Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
أربع سنين ثم مات، فتزوّج أمّ الناصر غازي بن جبريل: أحد أمراء دولته وقام بتدبيرها، ثم مات الناصر وبقي (غازي) في المملكة فقتله جماعة من العرب، فغلبت أم الناصر على زبيد.
وكان (سليمان بن شاهنشاه) بن المظفر تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قد خرج فقيرا، فاتفق أن وافى اليمن فتزوّج أمّ الناصر وملك اليمن فأساء السيرة، فبعث إليه عمّه الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر، ابنه (الملك المسعود) أطسر المعروف باقسيس، في جيش فملك اليمن من سليمان، ثم كره المقام فيه فسار قاصدا الشام فتوفي بمكة؛ وهو آخر ملوكها من بني أيوب.
الطبقة العاشرة (دولة بني رسول، وهم القائمون بها الآن)
وأوّل من ملكها منهم عليّ بن رسول. وذلك أنه لما توفّي الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل محمد، كان معه أمير اخور لابيه اسمه رسول، فلما خرج الملك المسعود يريد الشام، استخلف على اليمن (عليّ بن رسول) المذكور؛ فاستقرّ نائبا باليمن لبني أيوب حتّى مات سنة ثلاثين وستمائة، ووقع في «التعريف» : أن المستقرّ في اليمن أوّلا هو رسول والد عليّ المذكور، ولم أره في تاريخ.
ثم استقر بعد عليّ بن رسول المذكور في النيابة ولده الملك المنصور (عمر بن عليّ) . ثم تغلّب على اليمن وخرج عن طاعة بني أيّوب ملوك مصر، واستقلّ بملك اليمن، وتلقب بالملك المنصور، ثم قتل في سنة ثمان وأربعين وستمائة.
وملك بعده ابنه الملك المظفّر شمس الدين (يوسف بن عمر) بن علي بن رسول، وصفا له ملك اليمن وطالت مدّته، وأرسل إلى الملك المنصور «١» قلاوون
стр. 2242
صاحب الديار المصرية حينئذ هدية نفيسة، وسأل أن يكتب له أمانا، فقبلت هديته وكتب له بالأمان، وقرّرت عليه إتاوة لملوك مصر، وأعيدت رسله في سنة ثمانين وستمائة. ومات بقلعة تعزّ سنة أربع وتسعين وستمائة.
وملك بعده ابنه الأشرف ممهّد الدين (عمر بن المظفّر يوسف) وبقي حتّى مات سنة ست وتسعين وستمائة.
ثم ملك بعده أخوه الملك المؤيد (هزبر الدين داود) واستمر على مواصلة ملوك مصر بالهدايا والتّحف والضريبة المقرّرة عليه. وتمذهب بمذهب الشافعى ﵁ واشتغل بالعلم واعتنى بجمع الكتب. حتّى اشتملت خزائنه على مائة ألف مجلّد؛ وبرّ العلماء، وكانت تحفه تصل إلى الشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد ﵀ في كل وقت؛ وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه الملك المجاهد (سيف الدين علي) وكان في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية، فأساء السيرة، فقبض عليه وخلع وحبس في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وملك بعده عمّه الملك المنصور (أيوب بن المظفّر يوسف) ثم قتله شيعة المجاهد، وأعادوا الملك المجاهد. وكان الظاهر أسد الدين عبد الله بن المنصور أيوب بحصن الدّملوة المقدّم ذكره فعصى عليه، وملك عدن وغيرها. وبعث الملك المجاهد للملك الناصر «محمد بن قلاوون» يستصرخه على الظاهر عبد الله. فجهّز إليه العساكر فوصلت إليه سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فأوقعوا الصلح بينهما على أن تكون الدّملوة للظاهر المذكور، وتمهّد اليمن للمجاهد، واستنزل الظاهر عن الدّملوة؛ ثم قبض عليه وقتله.
стр. 2243
ثم حجّ المجاهد سنة إحدى وخمسين في أيام الملك «الناصر حسن» بن محمد بن قلاوون صاحب مصر.
وكان الأمير طاز أحد أكابر أمراء الديار المصرية قد حجّ، وأشيع أن المجاهد يريد كسوة الكعبة في تلك السنة، فوقعت الفتنة بين العسكر المصريّ والمجاهد، فانهزم المجاهد ونهبت عساكره وسائر أهل اليمن، وأسر المجاهد صاحب اليمن وحمل إلى مصر فاعتقل بها؛ ثم أطلق سنة ثنتين وخمسين وسبعمائة في دولة الصالح، ووجّه معه الأمير قشتمر المنصوري ليوصله إلى بلاده، فلما بلغ به الينبع، ارتاب منه في الهرب، فرجع به إلى مصر، فحبس في الكرك من بلاد الشام؛ ثم أطلق وأعيد إلى ملكه، وأقام على مداراة صاحب مصر إلى أن توفي سنة ست وستين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه الملك الأفضل (عباس) بن المجاهد عليّ، فاستقام له ملك اليمن وبقي حتى مات سنة ثمان وسبعين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه الملك المنصور (محمد) ومات.
وملك أخوه الملك الأشرف (إسماعيل) بن الأفضل عباس، فاستقام أمره بها، ثم مات.
وولي بعده ابنه [الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل] «١» بن الأفضل عباس، بن المجاهد علي، بن المؤيد داود، بن المظفر يوسف، بن المنصور عمر، بن علي، بن رسول، وهو باق باليمن إلى آخر سنة اثنتي عشرة وثمانمائة.
وله مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، يأتي ذكرها في المكاتبات إن شاء الله تعالى.
стр. 2244
الجملة [الخامسة] السادسة (في ترتيب هذه المملكة على ما هي عليه في زمن بني رسول: ملوكها الآن: في مقدار عساكرها، وزيّ جندها، وبيان أرباب وظائفها، وحال سلطانها)
أما مقدار عساكرها. فقد قال في «مسالك الأبصار» : أخبرني أقضى القضاة، أبو الربيع: سليمان بن محمد، بن الصدر سليمان (وكان قد توجه إلى اليمن، وخدم في ديوان الجيوش به) أن جميع جند اليمن لا يبلغ ألفي فارس.
قال: وينضاف إليهم من العرب المدافعين في طاعته مثلهم، وأراني جريدة «١» للجيش تشهد بما قال. ذكر أن غالب جنده من الغرباء. ونقل عن الحكيم «صلاح الدين بن البرهان» أن الإمرة عندهم قد تطلق على من ليس بأمير، وأما الإمرة الحقيقية التي ترفع بها الأعلام والكؤوسات «٢» ، فإنها لمن قلّ، وربما أنه لا يتعدّى عدّة الأمراء بها عشرة نفر.
وأما زيّ السلطان والجند بها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن لباس السلطان وعامّة الجند باليمن أقبية إسلامية، ضيّقة الأكمام، مزنّدة على الأيدي، وفي أوساطهم مناطق مشدودة، وعلى رؤوسهم تخافيف لانس، وفي أرجلهم الدلاكسات، وهي أخفاف من القماش الحرير الأطلس والعتّابيّ وغير ذلك.
قال المقر الشهابيّ بن فضل الله: وقد حضر عليّ بن عمر بن يوسف الشهابيّ: أحد أمراء الملك المجاهد باليمن إلى الديار المصرية، في وحشة «٣» حصلت بينه وبين سلطانه، وهو بهذا الزّيّ خلا الدلاكس فإنه قلعه ولبس الخفّ
стр. 2245
المعتاد بالديار المصرية، وكان يحضر الموكب السلطانيّ بالديار المصرية، وهو على هذا الزّيّ.
وأما شعار السلطنة، فقد ذكر عن الحكيم بن البرهان أيضا أن شعار سلطان اليمن وردة حمراء في أرض بيضاء. قال المقر الشهابيّ بن فضل الله: ورأيت أنا السّنجق اليمنيّ، وقد رفع في عرفات سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وهو أبيض فيه وردات حمر كثيرة.
وأما أرباب الوظائف، فنقل عن ابن البرهان أن باليمن أرباب وظائف: من النائب، والوزير، والحاجب، وكاتب السر، وكاتب الجيش وديوان المال. وبها وظائف الشادّ والولاية، وأنه يتشبه بالديار المصرية في أكثر أحواله. قال: أما كتّاب الإنشاء ثمّ، فإنه لا يجمعهم رئيس يرأس عليهم يقرأ ما يرد على السلطان ويجاوب عنه ويتلقّى المراسيم وينفّذها، وإنما السلطان إذا دعت حاجته إلى كتابة كتب، بعث إلى كلّ منهم ما يكتبه. فإذا كتب السلطان ما رسم له به، بعثه على يد أحد الخصيان فقدّمه إليه، فيعلّم فيه وينفّذه.
قال المقر الشهابيّ بن فضل الله: وعادة ما يكتب عنه في ديوان الإنشاء كعادة الديار المصرية في المصطلح. قال: ورأيت علامة الملك المؤيّد داود على توقيع مثالها «الشاكر لله على نعمائه» في سطر، وتحته «داود» في سطر آخر.
وأما ترتيب أحوال السلطان، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن صاحب اليمن قليل التصدّي لإقامة رسوم المواكب والخدمة والاجتماع بولاة الأمور ببابه، فإذا احتاج أحد من أمرائه وجنده إلى مراجعته في أمر، كتب إليه قصة يستأمره فيها، فيكتب عليها بخطه ما يراه؛ وكذلك إذا رفعت إليه قصص المظالم هو الذي يكتب عليها بخطه بما فيه إنصاف المظلوم.
ونقل عن ابن البرهان: أن ملوك اليمن أوقاتهم مقصورة على لذّاتهم، والخلوة مع حظاياهم وخاصّتهم من النّدماء والمطربين، فلا يكاد السلطان يرى، بل ولا يسمع أحد من أهل اليمن خبرا له على حقيقته، وأهل خاصّته المقرّبون
стр. 2246
الخصيان، وله أرباب وظائف للوقوف بأموره، وهو ينحو في أموره منحى صاحب مصر: يتسمّع أخباره، ويحاول اقتفاء آثاره في أحواله، وأوضاع دولته، غير أنه لا يصل إلى هذه الغاية، ولا تخفق عليه تلك الراية، لقصور مدد بلاده، وقلّة عدد أجناده، وللتّجّار عندهم موضع جليل، لأن غالب متحصّلات اليمن منهم وبسببهم، وغالب دخله من التّجّار والجلّابة «١» برّا وبحرا. ولذلك كانت مملكة بني رسول هذه أكثر مالا من مملكة الشّرفاء بصنعاء وما والاها لمجاورة مملكة بني رسول البحر. وصاحب اليمن لا ينزل في أسفاره إلّا في قصور مبنيّة له في منازل معروفة من بلاده، فحيث أراد النزول بمنزلة وجد بها قصرا مبنيّا ينزل به. قال:
وإنما تجتمع لهم الأموال لقلة الكلف في الخرج والمصاريف والتكاليف، ولأن الهند يمدّهم بمراكبه، ويواصلهم ببضائعه.
قال في «مسالك الأبصار» : ولا تزال ملوك اليمن تستجلب من مصر والشام طوائف من أرباب الصناعات والبضائع ببضائعهم على اختلافها. قال أقضى القضاة أبو الربيع سليمان بن الصدر سليمان: وصاحب هذه المملكة أبدا يرغب في الغرباء، ويحسن تلقيهم غاية الإحسان، ويستخدمهم بما يناسب كلّا منهم، ويتفقّدهم في كل وقت بما يأخذ به قلوبهم ويوطّنهم عنده.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن ملوك هذه المملكة: أنهم لم يزالوا مقصودين من آفاق الأرض، قلّ أن يبقى مجيد في صنعة من الصنائع إلا ويصنع لأحدهم شيئا على اسمه، ويجيد فيه بحسب الطاقة، ثم يجهّزه إليه ويقصده به فيقدّمه إليه، فيقبل عليه ويقبل منه. ويحسن نزله، ويسني جائزته؛ ثم إن أقام في بابه، أقام مكرما محترما، أو عاد محبوّا محبورا، يجزلون من نعمهم العطايا، ويثقلون بكرمهم المطايا، ما قصدهم قاصد إلا وحصل له من البرّ والإيناس وتنويع الكرامة ما يسليهم عن الأوطان، ولكنهم لا يسمحون بعود غريب، ولا يصفحون
стр. 2247
في زلل عن بعيد ولا قريب، فإن أراد الارتحال عن دارهم، مكّنوه من العود كما جاءهم، وخرج عنهم على أسوإ حال. مسلوبا ما استفاد عندهم من نعمة، عقابا له على مفارقته لأبوابهم لا بخلا بما جادوا به. أما من قدّم إليهم القول بأنه أتاهم راحلا لا مقيما، وزائرا لا مستديما، فإنهم لا يكلّفونه المقام لديهم، ولا دواما في النزول عليهم، بل يجزلون إفادته، ويجملون إعادته.
ثم بعد أن ذكر ما بين صاحب اليمن هذا وبين إمام الزّيديّة «١» باليمن من المشاجرة والمهادنة تارة والمفاسخة أخرى، قال: وصاحب اليمن لا عدو له، لأنه محجوب ببحر زاخر وبرّ منقطع من كلّ جهة، وللمسالمة بينه وبينهم، فهو لهذا قرير العين، خالي البال، لا يهمّه إلا صيد، ولا يهيجه إلا بلبال. قال: وهم مع ذلك على شدة ضبط لبلادهم ومن فيها، واحترازهم على طرقها برّا وبحرا من كل جهة، لا يخفى عليهم داخل يدخل إليها، ولا خارج يخرج منها، ومع ذلك فهو يداري صاحب مصر ويهاديه «٢» ، لمكان إمكان تسلّطه عليه من البرّ والبحر الحجازيّ، ولذلك اكتتب الملك «المؤيد داود» وصية أوصى فيها الملك الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية على ابنه الملك المجاهد عليّ. فلما مات المؤيد نجم على ابنه المجاهد ناجم، فبعث بوصية أبيه إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فجهز معه عسكرا إلى اليمن فمنعه من عدوّه الناجم عليه، ومكّن له في اليمن وبسط يده فيه.
القسم الثاني (من اليمن النّجود)
وهي ما ارتفع من الأرض، وبها مستقرّ أئمة الزيدية الآن.
стр. 2248
قال في «مسالك الأبصار» : وهي شديدة الحرّ، وقد انطوى فيها جزء من اليمن، وإن كان ما بيد أولاد رسول هو الجزء الوافر الأعظم.
وفيه أربع جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من النواحي، والمدن، والبلاد)
قال في «مسالك الأبصار» حدّثني الحكيم صلاح الدين بن البرهان: أن اليمن منقسم إلى قسمين: سواحل، وجبال، وأن السواحل كلّها لبني رسول، والجبال كلّها أو غالبها للأشراف. قال: وهي أقلّ دخلا من السواحل: لمدد البحر لتلك واتصال سبيلها عنه، وانقطاع المدد عن هذه البلاد لانقطاع سبيلها من كلّ جهة.
قال: وحدثني أبو جعفر بن غانم: أن بلاد الشّرفاء هؤلاء متصلة ببلاد السّراة، إلى الطائف، إلى مكة المعظّمة.
قال: وهي جبال شامخة، ذات عيون دافقة ومياه جارية، على قرى متصلة، الواحدة إلى جانب الأخرى، وليس لواحدة تعلّق بالأخرى بل لكل واحدة أهل يرجع أمرهم إلى كبيرهم، لا يضمّهم ملك ملك، ولا يجمعهم حكم سلطان، ولا تخلو قرية منها من أشجار وعروش ذوات فواكه أكثرها العنب واللوز، ولها زروع أكثرها الشعير، ولأهلها ماشية أعوزتها الزرائب، وضاقت بها الحظائر.
قال: وأهلها أهل سلامة وخير وتمسّك بالشريعة ووقوف معها، يعضّون على دينهم بالنّواجذ «١» ، ويقرون «٢» كلّ من يمرّ بهم، ويضيّفونه مدّة مقامه حتّى
стр. 2249
يفارقهم. وإذا ذبحوا لضيفهم شاة، قدّموا له جميع لحمها ورأسها وأكارعها وكبدها وقلبها وكرشها، فيأكل ويحمل معه ما يحمل. ولا يسافر أحد منهم من قرية إلى أخرى إلا برفيق يسترفقه منها فيخفره، لوقوع العداوة بينهم.
ثم هي تشتمل على عدّة حصون وبلاد مخصبة.
وقاعدتها مدينة (صنعاء) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الصاد المهملة وسكون النون وعين مهملة وألف ممدودة. وهي مدينة من نجود اليمن، واقعة في أوائل الإقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وستّون درجة، والعرض أربع عشرة درجة وثلاثون دقيقة. قال في «الروض المعطار» : واسمها الأول «أوال» «١» يعني بضم الهمزة وفتح الواو من الأوّلية بلغتهم. فلما وافتها الحبشة ونظروا إلى بنائها، قالوا: هذه صنعة، ومعناه بلغتهم حصينة فسمّيت صنعاء من يومئذ. قال: والنسبة إليها صنعانيّ على غير قياس.
ويقال: إنها أوّل مدينة بنيت باليمن.
ثم اختلف: فقيل بناها سام بن نوح ﵇، وذلك أنه طلب مكانا معتدل الحرارة والبرودة فلم يجد ذلك إلّا في مكان صنعاء فبنى هذه المدينة هناك وقيل بنتها عاد.
قال في «تقويم البلدان» : وهي من أعظم مدن اليمن، وبها أسواق ومتاجر كثيرة، ولها شبه بدمشق: لكثرة مياهها وأشجارها، وهواؤها معتدل، وتتقارب فيها ساعات الشتاء والصيف، وفي أطول يوم في السنة يكون الشاخص عند الاستواء لا ظلّ له.
стр. 2250
وقال في موضع آخر: تشبه بعلبكّ في الشام، لتمامها الحسن وحسنها التّمام، وكثرة الفواكه، تقع بها الأمطار والبرد. وهي كرسيّ ملوك اليمن في القديم، ويقال إنها كانت دار ملك التّبابعة. قال في «الروض المعطار» » : وهي على نهر صغير يأتي إليها من جبل في شماليها، ويمرّ منحدرا إلى مدينة ذمار، ويصبّ في البحر الهنديّ، وعمارتها متصلة، وليس في بلاد اليمن أقدم منها عمارة، ولا أوسع منها قطرا.
قال في «تقويم البلدان» : وكانت في القديم كرسيّ مملكة اليمن. قال:
وبها تلّ عظيم يعرف بغمدان «١» ، كان قصرا ينزله ملوكها. قال في «الروض المعطار» : هو أحد البيوت السبعة التي بنيت على اسم الكواكب السبعة، بناه الضّحّاك على اسم الزّهرة، وكانت الأمم تحجّه فهدمه عثمان ﵁ فصار تلّا عظيما قال في «تقويم البلدان» : وهي شرقيّ عدن بشمال في الجبال.
ولها عدّة بلاد وحصون مضافة إليها؛ جارية في أعمالها.
منها (كحلان) بفتح الكاف وسكون الحاء المهملة ثم لام ألف ونون في الآخر. وهي قلعة من عمل صنعاء على القرب منها. قال ابن سعيد: كان بها في أوّل المائة الرابعة بنو يعفر من بقايا التبابعة. قال: ولم يكن لها نباهة في الملك إلى أن سكنها بنو الصّليحيّ، وغلب عليها الزيديّة، ثم السّليمانيّون بعد بني الصّليحيّ.
ومنها (نجران) . قال في «اللباب» : بفتح النون وسكون الجيم وراء مهملة وألف ونون في الآخر. قال الأزهري: وسميت بنجران بن زيد، بن سبإ، بن يشجب، بن يعرب، بن قحطان. وهي بلدة من بلاد قبيلة همدان، واقعة في
стр. 2251
الإقليم الأول. قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وستون درجة، والعرض تسع عشرة درجة.
قال في «تقويم البلدان» : وهي بليدة فيها نخيل، بين عدن وحضرموت، في جبال بين قرى ومدائن وعمائر ومياه، تشتمل على أحياء من اليمن، وبها يتّخذ الأدم، وهي شرقيّ صنعاء بشمال، وبها أشجار، وبينها وبين صنعاء عشر مراحل، ومنها إلى مكة عشرون يوما في طريق معتدل. وجعلها صاحب الكمام صقعا مفردا عن اليمن.
ومنها (صعدة) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الصاد وسكون العين المهملتين ودال مهملة وهاء في الآخر. قال في «الروض المعطار» : والنسبة إليها صاعديّ على غير قياس. قال في «القانون» : وتسمى (غيل) أيضا. وهي بلدة على ستين فرسخا من صنعاء، وموقعها في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وستون درجة وعشرون دقيقة، والعرض ستّ عشرة درجة. قال في «العزيزيّ» : وهي مدينة عامرة آهلة خصبة، وبها مدابغ الأدم وجلود البقر، التي تتّخذ منها النّعال.
ومنها (خيوان) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة من تحت وفتح الواو، ثم ألف بعدها نون. وهي صقع معروف باليمن، واقع في الإقليم الأول. قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وستون درجة وإحدى وعشرون دقيقة، والعرض خمس عشرة درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي بلاد تشتمل على قرى ومزارع ومياه، معمورة بأهلها، وبها أصناف من قبائل اليمن. قال المهلبيّ: وهي طرف منازل بني الضّحّاك من بني يعفر من بقايا التبابعة؛ وماؤها من السماء. قال الإدريسيّ: وبينها وبين صعدة ستة
стр. 2252
عشر فرسخا. وقال المهلبيّ: بينهما أربعة وعشرون ميلا.
ومنها (جرش) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الجيم وفتح الراء المهملة وشين [معجمة] «١» في الآخر. وهي بلدة باليمن، موقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وستون درجة وخمسون دقيقة، والعرض سبع عشرة درجة. وهي بلدة بها نخيل، مشتملة على أحياء من اليمن، ويتّخذ بها الأدم الكثير. قال في «العزيزي» : وهي بلدة صالحة، وحولها من شجر القرظ «٢» ما لا يحصى، وبها مدابغ كثيرة. قال الإدريسيّ: وهي ومدينة نجران متقاربتان في المقدار والعمارة، ولهما مزارع وضياع وبينهما ستّ مراحل.
ومنها (مأرب) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وهمزة ساكنة وراء مهملة مكسورة وفي آخرها باء موحدة. وذكر أنه رآها مكتوبة في الصحاح كذلك، ثم قال: والمشهور فتح الهمزة ومدّها. وهي مدينة على ثلاث مراحل من صنعاء، واقعة في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمان وستون درجة، والعرض أربع عشرة درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي في آخر جبال حضرموت، ويقال لها مدينة سبإ، تسمية لها باسم بانيها، وبها كان السّد.
قال: وكانت قاعدة التبابعة وهي اليوم خراب.
ومنها (حضرموت) . قال في «اللباب» : بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة، وبعدها ميم مفتوحة وواو ساكنة وتاء مثناة من فوقها في الآخر. وهي ناحية من نواحي اليمن، وأعمالها أعمال عريضة، ذات شجر ونخل ومزارع.
стр. 2253
قال الأزهريّ: وسميت حضرموت بحاضر، بن «١» سنان، بن إبراهيم، وكان أوّل من نزلها.
قال صاحب «العبر» : وكانت بلاد حضرموت لعاد مع البحرين وعمان، ثم غلبهم عليها بنو يعرب بن قحطان، حين ولّى أولاده البلاد أعطى هذه ابنه حضرموت فعرفت به. والنسبة إليها حضرميّ، وقصبتها مدينة «شبام» . قال في «اللباب» : بكسر الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة وألف وميم، ووهم ابن الأثير «٢» في «اللباب» : فجعل شبام قبيلة لا بلدا. قال في «تقويم البلدان» : وهي خارجة عن الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة إلى الجنوب. قال في «الأطوال» :
وهي حيث الطول إحدى وسبعون درجة، والعرض اثنتا عشرة درجة وثلاثون دقيقة، وهي قلعة فوق جبل منيع فيه قرى ومزارع كثيرة. قال في «العزيزيّ» :
وفيه سكّان كثيرة. قال: وفيه معدن العقيق والجزع «٣» وبينها وبين صنعاء أحد وعشرون فرسخا، وقيل إحدى عشرة مرحلة، وبينها وبين ذمار مرحلة واحدة.
الجملة الثانية (في الطرق الموصلة إلى هذه المملكة)
قد تقدّم أن الطريق من مصر إلى مكة معروفة. قال ابن خرداذبه: ثم من مكة إلى بئر ابن المرتفع، ثمّ إلى قرن المنازل: قرية عظيمة، وهي ميقات أهل اليمن للحجّ منه يحرمون، ثمّ إلى الفتق: وهي قرية كبيرة، ثمّ إلى صقر، ثم إلى تربة: وهي قرية كبيرة، ثمّ إلى كديّ، وفيها نخيل وعيون، ثمّ إلى رنية، وفيها نخيل وعيون أيضا، ثم إلى تبالة، وهي مدينة كبيرة فيها عيون جارية، ثمّ إلى
стр. 2254
جسدا وفيها بئر ولا أهل فيها، ثمّ إلى كشة، وهي قرية عظيمة فيها عيون وحرس، ثمّ إلى بيشة يقطان، وفيها ماء ظاهر وكرم، والحرس منها على ثلاثة أميال، ثم إلى المهجرة، وهي قرية عظيمة فيها عيون وفيما بين سروم راح والمهجرة طلحة الملك: وهي شجرة عظيمة. وهناك حدّ ما بين عمل مكة المشرفة وعمل اليمن، ثم منها إلى عرقة، وماؤها قليل ولا أهل فيها؛ ثم إلى صعدة، وقد تقدم ذكرها؛ ثم إلى الأعمشيّة، وفيها عين صغيرة ولا أهل فيها، ثم إلى خيوان، وقد تقدّم ذكرها؛ ثم إلى أثافت، وهي مدينة فيها زرع وكرم وعيون، ثم إلى مدينة صنعاء، وهي قاعدة هذه المملكة على ما تقدّم.
الجملة الثالثة (فيمن ملك هذه المملكة إلى زماننا)
قد تقدّم في الكلام على صنعاء أنها كانت قاعدة ملك التبابعة، وقد مرّ القول عليهم في الكلام على ملوك اليمن في مملكة بني رسول، في القسم الأول من اليمن.
أما حضرموت، فقد قال عليّ بن عبد العزيز الجرجاني «١» : إنه كان لهم في الجاهلية ملوك يقاربون ملوك التّبابعة في علوّ الصّيت ونباهة الذّكر. ثم قال: وقد ذكر جماعة من العلماء أوّل من انبسطت يده منهم، وارتفع ذكره (عمرو بن الأشنب) بن ربيعة، بن يرام، بن حضرموت؛ ثم خلفه ابنه (نمر الأزجّ) فملكهم مائة سنة، وقاتل العمالقة.
ثم ملك بعده ابنه (كريب، ذو كراب) بن نمر الأزج مائة وثلاثا وثلاثين سنة.
стр. 2255
ثم ملك بعده (مرثد ذو مران) بن كريب مائة وأربعين سنة، وكان يسكن مأرب، ثمّ تحوّل إلى حضرموت.
ثم ملك بعده ابنه (علقمة ذو قيقان) بن مرثد ذي مرّان ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده ابنه (ذو عيل) بن ذي قيقان عشرين سنة. ثم تحوّل من حضرموت إلى صنعاء واشتدّت وطأته. وهو أوّل من غزا الرّوم من ملوك اليمن، وأدخل الحرير والدّيباج اليمن.
ثم ملك بعده ابنه (بدعيل بن ذي عيل) أربع سنين، وبنى بها حصونا وخلّف آثارا.
ثم ملك بعده ابنه (يدنو ذو حمار) بن بدعيل بحضرموت وبحر فارس، وكان في أيام سابور ذي الأكتاف «١» من ملوك الفرس، ودام ملكه ثمانين سنة، وهو أوّل من اتخذ الحجّاب من ملوكهم.
ثم ملك بعده ابنه (ليشرح) ذو الملك، بن ودب، بن ذي حمار، بن عاد من بلاد حضرموت مائة سنة، وهو أوّل من رتّب المراتب، وأقام الحرس من ملوكهم.
ثم ملك بعده (ينعم) بن ذي الملك دثار بن جذيمة.
ثم ملك بعده (ساجي) بن نمر، وفي أيامه تغلبت الحبشة على اليمن، وقد مرّ القول على ملكهم، ثم ملك الفرس بعدهم إلى ظهور الإسلام في الكلام على ملوك اليمن في القسم الأوّل من اليمن، فأغنى عن إعادته هنا.
وأما نجران وجرش، فإنهما [كانا] بيد جرهم من القحطانية، ثمّ غلبهم على ذلك بنو حمير، وصاروا ولاة للتبابعة، فكان كلّ من ملك منهم يسمّى أفعى.
стр. 2256
ومنهم كان الأفعى الذي حكم بين أولاد نزار بن معدّ بن عدنان في قصتهم المشهورة.
ثم نزل نجران بنو مدحج، واستولوا عليها، ثم نزل في جوارهم الحارث بن كعب الأزديّ فغلبهم عليها، وانتهت رياسة بني الحارث فيها إلى بني الدّيّان، ثم صارت إلى بني عبد المدان، إلى أن كان منهم في زمن النبيّ ﷺ يزيد، فأسلم على يد خالد بن الوليد ﵁.
وكان منهم زياد بن عبد الله بن عبد المدان خال السّفّاح، ولّاه نجران واليمامة، وخلّف ابنه محمدا ويحيى، ودخلت المائة الرابعة والملك بها لبني أبي الجود بن عبد المدان، واتصل مجيئهم وكان آخرهم عبد القيس الذي أخذ عليّ بن مهديّ الملك من يده.
أما في الإسلام، فقد تقدّم في الكلام على القسم الأوّل من اليمن أيضا أنه لمّا ظهر الإسلام أسلم باذان نائب الفرس على اليمن، وتتابع أهل اليمن في الإسلام، وولّى النبيّ ﷺ على صنعاء شهر بن باذان المذكور، فلما خرج الأسود العنسيّ «١» ، أخرج عمّال النبيّ ﷺ من اليمن على ما تقدّم، وزحف إلى صنعاء فملكها وقتل شهر بن باذان وتزوّج امرأته. فلما قتل العنسيّ ورجع عمّال النبيّ ﷺ إلى اليمن، استبدّ بصنعاء قيس بن عبد يغوث المراديّ، وتوفي رسول الله ﷺ ، والأمر على ذلك.
ثم كانت خلافة أبي بكر ﵁، فولّى على اليمن (فيروز الديلميّ) ثم ولّى بعده (المهاجر بن أبي أميّة) . ثم توالت عمّال الخلفاء على اليمن على ما تقدّم في الكلام على القسم الأوّل من اليمن. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن كان أوّل المائة الرابعة بعد الهجرة أو ما قاربها. فغلب على صنعاء وما والاها بنو يعفر من بقايا التبابعة. قال ابن سعيد: وكان دار ملكهم كحلان، وهي
стр. 2257
قلعة من عمل صنعاء بالقرب منها، ولم أقف على تفاصيل أحوالهم وأسماء ملوكهم.
ثم كانت دولة أئمة الزيدية القائمين بها إلى الآن، وهم بنو القاسم الرّسّيّ، ابن إبراهيم طباطبا، بن إسماعيل الديباج، بن عبد الله «١» ، بن الحسن المثنّى، بن الحسن السبط، ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
وكان مبدأ أمرهم أن محمّد بن إبراهيم طباطبا خرج بالكوفة في خلافة المأمون، في سنة تسع وتسعين ومائة ودعا إلى نفسه، وكان شيعته من الزيديّة وغيرهم يقولون: إنه مستحقّ للإمامة بالتوارث من آبائه عن جدّه إبراهيم الإمام، وغلب على كثير من بلاد العراق، ثم خمدت سورته، فتطلّب المأمون أخاه القاسم الرّسّيّ فهرب إلى الهند، ولم يزل به حتى هلك سنة خمس وأربعين ومائتين، فرجع ابنه الحسين بن القاسم الرسيّ بن إبراهيم طباطبا إلى اليمن، فكان من عقبه هؤلاء الأئمة.
وأوّل من خرج منهم باليمن (يحيى بن الحسين الزاهد) بن القاسم الرسيّ ودعا لنفسه بصعدة وتلقّب بالهادي، وبويع بالإمامة سنة ثمان وثمانين ومائتين في حياة أبيه الحسين، وجمع الشيعة وغيرهم وحارب إبراهيم بن يعفر، ويقال أسد بن يعفر، القائم من أعقاب التبابعة بصنعاء وكحلان، وملك صنعاء ونجران وضرب السكة باسمه.
قال في «مسالك الأبصار» : واستجاب الناس لندائه، وصلّوا بصلاته وأمّنوا على دعائة؛ وقام فيهم مقاما عظيما، وأثّر فيهم من الصلاح أثرا مشهودا، قال: وفي ذلك يقول: (طويل)
стр. 2258
بني حسن إنّي نهضت بثاركم ... وثار كتاب الله والحقّ والسّنن
وصيّرت نفسي للحوادث عرضة ... وغبت عن الإخوان والأهل والوطن
ثم ارتجعهما بنو يعفر منه ورجع هو إلى صعدة، فتوفّي بها سنة ثمان وتسعين ومائتين، لعشر سنين من بيعته. قال ابن المحاب: وله مصنّفات في الحلال والحرام. وقال غيره، كان مجتهدا في الأحكام الشرعية، وله في الفقه آراء غريبة، وتآليف بين الشّيعة مشهورة، قال ابن حزم: ولم يبعد في الفقه عن الجماعة كلّ البعد.
قال الصوليّ: ثم ولي بعده ابنه (محمد المرتضى) وتمّت له البيعة، فاضطرب الناس عليه. قال في «أنساب الطالبيين» : واضطرّ إلى تجريد السيف فجرّده. وفي ذلك يقول: (رمل)
كدر الورد علينا بالصّدر ... فعل من بدّل حقّا أو كفر
أيّها الأمّة عودي للهدى ... ودعي عنك أحاديث البشر
عدمتني البيض «١» والسّمر معا ... وتبدّلت رقادا بسهر
لأجرّنّ على أعدائنا ... نار حرب بضرام وشرر
ومات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة لثنتين وعشرين سنة من ولايته.
وولي بعده أخوه (الناصر) فاستقام ملكه.
ثم ولي بعده ابنه (الحسين) المنتجب (بالجيم) ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وولي بعده أخوه (القاسم المختار) بعهد من أخيه المذكور، وقتله أبو القاسم بن الضحاك الهمدانيّ سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
وولي بعده صعدة (جعفر الرشيد) ثم بعده أخوه (المختار) ثم أخوه (الحسن المنتجب) ثم أخوه (محمد المهديّ) .
стр. 2259
قال «ابن المحاب» : ولم تزل إمامتهم بصعدة مطردة إلى أن وقع الخلاف بينهم وجاء السليمانيّون أمراء مكة حين غلبة الهواشم عليهم فغلبوا على صعدة في المائة السادسة.
قال ابن سعيد: وقام بها منهم (أحمد بن حمزة) بن سليمان، بن داود، ابن عبد الله، بن المثنّى، بن الحسن السبط، وغلب على زبيد وملكها من بني مهديّ، ثمّ انتزعها بنو مهديّ منه، وعاد إلى صعدة ومات.
فولي بعده ابنه المنصور (عبد الله) بن أحمد بن حمزة، وامتدت يده مع الناصر «١» لدين الله خليفة بني العباس ببغداد، وبعث دعاته إلى الدّيلم والجبل، فخطب له بهما وأقيم له بهما ولاة، وكان بينه وبين سيف الإسلام بن أيوب «٢» ، ثم الملك مسعود ابن الملك الكامل حروب باليمن. وبقي حتى توفي سنة ثلاثين وستمائة عن عمر طويل.
وولي بعده ابنه (أحمد) بن المنصور عبد الله بن أحمد بن حمزة، ولقّب بالمتوكل صغيرا ولم يخطب له بالإمامة لصغر سنّه.
وكان بنو الرسيّ حين غلب عليهم السليمانيون بصعدة أووا إلى جبل شرقيّ صعدة، فلم يبرحوا عنه، والخبر شائع بأن الأمر يرجع إليهم، إلى أن كان المتوكل أحمد من السليمانيين، فبايع الزيديّة أحمد الموطّىء، بن الحسين المنتجب، بن أحمد الناصر، بن يحيى الهادي، بن الحسين، بن القاسم الرسيّ، بن إبراهيم طباطبا، المقدّم ذكره في سنة خمس وأربعين وستمائة.
وكان الموطّىء فقيها أديبا عالما بمذهبهم، قوّاما صوّاما، فأهمّ عمر بن عليّ بن رسول صاحب زبيد شأنه، فحاصره بحصن ملا سنة فلم يصل إليه،
стр. 2260
وتمكن أمر الموطّىء وملك عشرين حصنا، وزحف إلى صعدة فغلب السّليمانيين عليها، فنزل أحمد المتوكل: إمام السليمانيين إليه، وبايعه في سنة تسع وأربعين وستمائة، وحجّ سنة خمسين وستمائة وبقي أمر الزيديّة بصعدة في عقبه.
وقد ذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» : أنه سأل تاج الدين عبد الباقي اليمانيّ أحد كتّاب اليمن عن تفاصيل أحوال هذه الأئمة فقال:
إن أئمة الزيديين كثيرون، والمشهور منهم المؤيّد بالله، والمنصور بالله، والمهديّ بالله، والمطهّر يحيى بن حمزة. قال: ويحيى بن حمزة هو الذي كان آخرا على عهد الملك المؤيّد داود بن يوسف صاحب اليمن، وكانت الهدنة تكون بينهما.
وذكر في «التعريف» أن الإمامة في زمانه كانت في بني المطهّر. ثم قال:
واسم الإمام القائم في وقتنا حمزة. ثم قال: ويكون بينه وبين الملك الرسوليّ باليمن مهادنات ومفاسخات تارة وتارة. قال قاضي القضاة وليّ الدين بن خلدون في تاريخه: وقد سمعت بمصر أن الإمام بصعدة كان قبل الثمانين والسبعمائة عليّ ابن محمد من أعقابهم، وتوفي قبل الثمانين، وولي ابنه صلاح، وبايعه الزيديّة، وكان بعضهم يقول فيه: إنه ليس بإمام لعدم اجتماع شروط الإمامة، فيقول: أنا لكم على ما شئتم: إمام أو سلطان.
ثم مات صلاح آخر سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقام بعده ابنه (نجاح) وامتنع الزيدية من بيعته. فقال: أنا محتسب لله تعالى.
قلت: وقد وهم في «التعريف» : فجعل هذه الأئمة من بقايا الحسنيين القائمين بآمل الشّطّ من بلاد طبرستان، وأن القائم منهم بآمل الشّطّ بطبرستان هو الداعي المعروف بالعلويّ من الزيدية، وهو الحسن، بن زيد، بن محمد، بن إسماعيل، بن الحسن السبط، بن عليّ، بن أبي طالب ﵁، خرج سنة خمس وخمسين ومائتين أو ما يقاربها، فملك طبرستان وجرجان وسائر أعمالها ثم مات، وقام أخوه (محمد بن زيد) مقامه. وكان لشيعته من الزيدية دولة هناك، ثم
стр. 2261
انقرضت وورثها الناصر الأطروش وهو (الحسن) بن عليّ، بن الحسين، بن علي، بن عمر، بن على زين العابدين، بن الحسين السبط، بن عليّ، بن أبي طالب، وكان له دولة هناك.
ثم خرج على الأطروش من الزيدية الداعي الأصغر، وهو (الحسن) بن القاسم، بن علي، بن عبد الرحمن، بن القاسم، بن محمد البطحائي، بن القاسم، بن الحسن، بن زيد، بن الحسن السبط، وجرى بينه وبين الأطروش حروب إلى أن قتل سنة تسع عشرة وثلاثمائة، ويجتمع الداعي الأصغر مع الداعي الأكبر في الحسن بن زيد، وليس بنو الرسيّ الذين منهم أئمّة اليمن من هؤلاء بوجه.
الجملة [الرابعة] الثالثة (في ترتيب مملكة هذا الإمام)
قال في «التعريف» بعد أن ذكر إمام زمانه: وهذا الإمام وكلّ من كان قبله على طريقة ما عدوها، وهي إمارة أعرابية، لا كبر في صدورها، ولا شمم في عرانينها، وهم على مسكة من التقوى، وتردّ بشعار الزّهد، يجلس في نديّ قومه كواحد منهم، ويتحدّث فيهم ويحكم بينهم، سواء عنده المشروف والشّريف، والقويّ والضعيف. قال: وربما اشترى سلعته بيده، ومشى بها في أسواق بلده، لا يغلّظ الحجاب، ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجّاب، يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسّع، ولا تكثّر [غير مشبع] «١» هكذا هو وكل من سلف قبله، مع عدل شامل، وفضل كامل.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن تاج الدين عبد الباقي اليمانيّ الكاتب نحو ذلك. فقال: وأئمتهم لا يحجبون ولا يحتجبون، ولا يرون التفخيم والتعظيم، الإمام كواحد من شيعته: في مأكله ومشربه وملبسه، وقيامه وقعوده، وركوبه
стр. 2262
ونزوله، وعامّة أموره، يجلس ويجالس، ويعود المرضى، ويصلّي بالناس وعلى الجنائز؛ ويشيّع الموتى ويحضر دفن بعضهم. قال: ولشيعته فيه حسن اعتقاد، ويستشفون بدعائه، ويمرّون يده على مرضاهم، ويستسقون المطر به إذا أجدبوا، ويبالغون في ذلك مبالغة عظيمة، قال «المقرّ الشهابيّ بن فضل الله» :
ولا يكبر لإمام هذه سيرته (في التواضع لله وحسن المعاملة لخلقه، وهو من ذلك الأصل الطاهر، والعنصر الطيب) أن يجاب دعاؤه، ويتقبّل منه. وينادى ببلاد هذا الإمام في الأذان «بحيّ على خير العمل» بدل الحيعلتين «١» ، كما كان ينادى بذلك في تأذين أهل مصر في دولة الخلفاء الفاطميين بها. قال في «التعريف» :
وأمراء مكة تسرّ طاعته، ولا تفارق جماعته. قال ابن غانم: هذا الإمام يعتقد في نفسه ويعتقد أشياعه فيه أنه إمام معصوم، مفترض الطاعة، تنعقد به عندهم الجمعة والجماعة، ويرون أنّ ملوك الأرض وسلاطين الأقطار يلزمهم طاعته ومبايعته، حتى خلفاء بني العباس، وأن جميع من مات منهم مات عاصيا بترك مبايعته ومتابعته. قال: وهم يزعمون ويزعم لهم أن سيكون لهم دولة يدال بها بين الأمم، وتملك منتهى الهمم، وأن الإمام الحجة المنتظر في آخر الزمان منهم.
وذكر عن رسول هذا الإمام، الواصل إلى مصر: أن الأئمة في هذا البيت أهل علم يتوارثونه: إمام عن إمام، وقائم عن قائم. وذكر عن بعض من مرّ بهم أنه فارقهم في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وهم لا يشكّون أنه قد آن أوان ظهورهم، وحان حين ملكهم، ولهم رعايا تختلف إلى البلاد، وتجتمع بمن هو على رأيهم، تصوّن ضعف الدولة في أقطار الأرض.
وحكى «المقرّ الشهابيّ بن فضل الله» عن قاضي القضاة كمال الدين محمد ابن الزملكاني قاضي حلب: أنه مات رجل من شيعتهم بحلب، فوجد عنده صندوقان، ضمنهما كتب من أئمة هذه البلاد إلى ذلك الرجل وإلى سلفه، يستعرفون فيها
стр. 2263
الأخبار، وأحوال الشّيعة، والسؤال عن أناس منهم، وأن في بعضها: «ولا يؤخّر مدد من هنا من إخوانكم المؤمنين في هذه البلاد الشاسعة، وهو حقّ الله فيه تزكية أموالكم، ومدد إخوانكم من الضعفاء واتّقوا الله واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
«١» ونقل عن الشيخ شهاب الدين بن غانم: أنه حدّثه عند وصوله من اليمن أنّ هذا الإمام في منعة منيعة، وذروة رفيعة، وأنه يركب في نحو ثلاثة آلاف فارس، وأن عسكره من الرّحالة، خلق لا جسم، وذكر عمن أقام عندهم: أنهم أهل نجدة وبأس، وشجاعة ورأي، غير أن عددهم قليل وسلاحهم ليس بكثير، لضيق أيديهم، وقلّة بلادهم، ونقل عن تاج الدين عبد الباقي اليمني: أن قومه معه على الطّواعية والانقياد، لا يخرج أحد منهم له عن نصّ، ولا يشاركه فيما يتميّز به.
قال ابن غانم: وزيّ هذا الإمام وأتباعه زيّ العرب في لباسهم والعمامة والحنك، بخلاف ما تقدّم من زيّ صاحب اليمن من بني رسول، قال الشيخ شهاب الدين بن غانم: وهذا الإمام لا يزال صاحب اليمن يرعى جانبه، وفي كل وقت تعقد بينهما العقود، وتكتب الهدن، وتوثّق المواثيق، وتشترط الشروط.
قال في «التعريف» : وقد وصل إلينا بمصر في الأيام الناصرية (سقى الله تعالى عهدها) رسول من هذا الإمام بكتاب أطال فيه الشكوى من صاحب اليمن، وعدّد قبائحه، ونشر على عيون الناس فضائحه، واستنصر بمدد يأتي تحت الأعلام المنصورة لإجلائه عن دياره، وإجرائه مجرى الذين ظلموا في تعجيل دماره. وقال: إنه إذا حضرت الجيوش المؤيّدة قام معها، وقاد إليها الأشراف والعرب أجمعها، ثم إذا استنقذ منه ما بيده أنعم عليه ببعضه، وأعطي منه ما هو إلى جانب أرضه، قال: فكتبت إليه مؤذنا بالإجابة، مؤدّيا إليه ما يقتضي إعجابه،
стр. 2264
وضمن الجواب أنه لا رغبة لنا في السّلب، وأن النّصرة تكون لله خالصة وله كلّ البلاد لا قدر ما طلب.
وسيأتي ذكر المكاتبة إلى هذا الإمام عن الأبواب السلطانية، في الكلام على المكاتبات، في المقالة الرابعة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القطر الثاني (مما هو خارج من جزيرة العرب عن مضافات الديار المصرية «بلاد البحرين» تثنية بحر)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وفتح الراء المهملة وسكون المثناة من تحت ثم نون، وهي قطعة من جزيرة العرب المذكورة. قال في «تقويم البلدان» : وهي ناحية من نواحي نجد، على شطّ بحر فارس، ولها قرى كثيرة، قال: وهي (هجر) ونهايتها الشرقية الشمالية قال في «الأطوال» ونهايتها من الشمال في الإقليم الثاني حيث الطول أربع وسبعون درجة وعشرون دقيقة، والعرض خمس وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة.
قال في «المشترك» : ويقال للبحرين هجر أيضا- بفتح الهاء والجيم ثم راء مهملة وليست هجر مدينة بعينها. قال الأزهريّ: وإنما سمّيت هجر بالبحرين ببحيرة بها عند الأحساء وبالبحر الملح يعنى بحر فارس، والنسبة إلى البحرين بحرانيّ. قال الجوهريّ: والنسبة إلى هجر هاجريّ على غير قياس. قال الأزهريّ: وسمّيت هجر بهجر بنت المكنف، وهي التي بنتها.
وفيها ثلاث جمل:
الجملة الأولى (فيما تشتمل عليه من المدن)
وقاعدتها (عمان) قال في «اللباب» : بضم العين المهملة وفتح الميم ونون
стр. 2265
في الآخر بعد الألف. قال الأزهريّ: وسمّيت بعمان بن نعسان «١» بن إبراهيم ﵇، وموقعها في الإقليم الأوّل. قال: وهي على البحر تحت البصرة. قال المهلبيّ: وهي مدينة جليلة، بها مرسى السّفن من السّند والهند والزّنج، وليس على بحر فارس مدينة أجلّ منها، وأعمالها نحو ثلاثمائة فرسخ. قال: وهي ديار الأزد قال في «تقويم البلدان» : وهي بلدة كثيرة النخيل والفواكه، ولكنها حارّة جدّا. وكانت القصبة في القديم مدينة صحار. قال في «تقويم البلدان» : بضم الصاد وفتح الحاء المهملتين كما في الصحاح. قال: وهي اليوم خراب.
وبها بلاد أخرى غير ذلك.
منها (الأحساء) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون الحاء وفتح السين المهملتين وألف في الآخر. قال في «المشترك» : والأحساء جمع حسي، وهو رمل يغوص فيه الماء، حتى إذا صار إلى صلابة الأرض أمسكته فتحفر عنه العرب وتستخرجه. وموقعها في أوائل الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثلاث وسبعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض اثنتان وعشرون درجة. قال في «تقويم البلدان» : ذات نخيل كثير، ومياه جارية، ومنابعها حارّة شديدة الحرارة، ونخيلها بقدر غوطة دمشق، وهو مستدير عليها، وهي في البرية، في الغرب عن القطيف بميلة إلى الجنوب، على مرحلتين منها.
قال: وتعرف بأحساء بني سعد.
ومنها (القطيف) . قال في «اللباب» : بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وسكون المثناة من تحت وفاء في الآخر. وهي بلدة على مرحلتين من الأحساء من جهة الشّرق والشّمال، واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول ثلاث وسبعون درجة وخمس
стр. 2266
وخمسون دقيقة، والعرض اثنتان وعشرون درجة وخمس وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي على شطّ بحر فارس، وبها مغاص لؤلؤ، وبها نخيل دون نخيل الأحساء. قال: وعن بعض أهلها أن لها سورا وخندقا ولها أربعة أبواب، والبحر إذا مدّ يصل إلى سورها وإذا جزر ينكشف بعض الأرض، وهي أكبر من الأحساء. قال: ولها خور في البحر تدخل فيه المراكب الكبار الموسقة في حالة المدّ والجزر، وبينها وبين البصرة ستة أيام، وبينها وبين عمان مسيرة شهر.
ومنها (كاظمة) . قال في «تقويم البلدان» : بكاف وألف وظاء معجمة مكسورة وميم وهاء. قال: وهي جون على ساحل البحر، بين البصرة والقطيف، في سمت الجنوب عن البصرة، وبينها وبين البصرة مسيرة يومين، وبينها وبين القطيف أربعة أيام.
الجملة الثانية (في ذكر ملوكها)
قد ذكر صاحب «العبر» : أنها كانت في القديم لعاد مع حضرموت والشّحر وما والاهما، ثم غلب عليها بعد ذلك بنو يعرب بن قحطان.
الجملة الثالثة (في الطريق الموصّل إليها)
قد تقدّم في الكلام على مملكة إيران الطريق من مملكة مصر إلى البصرة.
قال ابن خرداذبه: ثم من البصرة إلى عبّادان، ثم إلى الحدوثة، ثم إلى عرفجاء، ثم إلى الزّابوقة، ثم إلى المغز، ثم إلى عصا، ثم إلى المعرّس، ثم إلى خليجة، ثم إلى حسّان، ثم إلى القرى، ثم إلى مسيلحة، ثم إلى حمض، ثم إلى ساحل هجر، ثم إلى العقير، ثم إلى القطن، ثم إلى السّبخة، ثم إلى عمان.
وذكر لها طريقا أخرى من مكة إليها على الساحل: وهي من مكة إلى جدّة؛ إلى منزل، ثم إلى الشّعيبة، ثم إلى المرجاب، ثم إلى أغيار، ثم إلى السّرّين،
стр. 2267
ثم إلى مرسى حلي، ثم إلى مرسى ضنكان، ثم إلى سجّين، ثم إلى مخلاف الحكم، ثم إلى الجودة، ثم إلى مخلاف عكّ؛ ثم إلى غلافقة، ثم إلى مخلاف زبيد، ثم إلى المندب، ثم إلى مخلاف الرّكب، ثم إلى المنجلة، ثم إلى مخلاف بني مجيد، ثم إلى مغاص اللّؤلؤ، ثم إلى عدن، ثم إلى مخلاف لحج، ثم إلى قرية عبد الله بن مذحج، ثم إلى مخلاف كندة؛ ثم إلى الشّحر، ثم إلى ساحل هماه، ثم إلى عوكلان، ثم إلى فرق، ثم إلى عمان. وهي طريق بعيدة.
ولعربها مكاتبات عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
القطر الثالث (مما هو خارج من جزيرة العرب عن مضافات الديار المصرية «اليمامة» )
قال في «تقويم البلدان» : بفتح المثنّاة من تحت والميم وألف وميم وهاء في الآخر. وهي قطعة من جزيرة العرب من الحجاز، وعليه جرى الفقهاء فحكموا بتحريم مقام الكفر بها كما بسائر أقطار الحجاز، وهي في سمت الشرق عن مكة المشرّفة. قال البيهقي: وهي ملك منقطع بعمله، ويحدّها من جهة الشرق البحرين، ومن الغرب أطراف اليمن، ومن الشّمال نجد والحجاز، وأرضها تسمّى العروض: لاعتراضها بين الحجاز والبحرين، وطولها عشرون مرحلة.
وهي في جهة الغرب عن القطيف، وبينهما نحو أربع مراحل، وبينها وبين مكة أربعة أيام. وسمّيت اليمامة باسم امرأة: وهي اليمامة بنت سهم بن طسم، كانت تنزلها إلى أن قتلها عبد كلال «١» وصلبها على بابها فسمّيت بها، سمّاها بذلك تبّع الآخر.
قال في «تقويم البلدان» : وكان اسمها في القديم جوّا بفتح الجيم وسكون «٢» الواو. قال في «تقويم البلدان» : وهي عن البصرة على ستّ عشرة مرحلة، وعن
стр. 2268
الكوفة مثل ذلك. قال في «تقويم البلدان» : وبها من القرب عين ماء متّسعة وماؤها سارح، وذكر أنها [أكثر نخيلا من] «١» سائر الحجاز، ثم نقل عمن رآها في زمانه أن بها آبارا وقليل نخل، وكأنه حكى [معبرا] «٢» عما كانت عليه في القدم، وبها واد يسمّى- الخرج- بخاء معجمة مفتوحة وراء مهملة ساكنة وجيم في الآخر، كما هو مضبوط في الصّحاح.
وفيها ثلاث جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من البلدان)
قد ذكر في «تقويم البلدان» عمن أخبره ممن رآها في زمانه أن بها عدّة قرى.
وبها الحنطة والشعير كثير. وقاعدتها دون مدينة النبيّ ﷺ ، واقعة في أوائل الإقليم الثاني. قال في «الأطوال» حيث الطول إحدى وسبعون درجة وخمس وأربعون دقيقة، والعرض إحدى وعشرون درجة وثلاثون دقيقة.
ومن بلادها (حجر) قال في «المشترك» : بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وراء مهملة في الآخر. وهي في الغرب عن مدينة اليمامة، على مرحلتين منها، وبعضهم يجعلها قاعدة اليمامة، وموقعها في أوائل الإقليم الثاني. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول إحدى وسبعون درجة وعشر دقائق، والعرض اثنتان وعشرون درجة. قال: وبها قبور الشّهداء الذين قتلوا في حرب مسيلمة الكذّاب «٣»
стр. 2269
الجملة الثانية (في ذكر ملوكها)
قال صاحب «العبر» : كانت هي والطائف بيد بني هزّان بن يعفر بن السّكسك، إلى أن غلبهم عليها (طسم) . ثم غلبهم عليها (جديس) «١» ، ومنهم زرقاء اليمامة «٢» ثم استولى عليها (بنو حنيفة) وكان منهم هوذة بن عليّ، وهو الذي كتب إليه النبيّ ﷺ يدعوه إلى الإسلام. ثم ملكها من بني حنيفة (ثمامة) بن أثال على عهد النبيّ ﷺ ، وأسر ثمّ أسلم، ثم كان بها منهم (مسيلمة الكذّاب) «٣» زمن أبي بكر الصدّيق ﵁ وقتل في حرب المسلمين معه.
وكان لبني (الأخيضر) من الطالبيين بها دولة.
وأوّل من ملكها منهم (محمد بن الأخيضر) بن يوسف، بن إبراهيم، بن موسى الجون، بن عبد الله، بن الحسن المثنّى، بن الحسن السّبط؛ ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁. وكان استيلاؤه عليها أيام المستعين الخليفة العبّاسيّ. ثم ملكها بعده ابنه (يوسف) ثم (ابنه الحسن) ثم ابنه (أحمد) ولم يزل ملكها فيهم إلى أن غلب عليهم القرامطة «٤» على ما تقدّم ذكره في الكلام على بلاد البحرين.
قال ابن سعيد: وسألت عرب البحرين في سنة، لمن اليمامة اليوم؟ فقالوا لعرب من قيس عيلان وليس لبني حنيفة بها ذكر.
.
стр. 2270
قلت: ولم أقف لعربها على ذكر في المكاتبات السلطانية بالديار المصرية.
الجملة الثالثة (في الطريق الموصّل إليها)
قد تقدّم أنها في جهة الشرق عن مكة، وانّ بينهما أربعة أيام، وطريق مكة معروف على ما تقدّم.
أما ما ذكره ابن خرداذبه من طريقها على البصرة- فمن البصرة إلى المنجشانية، ثم إلى الكفير، ثم إلى الرّحيل، ثم إلى الشّجي، ثم إلى الحفر، ثم إلى ماويّة، ثم إلى ذات العشر، ثم إلى الينسوعة، ثم إلى السّمينة، ثم إلى النّباج؛ ثم إلى العمومية، ثم إلى القريتين، ثم إلى سويقة، ثم إلى صداة، ثم إلى السّد، ثم إلى السقي، ثم إلى المنبية، ثم إلى السّفح، ثم إلى المريقة، ثم إلى اليمامة، والبصرة قد تقدّم أكثر الطريق إليها في الكلام على مملكة إيران.
القطر الرابع (مملكة الهند ومضافاتها)
قال في «مسالك الأبصار» : وهي مملكة عظيمة الشأن لا تقاس في الأرض بمملكة سواها: لاتساع أقطارها، وكثرة أموالها وعساكرها، وأبّهة سلطانها في ركوبه ونزوله، ودست ملكه، وفي صيتها وسمعتها كفاية. ثم قال: ولقد كنت أسمع من الأخبار الطائحة والكتب المصنّفة ما يملأ العين والسمع، وكنت لا أقف على حقيقة أخبارها لبعدها منا، وتنائي ديارها عنّا، ثم تتبّعت ذلك من الرّواة، فوجدت أكثر مما كنت أسمع، وأجلّ مما كنت أظنّ. وحسبك ببلاد في بحرها الدّرّ، وفي برّها الذّهب، وفي جبالها الياقوت والماس، وفي شعابها العود والكافور، وفي مدنها أسرّة الملوك؛ ومن وحوشها الفيل والكركدّن، ومن حديدها سيوف الهند، وأسعارها رخيّة، وعساكرها لا تعدّ، وممالكها لا تحدّ، ولأهلها
стр. 2271
الحكمة ووفور العقل، وهم أملك الأمم لشهواتهم وأبذلهم للنفوس فيما يظن به الزّلفى.
قال: وقد وصف محمد بن عبد الرحيم الاقليشي هذه المملكة في كتابه «تحفة الألباب» فقال: الملك العظيم، والعدل الكثير، والنعمة الجزيلة، والسّياسة الحسنة، والرضا الدائم، والأمن الذي لا خوف معه في بلاد الهند. وأهل الهند أعلم الناس بأنواع الحكمة والطّب والهندسة والصّناعات العجيبة ثم قال:
وفي جبالهم وجزائرهم ينبت شجر العود والكافور وجميع أنواع الطّيب: كالقرنفل والسّنبل «١» والدار صيني، والقرفة، والسّليخة «٢» والقاتلة، والكبابة «٣» ، والبسباسة «٤» وأنواع العقاقير. وعندهم غزال المسك وسنّور «٥» الزّباد، هذا مع ما هذه المملكة عليه من اتساع الأقطار، وتباعد الأرجاء، وتنائي الجوانب.
فقد حكى في «مسالك الأبصار» : عن الشيخ مبارك بن محمود الأنباتي: أن عرض هذه المملكة ما بين سومنات وسرنديب إلى غزنة، وطولها من الفرضة المقابلة لعدن إلى سدّ الإسكندر عند مخرج البحر الهندي، من البحر المحيط، وأن مسافة ذلك ثلاث سنين في مثلها بالسير المعتاد، كلّها متصلة المدن ذوات المنابر والأسرة والأعمال، والقرى، والضّياع، والرّساتيق «٦» ، والأسواق، لا يفصل بينها خراب، بعد أن ذكر عنه أنه ثقة ثبت عارف بما يحكيه إلا أنه استبعد
стр. 2272
هذا المقدار، وقال: إن جميع المعمور لا يفي بهذه المسافة، اللهمّ إلا أن يريد أن هذه مسافة من يتنقّل فيها حتى يحيط بجميعها مكانا، فيحتمل على ما فيه.
وفيه إحدى عشرة جملة.
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه هذه المملكة من الأقاليم)
وتحتوي هذه المملكة على إقليمين عظيمين:
الإقليم الأوّل (إقليم السّند وما انخرط في سلكه من مكران، وطوران، والبدهة، وبلاد [القفس] والبلوص)
فأما السّند، فبكسر السين المهملة وسكون النون ودال مهملة في الآخر.
قال ابن حوقل: ويحيط به من جهة الغرب حدود كرمان، وتمام الحدّ مفازة سجستان؛ ومن جهة الجنوب مفازة هي فيما بين كرمان والبحر الهنديّ، والبحر جنوبيّ المفازة، ومن جهة الشرق بحر فارس أيضا: لأن البحر يتقوّس على كرمان والسّند، حتى يصير له دخلة شرقيّ بلاد السند؛ ومن جهة الشمال قطعة من الهند.
قال ابن خرداذبة: وبالسند القسط «١» ، والقنا، والخيزران «٢» وقاعدته (المنصورة) - قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وسكون النون وضم الصاد المهملة وسكون الواو وفتح الراء المهملة وهاء في الآخر.
وهي مدينة بالسّند واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول خمس وتسعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وعشرون درجة واثنتان وأربعون دقيقة. قال في «القانون» : واسمها القديم يمنهو وإنما سمّيت المنصورة
стр. 2273
لأن الذي فتحها من المسلمين قال نصرنا. وقال المهلبي: إنما سمّيت المنصورة لأن عمر بن حفص «١» المعروف بهزارمرد بناها في أيام أبي جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس وسمّاها بلقبه.
قال ابن حوقل: وهي مدينة كبيرة يحيط بها خليج من نهر مهران (وهو نهر يأتي من الملتان) فهي كالجزيرة ولكنها بلدة حارّة وليس بها سوى النخيل، وبها قصب السّكّر، وبها أيضا ثمر على قدر التّفّاح شديد الحموضة، يسمى اليمومة.
وبها عدّة مدن وبلاد أيضا.
منها (الدّيبل) قال في «اللباب» : بفتح الدال المهملة وسكون المثناة من تحتها وضم الباء الموحدة ولام في الآخر. وهي بلدة على ساحل البحر، واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وتسعون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وعشرون درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي بلدة صغيرة على ساحل ماء السّند شديدة الحرّ. قال ابن حوقل: وهي شرقيّ مهران، وهي فرضة تلك البلاد. وقال في «اللباب» : إنها على البحر الهندي قريبة من السند. قال ابن سعيد: وهي في دخلة من البرّ في خليج السّند، وهي أكبر فرض السند وأشهرها؛ ويجلب منها المتاع الدّيبليّ. قال في «تقويم البلدان» : وبها سمسم كثير، ويجلب إليها التّمر من البصرة، وبينها وبين المنصورة ست مراحل.
ومنها (البيرون) . قال في «اللباب» : بكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وضم الراء المهملة وبعدها واو ونون في الآخر. وهي مدينة من أعمال الدّيبل بينها وبين المنصورة، واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في
стр. 2274
«القانون» : حيث الطول أربع وتسعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي من فرض بلاد السّند التي عليها خليجهم المالح الخارج من بحر فارس. قال في «العزيزيّ» وأهلها مسلمون، ومنها إلى المنصورة خمسة عشر فرسخا. قال ابن سعيد: وإليها ينسب أبو الرّيحان البيرونيّ، يعنى صاحب «القانون» في أطوال البلاد وعروضها.
ومنها (سدوسان) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح السين وضم الدال المهملتين وواو ثمّ سين مهملة ثانية مفتوحة وألف ونون. وهي مدينة غربيّ نهر مهران، واقعة في أوائل الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول أربع وتسعون درجة وخمسون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وعشر دقائق. قال ابن حوقل: وهي خصبة كثيرة الخير وحولها قرى ورستاق، وهي ذات أسواق جليلة.
ومنها (المولتان) قال في «تقويم البلدان» : بضم الميم وسكون اللام ثم تاء مثناة فوقية وألف ونون. قال: وهي في أكثر الكتب مكتوبة بواو. وهي مدينة من السند فيما ذكره أبو الرّيحان «١» البيرونيّ، وإن كان ابن حوقل جعلها من الهند وعليه جرى في «مسالك الأبصار» لأن البيرونيّ أقعد بذلك منه: لأن السند بلاده فهو بها أخبر، واقعة في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال في «القانون» :
حيث الطول ست وتسعون درجة وخمس وعشرون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وأربعون دقيقة. قال ابن حوقل: وهي أصغر من المنصورة.
وقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن بعض المصنّفات أن قرى الملتان مائة ألف قرية وستة وعشرون ألف قرية. قال المهلّبيّ: وأعمال الملتان واسعة من
стр. 2275
قرب حدّ مكران من الجنوب إلى حدّ المنصورة، وبينها وبين غزنة ثمانية وستون فرسخا.
ومنها (أزور) . قال ابن حوقل: وهي مدينة تقارب الملتان في الكبر، وعليها سوران وهي على نهر مهران. وقال في «العزيزيّ» : هي مدينة كبيرة وأهلها مسلمون في طاعة صاحب المنصورة وبينهما ثلاثون فرسخا، قال في «القانون» : حيث الطول خمس وتسعون درجة وخمس وخمسون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وعشر دقائق.
وأما مكران، فقال في «اللباب» : بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء المهملة وألف ونون. قال ابن حوقل: وهي ناحية واسعة عريضة، والغالب عليها المفاوز «١» والقحط والضّيق. وقد اختلف كلام صاحب تقويم البلدان فيها فذكر في الكلام على السّند أنها منه، وذكر في كلامه على مكران في ضمن بلاد السند أنها من كرمان.
وقاعدتها (التّيز) قال في «اللباب» : بالتاء المثناة الفوقية الممالة ثم ياء آخر الحروف وزاي معجمة في الآخر، وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ستّ وثمانون درجة، والعرض ست وعشرون درجة وخمس عشرة دقيقة. قال ابن حوقل: وهي فرضة مكران وتلك النواحي، وهي على شطّ نهر مهران في غربيّه بقرب الخليج المنفتح من مهران على ظهر المنصورة.
стр. 2276
وأما طوران. فناحية على خمس عشرة مرحلة من المنصورة. قال في «القانون» : وقصبتها (قندابيل) قال: وهي حيث الطول خمس وتسعون درجة، والعرض ثمان وعشرون درجة.
وذكر ابن حوقل أن قصبة طوران (قزدار) قال في «اللباب» : بضم القاف وسكون الزاي المعجمة وفتح الدال المهملة وألف وراء مهملة. وقد نقل في «تقويم البلدان» عن إخبار من رآها أنها قليعة. قال في «تقويم البلدان» : وهي كالقرية لصغرها، وهي في وطاءة «١» من الأرض على تليل»
، وحولها بعض بساتين. وذكر في «اللباب» أن قزدار ناحية من نواحي الهند. قال في «تقويم البلدان» : وبينها وبين الملتان نحو عشرين مرحلة.
وأما البدهة، فقال ابن حوقل: وهي مفترشة ما بين حدود طوران ومكران والملتان ومدن المنصورة؛ وهي في غربيّ نهر مهران، وأهلها أهل إبل كالبادية، ولهم أخصاص وآجام. قال في «تقويم البلدان» : ومن المنصورة إلى أوّل البدهة خمس مراحل، ومن أراد البدهة من المنصورة احتاج إلى عبور نهر مهران.
الإقليم الثاني (إقليم الهند)
قال في «الأنساب» : بكسر الهاء وسكون النون ودال مهملة في الآخر.
قال في «تقويم البلدان» : والذي يحيط به من جهة الغرب بحر فارس، وتمامه حدود السّند، ومن جهة الجنوب البحر الهنديّ، ومن جهة الشرق المفاوز الفاصلة بين الهند والصين، ولم يذكر الحدّ الذي من جهة الشّمال. وذكر في «مسالك
стр. 2277
الأبصار» أن حده من جهة الشّمال بلاد التّرك. وذكر عن الشيخ مبارك الأنباتيّ: أنه ليس في هذه المملكة خراب سوى مسافة عشرين يوما مما يلي غزنة، لتجاذب صاحب الهند وصاحب تركستان وما وراء النهر بأطراف المنازعة، أو جبال معطّلة، أو شعواء «١» مشتبكة.
قال صاحب «مسالك الأبصار» : وسألت الشيخ مبارك الأنباتيّ عن برّ الهند وضواحيه فقال: إن به أنهارا ممتدّة تقارب ألف نهر كبار وصغار، منها ما يضاهي النيل عظما، ومنها ما هو دونه، ومنها ما هو مثل بقيّة الأنهار. وعلى صغار الأنهار القرى والمدن؛ وبه الأشجار الكثيفة والمروج الفيح: قال: وهي بلاد معتدلة لا تتفاوت حالات فصولها، ليست مفرطة في حرّ ولا برد، بل كأنّ كلّ أوقاتها ربيع، وتهبّ بها الأهوية والنسيم اللطيف، وتتوالى بها الأمطار مدّة أربعة أشهر، وأكثرها في أخريات الربيع إلى ما يليه من الصيف.
ثم لمملكة الهند قاعدتان:
القاعدة الأولى (مدينة دلّي)
قال في «تقويم البلدان» : بدال مهملة ولام مشدّدة مكسورة ثم مثناة تحتية، ولم يتعرّض لضبط الدال والناس ينطقون بها بالفتح وبالضم. وسمّاها صاحب «تقويم البلدان» في تاريخه دهلي بابدال اللام هاء. وهي مدينة ذات إقليم متّسع، وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال في «القانون» :
حيث الطول مائة وثمان وعشرون درجة وخمسون دقيقة، والعرض خمس وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة كبيرة في مستو من الأرض، وتربتها مختلطة بالحجر والرمل، وعليها سور من آجرّ، وسورها أكبر من
стр. 2278
سور حماة، وهي بعيدة من البحر، ويمرّ على فرسخ منها نهر كبير دون الفرات، وبها بساتين قليلة وليس بها عنب، وتمطر في الصيف؛ وبجامعها منارة لم يعلم في الدنيا مثلها، مبنية من حجر أحمر ودرجها نحو ثلاثمائة درجة؛ وهي كبيرة الأضلاع، عظيمة الأوضاع واسعة الأسفل وارتفاعها يقارب منارة الإسكندرية.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ برهان الدين بن الخلال البزيّ الكوفيّ: أن علوّها في نحو ستّمائة ذراع. وذكر عن الشيخ مبارك الأنباتي أن دلّي مدائن جمعت ولكلّ مدينة منها اسم يخصّها ودلّي واحدة منها. قال الشيخ أبو بكر ابن الخلال: وجملة ما يطلق عليه الآن اسم دلّي إحدى وعشرون مدينة.
قال الشيخ مبارك: وهي مميّلة طولا وعرضا، ويكون دور عمرانها أربعين ميلا، وبناؤها بالحجر والآجرّ، وسقوفها بالخشب، وأرضها مفروشة بحجر أبيض شبيه بالرّخام، ولا يبنى بها أكثر من طبقتين وربما اقتصر على طبقة واحدة، ولا يفرش دوره فيها بالرّخام إلا السلطان. قال: وفيها ألف مدرسة، منها مدرسة واحدة للشافعية وباقيها للحنفية، وبها نحو سبعين بيمارستانا، وتسمّى بها دور الشفاء! وبها وببلادها من الرّبط والخوانق نحو ألفين، وفيها الزيارات العظيمة، والأسواق الممتدّة، والحمّامات الكثيرة؛ وشرب أهلها من ماء المطر، تجتمع الأمطار فيها في أحواض وسيعة كلّ حوض قطره غلوة «١» سهم أو أكثر. أما مياه الاستعمال وشرب الدواب فمن آبار قريبة المستقى، أطول ما فيها سبعة أذرع. وقد صارت دلّي قاعدة لجميع الهند [ومستقرّ السلطان] وبها قصور ومنازل خاصّة بسكنه وسكن حريمه، ومقاصير جواريه وحظاياه وبيوت خدمه ومماليكه، لا يسكن معه أحد من الخانات ولا من الأمراء، ولا يكون بها أحد منهم إلا إذا حضر للخدمة ثم ينصرف كلّ واحد منهم إلى بيته. ولها بساتين من جهاتها الثلاث: الشرق، والجنوب، والشّمال على استقامة. كل خط اثنا عشر ميلا، أما الجهة الغربية فعاطلة من ذلك لمقاربة جبل لهابة. ووراء ذلك مدن وأقاليم متعدّدة.
стр. 2279
القاعدة الثانية (مدينة الدّواكير)
ومدينة الدّواكير بفتح الدال المهملة والواو وألف بعدها كاف مكسورة ثم ياء مثناة تحتية وراء مهملة في الآخر. وهي مدينة ذات إقليم متّسع. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ مبارك الأنباتي: أنها مدينة قديمة جدّدها السلطان محمد بن «١» طغلقشاه، وسمّاها «قبة الإسلام» . وذكر أنه فارقها ولم تتكامل بعد، وأن السلطان المذكور كان قد قسمها على أن تبنى محلّات لأهل كل طائفة محلّة: الجند في محلّة، والوزراء في محلّة، والكتّاب في محلّة، والقضاة والعلماء في محلّة، والمشايخ والفقراء في محلّة، وفي كل محلّة ما يحتاج إليه من المساجد، والأسواق، والحمّامات، والطواحين، والأفران، وأرباب الصنائع من كلّ نوع حتى الصّوّاغ والصّبّاغين، والدّبّاغين، بحيث لا يحتاج أهل محلّة إلى أخرى في بيع ولا شراء، ولا أخذ ولا عطاء: لتكون كل محلّة كأنها مدينة مفردة قائمة بذاتها.
واعلم أن صاحب «تقويم البلدان» : وقد ذكر عن بعض المسافرين إلى الهند أن بلاد الهند على ثلاثة أقسام.
القسم الأوّل- بلاد الجزرات.
قال في «تقويم البلدان» : بالجيم والزاي المعجمة والراء المهملة ثم ألف وتاء مثناة فوق. وبها عدّة مدن وبلاد.
منها (نهلوارة) بالنون والهاء واللام والواو ثمّ ألف وراء مهملة وهاء. قال ابن سعيد: نهر والة، فقدّم الراء وأخّر اللام، وكذلك نقله في «تقويم البلدان» عن بعض المسافرين. وفي «نزهة المشتاق» نهر وارة براءين.
стр. 2280
وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول ثمان وتسعون درجة وعشرون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي غربيّ إقليم المنيبار الآتي ذكره. قال: وهي أكبر من كنبايت، وعمارتها مفرّقة بين البساتين والمياه، وهي عن البحر على مسيرة ثلاثة أيام. قال صاحب حماة في «تاريخه» : وهي من أعظم بلاد الهند.
ومنها (كنبايت) قال في «تقويم البلدان» : بالكاف ونون ساكنة وباء موحّدة ثم ألف وياء مثناة تحتية وتاء مثناة من فوقها، ومقتضى ما في «مسالك الأبصار» : أن يكون اسمها أنبايت بإبدال الكاف همزة، فإنه ينسب إليها أنباتيّ.
وهي مدينة على ساحل بحر الهند، موقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول تسع وتسعون درجة وعشرون دقيقة، والعرض اثنتان وعشرون درجة وعشرون دقيقة. وذكر في «تقويم البلدان» عمن سافر إليها أنها غربيّ المنيبار على خور من البحر طوله مسيرة ثلاثة أيام. قال: وهي مدينة حسنة، أكبر من المعرّة من الشام في المقدار، وأبنيتها بالآجرّ، وبها الرّخام الأبيض وبها بساتين قليلة.
ومنها (تانة) . قال في «تقويم البلدان» : قال أبو العقول نقلا عن عبد الرحمن الريّان الهندي- بفتح المثناة الفوقية ثم ألف ونون وهاء. وهي بلدة على ساحل البحر، واقعة في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة قال في «القانون» :
حيث الطول مائة وأربع عشرة درجة وعشرون دقيقة، والعرض تسع عشرة درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي من مشارق الجزرات. قال ابن سعيد: وهي مشهورة على ألسن التّجّار. قال: وأهل هذا الساحل جميعهم كفّار يعبدون الأنداد «١» ، والمسلمون ساكنون معهم. قال الإدريسيّ: وأرضها
следующие страницы →