← Адаб

Адаб · id 9427

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء

المرزباني

Полный текст (568 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وذى حلف فى الراح قلت له اصطبح ... فليس على أمثال تلك يمين كميتا تخطّاها الزمان فقد أتت ... سنون لها فى دنّها وسنون كأن سطورا فوقها فارسية ... تكاد وإن طال الزمان تبين لدى نرجس غضّ القطاف كأنه ... إذا منحناه العيون عيون مخالفة فى شكلهنّ فصفرة ... مكان بياض، والبياض جفون فصدّق ظنى صدّق الله ظنّه ... إذا ظنّ خيرا والظنون فنون قال: فقلت له: أحسنت والله وأجدت، وأنت والله أشعر أهل مصرك. قال: إى والله وأشعر الجنّ والإنس! قلت: نعم! لولا أنك لحنت، فأجريت نون الجمع، وهى منصوبة، وهذا لا يحسن بمثلك من أهل العلم. فقال: إنّ القوافى تحتمل هذا، ومثله كثير، أما سمعت قول سحيم بن وثيل الرياحى «٩٢» [١٦٣] : أخو خمسين مجتمع أشدى ... وقد جاوزت حدّ الأربعين قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: قال يوسف بن المغيرة اليشكرى لأبى نواس: أنت منقطع القرين فى البيت، وليس لشعرك اتّساق، وأنت كثير الإحالة. فقال له: فى أى شىء؟ فقال له: فى قولك تمدح الوزير، وإنما يمدح الوزير بمثل ما يمدح به القاضى «٩٣» : أمشى إلى جنبها أزاحمها ... عمدا وما بالطريق من ضيق كقول كسرى فيما تمثّله: ... من فرصة «٩٤» اللصّ ضجّة السّوق

стр. 352

وقلت فى قصيدتك اللاميّة «٩٥» : وأنزلت حاجاتى بحقوى ٩» مساعد ... وإن كان أدنى صاحب ودخيل وأصبحت ألحى السكر، والسكر محسن ... ألا ربّ إحسان عليك «٩٧» ثقيل فاعترفت فى تلك القصيدة بتجميش النساء فى الطريق، وفى هذه بأنك تدبّ إلى منادميك؛ وعدّد عليه أشياء قد ذكرها. وقد أغفل اليشكرى أشياء عيبت على أبى نواس فى هذا الشعر الذى على القاف؛ وفى غيره مما هو أشنع وأفحش مما نعاه عليه، وهو من الناس، كما قال العباس بن الأحنف «٩٨» : من عابكم «٩٩» فهو لكم ظالم ... ما أنتم إلّا من النّاس قال: وتأمل ابن الرومى قول أبى نواس للعباس بن عبيد الله الهاشمى «١٠٠» : كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره وسمع طعن الرواة عليه فى أن جعل الرسول ﷺ مضافا إلى العباس بن عبيد الله وهو- ﷺ أولى بأن يضاف إليه العباس، فقال ابن الرومى يمدح إسماعيل بن بلبل: قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمرى، ولكن منه شيبان وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علا برسول الله عدنان تسمو الرّجال بآباء، وآونة ... تسمو الرجال بأبناء وتزدان المعنى هو الذى أراده أبو نواس فأخطأه. و [ابن «١٠١» ] الرومى حيث قلب معنى أبى

стр. 353

نواس، وفضّل الممدوح على آبائه لم يهمل مدح سلفه؛ وذلك أنه أتبع هذا القول بأن قال: ولم أقصّر بشيبان التى بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان [١٦٣] حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: ناظرت أبا على البصير- وكان لا يرضى أبا نواس، ولا مسلم بن الوليد، ولا من كان فى طريقهما من الشعراء- فى شعر أبى نواس، وقلت له: والله لو كان لا يجيد فى كلّ فنّ قال فيه إلا فى بيت أو بيتين لكان من المحسنين المتفننين فى الإجادة، فمن أين تدفعه عن الإحسان! فقال لى: الشعر بين المدح والهجاء، وأبو نواس لا يحسنهما، وأجود شعره فى الخمر والطّرد، وأحسن ما فيهما مأخوذ مسروق، وحسبك من رجل يريد المعنى ليأخذه، فلا يحسن أن يعفى عليه، ولا ينقله حتى يجىء به نسخا؛ فمن ذلك قوله «١٠٢» : وداونى بالتى كانت هى الداء أخذه من قول الأعشى «١٠٣» : وأخرى تدوايت منها بها والذى أخذه منه أحسن مما قاله. ومنه قوله «١٠٤» : كان الشباب مطيّة الجهل «١٠٥» أخذه من قول النابغة «١٠٦» :

стр. 354

فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإنّ مطيّة «١٠٧» الجهل الشباب ومنه قوله: لمّا تبدّى الصّبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه أخذه من قول أبى النّجم: كطلعة الأشمط من كسائه وقوله: تعدّ عين الوحش من أقواتها أخذه من قول أبى النجم أيضا. هذا إلى ما لا يوصف من أخذه وإغاراته فيما تقدمه الناس فيه، فما ظنك بما يتأخر فيه عن أصحابه. ولكنه رزق فى شعره أن سار، وحمله الناس، وقدمه أهل مصره مع كثرة لحن وإحالة، لو كشفتها لرميت بأكثر شعره. وإنه مع ذلك ليحسن كثيرا، فأما على ما يفرط فيه الجهال فلا. حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن أحمد بن الحارث، قال: لقى أبا نواس مسلم بن الوليد، فقال له: يا حسن؛ حدثنى عن قولك «١٠٨» : جريت مع الصّبا طلق الجموح ... وهان علىّ مأثور القبيح لم جعلت فرسك جموحا، ولم سميت لهوك قبيحا؟ فقال: يا مسلم، الجموح أبعد الأفراس شأوا، وأبطؤها فتورا؛ وسميت لهوى قبيحا إيثارا للعقل لا اتّباعا للجهل. قال ميمون: وقال لى غيره: اجتمع أبو نواس ومسلم يوما، فقال له مسلم: ما أعلم لك بيتا إلا مدخولا معيبا ساقطا؛ فأنشد أىّ بيت أحببت. فأنشد أبو نواس إنشاد المدلّ [١٦٥] «١٠٩» :

стр. 355

ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصباح صياحا فقال له مسلم: قف عند حجّتك، لم أملّه صياحا وهو يبشّره بالصبوح الذى ارتاح له؟ فانقطع أبو نواس انقطاعا بيّنا، فجعل الجواب له معارضة، فقال له: أنشد أنت ما أحببت من شعرك! فأنشد مسلم: عاصى الشباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد فقال له أبو نواس: حسبك حيث بلغت! ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت: وأقام بين عزيمة وتجلّد فجعلته منتقلا مقيما. فانقطع مسلم. وتشاغبا وافترقا. قال ميمون: والبيتان جيّدان، ولكن قلّ من طلب عيبا إلّا وجده. حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى أبو عبد الرحمن الضرير عبد الله بن يوسف السمرقندى الخارج مع سيّار بن رافع على المأمون- وكان راوية أديبا- قال: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان، وهو يتولّاها مقدمى من مدينة السلام، فسألنى عمن خلّفت بها من الشعراء، فقلت له: خلفت بها كوفيّا وبصريّا قد غلبا على الشعراء؛ أمّا من الكوفيين فأبو العتاهية، وهو مقدّم عندهم. فقال: ومن أين يتقدم عندهم، وهو يقول: رويدك يا إنسان لا أنت تقفز أرأيت قوله: «تقفز» ! هل سكنت بين فكّى محسن قط. قلت: وأما من البصريين فالحسن بن هانئ؛ فإنه يتقدم عندهم جميع نظرائه فى فنون الشعر. فقال: ويحك! وكيف يكون كذلك، وهو يحيل فى كثير مما يقول، ويتخطّى صفة المخلوق إلى صفة الخالق ؟ قلت: مثل ماذا من قوله؟ قال: أمّا ما أحال فيه فقوله «١١٠» :

стр. 356

وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق فهذا مستحيل. وقوله: اسقنيها سلافة ... سبقت خلق آدما فهى كانت إذ لم يكن ... ماخلا الأرض والسما وأما ما تخطّاه من وصف المخلوق إلى صفه الخالق فقوله: يجلّ أن تلحق الصفات به ... فكلّ خلق لخلقه مثل فهذا من الإغراق المستحيل فى العقول. «ومما ليس على مذهب العرب [١٦٦] ومما لا يستحسنه إلا جاهل قوله: برىء من الأشباه ليس له مثل وقوله «١١١» : تكلّ عن إدراك تحصيله ... عيون أوهام الضمايير تنتسب الألسن من وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: قد تقدم هذا الخبر من غير هذا الوجه، وفيه ههنا زيادة. حدثنى بعض أصحابنا، عن محمد بن القاسم بن مهرويه، عن إسماعيل بن أبى محمد اليزيدى، قال: اختلف أخى إبراهيم بن أبى محمد وابن أخى أحمد بن محمد بن أبى محمد فى بيت أبى نواس، ونحن بمرو، وكان أحمد مقاربا لعمه إبراهيم فى السن، وهو «١١٢» : رسم «١١٣» الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل

стр. 357

فقال إبراهيم: والله ما هذا بكلام مطبوع ولا محسن! وقال أحمد: لقد أجاد فى المعنى وأحسن! فتراضيا بمن يحكم بينهما، واتفقا على مسلم بن الوليد- وكان يمرو- فسألاه، فقال مسلم: إن كان قول أبى العذافر العمّى: باض الهوى فى فؤادى ... وفّرخ التذكار حسنا فإنّ هذا حسن. فحكم لأخى. وأنشد أبو العنبس فى معنى بيت أبى العذافر: ضرام الحبّ عشّش فى فؤادى ... وحضّن فوقه طير البعاد وأنبذ للهوى فى دنّ قلبى ... فعربدت الهموم على فؤادى أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: لقى العتّابى أبا نواس، فقال له: يا أبا على؛ أما خفت الله حيث تقول: وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق فقال له أبو نواس: فما خفت أنت الله حيث تقول «١١٤» : ما زلت فى غمرات الموت مطرحا ... يضيق عنى وسيع الرأى «١١٥» من حيلى فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لى ... حتّى اختلست حياتى من يدى أجلى فقال العتابى: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك؛ ولكنك أعددت لكلّ ناصح جوابا. حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن أحمد بن خلاد، عن أبيه، قال: قال لى العتّابى- وتجارينا البديع من شعره قول أبى نواس «١١٦» : لما بدا ثعلب الصدود لنا ... أرسلت كلب الوصال فى طلبه [١٦٧]

стр. 358

جاء به، والجليل يعتله «١١٧» ... منقلبا رأسه على ذنبه فقال: والله إنه لشاعر، ولكن تمادى به حبّ البديع حتّى أغرق فيه. حدثنى علىّ بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: أخبرونا عن عبد الله بن سلمة بن عيّاش، قال: بينا أنا أسير فى طريق أصبهان فإذا أنا برجل عليه فرو جالس إلى العين فى المنزل، فقال لى: ممن الرجل؟ فقلت: من أهل البصرة. قال: أنشدنى لأبى نواسكم شيئا، فإنه لو كشف استه كان أحسن من قوله «١١٨» : وجه جنان أسراى بستان ... جمّع فيه من كلّ ألوان قال: فأنشدته له، وسألته عن اسمه؛ فقال: كلثوم بن عمرو العتّابى. حدثنى أبو عبد الله محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى يموت بن المزرّع بن يموت، قال: حدثنى أبى، قال: إنى لفى يوم من أيامى بالمربد إذ أقبل رجل على راحلة، فتشوّف له النّاس. فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد بن مناذر. فعدلت إليه فقلت: سلام عليك أبا عبد الله! قال: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن يموت العبدى. قال: كيف حالك؟ قلت: بخير! قال: من شاعر العراق اليوم؟ قلت: الحسن بن هانئ، قال: أفّ لك؟ هو الذى يقول: فلو قد زرتنا بين ... سماع وقواقيز شربنا أبدا صرفا ... على وجهك بالكوز أفّ لكم! قلت: أبا عبد الله إن فى الحسن دعابة، وهو الذى يقول «١١٩» : فقلت لها، واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى فى جريهنّ عبير ذرينى «١٢٠» أكثّر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير فقال لى: خير هذا بشّر ذاك.

стр. 359

أخبرنى الحسين بن محمد العرمرم، قال: أخبرنا محمد يزيد النحوى، قال: قد استظرف النّاس قول أبى نواس فى قدر الرّقاشىّ- ولا أراه حلوا لإفراطه، وهو «١٢١» : ودهماء ترسيها رقاش إذا شتت ... مركّنة «١٢٢» الآذان أمّ عيال يغصّ بحيزوم البعوضة «١٢٣» صدرها ... وينضج ما فيها بعود «١٢٤» خلال وتغلى بذكر النّار من غير حرّها ... وتنزلها عفوا بغير «١٢٥» جعال هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كلّ هزال وقال: ومثله قوله «١٢٦» : عتّقت حتّى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم لاحتبت فى القوم مائلة ... ثمّ قصّت قصّة الأمم [١٦٨] ويستجيده خلق كثير، وليس عندى بالمحمود لما فيه من الإفراط. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى بنو نيبخت، قالوا: كان أبو نواس يعابث أحمد بن روح بن أبى بحر؛ وكان أحمد شاعرا مليحا؛ فهجاه أبو نواس بأبيات يقول فيها: لارعى الله ابن روح ... وسّخ اسمى بلعابه لعنة الله عليه ... وعلى فرج رمى به فازبروه وانهروه ... وتواصوا باجتنابه واقعدوا منه بعيدا ... وبعيدا من ثيابه إنها عامرة الإص ... طبل من شهب دوابه

стр. 360

فأجابه أحمد بن روح بأبيات منها: ودعىّ عزّ قحطا ... ن جميعا بانتسابه لو تحدّى الكلب بالشع ... ر تعالى عن جوابه أورثته أمّه اللك ... ناء جهلا فى خطابه فغدا العيّوق من كفّيه ... أدنى من صوابه فقيل لابن روح: ما معنى قولك فيه: «أورثته أمه اللكناء ... » البيت؛ فقال: لقوله: إنهما عامرة الإص ... طبل من شهب دوابه فخفف الدوابّ. حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن ابن أبى طاهر، عن يحيى بن حسان البصرى، قال: رأى أبو نواس غلاما حسنا، فأنشدنى بديها: ومستطيل به الجمال على ... كلّ جميل عديم أشباه لو كان للشمس حسن صورته ... لاستنكفت عن عبادة الله فقلت: كفرت ويلك! قال: إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا. فقلت: إنّ الله لا يغفر أن يشرك به! قال: أنت لا تعرف الشرك! أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال لنا المكتفى بالله: أىّ أبيات الشعر أهنك وأفجر قائلا؟ فقال له يحيى بن على: لا أعرف مثل قول أبى نواس «١٢٧» : ألا سقّنى خمرا، وقل لى: هى الخمر! ... ولا تسقنى سرّا إذا أمكن الجهر قال: فقلت له: إنّ المأمون أمر، وهو بخراسان، أن يخطب بهذا البيت على المنابر، ويقول الخاطب: يستحسن محمد قول من يقول مثل هذا.

стр. 361

٥- مسلم بن الوليد الأنصارى «١» أخبرنى محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن محمد بن عمر، قال: قال مسلم بن الوليد لأبى نواس- وقد اجتمعا فى مجلس، فتلاحيا على نبيذ: والله ما تحسن الأوصاف! فقال: لا والله ما أحسن أن أقول «٢» : سلّت فسلّت ثمّ سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا [١٦٩] والله لو رميت الناس فى الطرق لكان أحسن من هذا «٣» حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن الحسين ابن بنت مسلم بن الوليد الأنصارى، قال: حدثنى أبى، قال: كنا عند مسلم فى المسجد وهو يملى علىّ وعلى عدّة معى القصيدة الدالية: لا تدع بى الشوق إنى غير معمود إذ أقبل أبو نواس، فاستشرف له القوم، فدنا فسلّم، فرفعه مسلم فى المجلس، فلم يفعل أبو نواس. وقطع مسلم الإملاء، ثم أقبل عليه يسأله أن ينشده من شعره، وأبو نواس يأبى ذلك؛ ثم سأله أبو نواس أن يبتدئ القصيدة من أولها، ففعل إلى أن انتهى إلى قوله: رأى المهلّب أو بأس الأيازيد فقال مسلم: ما سبقنى إلى جمع يزيد أحد. فقال له أبو نواس: من هاهنا وهمت! فاستشاط مسلم لذلك.

стр. 362

٦- العباس بن الأحنف [١] حدثنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن فهم، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: تذاكروا بحضرة الأصمعى شعر العباس بن الأحنف، فتسخّطه؛ وقال: ما يؤتى من جودة المعنى، ولكنه سخيف اللفظ؛ ألا ترى قوله «٤» : اليوم مثل الحول حتّى أرى ... وجهك والساعة كالشّهر إنّ الذى أضمر عند الذى ... أظهر كالقطرة فى البحر لو شقّ عن قلبى قرى وسطه ... ذكرك والتّوحيد فى سطر ثم قال «٥» : يا من تمادى قلبه فى الهوى ... سال بك السيل وما تدرى أبعد أن قد صرت أحدوثة ... فى الناس مثل الحسن البصرى لعمرى إنّ الحسن البصرى مشهور، ولكن ليس هذا موضع ذكره. أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عابوا على العباس بن الأحنف إدخاله فى الغزل هذا البيت «٦» : فإن تقتلونى لا تفوتوا بمهجتى ... مصاليت قومى من حنيفة أو عجل كما عيب على الفرزدق قوله «٧» : يا أخت ناجية بن سامة إنّنى ... أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى

стр. 363

وقالوا. ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات! هلا قال كما قال جرير «٨» : قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا وكما يروى عن ابن عباس رحمه الله تعالى [١٧٠]- فإنه وإن كان فى باب الجد أشكل بمذهب الغزل- وهو قوله: هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود ولقد ملّح المحاربى فى قوله: لما رأت مقتلى قالت لجارتها: ... لقد قتلت قتيلا ما له خطر قتلت شاعر هذا الحىّ من مضر ... والله يعلم ما ترضى بذا مضر فهذا على حال أقرب. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنى- أنه قال: العباس بن الأحنف فى الغزل مثل أبى العتاهية فى الزهد: يكثران الحزّ ولا يصيبان المفصل. حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سنين، قال حدثنا محمد بن حبيب، قال: سمع ابن الأعرابى قول ابن الأحنف «٩» : ولما رأت حرصى عليها تعجبت ... وحقّ على المعشوق أن يتعجبا فقال: سبحان الله! إن خالق هذا وخالق رؤبة لواحد حين يقول «١٠» : وقاتم الأعماق خاوى المخترق

стр. 364

حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: رآنى محمد بن بشار بن برد، وأنا أكتب شعر العبّاس بن الأحنف، وكنت أقرأ عليه شعر أبيه، فقال: والله لا أقرأتك شعر أبى، وأنت تكتب هذا! قلت: فإنى أتركه. أخبرنى الصولى، قال: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبى، قال: حدثنى أحمد بن حمدون، قال: أنشدت غصين بن برّاق الأسدى بيتى العباس بن الأحنف «١١» : نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار فحلف أن البيت الأول لرجل عندهم، وأنه لا يعرف الثانى. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يروى أنّ العباس بن الأحنف دخل على الذّلفاء جارية ابن طرخان، فقال: أجيزى هذا البيت «١٢» : أهدى له أحبابه أترجّة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر فقالت «١٣» : خاف التلّون إذ أتته لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر فقال: لئن ظهر هذا البيت لا دخلت لكم منزلا أبدا. ثم ضمّه إلى بيته. أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن فهم، قال: سمعت العطوى يقول [١٧١] : كان العباس بن الأحنف شاعرا مجيدا غزلا، وكان أبو الهذيل يبغضه ويلعنه لقوله «١٤» : إذا أردت سلّوا «١٥» كان ناصركم ... قلبى، وما أنا من قلبى بمنتصر فأكثروا «١٦» وأقلّوا من إساءتكم ... فكل ذلك محمول على القدر

стр. 365

فكان أبو الهذيل يلعنه لهذا؛ ويقول: يعتقد الكذب والفجور فى شعره. قال الصولى: فأنشدنى محمد بن العباس اليزيدى، قال: سمعت أحمد بن عبد الله يقول: ما يروى للعباس بن الأحنف هجاء إلا هذا، وكان يستضعفه «١٧» : يا من يكذب أخبار الرسول لقد ... أخطأت فى كل ما تأتى وما تذر كذّبت بالقدر الجارى عليك، فقد ... أتاك منّى بما لا تشتهى القدر قال الصولى: ولعل هذا فى أبى الهذيل. ٧- كلثوم بن عمرو العتابى [١] أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان أبو أحمد يحيى بن على المنجّم قد ناظر رجلا يعرف بالمتفقّه الموصلى فى العباس بن الأحنف والعتّابى، فعمل يحيى فى ذلك رسالة، وأنفذها إلى على بن عيسى، لأنّ الكلام كان بحضرته. قال الصولى: وقد حضرت أنا ذلك المجلس، فكان مما خاطبه به أن قال: ما أهلّ نفسه العتّابيّ قط لتقديمها على العباس بن الأحنف فى الشعر، ولو خاطبه بذلك مخاطب لدفعه وأنكره، لأنه كان عالما لا يؤتى من معرفة بالشعر، ولم أر أحدا من العلماء بالشعر قط مثّل بين العباس والعتّابى فضلا عن تقديم العتّابى عليه لتباينهما فى المذهب، وذلك أن العتّابى متكلّف والعباس يتدفّق طبعا؛ وكلام هذا سهل عذب، وكلام ذاك متعقّد كزّ. ولشعر هذا ماء ورقة وحلاوة، وفى شعر ذاك غلظ وجساوة. وشعر هذا فى فنّ واحد- وهو الغزل- فأكثر فيه وأحسن، وقد افتنّ العتابى فلم يخرج فى شى منه عما وصفناه به. وإنّ من أشعر شعر العتابى لقصيدته التى يمدح فيها الرشيد وأولها «١٨» :

стр. 366

يا ليلة لى بحوّارين ساهرة ... حتى تكلّم فى الصبح العصافير فقال فيها «١٩» : فى مآقىّ انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير وهذا بيت أخذه من قول بشار الذى أحسن فيه غاية الإحسان وهو قوله «٢٠» : جفت عينى عن التغميض حتى ... كأنّ جفونها عنها قصار فمسخه العتابى. على أنّ بشارا قد أخذه من قول جميل «٢١» [١٧٢] : كأنّ المحبّ قصير الجفون ... لطول السّهاد ولم تقصر إلا أنّ بشارا قد أحسن فى أخذه، ولم يبلغ جميلا، وجاء هذا إلى المعنى قد تعاوره شاعران محسنان مقدّمان وأحسنا فيه، فنازعهما إياه فأساء، وحقّ من أخذ معنى وقد سبق إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه أو يزيد فيه عليه حتى يستحقه، فأمّا إذا قصر عنه فإنه مسىء معيب بالسرقة مذموم فى التقصير. ولقد هاجى أبا قابوس النصرانى، فغلب عليه فى كثير مما جرى بينهما على ضعف منّة أبى قابوس فى الشعر، ثم قال فى هذه القصيدة «٢٢» : ماذا عسى مادح «٢٣» يثنى عليك وقد ... ناداك فى الوحى تقديس وتطهير فتّ الممادح «٢٤» إلّا أنّ ألسننا ... مستنطقات بما تخفى الضمائير فقال: «الممادح» ؛ والمدائح أحسن منها وأخفّ على السمع، وأشبه بألفاظ الحذّاق والمطبوعين، وقال: «مستنطقات» ؛ ونواطق أحسن وأطبع، ثم قال «الضمائير» فختم البيت منها بأثقل لفظة لو وقعت فى البحر لكدّرته، وهى صحيحة، ولكنها غير مألوفة،

стр. 367

ولا مستعذبة، وما شىء أملك بالشعر بعد صحة المعنى من حسن اللفظ، وهذا عمل التكلّف وسوء الطبع. وللعباس إحسان كثير. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن إبراهيم الغنوى، قال: كنا عند هلال بن العلاء فذكروا العتّابى، فقال له رجل: هو كزّ لا رقّة له. فقال هلال: أتقول هذا لمن يقول: رسل الضمير إليك تترى ... بالشوق متعبة وحسرى وهى أبيات. ٨- أشجع السلمى [١] أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى عبد الله بن الحسين، قال: قال لى البحترى: دعانى على بن الجهم، فمضيت إليه، وأفضنا فى أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السّلمى، فقال لى: إنه يخلى، وأعادها مرات ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت أفكرت فى الكلمة ونظرت فى شعر أشجع فإذا هو ربما مرّت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع، وإذا هو يريد هذا بعينه أنه يعمل الأبيات ولا تصيب فيها بيتا نادرا، [١٧٣] كما أن الرامى إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشىء قيل: أخلى. وكان على بن الجهم عالما بالشعر. وأخبرنى الصولى، قال: حدثنى على بن العباس النوبختى، قال: حدثنى البحترى، قال: كنت فى مجلس فيه على بن الجهم، فتذاكرنا الشعراء المحدثين، فمرّ ذكر أشجع. فقال على: ربما أخلى. فلم أدر ما قال، وأنفت من سؤاله عن معناه، وانصرفت، فنظرت فى شعر أشجع فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة خالية من معنى ولفظ، فعلمت أنه أراد ذلك، وأن معناه أنّ الرّامى إذا لم يصب من رشقه كلّه الغرض بشىء قيل «أخلى» ؛ فجعل ذلك قياسا.

стр. 368

٩- محمد بن مناذر [١] حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الذارع، قال: حدثنا ابن عائشة، قال أبو العتاهية لابن مناذر: إن كنت أردت بشعرك العجاج ورؤبة فما صنعت شيئا، وإن كنت أردت أهل زمانك فما أخذت مآخذنا؛ أخبرنى عن قولك؛ ومن عاداك لاقى المرمريسا أى شىء المرمريس؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى النّضر بن عمرو، عن المازنى، قال: حدثنا حيّان، قال: دفع إلىّ ابن مناذر قصيدته الطويلة، وقال: اعرضها على أبى عبيدة. قال: فأتيته على باب أبى عمرو بن العلاء، فقرأت عليه قدر خمسة أبيات منها، فلم تعجبه، وقال: دعنى من هذا؛ فإنى قد تشاغلت بحفظ القرآن عن ذا. ووجدت بخطّ ابن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون، قال: سمعت الأصمعى يقول: حضرنا مأدبة وأبو محرز خلف الأحمر وابن مناذر معنا؛ فقال له ابن مناذر: يا أبا محرز؛ إن يكن امرؤ القيس والنابغة وزهير ماتوا فهذه أشعارهم مخلّدة، فقس شعرى إلى شعرهم. قال: فأخذ صفحة مملوءة مرقا فرمى بها عليه. وجدت بخط ابن مهرويه: حدثنى أبو محمد، قال: حدثنى حماد، قال: قال ابن مناذر: قلت «٢٥» : يقدح الدّهر فى شماريخ رضوى

стр. 369

[١٧٤] ثم مكثت حولا، فسمعت قائلا يقول: «هبّود» ، فقلت: ما هبّود؟ قال: جبيل فى بلادنا. فانفتح لى الشعر فقلت: ويحطّ الصخور من هبّود ١٠- المؤمّل بن أميل المحاربى [١] حدثنى على بن هارون المنجّم، عن أبيه، عن جده، قال: دخل المؤمّل بن أميل مسجد الكوفة فى يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدى، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك. فقال- رافعا صوته: مات الخليفة أيّها الثّقلان قال: فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس؛ نعى الخليفة إلى الجن والإنس فى نصف بيت، وأمدّه الناس أبصارهم وأسماعهم متوقّعين لما يتمّ به البيت، فقال: فكأننى أفطرت فى رمضان قال: فضحك الناس به وصار شهرة. ١١- العمانى الراجز [٢] أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو الحسن الأسدى، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: سمعت أبى يقول: ما رأيت أحدا قط أعلم بالشعر من الأصمعى، ولا أحفظ لجيّده، ولا أحضر جوابا منه! ولو قلت: إنه لم يك مثله ما خفت كذبا! لقد

стр. 370

استأذن علىّ يوما وعندى أخ للعمانى الراجز حافظ راوية. فلما دخل عبث به أخو العمانى، فقال: من هذا؟ أهو الباهلى الذى يقول: فما صحفة مأدومة بإهالة «٢٦» ... بأطيب من فيها ولا أقط رطب فقال له قبل أن يستتمّ كلامه: هو على كل حال أصلح من قول أخيك العمانى: يا ربّ جارية حوراء ناعمة ... كأنها عومة فى جوف راقود «٢٧» قال: فقلت له: أكنت أعددت هذا الجواب؟ قال: لا! ولكن ما مرّ بى شىء قطّ إلا وأنا أعرف منه طرفا. أخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا المبرد، قال: دخل العمائى الراجز على الرشيد، فأنشده أرجوزة يصف فيها فرسا، فقال: كأن أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا فقال له الرشيد: قل «تخال» حتى يستوى الإعراب. ١٢- بكر بن النطاح [١] أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: فى المحدثين إسراف وتجاوز وغلوّ وخروج عن المقدار؛ من ذلك قول [١٧٥] بكر بن النطاح: تمشى على الخزّ من تنعّمها ... فيشتكى رجلها من النّزف لو مرّ هارون فى عساكره ... ما رفعت طرفها من السّجف ١٣- الفضل الرقاشى [٢] حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:

стр. 371

حدثنا محمد بن زياد، قال: حدثنا ابن عائشة عن بعض رجاله، قال: مرّ أعرابى بالفضل الرقاشى يوما وهو يتكلم، قال: فوقف عليه يستمع، فظنّ فضل أنه قد أعجب بكلامه، فقال له: يا أعرابى؛ ما البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز! قال: فما تعدّون العىّ فيكم؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم! قال أحمد بن محمد الحلوانى: وجدت بخط ابن شاهين: حدثنى أحمد بن معدان الكوفى، قال: حدثنى أخى محمد بن معدان، قال: كنت فى مسجد الرّصافة، فاختلف قوم فى أبى نواس والفضل الرقاشى أيهما أشعر، فتراضوا بأبى على الهبّارى، وكان من أهل الأدب، فتحا كموا إليه؛ فقالوا: إن بعضنا قدّم أبا نواس، وبعضنا قدم الفضل الرقاشى، فما تقول أنت؟ قال: أقول إنّ ضراط أبى نواس فى سجيّن أكثر من حسنات الرقاشى فى عليين! ١٤- محمد بن يسبر الحميرى [١] أخبرنا إبراهيم بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: أخطأ محمد بن يسبر فى قوله: ولو قنعت أتانى الرزق فى دعة؛ ... إنّ القنوع الغنى لا كثرة المال لأنّ القنوع إنما هو السؤال، والقانع السائل؛ قال الله ﵎ «٢٨» : «فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ» ، فالمعترّ الذى يتعرض ولا يسأل؛ يقال: قنع يقنع قنوعا؛ إذا سأل، فهو قانع لا غير؛ وإذا رضى قيل: قنع يقنع قناعة «٢٩» فهو قنع وقانع جميعا. ١٥- محمد بن وهيب الحمبرى [٢] حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى إسحاق الطلحى، قال: أنشدنى

стр. 372

أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل لمحمد بن وهيب إليه، قال أحمد: وأخطأ فيه: تفديك نفسى يطول يوم ... علىّ فى اليوم لا أراكا وهى أبيات لأحمد عنها جواب. ١٦- دعبل بن على الخزاعى [١] أخبرنى محمد بن يحيى، قال «٣٠» : حدثنى هارون بن عبد الله المهلّبى، قال: كنا فى حلقة دعبل، فجرى ذكر أبى تمام، فقال دعبل: كان يتتبّع معانىّ فيأخذها [١٧٦] ؛ فقال له رجل فى مجلسه: ما من ذلك أعزّك الله؟ قال: قلت «٣١» : إنّ امرأ أسدى إلىّ بشافع ... إليه ويرجو الشكر منّى لأحمق شفيعك فاشكر فى الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق فقال له رجل «٣٢» : فكيف قال أبو تمام؟ قال: قال «٣٣» : فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدىّ مرّ سؤاله وإذا امرؤ أسدى إلىّ «٣٤» صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله فقال الرجل: أحسن والله! قال: كذبت، قبحك الله! قال: والله لئن كان ابتدأ «٣٥» هذا المعنى وتبعته فما أحسنت، ولئن كان أخذه منك لقد أجاده فصار أولى به منك. قال: فغضب دعبل.

стр. 373

قال محمد «٣٦» : وشعر أبى تمام أجود مبتدأ ومتّبعا، وهو أحق بالمعنى «٣٧» . وقد تبع البحترى شعر أبى تمام، فقال فى هذا المعنى «٣٨» : وعطاء غيرك إن بذل ... ت عناية فيه عطاؤك ١٧- إسحاق بن إبراهيم الموصلى [١] أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: أنشد إسحاق الموصلى الأصمعىّ قوله فى غضب المأمون عليه: يا سرحة الماء قد سدّت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود لحائم حام حتى لا حيام به ... محلأ عن طريق الماء مطرود فقال الأصمعى: أحسنت فى الشعر، غير أن هذه الحاءات لو اجتمعت فى آية الكرسى لعابتها. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، عن حماد بن إسحاق الموصلى، قال: عيب على أبى قوله: وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الدّيار من الديّار فعابوا قوله: «يوما» ، فقال لهم: لعمرى إنه حشولا زيادة فيه، ولكن ضعوا مكانه مثله أو أجود منه؛ فاجتمع جماعة ونظروا فلم يجدوا للبيت حشوا أصلح من قوله يوما، إلّا أنّ إسحاق غيّره بعد ذلك فقال: وكل مسافر يزداد شوقا

стр. 374

أخبرنى أبو الحسن على بن هارون، قال: ابتدأ إسحاق فى قصيدته التى امتدح فيها الواثق بقوله: ضنّت سعاد غداة البين بالزاد ... وأخلفتك فما توفى بميعاد [١٧٧] وما أعجب أمر إسحاق فى هذا الابتداء واستجازته أخذه إياه نقلا، مع علمه بقبيح ما فى السرق الذى هذه سبيله. قال الأحوص: ضنّت سعاد غداة البين بالزاد ... وآثرت حاجة الثاوى على الغادى قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: هكذا قال أبو الحسن؛ والرواية المشهورة الصحيحة فى بيت الأحوص: ضنّت عقيلة لما جئت بالزاد أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدى، قال: حدثنى عمى، عن أخيه أحمد بن محمد اليزيدى، قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان- وهو القصر الذى كان للعباسة- جلس فيه، وجمع أهل بيته وأصحابه، وأمر أن يلبس الناس كلهم الديباج، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا «٣٩» الذى كان فى صدره صورة عنقاء، فجلس على سرير مرصّع بأنواع الجوهر، على رأسه التاج الذى فيه الدرة اليتيمة، وفى الإيوان أسرّة أبنوس عن يمينه ويساره من حدّ السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان؛ فكلما دخل رجل رتّبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه. فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم. فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم الموصلى فى النشيد، فأذن له؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس أحسن منه فى صفته وصفة المجلس، إلّا أنّ أوّله نسيب بالديار القديمة وبقية آثارها، فكان أول بيت منها: يا دار غيّرك البلى فمحاك ... يا ليت شعرى ما الذى أبلاك فتطيّر المعتصم، وتغامز الناس، وعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك. فأقمنا يوما وانصرفنا، فما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى وخرب القصر.

стр. 375

وحدثنى عبد الله بن مالك النحوى، قال: حدثنى حماد بن إسحاق بن إبراهيم أنّ أول هذه القصيدة: يا دار هند ما الذى لاقاك «٤٠» ... بعد الجميع وما الذى أبلاك إن كان أهلك ودّعوك فأصبحوا ... فرقا وأصبح دارسا مغناك فلقد نراك ونحن فيك بغبطة ... لو دام ما كنّا عليه نراك [١٧٨] ١٨- مروان بن أبى الجنوب [١] حدثنا محمد بن يحيى الصولى، قال: سمعت المكتفى بالله يقول لمتوّج بن محمود بن مروان بن يحيى بن مروان بن أبى حفصة: يقول جدك مروان الأصغر لعنه الله «٤١» : وحكّم فيها حاكمين أبوكم ... هما خلعاه خلع ذى النّعل للنعل فقال: وما علىّ من وزرهم! قال: أنت على مذهبهم! وما أحسن ما قال البحترى فى أبيك، أنشده يا صولى! فقلت: إن هذا يشكونى، وما أحبّ كلامه، وسيدنا أحفظ للأبيات منى. فقال: أنشده، وزد فى صوتك. فأنشدت «٤٢» : يا عجبا من حلمك العازب «٤٣» ... وعقلك المستهلك «٤٤» الذاهب ومن وصيف «٤٥» وهو مستقدم ... يبصق «٤٦» فى شعر استك الشائب إن أكسدت سوقك أو أخلقت «٤٧» ... بضاعة من شعرك الخائب

стр. 376

أنشأت كى تنفقها مزريا «٤٨» ... على علىّ بن أبى طالب قد آن «٤٩» أن يبرد معناكم لولا لجاج القدر الغالب قال: قال المكتفى: قد برد معناهم، والحمد لله الذى جعل ذلك فى أوانى. وحدثنا محمد بن يحيى «٥٠» ، قال: كنّا يوما عند عبد الله بن المعتز، فقرأ شعرا لمتوّج بن محمد بن مروان الأصغر بن أبى الجنوب بن مروان الأكبر، وكان شعرا ردئيا جدا، فقال: أشبّه لكم شعر آل أبى حفصة وتناقصه حالا بعد حال. فقلنا: إن شاء الأمير. فقال: كأنه ماء أسخن لعليل فى قدح ثم استغنى عنه، فكان أيام مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن السّمط، وقد برد قليلا، ثم إلى إدريس بن أبى حفصة، وقد زاد برده، وإلى أبى الجنوب كذلك، وإلى مروان الأصغر، وقد اشتدّ برده، وإلى أبى هذا متوّج، وقد ثخن لبرده، وإلى متوج هذا، وقد جمد فلم يبق بعد الجمود شىء. أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: أنشد خالى أبو العباس أحمد بن أبى كامل يوما شعر مروان الأصغر الذى يقول فى أوله: ألا يا ليت أنّ البين بانا ... وقيل فلانة عشقت فلانا [١٧٩] قال: فلان أنا، وفلانة امرأته. أخبرنى على بن هارون، قال: أخبرنى عبيد الله بن أحمد بن أبى طاهر، عن أبيه، قال: أنشد مروان بن أبى الجنوب أبا هفّان شعرا له فى المتوكل يقول فيه: الشعر أخّرهم، والشّعر قدّمنى ... والشّعر أبعدهم، وقال لى ادخل فقال أبو هفان: فى الحرمّ.

стр. 377

١٩- أبو تمام الطائى [١] أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن الحسن اليشكرى، قال: أنشد أبو حاتم السجستانى شعرا لأبى تمام، فاستحسن بعضه، واستقبح بعضا، وجعل الذى يقرأ عليه يسأله عن معانيه، فلا يعرفها أبو حاتم؛ فلما فرغ قال: ما أشبّه شعر هذا الرجل إلا بخلقان لها روعة، وليس لها مفتّش. أخبرنى عبيد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد، عن على بن مهدى الكسروى، قال: حدثنى البحترى الوليد بن عبيد، وأخبرنى الصولى، قال: قال محمد بن داود: حدثنى البحترى، قال: سمعت ابن الأعرابى يقول- وقد أنشد شعرا لأبى تمام: إن كان هذا شعرا فما قالته العرب باطل! أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قال محمد بن داود: حدثنى ابن مهرويه، قال حدثنى أبو هفان، قال: قلت لأبى تمام: تعمد إلى درّة فتلقيها فى بحر خرء، فمن يغوص عليها حتى يخرجها غيرك! أخبرنى عبيد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد، عن على بن المهدى، قال: سمعت حذيفة بن محمد الطائى الكوفى- وكان من العلماء- يقول: أبو تمام يريد البديع فيخرج إلى المحال. وروى هذا الحديث محمد بن داود، عن ابن مهرويه، قال: سمعت حذيفة بن محمد يقوله. أخبرنى الصولى، قال: قال محمد بن داود: حدثنى أحمد بن أبى خيثمة، قال: سمعت دعبل بن على يقول «١» : لم يكن أبو تمام شاعرا، إنما كان خطيبا، وشعره بالكلام أشبه منه بالشعر؛ قال: وكان يميل عليه، ولم يدخله فى كتابه كتاب الشعراء.

стр. 378

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال «١» : حدثنى هارون بن عبد الله المهلبى، قال: سئل دعبل عن أبى تمام، فقال: ثلث شعره سرقة، وثلثه غثّ- أو قال غثاء، وثلثه صالح. وروى هذا الحديث محمد بن داود عن ابن مهرويه، عن الهيثم بن داود، قال «٢» : سئل دعبل. وذكره. وقال محمد بن داود [١٨٠] : سمعت عبيد الله بن سليمان يستغثّ شعر أبى تمام ويكرهه، فقلت له: أنت أحقّ الناس بألّا تقول فيه هذا؛ لأنه مادحك ومادح أهلك! فقال: لا يشبه الحقّ شىء. قال محمد: وكانت ابتداءات شعره بشعة؛ منها قوله «٣» : قدك اتّئب أربيت فى الغلواء «٤» قدك: حسبك، واتئب: استحى يا هذا، وأربيت: زدت. فى الغلواء: فى الارتفاع فى عذلى، والغالى فى الشىء: الزائد فيه. ومنها قوله «٥» : خشنت عليه أخت بنى خشين «٦» وقوله «٧» : هكذا فليجل الخطب وليفدح الأمر «٨» قال: وكان بعضهم يقول: يلزم أبا تمام أن يأتى بمحمد بن حميد مقتولا ثم يقول: كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر «٩»

стр. 379

فأخبرنا الصولى قال «١٠» : حدثنى أحمد بن موسى، قال: أخبرنى أبو الغمر الأنصارى، عن عمر بن أبى قطيفة، قال: رأيت أبا تمام فى النوم، فقلت: لم ابتدأت بقولك: كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر فقال لى: ترك الناس بيتا قبل هذا؛ إنما قلت: حرام لعين أن يجفّ لها شفر ... وأن تطعم التغميض ما أمتع الدهر كذا فليجل الخطب ... أخبرنى الصولى، قال «١١» : حدثنا جماعة عن أبى الدّقاق، قال: قرأت على أبى تمام أرجوزة أبى نواس التى مدح بها الفضل بن الرّبيع «١٢» وبلدة فيها زور «١٣» فاستحسنها وقال: سأروض نفسى فى عمل مثلها «١٤» . فجعل يخرج إلى الجنينة، ويشتغل بما يعمله، ويجلس على ماء جار، ثم ينصرف بالعشىّ، حتى فعل ذلك ثلاثة أيام، ثمّ خرّق ما عمل، وقال: لم أرض ما جاءنى. أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: مما يعاب به أبو تمام قوله «١٥» : تشفّى «١٦» الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم فجعل الممدوح هو الشيطان الرجيم.

стр. 380

ومن سخيف شعره قوله «١٧» : أفعشت حتى عبتهم قل لى متى ... فرزنت سرعة ما أرى يا بيدق «١٨» قوم إذا اسودّ الزّمان توضّحوا ... فيه فغودر وهو منهم أبلق قال أحمد بن محمد الحلوانى: ذكر أحمد بن عبيد بن ناصح أنه قال لأبى تمام- وكان يجىء إلى المسجد الجامع ينشد أشعاره- فأنشد وهو يصول به «١٩» : لو خرّ سيف من العيّوق «٢٠» منصلتا ... ما كان إلّا على هاماتهم يقع [١٨١] «٢١» فقلنا: ما فى الدنيا أحد أذلّ من هؤلاء، لا يرفع أحد سيفه إلا قتلهم من غير أن يضرب به إنسان! فقال أبو تمام: قال زهير «٢٢» : وإن «٢٣» يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل «٢٤» فقلت: إنما وصف أنهم لا يموتون إلا تحت السيوف، وأنت قلت: لو خرّ سيف لم يقع إلا على هاماتهم. قال: وقلت للطائى يوما- وقد أنشدنا مرثيته محمد بن حميد «٢٥» : كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... وليس «٢٦» لعين لم يفض ماؤها عذر

стр. 381

فقلت: عجزه لا يشبه صدره؛ إنما كان ينبغى أن تذكره بمدح ورقة ثم تقول: وليس لعين لم يفض ماؤها عذر ولا يقال: «كذا فليقتلنا الله» ، إنما يقال: «كذا فليصبنا أبدا» . قال: وقلت لأبى تمام: أخبرنى عن قولك «٢٧» : كأنّ بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر أردت أن تصف حسن حالهم بعده أو سوء حالهم؟ قال: لا والله إلا سوء حالهم، لانّ قمرهم قد ذهب «٢٨» . فقلت: والله ما تكون الكواكب أحسن ما تكون إلا إذا لم يكون معها قمر؛ ألا قلت كما قال أبو يعقوب إسحاق بن حسان الخريمى «٢٩» : بقية أقمار من العزّ لو خبت ... لظلت معدّ فى الدّجى تتسكّع إذا قمر منها تغوّر أو خبا ... بدا قمر من جانب الأفق يلمع قال: فوجم وسكت. قال عبد الله بن المعتز فى رسالة نبّه [فيها «٣٠» ] على محاسن شعر أبى تمام ومساويه: ربما رأيت فى تقديم بعض أهل الأدب الطائىّ على غيره من الشعراء إفراطا بيّنا، فاعلم أنه أوكد أسباب تأخير بعضهم إياه عن منزلته فى الشعر لما يدعوه إليه اللّجاج؛ فأما قولنا فيه فإنه بلغ غايات الإساءة والإحسان، فكأنّ شعره قوله «٣١» : إن كان وجهك لى تترى محاسنه ... فإنّ فعلك بى تترى مساويه فمما أنكر عليه قوله فى قصيدة «٣٢» : تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنغمة طالب ولم يجن جنون عطاياه انتظارا للطلب؟ يبتدئ بالجود ويستريح! وفيها يقول «٣٣» :

стр. 382

يقود نواصيها جذيل مشارق ... إذا آبه همّ عذيق مغارب [١٨٢] عنى أنه كثير الأسفار، فأراد بذلك قول القائل: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب. وقوله فى قصيدته التى أولها «٣٤» : سرت تستجير الدّمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا «٣٥» عندها كلّ مرقد لعمرى لقد حرّرت يوم لقيته ... لو آن القضاء وحده لم يبرّد فلم تخرج هاهنا المطابقة خروجا حسنا؛ ولا تحسن فى كل شىء. وقوله «٣٦» : لو لم تدارك مسنّ المجد مذ زمن ... بالجود والبأس كان المجد قد خرفا فقوله: «مسنّ المجد» من البديع المقيت. وقال يصف المطايا «٣٧» : إرقالها يعضيدها ووسيجها ... سعدانها وذميلها تنّومها الإرقال: ضرب من السير، وكذلك الوسيج، والذميل، واليعضيد: نبت، وكذلك السعدان والتنّوم، يعنى أنه لا علف لها إلا السير. وقد سبق إلى هذا المعنى، وكسته الشعراء من الكلام أحسن من هذه الكسوة. وقال «٣٨» : تسعين «٣٩» ألفا كآساد الشّرى نضجت ... أعمارهم قبل نضج التّين والعنب

стр. 383

وقد سبق الناس «٤٠» إلى عيب هذا البيت قبلى، وهو من خسيس الكلام. وقال «٤١» : شاب رأسى، وما رأيت مشيب الرّأس إلّا من فضل شيب الفؤاد «٤٢» فيا سبحان الله! ما أقبح مشيب الفؤاد! وما كان أجرأه على الأسماع فى هذا وأمثاله. وقال «٤٣» : كان فى الأجفلى وفى النّقرى عر ... فك نضر العموم نضر الوحاد يقال: «دعاهم الجفلى» : إذا دعاهم كلّهم فأجفلوا. ويقال: «دعاهم النقرى» إذا دعاهم واحدا واحدا، وهذا من الكلام البغيض والغريب المستكره من البدوى؛ فكيف به إذا جاء من ابن قرية متأدّب؟ وقال فى وقعة لبابك انهزم فيها ومدح الافشين «٤٤» : ولّى ولم يظلم وما ظلم امرؤ ... حثّ النّجاء وخلفه التنّين فلو كان أجهد نفسه فى هجاء الإفشين هل كان يزيده على أن يسميه التنين؟ وما سمعت أحدا من الشعراء شبّه به ممدوحا بشجاعة ولا غيرها. وقال فى مثل ذلك «٤٥» : علوا بجنوب موجدات كأنها ... جنوب فيول ما لهنّ مضاجع

стр. 384

أراد أنهم لا يغلبون ولا يصرعون، كما أن الفيلة لا تضطجع. وهذا بعيد جدّا [١٨٣] من الإحسان. وقال «٤٦» : ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب يريد غلبت على مذهبه السماحة؛ فكأن فيها مذهبا يظنه بعض الناس. وقال «٤٧» : لو لم يمت بين أطراف الرّماح إذا ... لمات إذ لم يمت من شدة الحزن فكأنه لو نصر أيضا وظفر كان يموت من الغمّ حيث لم ينصر ويقتل؛ فهذا معنى لم يسبقه أحد إلى الخطأ فى مثله. وقال «٤٨» : إذا فقد المفقود من آل مالك ... تقطّع قلبى رحمة للمكارم وهذا قد عيب قبلنا. وقالوا: نقطّع رحمة للمكارم- من كلام المخنثين. وقد كان الناس قبلنا ينكرون على الشاعر أقل من هذه المعايب، حتى هجّنوا شعر الأخطل، وقدّموا عليه بثلاثة أبيات لم يصب فيها، وهو شاعر زمانه، وسابق ميدانه. من ذلك قوله «٤٩» : لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل فأنكروا عليه فى هذا البيت ما أظهر من الجزع، وعظّم من فعل عدوه به. وقوله: بنى أميّة إنى ناصح لكم ... فلا يبتنّ فيكم آمنا زفر فعظّم قدر عدوّه، ومن يهجوه، حتى خوّف الخليفة منه. وقوله:

стр. 385

قد كنت أحسبه فينا وأنبؤه ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر فاراد أن يمدحه فهجاه. فكيف نجيز للمحدثين مع تصفّحهم لأشعار الأوائل وعلمهم بها مثل هذا الجنون. نرجع الآن إلى ما ابتدأنا به. فمن ابتداءاته المذمومة قوله «٥٠» : خشنت عليه أخت بنى خشين «٥١» وهذا الكلام لا يشبه خطاب النساء فى مغازلتهن، وإنما أوقعه فى ذلك محبّته هاهنا للتجنيس، وهو بهجاء النساء أولى. وقال «٥٢» : لما تفوّفت الخطوب سوادها ... ببياضها غنيت «٥٣» به فتفوّفا «٥٤» فسرقه من قول الآخر: قصر الليالى خطوه فتدانى ... وثنين قائم صلبه فتحانى ما بال شيخ قد تخدّد لحمه ... أفنى ثلاث عمائم ألوانا سوداء داجية وسحق مفوّف ... وأجدّ لونا بعد ذلك هجانا [١٨٤] ومن استعماله الغريب الذى يستبشع مثله من العجاج ورؤية قوله- وهو يصف ظبية «٥٥» : تقرو بأسفله ربولا غضّة ... وتقيل أعلاه كناسا فولفا أراد ملتفّا. ويقال الإنسان يقرو الأرض، إذا سار فيها ينظر حالها وأمرها. والرّبول:

стр. 386

جمع ربل، وهو نبات يصيبه برد الليل ونداه فينبت بالمطر «٥٦» . والكناس: مولج للوحش من البقر والظباء تستظل فيه. وقوله «٥٧» : أدنيت رحلى إلى مدن مكارمه ... إلىّ يهتبل اللّذ جئت أهتبل «٥٨» «اللذ» بمعنى الذى. وقال «٥٩» : إذا «٦٠» مشى يمشى الدفقّى أو سرى ... وصل السّرى أو سار سار وجيفا «٦١» الدّفقّى: مشية سريعة. قال الشاعر: من الحفرات لا تمشى الدّفقّى «٦٢» ... ولا تختال فى الثوب المعار وقال الطائى فى مثل ذلك: وقد سدّ مندوحة القاصعا ... ء منهم وأمسك بالنّافقاء القاعصاء: جحر اليربوع الأول الذى يدخل فيه، والنافقاء: موضع يرقّقه من جحره فإذا أتى من قبل القاعصاء ضرب النافقاء ففتحه. ولم نعب من هذه الألفاظ شيئا، غير أنها من الغريب المصدود عنه، وليس يحسن من المحدثين استعمالها؛ لأنها لا تجاور بأمثالها، ولا تتبع أشكالها؛ فكأنها تشكو الغربة فى كلامهم؛ ألا ترون بعد قوله «٦٣» :

стр. 387

قرب الحيا وانهلّ ذاك البارق ... والحاجة العشراء «٦٤» بعدك فارق ومن قوله فى الغزل «٦٥» : أيا من شفّنى وصبرت حتى ... ظننت بأنّ نفسى نفس كلب ومن قوله: به عاش السماح، وكان دهرا ... من الأموات ميتا فى لفافه وما كان أحوجه إلى أن يستعمل ما مدح به الحسن بن وهب حيث يقول «٦٦» : لم يتّبع شنع الكلام ولا مشى ... مشى «٦٧» المقيّد فى حدود المنطق وقال «٦٨» : ألا لا يمدّ الدهر كفّا بسيئ ... إلى مجتدى نصر فتقطع من الزّند «٦٩» فتجاوز حدّ المدح، ولم يجئ بشىء فى ذكر زنديد الدهر. وقال يصف المطايا «٧٠» : لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوما لزنّى «٧١» شدقما وجديلا «٧٢» يعنى عبيد الراعى. ما أخس قوله: «لزنّى شدقما وجديلا» ! وما معنى تزنية «٧٣»

стр. 388

ناقة أو جمل أو بهيمة؟ وما أشبه هذا بقول عبيد الراعى [١٨٥] : إلى المصطفى بشر بن مروان ساورت ... بنا الليل حول كالقداح ولقّح الناقة الحائل: التى لم تحمل تلك السنة. واللّقّح: الحوامل. تلتها بنا روح زواجل، وانتحت ... بأجوازها أيد تجدّ، وتمزح الأروح: الذى فى صدر قدمه انبساط. فظلّت بمجهول الفلاة كأنها ... قراقير فى آذىّ دجلة تسبح «٧٤» لهاميم فى الخرق البعيد نياطه «٧٥» ... وراء الذى قال الأدلاء تصبح وللطائى سرقات كثيرة أحسن فى بعضها وأخطأ فى بعضها. ولما نظرت فى الكتاب الذى ألفه فى اختيار الأشعار وجدته قد طوى أكثر إحسان الشعراء. وإنما سرق بعض ذلك، فطوى ذكره، وجعل بعضه عدّة يرجع إليها فى وقت حاجته، ورجاء أن يترك أكثر أهل المذاكرة أصول أشعارهم على وجوهها، ويقنعوا باختياره لهم؛ فتغبى عليهم سرقاته. ولا يعذر الشاعر فى سرقته حتى يزيد فى إضاءة المعنى أو يأتى بأجزل من الكلام الأول، أو يسنح له بذلك معنى يفضح به ما تقدّمه، ولا يفتضح به، وينظر إلى ما قصده نظر مستغن عنه لا فقير إليه. وأراد امتداح عبد الحميد بن جبريل فجعله طبيبا فى قوله «٧٦» : شكوت إلى الزمان نحول جسمى «٧٧» ... فأرشدنى إلى عبد الحميد وقال فى هذه القصيدة: ولا تجعل جوابك فيه لى «٧٨» لا ... فأكتب ما رجوت على الجليد

стр. 389

وإنما مضى المثل بالكتابة على الماء، فلم يصنع فى ذكر الجليد شيئا. وقال- وهو يغوص على المعانى، ولا يريد أن يعطل بيتا من كلام مستغلق- مثل هذا الشعر: لقد وهب الإمام المال حتى ... لقد خفنا بأن يهب الخلافه به عاش السماح، وكان دهرا ... مع الأموات ميتا فى لفافه وقال «٧٩» : فضربت الشتاء فى أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا يقال: عوّد البعير تعويدا؛ وذلك بعد بزوله بأربع سنين، والعود: الطريق القديم؛ قال الراجز «٨٠» : عود على عود «٨١» لأقوام أول ... يموت بالتّرك، ويحيا بالعمل وقال «٨٢» : سأشكر فرجة اللّبب «٨٣» الرّخىّ ... ولين أخادع الزّمن الأبّى [١٨٦] وقال «٨٤» : ذلّت بهم عنق الخليط، وربما ... كان الممنّع أخدعا وصليفا «٨٥» فأكثر من ذكر الأخادع.

стр. 390

وقال بعض أصحاب الهزل- وقد أنشدته هذه الأبيات- ما كان أحوجه إلى أن يعاقب فى أخدعيه على هذا الشعر. وبلغنى أن إسحاق بن إبراهيم المغنّى سمعه ينشد شعره، فقال: يا هذا؛ لقد شدّدت الشعر على نفسك. وقال: إذا الثلج فى حرّ الهجيرة لم يذب ... من الصنّ والصّنّبر ذابت فوائده الصن: أول أيام العجوز، والصنبر: الثانى. والصّنبر أيضا: بول الوبر «٨٦» . وسرق هذا المعنى من قول الآخر: ما أجمد فى حق، ولا أذوب فى باطل؛ فأساء السرقة وشوّه المعنى. وقال «٨٧» : كانوا رداء «٨٨» زمانهم فتصدّعوا؛ ... فكأنما لبس الزمان الصوفا وقد تقدم إنكار الناس هذا البيت قبلى لما بين نصفيه من التباين فى الإساءة والإحسان. وقال «٨٩» : بيض إذا اسودّ الزمان توضّحوا ... فيه، فغودر، وهو منهم أبلق فهذا من عجائبه أيضا. وقال «٩٠» : بنفسى حبيب سوف يثكلنى نفسى ... ويجعل جسمى تحفة اللّحد والرّمس أراد هنا أن يتدامث «٩١» ، فازداد من البغض. وقال فى مثل ذلك «٩٢» : ما زال قلبى منذ علّقته ... أعمى من الحرقة «٩٣» ؛ ما يبصر
следующие страницы →