← Адаб

Адаб · id 9427

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء

المرزباني

Полный текст (568 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنا أحمد بن خلاد «١٦» ، قال: حدثنى [١٣٧] أبى، قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ، إنك لتجىء بالأمر المهجّن «١٧» . قال: وما ذاك؟ قلت: إنك تقول «١٨» : إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو مطرت «١٩» دما «٢٠» إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما ثم تقول «٢١» : ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ فى الزيت لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت فقال: كلّ شىء فى موضعه. وربابة هذه جارية لى، وأنا لا آكل البيض من السّوق، فربابة هذه لها عشر دجاجات وديك، فهى تجمع علىّ هذا البيض وتحظره لى، فكان هذا من قولى لها أحبّ إليها وأحسن عندها من «٢٢» : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى أبو المثنّى أحمد بن يعقوب ابن أخت أبى بكر الأصم البصرى، قال: قيل لبشار: إذا شئت أن تثير العجاجة أثرتها فى شعرك ثم تقول:

стр. 317

حبابة ربة البيت ... وذكر البيتين. قال: فقال: إنما أخاطب كلّا بما يفهم. قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٢٣» : ينبغى للشاعر أن يجتنب الإشارات البعيدة، والحكايات الغلقة، والإيماء المشكل، ويتعمد ما خالف ذلك، ويستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة، ولا يبعد عنها؛ ومن الاستعارات ما يليق بالمعانى التى يأتى بها. فمن الحكايات الغلقة قول بشار «٢٤» : غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى رجل من أصحاب المدائنى، قال: جاء رجل إلى العتّابى، فقال له: ما أردت بقولك: فى ناظرىّ انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير [١٣٨] فقال: أمتعلم أنت أم متعنّت. قال: بل متعنّت! قال: لا أدرى! قال: أفتقول ما لا تدرى؟ وألحّ عليه بالسؤال، فقال: أردت أن أحكى قول بشار «٢٥» : جفت عينى عن التّغماض «٢٦» حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار يروّعه السّرار بكلّ فجّ «٢٧» ... مخافة أن يكون به السّرار «٢٨» فلم يتهيّأ أن ألحق هذا القول. قال: فصار الرجل إلى بشار، فقال: قلت أحسن بيت ثم أفسدته بالبيت الثانى- وأنشده البيتين. فقال بشار: أردت أن ألحق قول المجنون «٢٩» : كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية، أو يراح «٣٠»

стр. 318

قطاة غرّها شرك، فباتت ... تجاذبه، وقد علق الجناح «٣١» فلم أحسن أن أقول كذلك. قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: بشار أستاذ المحدثين الذى عنه أخذوا، ومن بحره اغترفوا، وأثره اقتفوا، يأتى من الخطأ والإحالة بما يفوت الإحصاء، مع براعته فى الشعر والخطب. وقد قيل: إنه ينظم الشّذرة «٣٢» ، ثم يجعل إلى جانبها بعرة، فمن ذلك قوله «٣٣» : كنت إذا زرت فتى «٣٤» ماجدا ... تشقى بكفيه الدنانير وهذا أجود كلام وأحسن معنى. ثم أتبعه ببيت يقول فيه: وبعض الجود خنزير «٣٥» ويقول فى تغزّله «٣٦» : إنما عظم سليمى خلّتى ... قصب السكر لا عظم الجمل وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل ٢- مروان بن أبى حفصة [١] حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال:

стр. 319

حدثنا الرّياشى، قال: سألت الأصمعىّ عن مروان بن أبى حفصة، فقال لى: كان مولّدا، ولم يكن له علم باللغة. وأخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن علىّ المنجّم، عن أبيه، قال: أخبرنى ابن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع [١٣٩] ، قال: سمعت الأصمعى- وذكر مروان بن أبى حفصة، فقال: كان مولدا، ولم يكن له علم باللغة؛ حضرته فى حلقة يونس، وسأل يونس عن قول زهير «٣٧» : فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله «٣٨» قال: فقال مروان: من «العراواء «٣٩» » من البرد. قال: فقلت له: أخطأت، لو كانت من «العرواء» لقال: فبتنا معروين؛ إنما عنى أنهم باتوا مشمّرين كما يقال: تجرّد فلان للأمر «٤٠» . قال محمد بن داود: قال يزيد المهلبى: ليست لأهل اليمامة فصاحة، ولا لأشعارهم سهولة. قال محمد «٤١» : وكان مروان بن أبى حفصة ينقّح الشعر ويحكّكه، ولم يكن مطبوعا. أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السحستانى، قال: قلت للأصمعى: أبشّار أشعر أو مروان؟ قال: فقال: بشار أشعرهما. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ مروان سلك طريقا كثر سلّاكه فلم يلحق بمن تقدمه، وإن بشارا سلك طريقا لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه؛ وهو أكثر فنون شعر، وأقوى على التصرف، وأغزر وأكثر بديعا، ومروان آخذ بمسالك الأوائل.

стр. 320

قال أبو حاتم: ولما قدم الأصمعى من بغداد دخلت إليه، فسألته عمّن بها من رواة الكوفة. قال: رواة غير منقّحين، أنشدونى أربعين قصيدة لأبى دواد الإيادى قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون. وقد ختموا الشعراء بمروان بن أبى حفصة، ولو ختموهم ببشار كان أخلق؛ وإنما مروان من أقران سلم الخاسر، وقد تزاحما بالشعر فى مجالس الخلفاء، وسوّى بينهما فى الصلة، وسلم معترف لبشار، ولقد كان بشار يقوّم شعر مروان. قال أبو حاتم: وقال أبو زيد الأنصارى [١٤٠] : مروان أجدّ وبشار أهزل. فحدثت الأصمعى بقول أبى زيد، فقال: بشار يصلح للجدّ والهزل، ومروان لا يصلح إلا لأحدهما. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أبو مالك الحنفى اليمامى أنّ شعر مروان بن أبى حفصة كان يأخذ أكثره من دعامة بن عبد الله بن المسيّب الطائى اليمامى؛ وأنشدنى له: ياوجه من لا يرتجى نيله ... ولست بالآمن من ضيره كأنه القرد إذا ما مشى، ... يعتله «٤٢» القرّاد فى سيره قال: وأنشدنى لدعامة الطائى: أضحت حكيمة قد براك هواكها ... وبدت شجونك إذ رأيت شباكها أهدت إليك مودة مكنونة ... فى الصدر يعرف يادعام رضاكها أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنى على بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: سمعت أبى يذكر، قال: كان رجل من باهلة اليمامة امتدح مروان بن محمد بشعر يقول فيه: مروان يابن محمد أنت الذى ... زيدت به شرفا بنو مروان فوقع مروان فى حروبه، فلم يخرج إليه الرجل حتى قتل مروان، ولقى مروان ابن أبى

стр. 321

حفصة هذا الباهلى فأنشده القصيدة، فقال له مروان بعنيها. واكتمها علىّ. ففعل، فاشتراها منه بثلاثمائة درهم، وقلب الاسم، فقال «٤٣» : معن بن زائدة الذى زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان وتممها، وجعلها مديحا لمعن. وأخبرنى علىّ بن هارون، عن عمه يحيى بن على، عن أبيه على بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال مروان بن أبى حفصة: خرجت أريد معن بن زائدة فضمّنى الطريق وأعرابيا، فسألته: أين تريد؟ فقال: هذا الملك الشيبانى. قلت: فما أهديت إليه؟ قال: بيتين. قلت: فقط! قال: إنى جمعت فيهما ما يسرّه [١٤١] . فقلت: هاتيهما، فأنشدنى: معن بن زائدة الذى زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان إن عدّ أيام الفعال فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان قال: ولى قصيدة حكتها بهذا الوزن. فقلت: تأتى رجلا قد كثرت غاشيته، وكثر الشعراء ببابه؛ فمتى تصل إليه؟ قال: فقل. قلت: تأخذ منى ما أمّلت بهذين البيتين، وتنصرف إلى رحلك. قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسين درهما. قال: ما كنت فاعلا؛ ولا بالضعف! قال: فلم أزل أرفق به حتى بذلت له مائة وعشرين درهما. فأخذها وانصرف. فقلت: إنى أصدقك. قال: والصدق بك أحسن. قلت: إنى قد حكت قافية توازن هذا الشعر، وإنى أريد أن أضمّ هذين البيتين إليها. قال: سبحان الله! لقد خفت أمرا لا يبلغك أبدا. فأتيت معن بن زائدة، وجعلت البيتين فى وسط الشعر، وأنشدته؛ فأصغى نحوى، فوالله ما هو إلا أن بلغت البيتين فسمعهما، فما تمالك أن خرّ عن فرشه حتّى لصق بالأرض، ثم قال: أعد البيتين. فأعدتهما، فنادى: يا غلام، ائتنى بكيس فيه ألف دينار! فما كان إلا لفظه وكيسه، فقال: صبّها على رأسه! ثم قال: هات عشرين ثوبا من خاصّ كسوتى، ودابّتى الكذا، وبغلى الكذا. قال: فانصرفت بحباء الأعرابى لا بحباء معن.

стр. 322

حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قال: اجتمع عند معن بن زائدة ابن أبى عاصية، وابن أبى حفصة، والضّمرى؛ فقال: لينشدنى كلّ رجل منكم أمدح بيت قاله فىّ. فأنشده ابن أبى حفصة «٤٤» : مسحت ربيعة وجه معن سابقا ... لمّا جرى وجرى ذوو الأحساب فقال له معن: الجواد يعثر فيمسح وجهه من العثار والغبار وغيرهما. وأنشد الضّمرىّ: أنت امرؤ همّك المعالى ... ودون معروفك الربيع [١٤٢] قال: ما أحسن ما قلت! ولكن لم تسمّنى ولم تذكرنى؛ فمن شاء انتحله. فقال ابن أبى عاصية: إن زال معن بنى شريك لم يزل ... لندى إلى بلد بعير مسافر ففضّله عليهم. ٢- أبو العتاهية [١] حدثنا على بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، قال: قيل لأعرابى: أيعجبك قول الشاعر «٤٥» . وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان والفضل بن الحباب، قالا: حدثنا التّوزى، قالا: قالوا للأصمعى: أيعجبك قول أبى العتاهية. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى،

стр. 323

قال: حدثنى محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابى، قال: قلت لأبى برزة الأعرابى أحد بنى قيس بن ثعلبة: أيعجبك قول أبى العتاهية: ألا ياعتبة الساعه ... أموت الساعة الساعه فقال: لا والله ما يعجبنى! ولكن يعجبنى قول الآخر: جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بنى عمك فيهم رماح هل أحدث الدهر لنا نكبة ... أم هل رقت أمّ شقيق سلاح أى نفثت عليه حتى لا يعمل شيئا. ويروى: هل أحدث الدهر بنا ضولة «٤٦» أى ضعفة وذلة. قال الأصمعى وابن الأعرابى: معناه «أم هل رقت» ، أى هل رقت، أى إن سلاحى مرقىّ. وأنشد لحاتم: سلاحك مرقىّ فلا أنت ضائر ... عدوا ولكن وجه مولاك تعطف هذا لفظ حديث ابن الأعرابى والأصمعى. وقال الأخفش فى حديثه: وأنشدنا ثعلب، قال: أنشدنا ابن الأعرابى: سلاحك مرقىّ فلست بضائر ... عدوّا ولكن قلب مولاك تجرح وأخبرنى أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، والحسين بن محمد العرمرم؛ قالا: أخبرنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قيل لأعرابى- مرة: يعجبك هذا البيت: عتيب الساعة الساعه ... أموت الساعة الساعه قال [١٤٣] : لا والله، ولكنه يغمّنى! قالوا: فما الذى يعجبك؟ قال: يعجبنى: جاء شقيق عارضا رمحه ... البيت. وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، عن الزّبير بن

стр. 324

بكار، قال: حدثنى شيخ منّا، قال: قلت لأبى برزة الأعرابى: أيعجبك قول أبى العتاهية: الله بينى وبين مولاتى ... أبدت لى الصّدّ والملالات قال: لا ولكن يعجبنى: جاء شقيق عارضا رمحه ... وذكر البيتين. وقال: يريد أنّ شقيقا أغار عليه فذهب بإبله، وكان قتل بنى الديّان، فقال: هل رقت أمّ شقيق سلاحى حين يصيب هذا ولا يجرح ولا يصاب؟ قال: فردّ عليه شقيق: إن يعرضوها فهم أهلها ... هم صرفوكم للمياه الملاح حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم، قال: حدثنى أبى، قال: قال منصور النّمرى لأبى العتاهية: فى كم تقول القصيدة وتحكمها؟ قال: ما هو إلا أن أضع قنّينتى بين يدىّ حتى أقول ما شئت. قال: أما على قولك: ألا يا عتب الساعة «٤٧» الساعه فأنت تقول ما شئت، ولكنى ما أخرج القصيدة إلا بعد شهر حتى أمحو بيتا وأجدّد بيتا، ثم أخرجها. وإنما الشعر عقل المرء يظهره. حدثنى على بن عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السجستانى، قال: لقى ابن مناذر أبا العتاهية، فقال له أبو العتاهية: كم تقول فى اليوم؟ قال: ربما قلت العشرين وأكثر، وربما أقول خمسة أو ستة. فقال له أبو العتاهية: لكنى لو أشاء أن أقول ألف بيت لقلت. فقال ابن مناذر لأبى العتاهية: أنا أقول مثل قولى «٤٨» :

стр. 325

هل لشىء فات من مردود ... أو لحىّ مؤمّل من خلود «٤٩» حتى أنشده القصيدة- وأنت تقول: ألا يا عتبة الساعه ... أموت الساعة الساعه [١٤٣] وتقول: إنّ الدّنيا قد غرّتنا ... واستعلتنا واستلهتنا لسنا ندرى ما فرّطنا ... فيها إلّا ما قدّمنا ولو رضيت أن أقول مثل هذا لأكثرت. وأخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن أبى العباس المبرد، قال: يروى أنّ أبا العتاهية قال يوما لابن مناذر بمكة: يا أبا جعفر؛ كم بيتا تقول فى اليوم؟ قال: ربما قلت الخمسة، وربما قلت العشرة، وربما قلت أكثر من ذلك، وربما تعذّر علىّ؛ فكم تقول أنت فى اليوم يا أبا إسحاق؟ قال: المزح والجدّ، والخصومة والحديث، والنادرة والعظة، كلّه شعر. قال ابن مناذر: أنا أشهد أنك صادق إذا كنت لا تردّ شيئا جاء نحو: عتيب الساعة الساعه ... أموت الساعة الساعه فكلّ كلامك شعر. وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى محمد بن موسى، قال: حدثنى أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنى أبى، قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: يا أبا عبد الله! كيف أنت فى الشعر؟ فقال: أقول عشرة أبيات وأكثر وأقلّ. فقال أبو العتاهية: ولكنى أقول ما شئت. قال ابن مناذر: لو أردنا أن نقول: ألا يا عتبة الساعة ... البيت- لقلنا، ولكنا لا نفعل. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى ثابت بن الزبير بن هشام بن عروة، قال: قدم مع المأمون شاعر من خراسان، فلقيه أبو العتاهية، فقال له: أينا أشعر؛ أنا أو أنت؟ قال: أنت أشعر وأولى بالتقدمة.

стр. 326

قال: فكم تقول فى اليوم؟ قال: أقول عشرين بيتا وثلاثين. قال: ولكنى أقول خمسمائة بيت فى يوم. فقال له الخراسانى: أما لو رضيت أن أقول مثل قولك: ألا يا عتبة الساعة ... البيت- لقلت ألف بيت. فاستضحك الناس واستحيا أبو العتاهية. حدثنى على بن محمد الكاتب، عن ميمون بن هارون الكاتب، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلى يقول: أنكر الرشيد علىّ طعنى على أبى العتاهية فى شعره، فقلت: يا أمير المؤمنين [١٤٥] هو أطبع الناس، ولكن ربما تحرّف، أىّ شىء من الشعر قوله: هو الله هو الله ... ولكن يغفر الله أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا ميمون بن هارون، قال: حدثنى على بن أبى المنذر العروضى، قال: لما مات سعيد بن وهب حضر أبى جنازته، وحضرها الفضل بن الربيع، وكان قد ظهر أيام المأمون، فلما دفن أثنى عليه الفضل، وأقبل على أبى العتاهية يحدثه أنه أودع القضاة والعدول أموالا فما وفواله، وأنه أودع سعيد بن وهب مالا فوفى به. فقال أبى لأبى العتاهية: ألا ترثيه؟ قال: بلى. قال أبى: ثم صرت بعد أيام إلى الفضل بن الربيع فأخرج إلىّ رقعة فقال: اقرأ مرثية أبى العتاهية لسعيد بن وهب. فإذا فيها «٥٠» : مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب يا أبا عثمان أبكيت عينى ... يا أبا عثمان أوجعت قلبى فقلت: ما أدرى ما أقول. فقال لى الفضل: أبو العتاهية بأن يرثى فى حياته أولى من سعيد بعد موته. قال الصولى: وله شبيه بهذا؛ حدثنى أحمد بن يزيد، قال: حدثنى الفضل اليزيدى، قال: قيل لأبى العتاهية: مات محمد بن يزيد المسلمى! فقال:

стр. 327

قد مات خلّى وأنسى ... محمّد بن يزيد ما الموت والله منّا ... خلافه ببعيد قال الشيخ أبو عبيد المرزبانى رحمه الله تعالى: وقول أبو العتاهية فى مرثية عيسى بن جعفر أشبه بقوله فى سعيد بن وهب مما ذكره الصولى وهو: بكت عينى على عيسى بن جعفر ... عفا الرّحمن عن عيسى بن جعفر حدثنى على بن محمد الكاتب، قال: حدثنى أحمد بن عبيد الله، قال: مما أنكر على أبى العتاهية قوله لما ترفّق فى نسيبه بعتبة: إنى أعوذ من التى شعفت «٥١» ... منّى الفؤاد بآية الكرسى [١٤٦] وآية الكرسى يهرب منها الشياطين ويحترس بها من الغيلان، كما روى عن ابن مسعود فى ذلك. قال: وأبو العتاهية مع رقّة طبعه، وقرب متناوله، وسهولة نظم المنثور عليه، وسرعته إلى ما يعجز المتأنّى بلوغه- لا يخلو من الخطأ الفاحش والقول السخيف. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ومما أنكر على أبى العتاهية من سفساف شعره قوله فى عتبة: ولّهنى حبّها وصيّرنى ... مثل جحى شهرة ومخشلبه «٥٢» وقوله «٥٣» : يا واها لذكر اللّ ... هـ يا واها ويا واها لقد طيّب ذكر ... الله بالتسبيح أفواها أرى قوما يتيهون ... حشوشا «٥٤» رزقواجاها

стр. 328

فما أنتن من حشّ ... على حش «٥٥» إذا تاها أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا سوّار بن شراعة، قال: حدثنا أحمد بن أبى طاهر؛ وحدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن أبى طاهر؛ قال: حدثنى عبد الله بن يوسف أبو عبد الرحمن السمرقندى الضرير الخارج مع سيّار بن رافع على المأمون- وكان راوية أديبا، قال: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان، وهو يتولّاها مقدمى من مدينة السلام، فسألنى عمن خلّفت بها من الشعراء؛ فقلت: خلّفت بها كوفيّا وبصريّا قد غلبا على الشعر؛ أمّا من الكوفيين فأبو العتاهية، وهو مقدّم عندهم؛ ومن البصريين أبو نواس. فقال: كيف يتقدّم عندهم أبو العتاهية وهو يقول: رويدك يا إنسان لا أنت تقفز أخرجت «تقفز» من فم شاعر محسن قط؟ وأما أبو نواس فمحيل، ويصف المخلوقين بصفة الخالق ؛ فمما أحال فيه قوله «٥٦» . وأخفت أهل الشرك حتّى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق وهذا محال. وقوله «٥٧» : تكلّ عن إدراك تحصيله ... عيون أوهام الضمامير [١٤٧] تنتسب الألسن من وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير وقوله: برىء من الأشباه ليس له مثل قال أحمد بن عمار: كان أبو العتاهية من سوقة الناس وعامّتهم. وكان طبعه وقريحته أكثر من أضعاف ما اكتسبه من أدبه، واقتناه من علمه؛ إذ كان فى شبيبته يألف أهل التوضّع حتى عوتب فى ذلك. وقيل: إنه كان يحتمل زاملة المخنثين! فقيل له: مثلك

стр. 329

يضع نفسه هذا الموضع؟ فقال: أريد أن أتعلم كيادهم، وأتحفظ كلامهم. وذلك بيّن فى شعره سيما فى النسيب؛ حيث يقول: ياويح قلبى لو أنّه أقصر ... ما كان عيشى كما أرى أكدر وحيث يقول: ألا ما لسيدتى مالها ... دلال؟ فأحمل «٥٨» إدلالها وحيث يقول «٥٩» : الله بينى وبين مولاتى ... أبدت لى الصدّ والملالات وحيث يقول: عتب ما شانى وما شانك ... ترفقى أختى بسلطائك لما تبدّيت على بغلة ... أشرقت الأرض لبرهانك حتى كأنّ الشمس مزفوفة ... بين جواريك وخصيانك وهذا لعمرى كلام ضعيف. قال: واستحسن قوم قول أبى العتاهية: حلاوة عيشك ممزوجة ... فما تأكل الشّهد إلا بسم فالمعنى صحيح، لأنه جعله مثلا لبؤس الدنيا الممازج لنعيمها. والعبارة غير مرضية؛ لأنا لم نر أحدا أكل شهدا بسم. وأجود من قوله لفظا، وأصح معنى قول ابن الرومى «٦٠» : وهل خلة معسولة الطّعم تجتنى ... من البيض إلّا حيث واش يكيدها مع الواصل الواشى وهل تجتنى يد ... جنى النحل إلّا حيث نحل يذودها أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قول أبى العتاهية: يا ذا الذى فى الحبّ يلحى «٦١» أما ... والله لو كلّفت منه كما

стр. 330

كلّفت من حبّ رخيم، لما ... لمت على الحب؛ فذرنى وما ألقى، فإنى لست أدرى بما ... بليت إلّا أنّنى بينما أنا بباب القصر- فى بعض ما ... أطوف فى قصرهم- إذ رمى [١٤٨] قلبى غزال بسهام، فما ... أخطأ بها قلبى، ولكنما سهماه عينان له، كلما ... أراد قتلى بهما سلّما مضمّن، والمضمن عيب شديد فى الشعر، وخير الشعر ما قام بنفسه، وخير الأبيات عندهم ما كفى بعضه دون بعض، مثل قول النابغة «٦٢» : ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرجال المهذّب فلو تمثّل إنسان ببعضه لكفاه؛ إن قال: «أى الرجال المهذب» كفاه، وإن قال: «ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث» لكفاه. أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو العتاهية مع اقتداره فى قول الشعر وسهولته عليه يكثر عثاره، وتصاب سقطاته، وكان يلحن فى شعره، ويركب جميع الأعاريض؛ وكثيرا ما يركب مالا يخرج من العروض إذا كان مستقيما فى الهاجس. فمما أخطأ فيه قوله: ولربما سئل البخي ... ل الشىء لا يسوى فتيلا لأنّ الصواب لا يساوى، لأنه من ساواه يساويه. قال: وقوله: لولا يزيد بن منصور لما عشت ... هو الذى ردّ روحى بعد مامتّ والله ربّ منى والراقصات بها ... لأشكرنّ يزيدا حيثما كنت ما زلت من ريب دهرى خائفا وجلا ... فقد كفانى بعد الله ما خفت ما قلت فى فضله شيئا لأمدحه ... إلّا وفضل يزيد فوق ما قلت

стр. 331

وقال: صرف «يزيد» فى موضعين، لو لم يصرفه فيهما لاستقام الشعر بزحاف قبيح. أخبرنى الحسين بن محمد العرمرم، ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى شيخ من مشايخ الأزد، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: كان الرشيد يقدّم أبا العتاهية على العباس بن الأحنف ويتعصّب لأبى العتاهية تعصبا شديدا، وكنت أعارضه بعباس بن الأحنف، فتخلّفنى بعض أعدائى عنده بأشياء كان منها: وإنه يخالفك [١٤٩] فى أبى العتاهية على حداثة سنة وقلة تجربته. وقال لى بعد ذلك: من أشعر، أبو العتاهية أم العباس بن الأحنف؟ فعرفت السبب، فقلت: أبو العتاهية. قال: فأنشدنى لهذا ولهذا. فقلت: بأيهما أبدأ؟ قال: بعباس. فأنشدته أجود ما أعرفه له «٦٣» : أحرم منكم بما أقول، وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للناس، وهى تحترق فقال: أحسن! فأنشدنى لأبى العتاهية. فأنشدته- وأردت عيبه- أضعف ما أعرف له: كأنّ عتّابة من حسنها ... دمية قسّ فتنت قسّها ياربّ لو أنسيتنيها بما ... فى جنّة الفردوس لم أنسها إنى إذا مثل التى لم تزل ... دائبة فى طحنها كدسها «٦٤» حتى إذا لم يبق منه سوى ... حفنة برّ خنقت نفسها قال: لغيره من قوله أحسن. وذكر باقى الحديث.

стр. 332

٤- أبو نواس الحسن بن هانئ «١» أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى سوّار بن أبى شراعة، قال: حدثنى أبو العيناء، قال: حدثنى الجاحظ أن أبا عبيدة قال- وذكر أبا نواس: هو بمنزلة بان كملت آلته، ونقص بناؤه؛ وكان ينبغى أن يكون بناؤه أجود. أخبرنى الصولى، قال: حدثنا يحيى بن على بن يحيى، قال: حدثنا أبى، قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلى يتعصّب على أبى نواس، ويقول: هو يخطئ! وكان إسحاق فى كلّ أحواله ينصر الأوائل؛ فكنت أنشده جيّد قوله، فلا يحفل به؛ لما فى نفسه. فأنشدته «٢» : وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهمّ يدا من رامها بزليل «٣» فكان على أمره. فقلت: والله لو كانت لبعض أعراب هذيل لجعلتها أفضل شىء سمعته قط. وأخبرنى على بن عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن أبى طاهر، قال: حدثنا على بن يحيى [١٥٠] ، قال: كنت أجاذب أبا محمد إسحاق بن إبراهيم فى أبى نواس، وكان لا يرضاه، ولا يقول بتقديمه ولا استحسان شعره، ولقد أنشدته مرة قوله: وخيمة ناطور برأس منيفة

стр. 333

قال: وقلت له: والله لو قالها أجلّ المتقدمين فى الشعر مكانا لكان قد أجاد؛ قال: فما رأيته هشّ لذلك، ولا قبله. وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن أبى الحسن على بن يحيى، قال: كان إسحاق الموصلى لا يعدّ أبا نواس شيئا، ويقول: هو كثير الخطأ، وليس على طريق الشعراء. قال: فكنت أنازله، فلا يحفل بذلك. فأنشدته يوما: «وخيمة ناطور ... » الأبيات، قال: فما رأيته هشّ لذلك. فقلت: والله لو كانت لبعض الأعراب المتقدمين لكانت فى أعيان الشعر عندك. قال أحمد بن أبى سهل الحلوانى، وجدت بخطّ ابن شاهين: حدثنى محمد بن بشار البصرى المعروف بعسل، قال: سمعت شيخا من أهل أصبهان يقول: سمعت أبا نواس يقول: لو كان شعرى كله يملأ الفم ما تقدّمنى أحد. حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى الفضل بن محمد اليزيدى وغيره ممن كان يجالس إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: سمعت إسحاق- وذكر قوم عنده أبا نواس، فأفرطوا فى مدحه وتقديمه- قال: ما ظننت أنى أعيش إلى زمان أرى شعر أبى نواس ينفق «٤» فيه هذا النفاق، ولقد رأيته فى طبقة هو أخسهم إذا حضروا، وإنّ له على ذلك للشّىء بعد الشىء مما يحسن فيه. حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن الحسين بن فهم، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: غنّى إبراهيم بن المهدى محمدا الأمين صوتا لم أحمده فى شعر لأبى نواس لم أرتضه، فقام إليه عن مجلسه، فقبّل رأسه. فقام إبراهيم فقبّل أسفل قدميه، فأمر له بثلاثمائة دينار. فقال إبراهيم: يا سيدى، قد أمرت لى إلى هذه [١٥١] الغاية بعشرين ألف ألف درهم. فقال: وهل هى إلّا خراج بعض الكور؟ قال: والشعر الذى تغنّى فيه إبراهيم قول أبى نواس فى محمد يمدحه: يا كثير النّوح فى الدّمن «٥» ... لا عليها بل على السّكن

стр. 334

سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن ظنّ بى من قد كلفت به ... فهو يجفونى على الظّنن رشأ «٦» لولا ملاحته ... خلت الدّنيا من الفتن يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزّمن أنت تبقى، والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالأحكام والسّنن كيف تسخو النفس عنك وقد ... قمت بالغالى من الثمن سنّ للنّاس النّدى فندوا «٧» ... فكأنّ البخل لم يكن وقال قدامة بن جعفر «٨» : الفرق بين الممتنع والمتناقض أنّ المتناقض لا يكون، ولا يمكن تصوّره فى الوهم، والممتنع لا يكون ويجوز أن يتصوّر فى الوهم. ومما جاء فى الشعر- وقد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه- قول أبى نواس: يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزّمن فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: «عش أبدا» أو دعاله، وكلا الأمرين بما «٩» لا يجوز مستقبح. ولعل معترضا أن يعترض «١٠» هذا القول بأن يجعل هذا القول غلوّا يلزمنا تجويزه كما أصّلنا تجويز الغلوّ فى الشعر واستجادته «١١» ؛ فالفرق بين هذا الباب وباب الغلوّ أنّ مخارج الغلوّ إنما هى على «يكاد» ، وليس فى قول أبى نواس: «عش أبدا» - موضع يحسن فيه «يكاد» ؛ لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبدا. قال: ومن التنقاقض قول أبى نواس أيضا يصف الخمر «١٢» :

стр. 335

كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب فى سواد عذار «١٣» فشبّه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز؛ لأن الحباب يشبه الشيب [١٥٢] فى البياض وحده لا فى شىء آخر غيره. ثم قال: تردّت به ثم انفرى «١٤» عن أديمها ... تفرّى «١٥» ليل عن بياض نهار فالحباب الذى جعله فى هذا البيت الثانى كالليل هو الذى «١٦» فى البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التى كانت فى البيت الأول كسواد العذار هى التى صارت فى البيت الثانى كبياض النهار؛ وليس فى هذا التناقض منصرف إلى جهة من العذر؛ لأنّ الأبيض والأسود طرفان متضادّان، وكلّ واحد منهما فى غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شىء واحد يوصف بأنه أسود وأبيض إلّا كما يوصف الأدكن فى الألوان بالقياس إلى كل واحد من الطرفين اللذين هو وسط بينهما؛ فيقال: إنه عند الأبيض أسود وعند الأسود أبيض؛ وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب انصراف ما قاله إلى هذه الجهة. قال: ومن قول أبى نواس على طريق الإيجاب والسلب قوله «١٧» : ولىّ عهد ماله قرين ... ولا له شبه ولا خدين «١٨» أستغفر الله بلى هارون ... يا خير من كان ومن يكون إلا النبىّ الطاهر «١٩» الميمون فيصيّر هارون شبيها بولىّ العهد. ثم قال: إنه خير الناس، ولم يستثن بهارون، فكأنه

стр. 336

إمّا خير منه، وليس خيرا منه لأنه شبيهه؛ أو شبيهه «٢٠» وليس بشبيهه لأنه خير منه، وهذا جمع بين النّفى والإثبات. قال أحمد بن محمد الحلوانى: أخبرنى أبو سهل النّوبختى، قال: حدثنى يحيى بن جعفر، عن جماعة من أصحابنا أنّ أبا نواس أنشدهم قصيدته التى أولها «٢١» : يا من يبادلنى عشقا بسلوان ... أم من يصيّر لى شغلا بإنسان كيما أكون له عبدا أقارضه «٢٢» ... وصلا بوصل وهجرانا بهجران فقالوا له: ما أنت بعبد إن كنت تقارضه وصلا بوصل وهجرانا بهجران، هذه حال النظير والمكافئ. فقال: ما أردت أنّ حكم العبد أن يخالف سيده فيما أحبّه أو كرهه، فجعلت نفسى له بهذه المنزلة. قال [١٥٢] أبو سهل: وقد كان أحمد بن محمد بن ثوابة الكاتب ينكر أيضا معنى هذا البيت مثل ما أنكره أصحابنا، ولم يخطر بباله ما زعمه أبو نواس أنه أراده. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى إبراهيم بن المعلى، قال: حدثنى أبو الحسن الطوسى، قال: كنّا عند [ابن] «٢٣» الأعرابى، فقال: أيما أحسن عندكم قول أبى نواس «٢٤» . وداونى بالتى كانت هى الداء أو الذى أخذه منه، وهو قول الأعشى «٢٥» : وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها فسكتنا. فقال: الأول السابق أجود.

стр. 337

أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو نواس لحّانة. فمن ذلك قوله «٢٦» : فما ضرّها ألا تكون لجرول ... ولا المزنى كعب ولا لزياد لحن فى تخفيفه ياء النسب فى قوله «المزنى» فى حشو الشعر، وإنما يجوز هذا ونحوه فى القوافى، كما قالت امرأة تفخر بأخوالها من اليمن: هوذة خالى ولقيط وعلى وقال آخر يوم الجمل: قتلت علباء وهند الجملى «٢٧» ... وابنا لصوحان على دين على قال: وأنشد الأخفش: جمعت قومى، وجمعت معشرى ... حتّى إذا ما لم أجد غير السّرى كنت امرءا من مالك بن جعفر قال: ومما يردّ من شعره، ويسقط ويطّرح قوله «٢٨» : بحّ صوت المال ممّا ... منك يدعو، ويصيح ما لهذا آخذ فو ... ق يديه أو نصيح قال: وله فى قصيدة يمدح فيها العباس بن الفضل بن الربيع شىء يستملحه الأحداث، ويألفه المجّان، وليس بذاك، وهو قوله «٢٩» : نديم كأس «٣٠» محدث ملك «٣١» ... تيه مغنّ وظرف زنديق

стр. 338

فهذا قول ملحون مرذول ردىء الرّصف بعيده. وأما قوله «٣٢» : كأنما رجلها قفا يدها ... رجل غلام يلهو بدبّوق ٣» [١٥٣] فهذا كلام خسيس. وكذلك قوله «٣٤» : إلى فتى «٣٥» أمّ ماله أبدا ... تسعى بجيب فى الناس مشقوق وفى آخرها ما جمع بين كفر ولحن، وأكره حكايته لضعته وبطلانه. والطبعى ربما أساء وفرّط، ثم يبعثه طبعه على الشىء الجيد. قال: ومن شعره الذى يذمّ قوله فى الرشيد «٣٦» : لقد اتقيت الله حقّ تقاته ... وجهدت نفسك فوق جهد المتّقى وليس هذا البيت أردت، ولكن ذكرته للذى بعده؛ لأنه معطوف عليه متصل به، وهو: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافكّ النّطف التى لم تخلق هذا البيت بادى العوار جدّا، وقد ردّه فى مكان آخر، فقال «٣٧» : هارون ألفنا ائتلاف مودّة ... ماتت لها الأحقاد والأضغان حتى الذى فى الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان وما لم يك صورة فكيف يكون له فؤاد؟ فقد أحال، وأسرف، وتجاوز. وإنما ذكرنا مساوئه؛ لأن المنشد إذا ذكر شاعرا فوصفه ومدحه وقرّظه فليس يكاد يعدم مدافعا عن قوله، ومعارضا فيه؛ فيأتيه بهذا وبشبهه احتجاجا عليه ووضعا من صاحبه، فيكسفه بما

стр. 339

لا يعرف، ويردعه من حيث لا يشعر؛ فإذا وقف على الإحسان والإساءة عرف قدر صاحبه، فاحترس مما يخاف أن يعارض به. قال: وقد قال أبو نواس شيئا من الشعر فى الأمين اتّهم فيه؛ لأنه قال قولا عظيما لا يتكلّم بمثله مسلم، وهو قوله: تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّرا كان اثنان لا فصل للمعقول بينهما ... معناهما واحد والعدّة اثنان قال: وله فى الأمين أشعار منها شىء مقبول، ومنها شىء ساقط. ومما أنكر من قوله قوله «٣٨» : يا أحمد المرتجى فى كلّ نائبة ... قم سيّدى نعص جبّار السموات لأن هذه أعظم جرأة، وأقبح مجاهرة، وأشدّ تبغّض إلى العزيز الجبار أن يقول: «نعص جبّار السموات» ؛ فذكر المعصية مع ذكر الجبار- عزّ اسمه [١٥٥]- وأنه إياه يقصد بالعصيان. قال: وحدّثت عن أحمد بن أبى دواد أنه ذكر هذا البيت، فتفزّع له وجعل يقول: لعنه الله، لعنه الله! وأحسن ابن أبى دواد فى لعنه إياه على هذا الكلام. قال: وله فى الأمين، وليس بشىء «٣٩» : ورث الخلافة خمسة ... وبخير سادسهم سدس قال: ومما لم يجد فيه قوله «٤٠» : قهوة تذكر نوحا ... حين شاد الفلك نوح قال: وأما قوله: يا من له فى عينه عقرب ... فكلّ من مرّ به تضرب ومن له شمس على خدّه ... طالعة بالحسن ما تغرب

стр. 340

فقد استملحه قوم، وليس عندى بحيث وضعوه. قال: وقوله «٤١» : لا تعرّج «٤٢» بدارس الأطلال ... واسقنيها رقيقة السّربال هذا المصراع فائق فى جودته جدّا، رقة ولطافة، وسلسا وسهولة؛ وتمامه غير مرضى؛ وهو قوله «٤٣» : مات أربابها، وبادت قراها ... وبراها الزّمان برى الخلال قال: وأما قوله: لا تخدعنّ عن التى جعلت ... سقم الصحيح وصحة السقم فأوهى كلام وأردؤه. قال: وفى قصيدة أبى نواس التى أولها: لست لدار عفت وغيّرها ... ضربان من قطرها وحاصبها لحن فى غير موضع. قال: وقوله فيها «٤٤» : اهج نزارا وأفر جلدتها خطأ عند الأصمعى. زعم الأصمعى أنه يقول فى الفساد: فريت، وفى الإصلاح: أفريت. وكان يقول: فريت أوداجه. وغيره يقول فى الخير والشر جميعا: فريت وأفريت. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى الحسين بن إسحاق، قال: حدثنى أحمد بن الحارث، قال: ذكر العتّابى أبا نواس فقال: هو والله شاعر ظريف، مليح الألفاظ، إلا أنه أفرط فى طلب البديع حتى قال: لمّا بدا ثعلب الصدود لنا ... أرسلت كلب الوصال فى طلبه قال الصولى: وقد روى فى خبر قد تقدّم أنّ مسلم بن الوليد قال: إنّ أبا نواس بخيل، ويصف المخلوقين بصفة الخالق ؛ فمما أحال فيه قوله: وأخفت أهل الشّرك حتى إنّه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق [١٥٦]

стр. 341

فهذا مستحيل. وقوله «٤٥» : تكلّ عن إدراك تحصيله ... عيون أوهام الضمايير تنتسب الألسن من وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير وقوله: برىء من الأشباه ليس له مثل قال: ويروى أن العتّابى قال: لو كشف أبو نواس استه بين الناس كان أحسن من قوله: وجه جنان أسراى بستان ... جمّع فيه من كل ألوان قال: وروى عن مسلم بن الوليد أنه قال لأبى نواس: كيف يستوى قولك «٤٦» : ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصباح صياحا فكيف يكون ارتياح وملل؟ فقال له أبو نواس: هذا لا عيب فيه، ولكن ما معنى قولك: عاصى الشباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد وهذه مناقضة؛ قلت «فراح» ، ثم قلت «فأقام» ؛ فكيف يكون راح وأقام؟ قال: وعابوا قوله: رشأ تواصين القيان به وعابوا قوله: حتى عقدن بأذنه شنفا وقالوا: إنما هو شنف، وهذا لا يجوز «٤٧» من جهات. قال: وعابوا قوله للأمين: يا خير من كان ومن يكون ... إلا النبىّ الطاهر الميمون ولعمرى إنّ حقّ الكلام النصب: «إلا النبى الطاهر الميمونا» ؛ وقول النحويين فى ذلك هو الصواب.

стр. 342

قال: وذكروا قوله فى أعابيثه: تحرّك الهجر فقال الهوى ... ما هذه الضوضاء فى عسكرى؟ فجىء بالهجر يجرّونه، ... فلم يزل يصفع حتى خرى قال: وعيب على أبى نواس قوله: ذخرت لآدم قبل خلقته قال: وقول أبى نواس «٤٨» : يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم من قول والبة بن الحباب «٤٩» : يا شقيق النفس من أسد ... نمت عن ليلى ولم أكد قال: وقول والبة أجود، لأنه زعم أنه لم يكد ينام، وهذا قال: لم أنم، ويجوز أن يريد يكاد ويقارب النوم. قال: وقول أبى نواس: وجدنا الفضل أبعد من رقاش ... من ابن الأتن من ولد الفيول قول ردىء ضعيف، مسروق ردىء السرقة؛ لأنه أراد قول يزيد بن مفرّغ يخاطب معاوية من البيت الثالث [١٥٧] : ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة «٥٠» من الرجل اليمانى أتغضب أن يقال: أبوك عفّ ... وترضى أن يقال: أبوك زان فأشهد أنّ رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان قال أحمد بن محمد الحلوانى: وجدت بخط ابن شاهين: حدثنى محمد بن عبد الله

стр. 343

الغنمى الكوفى النحوى، قال: أخذ علىّ بن المبارك الأحمر على أبى نواس فى شعره حرفين: قوله: أسرع من قول قطاة قطّا كان ينبغى أن يقول «قطا» بالتخفيف. وقوله «٥١» : كمن الشنآن فيه لنا ... ككمون النار فى حجره وإنما ينبغى أن يقول: «فى حجرها» . حدثنى المظفر بن يحيى، قال: غلط أبو نواس فى قوله يصف الكلب: كأنما الأظفور من قنابه «٥٢» ... موسى صناع ردّ فى نصابه لأنه ظنّ أنّ مخلب الكلب كمخلب الأسد والسنّور الذى ينستر إذا أراد حتى لا يتبيّنا، وعند حاجتهما تخرج المخالب حجنا «٥٣» محدّدة يفترسان بها، والكلب مبسوط اليد أبدا غير منقبض. قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٥٤» : ينبغى للشاعر أن يتحرز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطيّر منه، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات؛ كقول أبى نواس للفضل بن يحيى؛ فإنه أنكر عليه؛ وهو «٥٥» : أربع البلى إنّ الخشوع لبادى ... عليك وإنى لم أخنك ودادى فتطيّر منه الفضل، فلما انتهى إلى قوله: سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من حاضرين وباد «٥٦»

стр. 344

استحكم تطيّره، فيقال: إنه لم يمض إلا أسبوع حتى نزلت بهم النازلة. أخبرنى الصولى، قال: حدثنى بنو نيبخت أنّ أبا نواس كان يقول: حرصت على أن يقع لى فى الشعر «عين أباغ «٥٧» » ، فامتنعت علىّ، فقلت: «عينى أباغ» ليستوى الشّعر- يعنى فى قوله «٥٨» : رحلن بنا من عقرقوف وقد بدا ... من الصبح مفتوق الأديم نهير فما نجدت بالماء حتى رأيتها ... مع الشمس فى عينى أباغ تغور [١٥٨] قال: وعين أباغ موحدة لا مثناة؛ وليست بعين، إنما هى واد وراء الأنبار على طريق الفرات، قال: وهذان البيتان من قصيدته التى قالها لما قصد الخصيب بمصر؛ وأولها: أجارة بيتينا أبوك غيور «٥٩» يريد أنها جارة فى البيت والنسب. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى الحسن بن موسى، قال: حدثنى يعقوب بن إسحاق بن إسماعيل بن أبى سهل بن نيبخت، عن جده إسماعيل، قال: لما عمل أبو نواس فى الفضل بن يحيى قصيدته التى أولها «٦٠» : طرحتم «٦١» من التّرحال أمرا فغمنا «٦٢» فلما سمع الفضل «٦٣» : سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواكم «٦٤» ، لعلّ الفضل يجمع بيننا قال: مازاد على أن جعلنى قوّادا!

стр. 345

حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى يحيى بن صالح بن بيهس الدّمشقى، قال: حدثنى أخى محمد بن صالح، قال: لما دخلت العراق وصرت إلى مدينة السلام سألت عمن بها من الشعراء المحسنين- وذلك فى خلافة الأمين أو عند قتله؛ فقيل لى: قد غلب عليهم فتى من أهل البصرة يعرف بأبى نواس، وقد كنت سمعت بشىء من شعره، أتانى به فتى كان يألفنى من أهل الأدب، فقلت له: هل تروى لأبى نواسكم هذا شيئا؟ قال: نعم: أروى له أبياتا فى الزهد، وليس هو من طريقته، أنشدنيها آنفا، قلت: وما هى؟ قال «٦٥» : أخى ما بال قلبك ليس ينقى «٦٦» قلت: أحسن والله: فقال: أولا أنشدك أحسن من هذا؟ قلت: بلى: فأنشدنى «٦٧» : ساءك الدهر بشىء ... ولما سرّك أكثر يا كبير الذّنب عفو اللّ ... هـ من ذنبك أكبر قلت: وقد والله أحسن وأجاد؛ وما ظننته إذا سلك غير طريقه يحسن هذا الإحسان فيه! قال: أفما سمعت مرثّيته للأمين؟ قلت لا! فأنشدنى «٦٨» : طوى الموت ما بينى وبين محمد ... وليس لما تطوى المنية ناشر [١٥٩] فقلت: بحقّ ما غلب هذا على أهل الأدب، وقدّموه على غيره من الشعراء. قال «٦٩» أبو الوليد يحيى بن صالح بن بيهس: فحدثت هذا الحديث أبا عبد الله محمد بن زياد الأعرابى، فقال: لو كان أخوك تصفّح جملة شعره لعلم أنّ فيه من الإساءة ما يعفّى على المحاسن، وأىّ الناس إذا تخيرت كلامه لم تجد له البيت والبيتين!.

стр. 346

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سعيد، عن الزبير بن بكار، قال: قال رجل بمكة لأبى نواس: أأنت القائل: يا بنى حمّالة الحطب ... حربى من ظبيكم حربى قال: نعم! قال: قبّحك الله! تجمّشه بشتم أمه؟ قال: نعم! لأسكّن نخوته، وآخذ ثار الحقّ منه. وأخبرنى الصولى قال: وجدت بخط محمد بن القاسم: حدثنى محمد بن على الكوفى، قال: لقى مدنى أبا نواس، فقال له: أأنت قائل هذا البيت؟ وذكر باقيه. أخبرنى الصولى، قال: حدثنى عبد الله بن المعتز، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى بعض الرواة عن مطيع- خادم كان للبرامكة- قال: كنت واقفا على رأس الرشيد إذ دخل أبو نواس، فقال له الرشيد: أنشدنى قولك فى الخصيب «٧٠» : محضتكم «٧١» يأهل مصر مودّتى «٧٢» فأنشده إياه، فلما بلغ قوله: فإن يك باقى إفك فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكفّ خصيب فقال له الرشيد: ألا قلت: فباقى عصا موسى بكفّ خصيب فقال له: هذا أحسن، ولم يقع لى. حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن أحمد بن محمد بن جعفر، عن أبيه، قال: جلس الرشيد مجلسا فأفاض من حضره فى

стр. 347

ذكر المطبوعين من الشعراء المحدثين إلى أن اتّصل الذّكر بأبى نواس، فغمز عليه سليمان بن أبى جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين؛ كافر بالله، لا يرعوى من سكرة، ولا يأنف من فاحشة! وقد كان نمى إلى الرشيد من خبره شىء، فقال: يا عم، هل تأثر «٧٣» عنه من ذلك شيئا؟ قال قوله يا أمير المؤمنين «٧٤» [١٦٠] : يا ناظرا فى الدين ما الأمر! ... لا قدر صحّ، ولا جبر! ما صحّ عندى من جميع الذى ... تذكر إلا الموت والقبر ثم أنشده قوله «٧٥» : باح لسانى بمضمر السرّ ... وذاك أنى أقول بالدهر وليس بعد الممات مرتجع ... وإنما الموت بيضة العقر «٧٦» فاستشاط الرشيد غضبا، وطار شققا، وقال: علىّ بابن الفاعلة. فقال رجل من جلساء الرشيد: إن أذن لى أمير المؤمنين أنشدته من قول هذا الفاسق ما هو أشنع وأفظع مما أنشده أبو أيوب! قال: هات! قال: قوله فى غلام نصرانى: تمرّ فأستحييك أن أتكلّما ... ويثنيك زهو الحسن عن أن تسلّما حتى انتهى إلى قوله: أليس عظيما عند كلّ موحّد ... غزال مسيحى يعذّب مسلما فلولا دخول النّار بعد بصيرة ... عبدت مكان ... «٧٧» عيسى بن مريما وأنشده أبياتا له فى نصرانىّ آخر أولها: وملحّة بالعذل ذات نصيحة ... ترجو إنابة ذى مجون سارق

стр. 348

بكرت تخوّفنى المعاد، وشيمتى ... غير المعاد، ومذهبى وخلائقى فأجبتها كفّى ملامك إنّنى ... مختار دين أقسّة وجثالق والله لولا أننى متخوّف ... أن أبتلى......... ثم قطع الإنشاد فقال الرشيد: بماذا ويلك؟ فقال: بإمام جور فاسق قال: فضاق المجلس بأهله، وأنكر الرشيد نفسه. ثم قال: امض فيها! فقال: لتبعتهم فى دينهم ودخلته ... ببصيرة منّى دخول الوامق «٧٨» إنى لأعلم أنّ ربى لم يكن ... ليخصّهم إلا بدين صادق فقال الرشيد للفضل: برئت من المنصور إن لم يبت هذا الكلب فى المطبق؛ لتنكرنّى فعلا وقولا! فوجّه الفضل من ساعته من أخذ بأفواه السكك، فوجد، فأودع المطبق. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا ميمون بن هارون الكاتب، عن الجمّاز، قال: كنت عند أبى نواس، قال: اسمع أبياتا حضرت، قلت: هات! فأنشدنى [١٦١] «٧٩» : وملحّة باللوم «٨٠» تحسب أننى ... بالجهل أوثر صحبة الشطّار بكرت علىّ تلومنى، فأجبتها ... إنى لأعرف مذهب الأبرار فدعى الملام، فقد اطعت غوايتى، ... وصرفت معرفتى إلى الإنكار ورأيت إتيانى اللذاذة والهوى ... وتعجّلا «٨١» من طيب هذى الدار أحرى وأحزم من تنظّر آجل ... علمى به رجم من الأخبار ما جاءنا «٨٢» أحد يخبّر أنه ... فى جنة من مات أو فى نار

стр. 349

فلما بلغ إلى هذا البيت قلت له: يا هذا، إنّ لك أعداء وهم ينتظرون مثل هذه السقاط [فينتهزونها ليجدوا السبيل بها إلى الطعن عليك والقدح فيك إلى السلطان] «٨٣» ، فاتق الله فى نفسك، ودع الإفراط فى المجون، واكتمها. قال: لا، والله لا أكتمها خوفا! وإن قضى شىء كان! فنمى الخبر إلى الفضل بن الربيع ثم إلى الرشيد، فما كان بعد هذا إلا أسبوع حتى حبس. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن سعيد، قال: حدثنى أبو هفان عن ابن الداية، قال: كان الرشيد أمر بحبس أبى نواس حتى يدع الخمر، فقال فى الحبس «٨٤» : قل للخليفة إننى ... حتى أراك بكلّ باس «٨٥» من ذا يكون أبا نوا ... سك إن حسبت أبا نواس إن أنت لم ترفع به ... رأسا هديت فنصف راس فقال له العتّابى: ما أحسن نصف رأس خليفة يرفع! فقال له: جعلنى الله فداءك يا أبا عمرو! لا تنبّههم لهذا فتهلكنى! أخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: حدثنا أحمد بن طيفور، عن أبى علىّ الأصفر؛ وحدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى أبو على الأصفر الضرير؛ وكان من رواة أبى نواس، قال: أنشدنى أبو نواس فى العباس بن عبيد الله مديحه الذى يقول فيه «٨٦» : كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره فعلمت أنه كلام ردىء مستهجن موضوع فى غير موضعه، وأنّه مما يعاب به؛ لأنّ من حقّ الرسول ﷺ أن يضاف إليه، وألّا يضاف إلى أحد. فرأى ذلك فى وجهى، فقال

стр. 350

لى: ويلك! إنما أردت [١٦٢] أنّ رسول الله ﷺ من القبيل الذى هو منه؛ كما قال حسان «٨٧» : وما زال «٨٨» فى الإسلام من آل هاشم ... دعائم عزّ لا ترام ومفخر بهاليل «٨٩» منهم جعفر وابن أمّه ... علىّ ومنهم أحمد المتخيّر فقال: «منهم» كما قلت «من نفره» ؛ أى من النفر الذين العباس منهم، فما تعيب من هذا؟ قال أبو على: فعلمت أنّ هذا ضرب من الاحتيال. قال: فقلت له: أرأيت قولك «٩٠» : وابن عمّ لا يكاشفنا ... قد لبسناه على غمره كمن الشّنآن فيه لنا ... ككمون النار فى حجره كمن: استتر. والشنآن: الغمر «٩١» . فقال: رددت التذكير إلى النور، ومثل هذا فى أشعارهم كثير إن فتّشته. قال ابن أبى طاهر: وسمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا يقول: قال الكسائى، وسئل عن هذا البيت: إنما أراد فى حجرها، فغلط. أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد، قال: حدثنا محمد بن هاشم السّدرى، قال: لقيت أبا نواس بمدينة السلام، فقلت له: فررت من بلدنا، ورغبت عن مصرنا؛ والله ما فعلت ذلك إلا لتخفى سرقتك للشعر! فقال لى: اسمع ما أنشدك، فإن وقفت على حرف مأخوذ، وزعمت أنك سمعته لأحد أو علمت أنّ أحدا يقول مثله فدمى لك رهن به وأنت فتى الدنيا وراوية البصرة! قال: وأنشدنى شعره:

стр. 351

وذى حلف فى الراح قلت له اصطبح ... فليس على أمثال تلك يمين كميتا تخطّاها الزمان فقد أتت ... سنون لها فى دنّها وسنون كأن سطورا فوقها فارسية ... تكاد وإن طال الزمان تبين لدى نرجس غضّ القطاف كأنه ... إذا منحناه العيون عيون مخالفة فى شكلهنّ فصفرة ... مكان بياض، والبياض جفون فصدّق ظنى صدّق الله ظنّه ... إذا ظنّ خيرا والظنون فنون قال: فقلت له: أحسنت والله وأجدت، وأنت والله أشعر أهل مصرك. قال: إى والله وأشعر الجنّ والإنس! قلت: نعم! لولا أنك لحنت، فأجريت نون الجمع، وهى منصوبة، وهذا لا يحسن بمثلك من أهل العلم. فقال: إنّ القوافى تحتمل هذا، ومثله كثير، أما سمعت قول سحيم بن وثيل الرياحى «٩٢» [١٦٣] : أخو خمسين مجتمع أشدى ... وقد جاوزت حدّ الأربعين قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: قال يوسف بن المغيرة اليشكرى لأبى نواس: أنت منقطع القرين فى البيت، وليس لشعرك اتّساق، وأنت كثير الإحالة. فقال له: فى أى شىء؟ فقال له: فى قولك تمدح الوزير، وإنما يمدح الوزير بمثل ما يمدح به القاضى «٩٣» : أمشى إلى جنبها أزاحمها ... عمدا وما بالطريق من ضيق كقول كسرى فيما تمثّله: ... من فرصة «٩٤» اللصّ ضجّة السّوق

стр. 352

وقلت فى قصيدتك اللاميّة «٩٥» : وأنزلت حاجاتى بحقوى ٩» مساعد ... وإن كان أدنى صاحب ودخيل وأصبحت ألحى السكر، والسكر محسن ... ألا ربّ إحسان عليك «٩٧» ثقيل فاعترفت فى تلك القصيدة بتجميش النساء فى الطريق، وفى هذه بأنك تدبّ إلى منادميك؛ وعدّد عليه أشياء قد ذكرها. وقد أغفل اليشكرى أشياء عيبت على أبى نواس فى هذا الشعر الذى على القاف؛ وفى غيره مما هو أشنع وأفحش مما نعاه عليه، وهو من الناس، كما قال العباس بن الأحنف «٩٨» : من عابكم «٩٩» فهو لكم ظالم ... ما أنتم إلّا من النّاس قال: وتأمل ابن الرومى قول أبى نواس للعباس بن عبيد الله الهاشمى «١٠٠» : كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره وسمع طعن الرواة عليه فى أن جعل الرسول ﷺ مضافا إلى العباس بن عبيد الله وهو- ﷺ أولى بأن يضاف إليه العباس، فقال ابن الرومى يمدح إسماعيل بن بلبل: قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمرى، ولكن منه شيبان وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علا برسول الله عدنان تسمو الرّجال بآباء، وآونة ... تسمو الرجال بأبناء وتزدان المعنى هو الذى أراده أبو نواس فأخطأه. و [ابن «١٠١» ] الرومى حيث قلب معنى أبى

стр. 353

نواس، وفضّل الممدوح على آبائه لم يهمل مدح سلفه؛ وذلك أنه أتبع هذا القول بأن قال: ولم أقصّر بشيبان التى بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان [١٦٣] حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: ناظرت أبا على البصير- وكان لا يرضى أبا نواس، ولا مسلم بن الوليد، ولا من كان فى طريقهما من الشعراء- فى شعر أبى نواس، وقلت له: والله لو كان لا يجيد فى كلّ فنّ قال فيه إلا فى بيت أو بيتين لكان من المحسنين المتفننين فى الإجادة، فمن أين تدفعه عن الإحسان! فقال لى: الشعر بين المدح والهجاء، وأبو نواس لا يحسنهما، وأجود شعره فى الخمر والطّرد، وأحسن ما فيهما مأخوذ مسروق، وحسبك من رجل يريد المعنى ليأخذه، فلا يحسن أن يعفى عليه، ولا ينقله حتى يجىء به نسخا؛ فمن ذلك قوله «١٠٢» : وداونى بالتى كانت هى الداء أخذه من قول الأعشى «١٠٣» : وأخرى تدوايت منها بها والذى أخذه منه أحسن مما قاله. ومنه قوله «١٠٤» : كان الشباب مطيّة الجهل «١٠٥» أخذه من قول النابغة «١٠٦» :

стр. 354

فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإنّ مطيّة «١٠٧» الجهل الشباب ومنه قوله: لمّا تبدّى الصّبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه أخذه من قول أبى النّجم: كطلعة الأشمط من كسائه وقوله: تعدّ عين الوحش من أقواتها أخذه من قول أبى النجم أيضا. هذا إلى ما لا يوصف من أخذه وإغاراته فيما تقدمه الناس فيه، فما ظنك بما يتأخر فيه عن أصحابه. ولكنه رزق فى شعره أن سار، وحمله الناس، وقدمه أهل مصره مع كثرة لحن وإحالة، لو كشفتها لرميت بأكثر شعره. وإنه مع ذلك ليحسن كثيرا، فأما على ما يفرط فيه الجهال فلا. حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن أحمد بن الحارث، قال: لقى أبا نواس مسلم بن الوليد، فقال له: يا حسن؛ حدثنى عن قولك «١٠٨» : جريت مع الصّبا طلق الجموح ... وهان علىّ مأثور القبيح لم جعلت فرسك جموحا، ولم سميت لهوك قبيحا؟ فقال: يا مسلم، الجموح أبعد الأفراس شأوا، وأبطؤها فتورا؛ وسميت لهوى قبيحا إيثارا للعقل لا اتّباعا للجهل. قال ميمون: وقال لى غيره: اجتمع أبو نواس ومسلم يوما، فقال له مسلم: ما أعلم لك بيتا إلا مدخولا معيبا ساقطا؛ فأنشد أىّ بيت أحببت. فأنشد أبو نواس إنشاد المدلّ [١٦٥] «١٠٩» :

стр. 355

ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصباح صياحا فقال له مسلم: قف عند حجّتك، لم أملّه صياحا وهو يبشّره بالصبوح الذى ارتاح له؟ فانقطع أبو نواس انقطاعا بيّنا، فجعل الجواب له معارضة، فقال له: أنشد أنت ما أحببت من شعرك! فأنشد مسلم: عاصى الشباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد فقال له أبو نواس: حسبك حيث بلغت! ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت: وأقام بين عزيمة وتجلّد فجعلته منتقلا مقيما. فانقطع مسلم. وتشاغبا وافترقا. قال ميمون: والبيتان جيّدان، ولكن قلّ من طلب عيبا إلّا وجده. حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى أبو عبد الرحمن الضرير عبد الله بن يوسف السمرقندى الخارج مع سيّار بن رافع على المأمون- وكان راوية أديبا- قال: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان، وهو يتولّاها مقدمى من مدينة السلام، فسألنى عمن خلّفت بها من الشعراء، فقلت له: خلفت بها كوفيّا وبصريّا قد غلبا على الشعراء؛ أمّا من الكوفيين فأبو العتاهية، وهو مقدّم عندهم. فقال: ومن أين يتقدم عندهم، وهو يقول: رويدك يا إنسان لا أنت تقفز أرأيت قوله: «تقفز» ! هل سكنت بين فكّى محسن قط. قلت: وأما من البصريين فالحسن بن هانئ؛ فإنه يتقدم عندهم جميع نظرائه فى فنون الشعر. فقال: ويحك! وكيف يكون كذلك، وهو يحيل فى كثير مما يقول، ويتخطّى صفة المخلوق إلى صفة الخالق ؟ قلت: مثل ماذا من قوله؟ قال: أمّا ما أحال فيه فقوله «١١٠» :
следующие страницы →