Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
اسمه (عمدسيون) ومعناه ركن صهيون. قال: وصهيون بيعة قديمة البناء بالإسكندرية معظّمة عندهم. قال: ويقال: إنه من الشجاعة على أوفر قسم، وإنه حسن السّيرة، عادل في رعيته. قال في «التعريف» : وقد بلغنا أن الملك القائم عليهم أسلم سرّا، واستمرّ على إظهار دين النصرانية إبقاء لملكه. فيحتمل أنه (عمدسيون) المقدّم ذكره، ويحتمل أنه غيره. قال في «التعريف» : ومدبّر دولته رجل يقرب إلى بني الأرشي الأطباء بدمشق. قال في «مسالك الأبصار» :
ومع ما هم عليه من سعة البلاد، وكثرة الخلق والأجناد، مفتقرون إلى العناية والملاحظة من صاحب مصر. لأن المطران الذي هو حاكم شريعتهم في جميع بلادهم من أهل النصرانية لا يقام إلا من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية، بحيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر للبطرك المذكور بإرسال مطران إليهم. وذلك بعد تقدّم سؤال ملك الحبشة الذي هو الحطّي وإرسال رسله وهداياه. قال: وهم يدّعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر، ويساعدون على إصلاح سلوكه تقرّبا لصاحب مصر.
وقد ذكر ابن العميد مؤرّخ النصارى في تاريخه: أنه لما توقف النيل في زمن المستنصر بالله «١» الفاطميّ، كان ذلك بسبب فساد مجاريه من بلادهم، وأنّ المستنصر أرسل البطرك الذي كان في زمانه إلى الحبشة حتّى أصلحوه واستقامت مجاريه. لكن قد تقدّم في الكلام على النيل عند ذكر مملكة الديار المصرية من هذه المقالة ما يخالف ذلك.
الجملة السادسة (في ترتيب مملكتهم)
قال في «مسالك الأبصار» : يقال إن الحطّي المذكور وجيشه لهم خيام
стр. 2522
ينقلونها معهم في الأسفار والتنزّهات، وإنه إذا جلس الملك يجلس على كرسيّ، ويجلس حول كرسيه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسيّ من حديد: منها ما هو مطعّم بالذهب، ومنها ما هو ساذج على قدر مراتبهم. قال: ويقال إن الملك مع نفاذ أمره فيهم يتثّبت في أحكامه. ولم يزد في ترتيب مملكتهم على ذلك.
ولملك الحبشة هذا مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، يأتي ذكرها في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
القسم الثاني (من بلاد الحبشة ما بيد مسلمي الحبشة)
وهي البلاد المقابلة لبرّ اليمن على أعالي بحر القلزم، وما يتصل به من بحر الهند، ويعبّر عنها «بالطّراز الإسلامي» لأنها على جانب البحر كالطّراز له. قال في «مسالك الأبصار» : وهي البلاد التي يقال لها بمصر والشام بلاد الزّيلع.
قال: والزّيلع إنما هي قرية من قراها، وجزيرة من جزائرها، غلب عليها اسمها.
قال الشيخ عبد المؤمن الزّيلعيّ الفقيه: وطولها برّا وبحرا خاصّا بها نحو شهرين، وعرضها يمتدّ أكثر من ذلك، لكن الغالب في عرضها أنه مقفر، أما مقدار العمارة فهو ثلاثة وأربعون يوما طولا، وأربعون يوما عرضا. قال في «مسالك الأبصار» :
وبيوتهم من طين وأحجار وأخشاب، مسقّفة بجملونات وقباب، وليست بذوات أسوار ولا لها فخامة بناء، ومع ذلك فلها الجوامع، والمساجد، وتقام بها الخطب والجمع والجماعات، وعند أهلها محافظة على الدّين، إلا أنه لا تعرف عندهم مدرسة، ولا خانقاه، ولا رباط، ولا زاوية. وهي بلاد شديدة الحرّ، وألوان أهلها إلى الصّفاء، وليست شعورهم في غاية التفلفل كما في أهل مالّي وما يليها من جنوب المغرب، وفطنهم أنبه من غيرهم من السّودان، وفطرهم أذكى، وفيهم الزّهّاد، والأبرار، والفقهاء والعلماء، ويتمذهبون بمذهب أبي حنيفة، خلا وفات «١» فإن ملكها وغالب أهلها شافعيّة.
стр. 2523
وتشتمل على ستّ جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من القواعد والأعمال)
مقتضى ما ذكره في «مسالك الأبصار» و «التعريف» أن هذه البلاد تشتمل على سبع قواعد، كلّ قاعدة منها مملكة مستقلّة بها ملك مستقل.
القاعدة الأولى (وفات)
قال في «تقويم البلدان» : بالواو المفتوحة والفاء ثم ألف وتاء مثناة فوق في الآخر، والعامّة تسميها (أوفات) . ويقال لها أيضا (جبرة) بفتح الجيم والباء الموحدة والراء المهملة ثم هاء في الآخر، والنسبة إلى جبرة جبرتيّ. وموقعها بين الإقليم الأوّل وخط الاستواء. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض ثمان درج. قال: وعن بعض المسافرين أنها من أكبر مدن الحبشة. وهي على نشز من الأرض، وعمارتها متفرّقة، ودار الملك فيها على تلّ والقلعة على تلّ، ولها واد فيه نهر صغير، وتمطر في الليل غالبا مطرا كثيرا، وبها قصب السّكّر. قال في «مسالك الأبصار» : وقال الشيخ عبد الله الزّيلعيّ: وطول مملكتها خمسة عشر يوما وعرضها عشرون يوما بالسير المعتاد.
قال: وكلّها عامرة آهلة بقرى متصلة، وهي أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلى السّواحل المسامتة لليمن، وهي أوسع الممالك السّبع أرضا، والإجلاب إليها أكثر لقربها من البلاد. قال في «مسالك الأبصار» : وعسكرها خمسة عشر ألفا من الفرسان، ويتبعهم عشرون ألفا فأكثر من الرّجّالة، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها عند ذكر أحوال سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومن مضافاتها (زيلع) . قال في «تقويم البلدان» : الظاهر أنها بفتح الزاي المعجمة وسكون الياء المثناة التحتية وفتح اللام ثم عين مهملة في الآخر.
стр. 2524
وهي فرضة من فرض هذه البلاد، وموقعها بين الإقليم الأوّل وخطّ الاستواء. قال في «القانون» : حيث الطول إحدى وستون درجة، والعرض ثمان درج. قال في «تقويم البلدان» : وهي في جهة الشرق عن (وفات) وبينهما نحو عشرين مرحلة. قال ابن سعيد: وهي مدينة مشهورة وأهلها مسلمون، وهي على ركن من البحر في وطاءة من الأرض. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعض من رآها أنها مدينة صغيرة نحو عيذاب في القدر، وهي على الساحل والتّجّار تنزل عندهم فيضيفونهم ويبتاعون لهم. قال ابن سعيد: وهي شديدة الحرّ وماؤها عذيبي من جفارات «١» وليس لهم بساتين، ولا يعرفون الفواكه. قال في «القانون» : وفيها مغاص لؤلؤ. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» أنها في مملكة صاحب أوفات.
وذكر في «تقويم البلدان» عن بعض من رآها أن فيها شيوخا يحكمون بين أهلها، وقال: إن بينها وبين عدن من اليمن في البحر ثلاث مجار، وهي عن عدن في جهة الغرب بميلة إلى الجنوب.
القاعدة الثانية (دوارو)
بفتح الدال المهملة وواو ثم ألف وراء مهملة وواو وهي مدينة ذكرها في «مسالك الأبصار» و «التعريف» . ولم يتعرّض لصفتها. وذكر في «مسالك الأبصار» : أنها تلي أوفات المقدّمة الذكر، وأن مملكتها طولها خمسة أيام، وعرضها يومان. ثم قال: وهي على هذا الضيّق ذات عسكر جمّ، نظير عسكر أوفات في الفارس والراجل. وسيأتي الكلام على تفصيل أحوالها مع أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 2525
القاعدة الثالثة (أرابيني)
وهي مدينة ذكرها في «المسالك» و «التعريف» أيضا، ولم يذكر شيئا من صفتها. ثم ذكر أن مملكتها مربّعة: طولها أربعة أيام، وعرضها كذلك، وعسكرها يقارب عشرة آلاف فارس. أما الرجّالة فكثيرة للغاية.
القاعدة الرابعة (هدية)
قال في «تقويم البلدان» : بالهاء والدال المهملة والياء المثناة التحتية ثم هاء في الآخر على ما ذكره بعض من رآها. وموقعها بين الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة وبين خطّ الاستواء. قال: والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض سبع درج. وذكر عن بعض المسافرين أنها جنوبيّ (وفات) . قال في «مسالك الأبصار» : وهي تلي أرابيني المقدّم ذكرها، وطول مملكتها ثمانية أيام، وعرضها تسعة أيام، وصاحبها أقوى إخوانه من ملوك هذه الممالك السبعة، وأكثر خيلا ورجالا، وأشدّ بأسا على ضيق بلاده عن مقدار أوفات. قال: ولملكها من العسكر نحو أربعين ألف فارس سوى الرّجّالة، فإنهم خلق كثير مثل الفرسان مرتين أو أكثر. قال في «تقويم البلدان» : ومنها تجلب الخدّام، وذكر أنهم يخصونهم بقرية قريبة منها. وذكر في «مسالك الأبصار» : أن الخدّام تجلب إليها من بلاد الكفّار. ثم حكى عن الحاج فرج الفوّي التاجر: أنه حدّثه أن ملك أمحرا يمنع من خصي العبيد وينكر ذلك ويشدّد فيه. وإنما السّرّاق تقصد بهم مدينة اسمها (وشلو) بفتح الواو والشين المعجمة واللام، أهلها همج لا دين عندهم فتخصى بها العبيد، لا يقدم على هذا في جميع بلاد الحبشة سواهم. قال: ولذلك التّجّار إذا اشتروا العبيد يخرجون بهم إلى (وشلو) فيخصونهم بها لأجل زيادة الثمن، ثم يحمل من خصي منهم إلى مدينة (هدية) لقربها من (وشلو) فتعاد عليهم الموسى مرة ثانية لينفتح مجرى البول لأنه يكون قد استدّ عند الخصي
стр. 2526
بالقيح، فيعالجون بهدية إلى أن يبرءوا، ولأن أهل (وشلو) وإن كان لهم معرفة بالخصي فليس لهم معرفة بالعلاج، بخلاف أهل هدية فإنهم قد درّبوا [على] ذلك وعرفوه. ثم قال: ومع هذا فالذي يموت منهم أكثر من الذي يعيش، وأضرّ ما عليهم حملهم بلا معالجة من مكان إلى مكان، فإنهم لو عولجوا في مكان خصيهم كان أرفق بهم.
القاعدة الخامسة (شرحا)
بفتح الشين المعجمة وسكون الراء المهملة وحاء ثم ألف.
وهي مدينة تلي (هدية) المقدّمة الذكر. ذكرها في «مسالك الأبصار» و «التعريف» ولم يصرّح لها بوصف. قال في «مسالك الأبصار» : وطول مملكتها ثلاثة أيام، وعرضها أربعة أيام. قال: وعسكرها ثلاثة آلاف فارس، ورجّالة مثل ذلك مرتين فأكثر، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها مع سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القاعدة السادسة (بالي)
بفتح الباء الموحدة وألف ثم لام وياء آخر الحروف.
وهي مدينة تلي شرحا المقدّمة الذكر ذكرها في «المسالك» و «التعريف» قال في المسالك: ولكنها أكثر خصبا، وأطيب سكنا، وأبرد هواء، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها مع سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القاعدة السابعة (دارة)
بفتح الدال المهملة وألف بعدها راء ثم هاء. وهي مدينة تلي (بالي) المقدّمة الذكر، ذكرها في «المسالك» و «التعريف» . قال في «المسالك» :
стр. 2527
وطولها ثلاثة أيام، وعرضها كذلك. وهي أضعف أخواتها حالا، وأقلها خيلا ورجالا. قال: وعسكرها لا يزيد على ألفي فارس، ورجّالة كذلك، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها في الكلام على سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة الثانية (في الموجود بهذه الممالك، على ما ذكره في «مسالك الأبصار» )
قد ذكر أنّ عندهم من المواشي الخيل العراب، والبغال، والحمير، والبقر، والغنم بكثرة. أما المعز فقليل عندهم. ومن الوحش: البقر، والحمر، والغزلان، والمها، والإيّل، والكركدّن، والفهد، والأسد، والضّبعة العرجاء، وتسمّى عندهم مرعفيف، وعندهم جواميس برّيّة تصاد كما تقدّم في إقليم مالّي. وعندهم من الطيور الدّواجن الدّجاج، ولكن لا رغبة لهم في أكله استقذارا له: لأكله القمامات والزّبالات، ودجاج الحبش يصيدونه ويأكلونه، وهو عندهم مستطاب.
وعندهم من الحبوب الحنطة، والشعير، والذّرة، والطّافي: وهو حبّ نحو الخردل أحمر اللون على ما تقدّم ذكره في الكلام على القسم الأوّل من بلاد الحبشة.
وعندهم الخردل أيضا. وعندهم من الفواكه العنب الأسود على قلّة، والموز، والرمّان الحامض، والتوت الأسود على قلّة فيه، والجمّيز بكثرة. وعندهم من المحمّضات: الأترجّ، واللّيمون، والقليل من النارنج. وعندهم تين برّي، وخوخ برّيّ، ولكنهم لا يأكلون الخوخ دون التين. وعندهم فواكه أخرى لا تعرف بمصر والشأم والعراق، منها شجر يسمى كشباد، ثمره أحمر على صفة البسر، وهو حلو ماويّ، وشجر يسمّى كوشى، ثمره مستدير كالبرقوق، ولونه أصفر خلوقيّ كالمشمش، وهو مزّماويّ، وشجر يسمّى طانة، ثمره أصغر من البسر، وفي وسطه شبه النّوى، وهو حلو صادق الحلاوة ونواه يؤكل معه لعدم صلابته. وشجر اسمه أوجاق- بفتح الواو والجيم- ثمره أكبر من حبّ الفلفل وطعمه شبيه به في الحرافة مع بعض حلاوة. وعندهم شجرجان المقدّم ذكره في القسم الأوّل من بلاد الحبشة، وهو الذي يؤكل عندهم للذّكاء والفطنة، ولكنه يقل النوم والنكاح على ما تقدّم ذكره هناك. وعندهم من أنواع المقاثيء البطّيخ الأخضر، والخيار، والقرع.
стр. 2528
ومن الخضروات اللّوبيا، والكرنب، والباذنجان، والشّمار، والصّعتر. أما الملوخيا فإنها تطلع عندهم برّية.
الجملة الثالثة (في معاملاتهم وأسعارهم)
أما معاملاتهم فعلى ثلاثة أنواع. منها ما هو بالأعراض مقايضة: تباع البقر بالغنم ونحو ذلك كما في القسم الأول من بلاد الحبشة. ومنها ما هو بالدّنانير والدراهم كمصر والشأم ونحوهما، وهو (وفات) وأعمالها خاصّة. قال في «مسالك الأبصار» : وليس بأوفات سكّة تضرب بل معاملاتهم بدنانير مصر ودراهمها الواصلة إليهم صحبة التّجّار. وذلك أنه لو ضرب أحد منهم سكّة في بلاده لم ترج في بلد غيره. ومنها ما هو بالحكنات، جمع حكنة- بفتح الحاء المهملة وضم الكاف والنون- كما ضبطه في «مسالك الأبصار» وهي قطع حديد في طول الإبرة، ولكنها أعرض منها بحيث تكون في عرض ثلاث إبر، يتعامل بها في سائر هذه البلاد سوى ما تقدّم ذكره. قال: وليس لهذه الحكنة عندهم سعر مضبوط بل تباع البقرة الجيدة بسبعة آلاف حكنة، والشاة الجيدة بثلاثة آلاف حكنة. وتكال غلّتهم بكيل اسمه الرابعيّة، بمقدار ويبة من الكيل المصريّ. وزنة أرطالهم اثنتا عشرة أوقية كل أوقية عشرة دراهم بصنجة مصر.
وأما الأسعار فكلّها رخيّة حتّى قال في «مسالك الأبصار» : إنه يباع بالدرهم الواحد عندهم من الحنطة بمقدار حمل بغل، والشعير لا قيمة له. وعلى هذا فقس.
الجملة الرابعة (في ملوكهم)
قد تقدّم في الكلام على القسم الأول من بلاد الحبشة أن الحطّي الذي هو سلطانهم الأكبر تحت يده تسعة وتسعون ملكا وهو لهم تمام المائة. وقد ذكر في
стр. 2529
«التعريف» : أن هذه السبعة من جملة التسعة والتسعين الذين هم تحت يده. قال في «مسالك الأبصار» : والملك منهم في بيوت محفوظة إلّا بالي اليوم، فإن الملك بها صار إلى رجل ليس من أهل بيت الملك، تقرّب إلى سلطان أمحرا حتّى ولّاه مملكة بالي فاستقلّ ملكا بها. على أنه قد وليها من أهل بيت الملك رجال أكفاء، ولكنّ الأرض لله يورثها من يشاء. قال: وجميع ملوك هذه الممالك وإن توارثوها لا يستقلّ منهم بملك إلا من أقامه سلطان أمحرا، وإذا مات منهم ملك ومن أهله رجال قصدوا جميعهم سلطان أمحرا، وتقرّبوا إليه جهد الطاقة، فيختار منهم رجلا يولّيه، فإذا ولّاه سمع البقيّة له وأطاعوا، فهم له كالنّواب، وأمرهم راجع إليه. ثم كلّهم متفقون على تعظيم صاحب أوفات، منقادون إليه. ثم قال: وهذه الممالك السبع ضعيفة البناء، قليلة الغناء، لضعف تركيب أهلها، وقلّة محصول بلادهم، وتسلّط الحطّي سلطان أمحرا عليهم، مع ما بينهم من عداوة الدّين، ومباينة ما بين النصارى والمسلمين. قال: وهم مع ذلك كلمتهم متفرّقة، وذات بينهم فاسدة.
ثم حكي عن الشيخ عبد الله الزّيلعيّ وغيره: أنه لو اتفقت هذه الملوك السبعة واجتمعت ذات بينهم، قدروا على مدافعة الحطّي أو التماسك معه، ولكنهم مع ما هم عليه من الضّعف وافتراق الكلمة بينهم تنافس. قال: وهم على ما هم عليه من الذّلّة والمسكنة للحطّي سلطان أمحرا عليهم قطائع مقرّرة، تحمل إليه في كل سنة من القماش الحرير والكتان، مما يجلب إليهم من مصر واليمن والعراق. ثم قال: قد كان الفقيه «عبد الله الزيلعيّ» قد سعى في الأبواب السلطانية بمصر عند وصول رسول سلطان أمحرا إلى مصر في تنجّز كتاب البطريرك إليه، بكف أذيّته عمّن في بلاده من المسلمين وعن أخذ حريمهم. وبرزت المراسيم السلطانية للبطريرك لكتابة ذلك، فكتب إليه عن نفسه كتابا بليغا شافيا، فيه معنى الإنكار لهذه الأفعال، وأنه حرّم هذا على من يفعله، بعبارات أجاد فيها، ثم قال:
وفي هذا دلالة على الحال.
قلت: وقد كتب في أوائل الدولة الظاهرية «برقوق» كتاب عن السلطان في معنى ذلك، وقرينه كتاب من البطريرك (متّى) بطريرك الإسكندرية يومئذ بمعناه.
стр. 2530
وتوجّه به إلى الحطّي سلطان الحبشة، «برهان الدين الدّمياطيّ» فذهب وعاد بالحباء من جهة الملك، لكن ذكر عنه أنه أتى أمورا هناك تقدح في عقيدة ديانته، والله أعلم بحقيقة ذلك. وستأتي الإشارة إلى المكاتبة إلى هؤلاء الملوك السبعة في المقالة الرابعة في الكلام على المكاتبات إن شاء الله تعالى.
الجملة الخامسة (في زيّ أهل هذه المملكة)
أما لبسهم، فإنه قد جرت عادتهم أن الملك يعصّب رأسه بعصابة من حرير، تدور بدائر رأسه، ويبقى وسط رأسه مكشوفا، والأمراء والجند يعصّبون رؤوسهم كذلك بعصائب من قطن، والفقهاء يلبسون العمائم، والعامّة يلبسون كوافي بيضا طاقيات، والسلطان والجند يتّزرون بثياب غير مخيطة: يشدّ وسطه بثوب، ويتّزر بآخر، ويلبسون مع ذلك سراويلات. ومن عداهم من الناس يقتصرون على شدّ الوسط والاتّزار خاصّة بلا لبس سراويل. وربما لبس القمصان منهم بعض الفقهاء وأرباب النّعم.
وأما ركوبهم الخيل، فإنهم يركبونها بغير سروج، بل يوطّا لهم على ظهورها بجلود مرعزّى حتّى ملوكهم.
وأما سلاحهم فغالبه الحراب والنّشّاب.
الجملة السادسة (في شعار الملك وترتيبه)
أما شعار الملك، فقد جرت عادتهم أن الملك إذا ركب تقدّم قدّامه الحجّاب والنّقباء لطرد الناس، ويضرب بالشّبّابة «١» أمامه، ويضرب معها ببوقات من خشب، في رؤوسها قرون مجوّفة، ويدقّ مع ذلك طبول معلّقة في أعناق
стр. 2531
الرجال تسمّى عندهم الوطواط. ويتقدّم أمام الكل بوق عظيم يسمّى الجنبا، وهو بوق ملويّ من قرن وحش عندهم من نوع بقر الوحش اسمه (عجرين) في طول ثلاثة أذرع، مجوّف يسمع على مسيرة نصف يوم، يعلم من سمعه ركوب الملك، فيبادر إلى الركوب معه من له عادة به.
وأما ترتيب الملك عندهم، فإن من عادتهم أن الملك يجلس على كرسيّ من حديد مطعّم بالذهب، علوّه أربعة أذرع من الأرض، ويجلس أكابر الأمراء حوله على كراسيّ أخفض من كرسيّه، وبقية الأمراء وقوف أمامه، ويحمل رجلان السلاح على رأسه. ويختصّ صاحب (وفات) بأنه إذا ركب حمل على رأسه جتر على عادة الملوك.
ثم إن كان الملك راكبا فرسا، كان حامل الجتر ماشيا بازائه والجتر بيده، وإن كان راكبا بغلا، كان حامل الجتر رديفه والجتر بيده على رأس الملك.
وبالجملة فإنه يعد من حشمة الملك أو الأمير عندهم أنه إذا كان راكبا بغلا أن يردف غلامه خلفه، بخلاف ما إذا كان راكبا فرسا فإنه لا يردف خلفه أحدا. ومما يعدّ ب (وفات) من حشمة الملك أو الأمير أنه إذا مشى يتوكّا على يدي رجلين.
وملوكهم تتصدّى للحكم بأنفسهم وإن كان عندهم القضاة والعلماء. وليس لأحد من الأمراء ولا سائر الجند إقطاعات على السلطان ولا نقود كما بمصر والشام، بل لهم الدوابّ السائمة. ومن شاء منهم زرع واستغلّ ولا يعارض في ذلك. وليس لأحد من ملوكهم سماط عامّ، بل إنما يمد سماطه له ولخاصّته، ولكنه يفرّق على أمرائة بقرا عوضا عن أمر أكلهم على السّماط. وأكثر ما يعطى الأمير الكبير منهم مائتا بقرة.
قلت: وأهمل المقرّ الشهابي بن فضل الله في «مسالك الأبصار» و «التعريف» عدّة بلاد من ممالك الحبشة المسلمين.
منها (جزيرة دهلك) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الدال المهملة وسكون الهاء ثم لام مفتوحة وكاف. وهي جزيرة في بحر القلزم، واقعة في الإقليم
стр. 2532
الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول إحدى وستون درجة، والعرض أربع عشرة درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي جزيرة مشهورة على طريق المسافرين في بحر عيذاب إلى اليمن. قال ابن سعيد: غربي مدينة (حلي) في بلاد اليمن، فطولها نحو مائتي ميل، وبينها وبين برّ اليمن نحو ثلاثين ميلا [وملك دهلك من الحبش المسلمين «١» ] وهو يداري صاحب اليمن.
ومنها (مدينة عوان) بفتح العين المهملة والواو وألف ثم نون. وهي مدينة على ساحل بحر القلزم مقابل (تهامة اليمن) حيث الطول ثمان وسبعون درجة، والعرض ثلاث عشرة درجة ونصف درجة. قال في «تقويم البلدان» : وإذا كان وقت الضحى ظهر منها (الجناح) وهو جبل عال في البحر.
ومنها (مدينة مقدشو) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال «٢» المهملة ثم شين معجمة وواو في الآخر كما نقله في «تقويم البلدان» عن ضبطه في «مزيل الارتياب» بالشكل. وموقعها بين الإقليم الأول من الأقاليم السبعة وخطّ الاستواء.
قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وسبعون درجة، والعرض درجتان. قال في «مزيل الارتياب» : وهي مدينة كبيرة بين الزّنج والحبشة. قال: وهي على [بحر] الهند، ولها نهر عظيم شبيه بنيل مصر في زيادته في الصيّف. قال: وقد ذكر أنه شقيق لنيل مصر في مخرجه من بحيرة كورا، ومصبّه ببحر الهند على القرب من مقدشو.
قلت: وقد أتى الحطّي ملك الحبشة النصارى على معظم هذه الممالك بعد الثمانمائة وخرّبها وقتل أهلها وحرّق ما بها من المصاحف وأكره الكثير منهم على الدخول في دين النصرانية، ولم يبق من ملوكها سوى ابن مسمار المقابلة بلاده
стр. 2533
لجزيرة دهلك تحت طاعة الحطّي ملك الحبشة وله عليه إتاوة مقرّرة، والسلطان سعد الدين صاحب زيلع وما معها وهو عاص له خارج عن طاعته بينه وبينه الحروب لا تنقطع، وللسلطان سعد الدين في كثير من الأوقات النصرة عليه والغلبة والله يؤيد بنصره من يشاء.
واعلم أن ما تقدّم ذكره من ممالك السودان هو المشهور منها، وإلا فوراء ذلك بلاد نائية الجوانب بعيدة المرمى منقطعة الأخبار.
منها (بلاد الزنج) . وهي بلاد شرقيّ الخليج البربريّ المقدّم ذكره في الكلام على البحار تقابل بلاد الحبشة من البر الآخر.
وقاعدتها (سفالة الزّنج) . قال في «تقويم البلدان» بالسين المهملة والفاء ثم ألف ولام وهاء في الآخر. وموقعها جنوبيّ خط الاستواء. قال في «القانون» : حيث الطول خمسون درجة، والعرض في الجنوب درجتان. قال في «القانون» : وأهلها مسلمون. قال ابن سعيد: وأكثر معايشهم من الذهب والحديد، ولباسهم جلود النّمور. وذكر المسعوديّ أن الخيل لا تعيش عندهم، وعسكرهم رجّالة، وربما قاتلوا على البقر.
ومنها (بلاد الهمج) جنوبيّ بلاد التّكرور. فقد ذكر ابن سعيد أنه خرج على أصناف السّودان طائفة منهم يقال لهم [الدّمادم] «١» يشبهون التتر، خرجوا في زمن خروجهم فأهلكوا ما جاورهم من البلدان. وذكر في «مسالك الأبصار» عن ابن أمير حاجب والي مصر عن منسا موسى ملك التّكرور أنهم كالتتر في تدوير وجوههم، وأنهم يركبون خيولا مشقّقة الأنوف كالأكاديش، وأن همج السودان عدد لا يستوعبهم الزمان وأن منهم قوما يأكلون لحم الناس.
стр. 2534
الفصل الرابع من الباب الرابع من المقالة الثانية في الجهة الشّمالية عن ممالك الدّيار المصرية ومضافاتها ،
(خلا ما تقدّم ذكره مما انضمّ إلى ممالك المشرق من شماليّ الشرق، نحو أرمينية، وأرّان، وأذربيجان، وشماليّ خراسان، وشماليّ مملكة توران: من خوارزم، وما وراء النهر، وبلاد الأزق، وبلاد القرم، وما والى ذلك وما انضم إلى ممالك المغرب من شماليّ الغرب، وهو الأندلس) وينقسم ذلك إلى قسمين:
القسم الأوّل (ما بيد المسلمين مما في شرقيّ الخليج القسطنطينيّ فيما بينه وبين أرمينية وهي البلاد المعروفة ببلاد الرّوم)
قال في «التعريف» : وتعرف الآن ببلاد الدّربندات. وقد سمّاها في «التعريف» و «مسالك الأبصار» بلاد الأتراك، وكانه يريد بالأتراك التّركمان، فإنهم هم الذين انضاف ملكها بعد ذلك إليهم، على ما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في «تقويم البلدان» أنه يحيط بهذه البلاد من جهة الغرب بحر الرّوم، وعامّة الخليج القسطنطيني، وبحر القرم. ومن جهة الجنوب بلاد الشام
стр. 2535
والجزيرة. ومن جهة الشرق أرمينية. ومن جهة الشّمال بلاد الكرج وبحر القرم.
وذكر في «التعريف» ما يخالف ذلك فقال: إنها منحصرة بين بحرى القرم والخليج القسطنطيني، تنتهي من شرقيها إلى بحر القرم المسمّى ببحر نيطش وما نيطش، وفي الغرب إلى الخليج القسطنطيني، وتنتهي متشاملة إلى القسطنطينيّة، وتنتهي جنوبا إلى بلاد لاون: وهي بلاد الأرمن يحدّها البحر الشاميّ. وبالجملة فإنها مفارقة ما يسامت شرقيها من بلاد الأرمن المضافة إلى بلاد الشام من ممالك الدّيار المصرية. والحاصل أن هذه البلاد مبتدؤها من الشرق مما يلي المغرب حدود أرمينية في شماليّ بلاد الجزيرة وما والاها من بلاد الأرمن المضافة الآن إلى مملكة حلب، وتأخذ في جهة الغرب إلى بحر الرّوم، فيصير البحر في جانبها من الجنوب ويمتدّ عليها حتّى يتصل بالخليج القسطنطينيّ، فيدور عليها الخليج وما يتصل به من بحر القرم من جهة الغرب ثم من جهة الشمال كالجزيرة ويحيط بها البحر من جميع جوانبها خلا جهة الشرق.
وقد كانت هذه البلاد في زمان الرّوم من مضافات القسطنطينيّة وأعمالها.
قال في «مسالك الأبصار» : وقد كانت هذه البلاد على عهد الرّوم محتكّ الأعنّة، ومشتبك الأسنّة، دار القياصرة، ومكسر الأكاسرة. ثم وصفها بأتمّ الأوصاف، فقال بعد أن ذكر أنها أثرى البلاد: صخورها تتفجّر ماء، وجوّها يسخّر أنواء، تعقد دون السماء سماء، فيخصب زرعها، ويخصم المحل ضرعها، ويخصف ورق الجنّة على الحدائق ثمرها وينعها، ويطرب ورقها منظرها البديع، ويحبّرها من صناعة صنعاء الرّبيع، فلا تسمع إلا كلّ مطربة تناجي النّجيّ، وتشجي الشّجيّ، وتخلب قلب الخليّ، وتهب الغواني ما في أطواقها من الحليّ، يعجب ثوبها السّندسيّ، ونباتها المتعلّق بذيل البهار بسجافها القندسيّ. فلا تجول في أرضها إلا على أرائك، ولا تنظر إلا نساء كالحور العين وولدانا كالملائك. ثم قال بعد كلام طويل: وهي شديدة البرد لا يوصف شتاؤها، إلا أن سكّانها تستعدّ للشّتاء بها قبل دخوله، وتحصّل ما تحتاج إليه، وتدّخره في بيوتها، وتستكثر من القديد والأدهان والخمور، فتأكل وتشرب مدّة أيام الشتاء، ولا تخرج من بيوتها، ولو أرادت ذلك
стр. 2536
لم تقدر عليه، حتّى تذوب الثّلوج. قال وهذه الأيام هي بلهنية «١» العيش عندهم.
وينحصر المقصود من ذلك في خمس جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من القواعد، وهي على ضربين)
الضرب الأول (القواعد المستقرّة بها الملوك والحكّام ممن يكاتب عن الأبواب السّلطانية بالديار المصرية)
فأما ما ذكره المقرّ الشهابيّ بن فضل الله من ذلك في «التعريف» و «مسالك الأبصار» ، فستّ عشرة قاعدة عبّر عنها في «مسالك الأبصار» : بممالك. ونحن نوردها على ما أوردها وإن كان قد أخلّ بها في الترتيب.
القاعدة الأولى- (كرميان)
بكسر الكاف وسكون الراء المهملة والميم وفتح المثناة تحت وألف ثم نون في الآخر. وهي مدينة في شرق هذه البلاد، متوسطة في المقدار، مبنيّة بالحجر، عليها سور دائر. وبها مساجد وأسواق وحمّامات، وبوسطها قلعة حصينة على جبل مرتفع، وخارجها أنهار تجري وبساتين ذات أشجار وفواكه متنوعة، وأراض مزدرعة.
القاعدة الثانية- (طنغزلو)
بضم الطاء المهملة وسكون النون وضم الغين المعجمة وسكون الزاي المعجمة وضم اللام وواو في الآخر. وهي مدينة متوسّطة في أوساط هذه البلاد، وبناؤها بالحجر، وليس لها سور. وبها المساجد والأسواق والحمامات. وخارجها أنهار تجري وبساتين محدّقة ذات فواكه وثمار.
القاعدة الثالثة- (توازا)
بضم التاء المثناة فوق وواو مفتوحة بعدها ألف ثم
стр. 2537
زاي معجمة وألف في الآخر وهي مدينة عظيمة. قال في «مسالك الأبصار» :
وهذه المملكة تقع شرقي كرميان محضا، وموقعها ما بين جنوبي بركى إلى قوله، وكرسيه توازا. قال: ولصاحبها أربع قلاع ونحو ستمائة قرية، وعساكره نحو أربعة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل. وقد عدّها في «مسالك الأبصار» من جملة مضافات كصطمونية الآتي ذكرها. وذكر أنه كان بها إذ ذاك أمير من قبل صاحبها اسمه (مراد بك) وذكر في «التعريف» أن اسمه أرينة.
القاعدة الرابعة- (حميدلي)
. قال في «مسالك الأبصار» وحميدلي اسم للإقليم، وقاعدته مدينة (بركو) وموقعها من قوله إلى قراصار. قال: ولصاحبها أيضا إقليم بلواج وإقليم قراغاج وإقليم اكرى دوز. قال: وهذه البلاد مدنها قليلة وقراها كثيرة، وبها خمس عشرة قلعة، وعسكر صاحبها خمسة عشر ألف فارس ومثلهم رجّالة وهي نهاية ما أخذ إلى الشمال وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها كان اسمه في زمانه دندار. قال: وهو أخو يونس صاحب أنطاليا»
، وحينئذ فتكون من مملكة بني الحميد.
القاعدة الخامسة- (قسطمونية)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح القاف وسكون السين وبالطاء المهملتين وضم الميم وسكون الواو وكسر النون وبالياء المثناة من تحت وهاء في الآخر، وربما أبدلوا القاف كافا، وعليه جرى في «التعريف» و «مسالك الأبصار» : وهي مدينة في شرقيّ هذه البلاد داخلة في حدودها، موقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول خمس وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض ستّ وأربعون درجة وثمان وأربعون دقيقة. قال: وهي قاعدة التّركمان، وتراكمتها يغزون (القسطنطينيّة) وهي شرقيّ (هرقلة) وفي الجنوب عن سنوب على ثلاث مراحل منها، وقيل
стр. 2538
خمس مراحل، وهي في الشرق عن أنكوريه على خمسة أيام منها. وقد أخبرني بعض أهل تلك النواحي أنها مدينة متوسطة المقدار، مبنية بالحجر، ذات مساجد وأسواق وحمّامات، وليس عليها سور، وخارجها أنهر وبساتين ذات فواكه. قال في «مسالك الأبصار» : وبها الأكاديش الرّوميّة الفائقة، المفضّل بعضها على كلّ سابق من الخيل العراب، ولها أنساب محفوظة عندهم كخيل العرب، يتغالى في أثمانها لا سيّما في بلادها، حتّى تبلغ قيمة الواحد منها ألف دينار فما فوقه، بل لا يستكثر فيها من يعرفها بذل مال. قال في «التعريف» :
وكانت آخر وقت (لسليمان باشاه) وكان أميرا كبيرا كثير العدد، موفور المدد ذا هيبة وتمنّع، ثم مات.
وورث ملكه ابنه (إبراهيم شاه) وكان عاقّا لأبيه، خارجا عن مراضيه، وكان في حياته ينفرد بمملكة سنوب. قال: وهي الآن داخلة في ملكه، منخرطة في سلكه، قال: وعسكره على ما يقال لنا ويبلغنا نحو ثلاثين ألف فارس.
القاعدة السادسة- (فاويا)
. قال في «مسالك الأبصار» : ومملكتها تجاور سمسون من غربيها. قال: ولصاحبها عشر مدن ومثلها قلاع، وعسكره نحو سبعة آلاف فارس، أما الرجّالة فكثير عددهم ودرهمها نصف درهم فضة خالصة، ورطلها ستة عشر رطلا بالمصري، ومدّها نحو إردب «١» بالمصري، وأسعارها رخيّة وقد ذكر في «التعريف» : أن اسم صاحبها في زمانه (مراد الدين حمزة) قال: وهو ملك مضعوف، ورجل بمجالس أنسه مشغوف.
القاعدة السابعة- (برسا)
بضم الباء الموحدة وسكون الراء وفتح السين المهملتين وألف في الآخر. وربما أبدلت السين صادا مهملة. والموجود في «التعريف» و «مسالك الأبصار» وغيرهما إثبات السين دون الصاد. وهي مدينة كبيرة في شماليّ هذه البلاد، مبنية بالطّوب والحجر، وسقوفها من الخشب،
стр. 2539
وغالبها جملونات، وبها مساجد وأسواق وحمّامات، وبعض حمّاماتها من أعين حارّة تنبع من الأرض كذلك كما في طبريّة بالشام، ولها سور عظيم، وبوسطها قلعة شاهقة مرتفعة البناء بها سكن سلطانها، وفيها قصور عظيمة متعدّدة وجامع وثلاث حمّامات.
وخارج ربض المدينة نهران:
أحدهما- يسمّى (ككدرا) بضم الكاف الأولى وسكون الثانية وفتح الدال والراء المهملتين وألف في الآخر، ومعناه واد أزرق، سمّي بذلك لأنه يخرج من جبل أزرق، وتقطع منه الحجارة بشدّة جريه، فتجري منه بجريان الماء فيأخذها من عليه من أهل تلك النواحي فيعمّر بها، ومعظم عمارة برسا منها.
والنهر الثاني- يسمّى (منرباشي) في قدر الفرات، يشقّ المدينة ويمرّ في جامعها، وبها جبل عظيم اسمه (كمش) به معدن فضّة سمّي باسم الفضّة.
وبرسا هذه هي مقرّ مملكة أولاد (عثمان جق) الذين هم الآن رؤوس ملوكها. وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان أرخان بن عثمان، وذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان: أن عسكره نحو خمسة وعشرين ألفا، وأن بينه وبين صاحب القسطنطينيّة الحروب، وأيّامها بينهم تارات، له في غالبها على صاحب القسطنطينيّة الغلب، وملك الروم يداريه، على مال، يحمله إليه في كلّ هلال. قال: ولقد جاز الجزيرة إلى بلاد النصارى وعاث في نواحيها، وشدّ على بطارقتها لا على فلّاحيها، وألقى علوجها بحيث تعتلج سيول الدماء، وتختلج سيوف النصر من الأعداء، وسيأتي ذكر ما انتهى إليه فتحه من برّ القسطنطينيّة بعد هذا في الكلام على ملوك هذه المملكة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القاعدة الثامنة- (أكيرا)
. قال في «مسالك الأبصار» : وهي تجاور مملكة برسا آخذة إلى الشمال وجبل القسيس جنوبيها وسنوب شماليها وهي طريق من طرق سنوب وقلاعها وعساكرها كثيرة. ومنها يخرج الحرير الكثير واللاذن إلى
стр. 2540
غيرها من البلاد، ورطلها ثمانية أرطال بالمصري، ومدّها نحو إردب ونصف وأسعارها رخية وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان (صارو خان ابن قراسي) ولم يبيّن من أيّ طوائف التّركمان هو.
القاعدة التاسعة- (مرمرا)
بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الميم الثانية والراء المهملة الثانية وألف في الآخر. وهي مدينة في شماليّ هذه البلاد، بها جبل فيه مقطع رخام. قال في «الروض المعطار» : والروم تسمّي الرخام مرمرا، فسميت بذلك. وذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (بخشى بن قراسي) ولم يبين من أيّ طوائف التّركمان هو. وقد أخبرني بعض أهل تلك البلاد أنها قد خربت ودثرت، ولم يبق بها عمارة.
القاعدة العاشرة- (مغنيسيا)
بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وكسر النون وسكون الياء المثناة تحت وكسر السين المهملة وفتح الياء الثانية وألف في الآخر. وهي مدينة في أوساط هذه البلاد، متوسّطة في المقدار، مبنية بالحجر، وعليها سور دائر، وبها مساجد وأسواق وحمامات وبساتين ومروج. وقد ذكر في «التعريف» : أنه كان اسم صاحبها في زمانه (صارو خان) ولم يزد على ذلك.
القاعدة الحادية عشرة- (نيف)
بكسر النون وسكون الياء المثناة تحت وفاء في الآخر. وهي مدينة لطيفة بأوساط هذه البلاد، بالقرب من (مغنيسيا) المقدّم ذكرها على نحو مرحلتين منها. وهي مبنيّة بالحجر، وبها المساجد والأسواق والحمّامات وخارجها الأنهار والزّروع والبساتين المختلفة الفواكه.
القاعدة الثانية عشرة- (بركي)
بفتح الباء الموحدة وكسر الراء المهملة وكسر الكاف وياء مثناة تحت في الآخر. وهي مدينة متوسطة القدر على القرب من نيف المقدّم ذكرها على نحو مرحلتين منها، وبها المساجد والأسواق والحمّامات والمياه والبساتين والزروع.
القاعدة الثالثة عشرة- (فوكه)
. وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (أرخان بن منتشا) واقتصر على ذلك.
стр. 2541
القاعدة الرابعة عشرة- (أنطاليا)
«١» قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الطاء المهملة وألف ولام مكسورة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول أربع وخمسون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة، والعرض إحدى وأربعون درجة وأربعون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي بلدة مشهورة. وقال ابن حوقل: هي حصن [للروم على شطّ البحر منيع واسع الرّستاق كثير الأهل «٢» ] . قال في «تقويم البلدان» : وهي على دخلة في البحر، وسورها من حجر في غاية الحصانة، ولها بابان: باب إلى البحر، وباب إلى البر. وأخبرني من رآها أنها ذات أشجار وبساتين ومياه تجري. وبها قلعة حصينة بوسطها، وبها نهر يعرف بالصّبّاب، قال في «تقويم البلدان» : وهي كثيرة المحمضات: من الأترجّ، والنارنج، والليمون، وما أشبه ذلك. قال ابن سعيد: وكانت للروم فاستولى عليها المسلمون في عصرنا. قال: وبها أسطول صاحب الدّروب، وميناها غير مأمونة في الأنواء «٣» قال في «تقويم البلدان» : وكان الحاكم بها شخصا من أهل تلك البلاد فخرج منها إلى بعض جهاتها، فكبسها التّركمان وملكوها ثم أمسكوه فقتلوه.
قال: وصاحبها في زماننا واحد من بني الحميد ملوك التّركمان. وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (خضر بن يونس) . وذكر في «مسالك الأبصار» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (خضر بن دندار) من أولاد (منتشا) . وقال: إن عسكره نحو أربعين ألف فارس. ثم قال: إن لبني دندار هؤلاء إلى ملوك مصر انتماء وكان بمصر منهم من له إمرة ثم عاد إلى بلاده.
القاعدة الخامسة عشرة- (قراصار)
بفتح القاف والراء المهملة وألف ثم صاد مهملة مفتوحة بعدها ألف ثم راء مهملة في الآخر. وتعرف بقراصار التّكا بفتح
стр. 2542
التاء المثناة فوق. وهي قلعة على جبل مرتفع يحفّ بها ربض بأعلى الجبل، وحول الرّبض في الجبل زراعاتهم وبساتينهم. وقد ذكر في «التعريف» : أن اسم صاحبها في زمانه (زكريا) ولم يزد على ذلك. وهي غير مدينة قراصار الصاحب. وهي مدينة لطيفة بأوساط بلاد الروم في الغرب عن قراصار هذه وفي الشمال عن أنطاليا.
القاعدة السادسة عشرة- (أرمناك)
بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وكسر الميم وفتح النون وألف ثم كاف في الآخر. وهي مدينة في مشارق الروم، مبنيّة بالحجر غير مسوّرة، وبها مساجد وأسواق وحمّامات، وبها بساتين كثيرة وفواكه جمّة إلا أنها شديدة البرد. وقد ذكر في «التعريف» : أنها بيد أولاد قرمان.
وذكر في «مسالك الأبصار» : أن المملكة كانت بيد (محمد بن قرمان) . وذكر في «التثقيف» : أن آخر من استقرّ بها في شوّال سنة سبع وستين وسبعمائة، (علاء الدّين على بك) بن قرمان.
وأما ما زاد ذكره في «التثقيف» : فخمس قواعد:
القاعدة الأولى- (العلايا) بفتح العين المهملة واللام وألف بعدها ثم ياء مثناة تحت وألف في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول اثنتان وخمسون درجة، والعرض تسع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. قال: وهي بلدة محدثة أنشأها (علاء الدّين عليّ) بعض ملوك بني سلجوق بالروم فنسبت إليه. وقيل لها (العلائيّة) على النسب، ثم خفّفها الناس، فقالوا: (العلايا) ثم قال: والذي تحقّق عندي من جماعة قدموا منها أنها بليدة صغيرة أصغر من أنطاليا على دخلة في بحر الروم.
وهي من فرض تلك البلاد. وذكر أنها في الجنوب عن أنطاليا على مسيرة يومين، وعليها سور دائر، وأنها كثيرة المياه والبساتين. وقد ذكر في «التثقيف» : أن الحاكم بها في زمانه كان اسمه (حسام الدين محمود) بن علاء الدين. وقال: إنه كتب إليه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية في شوّال سنة سبع وستين
стр. 2543
وسبعمائة، ولم يبيّن من أيّ طوائف التّركمان هو. وذكر في «مسالك الأبصار» :
أنها في ساحل بلاد بني قرمان، وأن الحاكم بها من قبلهم حينئذ كان اسمه (يوسف) .
القاعدة الثانية- (بلاط) بفتح الباء الموحدة واللام وألف ثم طاء مهملة في الآخر. وهي بلدة بأوساط الروم على نحو ثمان مراحل من برسا، وهي مدينة صغيرة، بغير سور، وبها قلعة خراب كانت مبنيّة بالرّخام، وبها مساجد وأسواق وأربع حمّامات. ذكر لي بعض أهل تلك البلاد أنها بيد أولاد (منتشا) من ملوك التّركمان.
القاعدة الثالثة- (أكردور) بفتح الهمزة والكاف وسكون الراء وضم الدال المهملتين وسكون الواو وراء مهملة في الآخر. قال في «التثقيف» : ويقال أكردون بالنون بدل الراء الأخيرة. وهي بلدة غير مسوّرة بها قلعة عظيمة على جبل شاهق، وبها مساجد وأسواق وحمّامات، إلا أنّ بساتينها قليلة، وبها برج عظيم.
القاعدة الرابعة- (أياس لوق) بفتح الهمزة والياء المثناة تحت وألف ثم سين مهملة ساكنة ولام مضمومة بعدها واو ساكنة ثم قاف في الآخر. وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر الروميّ، بها المساجد والأسواق والحمّامات، وبها أعين وأنهار تجري وبساتين ذات فواكه. وقد أخبرني بعض أهل تلك البلاد أنها في ملك بني أيدين.
القاعدة الخامسة- (سنوب) . قال في «تقويم البلدان» : بالسين المهملة والنون والواو وباء موحدة في الآخر ولم يقيّدها بالضبط وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض ستّ وأربعون درجة وأربعون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي فرضة مشهورة (يعني على بحر القرم) . ثم قال: وهي في الشّمال عن كسطمونية وفي الغرب عن سامسون. قال: وعن بعض الثّقات أن بسنوب سورا حصينا، يضرب البحر في بعض أبراجه. ولها بساتين كثيرة إلى الغاية، وبينها.
стр. 2544
وبين سامسون نحو أربع مراحل. ثم قال: وصاحب سنوب في زماننا من ولد البرواناه، وله شوان يغزو بها في البحر ولا يكاد أن ينقهر. وذكر في «مسالك الأبصار» : أنها من مضافات كسطمونية المقدّم ذكرها، وأنه كان بها في زمانه نائب من جهة (إبراهيم بن سليمان باشاه) صاحب كسطمونية اسمه غازي چلبي.
وقال في «التثقيف» : يقال إن بها إبراهيم بك بن سليمان باشاه، فإن كان يريد الذي كان في زمن صاحب «مسالك الأبصار» : بكسطمونية، فقد أبعد المرمى. وإن كان آخر بعده كان سمّي باسمه، فيحتمل أنه في «التعريف» قد ذكر صاحبها في جملة ملوك الكفر وكأن ذلك كان قبل أن تفتح.
الضرب الثاني (من هذه البلاد ما لم يسبق إلى صاحبه مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ممن هو بصدد أن تطرأ له مكاتبة، فيحتاج إلى معرفته)
وهي عدّة قواعد:
منها (سيواس) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الواو ثم ألف وسين مهملة في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» حيث الطول إحدى وسبعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربعون درجة وعشر دقائق. قال ابن سعيد: وهي من أمّهات البلاد مشهورة على ألسنة التّجّار، وهي في بسيط من الأرض. قال في «تقويم البلدان» : وهي بلدة كبيرة مسوّرة، وبها قلعة صغيرة ذات أعين، والشجر بها قليل، ونهرها الكبير بعيد عنها بمقدار نصف فرسخ.
قال: ويقول المسافرون: إن فيها [أربعا] «١» وعشرين خانا للسبيل، وهي شديدة البرد، وبينها وبين قيساريّة ستون ميلا، وكانت سيواس هذه قد غلب عليها في
стр. 2545
الأيام الظاهرية «برقوق» صاحب الديار المصرية قاضيها (القاضي إبراهيم) وملكها.
ومنها (أماسية) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة والميم وألف وكسر السين المهملة ثم ياء مثناة تحتية مفتوحة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال في «رسم المعمور» : حيث الطول سبع وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض خمس وأربعون درجة. قال في «تقويم البلدان» : ذكر بعض من رآها أنها بلدة كبيرة ذات سور وقلعة، وفيها بساتين ونهر كبير عليه نواعير يمرّ عليها ثم يصبّ في بحر سنوب يعني بحر القرم. قال ابن سعيد: وهي من مدن الحكماء، وهي مشهورة بالحسن وكثرة المياه والبساتين والكروم، وهي في الشرق عن سنوب وبينهما ستة أيام، ثم قال: وذكر بعض من رآها أن بها معدن فضّة.
ومنها (هرقلة) قال في «تقويم البلدان» : بكسر الهاء وفتح الراء المهملة وسكون القاف وفتح اللام ثم هاء في الآخر. وموقعها في الإقليم السابع من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وخمسون درجة وعشرون دقيقة، والعرض إحدى وأربعون درجة وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي في شرقيّ نهر ينزل من جبل العلايا إلى نحو سنوب وهرقلة عليه في قرب البحر. قال: وهي التي هدمها الرشيد. قال: وفي شرقيها جبل الكهف.
وقد حكى ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» عن بعضهم أنه سار إلى هذا الكهف ودخل بمساعدة صاحب الروم فوجد به أمواتا برواق في كهف في جبل عليهم مسوح قد طال عليها الزمن حتّى صارت تنفرك باليد، وقد طليت أجسادهم بالمرّ والصّبر فلم يبلوا، ولصقت جلودهم بعظامهم، وجفّت، وعندهم سادن يخدمهم، وأنه أنكر أن يكون أولئك هم أهل الكهف المذكورون في القرآن، للاختلاف في محلّ الكهف هل هو في هذه البلاد أو غيرها.
ومنها (أقسرا) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون القاف
стр. 2546
وفتح السين والراء المهملتين وألف في الآخر، وربّما أبدلت السين صادا مهملة.
قال: ويقال إن أصلها (أخ سرا) يعني بالخاء المعجمة بدل القاف. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول خمس وسبعون درجة، والعرض أربعون درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة ذات أشجار وفواكه، ولها نهر كبير ينجرّ وسط البلد ويدخل الماء منه بعض بيوتها، ولها قلعة حصينة في وسطها. قال ابن سعيد، وبها تعمل البسط الأقصريّة الفائقة، ومنها إلى قونية ثمانية وأربعون فرسخا، وكذلك بينها وبين قيساريّة.
ومنها (قيساريّة) . قال في «اللباب» : بفتح القاف وسكون المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وألف ثم راء مهملة وياء مثناة تحتية مفتوحة مشدّدة وهاء في الآخر قال في «تقويم البلدان» : وتقال بالصاد المهملة بدل السين. قال ابن سعيد: وهي منسوبة إلى قيسر، وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة.
قال في «الأطوال» : حيث الطول ستون درجة والعرض أربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي مدينة جليلة يحلّها سلطان البلاد. قال في «تقويم البلدان» وهي بلدة كبيرة ذات أشجار وبساتين وفواكه وعيون تدخل إليها. وداخلها قلعة حصينة وبها دار للسلطنة.
وقيساريّة هذه كان بها تخت السلطنة لبني سلجوق بهذه البلاد. ولما ملك التتر هذه البلاد بقوا بقاياهم في الملك إلى أن دخلها السلطان الملك (الظاهر «١» بيبرس) صاحب الديار المصرية، وجلس على تخت آل سلجوق بها، ثم عاد إلى الديار المصرية فزال ملك السّلجوقيّة منها من حينئذ، على ما سيأتي ذكره في الكلام على ملوك هذه البلاد.
стр. 2547
ومنها (قونية) . قال في «تقويم البلدان» : بضم القاف وسكون الواو وكسر النون وبعدها ياء مثناة من تحت مفتوحة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول ستّ وخمسون درجة، والعرض تسع وثلاثون درجة. قال ابن سعيد: وهي مدينة مشهورة، وبها دار للسلطنة، والجبال مطيفة بها من كل جانب، وتبعد عنها من جهة الشمال.
وينزل من الجبل الجنوبيّ منها نهر يدخل إليها من غربيّها؛ وبها البساتين من جهة الجبل على نحو ستة فراسخ، ونهرها يسقي بساتينها، ثم يصير بحيرة ومروجا، وبها الفواكه الكثيرة، وفيها يوجد المشمش المعروف بقمر الدّين، وهي ثاني قاعدة مملكة السّلجوقيّة ببلاد الروم، كان الملك ينتقل منها إلى قيساريّة، ومن قيساريّة إليها. قال ابن سعيد [وبقلعتها تربة] «١» أفلاطون الحكيم.
ومنها (أق شهر) بفتح الهمزة ثم قاف ساكنة وشين معجمة مفتوحة وهاء ساكنة وراء مهملة في الآخر، كما في «تقويم البلدان» : عمّن يوثق به من أهل المعرفة، وربما أبدلوا الهاء ألفا فقالوا (أقشار) . وفي كتاب «الأطوال» : (أخ شهر) بإبدال القاف خاء معجمة. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة، قال في «الأطوال» : حيث الطول خمس وخمسون درجة، والعرض إحدى وأربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي من أنزه البلدان، وبها بساتين كثيرة وفواكه مفضّلة.
قال في «تقويم البلدان» : وأخبرني من رآها أنها على ثلاثة أيام من قونية شمالا بغرب.
ومنها (عمّورية) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح العين المهملة وميم مشدّدة مضمومة وواو ساكنة وراء مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مفتوحة وهاء في الآخر. قال: وهي بلدة كبيرة، ولها قلعة داخلها حصينة، وأكثر ساكنيها التركمان وبها بساتين قليلة، ولها نهر وأعين جارية، وهي التي فتحها «المعتصم
стр. 2548
ابن الرشيد» «١» ، أحد خلفاء بني العبّاس، وكان المنجّمون قد زعموا أنها لا تفتح إلا في زمان التّين والعنب، فلما فتحها أنشده أبو تمّام قصيدته التي أوّلها: (بسيط) .
السّيف أصدق إنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب «٢» !
ومنها (أنكورية) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون النون وضم الكاف وسكون الواو وكسر الراء المهملة ثم ياء مثناة تحتية مكسورة وهاء في الآخر. ويقال لها (أنقرة) أيضا بفتح الهمزة وسكون النون ثم قاف وراء مهملة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول أربع وخمسون درجة، والعرض إحدى وأربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي بلدة لها قلعة على تلّ عال، وهي بين الجبال، وليس بها بساتين ولا ماء، وشرب أهلها من الآبار، وهي عن قسطمونية في جهة الغرب على خمسة أيام.
ومنها (فلك بار) . قال في «تقويم البلدان» : الفلك معروف، وبار بباء موحدة وألف وراء مهملة في آخرها. قال: وهي مدينة أنشأها ملك من ملوك بني الحميد اسمه (فلك الدين) وهي في مستو من الأرض في وسط الجبال على قريب من منتصف الطريق بين قونية والعلايا، في الغرب من قونية على مسيرة خمسة أيام، وهي في الشرق عن أنطاليا على مسيرة خمسة أيام. قال: وليس في تلك الجبال الآن مدينة أكبر منها، وقد صارت قاعدة لبني الحميد: ملوك التّركمان بتلك الناحية.
ومنها (لارندة) . قال في «تقويم البلدان» : بلام وألف وراء مهملة مفتوحة ونون ساكنة ثم دال مهملة وهاء في الآخر. قال: وهي قريبة من قونية على
стр. 2549
مسافة يوم من الشرق والشمال، حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض أربعون درجة وثلاثون دقيقة.
وقد تقدّم في الكلام على مملكة الشام من مضافات الديار المصرية أن مدينة ملطية دخلت في مملكة مصر ومضافاتها فصارت في معاملة حلب.
واعلم أنه قد تقدّم أن خليج القسطنطينيّة وما اتصل به من بحر نيطش- المعروف ببحر القرم- يطيف بهذه البلاد من غربيّها وشماليها، وعلى ساحل هذا البحر عدّة فرض منتظمة في سلك هذه البلاد قد ذكرها في «تقويم البلدان» في الكلام على مملكة أرمينية وما معها، وأشار إليها في الكلام على هذا البحر عند ذكره له في جملة البحار على ما تقدّمت الإشارة إليه في الكلام على البحار في أوّل هذه المقالة، غالبها في مملكة ابن عثمان صاحب برسا.
أوّلها (الجرون) . وهي قلعة خراب عند فم الخليج القسطنطيني من الجهة الشّمالية مقابل القسطنطينيّة، حيث الطول خمسون درجة، والعرض خمس وأربعون درجة وعشر دقائق.
ويليها من جهة الشّمال بميلة إلى الشرق مدينة اسمها (كربي) بكاف وراء مهملة ثم باء موحدة وياء مثناة تحت في الآخر.
ويليها في الشرق مدينة اسمها (بنتر) بباء موحدة ونون وتاء مثناة فوق وراء مهملة.
ويليها في الشرق والشّمال بلدة اسمها (سامصرى) بسين مهملة وألف ثم ميم وصاد وراء مهملتين وألف في الآخر.
ويليها في الشرق أيضا مدينة اسمها (كترو) بكاف وتاء مثناة من فوق ثم راء وواو في الآخر وهي آخر أعمال قسطنطينيّة.
ويليها في الشرق مدينة اسمها (كينولي) بكسر الكاف وسكون المثناة التحتية وضم النون وسكون الواو وكسر اللام وياء مثنّاة من تحت في الآخر.
стр. 2550
ويليها في جهة الغرب (فرضة سنوب) المقدّم ذكرها في الكلام على ما زاده في «التثقيف» .
ويليها من جهة الشرق مدينة (سامسون) المقدّم ذكرها في الكلام على الضرب الثاني من هذه البلاد.
ويليها في جهة الشرق أيضا مدينة (أطرابزون) بألف وطاء وراء مهملتين وباء موحدة بعدها زاي معجمة ثم واو ونون. وهي آخر مدن هذه البلاد على الساحل، ومنها ينتهى إلى ساحل بلاد الكرج على ما تقدّم الكلام عليه في الكلام على بحر نيطش.
الجملة الثانية (في ذكر الموجود بهذه البلاد)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان الرّومي: أن بها من المواشي الخيل، والبقر، والغنم ما لا يقع عليه عدد ولا يدخل تحت الإحصاء، ونتاج بلادهم من الخيل هي البراذين الرّوميّة الفائقة. وقد تقدّم الكلام على القسطمونيات منها في الكلام على قسطمونية، وتجلب إليهم العربيّات من بلاد الشأم وغيرها، وأكثر مواشيهم نتاجا الغنم. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مما يبسط فرش الأرض [منها] . قال: ومنها المعز المرعزّى، ذوات الأوبار المضاهية لأنعم الحرير. ثم قال: وغالب قنية أهل الشام وديار بكر والعراق وبلاد العجم وذبائحهم مما يفضل عنها ويجلب إليها منها، وهي أطيب أغنام البلاد لحما، وأشهاها شحما، ويترتب على ذلك في كثرة الوجود الألبان وما يتحصّل عنها من السمن والجبن وغير ذلك. وبها من الحبوب القمح، والشعير، والباقلّا ونحوها، ويزرع بها الكتّان، والقطن الكثير، وبها من الفواكه كلّ ما يوجد بمصر والشأم من التّفّاح، والسّفرجل، والكمّثرى، والقراصيا، والإجّاص، والرمّان: الحلو والمزّ والحامض، وغير ذلك. أما المحمضات فلا توجد إلا ببلاد السواحل من بلادهم على ما تقدّم ذكره، والموز والنّخيل لا يوجد ببلادهم؛ وبها من العسل ما يضاهي
стр. 2551
الثلج بياضا والسّكّر لذاذة وطعما، لا حدّة فيه ولا إفراط حلاوة توقف الأكل عنه، إلى غير ذلك من الأشياء التي يطول ذكرها. وقد تقدّم أنّ بها معدن فضة بمدينة برسا، ومعدن فضة بأماسية.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان أن بها ثلاثة معادن فضّة مستمرّة العمل: معدن بمدينة ركوة، ومعدن بمدينة كش، ومعدن بأراضي مدينة تاخرت.
الجملة الثالثة (في معاملاتها وأسعارها)
أما معاملاتها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان أن لملوك التّركمان هؤلاء نقودا ولكن لا يروج نقد واحد منهم في بلاد الآخر. قال:
ودرهمهم في الغالب تقدير نصف وربع درهم من نقد مصر، وأرطالهم مختلفة، وأكثرها بالتقريب زنة اثني عشر رطلا بالمصريّ، وأقلّها ثمانية أرطال، وكيلهم الذي تباع به الغلّات يسمّى الوط تقدير إردبّ ونصف بالمصريّ.
وأما أسعارها، فقد ذكر أنها رخيّة رخيصة الأسعار للغاية لقلّة المكوس وكثرة المراعي واتّساع أسباب التجارة واكتناف البحر لها من كل جانب بحيث يحمل إليها على ظهره كلّ شيء مما لا يوجد فيها. قال: وقيمة الغلّات بها دون قيمتها بمصر والشام أو مثلهما في الغالب. والأغنام في غاية الرّخص، حتّى إن الرأس الغنم الجيّد لا يجاوز اثني عشر درهما من دراهمهم، يكون بنحو تسعة دراهم من دراهم مصر إلى ما دون ذلك، ويترتب على ذلك رخص اللحم. أما اللبن وما يعمل منه فإنه لا يكاد يوجد من يشتريه: لاستغناء كلّ أحد بما عنده من لبن مواشيه، لا سيما في زمن الربيع. قال: والعسل لا يتجاوز الرطل منه ثلاثة دراهم برطلهم ودرهمهم، وهو (ذلك الرطل الكبير والدرهم الصغير) والفواكه في أوانها في حكم اللبن وما في معناه في زمن الربيع، في عدم وجود من يشتريه. ثم قال:
وبالجملة فبلاد الروم إذا غلت وأقحطت كانت كسعر الشام إذا أقبل وأرخص.
стр. 2552
الجملة الرابعة (في ذكر من ملك هذه البلاد)
قد ذكر ابن سعيد: أن هذه البلاد كانت بيد اليونان، وهم بنو يونان بن علجان بن يافث بن نوح ﵇ من جملة ما بيدهم قبل أن يغلب عليهم الرّوم، ثم غلب عليها الرّوم بعد ذلك فيما غلبوهم عليه، واستمرت بأيديهم في مملكة صاحب القسطنطينيّة على ما سيأتي ذكره في الكلام على مملكة القسطنطينيّة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وكان كلّ من ملك هذه البلاد التي شرقيّ الخليج القسطنطيني يسمّى (الدّمستق) بضم الدال المهملة وفتح الميم وسكون السين المهملة والتاء المثناة فوق وقاف في الآخر، وله ذكر في حروب الإسلام. قال في «العبر» : وكان ثغور المسلمين حينئذ من جهة الشام (ملطية) ومن جهة أذربيجان (أرمينية) إلى أن دخل بعض قرابة (طغرلبك) أحد ملوك السّلجوقيّة في عسكر إلى بلاد الروم هذه فلم يظفروا منها بشيء.
ثم دخلها بعد ذلك (مماني) أحد أمرائهم بعد الثلاثين وأربعمائة، ففتح وغنم وانتهى في بلادهم حتّى صار من القسطنطينيّة على خمس عشرة مرحلة، وبلغ سبيه مائة ألف رأس، والغنائم عشرة آلاف عجلة، والظّهر ما لا يحصى.
ثم فتح (قطلمش) بن إسرائيل بن سلجوق قونية، وأقصرا، وأعمالهما، ثم وقعت الفتنة بين قطلمش وبين (ألب أرسلان) السّلجوقيّ بعد طغرلبك، وقتل قطلمش في حربه في سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وملك البلاد من بعده (ابنه سليمان) ثم كان بين سليمان ومسلم بن قريش صاحب الشأم حروب انهزم سليمان في بعضها وطعن نفسه بخنجر فمات في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وملك بعده ابنه (قليج أرسلان) تلك البلاد، ثم قتل قليج أرسلان في
стр. 2553
بعض الوقائع.
وولي مكانه بقونية وأقصرا وسائر بلاد الروم ابنه (مسعود) واستقام له ملكها، ثم توفّي مسعود بن قليج أرسلان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
وملك بعده ابنه (قليج أرسلان) .
ثم قسم قليج أرسلان المذكور هذه البلاد بين أولاده: فأعطى قونية وأعمالها لابنه (غياث الدين كيخسرو) وأقصرا وسيواس لابنه (قطب الدين) ودوفاط لابنه (ركن الدين سليمان) وأنكورية لابنه (محيي الدين) وملطية لابنه (عزّ الدين قيصر شاه) والأبلستين لابنه (غيث الدين) وقيساريّة لابنه (نور الدين محمود) وأعطى أماسية لابن أخيه. ثم ندم على هذه القسمة، وأراد انتزاع الأعمال من أولاده فخرجوا عن طاعته إلا ابنه غياث الدين كيخسرو صاحب قونية فإنه بقي معه.
وحاصر ابنه محمودا في قيساريّة فتوفّي وهو محاصر لها في منتصف شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
واستقلّ (غياث الدين كيخسرو) بقونية وما والاها.
ثم ملكها من يده أخوه (نور الدين محمود) .
ثم ملك (قطب الدين) صاحب أقصرا وسيواس قيساريّة من يد أخيه محمود غدرا، ثم مات قطب الدين في أثر ذلك.
فملك أخوه (ركن الدين سليمان) صاحب دوفاط ما كان بيد أخيه قطب الدين من سيواس وأقصرا وقيساريّة. ثم ملك قونية بعد ذلك من يد أخيه غياث الدين. ثم ملك أماسية، ثم سار إلى ملطية، فملكها من يد عز الدين قيصر شاه سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ثم ملك أنكورية بعد ذلك في سنة إحدى وستمائة، واجتمع لركن الدين سليمان سائر أعمال إخوته وتوفي عقب ذلك.
وتولّى بعده ابنه (قليج أرسلان) فأقام يسيرا ثم قبض عليه أهل قونية وملّكوا عمه غياث الدين كيخسرو مكانه فقوي ملكه وعظم شأنه، وبقي حتّى قتل في حرب صاحب القسطنطينيّة سنة سبع وستمائة.
стр. 2554
وملك بعده ابنه (كيكاوس) وتلقب الغالب بالله، وبقي حتّى مات سنة ستّ عشرة وستمائة، وخلّف بنين صغارا.
وملك بعده أخوه (علاء الدين كيقباد محمد شاه) وبقي حتّى توفي سنة أربع وثلاثين وستمائة.
وملك بعده ابنه (غياث الدين كيخسرو) وتوفي سنة أربع وخمسين وستمائة.
وملك بعده ابنه (علاء الدين كيقباد) بعهد من أبيه. وفي أيامه أرسل القان (منكوقان بن جنكزخان) صاحب التخت بقراقوم عسكرا فاستولوا على قيساريّة ومسيرة شهر معها ورجعوا إلى بلادهم. ثم عادوا في سنة خمس وخمسين وستمائة واستولوا على ما كانوا استولوا عليه أوّلا وزادوا عليه، فسار علاء الدين كيقباد إلى القان بهدايا استصحبها معه مصانعا له فمات في طريقه، فوصل رفقته بما معهم من الهدايا إلى القان، فأخبروه الخبر، ورغبوا إليه في ولاية (عز الدين كيكاوس) أخي كيقباد المذكور فكتب القان إليه بالولاية، ثم أشرك بعد ذلك بينه وبين أخيه (ركن الدين قليج أرسلان) على أن يكون من سيواس إلى تخوم القسطنطينيّة غربا لعز الدين كيكاوس. ومن سيواس إلى أرزن الرّوم شرقا متصلا ببلاد التتر، لركن الدين قليج أرسلان، على إتاوة تحمل إلى القان بقراقوم، وجهّز القان من أمرائه أميرا اسمه (بيدو) على أن يكون شحنة له ببلاد الروم، لا ينفّذون في شيء إلا عن رأيه، ورجعوا إلى بلادهم، وقد حملوا معهم جثّة كيقباد إلى قونية فدفنوه بها. ولم يزل الأمر على ذلك حتّى سار هولاكو «١» بن طولى بن جنكزخان بعد استيلائه على بغداد إلى الشام في سنة ثمان وخمسين وستمائة، بعث إلى عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان المذكورين بالطّلب، فحضرا إليه وحضرا معه فتح حلب، ومعهما معين الدين سليمان البرواناه صاحب دقليم، فاختار هولاكو
стр. 2555
أن يكون البرواناه المذكور سفيرا بينه وبينهما، ثم هلك بيدو الشّحنة ببلاد الروم.
وولي بعده ابنه (صمغان) ثم غلب ركن الدين قليج أرسلان على أخيه (عز الدين كيكاوس) وبقي في الملك وحده، وفرّ كيكاوس إلى (ميخائيل اللشكري) صاحب القسطنطينيّة، فأقام عنده حتّى بلغه عنه ما غيّر خاطره عليه فقبض عليه واعتقله حتّى مات.
واستبدّ ركن الدين قليج أرسلان بسائر بلاد الروم، فغلب على أمره معين الدين سليمان البرواناه المقدّم ذكره، ولم يزل حتّى قتله.
وأقام ابنه (غياث الدين كيخسرو) بن قليج أرسلان مكانه واستولى عليه وحجره، وصار البرواناه هو المستولي على بلاد الروم والقائم بملكها.
ثم دخل (الظاهر «١» بيبرس) صاحب الديار المصرية إلى بلاد الروم في سنة خمس وسبعين وستمائة، ولقيه صمغان بن بيدو الشّحنة من جهة التتار على بلاد الروم في جيش التّتر، فهزمهم وقتل وأسر، وسار إلى قيساريّة فملكها وجلس على تخت آل سلجوق بها، ثم رجع إلى بلاده.
وبلغ ذلك (أبغا) بن هولاكو صاحب إيران، فسار في جموعه إلى قيساريّة ورأى مصارع قومه فشقّ عليه، واتهم البرواناه في ممالأة الظاهر، فقبض عليه وقتله.
واستقلّ (غياث الدّين كيخسرو) بن ركن الدين قليج أرسلان بالملك بعده.
ثم لمّا ولي (أرغون) بن أبغا مملكة إيران بعد أبيه، قبض على غياث الدين كيخسرو وقتله في سنة إحدى وثمانين وستمائة.
وأقام مكانه (مسعودا) ابن عمه كيكاوس، وعزل صمغان بن بيدو
стр. 2556
الشّحنة. وولّى مكانه أميرا اسمه (أولاكو) وبقي مسعود بن كيخسرو في الملك وليس له منه سوى الاسم، والمتحدّث هو الشّحنة الذي من جهة التتر إلى أن مات في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستقلّ الشّحنة بالمملكة. وبقي أمراء التتر يتغالبون على الشّحنكيّة واحدا بعد واحد إلى أن كان منهم الأمير (سلامش) وبقي بها مدّة. ثم انحرف عن طاعة بيت هولاكو صاحب إيران، وكتب إلى الملك المنصور لاچين صاحب الديار المصرية يطلب تقليدا بأن يكون حاكما بجميع بلاد الرّوم، وأن يكون (أولاد قرمان) ومن عداهم في طاعته، فكتب له تقليد بذلك بإنشاء الشيخ شهاب الدين «محمود الحلبي» على ما سيأتي ذكره في الكلام على التقاليد فيما بعد إن شاء الله تعالى في المقالة الخامسة.
ثم خاف على نفسه من (غازان) صاحب إيران، ففرّ إلى الديار المصرية في الدولة المنصورية لاچين، ثم عاد إلى بلاد الروم لإحضار من تأخّر من أهله فقبضت عليه عساكر غازان وحملته إليه فقتله. ولم يزل أمرهم على التنقل من أمير إلى أمير من أمراء التتر إلى أن كان منهم الأمير (برغلي) وهو الذي قتل هيتوم ملك الأرمن صاحب سيس.
ثم كان بعده في سنة عشرين وسبعمائة الأمير (إبشبغا) .
ثم ولّى أبو سعيد صاحب إيران بعد ذلك على بلاد الرّوم هذه (دمرداش) ابن جوبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فقوي بها ملكه. ثم قتل أبو سعيد جوبان والد دمرداش المذكور، فهرب دمرداش إلى الملك الناصر محمد بن «١» قلاوون صاحب الديار المصرية. وكان سنقر الأشقر أحد أمراء الملك الناصر قد هرب إلى السلطان أبي سعيد فوقع الصلح بين السلطانين على أن كلّا منهما يقتل الذي عنده ففعلا ذلك.
وكان قد بقي ببلاد الروم أمير من أمراء دمرداش اسمه (أرتنا) فبعث إلى
стр. 2557
أبي سعيد بطاعته، فولّاه البلاد فملكها، فنزل سيواس واتخذها كرسيّا لملكه، ثم خرج عن طاعة أبي سعيد وكتب إلى الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية، وسأله كتابة تقليد بالبلاد، فكتب إليه بذلك وجهّزت إليه الخلع، فأقام دعوة الخطبة الناصريّة على منابر البلاد الرّوميّة، وضرب السّكّة باسمه، وجهّز بعض الدراهم المضروبة إلى الديار المصرية، وصارت بلاد الروم هذه من مضافات الديار المصرية، ولم يزل (أرتنا) على ذلك إلى أن توفّي سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
واستولى على الروم أولاده من بعده إلى أن كان بها (محمد بن أرتنا) في سنة ست وستين وسبعمائة، وبقي حتّى توفّي في حدود الثمانين والسبعمائة وخلّف ابنا صغيرا.
فاستولى عليه الأمير (قليج أرسلان) أحد أمراء دولتهم وكفله.
ثم غدر به (القاضي إبراهيم) صاحب سيواس وقتله في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة واستولى على مملكة سيواس.
قال في «العبر» : وكان من طوائف التّركمان ببلاد الروم جموع كثيرة، كانوا يستعينون بهم في حروبهم على أعدائهم، وكان كبيرهم في المائة الرابعة أميرا من أمرائهم اسمه (جق) فلما ملك سليمان بن قطلمش المقدّم ذكره قونية وأقصرا بعد أبيه على ما تقدّم ذكره، خرج جق هذا مع «مسلم بن قريش» صاحب الموصل على سليمان بن قطلمش، فلما التقي الجمعان مال (جق) بمن معه من التّركمان إلى سليمان بن قطلمش، فانهزم مسلم بن قريش وقتل، وأقام أولئك التّركمان أيام سليمان بن قطلمش بجبال تلك البلاد وسواحلها. فلما ملك التتر هذه البلاد وصار الملك لقليج أرسلان بعد غلبة أخيه كيكاوس، كان أمراء التّركمان يومئذ (محمد بك) وأخوه (إلياس بك) وصهره (علي بك) وقريبه (سونج) فخرجوا عن طاعة قليج أرسلان وبعثوا بطاعتهم إلى هولاكو صاحب إيران وتقرير إتاوة عليهم على أن يبعث إليهم بلواء الملك على عادة
стр. 2558
الملوك، وأن يبعث شحنة من التتر تختصّ بهم، فأجابهم إلى ذلك وقلّدهم الملك وبعث إليهم بلواء. فملّكوا عليهم (محمد بك) .
ثم أرسل هولاكو يطلب محمد بك، فامتنع عليه وخالفه صهره عليّ بك فقدم على هولاكو فقدّمه على قومه مكان محمد بك. ثم جاء محمد بك إلى قليج أرسلان صاحب بلاد الروم مستأمنا فأمّنه ثم قتله، واستقرّ علي بك في امرة التّركمان.
ولما تناقص أمر التتر وضعف ببلاد الروم المذكورة واستقرّ بنو أرتنا بسيواس وأعمالها، غلب هؤلاء على ما وراء الدروب وما كان فتحه التتر من نواحي الشمال إلى خليج القسطنطينيّة.
واشتهر من ملوكهم ستّ طوائف:
الطائفة الأولى (أولاد قرمان)
وهم أصحاب أرمناك وقسطمونية وما والاها من شرق هذه البلاد كما تقدم.
قال في «مسالك الأبصار» : وهم أهل بيت توارثوا هذه البلاد، ولا يخاطب قائم منهم إلا بالإمارة. قال في «التعريف» : وهم أجلّ من لدى ملوكنا من التّركمان: لقرب ديارهم، وتواصل أخبارهم، ولنكايتهم في متملّك سيس وأهل بلاد الأرمن، واجتياحهم لهم من ذلك الجانب، مثل اجتياح عساكرنا لهم من هذا الجانب.
قال: وأكبرهم قدرا، وأفتكهم نابا وظفرا، الأمير (بهاء الدين موسى) وحضر إلى باب السلطان وتلقّي بالإجلال، وأحلّ في ممتدّ الظّلال، وأورد موارد الزّلال، وأري ميامن أسعد من طلعة الهلال، وحجّ مع الركب المصريّ وقضى المناسك، وأسبل في ثرى تلك الرّبا بقيّة دمعه المتماسك، وشكر أمراء الركب دينه المتين، وذكروا ما فيه من حسن اليقين، وعاد إلى الأبواب السلطانية، وأجلس في المرتين مع أمراء المشورة، فأشرك في الرأي وسأل السلطان في منشور يكتب له بما يفتح
стр. 2559
بسيفه من بلاد الأرمن ليقاتل بعلمه المنشور، ويجتني من شجر المرّان جنى عسله المشور، فكتبه له.
ثم قال: وهم على ما هم عليه يدارون ملوك التتار، وهو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر لا تغبّ المكاتبات بينهم، ولا ينقطع بذل خدمته لهم، وإقبالهم عليه، واعتدادهم بموالاته.
قال في «مسالك الأبصار» : وهم عصبة ذات أيد ويد، وجيوش كثيرة العدد، وهم أصحاب الحروب التي ضعضعت الجبال، ولهم مع الأرمن وبلاد التّكفور، وقائع لا يجحدها إلا الكفور، يتخطّفهم عقبانهم القشاعم «١» [وتلتهمهم] «٢» أسودهم الضّراغم. قال: وهم أهل بيت ألقى الله عليهم محبة منه، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفا. ثم ذكر بعد ذلك بكلام طويل أنهم هم الذين كانوا ألّفوا بين سلامش وبين المنصور لاچين، وأنهم هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يطعن في دينهم، بل مهما ورد من جهتهم تلقّي بالقبول، وحمل على أحسن المحامل. ثم قال: وحكي عمّن تردّد إليهم وعرف ما هم عليه أنهم رجال صدق، وقوم صبر، لا تستخفّ لهم حفيظة، ولا تردّ بحنقها لهم صدور مغيظة، ولهذا أمراء الرّوم لا يطأون لهم موطئا يغيظ، ولا يواطئون لهم عدّة شهور في مشتى ولا مقيظ؛ وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار، ويعدّد عليهم عظام الذنوب الكبار، ووقاية الله تكفيهم، وحياطته عن عيون القوم تخفيهم، ولذلك كان السلطان (محمود غازان) يقول: أنا أطلب الباغي شرقا وغربا، والباغي في ثوبي، يريد أولاد قرمان وتركمان الروم [ومع هذا لم يسلّط عليهم] .
وحكي عن الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخي النجيب أنه قال يوما: لولا الأكراد وأولاد قرمان وتركمان الروم، دست بخيلي مغرب الشمس.
стр. 2560
الطائفة الثانية (بنو الحميد)
وهم أصحاب أنطاليا وفلك بار على ما تقدّم ذكره، وهم من عظماء ملوك التركمان.
الطائفة الثالثة (بنو أيدين)
وهم أصحاب بركي وما معها، على ما تقدّم ذكره. قال في «مسالك الأبصار» وقد ذكر محمد بن أيدين صاحب بركي المذكورة: وهذا ابن أيدين ما أعرف أن له بمن حوله من ملوك الممالك إلماما، ولا أنّ له أخبارا ترد طروقا ولا إلماما، بل هو في عزلة من كل جانب، لا مخالط ولا مجانب.
الطائفة الرابعة (بنو منتشا. وهم أصحاب فوكة وما معها)
وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن منهم أولاد دندار. ثم قال: ولهؤلاء بني دندار إلى ملوك مصر انتماء، ولهم من تحف سلاطينها نعماء. قال: وكان بمصر منهم من له إمرة فيها ثم عاد إلى بلاده بعد مهلك تمرتاش بن جوبان، لأنه كان قد ترك بلاده لأجله، وفرّ هاربا من يده لعداوة كان قد اضطرمت بينهما شرورها، واضطربت أمورها، فلمّا خلت من مجاورة تمرتاش تلك البلاد، عاد.
ويقال: إنه قتل ولم يصل إلى بلاده.
الطائفة الخامسة (بنو أورخان بن عثمان جق)
وهو صاحب برسا على ما تقدّم ذكره. قال في «العبر» : وكان قد اتخذ برسا دارا لملكه، ولكنه لم يفارق الخيام إلى القصور، وإنما كان ينزل بخيامه في بسيطها وضواحيها ولم يزل على ذلك إلى أن مات.
следующие страницы →