← Адаб

Адаб · id 9427

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء

المرزباني

Полный текст (568 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

جمع ربل، وهو نبات يصيبه برد الليل ونداه فينبت بالمطر «٥٦» . والكناس: مولج للوحش من البقر والظباء تستظل فيه. وقوله «٥٧» : أدنيت رحلى إلى مدن مكارمه ... إلىّ يهتبل اللّذ جئت أهتبل «٥٨» «اللذ» بمعنى الذى. وقال «٥٩» : إذا «٦٠» مشى يمشى الدفقّى أو سرى ... وصل السّرى أو سار سار وجيفا «٦١» الدّفقّى: مشية سريعة. قال الشاعر: من الحفرات لا تمشى الدّفقّى «٦٢» ... ولا تختال فى الثوب المعار وقال الطائى فى مثل ذلك: وقد سدّ مندوحة القاصعا ... ء منهم وأمسك بالنّافقاء القاعصاء: جحر اليربوع الأول الذى يدخل فيه، والنافقاء: موضع يرقّقه من جحره فإذا أتى من قبل القاعصاء ضرب النافقاء ففتحه. ولم نعب من هذه الألفاظ شيئا، غير أنها من الغريب المصدود عنه، وليس يحسن من المحدثين استعمالها؛ لأنها لا تجاور بأمثالها، ولا تتبع أشكالها؛ فكأنها تشكو الغربة فى كلامهم؛ ألا ترون بعد قوله «٦٣» :

стр. 387

قرب الحيا وانهلّ ذاك البارق ... والحاجة العشراء «٦٤» بعدك فارق ومن قوله فى الغزل «٦٥» : أيا من شفّنى وصبرت حتى ... ظننت بأنّ نفسى نفس كلب ومن قوله: به عاش السماح، وكان دهرا ... من الأموات ميتا فى لفافه وما كان أحوجه إلى أن يستعمل ما مدح به الحسن بن وهب حيث يقول «٦٦» : لم يتّبع شنع الكلام ولا مشى ... مشى «٦٧» المقيّد فى حدود المنطق وقال «٦٨» : ألا لا يمدّ الدهر كفّا بسيئ ... إلى مجتدى نصر فتقطع من الزّند «٦٩» فتجاوز حدّ المدح، ولم يجئ بشىء فى ذكر زنديد الدهر. وقال يصف المطايا «٧٠» : لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوما لزنّى «٧١» شدقما وجديلا «٧٢» يعنى عبيد الراعى. ما أخس قوله: «لزنّى شدقما وجديلا» ! وما معنى تزنية «٧٣»

стр. 388

ناقة أو جمل أو بهيمة؟ وما أشبه هذا بقول عبيد الراعى [١٨٥] : إلى المصطفى بشر بن مروان ساورت ... بنا الليل حول كالقداح ولقّح الناقة الحائل: التى لم تحمل تلك السنة. واللّقّح: الحوامل. تلتها بنا روح زواجل، وانتحت ... بأجوازها أيد تجدّ، وتمزح الأروح: الذى فى صدر قدمه انبساط. فظلّت بمجهول الفلاة كأنها ... قراقير فى آذىّ دجلة تسبح «٧٤» لهاميم فى الخرق البعيد نياطه «٧٥» ... وراء الذى قال الأدلاء تصبح وللطائى سرقات كثيرة أحسن فى بعضها وأخطأ فى بعضها. ولما نظرت فى الكتاب الذى ألفه فى اختيار الأشعار وجدته قد طوى أكثر إحسان الشعراء. وإنما سرق بعض ذلك، فطوى ذكره، وجعل بعضه عدّة يرجع إليها فى وقت حاجته، ورجاء أن يترك أكثر أهل المذاكرة أصول أشعارهم على وجوهها، ويقنعوا باختياره لهم؛ فتغبى عليهم سرقاته. ولا يعذر الشاعر فى سرقته حتى يزيد فى إضاءة المعنى أو يأتى بأجزل من الكلام الأول، أو يسنح له بذلك معنى يفضح به ما تقدّمه، ولا يفتضح به، وينظر إلى ما قصده نظر مستغن عنه لا فقير إليه. وأراد امتداح عبد الحميد بن جبريل فجعله طبيبا فى قوله «٧٦» : شكوت إلى الزمان نحول جسمى «٧٧» ... فأرشدنى إلى عبد الحميد وقال فى هذه القصيدة: ولا تجعل جوابك فيه لى «٧٨» لا ... فأكتب ما رجوت على الجليد

стр. 389

وإنما مضى المثل بالكتابة على الماء، فلم يصنع فى ذكر الجليد شيئا. وقال- وهو يغوص على المعانى، ولا يريد أن يعطل بيتا من كلام مستغلق- مثل هذا الشعر: لقد وهب الإمام المال حتى ... لقد خفنا بأن يهب الخلافه به عاش السماح، وكان دهرا ... مع الأموات ميتا فى لفافه وقال «٧٩» : فضربت الشتاء فى أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا يقال: عوّد البعير تعويدا؛ وذلك بعد بزوله بأربع سنين، والعود: الطريق القديم؛ قال الراجز «٨٠» : عود على عود «٨١» لأقوام أول ... يموت بالتّرك، ويحيا بالعمل وقال «٨٢» : سأشكر فرجة اللّبب «٨٣» الرّخىّ ... ولين أخادع الزّمن الأبّى [١٨٦] وقال «٨٤» : ذلّت بهم عنق الخليط، وربما ... كان الممنّع أخدعا وصليفا «٨٥» فأكثر من ذكر الأخادع.

стр. 390

وقال بعض أصحاب الهزل- وقد أنشدته هذه الأبيات- ما كان أحوجه إلى أن يعاقب فى أخدعيه على هذا الشعر. وبلغنى أن إسحاق بن إبراهيم المغنّى سمعه ينشد شعره، فقال: يا هذا؛ لقد شدّدت الشعر على نفسك. وقال: إذا الثلج فى حرّ الهجيرة لم يذب ... من الصنّ والصّنّبر ذابت فوائده الصن: أول أيام العجوز، والصنبر: الثانى. والصّنبر أيضا: بول الوبر «٨٦» . وسرق هذا المعنى من قول الآخر: ما أجمد فى حق، ولا أذوب فى باطل؛ فأساء السرقة وشوّه المعنى. وقال «٨٧» : كانوا رداء «٨٨» زمانهم فتصدّعوا؛ ... فكأنما لبس الزمان الصوفا وقد تقدم إنكار الناس هذا البيت قبلى لما بين نصفيه من التباين فى الإساءة والإحسان. وقال «٨٩» : بيض إذا اسودّ الزمان توضّحوا ... فيه، فغودر، وهو منهم أبلق فهذا من عجائبه أيضا. وقال «٩٠» : بنفسى حبيب سوف يثكلنى نفسى ... ويجعل جسمى تحفة اللّحد والرّمس أراد هنا أن يتدامث «٩١» ، فازداد من البغض. وقال فى مثل ذلك «٩٢» : ما زال قلبى منذ علّقته ... أعمى من الحرقة «٩٣» ؛ ما يبصر

стр. 391

وقال فى مثل ذلك «٩٤» : وأنا الذى أعطيته محض الهوى ... وصميمه فأخذت عذرة أنسه وقال «٩٥» : لم تسق بعد الهوى ماء على ظما ... كماء قافية «٩٦» يسقيكه فهم فهذا وأمثاله يفضح نفسه، ويستغنى عن وصفه. وقال: رقّت جواهر أجناس الغزال فلو ... ملّكته لشربت الخشف «٩٧» فى الكاس فانظر ما أبغض قوله ثمّ «الغزال» وقال هاهنا «الخشف» فى بيت واحد؛ وإنما سرق المعنى من قول أبى العتاهية لمخارق، وقد غنّى: رققت حتى كدت أن أحسوك ومما ينسب إلى التكلف قوله «٩٨» : قدك اتّئب «٩٩» أربيت فى الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى [١٨٩] السجير: الأنيس. وقوله «١٠٠» : مستسلم لله سائس أمّة ... بذوى تجهضمنا له استسلام يقال: تجهضم الفحل إذا علا أقرانه، وبعير جهضم الجنبين: أى رحبهما، ففى هذا البيت- كما ترى- تبغّض وتكلف. وقال «١٠١» . فإنّ «١٠٢» صريح الحزم والرّأى لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحوّلا

стр. 392

وليس هذا بشىء؛ ربما استطاب الناس التحول إلى الشمس، وإنما أخذه من كلام العامة: «إذا بلغتك الشمس فتحوّل» . وقال «١٠٣» : لا تنشجنّ لها فإنّ بكاءها ... ضحك وإنّ بكاءك استغرام يقال: نشج الباكى: إذا غصّ بالبكاء. والحمار ينشج. والطعنة تنشج عند خروج الدم مع نفخ. والقدر تنشج عند الغليان. وسرق هذا المعنى من قول القائل «١٠٤» : أحقّا يا حمامة بطن فلج «١٠٥» ... بهذا الوجد إنك تصدقينا غلبتك فى البكاء «١٠٦» بأنّ ليلى ... أواصله وأنك تهجعينا وأنى إن بكيت بكيت حقّا، ... وانك فى بكائك تندبينا١٠» وقال الطائى «١٠٨» : يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد وهذا من الكلام الذى يستعاذ بالصمت من أمثاله. وقال «١٠٩» : من شرّد الإعدام عن أوطانه ... بالبذل حتى استطرف الإعدام وسرق هذا المعنى من الأعشى إذ يقول «١١٠» : هم يطردون الفقر عن جارهم «١١١» ... حتى يرى كالغصن الناضر

стр. 393

وقد أسقطنا من معايب شعره شيئا كثيرا لم نثبته فى رسالتنا هذه، وقصدنا من ذلك. ما يبهر الحجة، ويفلّ حدّ النّصرة. وقال «١١٢» : كأن به غداة الرّوع وردا ... وقد وصفت له نفس الشجاع الورد: اسم «١١٣» من أسماء الحمّى، يقال: «رجل مورود» إذا كان محموما. قال الشاعر: إذا ذكرتك النفس ظلت كأنما ... عليها من الورد التّهامى أفكل الأفكل: الرّعدة، أراد كأنّ به حمى وقد وصفت له نفس الشجاع يتعالج بها. ومن العجائب قوله [١٨٨] «١١٤» : فدى له مقشعرّ حين تسأله ... خوف السؤال كأنّ فى خده وبر «١١٥» وقوله «١١٦» : ما زال يهذى بالمكارم والعلا ... حتى ظننّا أنه محموم «١١٧» وقال فى وصف الفرس «١١٨» : إمليسه إمليده «١١٩» لو علّقت ... فى صهوتيه العين لم تتعلّق فسرقه من امرئ القيس حيث يقول «١٢٠» : متى ما ترقّ العين فيه تسفّل «١٢١»

стр. 394

وبيت امرئ القيس أصحّ معنى؛ لأنه أراد أنّ العين إذا صعّدت فيه صوّبت إشفاقا عليه من أن تصيبه؛ خبّرنى بذلك أبو سعيد. وأراد الطائى أنّ العين لا تتعلّق به من انتقال لونه وإمّلاسه؛ فأفرط ولم يصنع شيئا. الإمليد والأملد: الناعم. قال الراجز «١٢٢» : بعد التصابى والشباب الأملد «١٢٣» ومن عجائبه أيضا قوله: ذعرتها النوى فأسلبت الدم ... ع على الخدّ من تلاع المآقى وقوله «١٢٤» : ولا أرى ديمة أكفى لنائبة ... منه على أن ذكرا طار للدّيم مجد رعى تلعات الدهر، وهو فتى ... حتى غدا الدهر يمشى مشية الهرم وفى هذه يقول «١٢٥» : كان الزمان بكم كلبا «١٢٦» فغادركم ... بالسيف والدهر فيكم أشهر الحرم لا تجعلوا البغى ظهرا إنه جمل ... من القطيعة يرعى وادى النعم «١٢٧» نظرت فى السير الألى «١٢٨» خلت فإذا ... أيامه أكلت باكورة الأمم وقال «١٢٩» : والحرب تعلم حين تجهل غارة ... تغلى على حطب القنا المحطوم وسرق هذا المعنى من شعر لدرّة بنت أبى لهب فى يوم الفجار، وهو: ملمومة، خرساء يحسبها ... من رامها موجا من البحر

стр. 395

والجرد كالعقبان كاسرة ... تهوى أمام كتائب خضر فيهم ذعاف الموت أبرده يغلى بهم وأحرّه يجرى وقال الطائى «١٣٠» : أبا جعفر إنّ الجهالة أمّها ... ولود وأمّ الحلم جدّاء حائل الجداء: المنقطعة النسل. وسرق هذا المعنى من قول الشاعر «١٣١» : بغاث الطّير أكثرها فراخا ... وأمّ الصّقر مقلات نزور [١٨٩] قال الخليل: البغاث طير كالبواشيق لا تصيد شيئا، والواحدة بغاثة، وتجمع أيضا على البغثان. الإقلات: أن تضع الناقة واحدا، ثم يقلت رحمها فلا تحمل. ويقال: امرأة مقلات، ونسوة مقاليت. وقال «١٣٢» : سدك الكفّ بالنّدى عائر السم ... ع إلى حيث صرخة «١٣٣» المكروب السّدك: المولع بالشىء فى لغة طيئ. قال شاعرهم «١٣٤» : وودّعت «١٣٥» القداح وقد أرانى ... بها سدكا وإن كانت حراما ويقال: إنه سدك بالرمح، أى رفيق «١٣٦» به سريع. فوجدناه قد سرق هذا من بيت لبعض الشعراء مدح به يحيى بن خالد البرمكى، وهو: رأيت يحيى حين ناديته ... متّصل السمع بصوت المنادى

стр. 396

وهو أجود من بيت الطائى، وأسلم من التكلف، وأمشى فى الإحسان. وقال «١٣٧» : جعلت الجود لألاء المساعى، ... وهل شمس تكون بلا شعاع كاد البيت أن يكون جيدا لولا أنّ فى «لألاء المساعى» بغضا. وقال «١٣٨» : ما زال يبرمهنّ حتّى إنه ... ليقال ما خلق الإله سحيلا١٣» انظر كيف القول، واضطرب. قبحه الله. وقال يصف قصيدة: «١٤٠» فجعلت قيّمها الضمير، ومكّنت ... منه فصارت قيّما للقيّم هذا وأمثاله مما أنكره عليه إسحاق بن إبراهيم، حتى قال له: لقد شددت على نفسك. وقال: فهو غضّ الإباء والرأى والحز ... م وغضّ النوال غضّ الشباب ولا. والله ما أدرى ما معنى غضّ التأبّى، ولا غضّ الرأى فى المديح! وقال فى الغزل؛ فلعن الله من واصله من الأحباب على هذا وأمثاله «١٤١» : ومن قد شفّنى فصبرت حتّى ... ظننت بأنّ نفسى نفس كلب وقال «١٤٢» : جحدت الهوى أن كنت مذ جعل الهوى ... محاسنه شمس نظرت إلى الشمس

стр. 397

وقال: كيف يصدّ الدّمع عن جريه ... من عينه من جريه منخل وقال: ليالينا بالرقمتين وأرضها ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد وقال «١٤٣» : إنّ الأشاء إذا أصاب مشذّب ... منه اتمهلّ ذرى وأثّ أسافلا الشذب: قشر الشجر، والشّذب: المصدر، والفعل يشذب، وهو القطع [١٩٠] ، وكذلك تنحية الشىء عن الشىء، والشوذب: الطويل من كل شىء. قال رؤية «١٤٤» : شذّب «١٤٥» أخراهنّ عن ذات النهق «١٤٦» وذات النهق: موضع. اتمهلّ ذرى: يريد طال ذرى. والأشاء: صغار النخل، والواحدة أشاءة. ويقال: أتّ يئثّ أثاثة، وهو نعت يوصف به كثرة الشعر والنبات، وهذا من غريبه الشنع. ومن ذلك قوله «١٤٧» : طالت يدى لما بلغتك سالما ... وانحتّ عن خدّىّ ذاك العظلم العظلم: عصارة شجر ربما دبغت به الجلود، أفترى لو قال هذا رؤبة والعجّاج لم يكونا فيه بغيضين ثقيلين!

стр. 398

وهجا دعيّا عنده فقال «١٤٨» : والله لو ألصقت نفسك بالغرا ... فى كلب لاستيقنت ألّا «١٤٩» تلصق فأى شىء هذا من هجاء الفحول، ولو تهاجت به الحاكة لما أمضّت. وقال: وركب يساقون الرّكاب زجاجة ... من السّير لم تقطب لها كفّ قاطب «١٥٠» سرقه من قول أبى نواس «١٥١» : ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فاستوى «١٥٢» المسقىّ والساقى أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد أنه أنشد قصيدة لأبى شراعة القيسى، ثم قال: وهذه القصيدة لم يأت فيها بمعنى مستغرب؛ وإنما قصدنا فيها الكلام الفصيح والمعانى الواضحة، فهى وإن لم تكن كقول أبى نواس «١٥٣» : أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد فما هو إلّا الدهر يأتى بصرفه ... على كلّ من يشقى به ويعادى فى البراعة والنقاء وحسن الوصف واستقامة اللفظ، فليست فى السقوط كقوله «١٥٤» : لقد اتقيت الله حقّ تقاته ... وجهدت نفسك فوق جهد المتّقى وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق وكذلك قوله: هارون ألفنا ائتلاف مودّة ... ماتت لها الأحقاد والأضغان حتّى الذى فى الرّحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان

стр. 399

فقال: «لم يك صورة» ، ثم قال: «لفؤاده من خوفه خفقان» . وإن لم يكن كقول الطائى [١٩١] «١٥٥» : إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... حفاظا على ما وطّدت من مناسب «١٥٦» فأنتم بذى قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب فى صحة المعنى وحسن الاستنباط ولطافة الغوص، فليست كقوله «١٥٧» : تتقّى الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم فجعل الممدوح هو الشيطان الرجيم. ولا فى سخف قوله «١٥٨» : أفعشت حتى عبتهم، قل لى متى ... فرزنت سرعة «١٥٩» ما أرى يا بيدق قوم «١٦٠» إذا اسودّ الزمان توضّحوا ... فيه، فغودر، وهو منهم أبلق وإنما ذكرنا اثنين قد أومى إلى كل واحد منهما فى وقته، وأغرق فى وصفه؛ لتعلم ما فى المخلوقين من النقص، وأن لكل واحد المذهب والمذهبين ونحو ذلك، ثم يجتذبه ما فيه من الضعف، لتعرف مواقع الاختيار، وموضع المطلوب من قول كل قائل؛ إما لفصاحة وإما لإغراب فى معنى، وإما لسرق لطيف تبيّن به حذقة. كل ذلك وما أشبهه متبع مطلوب به. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى «١٦١» على بن إسماعيل، قال: حدثنى على بن العباس الرومى، قال: حدثنى مثقال «١٦٢» ، قال: دخلت على أبى تمام الطائى، وقد

стр. 400

عمل شعرا لم أسمع أحسن منه، وفى الأبيات بيت واحد ليس كسائرها، فعلم أنى قد وقفت على البيت. فقلت: لو أسقطت هذا البيت، فضحك، وقال لى: أتراك أعلم بهذا منى؛ إنما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة، كلهم أديب جميل متقدم، ومنهم «١٦٣» واحد قبيح متخلّف، فهو يعرف أمره، ويرى مكانه؛ ولا يشتهى أن يموت؛ ولهذه العلة ما وقع مثل هذا فى أشعار الناس؛ حدثنيه على بن هارون، عن على بن العباس الكانب، قال: قال مثقال الشاعر: قلت لأنى تمام: تقول الشعر الجيّد، ثم تقول البيت الردئ! فقال: مثل هذا مثل رجل له عشرة بنين واحد أعمى، فلا يحب أن يموت. قال الشيخ أبو عبيد الله تعالى: وهذه حجة ضعيفة جدا؟ أخبرنى الصولى، قال: حدثنى هارون بن عبد الله المهلبى، قال: قال دعبل: أبو تمام يحيل فى شعره؛ من ذلك قوله «١٦٤» : أفىّ تنظم قول الزّور والفند «١٦٥» ... وأنت أنزر من لا شئ فى العدد [١٩٢] قال أبو الحسن أحمد بن يحيى المنجم: حدثنى أبو الغوث يحيى بن البحترى، قال: سألت أبى عن دعبل، فقال: يدخل يده فى الجراب ولا يخرج شيئا. قال: قلت: فأبو تمام؟ قال: مغلق، إلا أنه ما مات حتى أصفى من الشعر. حدثنى على بن يحيى، عن على بن مهدى الكسروى، قال: من أشهر ما عيب به أبو تمام قوله «١٦٦» : كانوا رداء «١٦٧» زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزمان الصّوفا ولعمرى إن هذا اللفظ سخيف. قال: ومما عيب به قوله «١٦٨» : ولقد أراك، فهل أراك بغبطة ... والعيش غضّ، والزّمان غلام

стр. 401

وقوله «١٦٩» : خمسون «١٧٠» ألفا كآساد الشّرى نضجت ... أعمارهم ١٧» قبل نضج التّين والعنب قال: وكان دعبل يزعم أنه غيّره لما عيب عليه، فقال: ............... فقدت ... أعمارهم فهو وافى لجّة العطب وأنّ الثانى شرّ من الأول، وكان ينكر «لجة العطب» عليه. أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: قال ابن «١٧٢» الخثعمى الشاعر: جنّ أبو تمام فى قوله «١٧٣» : تروح علينا كلّ يوم وتغتدى ... خطوب يكاد «١٧٤» الدهر منهن يصرع أيصرع الدهر؟ قال قدامة بن جعفر «١٧٥» : من عيوب الشعر أن تكون القافية مستدعاة قد تكلّف فى طلبها، فاشتغل معنى سائر البيت بها، مثل ما قال أبو تمام الطائى «١٧٦» : كالظّبية الأدماء صافت فأرتعت ... زهر العرار الغضّ والجثجاثا فجميع هذا البيت مبنىّ لطلب هذه القافية، وإلا فليس فى وصف الظبية بأنها ترتعى الجثجاث كبير فائدة؛ لأنه إنما توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها أن يقال: إنها تعطوا الشجر، لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأنّ ذعرا يسيرا قد لحقها؛ كما قال الطرماح «١٧٧» : مثل ما عاينت مخروفة ... نصّها ذاعر روع مؤام

стр. 402

فأما أن ترتعى الجثجاث فلا أعرف له معنى فى زيادة الظبية من الحسن، لا سيما والجثجاث ليس من المراعى التى توصف بأنّ ما يرتعى يؤثره. أخبرنى الصولى، قال: عاب قوم على أبى تمام قوله [١٩٣] «١٧٨» : كأنّ بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر فقالوا: أراد أن يمدحه فهجاه، لأن أهله كانوا خاملين فلما مات أضاءوا بموته. وقالوا: كان يجب أن يقول كما قال الخريمى «١٧٩» : إذا قمر منهم تغوّر أو خبا ... بداقمر فى جانب الأفق يلمع قال: وشبيه بهذا فى الشناعة عيبهم قوله «١٨٠» : لو خرّ سيف من العيّوق «١٨١» منصلتا ... ما كان إلّا على هاماتهم يقع ويروى: ما كان إلّا على أيمانهم يقع والرواية الأولى هى عندى التى قال أبو تمام «١٨٢» . وعابوا أيضا قوله «١٨٣» : سبعون «١٨٤» ألفا من الآساد قد نضجت ... أعمارهم قبل نضج التين والعنب

стр. 403

وقوله- وأسقطوه عند أنفسهم به «١٨٥» : ما زال يهذى بالمواهب دائبا ... حتى ظنّنا أنه محموم وقوله «١٨٦» : لا تسقنى ماء الملام فإننى ... صبّ قد استعذبت ماء بكائى وقالوا: ما معنى ماء الملام؟ وعابوا قوله «١٨٧» : ليالينا بالرقمتين وأهلها ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد أراد سقى أيامنا التى عهدناك عليها عهد الوصال، وعهد اليمين التى حلفنا، والعهد الأخير هو المطر. وجمعه عهاد. وعابوا قوله «١٨٨» : فلو ذهبت سنات الدّهر عنه ... وألقى عن «١٨٩» مناكبه الدّثار لعدّل قسمة الأيام فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار وعابوا قوله «١٩٠» : كانوا برود زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا وقالوا: كيف يلبس الزمان الصوف؟ وقوله «١٩١» : خشنت عليه أخت بنى خشين وخشين بن لأى بن عصم بن فزارة.

стр. 404

وقوله «١٩٢» : ولّى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حثّ النجاء وخلفه التنّين وعابوا قوله: خلق كالمدام أو كرضاب ال ... مسك أو كالعبير أو كالملاب «١٩٣» وقالوا: الناس يقعون من الدّون إلى الأعلى، وهذا من الأعلى إلى الدّون [١٩٤] ، وجعل خلقه كالمدام أو المسك، ثم قال: أو كالعيير أو كالملاب. وقوله «١٩٤» : كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر وقالوا: لا يقال «كذا فليكن» إلا فى السرور. وقوله: ما كنت أحسب أنّ الدّهر يمهلنى ... حتى أرى أحدا يهجوه لا أحد وقالوا: كيف يكون لا أحد يهجو؟ وقد قال غيره: وجاء بلحم لا شىء سمين ... فقرّبه على طبقى كلام فهذا أفحش؛ لأنه نعت ما ليس بشىء. وقال مسلم: فرّاس قل لى أين أنت من الورى ... لا أنت معلوم ولا مجهول ولابد أن يكون من أحدهما. وقال عباس الخياط: لا شىء من ديناره أرجح

стр. 405

أخبرنى عبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن محمد، عن أحمد بن الحارث الحراز، عن العباس بن خالد البرمكى، قال: أول ما نبغ أبو تمام الطائى أتانى بدمشق يمدح محمد بن الجهم، فكلمته فيه فأذن له، فدخل عليه، وأنشده، ثم خرج، فأمر له بدراهم يسيرة. ثم قال: إن عاش هذا ليخرجنّ شاعرا! فقلت: وما ذاك؟ قال: يغوص على المعانى الدقاق، فربما وقع من شدّة غوصه على المحال. أخبرنى الصولى، قال «١٩٥» : حدثنى أبو الحسن الأنصارى، قال: حدثنى ابن الأعرابى المنجّم، قال: كان أبو تمام إذا كلّمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه، كأنه قد علم ما يقول فأعدّ جوابه. فقال له رجل: يا أبا تمام؛ لم لا تقول من الشعر ما يعرف، فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال؟ فأفحمه. قال الصولى: وحدثنى أبو الحسين الجرجانى، قال: الذى قال له هذا أبو سعيد الضرير بخراسان، وكان هذا من علماء الناس، وكان متصلا بالطّاهرية. وأخبرنى عبيد الله بن سليمان الطاهرى، قال: حدثنى عمى عيسى بن عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر، عن مشايخ أهلنا، قالوا: كان أبو العباس عبد الله بن طاهر قد رسم فى أمر من يقصده من شعراء الأطراف أن يؤخذ المديح منه، فيعرض على أبى سعيد المكفوف مؤدّب ولده أولا، فما كان منه يليق بمثله أن يسمعه من قائله فى مجلسه أنفذه أبو سعيد إليه- والقائل له معه؛ فأنشده إياه فى مجلسه. وما لم يكن بالجيد [١٩٥] أو كان مهجّنا لم يعرضه ولم ينفذه أو تقدم بين القاصد به. فلما رحل إليه أبو تمام وامتدحه بالقصيدة التى أولها «١٩٦» : هنّ عوادى يوسف وصواحبه «١٩٧»

стр. 406

رفعت القصيدة إلى أبى سعيد، وكان خبر أبى تمام عنده؛ فلما قرأ الكاتب أول بيت منها ووجده: هنّ عوادى يوسف وصوحبه ... فعزما فقدما أدرك الثأر طالبه اغتاظ لذلك، وقال للكاتب: ألقها، أخرى الله حبيبا، يمدح مثل هذا الملك الذى فاق أهل زمانه كمالا بقصيدة يرحل بها من العراق إلى خراسان: فيكون أولها بيت نصفه مخروم والنصف الثانى عويص! وتمكّن له فى نفس أبى سعيد كراهة ذلف. ثم إن أبا سعيد لقى أبا تمام فقال له: يا أبا تمام؛ لم لا تقول من الشعر ما يفهم؟ قال له: وأنت يا أبا سعيد؛ لم لا تفهم من الشعر ما يقال؟ وذكر باقى الحديث. أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى؛ قال حدثنى أحمد بن الحسن، قال: حدثنى على بن عبد الرحيم القنّاد قال: حضر أبو تمام عند الكندى، فقال له: أنشدنى أقرب ما قلت عهدا. فأنشده قصيدته التى يقول فيها «١٩٨» . إقدام عمرو فى سماحة حاتم ... فى حلم أحنف فى ذكاء إياس «١٩٩» فقال له الكندى: ضربت «٢٠٠» الأقلّ مثلا للأعلى. فأطرق أبو تمام ثم قال على البديه: لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودا فى النّدى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس وأخبرنى الصولى، قال: حدثنى محمد بن يحيى بن أبى عباد، قال: حدثنى أبى، قال: شهدت أبا تمام ينشد أحمد بن المعتصم قصيدة مدحه بها، فلما بلغ إلى قوله: إقدام عمرو فى سماحة حاتم ... البيت. وقال- أراد إياس بن معاوية- فقال له الكندى، وكان حاضرا وأراد الطعن عليه: الأمير فوق ما وصفت. فأطرق قليلا ثم زاد فى القصيدة

стр. 407

بيتين لم يكونا فيه: لا تنكروا ضربى له من دونه وذكرهما. قال: فعجبنا من سرعته وفطنته. قال الصولى «٢٠١» : ويروى أنه عيب عليه قوله، وقد أنشد «٢٠٢» : شاب رأسى وما رأيت مشيب الرأ ... س إلّا من فضل شيب الفؤاد فزاد فيه من لحظته: وكذاك القلوب فى كلّ بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد [١٩٦] وحدثنى على بن يحيى، عن على بن مهدى الكسروى، قال: لما قال أبو تمام فى أحمد بن المعتصم بيته الذى أوله: إقدام عمرو فى سماحة حاتم قيل له: أما تخزى؛ تشبّه أحمد بن المعتصم، وهو فى بيت الخلافة وبيت هاشم، بهؤلاء الأعراب؟ فزاد فيها بعد ذلك البيتين اللذين تقدّما. حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى على بن يحيى المنجّم؛ وحدثنى على بن هارون، قال: حدثنى عمى أبو أحمد يحيى بن على بن يحيى، قال: أخبرنى أبى، قال: أخبرنى محمد بن أبى كامل، قال: شهدت أبا تمام الطائى فى منزل الحسين بن الضحاك، وهو ينشد شعره، وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلى، فقال له إسحاق: يافتى؛ ما أشدّ ما تتّكئ على نفسك! يعنى أنه لا يسلك مسلك الشعراء قبله، وإنما يستقى من نفسه. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ونحو قول إسحاق هذا ما أخبرنيه المظفر بن يحيى، قال: نظر يعقوب الكندى فى شعر أبى تمام، فقال: هذا رجل يموت قبل حينه، لأنه حمل على كيانه بالفكر. قال: ويقال: إن أبا تمام مات لنيّف وثلاثين سنة. أخبرنى محمد بن يحيى، قال ٢٠» : حدثنى محمد بن موسى بن حماد، قال: كنت

стр. 408

عند دعبل بن على أنا والعمراوى «٢٠٤» فى سنة خمس وثلاثين ومائتين بعد قدومه من الشام، فذكرنا أبا تمام، فجعل يثلبه، ويزعم أنه كان يسرق الشّعر، ثم قال لغلامه: يا نفنف «٢٠٥» ! هات تلك المخلاة، فجاء بمخلاة فيها دفاتر، فجعل يمرّها على يده حتى أخرج منها دفترا، فقال: اقرءوا هذا. فنظرنا فإذا فى الدفتر: قال مكنف أبو سلمى من ولد زهير بن أبى سلمى، وكان منزله قنسرين، وكان هجاذفافة العبسىّ بأبيات منها «٢٠٦» : إنّ الضّراط به تعاظم «٢٠٧» جدّكم ... فتعاظموا ضرطا بنى القعقاع قال: ثم رثاه بعد ذلك بقوله «٢٠٨» : أبعد أبى العباس يستعتب «٢٠٩» الدهر ... وما بعده للدهر عتبى «٢١٠» ولا عذر ولو «٢١١» عوتب المقدار والدهر بعده ... لما أعتبا ما أورق السلم النّضر ألا أيها الناعى ذفافة ذا «٢١٢» الندى ... تعست وشلّت من أناملك العشر أتنعى فتى من قيس عيلان صخرة «٢١٣» ... تفلق عنها من جبال العدا الصّخر إذا ما أبو العباس خلّى مكانه ... فلا حملت أنثى ولا مسّها طهر ولا أمطرت أرضا سماء، ولا جرت ... نجوم، ولا لذّت لشاربها الخمر [١٩٧] كأنّ بنى القعقاع يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر توفّيت الآمال بعد ذفافة «٢١٤» ... وأصبح فى شغل عن السّفر السّفر

стр. 409

يعزّون عن ثاو تعزّى به العلا ... ويبكى عليه المجد والبأس والشعر وما كان إلّا مال من قلّ ماله ... وذخرا لمن أمسى وليس له ذخر ثم قال: سرق أبو تمام أكثر هذه القصيدة فأدخلها فى شعره. قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: يعنى قصيدة أبى تمام التى على روىّ هذه الأبيات، ورثى فيها محمد بن حميد؛ وأولها «٢١٥» : كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر «٢١٦» قال محمد بن داود: أنشد أبو تمام أبا المغيث الرافقى شعرا له يقول فيه «٢١٧» : وكن كريما تجد كريما ... تحظى «٢١٨» به يا أبا المغيث فقال له يوسف بن المغيرة القشيرى، وكان شاعرا عالما: قد هجاك! إنما قال لك: كن كريما، وإنما يقال للئيم: كن كريما. أخبرنى أحمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو العباس أحمد بن يحيى، قال: كان ابن الأعرابى يمضى إلى إسحاق الموصلى. فقال له على بن محمد المدائنى «٢١٩» : إلى أين يا أبا عبد الله؟ قال: إلى هذا الذى نحن وهو كما قال الشاعر «٢٢٠» : نرمى بأشباحنا «٢٢١» إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه قال محمد «٢٢٢» : وأظن أنه لو علم أن أبا تمام قائل هذا البيت ما تمثل به، ولم يكن أبو العباس يرويه أيضا لعصبتيهما عليه.

стр. 410

حدثنى على بن هارون، قال: ذكر على بن مهدى الكسروى أن أبا تمام قال: وددت أنّ لى بنصف شعرى نصف بيت أبى سعد المخزومى: حدق الآجال آجال ولم يزل يجول فى نفسه حتى قال: ومها من مها الخدور وآجا ... ل ظباء يسرعن فى الآجال قال على بن هارون: وهذا مما غلط فيه أبو تمام؛ لأنّ الآجال جمع إجل وهو القطيع من البقر، يقال: سرب من قطا، وسرب من نساء، وسرب من ظباء؛ وقال عمر: فلم تر عينى مثل سرب رأيته ... خرجن علينا من زقاق ابن واقف ٢٠- أبو عبادة البحترى [١] حدثنى أبو الحسن على بن هارون، قال: كان ابن عمى أبو الحسن أحمد بن يحيى يقرأ على أبى الغوث يحيى بن [١٩٨] البحترى أشعار أبيه بحضرة عمى أبى أحمد يحيى بن على عند قدوم أبى الغوث على العباس بن الحسن ومدحه إياه بقصيدة دالية أوصلها عمّى إلى العباس، فأمر له بمائة دينار وثياب. فأقام مدة؛ فلما عزم على الشخوص أمر له بألف درهم تحمّل بها؛ فكان مما قرئ عليه، وأنا حاضر، القصيدة التى مدح بها البحترىّ الحسن بن سهل، وأولها «١» : ما بعينى هذا الغزال الغرير «٢»

стр. 411

إلى أن انتهى العرض إلى هذا البيت «٣» : وكأن الأيام أوثر بالحس ... ن عليها يوم «٤» المهرجان الكبير فقال له أبو الحسن ابن عمى- وقد اعتبرت النسخ الحاضرة فكانت متفقة على هذا البيت المكسور، لأنه يزيد سببا وهو الواو والياء من يوم- فقال أبو الحسن: يا أبا الغوث، ألا ترى إلى هذا الغلط على أبى عبادة الذى لا يتّهم بمثله، وقد أجمعت النسخ عليه. فقال: هكذا قال الشيخ. فأقبل عليه عمى يبين له موضع الكسر، ويقطعه له، ويزنه بالبيت الذى قبله والبيت الذى بعده، وهو غير مستنكر له بذوقه، وسامه عمّى تغييره، فأبى ذلك، وقال: أغيّر شعر الشيخ؟ فقال عمى: هذا رجل قد وجب له علينا حق، وسار له فينا مدح، ويلزمنا تغيير هذا الكسر حتى لا يعاب به. فغضب حتى ظهر فيه الغضب ظهورا لم يستحسن عمى معه أن يزيد فى الكلام. أخبرنى محمد بن يحيى «٥» ، قال: كنّا يوما عند أبى على الحسين بن فهم، فجرى ذكر أبى تمام، فسأله رجل: أيما أشعر أبو تمام أو البحترى؟ فقال: سمعت بعض العلماء بالشعر- ولم يسمّه- وسئل عن هذا فقال: كيف يقاس البحترى بأبى تمام؛ وهو به، وكلامه منه؛ وليس أبو تمام بالبحترى، ولا يلتفت إليه «٦» . أخبرنى الصولى، قال: حدثنى الحسين بن إسحاق، قال: قلت للبحترى: الناس يزعمون أنك أشعر من أبى تمام. فقال: والله ما ينفعنى هذا القول، ولا يضرّ أبا تمام؛ والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوه، ولكنى والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمى يركد عند هوائه، وأرضى تنخفض عند سمائه. قال الصّولى: وهذا [١٩٩] من فضل البحترى أن يعرف الحقّ، ويقرّ به، ويذعن له. وإنى لأراه يتّبع أبا تمام فى معانيه حتى يستعير مع ذلك بعض لفظه، فلا يقع إلا دونه، ويعود فى بعضها طبعه تكلفا وسهله صعبا.

стр. 412

من ذلك قول أبى تمام «٧» : يستنزل الأمل البعيد بيشره «٨» ... بشرى المخيلة بالربيع المغدق وكذا السحائب قلّ ما تدعو إلى ... معروفها الروّاد ما لم تبرق فقال البحترى «٩» : كانت بشاشتك الأولى التى ابتدأت «١٠» ... بالبشر ثم اقتبلنا بعدها النّعما كالمزنة استوبقت «١١» أولى مخيلتها ... ثم استهلّت بغزر تابع الدّيما فسبحان الذى حوّل تكلف أبى تمام إلى البحترى، وطبع البحترى إلى أبى تمام! والأمر فى هذا أوضح من أن يحوج إلى كلام عليه أو تبيين له «١٢» . قال: ومن ذلك قول أبى تمام «١٣» : فسواء إجابتى غير داع ... ودعائى بالقاع «١٤» غير مجيب فقال البحترى «١٥» : وسألت من لا يستجيب فكنت فى اس ... تخباره كمجيب من لا يسأل فلم يبلغه فى حسن قسمته، ولا سهولة لفظه؛ وهذا كثير جدا.

стр. 413

فأما الذى أخذه البحترى نقلا، فأخذ اللفظ والمعنى، فقول أبى تمام يصف شعره «١٦» : منزّهة عن السّرق المورّى ... مكرّمة عن المعنى المعاد فقال البحترى يصف بلاغة «١٧» : لا يعمل المعنى المكرّ ... ر فيه واللفظ «١٨» المردّد وقال أبو تمام «١٩» : متوطّئو عقيبيك فى طلب العلا ... والمجد ثمّت تستوى الأقدام فقال البحترى «٢٠» : حزت العلا سبقا وصلّى ثانيا ... ثم استوت من بعدى «٢١» الأقدام وقال أبو تمام «٢٢» : ولقد أردتم «٢٣» مجده وجهدتم ... فإذا أبان قد رسا ومتالع «٢٤» فنقله البحترى لفظا ومعنى، فقال «٢٥» : ولن ينقل الحساد مجدك بعد ما ... تمكّن رضوى واطمأنّ متالع

стр. 414

[٢٠٠] ومما احتذى فيه البحترى أبا تمام، وقدّر مثل كلامه، فعمل معناه عليه ما أخذه من قوله «٢٦» : همّة تنطح النجوم وجدّ ... آنف للحضيض فهو حضض فقال البحترى «٢٧» : متحيّر يغدو بعزم قائم ... فى كلّ نازلة وجدّ قاعد وسرقات البحترى من أبى تمام كثيرة. حدثنى على بن هارون، قال: حدثنى أبو عثمان الناجم، قال على: وأحسب أن على بن العباس النّوبختى قد حدثنى به، قال: سمعت البحترى يقول: مكثت فى لوحى: خضبت فى لوحى: «خضبت بالمقراض» أربعين سنة حتى أتممتها، فقلت «٢٨» : لم يدعنى «٢٩» كرّ الغديّات والآ ... صال حتى خضبت بالمقراض حدثنى على بن هارون، قال: أخبرنا أبو الغوث يحيى بن البحترى، عن أبيه، أنه أجبل عشر سنين؛ فما كان يستطيع أن يقول بيتا من الشعر، قال: ثم دعانى فى وقت من الأوقات، فقال لى: تعال يا بنى. فجئت إليه. فقال: اكتب. وأقبل يملى علىّ ابتداء قصيدة قد كان قال بعضها، ووسط قصيدة، وقطعة من مدح من قصيدة، وتشبيبا من أخرى، فقلت له: يا أبت، ما هذا؟ وظننته من أشعار له قديمة، فقال لى: يا بنى، قد عرفت المدة التى قطعت فيها قول الشعر، وو الله ما كنت أستطيع فيها أن أنظم بيتين؛ وأما الآن فقد اطلعت طلع بحر من الشعر لا يلحق غوره. وقال بعضهم: مما وجد فى شعر البحترى من اللحن قوله «٣٠» : يا عليّا «٣١» يا أبا الحسن الما ... لك رقّ الظريفة الحسناء

стр. 415

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: أنشدنيه له أحمد بن محمد بن زياد، عن أبى الغوث وعلى بن هارون عن أبيه وغيرهما. وقوله: يا مادح الفتح ويا آمله ... لست امرءا خاب ولا مئن «٣٢» كذب وقوله «٣٣» : ولو أنصف الحسّاد يوما تأمّلوا ... مساعيك «٣٤» هل كانت بغيرك أليقا وقالوا: لو تتبّع اللحن فى شعره لوجد أكثر من هذا. وقد هجى بذلك؛ وتقدم قول ابن أبى طاهر فيه [٢٠١] : فلما تصفّحت أشعاره ... إذا هو فى شعره قد خرى ففى بعضها لاحن جاهل ... وفى بعضها سارق مفتر أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن يزيد المهلبى، قال لى أحمد بن خلاد: لا أعرف أحدا أخبث أصلا وفرعا، ولا أكفر لإحسان من البحترى؛ دخل إلى المستعين بعد قتل أوتامش، وكاتبه شجاع، وإنما أذكرت به، فأنشده «٣٥» : لقد نصر الإمام على الأعادى ... وأضحى الملك موطود العماد وعرّفت الليالى فى شجاع ... وتامش كيف عاقبة الفساد بدار فى اقتطاع الفىء خاف «٣٦» ... وسعى فى فساد الملك باد بهضم للخلافة وانتقاص ... وظلم للرعية واضطهاد أمير المؤمنين اسلم فقدما ... نفيت الغىّ عنّا بالرّشاد تدارك عدلك الدّنيا فقرّت ... وعمّ نداك آفاق البلاد فلم يأمر له المستعين بشىء، فما زالت أصفه وأشهد له بقديم الموالاة حتى دفع إليه

стр. 416

خريطة كانت فى يده مملوءة دنانير؛ فكانت ألف دينار. ودعا بغالية فغلّفه بيده. فلما خلع المستعين وولى المعتز كان أول ما أنشده قصيدة أولها «٣٧» : يجانبنا فى الحبّ من لا نجانبه فقال فيها: عجبت لهذا الدهر أعيت صروفه ... وما الدّهر إلّا صرفه وعجائبه متى أمّل الدّياك أن تصطفى له ... عرى التاج أو تثنى عليه عصائبه وكيف «٣٨» ادّعى حقّ الخلافة غاصب ... حوى دونه إرث النبىّ أقاربه بكى المنبر الشرقىّ إذ خار فوقه ... على النّاس ثور قد تدلّت غباغبه ثقيل «٣٩» على جنب الثريد مراقب ... لشخص الخوان يبتدى فيواثبه إذا ما احتشى من حاضر الزاد لم يبل ... أضاء شهاب الملك أم باخ «٤٠» ثاقبه إذا بكر الفرّاش ينثو حديثه ... تضاءل مطريه وأطنب عائبه رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعرّى من برد النبى مناكبه وقد سرّنى أن قيل وجّه مسرعا ... إلى الشرق تجرى سفنه ومراكبه [٢٠٢] إلى كسكر خلف الدّجاج، ولم تكن ... لتنشب إلّا فى الدجاج مخالبه وما لحية القصّار حين تنفّشت «٤١» بجالبة خيرا على من يناسبه قال ابن خلاد: فهجاه فيها بأصناف الأهاجى، ثم لم يرض حتى ذكرنى فقال: يجوز ابن خلّاد على الشّعر عنده ... ويضحى شجاع وهو- للجهل- كاتبه

стр. 417

قال: فو الله ما حظى من المعتزّ فى هذه القصيدة بطائل حتى رجع إلى بلده خائبا. قال الصولى: وله يهجو المستعين من قصيدة «٤٢» : أعاذلتى على أسماء ظلما ... وإجراء الدموع لها الغزار متى عاودتنى فيها بلوم ... فبت ضجيعة للمستعار لأسلح حين يمسى من حبارى ... وأقضم حين يصبح من حمار إذا أهوى لمرقده بليل ... فياخزى البرادع «٤٣» والسرارى ويا بؤس الضجيع وقد تلظى ... بحاظى «٤٤» جامد معه وجار ولو أنّا استطعنا لافتدينا ... قطوع الرّتم «٤٥» منه بالبوارى وما كانت ثياب الملك تخشى ... جريرة بائل فيهنّ خارى «٤٦» يبيد الراح فى يوم النّدامى ... ويفنى الزاد فى يوم الخمار يعبّ فينفد الصهباء جلف ... قريب العهد بالدّبس «٤٧» المدار رددناه برمّته ذميما ... وقد عمّ البرية بالدّمار وكان أضرّ فيهم من سهيل ... إذا أوبى، وأشام من قدار «٤٨» قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذه الأبيات من أقبح الهجاء وأضعفه لفظا وأسمجه معنى، ولا سيما بيت «البوارى» ؛ وهى أيضا خارجة عن طريقة هجاء الخلفاء والملوك المألوفة، وهى بهجاء سفلة الناس ورعاعهم أشبه، مع ما جمعت من سخافة اللفظ، وهلهلة النسج، والبعد من الصواب. وكثير من أهل الأدب ينكر خبث لسان علىّ بن العباس، ويطعن عليه بكثرة هجائه، حتى جعلوه فى ذلك أوحد لا نظير له، ويضربون عن إضافة البحترى إليه وإلحاقه

стр. 418

به، مع إحسان ابن الرّومى فى إساءته، وقصور البحترى عن مداه فيه، وأنه لم يبلغه فى دقة معانيه وجودة ألفاظه [٢٠٣] وبدائع اختراعاته، أعنى الهجاء خاصة؛ لأنّ البحترىّ قد هجا نحوا من أربعين رئيسا ممن مدحه؛ منهم خليفتان، وهما المنتصر والمستعين؛ وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القوّاد، ومن جرى مجراهم من جلّة الكتاب والعمال ووجوه القضاة والكبراء بعد أن مدحهم وأخذ جوائزهم؛ وحاله فى ذلك تنبئ عن سوء العهد، وخبث الطريقة. ومما قبح فيه أيضا، وعدل عن طريق الشعراء المحمودة- أنّى وجدته قد نقل نحوا من عشرين قصيدة من مدائحه لجماعة توفّر حظّه منهم عليها إلى مدح غيرهم، وأمات أسماء من مدحه أولا، مع سعة ذرعه بقول الشعر، واقتداره على التوسّع فيه. ولم أذكر حاله فى ذلك على طريق التحامل مع اعتقادى فضله وتقديمه؛ ولكننى أحببت أن أبيّن أمره لمن لعله انستر عنه. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ومثل حديث البحترى مع المستعين ما أخبرنيه محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو الفيّاض سوّار بن أبى شراعة، قال لى أحمد بن أبى طاهر: ما رأيت أقلّ وفاء من البحترى ولا أسقط؛ رأيته قائما ينشد أحمد بن الخصيب مدحا له فيه، فحلف عليه ليجلسنّ، ثم وصله واسترضى له المنتصر، وكان غضبان عليه، ثم أوصل له مديحا إليه، وأخذ له منه مالا فدفعه إليه. ثم نكب المستعين أحمد بن الخصيب بعد فعله هذا بشهور، فلعهدى به قائما ينشده «٤٩» : ما الغيث يهمى صوب إسباله ... والليث يحمى خيس «٥٠» أشباله كالمستعين المستعان الذى ... تمت لنا النّعمى بأفضاله فقال فيها: لابن الخصيب الويل كيف انبرى ... بإفكه المردى «٥١» وإبطاله كاد أمين الله فى نفسه ... وفى مواليه وفى ماله «٥٢»

стр. 419

ورام فى الملك الذى رامه ... بغشّه فيه وإدغاله «٥٣» فأنزل الله به نقمة ... غيّرت النعمة من حاله وساقه البغى إلى صرعة ... للحين لم تخطر على باله [٢٠٤] دين بما دان وعادت له ... فى نفسه أسوأ أعماله قد أسخط الله بإعزازه ... الدّنيا وأرضاه «٥٤» بإذلاله وفرحة «٥٥» الناس بإدباره ... كحزنهم «٥٦» كان بإقباله يا ناصر الدين انتصر موشكا ... من كائد الدّين ومغتاله فهو حلال الدم والمال إن ... نظرت فى ظاهر «٥٧» أحواله ثم قال ابن أبى طاهر: كان ابن العلجة «٥٨» فقيها يفتى الخلفاء فى قتل الناس، فترحه «٥٩» الله! ثم ختم القصيدة بقوله: والرأى «٦٠» كل الرأى فى قتله ... بالسيف واستصفاء أمواله ومما أنكر على البحترى قوله «٦١» : محلّ على القاطول أخلق داثره «٦٢» وقالوا: إنما يقال دثر مخلقه، ولا يقال أخلق داثره؛ لأنّ الداثر لا بقية له فتخلق أو تستجد.

стр. 420

وسمعت أبا الحسن على بن هارون يقول: خذل البحترى فى هذا الابتداء من قصيدته هذه. أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى عثمان سعيد بن الحسن الناجم، قال: قال لى البحترىّ: أشتهى أن أرى ابن الرومى فوعدته ليوم بعينه، وسألت ابن الرومى أن يصير إلىّ فيه، فأجابنى إلى ذلك؛ فلما حصل ابن الرومى عندى وجهت إلى البحترى؛ فصار إلىّ؛ فاجتمعا وتوانسا؛ فقال له البحترى: قد أقرأنى أبو عيسى بن صاعد قصيدة لك فى أبيه، وسألنى عن الثواب عنها، فقلت له: أعطوه لكل بيت دينارا. ثم تحدّثا، فقال البحترى: عزمت على أن أعمل قصيدة على وزن قصيدة ابن الرومى الطائية فى الهجاء. فقال له ابن الرومى: إياك والهجاء يا أبا عبادة؛ فليس من عملك، وهو من عملى. فقال له: نتعاون. وعمل البحترى ثلاثة أبيات، وعمل ابن الرومى ثمانية، فلم يلحقه البحترى فى الهجاء. وكان اجتماعهما عندى سببا للمودّة بينهما. أخذ البحترى قوله وقصّر وأفحش، وأسقط أحد القسمين «٦٣» : اعطيتنى حتى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعة لم توهب من الفرزدق فى قوله: أعطانى المال حتى قلت أودعنى ... أو قلت أودع «٦٤» مالا قدرآه لنا «٦٥» [٢٠٥] أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قال المجنون «٦٦» : تداويت من ليلى بليلى وحبّها «٦٧» ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر فكان هذا من أحسن المعانى بأحسن الألفاظ، وإن كان الأصل فيه قول الأعشى «٦٨» :

стр. 421

وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها فأخذه أبو نواس فوالله ما بلغه، وظهر فى لفظه تكلف، فقال «٦٩» : دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء ... وداونى بالتى كانت هى الداء والكلفة فى قوله: «بالتى كانت هى الداء» ؛ فقال البحترى- سارقا للفظ ومقصّرا عن الطبع والمعنى «٧٠» : تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الزّبى «٧١» من بات بالماء يشرق قال أحمد بن أبى طاهر وأبو ضياء بشر بن يحيى: قال أبو تمام «٧٢» : فكاد بأن يرى للشرق شرقا ... وكاد بأن يرى للغرب غربا وقال فى موضع آخر «٧٣» : فغربت «٧٤» حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرّقت حتى قد نسيت المغاربا فقال البحترى وأحال «٧٥» : فأكون طورا مشرقا للمشرق ال ... أقصى وطورا مغربا للمغرب وقال أبو تمام «٧٦» : وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود فقال البحترى- وأخذه لفظا ومعنى «٧٧» : ولن تستبين الدّهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد

стр. 422

وقال أبو تمام- يصف فرسا «٧٨» : عوّذه الحاسد ضنّا به «٧٩» ... وزفرفت خوفا عليه النفوس فقال البحترى فى معناه- يصف فرسا- وليس بشىء «٨٠» : أرسلته ملء العيون مسلّما ... منها لشهوتها «٨١» لطول دوامه وقال أبو تمام «٨٢» : من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضبعا فى شدقها سبع [٢٠٦] وقد عيب هذا على أبى تمام، لأنهم يجعلون القاتل أعلى وأشهر شجاعة ليقع عذر المقتول؛ فتبعه البحترى فقال «٨٣» : ولا عجب للأسد أن ظفرت بها ... كلاب الأعادى من فصيح وأعجم وقال أبو تمام- وهو من جنونه «٨٤» : تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنعمة «٨٥» طالب فقال البحترى «٨٦» : إذا معشر صانوا السّماح تعسّفت ... بهم «٨٧» همّة مجنونة فى ابتذاله وهذا أجنّ من ذاك. أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنى محمد بن السّخىّ، قال: وعد الحسن بن مخلد البحترىّ إزالة ما طولب به من التقسيط عنه، وجعل أمره إلى ابن داود السّيبى

стр. 423

كاتبه، فلم يفعل ما أمره به، قال: فلعهدى بالبحترى وهو ينشد الحسن، والحسن مقبل عليه «٨٨» : طيف ألمّ فحيّا عند مشهده «٨٩» حتى بلغ قوله: لتسرينّ قوافى الشعر معجلة ... ما بين سيّره المثلى وشرّده قال: وكان أحمد بن عبد الله طماس حاضرا، فقال للبحترى بعض الكتّاب: قد رددت «سيّره» إلى القوافى، فقل: سيّرها. فقال له طماس: اسكت؛ إنما ردّه إلى الشعر. فقال البحترى: لا عدمتك عضدا وناصرا. أخبرنى الصولى، قال: حدثنى على بن محمد العباسى- أن بعض النّخاسين احتال على البحترى فى غلام له، فصار إليه، وأنكر البحترىّ بيعه، وكان هذا فى أول أيام المعتضد بالله، فجعل يستعين بالناس فى أمره؛ فقال له القاسم بن عبيد الله: إن أنشدتنى هجاءك لأخذ غلامك رددته عليك، فأنشده «٩٠» : أخذت غلامى فقنّعته ... وخوّلك الجهل أهلى ومالى فضحك القاسم، وقال: يا أبا عبادة، نعم، هو مال، أفهو أهل؟ قال: لا! ولكنى حكيت قول الناس! ثم غيّره: فخوّلك الجهل بالجاه مالى أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكجّى، قال: قلت للبحترى: ويحك! تقول فى قصيدتك التى مدحت [٢٠٧] بها أبا سعيد «٩١» : أأفاق صبّ من هوى فأفيقا «٩٢» ... .........

стр. 424

يرمون خالقهم بأقبح فعلهم ... ويحرّفون كلامه المخلوقا «٩٣» أصرت قدريّا معتزليّا؟ فقال لى: كان هذا دينى فى أيام الواثق، ثم نزعت عنه فى أيام المتوكل. فقلت له: يا أبا عبادة، هذا دين سوء يدور مع الدول. قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: وقد هجا ابن أبى دواد، فأنكر عليه قوله بخلق القرآن فى أبيات خاطب فيها المتوكل. قال أبو ضياء بشر بن يحيى: قال أبو تمام «٩٤» : وترى الكريم يعزّ حين يهون «٩٥» فقال البحترى «٩٦» : وإذا عزّ كريم القوم «٩٧» ذلّ «٩٨» كلاهما غير محسن، وإنما أراد التواضع، فجعل مكانه الهوان والذّلّ. وقال أبو تمام «٩٩» : لو لم تفتّ مسن المجد مذ زمن ... بالبأس والجود كان المجد قد خرفا فقال البحترى «١٠٠» : صحبوا الزمان الفرط إلّا أنه ... هرم الزمان وعزّهم لم يهرم وهذا شبيه بذاك فى قبحه؛ قول حبيب: خرف الزمان، وقول هذا: هرم. وقال أبو تمام «١٠١» : إذا وعد انهلّت يداه فأهدتا ... لك النّجح محمولا على كاهل الوعد

стр. 425

سفوحان «١٠٢» تفترّ المكارم عنهما ... كما الغيث مفترّ عن البرق والرّعد فقال البحترى «١٠٣» : يوليك صدر اليوم قاصية الغنى ... بمواهب «١٠٤» قد كنّ أمس مواعدا سوم السحائب ما بدأن بوارقا ... فى عارض إلا ثنين «١٠٥» رواعدا لم يحسن أخذ المعنى؛ لأنّ أبا تمام جعل الوعد مكان البرق والرعد اللذين يدلّان على الغيث، وأقام النائل مقام الغيث. والبحترى قال: «إلا انثنين «١٠٦» رواعدا» . وقد ذكر مثل هذا فى موضع آخر، قال أبو تمام «١٠٧» : يستنزل الأمل البعيد ببشره ... بشرى المخيلة بالربيع المغدق وكذا السحائب قلّ ما تدعو إلى ... معروفها الرّواد ما لم تبرق [٢٠٨] فأخذه البحترى أخذا قبيحا، وأتى بمحال واضطراب شديد، فقال «١٠٨» : ضحكات فى إثرهنّ العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده فحبيب إنما شبّه البشر بالبرق الذى هو دليل على الغيث، ثم أقام العطاء من بعد البشر مقام الغيث؛ فأما الرعود فليس لذكرها فى هذا الموضع معنى؛ بل الرعود مكروهة لا يؤمن من الآفات فيها بالصواعق والبرد، وما علمنا أحدا وصفها فأقامها مقام المطر غيره. وسرقات البحترى من أبى تمام نحو خمسمائة بيت؛ وإنما ذكرنا منهما فى هذا الموضع ما قصّر فيه البحترى عن مدى أبى تمام أو شاركه فى عيبه. حدثنى أحمد بن محمد بن زياد، قال: سألت أبا الغوث عن السبب فى خروج أبيه عن بغداد؛ فقال لى: كان أبى قد قال فى قصيدته التى رثى فيها أبا عيسى بن صاعد-
следующие страницы →