Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
الموكب الخامس- ركوبه لتخلق المقياس عند وفاء النيل ٥٩٠ الموكب السادس- ركوبه لفتح الخليج ٥٩٢ النوع الثاني- من مواكبهم المواكب المختصرة في أثناء السنة ٥٩٥ الضرب الثالث- من هيئة الخليفة هيئته في قصوره ٥٩٥ الجملة السادسة- في اهتمامهم بالأساطيل، وحفظ الثغور، واعتنائهم بأمر الجهاد، وسيرهم في رعاياهم، واستمالة قلوب مخالفيهم ٥٩٦ الجملة السابعة- في إجراء الأرزاق والعطاء لأرباب الخدم بدولتهم وما يتصل بذلك من الطعمة ٥٩٨ وأما الطعمة- فعلى ضربين ٦٠٠ الضرب الأوّل- الأسمطة التي تمدّ في شهر رمضان والعيدين ٦٠٠ الضرب الثاني- فيما كان يعمل بدار الفطرة في عيد الفطر ٦٠٢ في جلوس الوزير للمظالم الخ ٦٠٣
стр. 1717
الجزء الرابع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
[تتمة المقالة الثانية]
[تتمة الباب الثالث]
[تتمة الفصل الأول]
الحالة الثالثة من أحوال المملكة، ما عليه ترتيب المملكة من ابتداء الدولة الأيوبية وإلى زماننا
واعلم أن الدولة الأيوبية لما طرأت على الدولة الفاطمية وخلفتها في الديار المصرية، خالفتها في كثير من ترتيب المملكة، وغيّرت غالب معالمها «١» ، وجرت على ما كانت عليه الدولة الأتابكية عماد الدين زنكي بالموصل، ثم ولده الملك العادل نور الدين محمود بالشام وما معه؛ وكان من شأنهم أنهم يلبسون الكلوتات «٢» الصّفر على رؤوسهم مكشوفة بغير عمائم، وذوائب شعورهم مرخاة
стр. 1718
تحتها سواء في ذلك المماليك والأمراء وغيرهم، حتّى يحكى عن الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر صاحب دمشق في اطّراح التكلّف: أنه كان يلبس الكلوتة الصفراء بلا شاش، ويخترق الأسواق من غير أن يطرّق بين يديه كغيره من الملوك، وكان سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي حين ملك الموصل بعد أبيه أحدث حمل السّنجق «١» على رأسه، فتبعه الملوك على ذلك؛ وألزم الأجناد أن يشدّوا السيوف في أوساطهم، ويجعلوا الدّبابيس تحت ركبهم عند الركوب كما حكاه السلطان عماد الدين «٢» صاحب حماة في تاريخه.
فلما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ الديار المصرية، جرى على هذا المنهج أو ما قاربه، وجاءت الدولة التركية «٣» ، وقد تنقحت المملكة وترتّبت، فأخذت في الزيادة في تحسين الترتيب وتنضيد الملك وقيام أبّهته، ونقلت عن كل مملكة أحسن ما فيها، فسلكت سبيله ونسجت على منواله حتّى تهذّبت وترتبت أحسن ترتيب، وفاقت سائر الممالك، وفخر ملكها على سائر الملوك.
ولم يزل السلطان والجند يلبسون الكلوتة الصفراء بغير عمامة إلى أن ولي السلطان «الملك الأشرف خليل» «٤» بن السلطان الملك الناصر محمد بن
стр. 1719
قلاوون السلطنة، فأحدث الشاش عليها فجاءت في نهاية من الحسن، وصاروا يلبسونها فوق الذّوائب الشعر المرخاة على ما كان عليه الأمر أوّلا إلى أن حجّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سلطنته الثالثة «١» ، فحلق رأسه وحلق الناس رؤوسهم، واستداموا حلق رؤوسهم وتركت ذوائب الشعر إلى الآن.
ويتعلق القول من ذلك بعشرة مقاصد.
المقصد الأوّل في ذكر رسوم الملك وآلاته؛ وهو أنواع كثيرة، بعضها عامّ في الملوك أو أكثرهم، وبعضها خاصّ بهذه المملكة
منها: (سرير الملك) ويقال له تخت «٢» الملك. وهو من الأمور العامة للملوك، وقد تقدّم أن أوّل من اتخذ مرتبة للجلوس عليها في الإسلام معاوية ﵁ حين بدّن «٣» ، ثم تنافس الخلفاء والملوك بعده في الإسلام في ذلك حتّى اتخذوا الأسرّة، وكانت أسرّة خلفاء بني العبّاس ببغداد يبلغ علوّها نحو سبعة أذرع. وهو في هذه المملكة منبر من رخام بصدر إيوان السلطان الذي يجلس فيه، وهو على هيئة منابر الجوامع إلا أنه مستند إلى الحائط، وهذا المنبر يجلس عليه السلطان في يوم مهمّ كقدوم رسل عليه ونحو ذلك؛ وفي سائر الأيام يجلس على كرسيّ من خشب مغشى بالحرير، إذا أرخى رجليه كادتا أن تلحقا الأرض، وفي داخل قصوره يجلس على كرسيّ صغير من حديد يحمل معه إلى حيث يجلس.
ومنها: (المقصورة) للصلاة في الجامع. وقد تقدّم في الكلام على ترتيب الخلافة أن أوّل من اتخذها في الإسلام معاوية، وقد صارت سنّة لملوك الإسلام بعد ذلك تمييزا للسلطان عن غيره من الرعية، وهي في هذه المملكة
стр. 1720
مقصورة بجامع قلعة الجبل «١» على القرب من المنبر متّخذة من شباك حديد محكمة الصنعة، يصلّي فيها السلطان ومن معه من أخصاء خاصكيته «٢» يوم الجمعة.
ومنها: (نقش اسم السلطان) على ما ينسج ويرقم من الكسوة والطّرز المتخذة من الحرير أو الذهب بلون مخالف للون القماش أو الطرز لتصير الثياب والطّرز السلطانية مميّزة عن غيرها، تنويها بقدر لابسها: من السلطان أو من يشرّفه بلبسها عند ولاية وظيفة أو إنعام أو غير ذلك. ولذلك دار مفردة بعمله بالإسكندريّة تعرف بدار الطّراز، وعلى ذلك كانت خلفاء الدولتين: بني أميّة وبني العباس حين كانت الخلافة قائمة.
ومنها: (الغاشية) . وهي غاشية سرج من أديم مخروزة بالذهب، يخالها الناظر جميعها مصنوعة من الذهب، تحمل بين يديه عند الركوب في المواكب الحفلة كالميادين والأعياد ونحوها، يحملها الرّكاب داريّة «٣» ، رافعا لها على يديه يلفتها يمينا وشمالا، وهي من خواص هذه المملكة.
ومنها: (المظلّة) . ويعبر عنها بالچتر «٤» (بجيم مكسورة، قد تبدل شينا معجمة، وتاء مثناة فوق) ؛ وهي قبّة من حرير أصفر مزركش بالذهب؛ على
стр. 1721
أعلاها طائر من فضّة مطليّة بالذهب، تحمل على رأسه في العيدين. وهي من بقايا الدولة الفاطمية، وقد تقدّم الكلام عليها مبسوطا في الكلام على ترتيب مملكتهم.
ومنها: (الرّقبة) . وهي رقبة من أطلس أصفر مزركشة بالذهب بحيث لا يرى الأطلس لتراكم الذهب عليها؛ تجعل على رقبة الفرس في العيدين والميادين من تحت أذني الفرس إلى نهاية عرفه؛ وهي من خواصّ هذه المملكة.
ومنها: (الجفتة) وهما اثنان من أوشاقية «١» إصطبله قريبان في السنّ، عليهما قباءان أصفران من حرير بطراز من زركش، وعلى رأسيهما قبّعتان من زركش، وتحتهما فرسان أشهبان برقبتين وعدّة، نظير ما السلطان راكب به كأنهما معدّان لأن يركبهما يركبان أمامه في أوقات مخصوصة كالركوب للعب الكرة في الميدان الكبير ونحو ذلك، وهما من خواصّ هذه المملكة.
ومنها: (الأعلام) . وهي عدّة رايات، منها راية عظيمة من حرير أصفر مطرّزة بالذهب، عليها ألقاب السلطان واسمه، وتسمّى العصابة؛ وراية عظيمة في رأسها حصلة من الشعر تسمّى الچاليش؛ ورايات صفر صغار تسمّى السّناجق.
قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه: وأوّل من حمل السنجق على رأسه من الملوك في ركوبه غازي بن زنكي، وهو أخو السلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشأم.
ومنها: (الطبلخاناه) . وهي طبول متعدّدة معها أبواق وزمر «٢» تختلف أصواتها على إيقاع مخصوص، تدقّ في كل ليلة بالقلعة بعد صلاة المغرب، وتكون صحبة الطلب في الاسفار والحروب، وهي من الآلات العامّة لجميع
стр. 1722
الملوك. ويقال إن الإسكندر كان معه أربعون حملا طبلخاناه، وقد كتب أرسطو في «كتاب السياسة» الذي كتبه للإسكندر أن السرّ في ذلك إرهاب العدوّ في الحرب. والذي ذهب إليه بعض المحققين أن السرّ في ذلك أن في أصواتها تهييجا للنفس عند الحرب وتقوية الجأش كما تنفعل الإبل بالحداء ونحو ذلك.
ومنها: (الكوسات) وهي صنوجات من نحاس شبه التّرس الصغير، يدقّ بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص، ومع ذلك طبول وشبّابة، يدق بها مرتين في القلعة في كل ليلة، ويدار بها في جوانبها مرة بعد العشاء الآخرة، ومرة قبل التسبيح على الموادن «١» ، وتسمّى الدّورة بذلك في القلعة، وكذلك إذا كان السلطان في السفر تدور حول خيامه.
ومنها: (الخيام والفساطيط) في الأسفار. ولهذا السلطان من ذلك المدد الكبير، تتخذ له الخيام العظيمة الشأن المختلفة المقادير والصنعة من القطن الشاميّ الملوّن بالأبيض والأحمر والأزرق وغيرها، وكذلك من الجوخ المختلف الألوان مما يدهش بحسنه العقول: لينوب مناب قصورهم في الإقامة، وسيأتي ذكر أمور أخرى من آلات الملك سوى ما تقدّم منفردة في أماكنها إن شاء الله تعالى.
المقصد الثاني في حواصل السلطان، وهي على أربعة أنواع «٢» .
النوع الأوّل الحواصل المعبّر عنها بالبيوت
وذلك أنهم يضيفون كل واحد منها إلى لفظ خاناه كالطشت خاناه، والشراب خاناه ونحوهما؛ وخاناه لفظ فارسيّ معناه البيت، والمعنى بيت كذا إلا أنهم
стр. 1723
يؤخرون المضاف عن المضاف إليه على عادة العجم في ذلك، وهي ثمانية بيوت:
الأوّل- (الشّراب خاناه) . ومعناه بيت الشراب، وتشتمل على أنواع الأشربة المرصدة لخاصّ السلطان، والمشروب الخاص من السكر والأقسما «١» وغير ذلك، وفيها يكون السكر المخصوص بالمشروب، وبها الأواني النفيسة من الصّينيّ الفاخر من اللازورديّ وغيره مما تساوي السّكرّجة «٢» الواحدة اللطيفة منه ألف درهم فما حوله. ووظيفة الشادّ «٣» بها تكون لأمير من أكابر أمراء المئين الخاصكية المؤتمنين، ولها مهتار «٤» يعرف بمهتار الشراب خاناه متسلم لحواصلها، له مكانة علية، وتحت يده غلمان عنده برسم الخدمة، يطلق على كل منهم شراب دار، وسيأتي في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة معنى الإضافة إلى الدار في ذلك ونحوه.
الثاني- (الطّشت خاناه) . ومعناه بيت الطشت، سميت بذلك لأنّ فيها يكون الطّشت الذي تغسل فيه الأيدي والطّشت الذي يغسل فيه القماش، وقد غلب عليهم استعمال لفظ الطشت بشين معجمة مع كسر الطاء، وصوابه بالسين المهملة مع فتح الطاء، وأصله طسّ بسين مشدّدة فأبدلت من إحدى السينين تاء
стр. 1724
للاستثقال. فإذا جمع أو صغّر، ردّت السين إلى أصلها، فيقال في الجمع طساس وطسوس، وفي التصغير طسيس. قال الجوهريّ: ويقال فيه أيضا طسّة، ويجمع على طسّات، والناس الآن يقولون طاسة ويجمعونه على طاسات، ويجعلون الطّست اسما لنوع خاص، والطاسة اسما لنوع خاص.
وفي الطّشت خاناه يكون ما يلبسه السلطان من الكلوتة والأقبية «١» وسائر الثياب والسيف والخفّ والسّرموزة «٢» وغير ذلك.
وفيها يكون ما يجلس عليه السلطان من المقاعد والمخادّ والسّجّادات التي يصلّي عليها وما شاكل ذلك، ولها أيضا مهتار من كبار المهتارية، يعرف بمهتار الطّشت خاناه، وتحت يديه عدّة غلمان بعضهم يعرفون بالطشت دارية، وبعضهم يعرف بالرختوانية «٣» . وله التحدّث في تفرقة اللحم على المماليك السلطانية من الحوائج خاناه وإقامة قبّاض اللحم، ويطلق على كلّ من غلمان الطشت خاناه وقباض اللحم بابا، وهي لفظة رومية بمعنى الأب، أطلقوها على مهتار الطّشت خاناه تعظيما له، غلبت على من عداه، ولغلمانها دربة بترتيب الأحمال التي تحمل على ظهور البغال للزينة في المواكب العظيمة ونحوها، يأتون فيها من بديع الصّنعة والتعاليق الغربية بكل عجيب، وهم يتباهون بذلك، ويسامي بعضهم بعضا فيه.
الثالث- (الفراش خاناه) . ومعناها بيت الفراش، وتشتمل على أنواع الفرش من البسط والخيام؛ ولها مهتار يعرف بمهتار الفراش خاناه، وتحت يده جماعة من الغلمان مستكثرة مرصدون للخدمة فيها في السفر والحضر يعبر عنهم
стр. 1725
بالفرّاشين، وهم من أمهر الغلمان وأنهضهم، ولهم دربة عظيمة في نصب الخيام حتّى إن الواحد منهم ربما أقام الخيمة العظيمة ونصبها وحده بغير معاون له في ذلك، ولهم معرفة تامّة بشدّ الأحمال التي تحمل في المواكب على ظهور البغال، يبلغ الحمل منها نحو خمسة عشر ذراعا.
الرابع- (السّلاح خاناه) . ومعناها بيت السلاح، وربما قيل الزّردخاناه ومعناها بيت الزّرد لما فيها من الدروع الزّرد؛ وتشتمل على أنواع السلاح: من السيوف، والقسيّ العربية، والنّشّاب، والرماح، والدروع المتخذة من الزرد الماتع «١» ، والقرقلات «٢» المتخذة من صفائح الحديد المغشّاة بالديباج الأحمر والأصفر، وغير ذلك من الأطبار «٣» وسائر أنواع السلاح، ويقلّ بها قسيّ الرّجل والرّكاب لعدم معاناتها بالديار المصرية، وإنما تكثر بالثغور كالإسكندريّة وغيرها، وفي كل سنة يحمل إليها ما يعمل بخزائن السلاح من الأسلحة، يجعل على رؤوس الحمّالين ويزفّ إلى القلعة ويكون يوما مشهودا، وفي هذه السلاح خاناه من الصّنّاع المقيمين بها لإصلاح العدد وتجديد المستعملات جماعة كبيرة، ويسمّى صانع ذلك الزردكاش، وهي لفظة عجمية وكأن «٤» معناها صانع الزرد، ولها غلمان أخرى وفرّاشون بسبب خدمة القماش وافتقاده.
الخامس- (الرّكاب خاناه) . ومعناها بيت الركاب، وتشتمل على عدد
стр. 1726
الخيل من السروج، واللجم، والكنابيش «١» ، وعبي «٢» المراكيب، والعبي الإصطبليات، والأجلال، والمخالي وغير ذلك من الأصناف التي يطول ذكرها؛ وفيها من السّروج المغشّاة بالذهب والفضة المطلية والساذجة والكنابيش المتخذة من الذهب المزركش المزهّرة بالريش، وغير المزهرة، والعبي المتّخذة من الحرير وصوف السهك «٣» ، وغير ذلك من نفائس العدد والمراكيب ما يحير العقول ويدهش البصر، مما لا يقدر على مثله إلا عظماء الملوك. ولها مهتار متسلم لحواصلها يعبر عنه بمهتار الركاب خاناه، وتحت يده رجال لمعاضدته على ذلك.
السادس- (الحوائج خاناه) . ومعناها بيت الحوائج، وليست على هيئة البيوت المتقدّمة مشتملة على حاصل معيّن، وإنما لها جهة تحت يد الوزير منها يصرف اللّحم الراتب «٤» للمطبخ السلطانيّ والدور السلطانية ورواتب الأمراء والمماليك السلطانية وسائر الجند والمتعمّمين، وغيرهم من أرباب الرواتب الذين تملأ أسماؤهم الدفاتر، وكذلك توابل الطعام للمطبخ السلطانيّ والدور السلطانية، ومن له توابل مرتّبة من الأمراء وغيرهم، والزيت للوقود، والحبوب، وغير ذلك من الأصناف المتعدّدة؛ ولها مباشرون منفردون بها يضبطون أسماء أرباب المستحقّات ومقادير استحقاقهم، وهي من أوسع جهات الصرف حتّى إن ثمن اللحم وحده يبلغ ثلاثين ألف درهم في كل يوم خارجا عما عداه من الأصناف، وربما زاد على ذلك.
السابع- (المطبخ) . وهو الذي يطبخ فيه طعام السلطان الراتب في الغداء والعشاء والطاريء في الليل والنهار والأسمطة التي تمدّ بالإيوان الكبير بدار العدل
стр. 1727
في أيام المواكب، ويحمل إليه اللّحم والتوابل وسائر الأصناف من الحوائج خاناه المتقدّمة الذكر بقدر معلوم مرتب؛ يستهلك فيه في كل يوم قناطير مقنطرة من اللحم والدّجاج والإوزّ والأطعمة الفاخرة؛ وله أمير من الأمراء يحكم عليه يسمّى أستادار الصحبة «١» وتحت يده آخر يعبر عنه بالمشرف؛ وله طبّاخ كبير معتبر يعبر عنه باسباسلار «٢» .
الثامن- (الطبلخاناه) . ومعناه بيت الطبل، ويشتمل على الطبول والأبواق وتوابعها من الآلات؛ ويحكم على ذلك أمير من أمراء العشرات يعرف بأمير علم، يقف عليها عند ضربها في كل ليلة، ويتولّى أمرها في السّفر؛ ولها مهتار متسلم لحواصلها يعرف بمهتار الطبلخاناه؛ وله رجال تحت يده ما بين دبندار: وهو الذي يضرب على الطبل، ومنفّر وهو الذي يضرب بالبوق، وكوسيّ، وهو الذي يضرب بالصنوج النحاس بعضها على بعض وغير أولئك من الصّنّاع.
стр. 1728
المقصد الثالث في ذكر أعيان المملكة وأرباب المناصب الذين بهم انتظام المملكة وقيام الملك، وهم على أربعة أضرب
الضرب الأوّل أرباب السيوف؛ والنظر فيهم من وجهين
الوجه الأوّل مراتبهم على سبيل الإجمال؛ وهي على نوعين
النوع الأوّل الأمراء؛ وهم على أربع طبقات
الطبقة الأولى- أمراء المئين مقدّمو الألوف، وعدّة كل منهم مائة فارس.
قال في «مسالك الأبصار» «١» : وربما زاد الواحد منهم العشرة والعشرين؛ وله التّقدمة على ألف فارس ممن دونه من الأمراء، وهذه الطبقة هي أعلى مراتب الأمراء على تقارب درجاتهم، ومنهم يكون أكابر أرباب الوظائف والنوّاب. ثم الذي كان استقرّ عليه قاعدة المملكة في الروك «٢» الناصري محمد بن قلاوون، وما بعده إلى آخر الدولة الأشرفية شعبان بن حسين، أن يكون بالديار المصرية أربعة وعشرون مقدّما، ولما استجدّ في الدولة الظاهرية الديوان المفرد لخاص السلطان وأفرد له عدّة كثيرة من المماليك السلطانية والمستخدمين، نقصت عدّة المقدّمين عما كانت عليه، وصارت دائرة بين الثمانية عشر والعشرين مقدّما بما في ذلك من نائب الإسكندريّة ونائبي الوجهين: القبليّ والبحريّ.
стр. 1729
الطبقة الثانية- أمراء الطبلخاناه، وعدّة كل منهم في الغالب أربعون فارسا.
قال في «مسالك الأبصار» : وقد يزيد بعضهم على ذلك إلى سبعين فارسا، بل ذكر في «التعريف» «١» في أواخر المكاتبات أنه يكون للواحد منهم ثمانون فارسا. قال في «مسالك الأبصار» : ولا تكون الطبلخاناه لأقل من أربعين، وهذه الطبقة لا ضابط لعدّة أمرائها بل تتفاوت بالزيادة والنقص لأنه مهما فرقت إمرة الطبلخاناه فجعلت إمرتي عشرين أو أربع عشرات، أو ضم بعض العشرات ونحوها إلى بعض وجعلت «٢» طبلخاناه، ومن أمراء الطبلخاناه تكون الرتبة الثانية من أرباب الوظائف والكشّاف بالأعمال، وأكابر الولاة.
الطبقة الثالثة- أمراء العشرات، وعدّة كل منهم عشرة فوارس. قال في «مسالك الأبصار» : وربما كان فيهم من له عشرون فارسا ولا يعدّ إلا في أمراء العشرات، وهذه الطبقة أيضا لا ضابط لعدد أمرائها بل تزيد وتنقص كما تقدّم في الكلام على أمراء الطبلخاناه، ومن هذه الطبقة يكون صغار الولاة ونحوهم من أرباب الوظائف.
الطبقة الرابعة- أمراء الخمسات. وهم أقل من القليل خصوصا بالديار المصرية، وأكثر ما يقع ذلك في أولاد الأمراء المندرجين بالوفاة رعاية لسلفهم، وهم في الحقيقة كأكابر الأجناد.
النوع الثاني الأجناد؛ وهم على طبقتين
الطبقة الأولى- المماليك السلطانية «٣» . وهم أعظم الاجناد شأنا، وأرفعهم
стр. 1730
قدرا وأشدّهم إلى السلطان قربا، وأوفرهم إقطاعا؛ ومنهم تؤمّر الأمراء رتبة بعد رتبة، وهم في العدّة بحسب ما يؤثره السلطان من الكثرة والقلة، وقد كان لهم في زمن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ثم في أيام السلطان الملك الظاهر برقوق العدد «١» الجمّ والمدد الوافر لطول مدّة ملكهما واعتنائهما بجلب المماليك ومشتراها.
الطبقة الثانية- أجناد الحلقة «٢» . وهم عدد «٣» جمّ وخلق كثير، وربما دخل فيهم من ليس بصفة الجند من المتعمّمين وغيرهم، بواسطة النزول عن الإقطاعات، وقد جرت عادة ديوان الجيش عدم الجمع على الجند كي لا يحاط بعدّته ويطلع إليه. قال في «مسالك الأبصار» : ولكل أربعين نفسا منهم مقدّم منهم، ليس له عليهم حكم إلا إذا خرج العسكر كانت مواقفهم معه، وترتيبهم في موقفهم إليه. ومن الأجناد طائفة ثالثة يقال لهم البحرية يبيتون بالقلعة وحول دهاليز السلطان في السفر كالحرس، وأول من رتبهم وسماهم بهذا الاسم السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب.
стр. 1731
الوجه الثاني في ذكر أرباب الوظائف من أرباب السيوف المتقدّم ذكرهم؛ وهم على نوعين
النوع الأول من هو بحضرة السلطان، وهي خمسة وعشرون وظيفة
الأولى- النّيابة. ويعبر عن صاحبها بالنائب الكافل، وكافل الممالك الإسلامية «١» . قال في «التعريف» : وهو يحكم في كل ما يحكم فيه السلطان ويعلّم في التقاليد والتواقيع والمناشير، وغير ذلك مما هو من هذا النوع على كل ما يعلّم عليه السلطان؛ وسائر النوّاب لا يعلم الرجل منهم إلا على ما يتعلّق بخاصة نيابته. قال: وهذه رتبة لا يخفى ما فيها من التمييز. قال في «مسالك الأبصار» :
وجميع نواب الممالك تكاتبه فيما تكاتب فيه السلطان ويراجعونه فيه كما يراجع السلطان، ويستخدم الجند من غير مشاورة السلطان، ويعيّن «٢» أرباب الوظائف الجليلة كالوزارة وكتابة السر، وقل أن لا يجاب فيمن يعيّنه؛ وهو سلطان مختصر بل هو السلطان الثاني. وعادته أن يركب بالعسكر في أيام المواكب وينزل الجميع في خدمته. فإذا مثل في حضرة السلطان، وقف في ركن الإيوان. فإذا انقضت الخدمة، خرج إلى دار النيابة بالقلعة والامراء معه ويجلس جلوسا عاما للناس، ويحضره أرباب الوظائف، ويقف قدّامه الحجّاب، وتقرأ عليه القصص، ثم يمدّ السماط للأمراء كما يمدّ لهم السلطان فيأكلون وينصرفون. وإذا كانت النيابة قائمة على هذه الصورة، لم يكن السلطان يتصدّى لقراءة القصص، وسماع الشّكاوى
стр. 1732
بنفسه، ويأمر في ذلك بما يرى من كتابة مثال ونحوه، ولكنه لا يستبدّ بما يكتب من الأبواب السلطانية بنفسه بل يكتب بإشارته وينبه على ذلك، وتشمله العلامة الشريفة بعد ذلك.
أما ديوان الجيش فإنه لا يكون له خدمة إلا عنده ولا اجتماع إلا به، ولا اجتماع لهم بالسلطان في أمر من الأمور، وما كان من الأمور المعضلة التي لا بدّ من إحاطة علم السلطان بها فإنه يعلمه بها تارة بنفسه وتارة بمن يرسله إليه. هذا آخر كلامه في «المسالك» غير أن هذا النائب تارة ينصّب وتارة يعطّل جيد المملكة منه، وعلى هذا كان الحال في الأيام الناصرية ابن قلاوون تارة وتارة وكذا الحال في زماننا. وإذا كان منتصبا، اختصّ بإخراج بعض الإقطاعات دون بعض، ويكون صاحب ديوان الجيش هو الملازم له وناظر الجيش ملازم السلطان.
قال في «التعريف» : أما نائب الغيبة: وهو الذي يترك «١» إذا غاب السلطان والنائب الكافل، وليس إلا لإخماد الثوائر وخلاص الحقوق، فحكمه في رسم الكتابة إليه رسم مثله من الأمراء.
الثانية- الأتابكيّة. ويعبر عن صاحبها بأتابك العساكر. قال السلطان عماد الدين في «تاريخه» : وأصله أطابك ومعناه الوليد الأمير، وأول من لقب بذلك نظام الدولة وزير ملكشاه بن ألب أرسلان السّلجوقيّ حين فوّض إليه ملكشاه تدبير المملكة سنة خمس وستين وأربعمائة، ولقبه بألقاب منها هذا؛ وقيل أطابك معناه أمير أب، والمراد أبو الأمراء «٢» ، وهو أكبر الأمراء المقدّمين بعد النائب الكافل، وليس له وظيفة ترجع إلى حكم وأمر ونهي، وغايته رفعة المحلّ وعلوّ المقام.
الثالثة- وظيفة رأس نوبة. وموضوعها الحكم على المماليك السلطانية
стр. 1733
والأخذ على أيديهم، وقد جرت العادة أن يكونوا أربعة أمراء: واحد مقدّم ألف وثلاثة طبلخاناه «١» .
الرابعة- إمرة مجلس. وموضوعها «٢» وهو يتحدّث على الأطباء والكحّالين «٣» ، ومن شاكلهم، ولا يكون إلا واحدا.
الخامسة- إمرة سلاح. وأصل موضوعها حمل السلاح للسلطان في المجامع الجامعة، وصاحبها هو المقدّم على السّلاح دارية من المماليك السلطانية والمتحدث في السلاح خاناه السلطانية، وما يستعمل لها ويقدّم إليها، ولا يكون إلا واحدا من الأمراء المقدمين «٤» .
السادسة- إمرة أخورية «٥» . وموضوعها التحدّث على إصطبل السلطان وخيوله، وعادتها مقدّم ألف يكون متحدّثا فيها حديثا عاما، وهو الذي يكون ساكنا بإصطبل السلطان، ودونه ثلاثة من أمراء الطبلخاناه. أما أمراء العشرات والجند، فغير محصورين.
السابعة- الدّواداريّة «٦» . قال في «مسالك الأبصار» : وموضوعها تبليغ الرسائل عن السلطان وإبلاغ عامة الأمور، وتقديم القصص إليه، والمشاورة على من يحضر إلى الباب الشريف وتقديم البريد، هو وأمير جاندار وكاتب السر، ويأخذ الخط على عامة المناشير والتواقيع والكتب. وإذا خرج عن السلطان بكتابة
стр. 1734
شيء بمرسوم، حمل رسالته وعينت فيما يكتب، وسيأتي بيان ذلك فيما يكتب بالرسائل في الكلام على قوانين ديوان الإنشاء إن شاء الله تعالى.
وفي هذه الوظيفة عدة من الأمراء والجند، وقد كانت في أيام الناصر محمد ابن قلاوون وما تلاها ليس فيها أمير مقدّم ألف، ثم آل الأمر إلى أن صار الأعلى منهم مقدّم ألف، ونائبه طبلخاناه. وأول من استقرّ في وظيفة الدّوادارية من الأمراء الألوف طغيتمر النجميّ في الدولة الناصرية حسن «١» ، ثم صار غالب من يليها ألوف، وربما كان طبلخاناه أحيانا.
الثامنة- الحجوبية «٢» . قال في «مسالك الأبصار» : وموضوعها أن صاحبها ينصف بين الأمراء والجند تارة بنفسه وتارة بمراجعة النائب إن كان، وإليه تقديم من يعرض ومن يردّ، وعرض الجند وما ناسب ذلك؛ والذي جرت به العادة خمسة حجّاب، اثنان من مقدّمي الألوف: وهما حاجب الحجّاب «٣» هو المشار إليه من الباب الشريف، والقائم مقام النائب في كثير من الأمور. واعلم أن هذا الاسم أول ما حدث في الدولة الأمويّة في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان موضوعها إذ ذاك حجب السلطان عن العامة، ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته، ثم تبعهم بنو العبّاس على ذلك. وقد ذكر السلطان عماد الدين صاحب حماة: أنه كان للمقتدر سبعمائة حاجب. هذا وكانت الخلافة قد أخذت في الضعف، وهو خلاف موضوعها الآن، وفيها بممالك المغرب معان أخرى يأتي ذكرها عند الكلام على ممالكها إن شاء الله تعالى.
التاسعة- إمرة جاندار. وموضوعها أن صاحبها يستأذن على دخول الأمراء للخدمة ويدخل أمامهم إلى الديوان. قال في «مسالك الأبصار» : ويقدّم البريد
стр. 1735
مع الدوادار وكاتب السر. قال: وصاحبها كالمتسلم للباب، وله به البرددارية وطوائف الركابية والخازندارية. وإذا أراد السلطان تعزير أحد أو قتله كان ذلك على يد صاحب هذه الوظيفة؛ وهو المتسلم للزّردخاناه التي هي أرفع قدرا في الاعتقالات، ولا تطول مدة المعتقل بها، بل إما يعجل بتخلية سبيله أو إتلاف نفسه؛ وصاحب هذه الوظيفة هو الذي يطوف بالزّفّة حول السلطان في سفره، وقد جرت العادة أن يكون فيها أميران: مقدّم ألف، وطبلخاناه، والمشار إليه هو المقدّم «١» .
العاشرة- الاستادريّة. قال في «مسالك الأبصار» : وموضوعها التحدّث في أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ والشّراب خاناه والحاشية والغلمان وهو الذي يمشي بطلب السلطان، ويحكم في غلمانه وباب داره، وإليه أمر الجاشنكيرية، وإن كان كبيرهم نظيره في الإمرة من ذوي المئين، وله حديث مطلق وتصرف تامّ في استدعاء ما يحتاجه كلّ من في بيت السلطان من النفقات والكساوي «٢» وما يجري مجرى ذلك للمماليك وغيرهم. وقد جرت العادة أن يكونوا أربعة: واحد مقدّم ألف وثلاثة طبلخاناه، وربما نقصوا عن ذلك.
الحادية عشرة- الجاشنكيريّة. وموضوعها التحدّث في أمر السّماط مع الأستادار على ما تقدّمت الإشارة إليه، ويقف على السّماط مع أستادار الصحبة، وأكبرهم يكون من الأمراء المقدّمين.
الثانية عشرة- الخازندارية. وموضوعها التحدّث في خزائن الأموال السلطانية من نقد وقماش وغير ذلك، وكانت عادتها طبلخاناه، ثم استقرّت تقدمة ألف، ويطالبه في حساب ذلك ناظر الخاصّ الآتي ذكره.
стр. 1736
الثالثة عشرة- شدّ الشراب خاناه. وموضوعها التحدّث في أمر الشراب خاناه السلطانية وما عمل إليها من السّكّر والمشروب والفواكه وغير ذلك، وتارة يكون مقدّما، وتارة يكون طبلخاناه.
الرابعة عشرة- أستادارية الصحبة. وموضوعها التحدّث على المطبخ السلطانيّ والإشراف على الطعام والمشي أمامه والوقوف على السّماط؛ والعادة أن يكون صاحبها أمير عشرة.
الخامسة عشرة- تقدمة المماليك. وموضوعها التحدّث على المماليك السلطانية والحكم فيهم، ولا يكون صاحبها إلا من الخدّام، والعادة أن تكون إمرة طبلخاناه، وله نائب أمير عشرة.
السادسة عشرة- زمامية «١» الدور السلطانية. وصاحبها من أكبر الخدّام، وهو المعبر عنه بالزّمام، وعادته أن يكون أمير طبلخاناه.
السابعة عشرة- نقابة الجيوش. قال في «مسالك الأبصار» : وهي موضوعة لتحلية الجند في عرضهم، ومعه يمشي النّقباء. وإذا طلب السلطان أو النائب أو الحاجب أميرا أو غيره، أحضره. قال: وهو كأحد الحجّاب الصغار، وله التطلب بالحراسة في الموكب والسفر «٢» .
الثامنة عشرة- المهمندارية «٣» . وموضوعها تلقّي الرسل الواردين وأمراء العربان وغيرهم ممن يرد من أهل المملكة وغيرها.
стр. 1737
التاسعة عشرة- شدّ الدواوين. وموضوعها أن يكون صاحبها رفيقا للوزير متحدّثا في استخلاص الأموال، وما في معنى ذلك؛ وعادتها إمرة عشرة.
العشرون- إمرة طبر «١» . وموضوعها أن يكون صاحبها حاملا الطّبر في المواكب، ويحكم على من دونه من الطّبردارية، وعادتها إمرة عشرة أيضا.
الحادية والعشرون- إمرة علم. وموضوعها أن يكون صاحبها متحدّثا على الطبلخاناه السلطانية وأهلها، متصرفا في أمرها؛ وعادتها إمرة عشرة.
الثانية والعشرون- إمرة شكار. وموضوعها أن يكون صاحبها متحدّثا في الجوارح السلطانية من الطّيور وغيرها والصّيود السلطانية وأحواش الطيور وغيرها؛ وهي إمرة عشرة.
الثالثة والعشرون- حراسة الطير. وموضوعها أن يكون صاحبها متحدّثا على حراسة الطيور من الكراكيّ التي هي بصدد أن يصيدها السلطان في الأماكن التي تنزل بها الطيور من المزارع وغيرها؛ وهي إمرة عشرة.
الرابعة والعشرون- شدّ العمائر. وموضوعها أن يكون صاحبها متكلما في العمائر السلطانية مما يختار السلطان إحداثه أو تجديده من القصور والمنازل والأسوار؛ وهي إمرة عشرة.
الخامسة والعشرون- الولاية. والولاة بالحاضرة على صنفين:
الصنف الأوّل ولاة الشّرطة، المعروفون في الديار المصرية بولاة الحرب؛ وهم ثلاثة، بالقاهرة، والفسطاط المعروف بمصر، والقرافة
فأما والي القاهرة، فيحكم في القاهرة وضواحيها، وهو أكبر الثلاثة وأعلاهم رتبة؛ وعادته إمرة طبلخاناه.
стр. 1738
وأما والي الفسطاط، فيحكم في خاصّة مصر على نظير ما يحكم والي القاهرة في بلده؛ وعادته إمرة عشرة.
وأما والي القرافة، فيحكم في القرافة التي هي تربة هاتين المدينتين بمراجعة والي مصر؛ وعادته إمرة عشرة. وقد أضيفت الآن القرافة إلى مصر، وصارت ولاية واحدة وجعلت إمرة طبلخاناه ولكنها لا تبلغ شأو القاهرة.
الصنف الثاني ولاة القلعة، وهم اثنان
أحدهما- والي القلعة، وهو أمير طبلخاناه، وله التحدّث على باب القلعة الكبير «١» الذي منه طلوع عامّة العسكر ونزولهم في الفتح والغلق ونحو ذلك.
الثاني- والي باب القلة «٢» ، وهو أمير عشرة، وله التحدّث على الباب المذكور وأهله كما لوالي القلعة التحدّث على الباب الكبير المتقدّم ذكره.
النوع الثاني ما هو خارج عن الحضرة السلطانية، وهم على ثلاث طبقات
الطبقة الأولى نوّاب السلطنة
والذي بمصر الآن ثلاث نيابات، جميعها مستحدثة عن قرب.
الأولى- نيابة الإسكندرية. وهي نيابة جليلة تضاهي نيابة طرابلس وحماة وصفد من المملكة الشامية الآتي ذكرها، وبها كرسيّ سلطنة ونمجاه «٣» سلطانية
стр. 1739
توضع على الكرسيّ، ونائبها من الأمراء المقدّمين يركب في المواكب بالشبّابة «١» السلطانية، ومعه أجناد الحلقة المرتّبون بها، ويخرج في موكبه إلى ظاهر الإسكندريّة خارج باب البحر، ويجتمع إليه الأمراء المسيّرون بها هناك، ثم يعود وهم معه إلى دار النيابة، ويمدّ السماط السلطانيّ، ويأكل عليه الأمراء والأجناد، ويحضره القضاة، وتقرأ القصص على عادة النيابات ثم ينصرفون.
وكان ابتداء ترتيب هذه النيابة في سنة سبع وستين وسبعمائة في الدولة الأشرفية شعبان بن حسين حين طرق العدوّ «٢» المخذول من الفرنج الإسكندرية وفتكوا بأهلها وقتلوا منهم الخلق العظيم ونهبوا الأموال الجمّة، وكانت قبل ذلك ولاية تعدّ في جملة الولايات، وكان لواليها الرتبة الجليلة والمكانة العلية من أكابر أمراء الطبلخاناه.
الثانية- نيابة الوجه القبليّ. وهي مما استحدث في الدولة الظاهرية برقوق، وهو في رتبة نيابة الوجه البحريّ بل أعظم خطرا منه، ومقرّ نيابته مدينة أسيوط «٣» المتقدّم ذكرها، وحكمه على جميع بلاد الوجه القبليّ بأسرها، وهي في الترتيب على ما تقدّم من نيابة الوجه البحريّ، وكانت قبل ذلك كاشفا يطلق عليه والي الولاة كما كان في الوجه البحريّ.
الثالثة- نيابة الوجه البحريّ. وهي مما استحدث في الدولة الظاهرية أيضا، ونائبها من الأمراء المقدّمين، وهو في رتبة مقدّم العسكر بغزّة الآتي ذكرها، ومقرّ نائبها دمنهور مدينة البحيرة المتقدّم ذكرها؛ وليست على قاعدة النيابات بل هي في الحقيقة ولاية حرب كبيرة، وقد كان القائم بها قبل ذلك كاشفا يطلق عليه والي الولاة ولم يكن له مقرّة خاصة.
стр. 1740
الطبقة الثانية الكشّاف «١»
قد تقدّم أنه قبل النيابة بالوجهين القبليّ والبحريّ كان بهما كاشفان، ولما استقرّت النيابة بهما جعل للوجه البحريّ كاشف من أمراء الطبلخاناه على العادة المتقدّمة، يتحدّث في بلاده ما عدا عمل البحيرة لقربه من نائب الوجه البحريّ، وجعل كاشف آخر من رتبته لعمل الفيّوم «٢» وعطّل من الوالي، وأضيف إليه عمل البهنسى «٣» أيضا؛ وسائر الوجه القبليّ أمره راجع إلى نائبه المتقدّم ذكره.
الطبقة الثالثة الولاة بالوجهين: القبليّ والبحريّ وقد تقدّم ذكر أعمالهما. ومراتب الولاة بهما لا تخرج عن مرتبتين .
المرتبة الأولى أمراء الطبلخاناه؛ وهي سبع» ولايات بالوجهين: القبليّ والبحريّ
فأما الوجه القبليّ ففيه أربع ولاة من هذه الرتبة.
الأوّل- والي البهنسى، وهي أقرب ولاة الطبلخاناه بهذا الوجه الآن إلى القاهرة.
الثاني- والي الأشمونين.
الثالث- والي قوص وإخميم، وهو أعظم ولاة الوجه القبليّ حتّى إنه يركب في المواكب بالشّبّابة السلطانية أسوة النوّاب بالممالك.
стр. 1741
الرابع- والي أسوان، وهو محدث في الدولة الظاهرية برقوق، وكانت قبل ذلك مضافة إلى والي قوص، وكانت ولاية الفيّوم طبلخاناه استقرت كشفا على ما تقدّم.
أما أسيوط، فلم يكن بها ولاية لكونها كانت مستقرّ والي الولاة بالوجه القبليّ، ثم صارت مستقرّ النائب به، وسيأتي بيان ما كان ولاية طبلخاناه، ثم نقل إلى العشرات.
وأما الوجه البحريّ ففيه أربعة ولاة من هذه الرتبة:
الأوّل- والي الشرقية وهو والي بلبيس.
الثاني- والي منوف.
الثالث- والي الغربية، وهو والي المحلة، ورتبته في الوجه البحريّ في رفعة القدر تضاهي رتبة والي قوص في الوجه القبليّ.
الرابع- والي البحيرة، وهو والي دمنهور. وقد تقدّم أن الإسكندرية قبل أن تستقرّ نيابة كان بها وال من أمراء الطبلخاناه.
المرتبة الثانية من الولاة أمراء العشرات، وهي سبعة ولاة بالوجهين
فأما الوجه القبليّ ففيه ثلاثة ولاة:
الأوّل- والي الجيزة، وقد كان قبل ذلك طبلخاناه، ثم نقل إلى العشرات.
الثاني- والي إطفيح، ولم يزل عشرة.
الثالث- والي منفلوط، وهو وإن كان الآن أمير عشرين فقد تقدّم أن من دون الأربعين معدود في العشرات. على أنها كانت قبل ذلك ولاية طبلخاناه وحطّت عن ذلك.
وقد كان بعيذاب في الأيام الناصرية وال أمير عشرة يولّى من قبل السلطان
стр. 1742
ويراجع والي قوص في الأمور المهمة.
وأما الوجه البحريّ، ففيه أربعة ولاة من هذه الرتبة.
الأوّل- والي قليوب، ولم تزل ولايتها إمرة عشرة.
الثاني- والي أشموم، ولم تزل عشرة أيضا.
الثالث- والي دمياط.
الرابع- والي قطيا، وكان قبل ذلك طبلخاناه.
الضرب الثاني من أعيان المملكة وأرباب المناصب حملة الأقلام، وهم على نوعين
النوع الأوّل أرباب الوظائف الدّيوانية، وهي كثيرة للغاية لا يسع استيفاؤها والمعتبر منها مما يجب الاقتصار عليه تسع وظائف «١»
الأولى- الوزارة. وهي أجلّ الوظائف وأرفعها رتبة في الحقيقة لو لم تخرج عن موضوعها ويعدل بها عن قاعدتها. قال في «مسالك الأبصار» : وربها ثاني السلطان لو أنصف وعرف حقّه، لكنها لما حدثت عليها النيابة تأخرت وقعد بها مكانها حتّى صار المتحدّث فيها كناظر المال لا يتعدّى الحديث فيه، ولا يتسع له في التصرف مجال، ولا تمتدّ يده في الولاية والعزل لتطلّع السلطان إلى الإحاطة بجزئيّات الأحوال. قال: وقد صار يليها أناس من أرباب السيوف والأقلام بأرزاق على قدر الإنفاق، وقطيعتها أشهر من أن تذكر.
قال: وكان هذا السلطان (يعني الناصر محمد بن قلاوون ﵀ قد أبطلها، وصار ما كان يتحدّث فيه الوزير منقسما إلى ثلاثة: ناظر المال، ومعه شادّ الدواوين لتحصيل المال وصرف النفقات، وناظر الخاص لتدبير الأمور العامّة وتعيين المباشرين، وكاتب السر للتوقيع في دار العدل مما كان يوقّع فيه الوزير
стр. 1743
مشاورة واستقلالا. قلت: ولما عادت الوزارة بعد ذلك، صارت إلى ما كانت عليه من الاقتصار على التحدّث في المال، وبقيت كتابة السر على ما صارت إليه من التوقيع على القصص بدار العدل وغيرها. ثم إن كان الوزير صاحب قلم «١» ، فهو المستقلّ بمباشرة الوظيفة نظرا وتنفيذا ومحاسبة على الأموال، وإن كان صاحب سيف، كان مقتصرا على النظر والتنفيذ، وكان أمر الحساب في الأموال راجعا إلى ناظر الدولة معه.
ثم لوظيفة الوزارة أتباع كثيرة أجلها نظر الدولة واستيفاء الصّحبة واستيفاء الدولة.
فأما نظر الدولة: وهو المعبر عنه في مصطلح الدواوين المعمورة بالصّحبة الشريفة فموضوعها أن صاحبها يتحدّث مع الوزير في كل ما يتحدّث فيه ويشاركه في الكتابة في كل ما يكتب فيه، ويوقع في كل ما يوقّع فيه الوزير تبعا له. وإن كان الوزير صاحب سيف، كان ناظر الدولة هو المتحدّث في أمر الحسبانات، وما يتعلق بها والوزير مقتصر على النظر والتنفيذ.
وأما استيفاء الصحبة- فهي وظيفة جليلة رفيعة القدر. قال في «مسالك الأبصار» : وصاحبها يتحدّث في جميع المملكة مصرا وشاما، ويكتب مراسيم يعلّم عليها السلطان، تارة تكون بما يعمل في البلاد، وتارة بإطلاقات «٢» ، وتارة باستخدامات كبار في صغار الأعمال، وما يجري مجراه.
قال: وهذا الديوان هو أرفع دواوين الأموال، وفيه تثبت التواقيع والمراسيم السلطانية، وكلّ من دواوين الأموال فهو فرع هذا الديوان وإليه يرجع حسابه وتتناهى أسبابه.
стр. 1744
وأما استيفاء الدولة- فهي وظيفة رئيسية، وعلى متوليها مدار أمور الدولة في الضبط والتحرير ومعرفة أصول الأموال ووجوه مصارفها، ويكون فيها مستوفيان فأكثر.
الوظيفة الثانية- كتابة السر. قال في «مسالك الأبصار» : وموضوعها قراءة الكتب الواردة على السلطان وكتابة أجوبتها وأخذ خطّ السلطان عليها وتسفيرها، وتصريف المراسيم ورودا وصدرا، والجلوس لقراءة القصص بدار العدل والتوقيع عليها. وقد تقدّم في الكلام على الوزارة أنه صار يوقّع فيما كان يوقع عليه بقلم الوزارة مع مراجعة السلطان فيما يحتاج إلى المراجعة فيه، في أمور أخرى من التحدّث في أمر البريد وتصريف البريدية والقصّاد، ومشاركة الدّوادار في أكثر الأمور السلطانية مما تقدّم ذكره مفصلا. وبديوانه كتّاب الدّست: وهو الذين يجلسون معه في دار العدل ويقرأون القصص على السلطان ويوقّعون عليها بأمر السلطان، وكتّاب الدّرج: وهم الذين يكتبون الولايات والمكاتبات ونحوها مما يكتب عن الأبواب الشريفة «١» ، وربما شاركهم كتّاب الدست في ذلك.
الوظيفة الثالثة- نظر الخاصّ. وهي وظيفة محدثة «٢» ، أحدثها السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» ﵀ حين أبطل الوزارة على ما تقدّم ذكره، وأصل موضوعها التحدّث فيما هو خاصّ بمال السلطان. قال في «مسالك الأبصار» : وقد صار كالوزير لقربه من السلطان وتصرّفه، وصار إليه تدبير جملة الأمور وتعيين المباشرين يعني في زمن تعطيل الوزارة. قال: وصاحب هذه الوظيفة لا يقدر على الاستقلال بأمر إلا بمراجعة السلطان. ولناظر الخاصّ أتباع من كتّاب ديوان الخاصّ كمستوفي الخاص، وناظر خزانة الخاص ونحو ذلك مما لا يسع استيعابه.
стр. 1745
الوظيفة الرابعة- نظر الجيش. وموضوعها التحدّث في أمر الإقطاعات بمصر والشأم والكتابة بالكشف عنها ومشاورة السلطان عليها وأخذ خطّه؛ وهي وظيفة جليلة رفيعة المقدار، وديوانها أوّل ديوان وضع في الإسلام بعد النبيّ ﷺ في خلافة عمر. قال الزّهريّ «١» : قال سعيد بن المسيب «٢» : وذلك في سنة عشرين من الهجرة، وسيأتي الكلام على ما يتعلق بها في الكلام على كتابة المناشير في المقالة السادسة إن شاء الله تعالى. ولناظر الجيش أتباع بديوانه يولّون عن السلطان، كصاحب ديوان الجيش وكتّابه وشهوده، وكذلك صاحب ديوان المماليك، وكاتب المماليك وشهود المماليك. فإن المماليك السلطانية فرع من الجيش ونظرهم راجع إلى ناظر الجيش.
الوظيفة الخامسة- نظر الدواوين المعمورة والصحبة الشريفة. وهو المعبر عنه بناظر الدولة «٣» . وموضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث فيه الوزير، وكلّ ما كتب فيه الوزير كتب فيه هو، يكتب فيه بمثل ما رسم به.
الوظيفة السادسة- نظر الخزانة. قال في «مسالك الأبصار» : وكانت أوّلا كبيرة الوضع لأنها مستودع أموال المملكة، فلما استحدثت وظيفة الخاص، صغر أمر الخزانة، وسميت بالخزانة الكبرى، وهو اسم فوق مسماه. قال: ولم يكن بها الآن إلا خلع تخلع منها أو ما يحضر إليها ويصرف أوّلا فأوّلا، وفي الغالب يكون ناظرها من القضاة أو من يلتحق بهم، ولناظر الخزانة أتباع يولّون عن السلطان كصاحب ديوان الخزانة.
الوظيفة السابعة- نظر البيوت والحاشية. وهو نظر جليل، وكلّ ما يتحدّث
стр. 1746
فيه الأستادار له فيه مشاركة في التحدّث فيه، وقد تقدّم تفصيل حال وظيفة الأستادارية.
الوظيفة الثامنة- نظر بيت المال. وموضوعها حمل حمول المملكة إلى بيت المال والتصرف فيه تارة قبضا وصرفا وتارة بالتسويغ محضرا وصرفا. قال في «مسالك الأبصار» : ولا يليها إلا ذو العدالة البارزة من أهل العلم والديانة «١» .
الوظيفة التاسعة- نظر الإصطبلات السلطانية «٢» . وموضوعها مباشرة إصطبلات السلطان والتحدّث في أنواع الخيول والبغال والدواب والجمال السلطانية، وعليفها وعدّتها، وما لها من الاستعمالات والإطلاقات، وكل ما يبتاع لها أو يباع منها، وأرزاق المستخدمين بها ونحو ذلك.
الوظيفة العاشرة- نظر دار الضيافة والأسواق. وموضوعها التحدّث في أمر ما يتحصّل من سوق الخيل والرقيق ونحوهما، وصرف ذلك في كلفة من يرد إلى الأبواب السلطانية من رسل الملوك ونحوهم، وصرف مرتبات مقررة لأناس في كل شهر؛ والتحدّث فيها ولاية وعزلا وتنفيذا راجع إلى الدّوادار؛ وللوزير المشاركة معه في المتحصّل في شيء مخصوص.
الوظيفة الحادية عشرة- نظر خزائن السلاح. وموضوعها التحدّث على كل ما يستعمل من السلاح السلطانيّ، وعادته أن يجمع ما يتحصّل من عمل كل سنة ويجهّز في يوم معين، ويحمل على رؤوس الحمّالين إلى خزائن السلاح بالقلعة المحروسة، ويخلع عليه وعلى رفقته من المباشرين.
الوظيفة الثانية عشرة- نظر الأملاك السلطانية. وموضوعها التحدّث على الأملاك الخاصّة بالسلطان من ضياع ورباع وغير ذلك.
стр. 1747
الوظيفة الثالثة عشرة- نظر البهار والكارميّ «١» . وموضوعها التحدّث على واصل التجار الكارميّة «٢» من اليمن من أصناف البهار وأنواع المتجر، وهي وظيفة جليلة تارة تضاف إلى الوزارة وتجعل تبعا لها، وتارة تضاف إلى الخاص وتجعل تبعا لها، وتارة تنفرد عنهما بحسب ما يراه السلطان.
الوظيفة الرابعة عشرة- نظر الأهراء «٣» بمصر بالصناعة. وهي شونة الغلال السلطانية التي يتكلم عليها الوزير، وموضوعها التحدّث فيما يصل إليها من النواحي من الغلال وغيرها، وما يصرف منها على الإصطبلات الشريفة والمناخات السلطانية وغير ذلك.
الوظيفة الخامسة عشرة- نظر المواريث الحشريّة «٤» . وموضوعها التحدّث على ديوان المواريث الحشرية ممن يموت ولا وارث له، أو وله وارث لا يستغرق ميراثه، مع التحدّث في إطلاق جميع الموتى من المسلمين وغيرهم.
الوظيفة السادسة عشرة- نظر الطواحين السلطانية «٥» بمصر بالصناعة أيضا.
وهو مغلق عظيم فيه عشرة حجارة يخرج منها في كل يوم نحو خمسين تليسا «٦» .
стр. 1748
الوظيفة السابعة عشرة- نظر الحاصلات. وهو المعبّر عنه بنظر الجهات؛ وموضوعه التحدّث في أموال جهات الوزارة من متحصّل ومصروف أو حمل لبيت المال وغيره.
الوظيفة الثامنة عشرة- نظر المرتجعات «١» . وموضوعها التحدّث على ما يرتجع ممن يموت من الأمراء ونحو ذلك، وقد رفضت هذه الوظيفة وتعطّلت ولايتها في الغالب وصار أمر المرتجع موقوفا على مستوفي المرتجع، وهو الذي يحكم في القضايا الديوانية ويفصلها على مصطلح الديوان، وهو المعبر عنه بديوان السلطان.
الوظيفة التاسعة عشرة- نظر الجيزة. وموضوعها التحدّث على ما يتحصّل من عمل الجيزيّة التي هي خاص السلطان، وهي فرع من فروع الدواوين.
الوظيفة العشرون- نظر الوجه القبليّ. وموضوعها التحدّث على بلاد الصعيد بأسرها مما يتحصّل فيها من ميراث وغيره.
الوظيفة الحادية والعشرون- نظر الوجه البحريّ. وموضوعها كموضوع نظر الوجه القبليّ المتقدّم ذكره.
الوظيفة الثانية والعشرون- صحابة ديوان الجيش «٢» . وموضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث فيه ناظر الجيش من أمر الإقطاعات.
стр. 1749
الوظيفة الثالثة والعشرون- صحابة ديوان البيمارستان «١» . وموضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث فيه ناظر البيمارستان.
الوظيفة الرابعة والعشرون- صحابة ديوان الأحباس «٢» . وصاحبها يكتب في كل ما يكتب فيه ناظر الأحباس إلا أنها بطلت.
الوظيفة الخامسة والعشرون- استيفاء الصحبة «٣» .
استيفاء الدولة «٤»
النوع الثاني أرباب الوظائف الدينية، وهم صنفان
الصنف الأول من له مجلس بالحضرة السلطانية بدار العدل الشريف، وهو منحصر في خمس وظائف
الوظيفة الأولى- قضاء القضاة. وموضوعها التحدّث في الأحكام الشرعية وتنفيذ قضاياها، والقيام بالأوامر الشرعية، والفصل بين الخصوم، ونصب النوّاب للتحدّث فيما عسر عليه مباشرته بنفسه؛ وهي أرفع الوظائف الدينية وأعلاها قدرا وأجلّها رتبة.
واعلم أن الأمر في الزمن الأول كان قاصرا على قاض واحد بالديار المصرية من أيّ مذهب كان، بل كان في الدولة الفاطمية قاض واحد بالديار
стр. 1750
المصرية، وأجناد «١» الشام، وبلاد المغرب، مضاف إليه التحدّث في أمر الصلاة ودور الضرب وغير ذلك على ما ستقف عليه في تقاليد بعض قضاتهم في الكلام على تقاليد القضاة إن شاء الله تعالى، ثم استقرّ الحال في الأيّام الظاهرية بيبرس في سنة ثلاث «٢» وستين وستمائة على أربعة قضاة من مذاهب الأئمة الأربعة: الشافعيّ ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ﵃، وكان السبب في ذلك فيما ذكره صاحب «نهاية الأرب» «٣» أن قضاء القضاة بالديار المصرية كان يومئذ بيد القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز «٤» بمفرده؛ وكان الأمير جمال الدين ايدغدي أحد أمراء السلطان الملك الظاهر المتقدّم ذكره يعانده في أموره، ويغضّ منه عند السلطان، لتثبّته في الأمور وتوقفه في الأحكام. فبينما السلطان ذات يوم جالس بدار العدل إذ رفعت إليه قصة بسبب مكان باعه القاضي بدر الدين السنجاريّ، ثم ادّعي ذرّيته بعد وفاته أنه موقوف، فأخذ الأمير ايدغدي يغضّ من القضاة بحضرة السلطان، فسكت السلطان لذلك، ثم قال للقاضي تاج الدين: ما الحكم في ذلك؟ قال: إذا ثبتت الوقفية يستعاد الثمن من تركة البائع، قال: فإن عجزت التركة عن ذلك، قال: يوقف على حاله، فامتعض لها السلطان وسكت، ثم جرى في المجلس ذكر أمور أخرى توقف القاضي في تمشيتها، وكان آخر الأمر أن الأمير ايدغدي حسّن للسلطان نصب أربعة قضاة من المذاهب الأربعة ففعل، وأقرّ القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز في قضاء الشافعية، وولّي الشيخ شهاب
стр. 1751
الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن صالح السبكيّ قضاء المالكية، والقاضي بدر الدين بن سلمان قضاء الحنفية، والقاضي شمس الدين محمد ابن الشيخ عماد الدين إبراهيم القدسيّ قضاء الحنابلة، وجعل لهم الأربعة أن يولّوا النوّاب بأعمال الديار المصرية، وأفرد القاضي تاج الدين بالنظر في مال الأيتام والأوقاف، وكتب له بذلك تقليد من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر أوله «الحمد لله مجرّد سيف الحق على من اعتدى» . ثم كل من الأربعة له التحدّث فيما يقتضيه مذهبه بالقاهرة والفسطاط، ونصب النوّاب، وإجلاس الشهود، ويستقلّ الشافعيّ منهم بتولية النوّاب بنواحي الوجهين القبليّ والبحريّ لا يشاركه فيه غيره.
الوظيفة الثانية- قضاء العسكر. وهي وظيفة جليلة قديمة كانت في زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان قاضي عسكره بهاء الدين بن «١» وموضوعها أن صاحبها يحضر بدار العدل مع القضاة المتقدّم ذكرهم، ويسافر مع السلطان إذا سافر؛ وهم ثلاثة نفر: شافعيّ، وحنفيّ، ومالكيّ، وليس للحنابلة منهم حظ، وجلوسهم في دار العدل دون القضاة الأربعة المتقدّمي الذكر على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثالثة- إفتاء دار العدل. وموضوعها على نحو ما تقدّم في قضاء العسكر، وبها أربعة نفر، من كل مذهب واحد، وجلوسهم دون قضاة العسكر على ما يأتي ذكره.
الوظيفة الرابعة- وكالة بيت المال. وهي وظيفة عظيمة الشأن رفيعة القدر، وموضوعها التحدّث فيما يتعلق بمبيعات بيت المال ومشترياته من أراض وآدر وغير ذلك، والمعاقدة على ذلك وما يجري هذا المجرى. قال في «مسالك
стр. 1752
الأبصار» : ولا يليها إلا أهل العلم والديانة، ومجلسه بدار العدل: تارة يكون دون المحتسب، وتارة فوقه بحسب رفعة قدر كل منهما في نفسه.
الوظيفة الخامسة- الحسبة. وهي وظيفة جليلة رفيعة الشأن، وموضوعها التحدّث في الأمر والنهي، والتحدّث على المعايش والصنائع، والأخذ على يد الخارج عن طريق الصلاح في معيشته وصناعته. وبالحضرة السلطانية محتسبان:
أحدهما بالقاهرة، وهو أعظمهما قدرا وأرفعهما شأنا؛ وله التصرف بالحكم والتولية بالوجه البحري بكماله خلا الإسكندريّة، فإن لها محتسبا يخصها، والثاني بالفسطاط ومرتبته منحطة عن الأول؛ وله التحدّث والتولية بالوجه القبليّ بكماله، والذي يجلس منهما بدار العدل في أيام المواكب محتسب القاهرة فقط دون محتسب مصر؛ ومحلّ جلوسه دون وكيل بيت المال، وربما جلس أعلى منه إذا كان أرفع منه بعلم أو نحوه.
الصنف الثاني من أرباب الوظائف الدينية من لا مجلس له بالحضرة السلطانية
وهذه الوظائف لا حصر لعددها على التفصيل، ولا سبيل إلى استيفاء ذكرها على تفاوت المراتب فوجب الاقتصار على ذكر المهمّ منها.
ثم هذه الوظائف منها ما هو مختصّ بشخص واحد، ومنها ما هو عامّ في أشخاص.
فأما التي هي مختصة بشخص واحد.
فمنها (نقابة الأشراف) وهي وظيفة شريفة، ومرتبة نفيسة؛ موضوعها التحدّث على ولد عليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه من فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهم المراد بالأشراف، في الفحص عن أنسابهم والتحدّث في أقاربهم والأخذ على يد المتعدّي منهم ونحو ذلك، وكان يعبّر عنها في زمن الخلفاء المتقدّمين بنقابة الطالبيّين.
стр. 1753
ومنها (مشيخة الشيوخ) والمراد بها مشيخة الخانقاه «١» التي أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون بسرياقوس من ضواحي القاهرة.
أما مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقاهرة المعروفة بسعيد السعداء، فإنها وإن قدم زمنها وعظم قدرها دون تلك في المشيخة.
ومنها (نظر الأحباس المبرورة) وهي وظيفة عالية المقدار، وموضوعها أن صاحبها يتحدّث في رزق الجوامع والمساجد والرّبط والزوايا والمدارس من الأرضين المفردة لذلك من نواحي الديار المصرية خاصة، وما هو من ذلك على سبيل البرّ والصدقة لأناس معيّنين، وأصل هذه الوظيفة أن اللّيث بن سعد «٢» ﵀ اشترى أراضي من بيت المال في نواح من البلدان وحبّسها على وجوه البرّ، وهي المسماة بديوان الأحباس بوجوه العين، ثم أضيف إلى ذلك الرّباع والدور المعروفة بالفسطاط وغيره، ثم أضيف إليها رزق الخطابات «٣» ، ثم كثرت الرّزق من الأرضين في الدولة الظاهرية بيبرس بواسطة الصاحب بهاء الدين بن حنا وأخذت في الزيادة إلى زماننا؛ وهي تارة يتحدّث فيها السلطان بنفسه، وتارة النائب، وفي غالب الوقت يتحدّث فيها الدّوادار الكبير على ما استقرّ عليه الحال آخرا.
ومنها (نظر البيمارستان) والمراد البيمارستان المنصوريّ الذي أنشأه المنصور قلاوون بين القصرين، وكان دارا لستّ الملك أخت الحاكم الفاطميّ فغيّر معالمه وزاد فيه، وليس له نظير في الدنيا في برّه ومعروفه؛ وهي من أجلّ
стр. 1754
الوظائف وأعلاها؛ وعادة النظر فيه من أصحاب السيوف لأكبر الأمراء بالديار المصرية.
وأما التي هي عامّة في أشخاص.
فمنها (الخطابة) وهي في الحقيقة أجلّ الوظائف وأعلاها رتبة، إذ كان النبي ﷺ يفعلها بنفسه، ثم فعلها الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، وهي على كثرة الجوامع بالديار المصرية بحيث إنها لا تحصى كثرة- لا يتعلق منها بولاية السلطان إلا القليل النادر: كجامع القلعة إلا إذا كان مفردا عن القضاء ونحو ذلك مما لا ناظر له خاصّ.
ومنها (التداريس) «١» وهي على اختلاف أنواعها من الفقه والحديث والتفسير والنحو واللغة وغير ذلك لا يولّي السلطان فيها إلا فيما يعظم خطره ويرتفع شأنه مما لا ناظر له خاصّ كالمدرسة الصلاحية «٢» بجوار تربة الإمام الشافعي ﵁، والزاوية الصلاحية «٣» بالجامع العتيق بالفسطاط، وهي المعروفة بالخشابية، والمدرسة المنصورية «٤» بالبيمارستان المنصوريّ المتقدّم ذكره بين القصرين؛ ودرس الجامع الطولوني «٥» ونحو ذلك.
стр. 1755
المقصد الرابع في زيّ أعيان المملكة من أرباب المناصب السلطانية بالديار المصرية في لبسهم وركوبهم، وهم أربع طوائف
الطائفة الأولى أرباب السّيوف، وزيّهم راجع إلى أمرين
الأمر الأول (لبسهم) . ويختلف الحال فيه باعتبار مواضع اللّبس من البدن.
فأما ما به تغطية رؤوسهم، فقد تقدّم أنهم كانوا في الدولة الأيوبية يلبسون كلّوتات صفر بغير عمائم، وكانت لهم ذوائب شعر يرسلونها خلفهم. فلما كانت الدولة الأشرفية «خليل بن قلاوون» ﵀، غير لونها من الصّفرة إلى الحمرة وأمر بالعمائم من فوقها، وبقيت كذلك حتّى حجّ الملك الناصر «محمد بن قلاوون» ﵀ في أواخر دولته فحلق رأسه فحلق الجميع رؤوسهم، واستمرّوا على الحلق إلى الآن، وكانت عمامتهم صغيرة فزيد في قدرها في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» فحسنت هيئتها وجادت، وهي على ذلك إلى زماننا.
وأما ثياب أبدانهم فيلبسون الأقبية التتريّة والتكلاوات فوقها ثم القباء الإسلاميّ فوق ذلك، يشدّ عليه السيف من جهة اليسار والصولق «١» والكزلك من جهة اليمين.
قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تاريخه» : وأول من أمر بذلك غازي بن زنكي أخو العادل نور الدين الشهيد حين ملك الموصل بعد أبيه، ثم
следующие страницы →