← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

بستانان: أحدهما ملاصق أرباض البلد يسمّى برأس الطابية، والثاني بعيد من البساتين يسمّى بأبي فهر، بينه وبين البلد نحو ثلاثة أميال، والماء منساق إليهما من ساقية بجبل يعرف بجبل زغوان بفتح الزاي وسكون الغين المعجمتين ونون في الآخر، على مسيرة يومين من تونس. وأما ما اشتملت عليه من المدن سوى القواعد المتقدّمة الذكر. فمن مشارق تونس (سوسة) بضم السين المهملة وسكون الواو وفتح السين الثانية ثم هاء. وهي مدينة على ساحل البحر، واقعة في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، حيث الطول أربع وثلاثون درجة وعشر دقائق، والعرض اثنتان وثلاثون درجة وأربعون دقيقة. وهي في جنوبيّ تونس وشرقيّها في طرف داخل في البحر. قال في «العزيزي» : وهي مدينة أزليّة بها سوق وفنادق وحمّامات. قال الإدريسيّ: وهي عامرة بالناس، كثيرة المتاجر، والمسافرون إليها قاصدون وعنها صادرون، وعليها سور من حجر حصين. وذكر في «مسالك الأبصار» : أن عليها سورا من لبن، وأنها قليلة العمارة لاستيلاء العرب عليها. ومنها (صفاقس) بفتح الصاد المهملة ثم فاء وألف وقاف مضمومة وفي آخرها سين مهملة. وهي مدينة على ساحل البحر شرقيّ المهديّة، واقعة في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول خمس وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض إحدى وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة صغيرة في مستو من الأرض، وجنوبيّها جبل يسمّى جبل السبّع بفتح السين المهملة والباء الموحّدة وعين مهملة في الآخر. يستدير عليها سور، وشرب أهلها من الآبار، ولها بساتين قليلة، ومن بحرها يستخرج الصّوف المعروف عند العامّة بصوف السّمك المتّخذ منه الثياب النّفيسة. قال ابن سعيد: أنا رأيته كيف يخرج، يغوص الغوّاصون في البحر فيخرجون كمائم شبيهة بالبصل بأعناق، في أعلاها زويرة، فتنشر في الشمس فتنفتح تلك الكمائم عن وبر، فيمشط ويؤخذ صوفه فيغزل، ويعمل منه طعمة لقيام من الحرير، وتنسج منه الثياب.

стр. 2312

ومنها (قابس) بفتح القاف وألف ثم باء موحدة وفي آخرها سين مهملة. وهي مدينة في الإقليم الثالث، حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة وأربعون دقيقة، والعرض اثنتان وثلاثون درجة، على ثلاثة أميال من البحر. قال في «العزيزى» : وعليها سور وخندق. قال في «تقويم البلدان» : وهي في أفريقيّة كدمشق في الشام، ينزل إليها نهران من الجبل في جنوبيّها، يخترقان غوطتها، قال: وقد خصّت من بلاد أفريقيّة بالموز وحبّ العزيز والخيار. ومنها (أطرابلس) بفتح الهمزة وسكون الطاء وفتح الراء المهملتين وألف وباء موحدة بعدها لام مضمومتان وسين مهملة في الآخر. وهي مدينة شرقيّ تونس على البحر، واقعة في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ثمان وثلاثون درجة، والعرض اثنتان وثلاثون درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي آخر المدن التي شرقيّ القيروان، وإذا فارقها المسافر مشرّقا لا يجد مدينة فيها حمّام حتّى يصل الإسكندرية. وبناؤها بالصّخر، وهي واسعة الكورة «١» ، وبها الخصب الكثير، وليس بها ماء جار، بل بها جباب «٢» عليها سواق. قال في «العزيزي» : وبها مرسّى للمراكب. ومنها (قصر أحمد) وضبطه معروف، وموقعه في أوّل الإقليم الرابع، حيث الطول إحدى وأربعون درجة واثنتان وعشرون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وسبع وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهو حدّ أفريقيّة من الشرق وحدّ برقة من الغرب. وهو قرية صغيرة، وحوله قصور نحو اثني عشر ميلا، وهي بلاد زيتون ونخيل، وأهلها يجلبون الخيل للإسكندريّة، ومنها يركب المسافر البرّيّة إلى الشرق. ومن مغارب تونس على مسيرة يومين (باجة) قال في «المشترك» بفتح

стр. 2313

الباء الموحدة وألف وتخفيف الجيم ثم هاء. وهي مدينة بالإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول تسع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة، والعرض إحدى وثلاثون درجة. وهي مدينة كبيرة، ولها بساتين قليلة وعيون ماء، وعليها سور حصين. مبنيّة في مستو من الأرض، على نحو يوم من البحر، ويقابلها على البحر مرسى الخرز. ومنها (بنزرت) بفتح النون وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي المعجمة والراء المهملة وفي آخرها تاء مثناة من فوق، وقيل هي بتقديم الموحدة على النون، وهي مرسى تونس، وموقعها في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ثلاثون درجة وخمسون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي مدينة على نهر يجرى في شرقيّها وعليه مستنزهاتها. قال في «تقويم البلدان» : ولها بحيرة حلوة في جنوبيّها، وبحيرة مالحة في شرقيّها، تصبّ كلّ واحدة منهما في الأخرى ستة أشهر، فلا الحلوة تفسد بالمالحة ولا المالحة تعذب بالحلوة. قال الشيخ عبد الواحد: أما زيادة الحلوة فبكثرة السّيول أيام الشتاء، وتقلّ عنها السيول في أيام الصيف فتعلو عليها المالحة. ومنها (بونة) قال في «اللباب» بضم الباء الموحدة وسكون الواو ثم نون وهاء. قال في «مسالك الأبصار» : وهي المسمّاة الآن بلد العنّاب، وهي مدينة على ساحل البحر في أوّل الإقليم الرابع قال ابن سعيد حيث الطول ثمان وعشرون درجة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال في «العزيزي» : وهي مدينة جليلة عامرة خصبة الزّرع، كثيرة الفواكه، رخيّة، بظاهرها معادن الحديد، ويزرع بها الكتّان الكثير. قال: وحدث بها عن قريب مغاص مرجان، ولكن ليس كمرجان مرسى الخرز. ومن قبلي تونس للجنوب (بلاد الجريد) . ومنها (توزر) . قال في «تقويم البلدان» عن الشيخ عبد الواحد: بضم المثناة من فوق وسكون الواو وفتح الزاي المعجمة وراء مهملة في الآخر. وموقعها

стр. 2314

في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ستّ وثلاثون درجة وسبع دقائق، والعرض تسع وعشرون درجة وثمان دقائق. وهي قاعدة بلاد الجريد، وبها بساتين ومحمضات «١» ونخيل وزيتون؛ ولها نهر يسقي بساتينها، والمطر بها قليل، ويزرع بها الكتّان والحنّاء. قال في «تقويم البلدان» : وبذلك وبقلّة المطر تشبه مصر. وقد عابها في «الروض المعطار» بأن أهلها يبيعون ما يتحصّل في مراحيضهم من رجيع «٢» الناس، يفحّلون به بقولهم وبساتينهم، ولكنهم لا يرغبون فيه إلا إذا كان جافّا، فيحملهم ذلك على عدم الاستنجاء في مراحيضهم، ويخرج أحدهم من بيته حتّى يأتي القناة فيستنجي من مائها، وربما اتّخذ أحدهم المراحيض على قارعة الطريق للواردين عليها ليأخذ ما يتحصّل من ذلك فيبيعه. ومنها (قفصة) بفتح القاف وسكون الفاء ثم صاد مهملة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول إحدى وثلاثون درجة، والعرض ثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي قاعدة مشهورة من بلاد الجريد بها النّخيل والفستق. قال: ولا يكون الفستق ببلاد المغرب إلا في قفصة. وبها من الفواكه والمشمومات أنواع كثيرة، ومنها يجلب دهن البنفسج وخلّ العنصل «٣» ، وإليها ينسب جلد الأروى المتخذ منه النّعال الشديدة اللّيونة. ومنها (المسيلة) قال في «تقويم البلدان» عن الشيخ عبد الواحد؛ بكسر الميم والسين المهملة وسكون المثناة من تحت وفي آخرها لام ألف، والجاري على الألسنة فتح الميم وهاء في الآخر، وهي مدينة من بلاد الجريد، موقعها في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ثلاث وعشرون درجة

стр. 2315

وأربعون دقيقة، والعرض تسع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة. قال في «العزيزي» : وهي مدينة محدثة، بناها القائم الفاطميّ «١» سنة خمس عشرة وثلاثمائة. قال ابن سعيد: ولها نهر يمرّ بغربيّها ويغوص في رمال الصّحارى. ومنها (بسكرة) قال في «اللباب» بكسر الباء الموحدة وقيل بفتحها وسكون السين المهملة وكاف وراء مهملة بعدها هاء. وهي مدينة من بلاد الجريد، في أواخر الإقليم الثاني قال ابن سعيد حيث الطول أربع وعشرون درجة وخمس وعشرون دقيقة، والعرض سبع وعشرون درجة وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي قاعدة بلاد الزّاب، ولها بلاد ذات نخيل وفواكه وزروع كثيرة، ومنها يجلب الثمر الطيّب الى تونس وبجاية. ومنها (طرّا) قال في «تقويم البلدان» عن عبد الواحد: بضم الطاء وتشديد الراء المهملتين وفي آخرها ألف، ونقل عن بعضهم إبدال الألف هاء، وهي مدينة من بلاد الجريد في الإقليم الثالث قال ابن سعيد: حيث الطول سبع وثلاثون درجة وعشرون دقيقة، والعرض تسع وعشرون درجة، قال في «تقويم البلدان» : وبها يعمل الزّجاج الصافي وتفاصيل الصوف، ومنها يجلب إلى الإسكندرية. ومنها (غذامس) بفتح الغين والذال المعجمتين وألف وميم مكسورة وسين مهملة. وهي مدينة في الصحراء جنوبيّ بلاد الجريد، على طريق السّودان المعروفين بالكانم، قال في «العزيزي» : وهي مدينة جليلة عامرة، وفي وسطها عين أزليّة عليها أثر بنيان روميّ عجيب، يفيض الماء منها ويقتسمه أهل المدينة بأقساط معلومة وعليه يزرعون. وأهلها قوم من البربر مسلمون، قال في «تقويم

стр. 2316

البلدان» : وبها الجلود المفضّلة، وليس لهم رئيس سوى مشايخهم. ومنها (قلعة سنان) قال في «مسالك الأبصار» : وهو قصر لا يعرف على وجه الأرض أحصن منه، على رأس جبل منقطع عن سائر الجبال في غاية العلوّ بحيث يقصر سهم العقّار «١» عن الوصول إليه يرتقى إليه من سلّم نقر في الحجر طوله مائة وتسعون درجة، وبه مصانع يجتمع فيها ماء المطر، وبأسفله عين ماء عليها أشجار كثيرة الفواكه. العمل الثاني (بلاد بجاية) وبجاية بكسر الباء الموحدة وفتح الجيم وألف ثم ياء مثناة تحت وهاء في الآخر مدينة من مدن الغرب الأوسط، واقعة في أوائل الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وعشرون درجة، والعرض أربع وثلاثون درجة وخمس وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : هي قاعدة الغرب الأوسط، وهي مقابل طرطوشة من الأندلس، وعرض البحر بينهما ثلاث مجار. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مدينة قديمة مستورة، أضيف إلى جانبها ربض أدير عليه سور ضامّ لنطاق المدينة فصارا كالشيء الواحد. قال: والرّبض في وطاءة، والمدينة القديمة في سفح جبل، يدخل إليها خور من البحر الروميّ تدخل منه المراكب إليها. قال في «تقويم البلدان» : ولها نهر في شرقيها، على شاطئه البساتين والمنازه. قال في «مسالك الأبصار» : وبها عينان من الماء: إحداهما كبيرة ومنها شرب أهلها، ولها نهر جار على نحو ميلين منها، تحفّ به البساتين والمناظر على ضفّتيه ممتدّة نحو اثني عشر ميلا، متصلا بعضها ببعض لا انفصال بينها إلا ما يسلك عليه إلى البساتين، إلى أن يصبّ في بحر الروم. وبضفّتيه للسلطان بستانان متقابلان شرقا وغربا، الشرقيّ منهما يسمّى الربيع.

стр. 2317

وغربيّ بجاية (جزائر بني مزغنّان) بفتح الميم وسكون الزاي، وكسر الغين المعجمتين ثم نونان بينهما ألف الأولى منهما مشدّدة، كما في «تقويم البلدان» عن الشيخ شعيب، وبعضهم يسقط النون الأخيرة، وفي «مسالك الأبصار» : مزغنّانة بزيادة هاء في الآخر. وهي فرضة مشهورة هناك. قال في «مسالك الأبصار» : وهي بلدة حسنة على ساحل البحر، تقابل (ميورقة) من بلاد الأندلس، بانحراف يسير، وبعدها عن بجاية ستة أيام. ومن المدن التي بأعمال البجاية (قسطينة) قال في «تقويم البلدان» : بضم القاف وسكون السين وكسر الطاء المهملتين وسكون المثناة من تحت ثم نون وهاء. قال: وعن بعض المتأخرين أن بعد السين وقبل الطاء نونا، وحينئذ فتكون بضم السين وسكون النون، وهي مدينة من الغرب الأوسط في أواخر الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ستّ وعشرون درجة وأربعون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة واثنتان وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي على آخر مملكة بجاية وأوّل مملكة أفريقيّة. قال الإدريسيّ: وهي على قطعة جبل منقطع مربع فيه بعض استدارة، لا يتوصّل إليه إلا من جهة باب في غربيّها ليس بكثير السّعة، ويحيط بها الوادي من جميع جهاتها. قال في «تقويم البلدان» : ولها نهر يصبّ في خندقها يسمع له دويّ هائل، ويرى النهر في قعر الخندق مثل ذؤابة النجم لشدّة ارتفاع البلد عن الخندق، قال الإدريسيّ: وهي مدينة عامرة، وبها أسواق وتجارات. قال: وتقيم الحنطة في مطاميرها «١» مائة سنة لا تفسد. وشرقيّ قسطينة في آخر مملكة بجاية (مرسى الخرز) بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة وزاي معجمة في الآخر. ومنه يستخرج المرجان من قعر البحر على ما تقدّم في الكلام على الأحجار النفيسة فيما يحتاج الكاتب إلى وصفه من المقالة الأولى.

стр. 2318

ومنها (سطيف) بفتح السين وكسر الطاء المهملتين ثم ياء مثناة من تحت ساكنة بعدها فاء. وهي مدينة من الغرب الأوسط في الإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وعشرون درجة، والعرض إحدى وثلاثون درجة. وهي مدينة حصينة، بينها وبين قسطينة أربع مراحل، ولها حصن في جهة الجنوب، عن بجاية على مرحلتين منها، ولها كورة تشتمل على قرى كثيرة غزيرة المياه كثيرة الشجر المثمر بضروب من الفواكه، وبها الجوز الكثير، ومنها يحمل إلى سائر البلاد. ومنها (تاهرت) - قال في «اللباب» : بفتح التاء المثناة فوق وألف وهاء وسكون الراء المهملة وفي آخرها تاء ثانية. قال في «تقويم البلدان» : ونقلت من خط ابن سعيد عوض الألف ياء مثناة تحت، قال وهو الأصح لأن ابن سعيد مغربيّ فاضل. وهي مدينة من الغرب الأوسط، وقيل من أفريقيّة في الإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول خمس وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض تسع وعشرون درجة. قال ابن حوقل: وهي مدينة كبيرة خصبة، كثيرة الزّرع، كانت قاعدة الغرب الأوسط وبها كان مقام ملوك «بني رستم» حتى انقرضت دولتهم بدولة الفاطميين خلفاء مصر. وذكر الإدريسيّ أنها كانت في القديم مدينتين: القديمة منهما على رأس جبل ليس بالعالي، قال في «العزيزي» : وتاهرت القديمة تسمّى «تاهرت عبد الخالق» وهي مدينة جليلة كانت قديما تسمّى «بغداد المغرب» وتاهرت الجديدة على مرحلة منها، وهي أعظم من تاهرت القديمة، والمياه تخترق دور أهلها. وهي ذات أسواق عامرة، وبأرضها مزارع وضياع جمّة، ويمرّ بها نهر يأتيها من جهة المغرب، ولها نهر آخر يجرى من عيون تجتمع فيه، منه شرب أهلها، وبها البساتين الكثيرة المونقة، والفواكه الحسنة، والسّفرجل الذي ليس له نظير: طعما وشمّا، ولها قلعة عظيمة مشرفة على سوقها. وتاهرت كثيرة البرد، كثيرة الغيوم والثّلج، وسورها من الحجر، ولها ثلاثة «١»

стр. 2319

أبواب: باب الصّفا، وهو باب الأندلس، وباب النازل، وباب المطاحن. وأما الطريق الموصل إليها، فقد ذكر صاحب «الذيل» على كامل ابن الأثير في التاريخ عن ايدغديّ التليلي وايدغدي الخوارزمي، حين توجها رسولين إلى الغرب في سنة ست وسبعمائة: أن من إسكندرية إلى طلميثا ومنها إلى سرت، ومنها إلى سراتة، ومنها إلى طهجورة، ومنها إلى طرابلس، ومنها إلى قابس، ومنها إلى صفاقس، ومنها إلى المهديّة، ومنها إلى سوسة، ومنها إلى تونس. وأما طريقها في البحر، فمن إسكندرية إلى تونس. الجملة الرابعة» (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها، ورياحينها) أما زروعها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنها تزرع على الأمطار، وأن بها من الحبوب القمح، والشعير، والحمّص، والفول، والعدس، والذّرة، والدّخن، والجلبان، والبسلّا، واسمها عندهم البسين. أما الأرزّ فمجلوب إليها. وأما فواكهها، فبها من الفواكه العنب والتين، كل منهما على أنواع مختلفة والرّمّان: الحلو والمزّ والحامض، والسّفرجل، والتّفّاح، والكمّثرى، والعنّاب، والزّعرور، والخوخ، والمشمش على أنواع، والتّوت الأبيض، والفرصاد، وهو التّوت الأسود، والقراصيا، والزّيتون، والأترجّ، واللّيمون، والليم «٢» ، والنارنج، أما الجوز بها فقليل، وكذلك النّخيل، والفستق، والبندق مفقود بها وكذلك الموز. قال في «مسالك الأبصار» : وبها فاكهة تسمّى مصغ فوق قدر البندقة، لونها بين الحمرة والصّفرة، وطعمها بين الحموضة والقبض شبيه بطعم السّفرجل، يوجد في الشتاء، يقطف من شجره غضّا فيدفّى، ويثقّل كما يفعل بالموز فينضج

стр. 2320

ويؤكل حينئذ. ويوجد بها قصب السّكّر على قلّة ولا يعتصر بها. وبها البطّيخ الأصفر على أنواع، والبطيخ الأخضر مع قلّة، واسمه عندهم الدّلاع، وكذلك الخيار والقثّاء، وبها اللّوبيا، واللّفت، والباذنجان، والقنّبيط، والكرنب «١» ، والرجلة، والبقلة اليمانية واسمها عندهم بلندس، والخسّ والهندباء على أنواع، وسائر البقول والملوخيا على قلّة، والهليون، والصّعتر. وبها من الرّياحين الآس، والورد ومعظمه أبيض، والياسمين، والنّرجس، واللّينوفر الأصفر والتّرنجاني، والمنثور، والمرزنجوش «٢» ، والبنفسج والسّوسن، والزعفران، والحبق، والنّمّام. الجملة الخامسة (في مواشيها، ووحوشها، وطيورها) أما مواشيها، ففيها الخيل العراب المشابهة لخيل برقة، والبغال، والحمير والإبل، والبقر، وغنم الضأن والمعز. وأما وحوشها، ففيها الغزلان، وبقر الوحش وحمره، والنّعام، وغير ذلك. وأما طيورها ففيها الدّجاج، والحمام كثيرا، والإوزّ بقلّة، وبها الكراكيّ «٣» ، وهي صيد الملوك كما بمصر، وكذلك غيرها من طيور الصيد.

стр. 2321

الجملة السادسة (فيما يتعلق بمعاملاتها: من الدنانير، والدراهم، والأرطال، والمكاييل، والأسعار) أما الدنانير، فإنها تضرب باسم ملكهم، وزنة كلّ دينار من دنانيرهم «١» .. ...... ويعبّرون عنه بالدينار الكبير، وذهبهم دون الذهب المصريّ في الجودة، فهو ينقص عنه في السّعر. وأما الدراهم، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن أبي عبد الله بن القويع: أن دراهمهم على نوعين: أحدهما يعرف بالقديم، والآخر بالجديد، ووزنهما واحد إلا أن الجديد منهما خالص الفضّة والقديم مغشوش بالنّحاس للمعاملة، وتفاوت ما بينهما أنّ كل عشرة دراهم عتيقة بثمانية دراهم جديدة، وإذا أطلق الدرهم عندهم فالمراد به القديم دون الجديد، ثم مصطلحهم أن كل عشرة دراهم عتيقة بدينار، وهذا الدّينار عندهم مسمّى لا حقيقة له، كالدينار الجيشي بمصر، والرائج بإيران. وأما أرطالها، فزنة كلّ رطل ستّ عشرة أوقية، كل أوقية أحد وعشرون درهما من دراهمها. وأما كيلها، فلهم كيلان: أحدهما يسمّى القفيز، وهو ستّ عشرة ويبة، كل ويبة اثنا عشر مدّا قرويّا، وهو يقارب المدّ النبويّ، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام. وهو أيضا ثمانية أمداد بالكيل الحفصي: وهو كيل قدّره ملوكها الحفصيّون: آباء ملوكها القائمين بها الآن، بقدر مدّ ونصف من المدّ المقدم ذكره. والثاني يسمّى الصّفحة وكل صحفة اثنا عشر مدّا بالحفصيّ.

стр. 2322

الجملة السابعة (في ذكر أسعارها) قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن أوسط الأسعار بها في غالب الأوقات أن يكون كلّ قفيز من القمح بخمسين درهما، والشعير دون ذلك. قال: وغالب سعر اللحم الضأن عندهم كلّ رطل أفريقيّ بدرهم قديم، وبقيّة اللحوم دونه في القيمة، وفي الرّبيع ينحطّ السّعر عن هذا القدر. وذكر أن الدّجاجة الجيّدة عندهم بدرهمين جديدين. ثم قال: وأحوالها مقاربة في ذلك للديار المصرية لقرب المجاورة، وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن تونس وبجاية في المعاملة والسعر متقاربتان. الجملة الثامنة (في صفات أهل هذه المملكة في الجملة) قال في «مسالك الأبصار» : ولأهل أفريقيّة لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل برّ العدوة وسائر بلاد المغرب، بمجاورتهم مصر وقربهم من أهلها، ومخالطتهم إيّاهم، ومخالطة من سكن عندهم من أهل إشبيلية «١» من الأندلس. وهم من هم! خفّة روح، وحلاوة بادرة. قال: وهم على كلّ حال أهل انطباع، وكرم طباع، وناهيك من بلاد من شعر ملكها السلطان أبي العبّاس «٢» قوله: (طويل) . مواطننا في دهرهنّ عجائب ... وأزماننا لم تعدهنّ الغرائب مواطن لم تحك التواريخ مثلها ... ولا حدّثت عنها اللّيالي الذواهب

стр. 2323

وقوله: (بسيط) . انظر إلينا [تجدنا] ما بنا دهش «١» ... وكيف يطرق أسد الغابة الدّهش؟ لا تعرف الحادث المرهوب أنفسنا! ... فإننا بارتكاب الموت ننتعش! وقوله: (طويل) . عسى الله يدني للمحبّين أوبة ... فتشفى قلوب منهم وصدور وكم من قصيّ الدار أمسى بحزنه ... فأعقبه عند الصّباح سرور وإذا كان هذا رقّة طبع السلطان، فما ظنّك بغيره من العلماء والأدباء؟ الجملة التاسعة (في ذكر من ملكها جاهليّة وإسلاما) أما ملوكها في الجاهليّة قبل الإسلام ، فإنّ بلاد المغرب كلّها كانت مع البربر «٢» ، ثم غلبهم الرّوم الكيتم عليها، وافتتحوا قاعدتها (قرطاجنّة) «٣» وملكوها، ثم جرى بين الرّوم والبربر فتن كثيرة كان آخرها أن وقع الصّلح بينهم على أن تكون المدن والبلاد الساحليّة للرّوم، والجبال والصّحارى للبربر، ثم زاحم الفرنج الرّوم في البلاد، وجاء الإسلام والمستولي على بلاد المغرب من ملوك الفرنجة «جرجيس» «٤» ملكهم، وكان ملكه متصلا من طرابلس من جهة الشرق إلى البحر المحيط من جهة الغرب، وكرسيّ ملكه بمدينة (سبيطلة) ،

стр. 2324

وبقيت في يده حتى انتزعها المسلمون منه في سريّة عبد الله بن أبي سرح «١» ، في خلافة عثمان بن عفّان. وأمّا ملوكها في الإسلام، فعلى أربع طبقات: الطبقة الأولى (الخلفاء) قد تقدّم أنّ أوّل من افتتحها (عبد الله بن أبي سرح) في خلافة عثمان بن عفّان ﵁، زحف إليها في عشرين ألفا من الصحابة وكبار العرب، ففرّق جموع النّصرانية الذين كانوا بها: من الفرنجة، والروم، والبربر، وهدم سبيطلة قاعدتها وخرّبها، وعاثت خيول العرب في ديارهم إلى أن صالحوا عبد الله بن أبي سرح بثلاثمائة قنطار من الذهب، وقفل عنهم سنة سبع وعشرين من الهجرة، بعد فتح مصر بسبع سنين أو ثمان. ثم أغزاها معاوية بن أبي سفيان (معاوية بن حديج السّكوني) «٢» سنة أربع وثلاثين. ثم ولّى معاوية (عقبة بن نافع) «٣» بن عبد قيس الفهريّ سنة خمس وأربعين، فبنى عقبة القيروان.

стр. 2325

ثم استعمل معاوية على مصر وأفريقيّة (مسلمة بن مخلّد) «١» فعزل عقبة عن أفريقيّة وولّى عليها (مولاه أبا المهاجر دينارا) سنة خمس وخمسين. ولما استقلّ يزيد بن معاوية بالخلافة، رجع عقبة بن نافع إلى أفريقيّة سنة اثنتين وستين. [ثم ولّى عبد الملك بن مروان عليها زهير بن قيس البلويّ «٢» في سنة سبع وستين إلى أن قتل في سنة تسع وستين فولّى عليها] «٣» (حسّان بن «٤» النعمان) الغسّاني، فسار ودخل القيروان، وافتتح قرطاجنّة عنوة وخرّبها، فخرجت عليه الكاهنة ملكة الغرب فهزمته، ثم عاد إليها وقتلها، واستولى على بلادها [ثم رجع إلى عبد الملك واستخلف على أفريقية رجلا اسمه صالح. ثم ولّى الوليد بن عبد الملك] «٥» (موسى «٦» بن نصير) بضم النون، فقدم القيروان وبها صالح، ثم قفل موسى إلى المشرق واستخلف على أفريقيّة ابنه عبد الله. ثم عزله سليمان بن عبد الملك في خلافته، وولّى مكانه (محمد بن يزيد) .

стр. 2326

ثم ولّى عمر بن عبد العزيز في خلافته (إسماعيل) بن عبيد الله بن أبي المهاجر. ثم ولّى يزيد بن عبد الملك (يزيد بن أبي مسلم) مولى الحجاج وكاتبه، فقدمها سنة إحدى ومائة فقتله البربر، وردّوا محمد بن يزيد الذي كان عليهم قبله إلى ولايته، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك بذلك فأقرّه عليهم. ثم ولّى يزيد بن عبد الملك (بشر بن صفوان الكلبيّ) «١» فقدمها سنة ثلاث ومائة؛ ومات سنة تسع ومائة. ثم عزله هشام بن عبد الملك، وولّى مكانه (عبيدة بن عبد الرحمن السّلميّ) فقدمها سنة عشر ومائة، ثم عزل هشام عبيدة، وولّى مكانه (عبد الله بن الحبحاب) مولى بني سلول «٢» ، فقدمها سنة أربع عشرة ومائة، وبنى جامع تونس، واتخذ بها دار الصّناعة للمراكب البحريّة. ثم عزله هشام بن عبد الملك وولّى مكانه (كلثوم بن عياض) ثم قتل فبعث هشام بن عبد الملك على أفريقيّة (حنظلة بن صفوان الكلبي) «٣» فقدمها سنة أربع وعشرين ومائة، فخرج عليه (عبد الرحمن بن حبيب) «٤» سنة ستّ وعشرين ومائة، فقفل حنظلة إلى المشرق سنة سبع وعشرين، واستقل عبد الرحمن بملك أفريقيّة.

стр. 2327

وولي مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فكتب له بولايتها. ثم كانت دولة بني العبّاس فأقرّه عليها السّفّاح، ثم المنصور، ثم قتل سنة سبع وثلاثين لعشر سنين من إمارته واشترك في إمارتها (حبيب بن عبد الرحمن، وعمّه عمران بن حبيب، وأخوه إلياس بن عبد الرحمن) ثم قتله عبد الملك بن أبي الجعد ثم غلب عليها (عبد الأعلى بن السّمح «١» المعافري) . ثم ولّى أبو جعفر المنصور (محمد بن الأشعث) «٢» الخزاعي فقدم القيروان سنة خمس وأربعين ومائة، وبنى سورها. ثم ثارت عليه المضريّة وأخرجوه منها سنة ثمان وأربعين، وولّوا عليهم (عيسى بن موسى) الخراساني. ثم ولّى أبو جعفر المنصور عليها (الأغلب بن سالم) بن عقال بن خفاجة بن سوادة التميمي «٣» بعده، فقدم القيروان وسكّن الناس، ثم قتل سنة خمسين ومائة، وقام بأمر أفريقيّة المخارق بن غفار. ولما بلغ المنصور قتل الأغلب، بعث مكانه عمر بن حفص بن قبيصة، ابن أبي صفرة التميمي «٤» أخي المهلّب، فقدمها سنة إحدى وخمسين. ثم

стр. 2328

انتقضت عليه البربر فضعف أمره، فولّى (يزيد بن حاتم) «١» بن قبيصة بن المهلب، بن أبي صفرة التميميّ، ودخل القيروان منتصف سنة خمس وخمسين، وهلك سنة سبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد، وقام بأمره بعده ابنه (داود) . ثم ولّى الرشيد أخاه (روح بن حاتم) فقدمها منتصف سنة إحدى وسبعين ومائة، ومات في رمضان سنة أربع وسبعين، فقام حبيب بن نصر مكانه، وسار ابنه (الفضل) إلى الرشيد فولّاه مكان أبيه، فعاد إلى القيروان في المحرّم سنة سبع وسبعين ومائة، ثم قتله ابن الجارود في منتصف سنة ثمان وسبعين ومائة فولّى الرشيد مكانه (هرثمة «٢» بن أعين) فسار إلى القيروان، وقدمها سنة تسع وسبعين ومائة، ثم استعفى فأعفاه الرشيد لسنتين ونصف من ولايته. وولّى مكانه (محمد بن مقاتل الكعبي) «٣» فقدم القيروان في رمضان سنة إحدى وثمانين، وكان سيّء السيرة. ثم ولّى الرشيد (إبراهيم بن الأغلب) «٤» فقدم أفريقيّة منتصف سنة أربع وثمانين ومائة، وابتنى مدينة العبّاسيّة بالقرب من القيروان وانتقل إليها. وفي ولايته ظهرت دعوة الأدراسة من العلويّة بالمغرب الأقصى. ثم مات إبراهيم في شوّال سنة ستّ وتسعين ومائة بعد أن عهد لابنه أبي العبّاس (عبد الله بن إبراهيم) بن

стр. 2329

الأغلب بالولاية، فقدم القيروان في صفر سنة سبع وتسعين ومائة. ثم مات في ذي الحجة سنة إحدى ومائتين. وولي مكانه أخوه (زيادة الله بن إبراهيم) وجاءه التقليد من قبل «المأمون» ، وفي ولايته كان ابتداء فتح صقلّية على يد أسد «١» بن الفرات، وتوفّي في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين لاحدى وعشرين سنة ونصف من ولايته. وولي مكانه أخوه (أبو عقال الأغلب) بن إبراهيم بن الأغلب، وتوفي في ربيع سنة ست وعشرين ومائتين. وولي بعده ابنه (أبو العبّاس محمد بن الأغلب بن إبراهيم) فدانت له أفريقيّة وبنى مدينة بقرب تاهرت وسمّاها العباسيّة، سنة سبع وثلاثين ومائتين، وبنى قصر سوسة وجامعها سنة ست وثلاثين ومائتين، وتوفي سنة ثنتين وأربعين. وولي مكانه ابنه أبو إبراهيم (أحمد بن أبي العباس محمد بن الأغلب) فأحسن السيرة، وكان مولعا بالعمارة، فبنى بأفريقيّة نحوا من عشرة آلاف حصن، وتوفّي آخر سنة تسع وأربعين لثمان سنين من ولايته. وولي مكانه ابنه (زيادة الله الأصغر) بن أبي إبراهيم أحمد، وتوفي آخر سنة خمسين ومائتين. وولي مكانه أخوه (محمد أبو الغرانيق) بن أبي إبراهيم أحمد، ففتح جزيرة مالطة سنة خمس وخمسين ومائتين، وبنى حصونا ومحارس على مسيرة خمسة عشر يوما من برقة في جهة المغرب وهي الآن معروفة به. وفي أيامه كان أكثر فتوح صقلّية. فلما مات حمل أهل القيروان أخاه إبراهيم بن أحمد أخي أبي الغرانيق على الولاية عليهم لحسن سيرته فامتنع، ثم أجاب وانتقل إلى قصر الإمارة

стр. 2330

وقام بالأمر أحسن قيام. وكان عادلا حازما فقطع أهل البغي والفساد وجلس لسماع الظّلامات، وبنى الحصون والمحارس بسواحل البحر، حتى كانت النار توقد في ساحل سبتة للإنذار بالعدوة فيتصل إيقادها بالإسكندرية في الليلة الواحدة، وبنى سور سوسة وانتقل إلى تونس فسكنها. وفي أيامه ظهرت دعوة العبيديّين بالغرب، ثم مات سنة تسع وثمانين ومائتين. وولي ابنه أبو العبّاس (عبد الله بن إبراهيم) أخي محمد أبي الغرانيق، وكان عادلا، حسن السيرة، بصيرا بالحروب، فنزل تونس مكان أبيه «١» ودخلوا في أمره جملة وجرى بينه وبينه حروب، ثم قتل في شعبان سنة تسعين ومائتين. وولي ابنه أبو مضر (زيادة الله) فأقبل على اللّذّات واللهو، وأهمل أمور الملك، وقتل أخاه وعمومته وأخواته، وقوي حال الدعاة لعبيد الله المهدي جدّ الخلفاء الفاطميين بمصر فحمل زيادة الله أمواله وأثقاله ولحق بمصر، فمنعه عاملها من الدّخول إليها إلا بأمر المقتدر الخليفة، فسار إلى العراق فاستأذن عليه، فأتاه كتاب المقتدر بالرجوع إلى القيروان وإظهار الدّعوة، فوصل إلى مصر فأصابه بها علّة سقط منها شعره، ورجع إلى القدس فمات بها، وانقرضت دولة بني الأغلب بالمغرب. الطبقة الثانية (العبيديّون) وكان مبدأ أمرهم أن محمدا الحبيب بن جعفر المصدّق، بن محمد المكتوم، بن إسماعيل الإمام، بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن عليّ زين

стр. 2331

العابدين، بن الحسين السّبط، بن عليّ بن أبي طالب ﵁، كان مقيما بسلمية من أعمال حمص، وكان أهل شيعتهم بالعراق واليمن وغيرهما يتعاهدونه بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين ﵇، فلما أدركته الوفاة عهد إلى ابنه عبيد الله وقال له: أنت المهديّ وتهاجر بعدي هجرة بعيدة وتلقى محنة شديدة، وشاع خبر ذلك في الناس، واتصل بالمكتفي خليفة بني العبّاس ببغداد فطلبه ففرّ من الشام إلى العراق، ثم لحق بمصر ومعه ابنه أبو القاسم غلاما حدثا وخاصّته، وكان أبو عبد الله الشّيعي قد بعث إليه بخبره بما فتح الله عليهم من البلاد الغربيّة فعزم على اللّحوق به، وخرج من مصر إلى أفريقيّة في زيّ التّجّار، وسار حتّى وصل إلى سجلماسة من بلاد المغرب، فورد على عاملها كتاب بالقبض عليه، فقبض عليه وحبسه هو وابنه أبا القاسم. ولما استفحل أمر أبي عبد الله الشّيعي، استخلف على أفريقيّة أخاه أبا العبّاس وارتحل إلى سجلماسة، فأخرج المهديّ وابنه من الحبس وبايع للمهديّ، ثم ارتحلوا إلى أفريقيّة ونزلوا رقادة في ربيع سنة سبع وتسعين ومائتين، وبويع للمهديّ البيعة العامّة واستقام أمره وبعث العمّال على النواحي. وولّى عهده ابنه (أبا القاسم محمدا) ويقال نزار، وبنى مدينة المهديّة، وجعلها دار ملكه. ولما فرغ منها صعد على سورها ورمى بسهم في جهة المغرب، وقال: إلى هنا ينتهي صاحب الحمار [فكان الأمر كذلك. وذلك أنه خرج بالمغرب خارجيّ اسمه أبو يزيد يعرف بصاحب الحمار وتبعه الناس فقصد مدينة المهدية يريد فتحها فانتهى إلى حيث انتهى سهم المهدي ثم رجع من حيث أتى فعظم أمر المهدي] «١» واستولى على فاس، ودخل ملوكها من الأدارسة تحت طاعته في سنة ثمان وثلاثمائة، ومهّد المغرب، ودوّخ أقطاره، وتوفّي في ربيع الأوّل سنة ثنتين وعشرين لأربع وعشرين سنة من خلافته. وولي بعده ابنه (القائم بأمر الله أبو القاسم) المتقدّم ذكره، وفي أيامه خرج

стр. 2332

أبو يزيد صاحب الحمار. وتوفّي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد عهد إلى ابنه المنصور بالله إسماعيل، فقام بالأمر بعده، وكتم موت أبيه فلم يتسمّ بالخليفة ولا غيّر السّكة والخطبة والبنود، وتوفّي سلخ رمضان سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة لسبع سنين من خلافته. وولي الأمر بعده ابنه (المعزّ لدين الله معدّ) فاستقام له الأمر، وانتهت مملكته بالغرب إلى البحر المحيط، وافتتح مصر على يد قائده «جوهر» في منتصف شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واختطّ له القاهرة، ثم قدم المعزّ إلى مصر، ودخل القاهرة لخمس من رمضان سنة ثنتين وستين وثلاثمائة على ما سبق في الكلام على مملكة الديار المصرية. الطبقة الثالثة (ملوكها من بني زيري) كان المعزّ معدّ الفاطميّ حين قدم مصر على ما تقدّم استخلف على أفريقيّة والمغرب (بلكين بن زيري) بن ميّاد البربري، ويقال: الحميريّ وأنزله القيروان، وسمّاه يوسف، وكنّاه أبا الفتوح، ولقّبه سيف الدّولة وبقي حتّى توفّي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ومات المعزّ بالقاهرة، وانتقلت الخلافة بعده إلى ابنه العزيز نزار، فولّى على أفريقيّة والمغرب بعد بلكين ابنه (المنصور بن بلكين) بولاية عهد من أبيه وبقي حتى توفّي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وقام بأمره بعده (ابنه باديس) بن المنصور فبقي حتى توفّي سنة ست وأربعمائة بمعسكره فجأة وهو نائم بين أصحابه. وبويع ابنه (المعزّ بن باديس) وهو ابن ثماني سنين، واستمرّ ملكه بأفريقيّة وعظم ملكه بها؛ وكان المعزّ منحرفا عن الرّفض والتشيّع، منتحلا للسّنّة، وأعلن بذلك في أوّل ولايته؛ ثم كان آخر أمره أن خلع طاعة العبيديّين، وقطع الخطبة لهم بأفريقيّة سنة أربعين وأربعمائة على عهد المستنصر العبيديّ خليفة مصر، وخطب للقائم بن القادر الخليفة العبّاسيّ ببغداد، فاضطرب لذلك ملكه، وثارت عليه

стр. 2333

الثّوّار، وملكوا منه النّواحي؛ ومات المعزّ سنة أربع وخمسين وأربعمائة. وقام بأمره من بعد ابنه (تميم بن المعزّ بن باديس) وغلبه العرب على أفريقيّة، فلم يكن له إلا ما ضمّه السّور، واستمرّت الثّوّار في أيامه وبقي حتى هلك سنة احدى وخمسمائة. وملك بعده ابنه (يحيى بن تميم) فراجع طاعة العبيديّين خلفاء مصر، ووصلته منهم المخاطبات والهدايا والتّحف، وأكثر في غزو النصارى من الفرنجة وغيرهم، حتى لقّبوه بالجرية من وراء البحر، ومات فجأة في قصره سنة تسع وخمسمائة. وملك بعده ابنه (عليّ بن يحيى) وقام بالأمر على طاعة خلفاء العبيديين بمصر، ومات سنة خمس عشرة وخمسمائة. وملك بعده ابنه (الحسن بن عليّ) وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وقام بأمره مولاه صندل، ثم مولاه موفّق وغلبه النصارى على المهديّة وبلاد الساحل كلّها إلى أن استنفذها منهم عبد المؤمن «١» شيخ الموحّدين، ولحق الحسن بالجزائر ونزل بها إلى أن فتح الموحّدون الجزائر سنة سبع وأربعين وخمسمائة بعد ملكهم المغرب والأندلس، فخرج إلى عبد المؤمن فأحسن إليه وبقي معه حتى افتتح المهديّة فأنزله بها، فأقام بها ثماني سنين. ثم سار إلى مرّاكش فمات في طريقه، وانقرضت دولة بني باديس من أفريقية في أيامهم عند وقوع الفتن.

стр. 2334

الطبقة الرابعة (الموحّدون أصحاب المهديّ بن تومرت، وهم القائمون بها إلى الآن) وكان أوّل من افتتحها منهم (عبد المؤمن «١» بن عليّ) أحد أصحاب ابن تومرت والخليفة بعده. وذلك أنه لما وقع بها ما تقدّم من الاضطراب وقيام الثّوّار واستيلائهم على النّواحي، وكان الموحّدون قد استولوا على الأندلس والغرب الأقصى والغرب الأوسط إلى بجاية، بعث عبد المؤمن المذكور العساكر إلى أفريقيّة مع ابنه عبد الله في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فافتتح أفريقيّة، واستكمل فتحها سنة ستّ وخمسين. وولّى عليها ابنه السيد أبا موسى (عمران بن عبد المؤمن) وأسره عليّ بن يحيى المعروف بابن غانية عند فتحه بجاية، واعتقله بها في صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ولما ولي (المنصور يعقوب بن عبد المؤمن) بعد أبيه عبد المؤمن، ولّى على أفريقيّة في أوّل ولايته أبا سعيد ابن الشيخ أبي حفص عمر، ثم غلب ابن غانية على أكثر بلاد أفريقيّة واستولى على تونس، وخطب للخليفة العبّاسي ببغداد، ثم جهز الناصر بن المنصور بن عبد المؤمن الشيخ أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص من مرّاكش إلى أفريقيّة سنة ثنتين وستمائة فانتزعها من ابن غانية، ثم وصل الناصر بن المنصور إلى أفريقيّة بعد ذلك ودخل تونس، وأقام بها إلى منتصف سنة ثلاث وستمائة، وعزم على الرحيل إلى مرّاكش فروّى نظره فيمن يوليه أمرها فوقع اختياره على الشيخ أبي محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص، ورحل الناصر إلى المغرب وقعد مقعد الإمارة بقصبة تونس يوم السبت العاشر من شوّال سنة ثلاث وستمائة وبقي حتى توفّى مفتتح سنة ثمان عشرة وستمائة. وولي بعده ابنه الأمير (أبو زيد عبد الرحمن) وقعد بمجلس أبيه في الإمارة،

стр. 2335

وورد كتاب المستنصر بن الناصر خليفة بني عبد المؤمن بعزله لثلاثة أشهر من ولايته. وولّى المستنصر مكانه السيد أبا العلى (إدريس بن يوسف) بن عبد المؤمن، ودخل إلى تونس في ذي القعدة من السنة المذكورة، فنزل بالقصبة ورتّب الأمور؛ ومات بتونس سنة عشرين وستّمائة. ثم مات المستنصر وصار الأمر (لعبد الواحد المخلوع) ابن يوسف بن عبد المؤمن فبعث بولاية أفريقيّة إلى (أبي زيد) بن أبي العلى. ثم صار الأمر إلى العادل فولّى (أبا محمد عبد الله) بن أبي محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص، ودخل تونس سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأقام في إمارته إلى أن ثار عليه أخوه الأمير (أبو زكريّا يحيى) بن أبي محمد عبد الواحد وولي مكانه ودخل تونس في رجب سنة خمس وعشرين وستمائة، وافتتح قسنطينة وبجاية سنة ست وعشرين وانتزعهما من بني عبد المؤمن. ثم ملك تلمسان من يدهم بعد ذلك وبايعه أهل الأندلس، ومات ببونة لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وستمائة لثنتين وعشرين سنة من ولايته. وبويع بعده ابنه ووليّ عهده المستنصر بالله (أبو عبد الله محمد) ودخل تونس في رجب من السنة المذكورة، فجدّد بيعته بها وهو أوّل من تلقب من الحفصيّين بألقاب الخلافة كما سيأتي. وأنتهى أمره إلى أن بويع له بمكّة المعظّمة، وبعث بالبيعة إليه، واستولى على ما كان بيد أبيه من الغرب الأوسط ببجاية وقسنطينة، وفتح الجزائر، وبقي حتى مات يوم الأضحى سنة خمس وسبعين وستمائة.

стр. 2336

وبويع بعده ابنه (الواثق يحيى) بن المستنصر ليلة موت أبيه، فأحسن السّيرة، وبسط في الرعية العدل والعطاء؛ وبعث إليه أهل بجاية بالبيعة، وخرج عليه عمّه (أبو إسحاق) أخو المستنصر ودخل بجاية، وبايعه أهلها في ذي القعدة سنة سبع وسبعين وسبعمائة واستولى على قسنطينة، وقوي أمره ببجاية وما معها، وبلغ ذلك الواثق بن المستنصر، فتيقّن ذهاب الملك منه فانخلع عن الأمر لعمه أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى، ومن هنالك عرف بالمخلوع وأشهد على نفسه بذلك في أوّل ربيع الأوّل سنة ثمان وسبعين وستمائة، وبلغ ذلك السلطان أبا إسحاق فسار إلى تونس، ودخلها في نصف ربيع الآخر من السنة المذكورة، واستولى على المملكة جميعها واعتقل الواثق وبنيه، ثم دسّ عليهم من ذبحهم في الليل في صفر سنة تسع وسبعين وستمائة، وبقي حتّى خرج عليه (أحمد بن روق) بن أبي عمارة من بيوتات بجاية الطارئين عليها من المسيلة سنة إحدى وثمانين وستمائة، وكان شبيها بالفضل بن يحيى المخلوع فعرف بالدّعيّ، واستولى على تونس بعد خروج السلطان أبي إسحاق منها، ولحق أبو إسحاق ببجاية فمنعه ابنه الأمير أبو فارس (عبد العزيز) من الدّخول إليها فانخلع له عنها وأشهد عليه بذلك، ودعا الناس إلى بيعته في آخر ذي القعدة من السنة المذكورة فبايعوه وتلقّب بالمعتمد، ثم كان بين الدعيّ والأمير أبي فارس واقعة قتل فيها الأمير أبو فارس في سنة ثنتين وثمانين وستمائة. وخرج السلطان أبو إسحاق فلحق بتلمسان ومعه ابنه الأمير أبو زكريا، ودخل أهل بجاية في طاعة الدّعيّ. ثم خرج على الدّعيّ الأمير (أبو حفص عمر بن يحيى) بن عبد الواحد بن أبي حفص، فكانت بينهما حرب انهزم الدّعيّ في آخرها. واستولى أبو حفص على تونس وسائر المملكة، وتلقّب بالمستنصر واختفى الدّعيّ، ثم ظفر به أبو حفص بعد ذلك وقتله، وبايعه أهل تلمسان وطرابلس وما بينهما. وخرج الأمير (أبو زكريا يحيى) ابن السلطان أبي إسحاق على بجاية وقسنطينة فملكهما واقتطعهما عن مملكة أفريقيّة، وقسم دولة الموحدين بدولتين،

стр. 2337

ولم يزل السلطان أبو حفص في ملكه إلى أن مرض في ذي الحجة سنة أربع وستين وستمائة ومات آخر ذي الحجة من السنة المذكورة. وكان الواثق بن المستنصر لما قتل هو وأبوه ترك جارية حاملا، فسماه الشيخ محمد المرجانيّ «محمدا» وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة من عصيدة البرّ فلقّب بأبي عصيدة «١» ، فلما مات السلطان أبو حفص بايع الناس (أبا عصيدة) المتقدّم ذكره. ومات الأمير أبو زكريا صاحب بجاية وما معها على رأس المائة السابعة. وقام بعده في تلك الناحية وليّ عهده ابنه (أبو البقاء خالد) فاستمرّ في تلك الناحية، وبقي السلطان أبو عصيدة في مملكة أفريقيّة حتى مات في ربيع الآخر سنة تسع وسبعمائة ولم يخلف ابنا. وكان بالقصر (أبو بكر بن عبد الرحمن) بن أبي بكر، بن يحيى، بن عبد الواحد، بن أبي حفص في كفالة السلطان أبي عصيدة فلما مات أبو عصيدة بايعه أهل تونس، ثم ارتحل السلطان أبو البقاء خالد: صاحب بجاية إلى جهة تونس طالبا ملكها بعد أبي عصيدة، فخرج (أبو بكر الشهيد) في أهل تونس للقائة فانهزموا عنه، وقبض على أبي بكر الشهيد واعتقل ثم قتل بعد ذلك فسمّي الشهيد، واستقلّ السلطان أبو البقاء خالد بملك تونس وبجاية وحاز جميع المملكة، وتلقّب الناصر لدين الله وبقي حتى بويع (أبو يحيى زكريّا بن أحمد) بن محمد اللحياني، ابن عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص: فبويع بطرابلس، وخرج على أبي البقاء خالد فخافه فخلع نفسه فاعتقل وجاء السلطان أبو يحيى على أثره في رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة فبويع البيعة العامّة ودخل تونس واستولى عليها؛ ثم اضطرب عليه أمره، فخرج من تونس إلى قابس أوّل سنة سبع عشرة وسبعمائة بعد

стр. 2338

أن استخلف بتونس، وانتهى إلى قابس فأقام بها وصرّف [العمّال] في جهاتها؛ وقصد السلطان أبو بكر صاحب بجاية تونس، وكان بينه وبين أهلها وقعة انتهى الحال في آخرها إلى أنّ السلطان أبا بكر رجع إلى بجاية. وبايع أهل تونس محمدا المعروف (بأبي ضربة) ابن السلطان أبي يحيى في سنة سبع عشرة المذكورة. ثم قصد السلطان أبو بكر «١» صاحب بجاية تونس، وبها أبو ضربة فغلبه عليها، ودخلها في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وبويع بها البيعة العامّة. ولحق السلطان أبو يحيى اللحيانيّ بمصر في أيام الملك الناصر «محمد بن قلاوون» فأحسن نزله وأقام عنده إلى أن مات، ولحق ابنه أبو ضربة بتلمسان فأقام بها إلى أن مات، واستقلّ السلطان أبو بكر بأفريقيّة وبجاية إلى أن غلبه على تونس (إبراهيم بن أبي بكر) الشهيد المتقدّم ذكره أوّلا، ودخلها في رجب سنة خمس وعشرين وسبعمائة. ثم غلبه عليها السلطان أبو بكر وانتزعها من يده في شوّال من السنة المذكورة واستقرّ في يده ملك أفريقيّة وبجاية إلى أن مات فجأة في جوف الليل في ليلة الأربعاء ثاني رجب الفرد سنة سبع وأربعين وسبعمائة بمدينة تونس. وبويع ابنه (أبو حفص عمر) بن أبي بكر من ليلته، وجلس من الغد وبويع البيعة العامّة. وكان أبوه قد عهد إلى ابنه الآخر أبي العبّاس أحمد، وكان ببلاد الجريد فاستجاش على أخيه وقدم عليه تونس، وكانت بينهما واقعة قتل فيها أبو العباس واستقرّ السلطان أبو حفص على ولايته. وكان السلطان أبو بكر حين عهد لابنه أبي العباس أرسل العهد إلى السلطان أبي الحسن المرينيّ: صاحب تلمسان وسأله في الكتابة عليه، فلما قتل أبو العباس المذكور ثقل ذلك على السلطان أبي الحسن وخرج إلى أفريقيّة في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ووصل إلى بجاية ثم

стр. 2339

إلى قسنطينة فملكهما، ثم سار إلى تونس فلقيه السلطان أبو حفص عمر، وكانت بينهما واقعة قبض فيها على أبي حفص ثم قتل. ودخل السلطان أبو الحسن إلى تونس واستولى على جميع المملكة مضافة إلى مملكته، وكمل له بذلك ملك جميع المغرب. ثم غلب (أبو العباس الفضل) ابن السلطان أبي بكر على بجاية وقسنطينة وملكهما، وسار السلطان أبو الحسن إلى المغرب واستخلف على تونس ابنه أبا الفضل فسار الفضل ابن السلطان أبي بكر من بجاية إلى تونس فخرج منها أبو الفضل بن أبي الحسن فارّا إلى أبيه بالمغرب، ودخلها الفضل ابن السلطان أبي بكر وملكها سنة تسع وأربعين وسبعمائة واستولى على جميع المملكة، وبقي إلى أن قبض عليه في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وبويع بعده أخوه (أبو إسحاق إبراهيم) ابن السلطان أبي بكر، وهي يومئذ غلام قد ناهز الحلم، وقتل الفضل في جوف الليل من الليلة القابلة خنقا، واستولى على أفريقيّة وبجاية وقسنطينة، وبقي حتى غلبه بنو مرين على بجاية وقسنطينة، وملكهما منه أبو عنان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. ثم استولى السلطان (أبو العبّاس أحمد) بن محمد بن أبي بكر على قسنطينة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وبويع بها. ثم غلبه عليها أبو عنان وقفل إلى المغرب سنة سبع وخمسين وقد استخلف بها، فتجهز إليها (أبو إسحاق إبراهيم) صاحب تونس وملكها من يد عامل أبي عنان سنة إحدى وستين، ثم قوي أمر السلطان أبي العبّاس وعاد إلى قسنطينة وملكها في السنة المذكورة. ثم استولى (أبو عبد الله محمد) بن محمد ابن السلطان أبي بكر في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة فأساء السيرة بها، فسار إليه السلطان «أبو العبّاس» من تونس فقتله ودخل بجاية تاسع عشر شعبان سنة سبع وستين وسبعمائة وملكها، وبقيت بيده وتونس بيد السلطان أبي إسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي بكر إلى أن

стр. 2340

توفّي السلطان أبو إسحاق فجأة في الليل في سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وبويع بعده ابنه (أبو البقاء خالد) واستبدّ عليه منصور مولى أبيه، وابن الباليقي حاجب أبيه فلم يكن له في الدولة تحكّم. ثم رحل السلطان أبو العبّاس من بجاية إلى تونس وقبض على السلطان أبي البقاء خالد بن إبراهيم بعد حصاره أيّاما واعتقله وملك تونس وانتظم في ملكه أفريقيّة وبجاية وقسنطينة وأعمالها، وبقي حتى مات في شعبان سنة ستّ وثمانين وسبعمائة. وكان أبو العبّاس هذا له شعر رائق، طلب مرة كاتب إنشائه يحيى بن أجاد، وكان يحيى ثملا، فخافه على نفسه إن هو طلع إليه على تلك الحالة فكتب إليه (مجزوء الخفيف) . أصبح العبد يحيى ... كصباح ابن أكثم شغلته الحميّا «١» ... وهو بالأمر مهتم فخشي من رقيب ... فرأى الدار أكتم فلمّا قرأها وقّع بخطه تحت خطّه: (مجزوء الخفيف) قرّ عينا بعيش ... صفوه بك قد تمّ أنت أزكى عبيدي ... هاهنا كنت أو ثمّ فكان ذلك سبب توبة يحيى. وبويع بعده أبنه أبو فارس (عزّوز) في رابع شعبان من السنة المذكورة واستولى على تونس وبجاية وقسنطينة وسائر أعمالها. وهو السلطان أبو فارس

стр. 2341

عزّوز ابن السلطان أبي العباس أحمد، ابن السلطان أبي بكر بن يحيى، بن إبراهيم، بن عبد الواحد، ابن الشيخ أبي حفص. قلت: وهو باق إلى زماننا في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وقد شاع ذكر شجاعته وعدله حتّى إنه دوّخ البلاد ومهّدها وقتل العرب وأبادهم، ودخل من بقي منهم في طاعته بعد أن لم يدينوا لطاعة غيره، وقطع المكوس من بلاده، وأزال الحانات من تونس، مع تواضع وقرب من الفقراء، وأخذ بيد المظلومين، ووجوه برّ رتّبها وقرّرها ولم تعهد لأحد ممن قبله، إلى غير ذلك من صفات الملوك المحمودة التي امتاز بها عن الملوك، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. الجملة العاشرة (في منتمى ملوك هذه المملكة القائمين بها الآن، من الموحّدين في النّسب، ودعواهم الخلافة، وبيان أصل دولتهم، وتسميتهم الموحّدين) أما منتماهم في النسب، فقد ذكر في «التعريف» : أن الملك القائم بها في زمانه يدّعي النسب إلى أمير المؤمنين: عمر بن الخطّاب ﵁؛ ومن أهل النّسب من ينكر ذلك: فمنهم من يجعله من بني عديّ بن كعب رهط عمر، وليس من بني عمر، ومنهم من يقول بل من هنتاتة وليسوا من قبائل العرب [في شيء] . وهم الحفصيّون نسبة إلى أبي حفص: أحد العشرة «١» أصحاب ابن تومرت «٢» وهم بقايا الموحّدين إذ كان من تقرير ابن تومرت أن الموحدين هم أصحابه، ولم يبق ملك الموحّدين إلا في بني أبي حفص هذا. واعلم أن النسّابين قد اختلفوا في نسبه على ثلاثة أقوال.

стр. 2342

أحدها- نسبته إلى أمير المؤمنين: عمر بن الخطّاب ﵁، وهؤلاء يقولون: هو أبو حفص عمر بن يحيى، بن محمد، بن وانّودين، بن عليّ، بن أحمد، بن والّال، بن إدريس، بن خالد، بن اليسع، بن إلياس، بن عمر، بن وافتق، بن محمد، بن نجيه، بن كعب، بن محمد، بن سالم، بن عبد الله، بن عمر بن الخطّاب، قال قاضي القضاة «وليّ الدين بن خلدون» ويظهر أن هذا النسب القرشيّ وقع في المصامدة من البربر، والتحم بهم واشتملت عليه عصبيّتهم، شأن الأنساب التي تقع من قوم إلى قوم. الثاني- نسبته إلى بني عديّ بن كعب: رهط عمر بن الخطّاب ﵁ الذي ينتسب فيه، وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب جدّ النبي ﷺ وباقي نسبه إلى عدنان معروف. الثالث- نسبته إلى هنتاتة، وهنتاته- بفتح الهاء وإسكان النون وفتح التاء المثنّاة فوق وبعدها ألف ثم تاء مثناة فوق مفتوحة ثم هاء قبيلة من قبائل المصامدة من البربر، بجبال درن المتاخمة لمرّاكش، وهي قبيلة واسعة كبيرة، ويقال لها بالبربرية «ينتي» وكان أبو حفص هذا هو شيخهم وكبيرهم، وهو الذي دعاهم إلى اتباع ابن تومرت والحمل على طاعته. وأما دعواهم الخلافة، فقد قال في «التعريف» عند ذكر سلطان زمانه منهم: لا يدّعي إلا الخلافة ويتلقّب بألقاب الخلفاء، ويخاطب بأمير المؤمنين في بلاده. واعلم أن أوّل من تلقّب منهم المستنصر «١» بالله أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص، على أن أباه كان يمتنع من التلقّب بألقاب الخلافة، ويمنع من يخاطبه بها مقتصرا على التلقّب

стр. 2343

بالأمير خاصّة حتّى إن بعض شعرائه رفع إليه قصيدة مدحه بها أوّلها: (وافر) . ألا جل بالأمير المؤمنينا ... فأنت بها أحقّ العالمينا. فأنكر ذلك عليه. وإنما حمل المستنصر على ذلك أن الخلافة في زمنه قد تعطّلت في سائر الأقطار. وذلك أن الخلافة الأمويّة ودعاوى بني عبد المؤمن قد زالت عنها في المغرب بغلبة بني مرين عليهم وانتزاعهم الأمر منهم، وخلافة العبيديّين قد زالت من مصر، وخلافة بني العبّاس قد زالت من بغداد باستيلاء التّتر عليها. وأما مبدأ دولتهم ومصير آخرها إلى بني أبي حفص بأفريقيّة، فإن أصل قيامها ابن تومرت: وهو محمد بن عبد الله تومرت، بن وجلّيد، بن يامصال، بن حمزة، ابن عيسى فيما ذكره محققو المؤرخين. وبعضهم يقول: محمد بن تومرت، بن نيطاوس، بن سافلا، بن مسيعون، بن ايكلديس، بن خالد، أصله من هرغة من بطون المصامدة من البربر. وبعض المؤرّخين يجعل نسبه في أهل البيت ويقول: هو محمد بن عبد الله، بن عبد الرحمن، بن هود، بن خالد، بن تمام، بن عدنان، بن سفيان، بن صفوان، بن جابر، بن عطاء، بن رباح، بن محمد، من ولد سليمان بن عبد الله، بن حسن، بن الحسن، بن عليّ، بن أبي طالب. وسليمان هذا أخو إدريس الأكبر الذي كان لبنيه الدولة بالغرب على ما مرّ «١» في الكلام على مكاتبة صاحب برّ العدوة. ويقال إن سليمان هذا لحق بالمغرب إثر أخيه إدريس. وقيل: بل هو من قرابة إدريس اللاحقين به إلى المغرب ويكون على هذا المقتضى نسبه قد التحم بنسب المصامدة، واتصل بهم وصار في عدادهم كما تقدّم في نسب أبي حفص. وكان أهل بيته أهل دين وعبادة، وشبّ محمد هذا فيهم قارئا محبّا للعلم، وارتحل في طلب العلم إلى المشرق على رأس المائة الخامسة، ومرّ بالأندلس،

стр. 2344

ودخل قرطبة وهي إذ ذاك دار علم، ثم لحق بالإسكندريّة وحجّ، ودخل العراق، ولقي أكابر العلماء به يومئذ وفحول النّظّار، ولقي أئمة الأشعريّة من أهل السّنّة وأخذ بقولهم في تأويل المتشابه. ويقال إنه لقي أبا حامد الغزاليّ «١» ﵀ واستشاره فيما يريده من قيام الدولة بالمغرب. ورجع إلى المغرب وقد حصل على جانب كبير من العلم، وطعن على أهله في الوقوف مع الظاهر وحملهم على القول بالتأويل والأخذ بمذهب الأشعريّة في جميع العقائد، وألّف العقائد على رأيهم مثل المرشدة وغيرها. وكان مع ذلك يقول بعصمة الإمام على مذهب الإمامية من الشّيعة. وانتهى إلى بجاية فأقام بها يدرّس العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهناك لقيه عبد المؤمن أحد أصحابه وارتحل معه إلى المغرب وصار إلى بلاد هرغة من البربر، فاجتمع إليه الطلبة ونشر العلم، وأظهر مذهب الأشعرية. وكان الكهّان والمنجّمون يتحدّثون بظهور ملك بالمغرب من البربر، وشاع في الناس أنه ذلك الملك، واختار من أصحابه عشرة فجعلهم خاصّته: وهم عبد المؤمن بن عليّ، وأبو حفص عمر بن علي، ومحمد بن سليمان، وعمر بن تافركين، وعبد الله بن ملويات وغيرهم. ودعا المصامدة إلى بيعته على التوحيد وقتال المجسّمين، فبايعوه على ذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة. ولما تكاملت له البيعة لقّبوه بالمهديّ، وكان قبل ذلك يلقب بالإمام، وكان عبد المؤمن أخصّ أصحابه به، وكان يلقّبه بالخليفة، وأبو حفص بعده في الخصوصيّة، وكان يلقّبه بالشيخ، وكان يسمّي أتباعه الموحّدين تعريضا بمن يجنح عن التأويل ويقف مع الظاهر فيوقعه في التجسيم وغيره، ولم تحفظ عليه بدعة إلا ما وافق فيه الإماميّة من القول بعصمة الإمام. وقد مرّ ذكر «٢» مدّة ولايته ثم استخلاف

стр. 2345

عبد المؤمن بعده في الكلام على مكاتبة صاحب برّ العدوة. وقد تقدّم ابتداء انتقال مملكة إفريقيّة إلى أبي حفص وانسحابها فيهم إلى زماننا على الترتيب. الجملة الحادية عشرة (في ترتيب المملكة بها: من زيّ الجند، وأرباب الوظائف: من أرباب السّيوف والأقلام، ومقادير الأرزاق الجارية عليهم، وزيّ السلطان، وترتيب حاله في الملك) أما الجند ، فقد نقل في «مسالك الأبصار» عن أبي عبد الله بن القويع: أن الذي قرّره لهم مهديّهم ابن تومرت، ثم عبد المؤمن وأبناؤه بعده أنّه ليس لهم أمراء ولا أتباع يطلب بعدّتهم كعدّة الأمراء بمصر، وإنما لهم أشياخ من أعيانهم لا عدّة لهم ولا جند، بل المرء منهم بنفسه فقط، ولكلّ طائفة منهم رئيس يتولّى النظر في أحوالهم يسمّونه المزوار. أما الجند فمن الموحّدين والأندلسيّين وقبائل بها من المضافة إليهم ومن قبائل العرب ومن هاجر إليهم من العرب القدماء، الذين هاجروا في مدّة بني عبد المؤمن، والمماليك التّرك المبتاعة من الديار المصرية، ومن الفرنج وغيرهم. وحاصل ما ذكره في «المسالك» أن الجند عندهم على سبع طبقات. الطبقة الأولى- الأشياخ الكبار من الموحّدين الذين هم بقايا أتباع المهديّ ابن تومرت. قال في «مسالك الأبصار» : وهم بمثابة أمراء الألوف بمصر، وبمثابة النّوينات أمراء التوامين بمملكة إيران. الطبقة الثانية- الأشياخ الصّغار من الموحّدين أيضا: وهم دون من تقدّم منهم في الرتبة. الطبقة الثالثة- الوقّافون . قال في «مسالك الأبصار» : سألت ابن القويع عن معنى الوقّافين ما هو؟ فقال: هم قوم لهم خاصّيّة بالسلطان يسكنون معه في القصبة: وهي القلعة، بمنزلة الأمراء الخاصكيّة. قال: وهم طبقتان: وقّافون

стр. 2346

كبار، ووقّافون صغار، وكلهم يقفون بين يديه في أوقات جلوسه إذا جلس للناس. الطبقة الرابعة- عامّة الجند . الطبقة الخامسة- الجند من قبائل العرب . الطبقة السادسة- الصّبيان : وهم جماعة من الشّباب بمثابة المماليك الكتّانية بالديار المصرية، يكونون في خدمة السلطان. الطبقة السابعة- الجند من الإفرنج ، ويعبّر عنهم بالعلوج «١» ؛ وهم لخاصة السلطان لا يطمئنّ إلا إليهم. وأما عدّة العسكر. ففي «مسالك الأبصار» عن ابن القويع أنها لا تبلغ عشرة آلاف وإنما العدد الجمّ في العرب أهل البادية ولهم قوّة شوكة. وأما أرباب الوظائف فعلى ثلاثة أضرب . الضرب الأول (أرباب السّيوف، وهم ثمانية) الأوّل- الوزراء : وهم ثلاثة وزراء: وزير الجند وهو المردود إليه الحديث في أمر الجند. قال في «مسالك الأبصار» : وهو بمثابة الحاجب بالدّيار المصرية، ووزير المال: وهو المتحدّث في أمر المال، ويعبّر عنه بصاحب الأشغال، ووزير الفضل وهو كاتب السّرّ. الثاني- شيخ الموحّدين . قال ابن القويع: وشيخ الموحدين كأنه نائب السلطان، ويسمّى الشيخ المعظّم وهو الذي يتولى عرض الموحدين وأمورهم. الثالث- أهل المشورة : وهم ثلاثة من أشياخ الموحدين يجلسون بمجلسه للرأي والمشورة.

стр. 2347

الرابع- صاحب الرّقاعات . قال ابن سعيد: وهو الذي يتولّى إبلاغ الظّلامات إلى السلطان وإيصال قصصهم إليه وعرضها عليه ثم يخرج بجوابها عنه. قال في «مسالك الأبصار» : وهذا بمثابة الدوادار (يعني بالديار المصرية) . الخامس- صاحب العلامات : وهو المتولّي أمور الأعلام، وهو بمثابة أمير علم بالديار المصرية. وفي معناه آخر إليه أمر دقّ الطبول، يأمر بدقّ الطّبول عند ركوب السلطان في المواكب. السادس- الحافظ : وهو صاحب الشّرطة، وعنه يعبّر المصريّون بوالي المدينة. السابع- محرّكو الساقة : وهم قوم يكون بأيديهم العصيّ، يرتّبون الناس في المواكب، بمنزلة النّقباء بالديار المصرية. الثامن- صاحب الطّعام : وهو بمنزلة إستاددار «١» الصّحبة. الضرب الثاني (أرباب الأقلام) وقد ذكر منهم ثلاثة: الأوّل- قاضي الجماعة : وهو مثل قاضي القضاة بالديار المصرية. الثاني- المحتسب : وهو معروف. الثالث- صاحب كتب المظالم . قال في «مسالك الأبصار» : وهو الموقّع على القصص وكأنه بمثابة موقّع الدّست «٢» بمصر والشام.

стр. 2348

الجملة الثانية عشرة (في ذكر الأرزاق المطلقة من جهة السلطان) ويختلف الحال باختلاف أحوال أربابها. فأما أشياخ الموحدين الكبار، فقد نقل في «مسالك الأبصار» عن القاضي أبي القاسم بن بنّون أنّ لهم أرضا يزرعونها أو يحكّرونها ويكون لهم عشر ما طلع منها. وهذه الأرض بمثابة الإقطاع بمصر، ولكلّ واحد منهم في كل سنة حرث عشرة أزواج بقرا، كل زوج بشعبتين، كل شعبة رأسان من البقر فيكون لكلّ واحد عشرون شعبة. قال في «مسالك الأبصار» : وهذه الشعبة هي المسماة في بلاد دمشق بالفدّان. ولهم مع ذلك راتب يفرّق عليهم في طول السنة، يسمّونه البركات، بمثابة الجوامك بمصر؛ يفرّق أربع مرّات في السنة: في عيد الفطر تفرقة، وفي عيد الأضحى تفرقة، وفي ربيع الأول تفرقة، وفي رجب تفرقة، يصيب كل واحد منهم من ذلك أربعون دينارا مسماة، تكون بثلاثمائة درهم عتيقة، والسلطان يأخذ معهم بسهم كواحد منهم على السّواء، فيكون جملة ما لكلّ واحد منهم في كل سنة مائة وعشرين دينارا مسمّاة، عنها ألف ومائتا درهم مغربية، عنها من نقد مصر والشام ستّمائة وخمسون درهما، وما يتحصّل من مغلّ عشرين فدّانا بقدر مثلها. قال في «مسالك الأبصار» : فيكون تقدير ما لأحد المشايخ الكبار الذين بمثابة أمراء الألوف بمصر والشام في كل سنة ألف وثلاثمائة وعشرة دراهم نقرة بمعاملة مصر في كل سنة. وأما الأشياخ الصّغار، فلكلّ واحد منهم حرث خمسة أزواج من البقر، على النّصف من الأشياخ الكبار؛ والبركات في كل سنة على ما تقدّم في الكبار. قال ابن بنّون: ولعامّة الأشياخ الكبار والصّغار والوقّافين والجند شيء آخر يفرّقه السلطان عليهم، يسمّى المواساة: وهي غلة تفرّق عليهم عند تحصيل الغلّات في المخازن، وشيء ثالث يقال له الإحسان، وهو مبلغ يفرّق عليهم. قال [وكلاهما «١» ] من السنة إلى السنة ليس لها قدر مضبوط ولا قدر مخصوص، بل

стр. 2349

على قدر ما يراه السلطان وبحسب أقدار الناس. ومقادير العطايا بينهم متفاوتة. قال: وكذلك القبائل ومزاويرهم على هذا النحو. قال ابن القويع: والجند الغرباء يتميزون في الأعطيات على الموحّدين. قال: وللعرب أهل البادية إقطاعات كثيرة، ومنهم من يخرج مع السلطان إذا استدعاهم السلطان للخروج معه. الجملة الثالثة عشرة (في لبس سلطان مملكة تونس، ولبس أشياخه، وسائر جنده، وعامّة أهل بلده) أما لبسه فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن سلطان زمانه بأفريقيّة: أن له عمامة ليست بمفرطة في الكبر، بحنك وعذبة صغيرة. وقال ابن سعيد: له عمامة كبيرة من صوف وكتّان فيها طراز من حرير. ولا يتعمّم أحد من أهل دولته قدرها في الكبر. وذكر أن عذبة عمامته تكون خلف أذنه اليسرى، وأنها مخصوصة به وباقاربه؛ وله جباب «٢» تليها، ولا يلبس هو ولا عامّة جنده وأشياخه خفّا إلا في السّفر. وغالب لبسه ولبس أكابر مشايخه من قماش عندهم يسمّى السّفساريّ، يعمل عندهم من حرير وقطن أو حرير وصوف رفيع جدّا، وقماش يعرف بالتّلمسانيّ يعمل بتلمسان: إما صوف خالص أو حرير خالص: مختّم وغير مختّم. قال ابن بنّون: والسلطان يمتاز بلبس الخزّ «٣» ، ولونه لون الخضرة

стр. 2350

والسّواد. قال: وهذا اللّون هو المسمّى بالجوزيّ، وبالغيار، وبالنّفطيّ. قال ابن سعيد: وهو ما يخرج من البحر بصفاقس. قال في «مسالك الأبصار» : وهو المسمّى بوبر السمك بمصر والشام يعني المعبّر عنه بصوف السمك المقدّم ذكره عند ذكر صفاقس من بلاد أفريقية. قال ابن سعيد: وهي أفخر ثياب السلطان بتونس ونقل في «مسالك الأبصار» عن ابن سعيد: أنه يلبس الثياب الصوف الرفيعة، ذوات الألوان البديعة، وأكثر ما يلبس المختم الممتزج من الحرير والصّوف، بكمين طويلين من غير كثرة طول، ضيقين من غير أن يكونا مزنّدين. وثيابه دون شدّ نطاق إلا أن يكون في الحرب فإنه يشدّ المنطقة، ويلبس الأقبية، وله طيلسان صوف في نهاية اللّطافة، كان يرتدي به ولا يضعه على رأسه. [وأما لبس الأشياخ والدواوين والوقافين والجند والقضاة والوزراء والكتاب وعامة الناس فعلى زيّ واحد، لا تكاد تتفاوت العمائم والجباب ولا يمتاز الأشياخ والوقافون والجند إلا بشيء واحد لا يكاد يظهر ولا يبين وهو صغر العمائم وضيق القماش، ولباس عامة أهل أفريقية من الجوخ ومن الثياب الصوف ومن الأقبية ومن الثياب القطن، فمن لبس غير هذا مما يجلب من طرائف الإسكندرية والعراق كان نادرا شاذّا] «١» . الجملة الرابعة عشرة (في شعار الملك بما يتعلق بهذا السلطان) نقل في «مسالك الأبصار» عن ابن القويع أن له علما أبيض يسمّى العلم المنصور، يحمل معه في المواكب، وذكر أن الأعلام التي تحمل معه في المواكب سبعة أعلام: الأوسط أبيض وإلى جانبه أحمر وأصفر وأخضر. قال: ولا
следующие страницы →