤمنين؛ وكان عبد الملك يكنى أبا الوليد أيضا، ولم يزل يعرف كراهة شعره فى وجه عبد الملك إلى أن مات.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن الهيثم السامىّ، قال: حدثنى العمرى، عن الهيثم بن عدى، قال: أخبرنا القاسم بن معن، قال: حدثنى عبد الله بن كثير التيمى من بنى تيم الله بن ثعلبة- بهذا الحديث؛ فسألت حمادا الراوية عنه، فقال: حدثنى سماك بن حرب، قال: حدثنى المصوّر العنزى- وكان من رواة العرب، فقلت لحماد: أكان من أسنان سماك؟ قال:
نعم، وأكبر من أبيه؛ قال: دخلت على زياد فقال: أنشدنا. فقلت: من شعر من؟
قال: من شعر الأعشى. قال: فأرتج علىّ إلّا قوله «٦٧» .
رحلت سميّة غدوة أجمالها ... غضبى عليك فما تقول بدا لها
قال: فقطب زياد؛ وعرفت ما وقعت فيه. وقيل للناس: أجيزوا. فأجزت، فو الله ما عدت إليه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: واسم أم زياد سميّة، فكره ذكر ذلك.
стр. 305
حدثنى محمد بن إبراهيم الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن خيثمة، عن أبى نصر [١٢٩] أحمد بن حاتم، قال: بلغنى أن الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: من أشعر أهل زماننا؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منّا بالبادية يقال له ذو الرمة. قال: ثم دخل عليه جرير بعد ذلك فقال له: من أشعر الناس- قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منا بالبادية يقال له ذو الرمة. فأحبّ عبد الملك أن يراه لقولهما، فوجّه إليه فجىء به، فقال: أنشدنى أجود شعرك فأنشده «٦٨» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفريّة سرب
قال: وكانت عينا عبد الملك تسيلان ماء، قال: فغضب عليه ونحّاه. فقيل له:
ويحك! إنما دهاك عنده قولك:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
فاقلب كلامك. قال: فصبر حتى دخل الثانية، فقال له: أنشده، فأنشد:
ما بال عينى منها الماء ينسكب
حتى أتى على آخرها، فأجازه وأكرمه.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لما أنشد الأخطل عبد الملك «٦٩» :
خفّ القطين فراحوا منك أو بكرو
قال عبد الملك: بلى منك إن شاء الله- تطيّرا.
وحدثنا محمد بن القاسم الأنبارى، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الرّبعى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد العثمانى، قال: حدثنى
стр. 306
أبى، وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
قال عبد الملك: بلى منك، لا أمّ لك! وتطيّر عبد الملك من قوله؛ فعاد فقال:
فراحوا اليوم أو بكروا
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس، قال: حدثنا أبو عمرو العمرى، عن الهيثم بن عدى، قال:
حدثنى إسحاق بن سعيد، عن عمرو بن سعيد، قال: حدثنى أبى، قال: قدم علينا إبراهيم بن متمم بن نويرة، فنزل بنا؛ فكلمت فيه عبد الملك بن مروان، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت بدويّا يشبهه عقلا وفضلا. قال: أدخله. فأدخلته. فرأى منه ما رأينا منه، فقال: أنشدنا بعض مراثى أبيك عمّك. قال: فأنشده:
نعم الفوارس يوم نشبة غادروا ... تحت التراب قتيلك ابن الأزور [١٣٠]
فلما انتهى إلى قوله:
أدعوته بالله ثم قتلته ... لو هو دعاك بمثلها لم يغدر
قال: فالتفت عبد الملك إلىّ، فعرفت ما أراد، فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت علمت أو اطّلعت أو شاورت أو جرى منى فى هذا قول أو فعل فكلّ مرة «٧٠» له طالق، وكلّ مملوك له حرّ، وكلّ مال له فى المساكين، وعليه المشى إلى بيت الله. وحلف بنو عمرو بن سعيد- وهم أخواله- مثلها. فقال عبد الملك: وذاك وذاك. فقام والله ما أمر له بشىء. فلما انصرفنا جمعنا له بيننا دراهم وكسوة وجهزناه ورجع إلى بلاده.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وإنما كره عبد الملك استماع هذا
стр. 307
الشعر لقتله عمرو بن سعيد الأشدق بعد إعطائه الأمان، وقدّر أنّ ابن متمّم وضعه بنو عمرو بن سعيد على إنشاد البيت الأخير.
حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: لما أنشد جرير عبد الملك:
أتصحو بل فؤادك غير صاح
قال: بل فؤادك يابن اللخناء. فلما بلغ إلى قوله «٧١» :
تشكّت «٧٢» أمّ حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوى لقاح «٧٣»
قال: لا أروى الله عيمتها «٧٤» .
حدثنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت فى إسناد متصل أن أبا النجم العجلى أنشد هشاما «٧٥» :
والشمس قد صارت كعين الأحول
وذهب عنه الروىّ فى الفكر فى عين هشام، فأغضبه، فأمر به فطرد.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنا التّوزى، عن أبى عبيدة، قال: دخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وكان قد حجبه قبل ذلك لما قال:
والشمس قد صارت كعين الأحول
فأمر بسحبه. وكان هشام أحول.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن عليل العنزى، قال: حدثنا على بن الصباح الكاتب، قال: أخبرنا هشام بن محمد الكلبى، وأخبرنى أبو ذر
стр. 308
القراطيسى، قال: حدثنا ابن أبى الدنيا، قال: حدثنى [١٣١] العباس بن هشام بن محمد الكلبى، عن أبيه، عن محرّر بن جعفر؛ وحدثنى أحمد بن عبد الله العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر العليمى الباهلى، قال: حدثنى عطاء الملط، وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنا ابن الأعرابى، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال:
حدثنا الحسن بن على المهرى، قال: حدثنى الرياشى، قال: حدثنا حنظلة بن غسان- من آل المهلب، عن رجل ذكره، قالوا: دخل أرطاة بن سهيّة المرّى على عبد الملك بن مروان، وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة- وقال بعضهم: ثلاثون ومائة سنة- فقال له عبد الملك: ما بقى من شعرك يا بن سهيّة؟ فقال: والله ما أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب، ولا يجىء الشعر إلّا على مثل هذه الحال- وقال بعضهم: إلا مع إحدى هذه الخلال- وإنى على ذلك للذى أقول ٧»
:
رأيت المرء تأكله الليالى «٧٧» ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغى «٧٨» المنية حين تأتى ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّى ... توفّى نذرها بأبى الوليد
وكان أرطاة يكنى أبا الوليد. فارتاع عبد الملك، وكان أيضا يكنى بأبى الوليد، واشتدّ عليه، وتغيّر وجهه، وظنّ أنه يعنيه. فقال: لم ترع يا أمير المؤمنين؟ إنى لم أعنك؛ وإنما عنيت نفسى؛ أنا أبو الوليد. فقال عبد الملك: وإياى والله لتوفّين بى نذرها- وقال بعضهم: وأنا والله لتوفينّ بى نذرها، وقال بعضهم: وأنا أيضا ستكرّ على المنية حتى تذهب بنفسى.
وقال على بن الصباح: وحدثنى أبو الحسين راوية المفضل بقصّة أرطاة بن سهيّة هذه.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، وحدثنا أحمد بن سليمان الطوسىّ [١٣٢] ، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمى مصعب بن عبد الله
стр. 309
ومحمد بن الضحاك، عن أبيه؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله أنّ أرطاة بن سهيّة المرى لما قال:
رأيت المرء تأكله الليالى
وذكروا الأبيات، فبلغت عبد الملك فأشخصه إليه، وقال: ما أنت وذكرى فى شعرك؟ قال: إنما عنيت نفسى؛ أنا أبو الوليد؛ فسأل عن ذلك، فأخبر بحقيقته، فأفلت منه وخلّى سبيله. وكان أعداؤه قد أرجفوا به لما شخص، فلما رجع إلى أهله قال:
إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف «٧٩» ... فبشّر رجالا يكرهون إيابى
وخبّرهم أنى رجعت بغبطة ... أحدّد أظفارى وأصرف «٨٠» نابى
وأنى ابن حرب لا تزال تهرّنى ... كلاب عدوّ أو تهرّ كلابى
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ولإسحاق الموصلى فى هذا المعنى خير مع المعتصم يجىء فى موضعه إن شاء الله.
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: قد سلك قوم من شعراء الأعراب الزّلل والخطأ فى أشعارهم، مع رقّة أذهانهم، وصحّة قرائحهم، واقتدارهم على غريب الكلام. فقال رجل «٨١» منهم يصف رأس بعيره:
ترى شئون رأسه العواردا «٨٢» ... مضبورة شبا حدائدا
ضبر براطيل جلامدا «٨٣»
قال: وما رأيت عالما إلا وهو يذمّ هذا القول ويستقبح هذا النّسج.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبّه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة، ونبه فيه بفطنته على
стр. 310
ما يخفى على غيره، وساقه برصف قوى واختصار قريب، وعذل فيه عن الإفراط، كقول بعضهم فى النحافة:
فلو أنّ ما أبقيت منى معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها [١٢٣]
الثمام: نبت ضعيف، واحدته ثمامة. قال: وهذا متجاوز كقول القائل:
ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال محمد بن أحمد العلوى «٨٤» : من الأبيات التى أغرق قائلوها فى معانيها قول النابغة الجعدى «٨٥» :
بلغنا السماء نجدة وتكرّما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وقول الطّرمّاح «٨٦» :
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذّلّ أوّلهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد «٨٧»
وقوله «٨٨» :
ولو أن برغوثا «٨٩» يزقّق مسكه ... إذا نهلت منه تميم وعلّت
ولو أن برغوثا على ظهر نملة «٩٠» ... يكرّ على صفّى تميم لولّت
ولو جمعت عليا «٩١» تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لا ستقلّت
ولو أنّ أم العنكبوت بنت لهم ... مظلتها يوم الندى «٩٢» لاستظلّت
стр. 311
وقوله زهير «٩٣» :
لو كان يعقد فوق الشمس من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
وقول أبى الطمحان القينى «٩٤» :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وقول امرئ القيس «٩٥» :
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «٩٦»
وقول قيس بن الخطيم «٩٧» :
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
ملكت بها كفّى فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ماوراءها
وقول الآخر «٩٨» :
ضربته فى الملتقى ضربة ... فزال عن منكبه الكاهل
وصار ما بينهما رهوة ... يمشى بها الرامح والنابل
وقول أبى وجزة السعدى «٩٩» :
ألا علّلانى والمعلّل أروح ... وينطق ما شاء اللسان المسرّح [١٣٤]
بإجانة لو أنه خرّ بازل ... من البخت فيها ظلّ للشّقّ يسبح
стр. 312
وقول جرير «١٠٠» :
ولو وضعت فقاح «١٠١» بنى نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا
وقد سلك جماعة من الشعراء المحدثين سبيل الأوائل فى المعانى التى أغرقوا فيها، فقال أبو نواس «١٠٢» :
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق
وقال بكر بن النطاح «١٠٣» :
لو صال من غضب أبو دلف على ... بيض السيوف لذبن فى الأغماد
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال عبد الملك بن مروان لأسيلم بن الأحنف الأسدى: ما أحسن ما مدحت به؟ فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، وهو معه على سريره. فلما أبى إلّا أن يخبره قال: قول القائل:
ألا أيها الركب المخبّون هل لكم ... بسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا
من النّفر البيض الذين إذا اعتزوا ... وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
جلا المسك والحمام والبيض كالدّمى ... وفرق المدارى رأسه فهو أنزع
فقال له عبد الملك: ما قال أخو الأوس أحسن مما قيل لك «١٠٤» :
قد حصّت «١٠٥» البيضة رأسى فما ... أطعم نوما غير تهجاع
стр. 313
[ثالثا-] الشعراء المحدثون
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، عن أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: سمعت ابن الأعرابى يقول: إنما اشعار هؤلاء المحدثين- مثل أبى نواس وغيره- مثل الريحان يشمّ يوما ويذوى فيرمى به؛ وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيبا.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا [١٣٥] أبو عبد الله التميمى، قال: كنا عند ابن الأعرابى، فأنشده رجل شعرا لأبى نواس أحسن فيه، فسكت. فقال له الرجل: أما هذا من أحسن الشعر؟ قال: فقال: بلى، ولكن القديم أحب إلى.
١- بشار بن برد العقبلى
[١] حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم، قال: كان الأخفش يطعن على بشّار فى قوله «١» :
والآن أقصر عن سميّة «٢» باطلى ... وأشار بالوجلى علىّ مشير «٣»
وفى قوله «٤» :
стр. 314
على الغزلى منّى السلام «٥» فربما ... لهوت بها فى ظل مخضرّة زهر «٦»
وقال: لم يسمع من الوجل والغزل «فعلى» ، وإنما قاسهما بشار، وليس هذا مما يقاس، إنما يعمل فيه بالسماع.
وطعن عليه فى قوله:
تلاعب نينان البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجرى
وقال: لم يسمع بنون ونينان «٧» فبلغ ذلك بشارا فقال: ويلى على القصّار «٨» بن القصّارين، متى كانت اللغة والفصاحة فى بيوت القصّارين؟ دعونى وإياه. فبلغ ذلك الأخفش فبكى. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: وقعت فى لسان الأعمى! فذهب أصحابه إلى بشّار، فكذّبوا عنه، وسألوه ألّا يهجوه؛ فقال: وهبته للؤم عرضه. قال: فكان الأخفش بعد ذلك يحتجّ فى كتبه بشعره ليبلغه ذلك، فيكفّ عنه.
قال: وقد كان بلغ بشارا عن سيبويه أيضا شىء من ذلك، فهجاه بقصيدة يقول فيها:
أسبويه يابن الفارسيّة ما الذى ... تحدثت من شيمتى وما كنت تنبذ
أظلت تغنى سادرا بمساءتى ... وأمّك بالمصرين تعطى وتأخذ
فقيل لبشار: تنسبه إلى الفارسية؟ قال: نسبته إلى أن أعرف أبويه. قيل: فلم جعلتها فارسية؟ قال: إنّ بفارس الشريف والوضيع [١٣٦] .
قال ابن مهدى: وحدثنى أبو هفّان، قال: حدثنى أبو محلّم، قال: كان بالبصرة امرأة زانية يقال لها الفارسية مشهورة بالزنا؛ فكان أهل البصرة إذا أرادوا أن يزنّوا إنسانا قالوا له: «يابن الفارسية» ، فإلى هذا ذهب بشار؛ وكان أشدّ عصبية للفرس من أن يقول هذا.
стр. 315
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنى علىّ بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن أبيه، قال: تواريت من المنصور بخروجى مع إبراهيم، وكان «٩» بشار صديقى وصديق إخوتى ومنقطعا إلينا، وكان يغشانا كثيرا أيام ظهورنا. فكنت فى توارىّ ببغداد وهى أول ما بنيت، وكان بشار يجلس بالليل فى مسجد الرّصافة، فيحضره ناس كثير، ويحدثهم، وينشدهم شعره. فاندسست فى الناس ليلة، ثم صحت: يا أبا معاذ، من الذى يقول:
أحبّ الخاتم الأحم ... ر من حبّ مواليه
فأعرض عنى، وأخذ فى إنشاد شعره، فمكثت ساعة ثم صحت به: يا أبا معاذ، من الذى يقول «١٠» :
وإذا أدنيت منّى بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
إنّ سلمى خلقت من قصب «١١» ... قصب السكر لا عظم الجمل
فغضب، وصاح: من هذا الذى يقرعنا «١٢» بأشياء كنا نعبث بها، ويأتى برذال شعرنا وما لم نرد به الجيد؟ قال: فسكت ومكثت ساعة، ثم قلت: يا أبا معاذ، من الذى يقول «١٣» :
أخشّاب «١٤» حقّا أنّ دارك تزعج ... وأنّ الذى بينى وبينك منهج «١٥»
قال: فنشط، ثم قال: ويحك! عن مثل هذا فسل. ثم اندفع ينشدها حتى أتى عليها.
стр. 316
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنا أحمد بن خلاد «١٦» ، قال: حدثنى [١٣٧] أبى، قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ، إنك لتجىء بالأمر المهجّن «١٧» . قال: وما ذاك؟ قلت: إنك تقول «١٨» :
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو مطرت «١٩» دما «٢٠»
إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
ثم تقول «٢١» :
ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ فى الزيت
لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت
فقال: كلّ شىء فى موضعه. وربابة هذه جارية لى، وأنا لا آكل البيض من السّوق، فربابة هذه لها عشر دجاجات وديك، فهى تجمع علىّ هذا البيض وتحظره لى، فكان هذا من قولى لها أحبّ إليها وأحسن عندها من «٢٢» :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى أبو المثنّى أحمد بن يعقوب ابن أخت أبى بكر الأصم البصرى، قال: قيل لبشار: إذا شئت أن تثير العجاجة أثرتها فى شعرك ثم تقول:
стр. 317
حبابة ربة البيت
... وذكر البيتين.
قال: فقال: إنما أخاطب كلّا بما يفهم.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٢٣» : ينبغى للشاعر أن يجتنب الإشارات البعيدة، والحكايات الغلقة، والإيماء المشكل، ويتعمد ما خالف ذلك، ويستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة، ولا يبعد عنها؛ ومن الاستعارات ما يليق بالمعانى التى يأتى بها. فمن الحكايات الغلقة قول بشار «٢٤» :
غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى رجل من أصحاب المدائنى، قال: جاء رجل إلى العتّابى، فقال له: ما أردت بقولك:
فى ناظرىّ انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير [١٣٨]
فقال: أمتعلم أنت أم متعنّت. قال: بل متعنّت! قال: لا أدرى! قال: أفتقول ما لا تدرى؟ وألحّ عليه بالسؤال، فقال: أردت أن أحكى قول بشار «٢٥» :
جفت عينى عن التّغماض «٢٦» حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار
يروّعه السّرار بكلّ فجّ «٢٧» ... مخافة أن يكون به السّرار «٢٨»
فلم يتهيّأ أن ألحق هذا القول. قال: فصار الرجل إلى بشار، فقال: قلت أحسن بيت ثم أفسدته بالبيت الثانى- وأنشده البيتين. فقال بشار: أردت أن ألحق قول المجنون «٢٩» :
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية، أو يراح «٣٠»
стр. 318
قطاة غرّها شرك، فباتت ... تجاذبه، وقد علق الجناح «٣١»
فلم أحسن أن أقول كذلك.
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: بشار أستاذ المحدثين الذى عنه أخذوا، ومن بحره اغترفوا، وأثره اقتفوا، يأتى من الخطأ والإحالة بما يفوت الإحصاء، مع براعته فى الشعر والخطب. وقد قيل: إنه ينظم الشّذرة «٣٢» ، ثم يجعل إلى جانبها بعرة، فمن ذلك قوله «٣٣» :
كنت إذا زرت فتى «٣٤» ماجدا ... تشقى بكفيه الدنانير
وهذا أجود كلام وأحسن معنى. ثم أتبعه ببيت يقول فيه:
وبعض الجود خنزير «٣٥»
ويقول فى تغزّله «٣٦» :
إنما عظم سليمى خلّتى ... قصب السكر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
٢- مروان بن أبى حفصة
[١] حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال:
стр. 319
حدثنا الرّياشى، قال: سألت الأصمعىّ عن مروان بن أبى حفصة، فقال لى: كان مولّدا، ولم يكن له علم باللغة.
وأخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن علىّ المنجّم، عن أبيه، قال: أخبرنى ابن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع [١٣٩] ، قال: سمعت الأصمعى- وذكر مروان بن أبى حفصة، فقال: كان مولدا، ولم يكن له علم باللغة؛ حضرته فى حلقة يونس، وسأل يونس عن قول زهير «٣٧» :
فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله «٣٨»
قال: فقال مروان: من «العراواء «٣٩» » من البرد. قال: فقلت له: أخطأت، لو كانت من «العرواء» لقال: فبتنا معروين؛ إنما عنى أنهم باتوا مشمّرين كما يقال: تجرّد فلان للأمر «٤٠» .
قال محمد بن داود: قال يزيد المهلبى: ليست لأهل اليمامة فصاحة، ولا لأشعارهم سهولة. قال محمد «٤١» : وكان مروان بن أبى حفصة ينقّح الشعر ويحكّكه، ولم يكن مطبوعا.
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السحستانى، قال: قلت للأصمعى: أبشّار أشعر أو مروان؟
قال: فقال: بشار أشعرهما. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ مروان سلك طريقا كثر سلّاكه فلم يلحق بمن تقدمه، وإن بشارا سلك طريقا لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه؛ وهو أكثر فنون شعر، وأقوى على التصرف، وأغزر وأكثر بديعا، ومروان آخذ بمسالك الأوائل.
стр. 320
قال أبو حاتم: ولما قدم الأصمعى من بغداد دخلت إليه، فسألته عمّن بها من رواة الكوفة. قال: رواة غير منقّحين، أنشدونى أربعين قصيدة لأبى دواد الإيادى قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون. وقد ختموا الشعراء بمروان بن أبى حفصة، ولو ختموهم ببشار كان أخلق؛ وإنما مروان من أقران سلم الخاسر، وقد تزاحما بالشعر فى مجالس الخلفاء، وسوّى بينهما فى الصلة، وسلم معترف لبشار، ولقد كان بشار يقوّم شعر مروان.
قال أبو حاتم: وقال أبو زيد الأنصارى [١٤٠] : مروان أجدّ وبشار أهزل. فحدثت الأصمعى بقول أبى زيد، فقال: بشار يصلح للجدّ والهزل، ومروان لا يصلح إلا لأحدهما.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أبو مالك الحنفى اليمامى أنّ شعر مروان بن أبى حفصة كان يأخذ أكثره من دعامة بن عبد الله بن المسيّب الطائى اليمامى؛ وأنشدنى له:
ياوجه من لا يرتجى نيله ... ولست بالآمن من ضيره
كأنه القرد إذا ما مشى، ... يعتله «٤٢» القرّاد فى سيره
قال: وأنشدنى لدعامة الطائى:
أضحت حكيمة قد براك هواكها ... وبدت شجونك إذ رأيت شباكها
أهدت إليك مودة مكنونة ... فى الصدر يعرف يادعام رضاكها
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنى على بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: سمعت أبى يذكر، قال: كان رجل من باهلة اليمامة امتدح مروان بن محمد بشعر يقول فيه:
مروان يابن محمد أنت الذى ... زيدت به شرفا بنو مروان
فوقع مروان فى حروبه، فلم يخرج إليه الرجل حتى قتل مروان، ولقى مروان ابن أبى