← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الموضوع الصفحة الصنف الثاني- ما كان مستقيما قبيحا ٢٠٩ الصنف الثالث- ما كان مستقيما ولكنه كذب ٢١٠ الصنف الرابع- ما كان محالا ٢١٦ الصنف الخامس- ما كان غلطا ٢١٨ الأصل الثاني- من صناعة إنشاء الكلام النظر في الألفاظ، والنظر فيها من وجهين ٢٢٢ الوجه الأول- في فضل الألفاظ وشرفها ٢٢٢ الوجه الثاني- الألفاظ المفردة وبيان ما ينبغي استعماله منها وما يجب تركه، واللفظ المفرد الحسن يتصف بأربع صفات ٢٢٤ الصفة الأولى- ألا يكون غريبا، وهو أربعة أصناف ٢٢٥ الصنف الأول- المألوف المتداول الاستعمال عند كل قوم في كل زمن ٢٢٧ الصنف الثاني- الغريب المتوحش عند كل قوم في كل زمن، وهو ثلاثة أضرب ٢٣٦ الضرب الأول- ما يعاب استعماله في النظم والنثر جميعا ٢٣٦ الضرب الثاني- ما يعاب استعماله في النثر دون النظم ٢٣٨ الضرب الثالث- ما يعاب استعماله بصيغة دون صيغة ٢٤١ الصنف الثالث- المتوحش في زمن دون زمن ٢٥٠ الصنف الرابع- الغريب المتوحش عند قوم دون قوم ٢٥٩ الصفة الثانية- اللفظ الفصيح ألا يكون مبتذلا عاميّا، واللفظ المبتذل على قسمين ٢٦٧ القسم الأول- ما لم تغيّره العامة عن موضعه اللغوي ٢٦٧ القسم الثاني- ما كان من الألفاظ دالّا على معنى وضع له في أصل اللغة فغيرته العامة وجعلته دالّا على معنى آخر، وهو على ضربين ٢٧٣ الضرب الأول- ما ليس بمستقبح في الذكر ولا مستكره في السمع ٢٧٣ الضرب الثاني- ما يستقبح ذكره ٢٧٤ الصفة الثالثة- من صفات اللفظ المفرد الفصيح ألا يكون متنافر الحروف ٢٧٥

стр. 1087

الموضوع الصفحة الصفة الرابعة- من صفات اللفظ المفرد ألا يكون على خلاف القانون المستنبط من تتبع ألفاظ اللغة العربية وما هو في حكمها ٢٧٨ الأصل الثالث- من صناعة إنشاء الكلام، تركيب الكلام، والنظر فيه من وجوه ٢٨٠ الوجه الأول- في بيان فضل المعرفة بذلك ٢٨٠ الوجه الثاني- في بيان ما يبنى عليه تركيب الكلام وترتيبه، وله ركنان ٢٨٥ الركن الأول- أن يسلك في تركيبه سبيل الفصاحة والخروج عن اللكنة والهجنة والفصاحة في المركب بأن يتصف بعد فصاحة مفرداته بصفات ٢٨٥ الصفة الأولى- أن يكون سليما من ضعف التأليف ٢٨٥ الصفة الثانية- أن يكون سليما من التعقيد ٢٨٦ الصفة الثالثة- أن يكون سليما من تنافر الكلمات ٢٩١ الأصل الرابع- المعرفة بالسجع الذي هو قوام الكلام المنثور، ويتعلق به ستة أغراض ٣٠١ الغرض الأول- في معرفة معناه في اللغة والاصطلاح ٣٠١ الغرض الثاني- في بيان حسن موقعه من الكلام ٣٠٢ الغرض الثالث- في بيان أقسام السجع، وهي راجعة إلى صنفين ٣٠٤ الصنف الأول- أن تكون القرينتان متفقتين في حرف الرويّ ٣٠٤ الصنف الثاني- أن يختلف حرف الرويّ في آخر الفقرتين، وهو على ضربين ٣٠٥ الضرب الأول- أن يقع ذلك في النثر ٣٠٥ الضرب الثاني- السجع الواقع في الشعر ٣٠٦ الغرض الرابع- في معرفة مقادير السجعات، وهي على ضربين ٣٠٨ الضرب الأول- السجعات القصار ٣٠٨ الضرب الثاني- السجعات الطوال ٣٠٩ الغرض الخامس- في ترتيب السجعات، وله حالتان ٣١٠ الحالة الأولى- ألا يزيد السجع على سجعتين ٣١٠

стр. 1088

الموضوع الصفحة الحالة الثانية- أن يزيد السجع على سجعتين ٣١١ الغرض السادس- فيما يكون فيه حسن السجع وقبحه ٣١٣ الأصل الخامس- حسن الاتباع والقدرة على الاختراع، ولكاتب الإنشاء مسلكان ٣١٥ المسلك الأول- طريقة الاتباع، وهي على صنفين ٣١٥ الصنف الأول- الاتباع في الألفاظ، والواقع من ذلك في كلامهم على قسمين ٣١٥ القسم الأول- ما وقع الاتفاق فيه في المعنى واللفظ جميعا ٣١٧ القسم الثاني- ما وقع الاتفاق فيه في المعنى وبعض اللفظ، وهو على ضربين ٣١٩ الضرب الأول- ما اتفق فيه المعنى وأكثر اللفظ ٣١٩ الضرب الثاني- ما اتفق فيه المعنى مع يسير اللفظ ٣٢١ الصنف الثاني- التقليد في المعاني، وضروبه اثنا عشر ٣٢١ الضرب الأول- أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ولا يكون هو إيّاه ٣٢٧ الضرب الثاني- أن يؤخذ المعنى فيعكس ٣٢٩ الضرب الثالث- أن يؤخذ بعض المعنى دون بعض ٣٣١ الضرب الرابع- أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر ٣٣٢ الضرب الخامس- أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى ٣٣٤ الضرب السادس- أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا ٣٣٦ الضرب السابع- زيادة البيان مع المساواة في المعنى ٣٣٧ الضرب الثامن- اتحاد الطريق واختلاف المقصود ٣٣٨ الضرب التاسع- بياض بالأصل ٣٣٩ الضرب العاشر- أن يكون المعنى عامّا فيجعل خاصّا أو خاصّا فيجعل عامّا ٣٤٠ الضرب الحادي عشر- قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة ٣٤٠ الضرب الثاني عشر- قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة ٣٤١

стр. 1089

الموضوع الصفحة المسلك الثاني- طريقة الاختراع ٣٤٢ الأصل السادس- وجود الطبع السليم، وخلو الفكر عن المشوش ٣٤٣ المقصد الثاني- من الطرف الثالث، في بيان طرق البلاغة ووجوه تحسين الكلام ٣٤٨ المقصد الثالث- في بيان مقادير الكلام ومقتضيات إطالته وقصره، وهو على ثلاثة ضروب ٣٥٩ الضرب الأول- الإيجاز ٣٥٩ الضرب الثاني- الإطناب ٣٦٠ الضرب الثالث- المساواة ٣٦١ الفصل الثالث من الباب الأول من المقالة الأولى- في معرفة الأزمنة والأوقات وفيه أربعة أطراف ٣٦٦ الطرف الأول- في الأيام، وفيه ست جمل ٣٦٦ الجملة الأولى- في مدلول اليوم ومعناه وبيان ابتداء الليل والنهار ٣٦٦ الجملة الثانية- في اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقصان؛ والبلاد والنواحي على قسمين ٣٦٨ القسم الأول- ما يستوي فيه الليل والنهار أبدا ٣٦٨ القسم الثاني- ما يختلف فيه الليل والنهار في السنة ٣٦٩ الجملة الثالثة- في معرفة زيادة الليل والنهار ونقصانهما بتنقل الشمس في البروج ٣٧١ الجملة الرابعة- في بيان ما يعرف به ابتداء الليل والنهار ٣٧٦ الجملة الخامسة- في ساعات الليل والنهار ٣٨٣ الجملة السادسة- في أيام الأسبوع، وفيه أربعة مدارك ٣٨٥ المدرك الأول- في ابتداء خلقها وأصل وجودها ٣٨٥ المدرك الثاني- في أسمائها ٣٨٨

стр. 1090

الموضوع الصفحة المدرك الثالث- في بيان أول أيام الأسبوع ٣٩٢ المدرك الرابع- في التفاؤل بأيام الأسبوع والتطيرّ بها ٣٩٢ الطرف الثاني- في الشهور، وهي على قسمين ٣٩٤ القسم الأول- الطبيعي والمراد به القمري، وهو على ضربين ٣٩٤ الضرب الأول- شهور العرب، ولهم في استعمالها طريقتان ٣٩٤ الطريقة الأولى- طريقة العرب، وفيها جملتان ٣٩٤ الجملة الأولى- في أحوال الأهلّة التي عليها مدار الشهور في ابتدائها وانتهائها ٣٩٥ الجملة الثانية- في أسمائها ٤٠١ الضرب الثاني- شهور اليهود ٤٠٨ القسم الثاني- من الشهور الاصطلاحي والمراد به الشمسي، وهي على صنفين ٤٠٩ الصنف الأول- شهور القبط والفرس ٤١٠ الصنف الثاني- شهور السريان والروم ٤١٨ الطرف الثالث- في السنين، وفيه ثلاث جمل ٤٢٣ الجملة الأولى- في مدلول السنة والعام ٤٢٣ الجملة الثانية- في حقيقة السنة، وهي على قسمين ٤٢٤ القسم الأول- السنة الطبيعية وهي القمرية ٤٢٤ القسم الثاني- الاصطلاحية وهي الشمسية ٤٢٥ الجملة الثالثة- في فصول السنة الأربعة، وفيه ثلاثة مهايع ٤٢٩ المهيع الأول- في الحكمة في تغيير الفصول الأربعة في السنة ٤٢٩ المهيع الثاني- في كيفية انقسام السنة الشمسية إلى الفصول ٤٢٩ المهيع الثالث- في ذكر الفصول وأزمنتها وطبائعها ٤٣٠ الطرف الرابع- في أعياد الأمم ومواسمها، وفيه خمس جمل ٤٤٤ الجملة الأولى- في أعياد المسلمين ٤٤٤

стр. 1091

الموضوع الصفحة الجملة الثانية- في أعياد الفرس ٤٤٥ الجملة الثالثة- في أعياد القبط، وهي على ضربين ٤٥٣ الضرب الأول- الأعياد الكبار ٤٥٤ الضرب الثاني- الأعياد الصغار ٤٥٥ الجملة الرابعة- في أعياد اليهود، وهي على ضربين ٤٦٣ الضرب الأول- ما نطقت به التوراة بزعمهم ٤٦٣ الضرب الثاني- ما أحدثه اليهود ٤٦٥ الجملة الخامسة- في أعياد الصابئين ٤٦٧ الباب الثاني من المقالة الأولى- فيما يحتاج إليه الكاتب من الأمور العملية، وفيه فصلان ٤٦٩ الفصل الأول- في ذكر آلات الخط، وفيه ثلاثة أطراف ٤٦٩ الطرف الأول- في الدواة وآلاتها، وفيه مقصدان ٤٦٩ المقصد الأول- في نفس الدواة، وفيه أربع جمل ٤٦٩ الجملة الأولى- في فضلها ٤٦٩ الجملة الثانية- في أصلها في اللغة ٤٧٠ الجملة الثالثة- فيما ينبغي أن تتخذ منه، وما تحلّى به ٤٧٠ الجملة الرابعة- في قدرها وصفتها ٤٧١ الطرف الثاني- في الآلات التي تشتمل عليها الدواة، وفيه جملتان ٤٧٣ الجملة الأولى- في فضله ٤٧٣ الجملة الثانية- في اشتقاقه ٤٧٩ الجملة الثالثة- في صفته ٤٧٩ الجملة الرابعة- في مساحة الأقلام في طولها وغلظها ٤٨٤ الجملة الخامسة- في بري الأقلام، وفيه خمسة أنظار ٤٨٥ النظر الأول- في اشتقاقه وأصل معناه ٤٨٥ النظر الثاني- في الحث على معرفة البراية ٤٨٥

стр. 1092

الموضوع الصفحة النظر الثالث- في معرفة محل البراية من القلم ٤٨٧ النظر الرابع- في كيفية إمساك السكين حال البري ٤٨٧ النظر الخامس- في صنعة البراية، والبري يشتمل على معان ٤٨٨ المعنى الأول- في صفته، ومقداره في الطول والتقعير ٤٨٨ المعنى الثاني- النحت ٤٨٩ المعنى الثالث- الشق، وفيه مهيعان ٤٩٠ المهيع الأول- في فائدته ٤٩٠ المهيع الثاني- في صفة الشق، وفيه مدركان ٤٩١ المدرك الأول- في قدره في الطول ٤٩١ المدرك الثاني- في محله من الجلفة في العرض ٤٩١ المعنى الرابع- القطّ، وفيه مهيعان ٤٩٢ المهيع الأول- اشتقاقه ومعناه ٤٩٢ المهيع الثاني- في صفته ٤٩٢ النظر السادس- في معرفة صفات القلم فيما يتعلق بالبراية ٤٩٣ الجملة السادسة- في مساحة رأس القلم ومقدارها من حيث موضع القطّة ٤٩٤ الآلة الثانية- المقلمة ٤٩٥ الآلة الثالثة- المدية، والنظر فيها من وجهين ٤٩٥ الوجه الأول- في معناها واشتقاقها ٤٩٥ الوجه الثاني- في صفتها ٤٩٦ الآلة الرابعة- المقطّ ٤٩٧ الآلة الخامسة- المحبرة، وتشتمل على ثلاثة أصناف ٤٩٨ الصنف الأول- الجونة ٤٩٨ الصنف الثاني- الليقة، والنظر فيها من وجهين ٤٩٨ الوجه الأول- في اشتقاقها ٤٩٨ الوجه الثاني- فيما تتخذ منه وتتعاهد به ٤٩٨

стр. 1093

الموضوع الصفحة الصنف الثالث- المداد والحبر، والنظر فيه من أربعة أوجه ٥٠٠ الوجه الأول- في تسميتهما واشتقاقهما ٥٠٠ الوجه الثاني- في شرف المداد والحبر، واختيار السواد لذلك ٥٠١ الوجه الثالث- في صنعتهما، وفيه نظران ٥٠٣ النظر الأول- في مادتهما ٥٠٣ النظر الثاني- في صنعتهما، وفيه مسلكان ٥٠٤ المسلك الأول- في صنعة المداد ٥٠٤ المسلك الثاني- في صنعة الحبر ٥٠٥ الوجه الرابع- في ليق الافتتاحات ٥٠٦ الآلة السادسة- الملواق ٥٠٨ الآلة السابعة- المرملة ٥٠٨ الآلة التاسعة- المنفذ ٥١٠ الآلة العاشرة- الملزمة ٥١٠ الآلة الحادية عشرة- المفرشة ٥١٠ الآلة الثانية عشرة- الممسحة ٥١٠ الآلة الثالثة عشرة- المسقاة ٥١١ الآلة الرابعة عشرة- المسطرة ٥١١ الآلة الخامسة عشرة- المصقلة ٥١١ الآلة السادسة عشرة- المهراق ٥١٢ الآلة السابعة عشرة- المسنّ ٥١٢ الطرف الثالث- فيما يكتب فيه، وفيه ثلاث جمل ٥١٢ الجملة الأولى- فما نطق به القرآن الكريم من ذلك ٥١٢ الجملة الثانية- فيما كانت الأمم السالفة تكتب فيه في الزمان القديم ٥١٥ الجملة الثالثة- في بيان أسماء الورق الواردة في اللغة ومعرفة أجناسه ٥١٦ تم فهرس الجزء الثاني من صبح الأعشى

стр. 1094

[الجزء الثالث] [تتمة المقالة الأولى] [تتمة الباب الثاني] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الأولى في الكلام على نفس الخطّ؛ وفيه ثمانية أطراف الطّرف الأوّل في فضيلة الخطّ قال تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «١» فأضاف تعليم الخط إلى نفسه، وامتنّ به على عباده؛ وناهيك بذلك شرفا! وقال جل وعز: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ «٢» فأقسم بما يسطرونه وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ «٣» أنه الخط كما تقدّم الكلام عليه. ويروى أنّ سليمان ﵇ سأل عفريتا عن الكلام فقال: ريح لا يبقي! قال: فما قيده؟ قال: الكتابة.

стр. 1095

وقال عبيد الله بن العباس «١» : الخط لسان اليد. وقال جعفر بن يحيى «٢» : الخط سمط «٣» الحكمة، وبه تفصّل شذورها «٤» ، وينتظم منثورها. وقال النّظّام «٥» : الخط أصل الروح له جسدانية في سائر الأعمال. إلى ما يجري هذا المجرى. وقال إبراهيم بن محمد الشيباني «٦» : الخط لسان اليد، وبهجة الضمير، وسفير العقول، ووصيّ الفكر، وسلاح المعرفة، وأنس الإخوان عند الفرقة، ومحادثتهم على بعد المسافة ومستودع السّر، وديوان الأمور. وقال مسلم بن الوليد «٧» : من عجائب الله تعالى في خلقه، وإنعامه عليهم من فضله، تعليمه إيّاهم الكتاب المفيد للباقين، حكم الماضين، والمخاطب للعيون بسرائر القلوب، على لغات متفرّقة، في معان معقولة، بحروف مؤلّفة

стр. 1096

من ألف، وباء، وجيم، ودال، متباينات الصّور، مختلفات الجهات، لقاحها التفكير، ونتاجها التأليف؛ تخرس منفردة، وتنطق مزدوجة، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن مزوّرة، ولا حركات ظاهرة؛ ما خلا قلما جوّف باريه بطنه ليعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليردّ ما انتشر منه إليه، وشقّ رأسه ليحتبس الاستمداد عليه؛ وأربع «١» من شفتيه، ليجمعا حواشي تصويره إليه، فهناك اشتدّ القلم برشفه، وقذف المادّة إلى صدره، ثم مجّها من شقّه بمقدار ما احتملت شفتاه بتخطيط أجزاء النقط التي أراد بها الخطوط، فالأبصار لها سامية، فإذا حكتها الألسن فالآذان لها واعية، وأولى أسمائها بها حينئذ الكلام الذي سدّاه «٢» العقل، وألحمه «٣» اللسان، وقطعته الأسنان، ولفظته الشّفتان، وصدّاه الجوّ وجرّعته الأسماع على أنحاء شتّى، وسمّيت بها الأشياء لتعريف متناكرها، وتمييز متشابهها، وتبيين معلومها من مجهولها. فمن ذلك فضل الكتاب الصّناعات. وبالجملة فليس يذكر ذاكر شيئا يجري به الخاطر، أو يميل إليه العقل، أو يلقيه الفهم، أو يقع عليه الوهم، أو تدركه الحواسّ، إلا والكتاب والكلام موكّلان به، مدبّران له، معبّران عنه. فلما أن تضمّنت الحروف الدلالة، وقامت الألفاظ بالعبارة، نطقت الأفواه بكل لغة، وتصرّف المنطق بكل جهة، فلم تكتف منه أمّة بأمة، ولم تستغن عنه ملّة دون ملّة، فعرّب ذلك بلغة العرب التي هي القاهرة لجميع اللّغات، المنظّمة لجميع المعاني في وجيز الصّفات. ولو لم يكن من شرف الخط إلا أن الله تعالى أنزله على آدم أو هود ﵉ كما تقدّم ذكره، وأنزل الصّحف على الأنبياء مسطورة، وأنزل الألواح على موسى ﵇ مكتوبة، لكان فيه كفاية.

стр. 1097

وأيضا فإنّ فيه من حفظ الحقوق، ومنع تمرّد ذوي العقوق، بما يسطّر عليهم من الشهادات، التي تقع في السجلات، والمكاتبات بين الناس لحوائجهم من المسافات البعيدة التي لا ينضبط مثل ذلك لحامل رسالة، ولا يناله الحاضر بمشافهة وإن كثر حفظه وزادت بلاغته، ولذلك قيل: الخطّ أفضل من اللفظ، لأن اللفظ يفهّم الحاضر فقط، والخط يفهّم الحاضر والغائب. ولله القائل في ذلك يصف القلم: وأخرس ينطق بالمحكمات ... وجثمانه صامت أجوف بمكّة ينطق في خفية ... وبالشام منطقه يعرف الطرف الثاني في بيان حقيقة الخط قال الشيخ شمس الدين بن الأكفاني «١» في كتابه «إرشاد القاصد» في حصر العلوم: «وهو علم تتعرّف منه صور الحروف المفردة، وأوضاعها، وكيفية تركيبها خطّا أو ما يكتب منها في السّطور، وكيف سبيله أن يكتب، وما لا يكتب، وإبدال ما يبدل منها في الهجاء وبماذا يبدل» . قال: «وبه ظهرت «٢» خاصّة النوع الإنسانيّ من القوّة إلى الفعل، وامتاز عن سائر أنواع الحيوان، وضبطت الأموال، وترتّبت الأحوال وحفظت العلوم في الأدوار، واستمرّت على الأطوار، وانتقلت الأخبار من زمان إلى زمان، وحملت سرّا من مكان إلى مكان.

стр. 1098

وبهذه الفضائل حافظت الغريزة الإنسانية على قبوله بطلب تعلّمه محافظة لم يحتج بها إلى تذكار بعد الغيبة. ولهذه العلّة استغنى عن كتاب يصنّف فيه» . ثم قال: «وجميع العلوم إنما تعرف بالدلالة عليها: بالإشارة، أو اللفظ، أو الخط، فالإشارة تتوقّف على المشاهدة، واللفظ يتوقّف على حضور المخاطب وسماعه؛ أما الخط فإنه لا يتوقّف على شيء فهو أعمّها نفعا وأشرفها» . واعلم أنه قد تقدّم في الكلام على اللغة في «النوع الأول مما يحتاج إليه الكاتب» أنه ينبغي للكاتب أن يتعلّم لغة من يحتاج إلى مخاطبته، أو مكاتبته من اللغات غير العربية؛ فكذلك ينبغي أن يتعلم من الخطوط غير العربية ما يحتاج إليه من ذلك، فقد قال محمد بن عمر المدائني «١» في كتاب «القلم والدواة» إنه يجب عليه أن يتعلم الهندية وغيرها من الخطوط العجمية. ويؤيد ذلك ما تقدّم في الكلام على اللغة أن النبيّ ﷺ «أمر زيد بن ثابت ﵁ أن يتعلم كتاب يهود من السّريانية أو العبرانية فتعلّمها» وكان يقرأ على النبيّ ﷺ كتبهم ويجيبهم عنه. الطرف الثالث في وضع الخط؛ وفيه جملتان الجملة الأولى في بيان المقصود من وضعه، والموازنة بينه وبين اللفظ أما بيان المقصود من وضعه، فاعلم أنّ وضع اللفظ لأداء المعنى، الحاصل في الذهن المشعور به للمسمع؛ إذ لا وقوف على ما في الذهن؛ ووضع الخط لأداء اللفظ المقصود فهمه للناظر فيه. فإذا أردت إيقافك أحدا على ما في ذهنك من المعاني تكلمت بألفاظ وضعت لها، وإذا أردت تأدية ألفاظ لذلك الإيقاف إلى أحد

стр. 1099

بغير شفاه، نقشت النّقوش الموضوعة لتلك الألفاظ، فيطالع تلك النّقوش، ويفهم منها تلك الألفاظ، ومن الألفاظ تلك المعاني؛ ولا علاقة معقولة بين المعاني والألفاظ على الأمر العام، ولا بين الألفاظ والنقوش الموضوعة؛ ومن ثمّ جاء اختلاف اللّغات والخطوط كالعربيّة والرّومية وغيرهما. وأما الموازنة بينه وبين اللفظ، فالأصل في ذلك أن الخطّ واللّفظ يتقاسمان فضيلة البيان ويشتركان فيها: من حيث إن الخطّ دالّ على الألفاظ والألفاظ دالّة على الأوهام؛ ولاشتراك الخط واللفظ في هذه الفضيلة وقع التناسب بينهما في كثير من أحوالهما؛ وذلك أنهما يعبران عن المعاني، إلا أن اللفظ معنى متحرّك والخطّ معنى ساكن، وهو وإن كان ساكنا فإنه يفعل فعل المتحرّك بإيصاله كلّ ما تضمنه إلا الأفهام وهو مستقرّ في حيّزه، قائم «١» في مكانه؛ كما أن اللفظ فيه العذب الرشيق السائغ في الأسماع كذلك الخط فيه الرائق المستحسن الأشكال والصّور، وكما أن اللفظ فيه الجزل الفصيح الذي يستعمله مصاقع الخطباء، ومفالق الشّعراء، والمبتذل السخيف الذي يستعمله العوامّ في المكاتبة والمخاطبة، كذلك الخطّ فيه المحرّر المحقّق الذي تكتب به الكتب السلطانية والأمور المهمة، وفيه المطلق المرسل الذي يتكاتب به الناس ويستعملونه فيما بينهم. وكما أن اللفظ يقع فيه لحن الإعراب الذي يهجّنه، كذلك الخط يقع فيه لحن الهجاء. وكما أن اللفظ إذا كان مقبولا حلوا رفع المعنى الخسيس وقرّبه من النّفوس، وإن كان غثّا مستكرها وضع المعنى الرفيع وبعّده من القلوب، وكذلك الخط إذا كان جيّدا حسنا بعث الإنسان على قراءة ما أودع فيه وإن كان قليل الفائدة، وإن كان ركيكا قبيحا صرفه عن تأمّل ما تضمّنه وإن كان جليل الفائدة. ولما اشترك اللفظ والخط في الفوائد العامّة التي جعلت فيهما وقع الاشتراك أيضا بين آلتيهما، إذ آلة اللفظ اللسان، وآلة الخط القلم؛ وكل منهما يفعل فعل

стр. 1100

الآخر في الإبانة عن المعاني، إلا أن اللفظ لما كان دليلا طبيعيا جعلت آلته آلة طبيعية، والخط لما كان دليلا صناعيّا جعلت آلته آلة صناعيّة؛ ولما تقاسمت الآلتان الدلالة نابت إحداهما مناب الأخرى فأوقعوا اسم اللسان على القلم فقالوا: الأقلام ألسنة الأفهام، وشرّكوا بينهما في الاسم فقالوا: القلم أحد اللّسانين. الجملة الثانية في أصل وضعه؛ وفيه مسلكان المسلك الأوّل في وضع مطلق الحروف قيل: إن أوّل من وضع الخطوط والكتب كلّها آدم ﵇: كتبها في طين وطبخه؛ وذلك قبل موته بثلاثمائة سنة، فلما أظلّ الأرض الغرق أصاب كلّ قوم كتابهم. وقيل أخنوخ (وهو إدريس ﵇ . وقيل إنها أنزلت على آدم ﵇ في إحدى وعشرين صحيفة. وقضية هذه المقالة أنها توقيفية علمها الله تعالى بالوحي؛ والمقالتان الأوليان محتملتان لأن تكون توقيفية وأن تكون اصطلاحية وضعها آدم وإدريس ﵉. على أنه يحتمل أن يكون بعض ذلك توقيفيا علمه الله تعالى بالوحي، وبعضه اصطلاحيا وضعه البشر: واحد أو جماعة، فيصير الخلاف فيه كالخلاف في اللغة هل هي توقيفية أو اصطلاحية على ما هو مقرّر في علم الأصول، والله أعلم «١» .

стр. 1101

المسلك الثاني في وضع حروف العربية قال الشيخ أبو العباس البونيّ «١» ﵀ في كتابه «لطائف الإشارات في أسرار الحروف المعلومات» : يروى عن أبي ذرّ الغفاري ﵁ أنه قال: «سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، كلّ نبيّ مرسل بم يرسل؟. قال: بكتاب منزّل. قلت: يا رسول الله، أيّ كتاب أنزل على آدم؟. قال: أب ت ث ج إلى آخره. قلت: يا رسول الله، كم حرف؟. قال: تسع وعشرون. قلت: يا رسول الله، عددت ثمانية وعشرين، فغضب رسول الله ﷺ حتّى احمرّت عيناه، ثم قال: يا أبا ذرّ، والّذى بعثني بالحقّ نبيّا! ما أنزل الله تعالى على آدم إلا تسعة وعشرين حرفا. قلت: يا رسول الله، فيها ألف ولام. فقال ﵇: لام ألف حرف واحد، أنزله على آدم في صحيفة واحدة، ومعه سبعون ألف ملك؛ من خالف لام ألف فقد كفر بما أنزل على آدم، ومن لم يعدّ لام ألف فهو بريء منّي وأنا بريء منه، ومن لا يؤمن بالحروف وهي تسعة وعشرون حرفا لا يخرج من النار أبدا» . وهذا الخبر ظاهر في أن المراد منه حروف العربية فقط، إذ قد أجاب ﷺ أبا ذرّ ﵁ بحروف: أب ت ث وأثبت منها لام ألف، وليس ذلك في غير

стр. 1102

حروف العربية؛ وقضية ذلك أن حروف العربية أنزلت على آدم ﵇ وهو الموافق لما في أوّل الفصل قبله، لكن في كتاب «التنبيه على نقط المصاحف وشكلها» للشيخ أبي عمرو الدانيّ «١» ﵀ أنها أنزلت على هود ﵇؛ ولا تباين بينهما، لجواز أن تنزل على آدم مرّة وعلى هود أخرى، فربما نزلت الآية على نبيّ ثم نزلت على نبيّ آخر كما قيل في قوله تعالى: حم عسق كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ «٢» إنه ما بعث الله تعالى نبيّا إلّا وأنزل عليه حم عسق . وقد أنزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ على سليمان ﵇ ثم أنزلت على النبيّ ﷺ ؛ وربما أنزلت الآية الواحدة على النبي ﷺ مرتين كما في الفاتحة فإنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة على أحد الأقوال. وعلى الجملة فقضيته أنها توقيفيّة وهو الموافق لأحد الأقوال في مطلق الحروف. وعن ابن عباس ﵄: أن أوّل من وضع الحروف العربية ثلاثة رجال من بولان «٣» (وبولان قبيلة من طيء) نزلوا مدينة الأنبار «٤» ، وهم مرامر ابن مرّة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة «٥» ، اجتمعوا فوضعوا حروفا مقطّعة وموصولة، ثم قاسوها على هجاء السّريانية؛ فأما مرامر فوضع الصّور، وأما أسلم ففصل ووصل، وأما عامر فوضع الإعجام؛ ثم نقل هذا العلم إلى مكة وتعلّمه من تعلمه وكثر في الناس وتداولوه.

стр. 1103

ونقل الجوهريّ «١» عن شرقيّ بن القطاميّ «٢» : أن أوّل من وضعه رجال من طيىء منهم مرامر بن مرّة «٣» وأنشد عليه: تعلّمت باجاد «٤» وآل مرامر ... وسوّدت أثوابي ولست بكاتب قال الجوهري: وإنما قال آل مرامر لأنه كان قد سمى كل واحد من أولاده بكلمة من أبي جاد «٥» وهم ثمانية. وذكر غيره نحوه فقال: أوّل من اخترعه وألّف حروفه ستة أشخاص من طسم كانوا نزولا عند عدنان بن أدد، وكانت أسماؤهم: أبجد، وهوّز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، فوضعوا الكتابة والخطّ على أسمائهم، فلما وجدوا في الألفاظ حروفا ليست في أسمائهم ألحقوها بها، وسمّوها الرّوداف، وهي الثاء المثلثة، والخاء، والذال، والظاء، والغين، والضاد المعجمات على حسب ما يلحق من حروف الجمّل، ثم انتقل عنهم إلى الأنبار، واتصل بأهل الحيرة «٦» ، وفشا في العرب ولم ينتشر كلّ الانتشار إلى أن كان المبعث. وقيل: إن نفيسا ونصرا وتيما ودومة بني إسرائيل وضعوا كتابا واحدا وجعلوه سطرا واحدا موصول الحروف كلّها غير متفرق، ثم فرقه نبت وهميسع وقيذار، وفرقوا الحروف وجعلوا الأشباه والنظائر. وعن هشام بن محمد «٧» عن أبيه قال:

стр. 1104

أخبرني قوم من علماء مصر أن أوّل من كتب الكتاب العربيّ رجل من بني النّضر بن كنانة، فكتبته العرب حينئذ. وقضية هذه المقالات أنها اصطلاحية. وفي السيرة لابن هشام: أن أوّل من كتب الخط العربيّ حمير بن سبإ «١» علّمه في المنام؛ قال: وكانوا قبل ذلك يكتبون بالمسند سمّي بذلك لأنهم كانوا يسندونه إلى هود ﵇. وهو مخالف لما تقدّم من كلام أبي عمرو الدانيّ: أن العربي أنزل على هود ﵇. قال السهيلي «٢» ﵀ في «التعريف والإعلام» : والأصح ما رويناه من طريق أبي عمر بن عبد البر «٣» ﵀ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «أوّل من كتب بالعربيّة إسماعيل ﵇» قال ابن عبد البر: وهذا أصح من رواية «أوّل من تكلّم بالعربيّة إسماعيل» وهذا محتمل للتوقيف أيضا بأن يكون إسماعيل علّمها بالوحي، وللاصطلاح بأن يكون وضعه من نفسه. ثم أوّل ما ظهرت الكتابة العربيّة بمكة من قبل حرب بن أمية. قال المدائني: حدثني حسان بن عبد الملك الأنصاريّ قال: حدثني سليمان بن سعيد المرّيّ قال: سمعت الفرّاء «٤» يقول: حدّثني العمريّ «٥» أنه قيل لابن عباس: من.

стр. 1105

أين تعلّمتم الهجاء والكتابة والشّكل؟ قال علّمناه من حرب بن أميّة، قيل: ومن أين علّمه حرب بن اميّة؟ قال: من طاريء طرأ علينا من اليمن؛ قيل: ومن اين علّمه ذلك الطاريء؟ قال: من كاتب الوحي لهود ﵇. وذكر أبو عمر والدانيّ في كتاب «التنبيه على النقط والشكل» نحوه. وقيل: أوّل ما ظهرت باليمن من قبل أبي سفيان بن أمية، عمّ أبي سفيان بن حرب، وأتته من قبل رجل من أهل الحيرة؛ قال أهل الحيرة: أخذناها من أهل الأنبار. وقال أبو بكر بن أبي داود «١» عن عليّ بن حرب «٢» عن هشام بن محمد بن السائب «٣» قال: تعلم بشر بن عبد الملك «٤» الكتابة من أهل الأنبار، وخرج إلى مكة، وتزوّج الصّهباء بنت حرب «٥» . وقيل: إنه لما تعلم أبو سفيان بن حرب الخطّ من أبيه تعلمه عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من قريش، وتعلمه معاوية ابن أبي سفيان من عمه سفيان. أما الأوس والخزرج فقد روى الواقديّ «٦» بسنده إلى سعد بن سعيد «٧» قال: كانت الكتابة العربية قليلا في الأوس والخزرج، وكان يهوديّ من يهود ماسكة «٨»

стр. 1106

قد علّمها فكان يعلّمها الصّبيان فجاء الإسلام وفيهم بضعة عشر يكتبون، منهم سعيد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، يكتب الكتابين جميعا العربية والعبرانية، ورافع بن مالك، وأسيد بن حضير، ومعن بن عديّ، وأبو عبس بن كثير، وأوس بن خوليّ، وبشير بن سعد. قال صاحب «الأبحاث الجميلة في شرح العقيلة» «١» : والخط العربيّ هو المعروف الآن بالكوفيّ، ومنه استنبطت الأقلام التي هي الآن، وقد ذكر ابن الحسين «٢» في كتابه في قلم الثّلث «٣» : أن الخطّ الكوفيّ فيه عدّة أقلام مرجعها إلى أصلين: وهما التقوير والبسط. فالمقوّر- هو المعبّر عنه الآن باللّيّن، وهو الذي تكون عرقاته وما في معناها منخسفة منحطة إلى أسفل كالثلث والرقاع ونحوهما. والمبسوط- هو المعبّر عنه الآن باليابس، وهو ما لا انخساف وانحطاط فيه كالمحقّق، وعلى ترتيب هذين الأصلين الأقلام الموجودة الآن. ثم قد ذكر صاحب «إعانة المنشيء» أن أوّل ما نقل الخط العربيّ من الكوفيّ إلى ابتداء هذه الأقلام المستعملة الآن في أواخر خلافة بني أميّة وأوائل خلافة بني العباس.

стр. 1107

قلت: على أن الكثير من كتّاب زماننا يزعمون أن الوزير أبا عليّ بن مقلة «١» (رحمه الله تعالى) هو أوّل من ابتدع ذلك، وهو غلط فإنا نجد من الكتب بخط الأوّلين فيما قبل المائتين ما ليس على صورة الكوفيّ بل يتغير عنه إلى نحو هذه الأوضاع المستقرّة وإن كان هو إلى الكوفيّ أميل لقربه من نقله عنه. قال أبو جعفر النحاس «٢» في «صناعة الكتّاب» : ويقال إن جودة الخط انتهت إلى رجلين من أهل الشأم يقال لهما: الضحّاك، وإسحاق بن حمّاد «٣» ، وكانا يخطان الجليل «٤» ؛ وكأنه يريد الطّومار «٥» أو قريبا منه. قال صاحب «إعانة المنشيء» : وكان الضحاك في خلافة السّفّاح، أوّل خلفاء بني العباس، وإسحاق بن حمّاد في خلافة المنصور والمهديّ. قال النحاس: ثم أخذ إبراهيم (يعني السّجزيّ) «٦» عن إسحاق بن حماد

стр. 1108

الجليل واخترع منه قلما أخفّ منه سماه قلم الثلثين «١» ، وكان أخطّ أهل دهره به، ثم اخترع من قلم الثلثين قلما سماه قلم الثلث. قال صاحب «الأبحاث الجميلة» : وأخذ يوسف أخو إبراهيم السّجزيّ القلم الجليل عن إسحاق أيضا، واخترع منه قلما أدق منه وكتبه كتابة حسنة فأعجب به ذو الرياستين الفضل بن سهل وزير المأمون، وأمر أن تحرّر الكتب السلطانية به، ولا تكتب بغيره، وسماه القلم الرّياسيّ «٢» . قال بعض المتأخرين: وأظنه قلم التوقيعات. قال النحاس: ثم أخذ عن إبراهيم السّجزيّ الأحول «٣» الثلثين والثلث، واخترع منهما قلما سماه قلم النصف، وقلما أخفّ من الثلث سماه خفيف الثلث، وقلما متصل الحروف ليس في حروفه شيء ينفصل عن غيره سماه المسلسل، وقلما سماه غبار الحلية «٤» ، وقلما سماه خط المؤامرات «٥» ، وقلما سماه خطّ القصص «٦» ، وقلما مقصوعا سماه الحوائجيّ. قال: وكان خطه يوصف بالبهجة والحسن من غير إحكام ولا إتقان، وكان عجيب البري للقلم. وكان وجه

стр. 1109

النعجة «١» مقدّما في الجليل. قال: وكان محمد بن معدان يعني المعروف بأبي درجان «٢» مقدّما في خط النّصف، وكان قلمه مستوي السّنّين، وكان يشقّ الطاء والظاء والصاد والضاد بعرض النصف؛ ويعطف مثل يا، ويصل كلّ ياء من يساره إلى يمينه بعرض النصف لا يرى فيه اضطراب. وكان أحمد «٣» بن محمد بن حفص المعروف بزاقف أجلّ الكتّاب خطّا في الثلث. وكان ابن الزّيّات- في أيام ابن طولون- وزير المعتصم يعجبه خطّه ولا يكتب بين يديه غيره. وانتهت رياسة الخط بمصر إلى طبطب المحرّر جودة وإحكاما. قال النحاس: وكان أهل مدينة السلام «٤» يحسدون أهل مصر على طبطب وابن عبد كان «٥» ، يعني كاتب الإنشاء لابن طولون، ويقولون: بمصر كاتب ومحرّر ليس لأمير المؤمنين بمدينة السلام مثلهما. قلت: ثم انتهت جودة الخط وتحريره على رأس الثلاثمائة إلى الوزير أبي عليّ محمد بن مقلة وأخيه أبي عبد الله «٦» . قال صاحب «إعانة المنشيء» : وولّدا طريقة اخترعاها، وكتب في زمانهما جماعة فلم يقاربوهما. وتفرّد أبو عبد الله بالنّسخ «٧» ، والوزير أبو عليّ

стр. 1110

بالدّرج؛ وكان الكمال في ذلك للوزير؛ وهو الذي هندس الحروف وأجاد تحريرها، وعنه انتشر الخطّ في مشارق الأرض ومغاربها. ولله قول القائل: سبق الدّمع في المسير المطايا ... إذ روى من أحب عنه بقلّه وأجاد السّطور في صفحة الخدّ ... ولم لا يجيد وهو ابن مقله وقول الآخر: تسلسل دمعي فوق خدّي أسطرا ... ولا عجب من ذاك وهو ابن مقلة ثم أخذ عن ابن مقلة محمد بن السمسماني «١» ومحمد بن أسد «٢» ؛ وعنهما أخذ الأستاذ أبو الحسن عليّ بن هلال المعروف بابن البوّاب «٣» ، وهو الذي أكمل قواعد الخط وتممها واخترع غالب الأقلام التي أسسها ابن مقلة؛ ولما مات رثاه بعضهم بقوله: واستشعر الكتّاب فقدك سالفا ... فجرت بصحّة ذلك الأيّام فلذاك سوّدت الدّويّ وجوهها ... أسفا عليك وشقّت الأقلام وممن أخذ عنه محمد بن عبد الملك، وعن محمد بن عبد الملك أخذت الشيخة المحدّثة الكاتبة زينب الملقّبة بشهدة ابنة الإبريّ «٤» ؛ وعنها أخذ أمين الدين ياقوت «٥» ؛ وعنه أخذ الوليّ العجميّ «٦» ؛ وعليه كتب العفيف «٧» ؛ وعن

стр. 1111

العفيف أخذ ولده الشيخ عماد الدين، ويقال: إنه كان كابن البوّاب في زمانه؛ وعن الشيخ عماد الدين بن العفيف أخذ الشيخ شمس الدين بن أبي رقيبة محتسب الفسطاط، وهو ممن عاصرناه؛ وأخذ عنه شيخنا الشيخ شمس الدين محمد بن عليّ الزّفتاويّ المكتّب بالفسطاط، وصنف مختصرا في قلم الثلث مع قواعد ضمّها إليه في صنعة الكتابة، أحسن فيه الصنيع؛ وبه تخرّج صاحبنا الشيخ زين الدّين شعبان بن محمد بن داود الآثاريّ «١» محتسب مصر، ونظم في صنعة الخط ألفية وسمها ب «- العناية الرّبانية في الطريقة الشّعبانية» لم يسبق إلى مثلها؛ ثم توجه بعد ذلك إلى مكة، ثم إلى اليمن والهند؛ ثم عاد إلى مكة فأقام بها ونبغ. قلت: وقد علم مما تقدّم ذكره أن ألقاب الأقلام: من الثلثين والنصف والثّلث وخفيف الثلث والمسلسل والغبار قديمة، وإن وقع في أذهان كثير من الناس أنها من مخترعات ابن مقلة وابن البوّاب فمن بعد هما. الطرف الرابع في عدد الحروف، وجهة ابتدائها، وكيفية ترتيبها؛ وفيه خمس «٢» جمل الجملة الأولى في مطلق الحروف في جميع اللغات واعلم أن الحروف تختلف باختلاف اللّغات بحسب تعدّد مخارجها، فحروف السّريانيين، والرّوم، والفرس، والصّقلب، والتّرك، من أربعة وعشرين حرفا إلى ستة وعشرين حرفا؛ وحروف العبرانيين، واليونانيين، والقبط الأول، والهنود وغيرهم من اثنين وثلاثين إلى ستة وثلاثين؛ فيوجد في غير العربية من الحروف ما لا يوجد في العربية، كما يوجد في العربية ما لا يوجد في غيرها من

стр. 1112

اللّغات، ويكثر في الاستعمال فيها ما لا يكثر في غيرها، فالحاء المهملة، والظاء المعجمة مما أفردت بها العرب في لغاتها، واختصت بها دون غيرها من أرباب اللّغات؛ والعين المهملة قليلة في كلام بعض الأمم ومفقودة في كلام كثير منهم؛ وكذلك الصاد والضاد والذال المعجمة ليست في الفارسية، والثاء المثلثة ليست في الروميّة ولا في الفارسية، والفاء ليست في التركية. قال الشيخ أثير الدين أبو حيان «١» ﵀: ولذلك يقولون في فقيه: يقيه بالباء الموحدة المشربة الفيويّة «٢» . الجملة الثانية في حروف العربية واعلم أنا لما كنا بحمد الله أمّة وسطا خير أمّة أخرجت للناس، وكان خير الأمور أوساطها، وكانت حروف اللّغات ما بين أربعة وعشرين حرفا إلى ستة وثلاثين كما تقدّم، كانت حروف الكلام العربيّ التي بها رقم القرآن الكريم ثمانية وعشرين حرفا في اللفظ، متوسطة بين حروف اللّغات، وهي اب ت ث إلى آخره؛ وتسمى حروف الهجاء وحروف التّهجّي؛ ويسميها سيبويه والخليل حروف العربية أي حروف اللغة العربية، وهي التي يتركّب منها الكلام العربيّ؛ وتسمى أيضا حروف المعجم، إما لأنها مقطّعة لا تفهم إلا بإضافة بعضها إلى بعض، وإما لأن منها ما ينقط النقط المعروف، أو تنقط كلّها أي تشكل، إذ النقط قد يكون بمعنى الشّكل. وقال بعض أهل اللغة: [العجم] «٣» النّقط بالسواد كمثل التاء عليها نقطتان، يقال منه أعجمت الحروف، ومعناه حروف الخط المعجم. وبعضهم «٤»

стр. 1113

يجعل المعجم مصدرا بمعنى الإعجام من أعجمت الشيء إذا بيّنته فكأنها مبيّنة للكلام؛ وتكون الهمزة في أعجمت للإزالة، أي أزلت عجمته إما بنقطه أو شكله. قال الشيخ عبد الخالق بن أبي القاسم المصريّ «١» : وإذا اعتبرت سائر اللغات بالتحقيق فلن يزيد ذلك على ثمانية وعشرين حرفا (يريد غير اللام ألف) في الحروف العربية، والقائل بذلك يجعل اللام ألف مركبا من حرفين فلا يعدّه حرفا مستقلّا. قال علماء الحرف: وجعلت ثمانية وعشرين حرفا على عدد منازل القمر الثمانية والعشرين. قالوا: ولما كانت المنازل القمرية يظهر منها فوق الأرض أربع عشرة منزلة ويغيب تحت الأرض أربع عشرة كانت هذه الحروف ما يظهر منها مع لام التعريف أربعة عشر بعدد المنازل الظاهرة، وهي الألف، والباء، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، والعين المهملة، والغين المعجمة، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والميم، والهاء، والواو، والياء المثناة تحت. تقول الألف والباء والحاء فتظهر اللام في لفظك وكذلك في البواقي. وما يندغم منها أربعة عشر حرفا أيضا بعدد المنازل الغائبة، وهي التاء المثناة من فوق، والثاء المثلثة، والدال المهملة، والذال المعجمة، والراء والزاي، والسين المهملة، والشين المعجمة، والصاد المهملة، والضاد المعجمة، والطاء المهملة، والظاء المعجمة، والنون. تقول التاء، والثاء، والدال فتخفى في لفظك، وكذلك في البواقي. وقد تقدّم في خبر أبي ذرّ ﵁ أنها نزلت على آدم ﵇ تسعة وعشرين حرفا عدّ منها اللام ألف وهو الموجود في التصوير فلا يعوّل إلا عليه إن صح الحديث.

стр. 1114

ثم للحروف العربية فروع توجد في اللفظ دون الكتابة مستحسنة ومستقبحة، تبلغ بها الحروف العربية سبعة وأربعين حرفا، ولا يوجد ذلك في لغة أمة من الأمم، أضربنا عن ذكرها لعدم تعلّقها بالخط الذي نحن بصدده؛ وبالله المستعان. الجملة الثالثة في بيان جهة ابتداءات الحروف واعلم أن أصحاب الأقلام اختلفوا باعتبار مقاصدهم في البداءة بالحروف. فمنهم من يبدأ من اليمين إلى اليسار كالعرب والعبرانيين والهنود وأهل الطبيعة والسّريانيين، آخذا فيه على سير الفلك من المشرق إلى المغرب، والمشرق عندهم يمين الفلك ويقال له: مأخذ «١» كوريّ، وقيل: لأن فيه الاستمداد من الكبد إلى القلب. ومنهم من يبدأ من اليسار إلى اليمين كالرومية واليونانيّة والقبطية، وفنّ من الفارسية، آخذا فيه على سير الكواكب السبعة السيارة من المغرب إلى المشرق. ويقال له: مأخذ دوريّ؛ وقيل: لأنه ناشيء عن حركة القلب إلى الكبد. الجملة الرابعة في كيفية ترتيب الحروف واعلم أن ترتيب الحروف على ضربين: مفرد ومزدوج؛ وبين أهل الشرق وأهل الغرب في كل من النوعين خلاف في الترتيب. أما المفرد فأهل الشرق يرتبونه على هذا الترتيب: أب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ ولا ي وأما أهل الغرب فإنهم يرتبونه على هذا الترتيب:

стр. 1115

أب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ ولا ي وأما المزدوج فأهل الشرق يرتبونه على هذا الترتيب: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ: وأهل الغرب يرتبونه على هذا الترتيب: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ظغش «١» . على أنه قد اختلف في كلمات أبجد هل لها معنى أم لا، وهل يكره تعلّمها أم لا، وأكثر الناس في الشرق والغرب على تعلّمها. وقد جاء أنها كانت تعلّم في زمن عمر بن الخطاب ﵁؛ ويشهد لذلك قول الأعرابيّ في أبياته: أتيت مهاجرين فعلّموني ... ثلاثة أسطر متتابعات وخطّوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلّم سعفصا وقريّشات وقيل: إن أبجد، وهوّز، وحطي، وكلمن، كانت أسماء ملوك مدين، وإن كلمن كان في زمن شعيب ﵇. وقد تقدّم أن الأربعة المذكورة كانت أسماء واضعي الخط العربيّ على قول؛ والله أعلم. الجملة الخامسة في كيفية صور الحروف العربية وتداخل أشكالها قد تقدّم أن الحروف العربية على تسع عشرة صورة، وهي صورة الألف، وصورة الباء والتاء والثاء، وصورة الجيم والحاء والخاء، وصورة الدال والذال، وصورة الراء والزاي، وصورة السين والشين، وصورة الصاد والضاد، وصورة الطاء والظاء، وصورة العين والغين، وصورة الفاء والقاف «٢» ، وصورة الكاف،

стр. 1116

وصورة اللام، وصورة الميم، وصورة النون، وصورة الهاء، وصورة الواو، وصورة اللام ألف، وصورة الياء، وفرّقوا بينها بالنقط كما سيأتي، وقصدوا بذلك تقليل الصّور للاختصار لأن ذلك أخفّ من أن يجعل لكل حرف صورة فتكثر الصّور. ثم ترجع الصور التسع عشرة بعد ذلك إلى خمس صور: وهي الألف والجيم والراء والنون والميم؛ ففي صورة الألف إحدى عشرة صورة، ألف قائمة، وهي أ، وسبع «١» ألفات مسطوحة، وهي ب ت ث، ك ل ي، فكل هذه على صورة الألف غير أن فيها ما تكرّر فيه صورة الألف، وهي الكاف واللام، وألفان مبطوحتان، وهما ط ظ، وألف معطوفة، وهي لا؛ وفي الجيم سبع صور جيم مرفّلة، وهي ج ح خ، وجيمان محذوفتان، وهما د ذ، وجيمان شاخصتان، وهما ع غ؛ وفي الراء ثلاث صور، وهي ر ز و، وفي النون ست صور، وهي ن س ش ص ض ق؛ وفي الميم صورتان، وهما م هـ. الطرف الخامس في تحسين الخطّ، وفيه جملتان الجملة الأولى في الحث على تحسين الخط لا خفاء أن حسن الخط من أحسن الأوصاف التي يتصف بها الكاتب، وأنه يرفع قدره عند الناس، ويكون وسيلة إلى نجح مقاصده، وبلوغ مآربه؛ مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد التي لا تكاد تحصى كثرة. وقد قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: «الخط الحسن يزيد الحق وضوحا» . وقال بعض العلماء: الخط كالروح في الجسد، فإذا كان الإنسان جسيما

стр. 1117

وسيما حسن الهيئة، كان في العيون أعظم، وفي النفوس أفخم، وإذا كان على ضدّ ذلك سئمته النفوس، ومجّته القلوب؛ فكذلك الخط إذا كان حسن الوصف، مليح الرّصف مفتّح العيون، أملس المتون، كثير الائتلاف، قليل الاختلاف، هشّت إليه النفوس، واشتهته الأرواح؛ حتّى إن الإنسان ليقرؤه وإن كان فيه كلام دنيء، ومعنى رديء، مستزيدا منه ولو كثر، من غير سآمة تلحقه؛ وإذا كان الخط قبيحا مجّته الأفهام، ولفظته العيون والافكار، وسئم قارئه، وإن كان فيه من الحكمة عجائبها، ومن الألفاظ غرائبها. ويقال: إن الخط مواز للقراءة، فأجود الخط أبينه، كما أن أجود القراءة أبينها؛ ولا يخفى أن الخط الحسن هو البيّن الرائق البهج. ثم قد تقدّم في الكلام على أصل الخط أن الخطّ واللفظ يتقاسمان فضيلة البيان، ويشتركان فيها. قال في «مواد البيان» «١» : ولما كان الخط قسما للّفظ في البيان الذي امتنّ الله تعالى بتعليمه على الإنسان، وجب على الكاتب أن يعنى بأمر الخط، ويراعي من تجويده وتصحيحه، ما يراعيه من تهذيب اللفظ وتنقيحه، ليدلّ على سرعة وسهولة كما يدلّ اللفظ البليغ البيّن، لأن الخط وإن كان على الإطلاق في المنزلة التي لا تساوى من الشرف فإنما تحصل فضائله للجيّد منه، كما أن المنطق وإن كان من الشرف في هذا الحدّ فإنما تحصل فضائله التامّة لمنطق البليغ اللّسن، دون منطق العييّ الألكن، وكذلك سائر الصنائع الفاضلة على الإطلاق إنما يحصل فضلها للماهر فيها دون المبتديء. قال: فينبغي للكاتب ألّا يقدّم على تهذيب خطه وتحريره شيئا من آدابه فإن جودة الخط أوّل الأدوات التي ينتظم بحصولها له اسم الكتابة، ويحكم عليه إذا

стр. 1118

حازها بأنه من أهلها. وقد دخل بحسن الخط في الصناعة من إذا فحص عن مقدار معرفته وجب أن تنزّه الكتابة عن نسبته إليها. ويجب مع ذلك أن يراعي تأسيس الخط على الوضع الذي اصطلح عليه المجيدون من الكتّاب، فقد قسم أهل الصناعة الخطّ إلى قسمين: محقّق ومطلق. فأما المحقّق فما صحّت أشكاله وحروفه على اعتبارها مفردة. قال في «موادّ البيان» : وهذا القسم هو الذي يستعمل في الأمور الجسمية: ككتب العهود، والإسجالات، والتمليكات التي تبقى على الأعقاب، والمكاتبات الصادرة عن الملوك إلى الملوك، الدالة على قدر المكتوب عنه والمكتوب إليه. وأما المطلق فهو الذي تداخلت حروفه واتصل بعضها ببعض. قال في «مواد البيان» : وهو خط مولّد من المحقّق، يستعمل في تنفيذ ما لا يمكن تأخيره من المكاتبات المهمّة والأمور العامة. قال: ويجب أن يلزم الطريقة في كل واحد من الخطين، ولا يخلط حروف أحدهما بحروف الآخر. الجملة الثانية في الطريق إلى تحسين الخط؛ ويتوصّل إلى ذلك بأمور الأوّل «١» - معرفة تشكيل الحروف قال في «مواد البيان» : وهو الأصل في أدب الخط، لأن الخط إنما يسمّى جيّدا إذا حسنت أشكال حروفه، وإنما يسمّى رديئا إذا قبحت أشكال حروفه. وحسن صور حروف الخط في العين شبيه بحسن مخارج اللفظ العذب في السّمع. قال: والوجه في تصحيح الحروف أن يبدأ أوّلا بتقويمها مفردة مبسوطة

стр. 1119

لتصح صورة كل حرف منها على حالها، ثم يؤخذ في نقويمها مجموعة مركبة، وأن يبدأ من المركّب بالثنائى والثلاثيّ، ثم بالرباعيّ، ثم بالخماسيّ؛ فإن هذه هي أمثلة الأسماء والحروف الأصلية، وأن يعتمد في التمثيل على توقيف المهرة في الخطوط، العارفين بأوضاعها ورسومها واستعمال آلاتها، فإن لكل خط من الخطوط قلما من الأقلام يصلح لذلك الخط، وهذه الأقلام المختلفة نظير آلات الصنائع المختلفة التي يصنع الصانع بكل آلة منها جزاءا من صناعته لا يصنع به غيره؛ ولا يعوّل على كتابة خط من الخطوط بنقل مثاله بنفسه فإن ذلك لا يكفيه، إذ لو كان ذلك كافيا لاستغني في جميع الصنائع عمن يوقّف عليها. على أن كثيرا من أصحاب الخطوط قد كتبوا طبعا دون التوقيف من أحد على طريقة من طرق المحرّرين، إلا أن الأفضل أن يبنى الخطّ على أصل يكون له أساسا، فإذا فصّلت أحواله انكشف فساد كثير من حروفه. الطرف السادس في قواعد تتعلق بالكتابة لا يستغني الكاتب المجيد عن معرفتها؛ وفيه جملتان الجملة الأولى في هندسة الحروف، ومعرفة اعتبار صحتها ونحن نذكرها على ترتيب الحروف الألف قال الوزير أبو عليّ بن مقلة: وهي شكل مركب من خط منتصب، يجب أن يكون مستقيما غير مائل إلى استلقاء ولا انكباب. قال: وليست مناسبة لحرف في طول ولا قصر. قال الشيخ شرف الدين محمد ابن الشيخ عز الدين بن عبد السلام «١» : وهي

стр. 1120

قاعدة الحروف المفردة، وباقي الحروف متفرعة عنها ومنسوبة إليها. ثم الذي ذكره صاحب «رسائل إخوان الصفا» «١» في رسالة الموسيقى، عند ذكر حروف المعجم استطرادا أن مساحتها في الطول تكون ثمان نقط القلم الذي تكتب به ليكون العرض ثمن الطّول. والذي ذكره الشيخ شرف الدين محمد ابن الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنها مقدّرة بست نقط. والذي ذكره الشيخ زين الدين شعبان الآثاريّ في ألفيته أنها مقدّرة بسبع نقط، فما زاد على ذلك كان زائدا عن مقدارها وما نقص كان ناقصا عنه. قال ابن عبد السلام: وتكون النقطة مربعة. قال: ويكون ابتداؤها بنقطة وآخرها بشظيّة. قال ابن مقلة: واعتبارها أن تخط إلى جانبها ثلاث ألفات أو أربع ألفات فتجد فضاء ما بينها متساويا. قال ابن عبد السلام «٢» : وتكون ذلك الألفات المخطوطة إلى جانبها مناسبات لها في الطول متساويات الرؤوس والأذناب.

стр. 1121

الباء قال ابن مقلة: هي شكل مركّب من خطين: منتصب ومنسطح. قال: ونسبته إلى الألف بالمساواة. قال ابن عبد عبد السلام: ويكون المنتصب طوله بمقدار ثلث ألف خطّه. قال: ويبدأ أوّله بنقطة، وكذلك آخره إن كان مرسلا، فإن كان معطوفا فليكن بسنّ القلم اليسرى، والمستدير فيه مثل المنتصب، ولكن يكون المنتصب أرجح من المستدير بنزر يسير؛ وتكون السّنّة المبتدأ بها مترجّحة في الطّول على آخرها المعطوف. قال ابن مقلة: واعتبار صحّتها أن تزيد في أحد سنّيها ألفا فتصير لاما، وزاد ابن عبد السلام في إيضاحه فقال: أن تزيد المنتصب تكملة ألف بحيث يكون طول جملته كطول المنسطح لا أطول ولا أقصر. ثم قال: وهذا الحرف وما يجرى مجراه من يمنة إلى يسرة، وكلّ ما كان كذلك فينبغي أن يمال القلم فيه نحو اليسرة قليلا. ولا يخفى أن التاء والثاء في معنى الباء في ذلك جميعه. الجيم قال ابن مقلة: هي شكل مركّب من خطّين: منكبّ ونصف دائرة؛ وقطرها مساو للألف. وأبدل ابن عبد السلام المنكبّ بالمنسطح، ثم قال: والمنسطح كثلثي ألف من خطه، وربما يكون أنقص بنقطة. قال: ومساحة نصف الدائرة كألف ونصف ألف من قلم الكتابة، ورأسها يكون من يسرة إلى يمنة على استقامة تقريبا؛ وكلّ ما كان كذلك ينبغي أن يمال برأس القلم فيه إلى اليمنة قليلا، يبدأ أوّله بشظيّة بالسّنّ اليمنى من القلم، وآخر تعريجها بالسّنّ اليسرى منه. قال ابن مقلة: واعتبار صحتها أن تخطّ عن يمينها وشمالها خطّين فلا تنقص عنهما شيئا يسيرا ولا تخرج. وقال ابن عبد السلام: واعتبار صحة رأسها أن تكتبه من يسرة إلى يمنة على

стр. 1122

استقامة تقريبا. قال: وحسنها أن تخفضها من الجهة اليمنى قليلا، وميزانها أن تسطر سطرا وتأخذ عليه من يسرة إلى يمنة مقدار ثلثي ألف من قلم الكتابة، بحيث لا يرتفع أولها عن آخرها إلا يسيرا، ولا آخرها عن أولها بل تكون منسبكة فيه، واعتبار نصف الدائرة أن تقابله بنصف آخر فيصير دائرة. ثم قال: وليقصد أن يجعل رأس الجيم سواء آخذا ابتداء الدائرة في جسد ثلث الرأس منسبكا فيه، بحيث يكون الثلث ضلعا واحدا. ولا يخفى أن الحاء والخاء في معنى الجيم في جميع ما تقدّم. الدال قال ابن مقلة: هي شكل مركّب من خطين: منكبّ ومنسطح، مجموعهما مساو للألف. وجعل ابن عبد السلام منها شكلا آخر مركّبا من ثلاثة خطوط: منكبّ، ومنسطح، ومستدير. وكأنه يريد الدال المجموعة. ثم قال: فالمنكب طوله بمقدار نصف ألف خطّه لا غير، وكذلك المنسطح. وابتداء أوّلها بنقطة، وآخرها إن كان مرسلا بقطّة، وإن كان معطوفا بسنّ القلم اليسرى. قال ابن مقلة: واعتبار صحتها أن تصل طرفيها بخطّ فتجده مثلّثا متساوي الأضلاع. ولا يخفى أن الذال في معنى ما تقدّم. الراء قال ابن مقلة: وهي شكل مركّب من خطّ مقوّس هو ربع الدائرة التي قطرها الألف وفي رأسه سنّة مقدّرة في الفكر. قال ابن عبد السلام: وتبدأ أولها بنقطة، وآخرها إن كان مرسلا فبسنّ القلم اليمنى، وإن كان معطوفا فبسنّه اليسرى. قال ابن مقلة: واعتبار صحتها أن تصلها بمثلها فتصير نصف دائرة. ولا يخفى أن الزاي في معناها.

стр. 1123

السين قال ابن مقلة: وهو شكل مركّب من خمسة خطوط: منتصب، ومقوّس. ومنتصب، ومقوّس، ومنتصب «١» . قال ابن عبد السلام: ومساحة رأس السين من أوّل سنّ منها إلى ثالث سنّ كثلثي ألف خطّه. قال: ومساحة قوسها إن كان معطوفا مساحة ألف من خطه، وإن كان مرسلا مساحة ألفين من خطه. وطول كل سنّة مثل سدس ألف خطه، يبدأ أوّلها بنقطة، أما آخرها فإن كان مرسلا فبسنّ القلم اليمنى، وإن كان معطوفا فبسنّه اليسرى. قال: وإذا ابتدأت بالسّنّة وطلعت إلى الثانية فخذ إلى الثالثة من أعلاها ليصير بياض من أسفلها، فإنك متى أخذت رأس سنّة من أسفلها صار أسفلها مصطحبا، ويكون البياض الذي بين السنّات على السوية في البياض. قال ابن مقلة: واعتبار صحتها يعني صحة رأسها أن تمرّ بأعلاها وأسفلها خطين فلا تخرج عنهما شيئا ولا تنقص. ولا يخفى أن حكم الشين أيضا كذلك. الصاد قال ابن مقلة: هي شكل مركب من ثلاثة «٢» خطوط: مقوّس، ومنسطح، ومقوس. قال ابن عبد السلام: وابتداؤه بشظيّة، أما انتهاؤه فإن كان مرسلا فبسنّ القلم اليمنى، وإن كان معطوفا فبسنه اليسرى. قال: ومساحة رأس الصاد في

стр. 1124

الطول كثلثي ألف خطه، ومساحة قوسها إن كان معطوفا مساحة ألف الكتابة، وإن كان مرسلا فمساحة ألفين من قلم خطه. قال ابن مقلة: واعتبار صحتها أن تجعلها مربّعة فتصير متساوية الزّوايا في المقدار. وقال ابن عبد السلام: اعتبار صحتها أن يكون أعلاها كراء معلّقة، والمنسطح كباء، والمقوّس كنون؛ ويكون رأس النون مشرفا على آخرها. ولا يخفى أن الضاد كذلك. الطاء قال ابن عبد السلام: هو شكل مركّب من ثلاثة خطوط: منتصب، ومقوّس، ومنسطح، يبدأ أوله بنقطة وآخره بنقطة. قال: ومساحة ضوء الطاء في الطول كثلثي ألف خطه. قال ابن مقلة: واعتبارها كاعتبار [الصاد «١» ] . وقال ابن عبد السلام: اعتبار صحتها أن يكون المنتصب كألف من خطه في الانتصاب والطول، والمقوّس كراء معلقة، والمنسطح كباء مرسلة. ولا يخفى أن حكم الظاء في ذلك كالطاء. العين قال ابن مقلة: وهي شكل مركّب من خطين: مقوّس ومنسطح، أحدهما نصف الدائر. وقال ابن عبد السلام: هي شكل مركب من ثلاثة خطوط: مقوّس، ومنكبّ،

стр. 1125

[ومنسطح «١» ] يبدأ أولها بشظيّة، وآخر تعريجها بسنّ القلم اليسرى، والتعريجة نصف دائرة؛ ومساحة القوس كألف وثلث من قلم الكتابة، ومساحة الرأس في الطول كثلثي ألف خطه، ويصوّر من رأسها رأس صاد. قال ابن مقلة: واعتبار صحتها كاعتبار الجيم. وقال ابن عبد السلام: اعتبارها أن تخط عن يمينها خطّا من أعلاها إلى منتهى تعريجها فلا يقصر ظهر القوس عن يسارها يسيرا بنقطة تكون سدس ألف خطها لا غير. ولا يخفى أن الغين في الحكم كذلك. الفاء قال ابن مقلة: هي شكل مركّب من أربعة خطوط: منكبّ، ومستلق ومنتصب، ومنسطح. قال ابن عبد السلام: تبدأ أوله بنقطة وتأخذه على سطر إلى جهة اليسار، ثم تأخذ المستلقي إلى أن تنتهي إلى قبالة المنسطح بحيث يصير كالدال المقلوبة. ثم تأخذ من حيث انتهت إلى أن تلصق بالمنسطح فيبقى مثلّثا متساوي الأضلاع، مساحة ضوئه نقطة بمقدار سدس ألف خطّه؛ ثم إن كان معطوفا ختمته بسنّ القلم، وإن كان مرسلا فبقطته. قال ابن مقلة: واعتبار صحته أن تصل بالخط الثاني منها خطّا فيصير مثلّثا قائم الزاوية.
следующие страницы →